Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
رضي الله عنه "أن رجلاً ذُكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رَجُلٌ خيراً، فقال النبي ﷺ : "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ -يقوله مراراً- إن كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً أخاه لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا
ــ
(أن رجلاً ذكر عند النبي ﷺ ) ذكر فيه بصيغة المجهول. قوله: (فقال ﷺ ويحك الخ) يحتمل أن سبب ذلك كون المادح جاوز في مدحته ودخل في الإطراء المنهي عنه لما فيه من الكذب كما سبق أول الباب ويحتمل أنه خشي على الممدوح أن يبلغه الثناء عليه فتحصل له به فتنة من عجب ونحوه والله أعلم، وويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها كما سبق وأخرجه الشيخان في كتاب الشهادات وفي باب قول الرجل ويلك بلفظ فقال: ويلك وهو منصوب بمقدر من غير لفظه وهو في الأصل الحزن والمشقة من العذاب ويستعمل بمعنى التفجع والتعجب وهو هنا يصلح للأمرين كذا في تحفة القاري للشيخ زكريا. قوله: (يقوله مراراً) أخرجه البخاري هكذا في باب ما
يكره من التمادح وأقل ما يصدق به ثلاث مرات وقد جاء مصرحاً به بلفظ ثلاث مرات عند البخاري في باب قول الرجل ويلك وكذا أخرجه أبو داود ووقع عند البخاري في آخر كتاب الشهادات فقال ﷺ : "قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مراراً" قال الشيخ زكريا: ظاهره أنه قال الكلمتين مراراً فيصدق بأنه قال كلا منهما ست مرات بناء على أن أقل الجمع ثلاثة اهـ. قلت: بل ظاهر اللفظ أن التكرار مرة ثانية من كلام الراوي أراد ابتداء التكرار بقدر مرات تكراره ﷺ فلما رأى طول ذلك اقتصر على الثانية وأشار إلى الكثرة بقوله مراراً فالذي يفيد الحديث حينئذٍ تكرار هذا المقال منه ﷺ مراراً المحتمل للثلاث وما فوقها والله أعلم وبتقدير ثبوت ذلك فلا ينافي ما جاء من أنه قال ذلك ثلاثاً إما لأن ذكر الأقل لا ينفي الزائد وإما لاحتمال تعدد القصة والله أعلم. قوله: (لا محالة) هي بفتح الميم أي لا بد. قوله: (أحسب كذا وكذا الخ) أحسب بفتح السين أفصح من كسرها أي أظن وماضيه بكسرها فيهما ومصدره محسبة بفتح السين وكسرها وحسبان وأما
стр. 1962
إن كانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ، وحَسِيبُهُ اللهُ ولاَ يُزكي على اللَّهِ أحَداً".
وأما أحاديث الإباحة فكثيرة لا تنحصر، لكن نشير إلى أطراف منها.
فمنها قوله ﷺ في الحديث الصحيح لأبي بكر ﵁: "ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثهُما؟ ".
ــ
حسبت بمعنى العدد فبفتح السين في الماضي وضمها في المضارع ومصدره حسب وحساب وحسابة وحسبان بالضم في الأخير كذا في تحفة القاري للشيخ زكريا. قوله: (إن كان الخ) أي يقول المادح أحسب كذا وكذا أي علم وكرم فلان إن كان المادح يرى أي يعلم أن الممدوح كذلك وإلا كان إطراء ومجاوزة للحد أو كذباً. قوله: (وحسيبه الله) أي محاسبه ربه على علمه وقيل معناه كافيه فهو فعيل بمعنى فاعل والمراد من علم ذلك ظنه كما يدل عليه قوله فليقل: أحسبه كذا الخ إذ القطع لا يعلمه إلا الله والجملة اعتراضية بين المتعاطفين تحريضاً على تحري الصدق والتثبت في ذلك. قوله: (ولا يزكي على الله أحداً) هكذا رواه البخاري في باب ما يكره من التمادح ورواه في آخر الشهادات ولا أزكي ويزكي بالبناء للفاعل وأحداً منصوب وفي نسخة من البخاري بالبناء للمفعول ورفع أحد والغرص من هذه الجملة منعه من الجزم بالتزكية على الله تعالى لأنه الذي يعلم السرائر ثم هم على رواية ولا أزكي معطوف على أحسب من جملة المقول أي فليقل: أحسب الخ ولا أزكي على الله أحداً أي لا أقطع له بعاقبة ولا بما في ضميره لأن ذلك مغيب عني وظاهر كلام الشيخ زكريا أنه كذلك على رواية التحتية لأنه أعرب جملة والله حسيبه معترضة بين المتعاطفين أي أحسب ولا يزكي والله أعلم.
قوله: (وأما أحاديث الإباحة الخ) يوهم حصر أحاديث المنع فيما ذكر وهو غير مراد نعم أحاديث المنع أقل من أحاديث الإباحة ولم يعدل إلى الترجيح بالكثرة لأن محل العدول ما لم يمكن إعمال الدليلين وإلا فهو الأولى. قوله: (قوله ﷺ في الحديث الصحيح الخ) أخرجه الشيخان والترمذي كما في جامع الأصول كلهم من حديث أبي بكر ﵁ قال: نظرت إلى أقدام
المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحداً نظر إلى قدميه أبصرنا
تحت قدميه فقال ﷺ : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما اهـ.
وقوله (الله ثالثهما) قال المصنف معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وفيه بيان عظيم
стр. 1963
وفي الحديث الآخر: "لَسْتَ مِنْهُمْ" أي لست من الذين يُسْبِلُون أُزُرَهم خُيَلاء.
وفي الحديث الآخر: "يا أبا بَكْرٍ لا تَبْكِ،
ــ
توكل النبي ﷺ حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁ وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها هذا الفضل ومنها بذل نفسه ومفارقة أهله وماله ورياسته في طاعة الله ورسوله وملازمة النبي ﷺ ومعاداة النّاس فيه ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك اهـ.
قوله: (وفي الحديث الآخر لست منهم الخ) أي وقوله ﷺ لأبي بكر ﵁ هو حديث صحيح رواه البخاري وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال: قال ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال ﷺ : "إنك لست تصنع ذلك خيلاء كذا في جامع الأصول وقال الربيع في التفسير بعد إيراده بهذا اللفظ أخرجه الخمسة إلا الترمذي ومراده بالخمسة الصحيحان والسنن غير سنن ابن ماجه ثم ظاهر إيراد الحديث عند من ذكر أنه بهذا اللفظ أي لست ممن يجر إزاره الخ وقضية تعبير المصنف أن لفظ الخبر لست منهم أي بضمير الجمع المذكر الغائب أورده كذا في كتاب الإيمان من شرح مسلم ولعله كذلك عند بعض رواته والله أعلم قال ابن النحوي في شرح البخاري في الحديث منقبة للصديق ﵁ حيث شهد له الشارع بأنه ليس منهم قال الكرماني قال ابن قتيبة في كتاب المعارف كان أبو بكر الصديق ﵁ نحيفا أحني لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه أقول لفظ أحني بالحاء المهملة وبالجيم يقال رجل أحنى الظهر بالمهملة أي في ظهره أحديداب ورجل أجنأ بالجيم مهموز أي أحدب الظهر ثم الاسترخاء يحتمل أن يكون من طرف القدم نظراً إلى الأحديداب ويحتمل أن يكون من اليمين أو الشمال نظراً إلى النحافة إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره على السواء والله أعلم.
قوله: (وفي الحديث الآخر) أي وقوله ﷺ في الحديث الآخر لأبي بكر أي عنه مخبراً بما له عنده من المرتبة وهو حديث صحيح رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ النّاس وقال: "إن الله تعالى خير عبداً
стр. 1964
إن أمَنَّ النَّاس عليَّ في صحبته وماله
أبو بكر، ولَوْ كُنتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتي خَلِيلاً لاتخَذْتُ أبا بَكْرِ خَلِيلاً".
ــ
بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله قال: فبكى أبو بكر فقلت في نفسي ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبداً بين الدنيا وبين عنده فاختار ما عنده فكان ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا فقال ﷺ : "يا أبا بكر لا تبك إن أمن النّاس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته" والحديث قال المزي في الأطراف: أخرجه البخاري في كتاب الصلاة ومسلم في الفضائل والترمذي والنسائي في المناقب وقال الترمذي حسن صحيح. قوله: (إن أمن النّاس) بفتح الميم وتشديد النون أي أكثرهم جوداً بنفسه وماله بلا استثابة أي لا تعطي لتأخذ أكثر مما أعطيت فليس هو من السنن الذي يفسد
الصنيعة فإنه لا منة عليه ﷺ لأحد بل منته على جميع الخلق ووقع في نسخة من البخاري إن من أمن النّاس على الخ وعليها فتؤول لأجل رفع أبي بكر بأن من أمن صفة لمحذوف أي إن رجلاً من أمن النّاس أو يجعل اسم إن ضمير الشأن كما قيل به في حديث إن من أشد النّاس عذاباً يوم القيامة المصورون. قوله: (ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) هكذا هو في رواية للبخاري وفي رواة أخرى ولو كنت متخذاً خليلاً وفي رواية لاتخذت أبا بكر بحذف خليلاً وفي أخرى يعني خليلاً والخليل فعيل بمعنى مفعول وهو كما قال الزمخشري المخال الذي يخالك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل أو تسد خللك كما يسد خلله وقيل أصل الخلة الانقطاع فخليل الله المنقطع إليه والمعنى ها هنا لو كنت منقطعاً إلى غير الله لانقطعت إلا أبي بكر ولو اتسع قلبي لغير الله لاتسع له، وأما قول بعض الصحابة سمعت خليلي ﷺ فانقطاع إلى النبي ﷺ وذلك انقطاع إلى الله مع أن البعض هو الذي اتخذ النبي خليلاً لا أن النبي اتخذه خليلاً.
ثم الحديث نظير حديث السيدة فاطمة حيث بكت لما أخبرها النبي ﷺ بقرب وفاته وأزال عنها أثر ذللك الحزن حيث بشرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة فكذا الصديق لما حزن وبكى على ما فهمه من الإيذان بفراق المصطفى ﷺ جبر الرسول ﷺ قلبه فكأنه قال:
стр. 1965
وفي الحديث الآخر: "أرْجُو أنْ تَكُون مِنْهُمْ" أي من الذين يُدْعَون من جميع أبواب الجنة لدخولها.
وفي الحديث الآخر: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرهُ بالجنَّةِ".
ــ
"لا تبك يا أبا بكر وأعلمه بما يسر به بقوله إن أمن النّاس على الخ" وهذا مما فتح الله علي به ولم أجده لأحد وهو واضح جلي والله أعلم. قوله: (وفي الحديث الآخر) أي وقوله ﷺ في الحديث الآخر لأبي بكر وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي واقتصر المصنف على قوله (وأرجو أن تكون منهم) ولم يقل: يا أبا بكر وعند البخاري بزيادة ذلك والحديث عند جميع من ذكر من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعى من أبواب يعني أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الصيام باب الريان" فقال أبو بكر ما على الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة وهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله فقال: نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر قال المصنف في شرح مسلم وفي الحديث منقبة لأبي بكر ﵁ جواز الثناء على الإنسان إذا لم يخف منه إعجاب اهـ. قال السيوطي في التوشيح الرجاء من الله ومن نبيه واقع، ثم إن أبواب الجنة ثمانية وعد في الحديث أعمال أربعة منها وبقي منها باب الحج ولم يرد فيه حديث وباب للمتوكلين وهو باب الأيمن وباب للكاظمين الغيظ وفيه حديث عند أحمد وباب للذكر أو العلم ففي الترمذي ما يوميء إليه اهـ.
قوله: (وفي الحديث الآخر ائذن له وبشره بالجنة) أي ومن أحاديث الإباحة بالشرط السابق
قوله ﷺ في الحديث الطويل في قصة بئر أريس لما جعل أبو موسى الأشعري نفسه ملازماً للباب وفي رواية للترمذي أنه بأمره ﷺ وجمع بينهما المصنف باحتمال أنه أمره أولاً بذلك لكونه ﷺ كان يقضي حاجة الإنسان ويتوضأ ثم حفظ الباب أبو موسى من تلقاء نفسه قال: فجاء أبو بكر فدفع الباب فقال أبو موسى: من هذا فقال أبو بكر فقلت: على رسلك ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله أبو بكر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة ووقع مثله لعمر وعثمان ﵄ الحديث
стр. 1966
وفي الحديث الآخر: "اثْبُتْ أُحُدُ
ــ
رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي موسى وفي بعض طرقه أن كلاًّ منهم قال حين بشر الحمد الله وقال عثمان الحمد الله والله المستعان وفي الحديث منقبة لمن ذكر فيه حيث بشروا بالجنة ولعثمان بزيادة الابتلاء ووقع كما أخبر ﷺ وفيه معجزة له ﷺ .
وفي ترتيب الشيخ الأحاديث المذكورة في فضل الصديق تلميح إلى أن ترتبها في الخارج كذلك فإن داعي الخير سابقة الفضل والإعانة من الله سبحانه المدلول على ذلك بقوله ما ظنك باثنين الله ثالثهما ومن كانت له هذه المكانة من فضل ربه يحفظ من سائر المخالفات ومنها الخيلاء كما قال ﷺ لست منهم أي من أرباب الخيلاء والتخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل سبب لحلول الفيوض الإلهية والتجليات الربانية على القلب فيصير الإنسان من أرباب الإلهام والتحديث فيفهم ما لا يفهمه غيره من إشارات الخطاب ومنه ما في الحديث الثالث ولما كان منه ما كان من الحزن على فقد المصطفى وغلبه الحال حتى بكى جبر ﷺ قلبه وبشره بما يسر له من قوله إن من أمن النّاس على الخ أي أسرعهم إجابة بنفسه وماله لداعي الله وهو الرسول ففيه الإيماء إلى أن من بادر لطاعة الرسول فقد بادر لطاعة مولاه وذلك سبب خيره في عاجله وعقباه ومن خير العقبى حلول الجنان خصوصاً مع مزيد الإكرام بأن يدعى من كل أبوابهما الثمان ويخير في الدخول من أيها شاء تنويها بشأنه وإعلاماً بعلى قدره ومكانه والله أعلم. قوله: (وفي الحديث الآخر) أي ومن أحاديث إباحة المدح بشرطه قوله لأحد لما رجف رجفة سرور وطرب بمن عليه وذلك بأن جعل الله فيه من الإدراك ما أدرك به كمال من عليه ويدل لذلك ظاهر قوله ﷺ أحد جبل يحبنا ونحبه فلما رجف أحد وكان عليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان قال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان والحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي من حديث أنس وفي رواية فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وفي الحديث فضل عظيم لمن ذكر فيه. قوله: (أثبت أحد) أي يا أحد وهو الجبل المعروف بالمدينة.
стр. 1967
فإنَّما عَلَيكَ نَبِيٌّ وَصِدَّيقٌ وَشَهِيدَانِ".
وقال رسول الله ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ قَصْراً، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قالوا: لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ
ــ
قوله: (فإنما عليك نبي الخ) حكمة هذه الجملة تبيين أن هزة أحد ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم لأن تلك رجفة غضب وهذه طرب كذا في تحفة القاري قال وفي نسخة وصديق بالواو في محل أو وفي أخرى وشهيد بالإفراد والمراد منه ما جاء في الثانية شهيدان قال: وصح تفسيره بهما لأن فعيلاً يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع قال الكرماني فإن قلت وصديق بالواو وشهيد بالألف قلت: تغيير الأسلوب للإشعار بمغايرة حالهما لأن النبوة والصدق حاصلتان حينئذٍ بخلاف الشهادة والأولان حقيقة والثالث مجاز وفي بعضها بلفظ أو فيهما قيل أو بمعنى الواو اهـ. وفي ذكر هذا الحديث وما
قبله بين الأحاديث التي في فضل الصديق والتي في فضل عمر لأنه جامع لفضلهما منوه بعلو شأنهما ففي الأول أنهم من أهل الجنة وفي الثاني الإخبار بشأن الصديق من الصديقية التي هي أعلى المراتب بعد وصف النبوة وبما لعمر من حوز الشهادة التي هي من أسنى أسباب السعادة وفي الحديث معجزة له ﷺ فقد وقع لهم كما ذكر ﷺ توفي عمر وعثمان شهيدا والصديق صديقاً حميداً.
قوله: (وقال ﷺ الخ) ينبغي أن يقدر قبله حرف مصدري ينسبك معه الفعل بالقول ليحصل التناسب بين المتعاطفات أو أنه أتى به كذلك لأن قوله في معنى ما قال أي دليل الإباحة ما قال مما تقدم في فضل الصديق وما قال ﷺ مما يذكر في فضل عمر ﵁ رأيتني دخلت الجنة ورأيت قصراً بفنائه جارية فقلت: لمن هذا فقيل لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك فقال: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار أخرجه مسلم من حديث جابر وأخرجه البخاري من حديثه أيضاً بنحوه وفيه زيادة أنه رأى في الجنة الرميصاء وبلالاً وعند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وفي آخره قال أبو هريرة فبكى عمر ونحن جميعاً في المجلس مع رسول الله ﷺ ثم قال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار وأخرجه الترمذي من حديث أنس وليس فيه قوله فأردت أن أدخل الخ وأخرجه أيضاً من حديث بريدة بطول وفيه ذكر رؤيته لبلال في الجنة. قوله: (فرأيت فيها قصراً) من ذهب كما في حديث بريدة
стр. 1968
أدْخُلَهُ، فَذَكرْتُ غَيْرَتَكَ، فقال عمر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ ".
وفي الحديث الآخر: "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجِّك".
ــ
عند الترمذي قال: فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب الحديث. قوله: (غيرتك) هو بفتح الغين المعجمة مصدر غار الرجل على أهله غيرة وفي شرح الرسالة القشيرية للشيخ زكريا المغيرة هي سقوط الاحتمال وضيق الصدر عن الصبر وهي إن لم تكن في مباح مذمومة ولذا قال ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وإن كانت في مباح فهي ممدوحة ومطلوبة" اهـ. قوله: (بأبي وأمي) أي أنت مفدي بهما. قوله: (أعليك أغار) قال الكرماني (إن قيل) القياس أن يقال: أمنك أو بك أغار عليها (قلت) لفظ عليك ليس متعلقاً بقوله أغار بل معناه مستعلياً عليك أغار عليها مع أن القياس في ذلك ممنوع أي لأن المدار فيه على اتباع الرواية ولا محذور فيه اهـ. وقال الشيخ زكريا في تحفة القاري والحافظ السيوطي في التوشيح زاد عبد العزيز الحربي في فوائده وهل رفعني الله إلا بك وهل هداني إلا بك اهـ. قال ابن العز الحجازي وبكاء عمر محتمل أن يكون سروراً ويحتمل أن يكون تشوقاً وخشوعاً. قوله: (وفي الحديث الآخر) بفتح الخاء المعجمة أي ومن أحاديث الإباحة ما قاله ﷺ في فضل عمر ﵁ ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك أخرجه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. قوله: (فجاً) هو بفتح الفاء وتشديد الجيم أي طريقاً واسعاً. قوله: (إلا سلك فجاً غير فجك) قال المصنف هو على ظاهر وأن الشيطان يهرب إذا رآه وقال عياض: هو على ضرب المثل وأن عمر فارق سبل الشيطان وسلك طرق السداد فخالف فجه فج الشيطان "وفي التوشيح للسيوطي".
فائدة
وقع السؤال في هذه الأيام عن هذا الحديث مع حديث تفلت الشيطان على النبي ﷺ ليقطع صلاته وهو أعظم وأجل وأجيب بأجوبة أقواها إن وقوع هذا التفلت له ﷺ مرة مع الإمكان من قهره
стр. 1969
وفي الحديث الآخر: "افْتَحْ لِعُثْمَانَ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ".
وفي الحديث الآخر قال لعلي: "أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ".
وفي الحديث الآخر قال لعلي: "أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ ".
ــ
وأسره لا يقتضي انحطاطاً بل فيه أعظم العلو وهو الإمكان منه مع أن من المعلوم حراسته ﷺ من الشيطان بل حراسة السماء من الشياطين بسببه من يوم مولده وذلك أبلغ وأعظم من هروب الشيطان من عمر اهـ. قوله: (وفي الحديث الآخر الخ) أي ومن أحاديث الإباحة ما قال ﷺ : افتح لعثمان قلت الذي عند الترمذي في حديث أبي موسى الأشعري في بعض طريقه أنه لما استأذن عليه ﷺ في كل من الثلاثة قال افتح له ولعل الشيخ رواه بالمعنى وأحل الاسم الظاهر المراد في محل الضمير الثابت في الرواية أو أنه جاء ذلك في بعض طرقه والله أعلم والحديث سبق الكلام عليه فيما فيه مدح الصديق ﵁. قوله: (أنت مني وأنا منك) هذا حديث صحيح رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم فقال قال النبي ﷺ لعلي: "أنت مني الخ" أي كل منا متصل بالآخر قرباً وعلماً فمن هذه تسمى الاتصالية.
فائدة
هذا الحديث من مناقب علي ﵁ قال السيوط في التوشيح قال أحمد والنسائي وغيرهما لم يقع في أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي وكان السببب في ذلك أنه تأخر ووقع الاختلاف في زمانه وكثر محاربوه والخارجون عليه فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه لكثرة من كان يرويها من الصحابة ردّاً على من خالفه وإلا فالثلاثة لهم من المناقب ما يوازيه ويزيد عليه. قوله: (وفي الحديث الآخر الخ) هو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث سعد ابن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال: أما ترضى الخ وعند من ذكر في رواية أخرى زيادة في آخره غير أنه لا نبي بعدي. قوله: (أما ترضى الخ) استدل به الرافضة على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة فإن هارون كان خليفة موسى لما ذهب إلى الميقات وأجيب بأنه لم يكن خليفة بعد موته كما تبين بل في حياته وكذا علي فإن سببب قوله ذلك ما ذكره من تخليفه في غزوة تبوك له في أهله وإنما خصه هنا
стр. 1970
وفي الحديث الآخر قال لبلال: "سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ في الجَنَّةِ".
وفي الحديث الآخر قال لأُبي بن كعب: "لِيَهْنَأكَ العِلمُ أبا المُنْذِرِ".
ــ
بهذه الخلافة لمكان القرابة فكان استخلافه في الأهل أقوى من غيره ففيه الدليل على فضله بل باقي قرابته ﷺ .
قوله: (وفي الحديث الآخر قال لبلال الخ) سبق تخريجه فيما ورد في مدح عمر ﵁ وهو عند الشيخين بهذا اللفظ أخرجه البخاري في مناقب بلال معلقاً بصيغة الجزم فقال: قال النبي ﷺ : "سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" وأسنده في باب فضل الطهور بالليل والنهار من حديث
أبي هريرة ولفظه أنه ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك في الجنة" قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب أن أصلي وهو عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضاً كما يؤخذ من جامع الأصول وفي رواية لهما سمعت الليلة حشف نعليك بين يدي في الجنة والحديث من حديث أبي هريرة. قوله: (سمعت) أي في المنام كذا في التوشيح للسيوطي وقال الشيخ زكريا في تحفة القاري لأنه لا يدخلها أحد في اليقظة وإن كان المشهور أنه ﷺ دخلها ليلة الإسراء يقظة إلا أن بلالاً لم يدخلها اهـ. قوله: (دف نعليك) الدف بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء أي تحريكهما وقال آخرون صوت مشيك وهو الحركة أيضاً وفي الحديث فضل بلال واستحباب الصلاة عقب الطهارة وقد جاء عند أحمد ما أحدثت إلا توضأت وصليت فقال ﷺ بهذا. قوله: (وفي الحديث الآخر) هو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] "فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، وفي رواية أبي داود قال قال رسول الله ﷺ : أبا المنذر أي آية معك من كتاب الله أعظم قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قوله: (ليهنك العلم أبا المنذر) قال
стр. 1971
وفي الحديث الآخر قال لعبد الله بن سلام: "أنْتَ على الإسلامِ حتى تَمُوتَ".
وفي الحديث الآخر قال للأنصاري: "ضَحِكَ اللهُ ، أوْ عَجبَ مِنْ فَعالِكُمَا".
وفي الحديث الآخر قال للأنصار:
ــ
المصنف: فيه منقبة عظيمة لأبي المنذر ودليل على كثرة علمه وفيه تبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف إعجاب أو نحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى.
قوله: (وفي الحديث الآخر قال لعبد الله بن سلام) هو بفتح السين المهملة وتخفيف اللام سبقت ترجمته والحديث المذكور صحيح رواه الشيخان من حديث قيس بن عبادة وهو حديث طويل فيه منام رآه عبد الله بن سلام وذكره للنبي ﷺ يعبره له وقال في آخره وتلك العروة عروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت وفي رواية لمسلم ولن تزال متمسكاً بها حتى تموت.
قوله: (وفي الحديث الآخر قال للأنصاري ﵁ الخ) سبق تخريجه في كتاب أذكار الطعام في باب من أكرم ضيفه. قوله: (ضحك الله أو عجيب) كنايتان عن الرضا وتقدم فيه في ذلك مزيد كلام. قوله: (من فعالكما) قال في البارع الفعال بالفتح اسم الفعل كالجود والكرم وفي التهذيب الفعال بالفتح فعل الواحد في الخير خاصة يقال هو كريم الفعال وفي يستعمل في الشرر والفعال بالكسر إذا كان الفعل بين اثنين يعني أنه مصدر فاعل كقاتل قتالاً كذا في التوشيح.
قوله: (قال للأنصار الخ) الحديث صحيح رواه البخاري من حديث لأنس والأنصار اسم إسلامي لنصرهم رسول الله ﷺ وإنما كانوا يعرفون بأولاد قيلة وبالأوس والخزرج كما تقدم في أوائل
كتاب الجهاد وفي شرح البخاري لابن النحوي لما وفد النعمان بن بشير مع قومه من الأنصار على معاوية قال للحاجب استأذن للأنصار فقال عمرو بن العاص ما هذا اللقب اخرج فناد من كان هنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل فدخل ناس قليل ثم قال: اخرج فناد من كان هنا من أولاد قيلة أو من الأوس والخزرج فليدخل فلم يدخل أحد فقال معاوية: اخرج فقل ليدخل الأنصار فدخلوا يقدمهم النعمان يقول:
يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا ... نسب نجيب به سوى الأنصار
стр. 1972
"أَنتمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلي".
وفي الحديث الآخر قال لأشج عبد القيس: "إن فيكَ خَصْلَتَينِ يُحِبُّهُما الله تعالى وَرَسُولُهُ: الحُلْمُ وَالأناةُ".
وكل هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لم أُضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه ﷺ في الوجه كثيرة. وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم ﵃ أجمعين فأكثر من أن تحصر، والله أعلم.
قال أبو حامد الغزالي في آخر "كتاب الزكاة" من "الإحياء": إذا تصدَّق إنسان بصدقة، فينبغي للآخذ منه أن ينظر، فإن كان الدافع ممن يحب الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم، وطلبه الشكر ظلم، وإن
ــ
نسب تخيره الإله لصحبه ... اثقل به نسباً على الكفار
إن الذي يغزو ببدر منكمو ... يوم القليب همو وقود النار
ذكره أبو الفرج الأموي اهـ. قوله: (أنتم من أحب النّاس إلي) كرر ذلك مرتين في حديث أنس قال الشيخ زكريا هو حكم على المجموع أي مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم فلا ينافي قوله في جواب من قال له من أحب النّاس إليك قال أبو بكر اهـ.
قوله: (وفي الحديث الآخر قال لأشج عبد القيس) هو حديث صحيح مروي في الصحيحين من حديث ابن عباس وأشج عبد القيس اسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة القصري هذا هو الصحيح الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون أو الكثيرون وقال الكلبي المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف وقيل اسمه المنذر بن عامر وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمه عائذ بن المنذر وقيل عبد الله بن عوف كذا في شرح مسلم للمصنف. قوله: (الحلم) هو العقل (والأناة) قال في القاموس الأناة كقناة الحلم والوقار وقال المصنف هو التثبت وترك العجلة وهي مقصورة. قوله: (فينبغي للآخذ أن يخفيها) أي معاملة له بنقيض قصده لينصره على نفسه من ظلمها له وطلبها ما فيه هلاكه من الظلم.
قوله: (وإن
стр. 1973
علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهر صدقته. وقال سفيان الثوري ﵀: من عرف نفسه لم يضره مدح النّاس. قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب:
فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعي قلبه، فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هذا الذي يقال: إن تعلُّمَ مسألةٍ منه أفضلُ من عبادة سنة،
ــ
علم من حاله أنه لا يحب الشكر الخ) أي وذلك لحديث لا يشكر الله من لا يشكر النّاس وخرج من عمومه القسم الأول لما ذكر فيه. قوله: (من عرف نفسه الخ) أي من نور الله بصيرته فعرفه
نفسه وأوصافها من الذلة والفقر والضعف والعجز لم يضره مدح النّاس فيوقعه في إعجاب ونحوه لأنه يعلم أنه عاجز ضعيف لا يقدر على جلب محمدة ولا رفع مذمة وإن ما أثنى به عليه من الله فضلاً ومنه فيكون سبباً لزيادة رجوعه إلى ربه وخروجه عن نفسه والله أعلم. قوله: (فدقائق هذه المعاني) أي خشية العجب والفتنة والسلامة من ذلك ينبغي للمادح أن يتأمل فيها وينظر بعين بصيرته حال الممدوح فيها فيعامله بما يليق به. قوله: (ومثل هذا العلم هو الذي يقال الخ) "قال الأستاذ الكبير أبو الحسن الشاذلي" من لم يدخل في طريقنا هذه مات وهو مصر على الكبائر لأن القوم ﵃ لما رزقهم الله من نور اليقين عرفوا معايب النفس وغرورها فاحترزوا من ذلك وأخذوا أنفسهم بالجد والإخلاص في الطاعة ففازوا بما فازوا به نفع الله بهم.
قال عمي الشيخ العارف بالله تعالى أحمد بن علان البكري الصديقي النقشبندي سلمه الله تعالى: ليس هذا الكلام من الشيخ أبي الحسن على سبيل المبالغة بل هو على حقيقته لأن من لم يهذب نفسه بما ذكروه لا يؤمن عليه أن يطرقه العجب في عمله ويخشى عليه الهلاك بذلك قال ﷺ : "ثلاث منجيات وثلاث مهلكات" إلى أن قال وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن، ثم قال العم: فيا أخي فأي عامل يعمل ويسلم من العجب الذي هو من المهلكات بل هو أشدهن إلا من عصمه الله ومن
стр. 1974
إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهل به تموت عبادة العمر وتتعطل، وبالله التوفيق.
باب مدح الإنسان نفسه وذكر محاسنه
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] اعلم أن ذِكْر محاسن نفسه ضربان: مذموم؟ ومحبوب، فالمذموم أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع والتميز على الأقران وشبه
ذلك، والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف، أو ناهياً عن منكر، أو ناصحاً، أو مشيراً
ــ
درب نفسه بما ذكروه فحفظه الله والله أعلم. قوله: (إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر) فيصير للعمل اليسير منه ما ليس لغيره من كثير العمل لحياة قلبه ومزيد معرفته بربه وضده بضده والله أعلم.
باب مدح الإنسان نفسه وذكر محاسنه
قوله: (قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] قال أبو حيان في النهر لا تنسبوها إلى زكاة العمل والطهارة عن المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله منكم الزكي والتقي اهـ. ويعلم مما يأتي أن النهي مخصوص بما إذا قصد به الفخار ولم تترتب على التزكية مصلحة شرعية تقصد. قوله: (مذموم) أي وتتفاوت مراتبه بتفاوت مراتب القصد. قوله: (فالمذموم أن يذكره للافتخار الخ) وهو إنما يصدر عمن لم تنفتح عين بصيرته إذ كيف يفتخر بالعمل الصالح مثلاً وهو ليس له حقيقة إذ الكل الله ملكاً وإيجاداً وإنما الإنسان مظهر لتلك الأحوال فالمنة الله الملك المتعال قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ
هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ وقوله: (وإظهار الارتفاع) هو كالعطف التفسيري إذ الفخر ادعاء الشرف والعظم والكبر كما في النهاية وفيه تنبيه على أن ما يبديه المفتخر من إظهار الارتفاع والتميز ليس وصفاً له بالحقيقة إنما هو بحسب ادعائه وتسويل نفسه له ذلك. قوله: (وشبه ذلك) بكسر الشين المعجمة أي ما شابهه وحاكاه من المقاصد المذمومة. قوله: (والمحبوب فيه) أي المدح (أن يكون فيه) أي ذكر محاسنه (مصلحة دينية الخ) ثم محل كون ما ذكر محبوباً ألا يشينه بأن يقصد مع ذلك شيئاً من المذموم من
стр. 1975
بمصلحة، أو معلماً، أو مؤدِّباً، أو واعظاً، أو مُذَكِّراً، أو مصلحاً بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شراً، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به، أو نحو ذلك، وفي جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص، كقول النبي ﷺ : "أنا النبيُّ لا كذِبْ".
ــ
إعجاب ونحوه كما هو ظاهر فذلك يفسده ويصيره مبغوضاً بعد أن كان محبوباً.
قوله: (أو مؤدباً) بتشديد الدال المهملة المكسورة بعدها موحدة أي يعلم الآداب أي الأخلاق المحمودة. قوله: (أو واعظاً الخ) قال السيوطي في رسالته التي في التحذير من القصاص الوعظ تخويف يرق له القلب والتذكير تعريف الخلق نعم الله عليهم وحثهم على شكره وتحذيرهم من مخالفته اهـ. قوله: (ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله) أي يمدح نفسه حال كونه ناوياً بذلك المدح أن يكون أقرب إلى قبول قوله) فيكون أدخل في حصول ما موله من امتثال المعروف الذي يأمر به وقبول نصحه واجتناب المنكر الذي ينهى عنه. قوله: (واعتماد ما يذكره) أي وأقرب إلى اعتماد المتعلم والمؤدب ما يذكر له فاعتماد مصدر مضاف لمفعوله. قوله: (أو أن هذا الكلام) معطوف على قوله محاسنه أي يذكر محاسنه بقصد كون كلامه أقرب إلى القبول والاعتماد أو يقول أن هذا الكلام الخ بقصد نصيحة الطالب ليعتني به ولذا فرع عليه قوله فاحتفظوا به وهذا يقع من الكبار كثيراً كقول المصنف في مدح هذا الكتاب أنه لا يستغني عنه طالب الآخرة ونحوه فالقصد بهذا الكلام بذل النصيحة لأهل الإسلام لا الافتخار. قوله: (كقول النبي ﷺ أنا النبي لا كذب) سبق تخريجه والكلام على ما يتعلق به في كتاب الجهاد ومناسبته للباب أن في ذكره تثبيتاً للمؤمنين الذين معه أي أنا النبي الموعود بالنصر العزيز ووعد الله لا يخلف
стр. 1976
"أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ".
ــ
فأثبتوا أيها المؤمنون فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وجاء في الحديث عند الطبراني من حديث أبي سعيد زيادة في آخره (أنا أعرب العرب ولدتني قريش ونشأت في بني سعد بن بكر فإنى يأتيني اللحن) ذكره في الجامع الصغير. قوله: (أنا سيد ولد آوم) هذا حديث ثان وهو مبتدأ حديث أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ
أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من بني يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر قال المصنف في شرح مسلم قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة الخ قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم، وأما قوله يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سودده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند بخلاف الدنيا فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك وبعده لكن كان في الدنيا من يدعي الملك أو يضاف إليه مجازاً فانقطع كل ذلك في الآخرة، قلت: وإنما قال سيد ولد آدم ولم يقل سيد آدم تأدباً معه لأبوته ولأنه إذا فضل على أولاده ومنهم إبراهيم الأفضل من آدم ثبت فضله على آدم والله أعلم قال العلماء
стр. 1977
"أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ".
"أنا أعْلَمُكُمْ بالله وأتْقاكُمْ".
ــ
وقوله: أنا سيد ولد آدم لم يقله فخراً بل صرح بنفي الفخر في الحديث المشهور أنا سيد ولد آدم ولا فخر وإنما قاله لوجهين أحدهما امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ والثاني أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بمقتضى مرتبته كما أمرهم الله تعالى وقيل: المراد لا أقوله على سبيل الادعاء الذي هو معنى الفخر بل هو أمر حقيقي جعله الله لنبيه وشرفه به على سائر الرسل وإليه أشار في النهاية وقيل: لا أقوله مفتخراً به بل فخري بالعبودية والافتقار إليه سبحانه إذ تلك أشرف الأوصاف ﷺ قال المصنف: وفي هذا الحديث تفضيل له على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن نوع البشر أفضل من الملائكة وهو ﷺ أفضل جميع البشر لهذا الحديث وغيره وأما الحديث الآخر: لا تفضلوا بين الأنبياء فجوابه من خمسة أوجه أحدها أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به قلت: واعترض بأنه بعيد فإن راوي الحديث أبا هريرة متأخر الإسلام إلى عام خيبر ويبعد أن النبي ﷺ لم يطلع على تفضيله إلا حينئذٍ وقد يجاب بأنه يحتمل أن أبا هريرة سمعه من غيره ممن سمعه من النبي ﷺ وقد قاله قبل والله أعلم والثاني قاله أدباً وتواضعاً والثالث أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول والرابع إنما نهي عن تفضيل يفضي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث والخامس أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى ولا بد من اعتقاد التفضيل قد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ اهـ. قوله: (أنا أول من تنشق عنه الأرض) جاء من جملة الحديث قبله وجاء أول حديث آخر أورده في الجامع الصغير من حديث ابن عمر مرفوعاً أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة رواه الترمذي والحاكم في المستدرك. قوله: (أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له) حديث صحيح روى من طرق بألفاظ منها عند الشيخين من حديث أنس عن الثلاثة الواصلين لا زواجه ﷺ للسؤال عن
عبادته فتقالوها
стр. 1978
"إني أبِيْتُ عِنْدَ رَبي".
وأشباهه كثيرة، وقال يوسف ﷺ : ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
ــ
وفي آخر الحديث فجاء ﷺ إليهم فقال: "أنتم قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ومنها عندهما أيضاً من حديث عائشة صنع رسول الله ﷺ شيئاً فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشهدهم له خشية. قوله: (إني أبيت عند ربي الخ) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وفي بعض طرقه إني أظل وأخرجه الترمذي إني لست كأحدكم إن ربي يطعمني ويسقيني أشار بقوله إني أبيت الخ إلى وجه الفرق بينه وبين الأمة في حل مواصلة الصوم له ﷺ وتحريمها عليهم بأنه تعالى يفيض عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه إذا صام فلا يحس بجوع ولا عطش ويقويه على الطعام ويحرسه من ضعف القوى وكلال الحواس وأنشد في هذا المعنى:
لها أحاديث من ذكراك يشغلها ... عن الشراب ويلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به .... ومن حديثك في أعقابها حادي
أو أنه يطعمه ويسقيه حقيقة من الجنة قال المصنف الصحيح الأول إذ لو أكل حقيقة لم يكن مواصلاً اهـ. قال الشيخ زكريا في تحفة القاري وقد يقال: طعام الجنة ليس كطعام الدنيا فلا يقطع الوصل وقد حررت ما يتعلق بطعام الجنة المستعمل في الدنيا وفرقت بيين ما يجري على استعماله أحكام التكليف وبين ما لا يجري عليه ذلك في الباب الثالث من درر القلائد فيما يتعلق بزمزم وسقاية العباس من الفوائد. قوله: (وقال يوسف ﵊ اجعلني على خزائن الأرض الخ) قال أبو حيان في النهر: اجعلني أي ولني على خزائن الأرض أي خزائن أرضك إني حفيظ أحفظ ما استحفظه عليم بوجوه التصرف وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما مقصود الملوك ممن يولونه إذ هما يعمان وجوه التشقيف
стр. 1979
وقال شعيب ﷺ : ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] وقال عثمان ﵁ حين حصر ما رويناه في "صحيح البخاري" أنه قال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال:
ــ
والحياطة ولا خلل معهما لعامل وجاء حفيظ بصيغة المبالغة وهو مقصوده ولمناسبة قوله عليم اهـ. قال السيوطي في الأكليل واستدل بالآية على جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه وجواز التولية عن الكافر والظالم. قوله: (وقال شعيب صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وسلم ستجدني إن شاء الله من الصالحين) قال في النهر ستجدني إن شاء الله ذا وعد صادق مقرون بالمشيئة من الصالحين في حسن المعاملة ووطأة الحق اهـ. وفي الآيتين ثناء الإنسان على نفسه للحاجة إلى ذلك كما هو واضح. قوله: (وقال عثمان ﵁ حين حصر) بالحاء المضمومة والصاد المكسورة وحروفه مهملات من الحصر وكان ذلك في عام أربعين من الهجرة وكان مدة حصره قيل أربعين يوماً وقيل: خمسين وقد سبق بيان ذلك في باب أذكار الوضوء وسبب حصره ما جرى من تزوير مروان بن الحكم عليه وإرساله رسولاً لأهل
مصر في قتال محمد بن أبي بكر الصديق ﵄ ومن معه إذا قدموا إليه فوقع الكتاب في يد محمد بن أبي بكر ﵄ فعاد من الطريق إلى المدينة فحلف عثمان ﵁ أنه لم يأمر به ولم يرسله وصدق ﵁ فهو أجل قدراً وأنبل ذكراً وأورع وأرفع من أن يجري مثل ذلك على لسانه أو يده أو يكون له خائنة الأعين أو الألسن فلما حلف لهم طلبوا منه أن يسلمهم مروان فأبى عليهم فطلبوا منه أن يخلع نفسه فأبى عليهم لأن النبي ﷺ كان قائلاً له: يا عثمان إنه لعل الله أن يلبسك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه فلما أبى عليهم من ذلك اجتمع نفر من أهل مصر والكوفة: والبصرة وساروا إليه فأغلق بابه دونهم فحاصروه عشرين أو أربعين يوماً وكان معه في الدار نحو ستمائة إنسان فطلبوا منه الخروج للقتال فكره ذلك وقال: إنما المطلوب نفسي وسأقي المسلمين بها فتسوروا إليه عن دار أبي حزم الأنصاري فقتلوه والمصحف بين يديه ووقع بشيء من ذمه عليه وكان ذلك يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة سنة أربعين وكان يذكر لهم في أثناء مدة حصرهم له
стр. 1980
"مَنْ جهَّزَ جَيشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ؟ فجهزتُهم، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ، فحفرتُها؟ فصدَّقوه بما قال".
وروينا في "صحيحيهما" عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال حين شكاه أهل الكوفة: إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقالوا: لا يُحْسِنُ يصلِّي، فقال سعد: والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى،
ــ
ماله من الفضائل الجليلة والمآثر العديدة الجميلة وقصده بذلك أن ينقذهم مما هم فيه من المنكر ويدفع عن نفسه الضرر فلم يؤثر فيهم ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وهذا الحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي واللفظ الذي ساقه المصنف للبخاري وهو عندهم من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال واللفظ للبخاري وأن عثمان لما حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة" فحفرتها قال: وصدقوه بما قال. قوله: (من جهز جيش العسرة) التجهيز تهيئة الأسباب والمراد من العسرة وهي بالمهملتين ضد اليسرة غزوة تبوك سميت بذلك لأنها كانت في زمن شدة الحر وجدب البلاء وإلى شقة بعيدة وعدد كثير فجهز عثمان سبعمائة وخمسين بعيراً وخمسين فرساً وقيل غير ذلك وجاء إلى النبي ﷺ بألف دينار.
وقوله: (من حفر بئر رومة) هي بضم الراء وسكون الواو لما دخل رسول الله ﷺ المدينة لم يكن بها ماء عذب غير بئر رومة فقال: من اشترى بئر رومة أو قال: من حفرها فله الجنة فحفرها واشتراها بعشرين ألف درهم وسبلها على المسلمين ذكره الكرماني وغيره.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) أخرجاه عن قيس قال: سمعت سعداً يقول فذكره ورواه الترمذي. قوله: (حين شكاه أهل الكوفة: ) سبب شكواه أنه كان قواماً بالحق صالحاً لا تأخذه فيه ملامة وذلك صعب إلا على من ساعدته العناية وفي الحديث ما ترك الحق لعمر صديقاً. قوله: (فوالله إني لأول رجل من العرب رمي بسهم) قال الكرماني: وذلك أنه كان في سرية عبيدة بضم المهملة وفتح
الموحدة ابن الحارث بن المطلب بن
стр. 1981
ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وذكر تمام الحديث.
وروينا في "صحيح مسلم" عن علي ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النَّسَمة،
ــ
عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي كان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين بعثه ﷺ في ستين راكباً من المهاجرين وفيهم سعد وعقد له اللواء وهو أول لواء عقده رسول الله ﷺ فالتقى عبيدة وأبو سفيان الأموي وكان أول قتال جرى في الإسلام وأول من رمى السهم هو سعد وفيه قال:
ألا هل جاء رسول الله إني .. حميت صحابتي بصدور نبلي
فما يعتد رام من بعد ... بسهم من رسول الله قبلي
قوله: (ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وذكر تمام الحديث) هو قوله وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى أن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام لقد خبت إذاً وضل سعي وقوله: إن أحدنا ليضع أي عند قضاء الحاجة فيخرج منه مثل ما يخرج الشاة والإبل أي من البعر ليبسه وعدم الغذاء المألوف وقوله ما له خلط أي لا يختلط بعض الخارج ببعض لجفافه وقوله: تعزرني بزاي مشددة فراء مهملة أي بأني لا أحسن الصلاة وقوله خبت من الخيبة وهي الحرمان أي إن كنت لا أحسنها فأحتاج إلى تعليمهم فقد ضل عملي فيما مضى حاشاه من ذلك ووجه ذكره لما ذكر في دفع ما رمى به من عدم إحسان الصلاة أن هذه السابقة في الإسلام والمآثر الحميدة تأبى ما نسبوه إليه وترد كذب من كذب عليه.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وكذا رواه الترمذي والنسائي عن زر بن حبيش عن علي كذا في جامع الأصول. قوله: (والذي فلق الحبة) قال المصنف معناه شقها بالنبات. قوله: (وبرأ النسمة) هو بالهمز أي خلق النسمة وهي بفتح النون والسين المهملة الإنسان وقيل النفس وحكى الأزهري أن النسمة هي النفس وأن كل دابة في جوفها روح فهي
стр. 1982
إنه لعهد النبي ﷺ إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق".
قلت: برأ مهموز معناه: خلق، والنسمة: النَّفْس.
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود ﵁ فقال: "والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ
أني من أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه".
ــ
نسمة اهـ. قوله: (إنه لعهد النبي ﷺ الخ) أي لأن من عرف قرب علي ﵁ من رسول الله ﷺ وحبه ﷺ له وما كان له من نصرة الإسلام وسوابقه فيه أحبه ثم كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله سبحانه ونبيه ﷺ ومن أبغضه فكان بضد ذلك واستدل على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم.
قوله: (وروينا في صحيحهما) ورواه النسائي كلهم عن أبي وائل وهو شقيق بن سلمة واللفظ له ورووه عن مسروق ولفظه قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه كذا في جامع الأصول. قوله: (ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ
أني من أعلمهم بكتاب الله الخ) وقع في النسخة التي شرح عليها المصنف من مسلم أني لأعلمهم بحذف "من" قال المصنف في الحديث جواز ذكر الإنسان نفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة والنهي عن تزكية النفس إنما هو لمن زكاها ومدحها لا لحاجة بل للفخر والإعجاب وقد كثر تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة كدفع شر عنه بذلك أو تحصيل مصلحة أو ترغيب في أخذ العلم عنه أو نحو ذلك فمن المصلحة قول يوسف ﵇ اجعلني على خزائن الأرض أني حفيظ عليم ومن دفع الشر قول عثمان وقت حصاره ومن الترغيب قول ابن مسعود هذا وقول سهل بن سعد ما بقي أحد أعلم بذلك مني وقول ابن عباس على الخبير سقطت وفي الحديث استحباب الرحلة في طلب
العلم والذهاب إلى الفضلاء حيث كانوا وفي
стр. 1983
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت فقال: على الخبير سقطتَ -يعني نفسه .... وذكر تمام الحديث.
ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلها محمولة على ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
ــ
الحديث أنهم لم ينكروا دعوى ابن مسعود المذكورة عليه أي أنه أعلمهم أي بكتاب الله كما صرح به فلا يلزم منه أن يكون أعلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم بالسنة ولا يلزم من ذلك أيضاً أن يكون أفضل منهم عند الله فقد يكون واحد أعلم بباب آخر من العلم أو بنوع والآخر أعلم من حيث الجملة وقد يكون واحد أعلم من آخر وذلك أفضل عند الله تعالى بزيادة تقواه وخشيته وورعه وزهده وطهارة قلبه وغير ذلك ولا شك أن الخلفاء الراشدين كل منهم أفضل من ابن مسعود اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) والحديث عند أبي داود وليس فيه قوله على الخبير سقطت. قوله: (إذا أزحفت) أي أعيت ووقفت ويقال: أزحف البعير أي بالزاي والحاء المهملة والفاء فهو مزحف إذا وقف من الأعياء وأزحف الرجل إذا أعيت دابته كأن أمره أفضى إلى الزحف قال الخطابي صوابه أزحفت عليه غير مسمى الفاعل يقال: زحف البعير إذا قام من الأعياء وأزحفه السفر وزحف الرجل إذا انسحب على استه كذا في النهاية. قوله: (فقال على الخبير سقطت) قال المصنف معناه هنا صادفت خبيراً بحقيقة ما سألت عنه عالماً بخفيه وجليه حاذقاً فيه وقال الأبي في شرحه لصحيح مسلم قوله على الخبير هو مثل قال أبو عبيدة أصله لمالك بن جبير العائدي أحد حكماء العرب وقد تمثل به الفرزدق لما سأله الحسين عن أهل الكوفة: فقال على الخبير سقطت ألسنتهم معك وأيديهم مع غيرك وأمر الله ينزل من السماء فقال الحسين: لقد صدقتني اهـ. وقصد ابن عباس بهذا الكلام ترغيب السامع وتحريضه على حفظ ما يلقيه إليه في جواب مسألته فإنه عارف بحقيقتها حاذق فيها والله أعلم.
стр. 1984
باب في مسائل تتعلق بما تقدم
مسألة: يستحبُّ إجابة من ناداك: "لبيك وسعديك" أو "لبيك" وحدها، ويستحبُّ أن يقول لمن ورد عليه: مرحباً، وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلاً جميلاً: حفظك الله، وجزاك الله خيراً، وما أشبهه، ودلائل هذا من
ــ
باب في مسائل تتعلق بما تقدم
المسألة والنتيجة والمقدمة والمطلوب والأخبار والخبر والقضية واحد باعتبار الذات مختلف بالاعتبار قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح المركب التام المحتمل للصدق والكذب يسمى من حيث اشتماله على الحكم قضية ومن حيث احتماله الصدق والكذب خبراً ومن حيث إفادته الحكم أخباراً ومن حيث كونه جزءاً من الدليل مقدمة ومن حيث يطلب بالدليل مطلوباً ومن حيث يحصل من الدليل نتيجة ومن حيث يقع في العلم ويسأل عنه مسألة فالذات واحدة واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات اهـ. قوله: (تستحب إجابة من ناداك بلبيك وسعديك) أي لما في صحيح مسلم عن معاذ قال كنت ردف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال: يا معاذ بن جبل قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك الحديث وفيه تكرار ذلك منه ﷺ ومن معاذ ثلاثاً وتقدم معنى لبيك وسعديك في كتاب أذكار الحج والأظهر أن المراد منهما هنا إجابة لك بعد إجابة وساعدت طاعتك مساعدة أشار إليه المصنف في حديث معاذ. قوله: (وأن يقول لمن ورد عليه مرحباً) أي لما في حديث الإسراء من قوله كل ملك ذلك لجبريل لما يذكر ورود النبي ﷺ لهم معه فيقولون: مرحباً به ولقول كل الأنبياء له مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ولقوله ﷺ لوفد عبد القيس مرحباً بالقوم ومرحباً منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت منه تريد به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحباً وسعة أي مكاناً واسعاً فأنزل. قوله: (وأن يقول لمن أحسن إليه الخ) أي لحديث مسلم السابق وقوله لأبي قتادة لما كان يحرسه ﷺ تلك الليلة في سفره إلى تبوك
стр. 1985
الحديث الصحيح كثيرة مشهورة.
مسألة: ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحو ذلك: جعلني الله فداك، أو فداك أبي وأمي، وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصاراً.
مسألة: إذا احتاجت المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء، أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها، فينبغي أن تُفَخم عبارتها وتغلظها ولا تُلينها مخافة من طمعه فيها.
قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه "البسيط": قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعدُ من الطمع في الزيبة، وكذلك إذا خاطبت محرَّماً عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهاتِ المؤمنين وهن محرَّمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
قلت: هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قال أصحابنا. قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا؛ طريقها في تغليظه أن تأخذَ ظهر كفِّها بفيها وتجيب
ــ
من هذا؟ فقال أبو قتادة فقال: حفظك الله بما حفظت به نبيه أو كما قال ﷺ وفي الحديث: "من صنع معكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه فكافئوه بالدعاء" وتقدم مزيد في هذا المعنى في باب دعاء المدعو والضيف لأهل الطعام وسيأتي له مزيد في باب دعاء الإنسان لمن فعل معه معروفاً.
قوله: (لا بأس بقوله للرجل الجليل الخ) أي سواء كان أبو القائل حيين أو لا مسلمين أو لا لأن القصد منهما ليس الحقيقة أي جعلهما فداء له وإنما المراد الإيناس للمخاطب وقد ورد كما تقدم
أنه ﷺ قال لكل من الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ﵄ فداك أبي وأمي وأما قول الصحابة ذلك له ﷺ ولبعضهم بعضاً وإقراره ﷺ -
стр. 1986
كذلك، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره الواحدي من أن المحرَّم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا، لأنه كالمحرم بالقرابة في جواز النظر والخلوة. وأما أمهات المؤمنين، فإنهنَّ أمهات في تحريم نكاحهنَّ ووجوب احترامهنَّ فقط، ولهذا يحلُّ نكاح بناتِهن، والله أعلم.
كتاب أذكار النكاح وما يتعلق به
ــ
بذلك فكثير جداً.
قوله: (وهذا الذي ذكره الواحدي ضعيف الخ) أي للفرق الواضح بين المحرم بالمصاهرة وبين أمهات المؤمنين ﵅ فإن الأول صار محرماً حقيقة ويجري عليه جميع أحكام المحارم من تحريم نكاحه وجواز نظره والخلوة به وعدم نقض الوضوء بلمسه ولا كذلك أمهات المؤمنين فإنهن لسن محارم حقيقة وإنما هن بمنزلة المحارم في أشياء منها وجوب احترامهن أعظاماً له ﷺ وحرمة التزويج بهن من بعده لذلك وإلا فيحل نكاح بناتهن، ولو كن أمهات في سائر الأحكام لما جاز ذلك لأن بناتهن حينئذٍ بمنزلة الأخوات ولا بهن ينقصن الوضوء بلمسهن ويحرم على الأجنبي منهن النظر إليهن والخلوة بهن وغير ذلك من أحكام الأجنبيات والله سبحانه أعلم قال الكرماني في أول شرح البخاري قوله: أم المؤمنين مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَأَزواجُهُ أُمهَاتُهُم﴾ قال العلماء: أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في وجوب احترامهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والنظر وتحريم نكاح بناتهن وهل يقال لأخواتهن وأخوتهن خالات وأخوال المؤمنين ويقال لبناتهن أخوات المؤمنين فيه خلاف ولا يقال لآبائهن وأمهاتهن أجداد وجدات المؤمنين وهل يقال إنهن أمهات المؤمنات مبني على الخلاف المعروف في الأصول هل يدخل النساء في خطاب الرجال وعن عائشة أنا أم رجالكم لا أم نسائكم وهل يقال للنبي ﷺ أبو المؤمنين الأصح الجواز ومعنى قوله تعالى: ﴿ومَا كاَنَ مُحَمَّدٌ أَبَاَ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم﴾ أي لصلبه والله أعلم اهـ.
كتاب أذكار النكاح وما يتعلق به
هو في اللغة الضم وهو عندنا حقيقة في العقد مجاز في الوطء وعكس أبو حنيفة وقال
стр. 1987
باب ما يقوله من جاء يخطب امرأة من أهلها لنفسه أو لغيره
يستحبُّ أن يبدأ الخاطب بالحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسوله، جئتكم راغباً في فتاتكم فلانة، أو في كريمتكم فلانة بنت فلان أو نحو ذلك.
روينا في "سنن أبي داود وابن ماجه" وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ كلامٍ"
ــ
به بعض أصحابنا وقيل إنه حقيقة فيهما بالاشتراك اللفظي وله عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغوي فبلغت ألف اسم وأربعين اسماً كذا في شرح البخاري لابن النحوي.
باب ما يقول من جاء يخطب امرأة من أهلها لنفسه أو غيره
عبر بقوله من أهلها لأنه هو الغالب وإلا فيستحب للخاطب أن يأتي بما سيأتي من الخطبة وما بعدها ولو خطبها من نفسها. قوله: (يستحب أن يبدأ الخاطب بالحمد الله الخ) قال إمامنا الشافعي ﵁: أحب أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر أهمه حمد الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وهذه الخطبة بضم الخاء للخطبة بكسرها وهي سنة والخطبة عند العقد آكد منها كما سيأتي في كلامه. قوله: (جئتكم راغباً الخ) يقوله هكذا إن كان الخاطب هو الخاطب فإن كان الخاطب للزوج غيره قال: قد جاءكم فلان. وقوله: (راغباً) حال من ضمير الفاعل. وقوله: (فلانة) كناية عن اسمها فيستحب أن يسميها باسمها وكما تستحب الخطبة من الخاطب تستحب أيضاً للمجيب فيحمد الله ويصلي ويسلم على نبيه ﷺ ثم يقول للخاطب: لست بمرغوب عنك أو نحوه من الألفاظ الجميلة.
قوله: (روينا في سنن أبي داود وابن ماجه الخ) تقدم الكلام على تخريج الحديث وبعض ما يتعلق به في كتاب الحمد ونزيد هنا بنقل كلام المصنف في أول شرح مسلم قال فيه بدأ بالحمد لحديث
стр. 1988
وفي بعض الروايات "كُل أمْرٍ لا يُبْدَأ فِيهِ بالحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ".
وروي "أقْطَعُ" وهما بمعنى، هذا حديث حسن. وأجذم بالجيم والذال المعجمة ومعناه: قليل البركة.
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيسَ فِيها تَشَهُّدٌ فَهِيَ كاليَدِ الجَذْماءِ" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع" وفي رواية بحمد الله وفي رواية بالحمد فهو أقطع وفي رواية فهو أجذم وفي رواية لا يبدأ فيه بذكر الله وفي رواية ببسم الله الرحمن الرحيم روينا كل هذا في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي بسماعنا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباري عنه ورويناه فيه أيضاً من رواية كعب بن مالك الصحابي والمشهور رواية أبي هريرة والحديث حسن رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة روي موصولاً ومرسلاً ورواية الموصول إسنادها جيد اهـ.
قوله: (وفي بعض الروايات كل أمر) هو هكذا عند أبي داود وابن ماجه كما ذكره السخاوي في
المقاصد الحسنة. قوله: (وروي أقطع) قال السيوطي في الجامع الصغير رواه البيهقي عن أبي هريرة.
قوله: (وهما بمعنى) في النهاية الجذم القطع وفي شرح مسلم يقال منه جذم يجذم كعلم يعلم. قوله: (ومعناه قليل البركة) أي ومعناه المراد في هذا المقام وإلا فالجذم القطع وهو يقتضي تفسير ذلك بمقطوع البركة من أصلها كما قيل به. قوله: (كل خطبة) هي بضم الخاء ثم قيل المراد بها الخطبة المعروفة: من خطبة الجمعة والعيد ونحوهما وخطبة الحاجة لأنها المعهودة في عهد الشارع دون خطب نحو الكتب وفي ترك الإتيان بها الترمذي في جامعه وشمائله وكذا أبو داود وهما راويا الحديث فدل صنيعهما على تخصيصه بما ذكر وقيل: بل الخطبة على عمومها ولعل أبا داود والترمذي أتيا بها لفظاً وأسقطاها خطأً وذلك كاف. قوله: (كاليد الجذماء) تشبيه بها في قلة الانتفاع ونقصه.
стр. 1989
باب عرض الرجل بنته وغيرها ممن إليه تزويجها على أهل الفضل والخير ليتزوجوها
روينا في "صحيح البخاري" أن عمر بن الخطاب ﵁ لما توفي زوجُ بنتِه حفصةَ ﵄ قال: لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصةَ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فقال:
ــ
باب عرض الرجل ابنته وغيرها
أي من باقي مولياته ونص على البنت لأنها مورد النص والغير مقاس عليها قياساً مساوياً والمراد جواز عرض الرجل موليته ممن إليه تزويجها (على أهل الخير) أي الدين (والفضل) أي العلم ليتزوجوها ولا نقص عليه في ذلك. قوله: (روينا في صحيح البخاري) قال في جامع الأصول وكذا أخرجه النسائي كلاهما من حديث ابن عمر وأشار إلى اختلاف في بعض ألفاظه بين راوييه وقال ابن النحوي في شرح البخاري حديث ابن عمر المذكور ذكره الحميدي وأبو مسعود في مسند أبي بكر انفرد به معمر عن الزهري من قول أبي بكر لأني علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها وذكره خلف وابن عساكر في مسند عمر لقوله: خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه ولما أخرجه الطرقي في مسند أبي بكر قال: قد أخرجت الأئمة أصحاب المسانيد هذا الحديث من عهد أحمد بن حنبل إلى زماننا في مسنده لقوله السالف إنه ذكرها اهـ. قوله: (لما توفي زوج ابنته حفصة) هو خنيس بضم الخاء المعجمة وفتح النون وسكون التحتية بعدها مهملة وقيل بفتح المعجمة وكسر النون وكان معمر بن رشد يقول: حبيش بحاء مهملة فموحدة مكسورة آخره معجمة قال الجياني روى أن معمراً كان يصحف في هذا الاسم فرد عليه خنيس فقال: لا بل هو حبيش وقد اختلف على عبد الرزاق عن معمر فروى عنه خنيس بالسين المهملة على الصواب وروى عنه خنيس أو حبيش على الشك وذكره
البخاري وجماعات على الصواب بالخاء
стр. 1990
سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوَّج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق ﵁، فقلت: إن شئت أنكحتُك حفصةَ بنتَ عمر، فصمت أبو بكر ﵁ ... وذكر تمام الحديث.
ــ
المعجمة والسين المهملة وهو ابن حذافة السهمي توفي عنها
بالمدينة من جراحة أصابته ببدر وقيل غير ذلك ذكره ابن النحوي في شرح البخاري. قوله: (فقال سأنظر الخ) فيه أن من عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار وعليه أن يخبر بعد بما عنده لئلا يمنعها من غيره لقول عثمان بعد ليالي قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا وفيه الاعتذار اقتداء بعثمان في مقالته هذه وفي بعض الروايات أن عمر شكا عثمان إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "ينكح حفصة خير من عثمان وينكح عثمان خيراً من حفصة" فكان كذلك.
فائدة
النظر إذا استعمل بقي فهو بمعنى التفكر وباللام بمعنى الرأفة وبألى بمعنى الرؤية وبدون الصلة بمعنى الانتظار نحو انظرونا نقتبس من نوركم كما تقدم نقله عن الكرماني في أوائل الكتاب. قوله: (فصمت) هو بفتح الصاد المهملة والميم. قوله: (وذكر تمام الحديث) هو قوله فلم يرجع إلي شيئاً فكنت عليه أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت على حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً فقلت: نعم فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلتها قال ابن النحوي: سبب كونه أوجد على الصديق منه على عثمان أن الصديق لم يرد عليه الجواب بل تركه على الترقب ولأنه أخصص بعمر منه بعثمان لأنه ﷺ آخى بينهما فكانت موجدته عليه أكثر لثقته به وإخلاصه له وفي الحديث كتمان السر فإن أظهره الله أو أظهره صاحبه جاز للذي أسر إليه إظهاره ألا ترى أنه ﷺ لما تزوجها أعلم أبو بكر عمر بما كان أسر إليه منه وكذلك فعلته فاطمة في مرضه ﷺ حين أسر إليها أنه يموت في مرضه ذلك وأنها أول أهل
стр. 1991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيته لحاقاً به فكتمته حتى توفي وأسر ﵇ إلى حفصة تحريم مارية فأخبرت حفصة عائشة بذلك ولم يكن الشارع أظهره فذم الله تعالى فعل حفصة وقبول عائشة لذلك فقال: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" أي مالت وعدلت عن الحق وفي قول أبي بكر لعمر لما تزوج رسول الله ﷺ حفصة لعلك وجدت علي دليل على أن الرجل إذا أتى إلى أخيه ما لا يصلح أن يؤتي إليه من سوء المعاشرة أن يعتذر إليه ويعترف وأن الرجل إذا وجب عليه الاعتذار من شيء وطمع في شيء تقوى به حجته أن يؤخر ذلك حتى يظفر ببغيته ليكون أبرأ له عند من يعتذر إليه، وفي قول عمر له نعم دليل على أن الإنسان يخبر بالحق عن نفسه وإن كان عليه في ذلك شيء والمعنى الذي أسر لأبي بكر عن عمر ما أخبر به الشارع هو أنه خشي أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ثم يبدو لرسول الله ﷺ (ألا يتزوج فيقع في قلبه منه) مثل ما وقع في قلبه من الصديق أي يحصل له انكسار خاطر وتعب نفس من إعراضه ﷺ عن تزوج ابنته لأنه قد يجد في ذلك ﷺ كما لا يخفى وفي قول الصديق لعمر: علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها دلالة على أنه يجوز للرجل أن يذكر لأصحابه ولمن يثق به أنه يخطب
المرأة قبل أن يظهر خطبتها وفيه أن الصديق لا يخطب امرأة علم أن صديقه يذكرها لنفسه وإن كان لم يركن إليه لما يخاف من القطيعة بينهما ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان لأن الاتصال بينهما ضعيف غير اتصال الصداقة في الله وفي قول الصديق لو تركها تزوجتها دليل على أن الخطبة إنما تجوز بعد أن يتركها الخاطب وفيه الرخصة بتزويج من عرض ﷺ فيها بخطبته أو أراد تزوجها ألا ترى قول الصديق ولو تركها لقبلتها وقد جاء في خبر آخر الرخصة في نكاح من عقد ﷺ عليها ولم يدخل بها وأن الصديق كرهه ورخصه فيه عمر اهـ ملخصاً والله أعلم.
стр. 1992
باب ما يقوله عند عقد النكاح
يستحبُّ أن يخطب بين يدي العقد خُطبة تشتمل على ما ذكرناه في الباب الذي قبل هذا، وتكون أطول من تلك، وسواء خطب العاقد أو غيره.
وأفضلها ما روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علمنا رسول الله ﷺ
ــ
باب ما يقوله عند عقد النكاح
قوله: (بين يدي العقد) أي يجعل العقد المتصل به. قوله: (خطبة) هي بضم الخاء. قوله: (تشتمل على ما ذكرناه) أي من الحمد والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ والتشهد. قوله: (وتكون أطول من تلك) أي تكون الخطبة عند عقد النكاح أطول منها عند الخطبة لأن هذا القصد والخطبة وسيلة لهذا ومن ثم كانت الخطبة هنا آكد. قوله: (وسواء خطب العاقد أو غيره) أي غير العاقد يخطب والولي أو وكيله يوجب النكاح وذلك لأن القصد من الخطبة عود البركة على عقد النكاح وهي حاصلة بالإتيان بذلك سواء كان من العاقد أو غيره.
قوله: (وأفضلها ما رويناه في سنن أبي داود الخ) قال في السلاح ورواه الحاكم في المستدرك وأبو عوانة في مسنده الصحيح زاد أبو داود في طريق آخر بعد قوله ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً وزاد أيضاً عن الزهري مرسلاً ونسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله اهـ. وزاد الحافظ فيمن أخرجه ذكر النسائي وزاد القاريء في الحرز وأخرجه الدارمي وما ذكره عن زيادة أبي داود عن الزهري الخ لم أره في باب خطبة النكاح من سننه والطريق الثانية للحديث التي أشار إليها صاحب السلاح فيها عمران هو أبو داود القطان وقد ضعفه النسائي ويحيى بن معين ثم الثلاثة الذين عزا الشيخ تخريج الحديث لهم وكذا النسائي اتفقوا على إخراجه من حديث أبي الأحوص عن عبد الله وزاد أبو بكر فأخرجه
стр. 1993
خُطبة الحاجة: "الحَمْدُ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ
ــ
عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله قال الحافظ وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فالمراد من الجمع في كلام الشيخ ما فوق الواحد بالنسبة لهذا الحديث عند من ذكر بها اللفظ وإن وقع فيه عندهم اختلاف كما ستجيء الإشارة إليه فهو اختلاف يسير وفي أوله عنه ابن ماجه من هذا الوجه أن رسول الله ﷺ أوتي جوامع الخير وخواتيمه فعلمنا خطبة الصلاة أي التشهد فذكره وخطبة الحاجة وروى عند أبي داود أيضاً من طريق أبي عياض عن ابن مسعود وفيه زيادة ما تقدم نقله في كلام صاحب السلاح وباقي الحديث بنحوه وأخرجه الحاكم من
طريق من طريقه وليس فيه ذكر الآيات كما قال الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي قال: روى الحديث البيهقي عن شقيق بتمامه وروى الحديث موقوفاً على ابن مسعود رواه كذلك عنه أبو داود والنسائي من حديث وأصل الأحدب عن شقيق عن ابن مسعود اهـ. وبه تبين إبقاء الجمع في الأسانيد في كلام المصنف على حقيقته والله أعلم. قوله: (خطبة الحاجة) أي خطبة النكاح. قوله: (إن الحمد لله) قال في الحرز بكسر النون لالتقاء الساكنين فهي أن المخففة من المثقلة كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] على ما نقله ميرك عن الطيبي وقال البيضاوي هي مخففة من المثقلة وقريء بها وبنصب الحمد وفي نسخة صحيحة بتشديد النون ونصب الحمد قال ابن الجزري يروى بتشديد النون وتخفيفها والمعنى فيهما واحد اهـ. قال الحنفي نصب الحمد مع تشديد النون واجب ورفعه مع التخفيف قال في الحرز مفهومه أنه لا يجوز غيرهما وليس كذلك بل يصح فيه أربعة أوجه النصب مع التشديد ووجهه ظاهر والرفع مع التشديد على الحكاية قلت أو على أن إن إن كانت همزتها مكسورة بمعنى نعم وقد ذكره كذلك السهيلي في الروض وكذا يجوز مع التخفيف وجهان قال ابن الجزري في تصحيح المصابيح ويجوز تخفيف أن وتشديدها ومع التخفيف يجوز رفع الحمد ونصبه رويناه بذلك اهـ. ثم هو هكذا عند أبي داود الذي أورده الشيخ بلفظه وعند الترمذي وحذفها لابن ماجه وفي نسخة منه إثباتها أيضاً. قوله: (نستعينه) هكذا هو عند الترمذي وعند أبن داود وابن ماجه بزيادة تحمده قبل نستعينه أي نستعينه
стр. 1994
وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ الله فَلا مُضِل لهُ، ومَنْ يُضلِل فلاَ هادِيَ له، وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الَلَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
ــ
على أداء حمده وعلى سائر الأمور الدينية والدنيوية. قوله: (ونستغفره) أي من التقصير في أداء حمده وسائر ما يجب علينا فعله له. قوله: (من شرور أنفسنا) أي الأخلاق الدنية. قوله: (وسيئات أعمالنا) أي الأعمال الردية. قوله: (من يهده الله فلا مضل له) أي من أراد الباري هدايته وتعلقت به عنايته فلا سبيل لإضلاله. قوله: (ومن يضلل فلا هادي له) أي من يضلله الله ويخذله لعدم تعلق إرادة الباريء سبحانه به الهداية فلا هادي له قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ وفي الإتيان بضمير المفعول في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة تشير إلى العناية. قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله الخ) قال ابن الجزري قوله: نستعينه الخ هو بالنون في الثلاثة الأفعال أي نحن نستعينه الخ وبالهمز في قوله: أشهد فيهما لأنه ﷺ لا يشهد ولا يخبر عن غيره إنما يشهد ويخبر عن نفسه اهـ. قال الحنفي: وفيه بحث إذ لا تفاوت بين كل من الأفعال الثلاثة والشهادة فما ذكره في وجه إفراد أشهد ليس على ما ينبغي والأولى أن يقال كما قيل الضمير المستكن في الأفعال والثلاثة للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والغائبين ويجوز أن يكون قولاً من اللسان البشري وخصص الشهادة بالإفراد إشارة إلى أن وجوب الشهادة على حدة ففيه إشارة إلى التفرقة أولاً وإلى الجمع ثانياً قال في الحرز وهذا مراد ابن الجزري فتدبر قلت وفي دلالة عبارته على كون ذلك مراده ما لا يخفى من البعد ثم إنه ثبت عند الأنصاري أحد رواة أبي
داود زيادة قوله وحده لا شريك له. قوله: (يا أيها النّاس) قال البيضاوي خطاب يعم بني آدم.
قوله: (من نفس واحدة) هي آدم. قوله: (وخلق منها زوجها) أي خلق من تلك النفس حواء خلقت من ضلع من أضلاعه والعطف إما على خلقكم أي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها أمكم حواء أو على محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها وهو تقرير
стр. 1995
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ــ
لخلقهم من نفس واحدة. قوله: (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) هذا بيان لكيفية تولدهم منها والمعنى ونشر من تلك النفس والروح المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي أن يكن أكثر وقيل الاكتفاء بوصفهم بالكثرة للتنبيه على فضلهم وذكر كثيراً حملاً على معنى الجمع ورتب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها وقوله: واتقوا تأكيد لما سبق أو يقدر في أحدهما مخالفته وفي الآخر عقابه. قوله: (الذي تساءلون به) أي يسأل بعضكم بعضاً فيقول أسألك به ثم قريء بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين وبتشديدها على إدغام التاء الثانية في السين. قوله: (والأرحام) بالنصب عطفاً على محل الجار والمجرور كقولك مررت يزيد وعمراً أو على الله أي اتقوا الله والأرحام فصلوها ولا تقطعوها وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير وهو ضعيف لما فيه من العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار والمراد منه قولهم أسألك بالله وبالرحم وقريء بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك أي مما يتقي أو مما يتساءل به وقد نبه الله سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صليها بمكان منه. قوله: (رقيباً) أي حافظاً مطلعاً ثم ما ذكر من الآية على سياق التلاوة هو ما في نسخة من الأذكار وكذا هو في الحصن وعزا تخريجه للأربعة والحاكم وأبي عوانة والظاهر أنه في الأذكار من تغيير الكتاب فإن الشيخ ذكر آخراً أن الحديث يورده بلفظ أبي داود في بعض رواياته والذي في أبي داود ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] وكذا هو عند البيهقي في السنن الكبير وشكل عليه ابن الصلاح وشكل كثير من نسخ الأذكار كذلك وفي نسخة من أبي داود بحذف يأيها الذين ءامنوا وعند الترمذي اتقوا الله والتلاوة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى آخر الآية كما شرحنا والله أعلم ويوجد في بعض النسخ بزيادة الجلالة بعد قوله: يضلل وهو من الكتاب لأنه ليس كذلك عند أبي
стр. 1996
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] هذا لفظ إحدى روايات أبي داود وفي رواية له أخرى بعد قوله: ورسوله
ــ
داود الذي لفظه رواية الكتاب. قوله: (اتقوا الله حق تقاته) أي حق تقواه وهو استفراغ الوسع في القيام بالمأمورات واجتناب المحارم لقوله تعالى: ﴿فَاَتَّقُوُا اللهَ مَا أستَطَعتُم﴾ فهي مبنية لها كما قال المصنف والقول بنسخها لها ضعيف كما تقدم بيانه في أول الكتاب في فصل ينبغي لمن بلغه شيء أن يعمل به الخ وأما ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً وصححه المحدثون في تفسير قوله: فاتقوا الله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فمبني على كماله وقيل أن ينزه
الطاعة عن الالتفات إليها وتوقع المجازاة عليها. قوله: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي لا تكونن على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه النهي بالذات نحو القيد تارة والمقيد أخرى وقد توجه نحو المجموع وكذا النفي ذكره البيضاوي وقيل معناه وأنتم متزوجون لأن التزوج بالحلال من كمال الإسلام وتمام الأحوال قلت: واشتهر نقل هذا القول الأخير عن ابن عباس قال السيوطي في التحيير وهو من النقل الذي لم يصح والله أعلم. قوله: (قولاً سديداً) أي صدقاً وصواباً. قوله: (يصلح لكم أعمالكم) قال ابن عباس يتقبل حسناتكم وقال مقاتل يزكي أَعمالكم. قوله: (ومن يطع الله ورسوله) أي فيما يأمران به. قوله: (فاز فوزاً عظيماً) أي نال كل الخير وظفر به قال أصحابنا كان القفال يقول بعد هذه الخطبة أما بعد فإن الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ولا يجتمع اثنان ولا يفترقان إلا بقضاء وقدر وكتاب الله قد سبق وإن مما قضى الله وقدر أن خطب فلان ابن فلان فلانة على صداق كذا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم أجمعين. قوله: (وفي رواية أخرى) أي رواية لأبي داود وتقدم أنه رواها من طريق أبي
стр. 1997
"أرْسَلَهُ بالحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَينَ يَدَي السَّاعة، مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما
ــ
عياض عن ابن مسعود. قوله: (أرسله بالحق) أي بالقرآن أو متلبساً بالحق أي بالصدق. قوله: (بشيراً) أي مبشراً للمطيعين بالجنة. قوله: (ونذيراً) أي منذر العصاة بالنار. قوله: (بين يدي الساعة) أي إمامها وقبل وقوعها. قوله: (فقد رشد) بفتح الشين على ما في النسخ المصححة ويجوز كسره ففي القاموس رشد كنصر وفرح رشداً ورشداً ورشاداً اهتدى قال ابن الجزري رشد بفتح الشين ويجوز كسرها يقال رشد يرشد أي كعلم يعلم ورشد بالفتح يرشد بالضم من الرشد وهو الهداية ضد الغى. قوله: (ومن يعصمها) قال في السلاح قوله في هذه الرواية ومن يعصهما يعارضه ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" وأعل طريق أبي داود هذه بأن فيها عمران وقد تقدم أنه ضعيف اهـ. وقال ابن الجزري قال القاضي عياض وجماعة من العلماء إنما أنكر يعني النبي ﷺ عليه تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية وأمره بالعطف تعظيماً الله تعالى بتقديم اسمه كما قال ﷺ في الحديث الآخر لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ما شاء الله ثم فلان اهـ. وسيأتي لهذا الحديث مزيد في الكتاب قال المصنف الصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات وقول الأولين يضعف بأشياء منها أن مثل هذا الضمير قد كثر في الأحاديث الصحيحة في كلام رسول الله ﷺ كقوله أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وغيره من الأحاديث وإنما ثنى هنا الضمير لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم وكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد
حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها قال ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة فذكره وفيه ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً قال في الحرز والذي وقع في سنن أبي داود من حديث ابن
стр. 1998
فإنَّهُ لا يَضُرُّ إلا نَفْسَهُ، وَلا يَضُرُّ الله شَيئاً" قال الترمذي: حديث حسن.
قال أصحابنا: ويستحب أن يقول مع هذا: أزوِّجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأقل هذه الخطبة: الحَمْدُ لِلهِ، والصَّلاةُ على رسول الله ﷺ أوصي بِتَقْوى الله. والله أعلم.
واعلم أن هذه الخطبة سُنَّة، لو لم يأت بشيء منها صح النكاح باتفاق العلماء.
ــ
مسعود أن الرجل قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما وقطع الكلام فقال: قم واذهب فبئس الخطيب أنت فعلى هذا إنما رد ﷺ عليه وأنكر من حيث إنه سوى بين من أطاع الله ورسوله وبين من عصاهما وعلى هذا حمل الحديث الحافظ أبو عمرو الداني وغيره من العلماء اهـ. ثم قوله ومن يعصهما جوابه محذوف أي ومن يعصهما فقد ضل وغوى. قوله: (فإنه) أي العاصي. قوله: (لا يضر) أي بالعصيان (إلا نفسه) لأن وباله عليها. قوله: (ولا يضر الله شيئاً) أي لأنه منزه عن ذلك وجملة فإنه الخ تعليل للجواب المقدر فتدبر. قوله: (قال الترمذي حديث حسن الخ) لا منافاة بين قول الشيخ أولاً رويناه بالأسانيد الصحيحة الخ ونقله عن الترمذي تحسينه لأن المتن قد يتخلف عن حكم السند لما يعرض للمتن من شذوذ أو علة ولعل منه في المتن ورود قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ إذ هو مخالف للتلاوة والله أعلم. قوله: (ويستحب أن يقول مع هذا الخ) أي يقوله قبل العقد أيضاً فإن شرطه في نفس العقد لم يبطل لأن القصد منه الموعظة ولأنه شرط يوافق مقتضى العقد والشرع. قوله: (من إمساك بمعروف الخ) بيان لما أراد الله به والإمساك بالمعروف حسن العشرة والقيام بواجب الزوجة والتسريح بإحسان السراح الجميل الذي علمهم إياه نقله في النهر عن الكشاف. قوله: (وأقل هذه الخطبة الخ) إذ القصد عود بركة الحمد والصلاة على عقد النكاح وإنما أتى بالوصية بالتقوى اهتماماً بشأنها وإعلاماً بأنه لا ينبغي الغفلة عنها في شأن كما ذكروا نظيره في استحباب الخطبة يومي العيد بأنهما يوما لهو فأمر بالخطبة فيهما لتكون مذكرة للإنسان مقبلة به على المطلوب منه في كل آن وهو التقوى فلا يلهيه وظيفة
стр. 1999
وحكي عن داود الظاهري ﵀ أنه قال: لا يصحُّ، ولكن العلماءُ المحققون لا يعدُّون خلاف داود خلافاً معتبراً، ولا ينخرق الإجماع
ــ
اليوم وشأنه عما طلبه منه ربه والله أعلم. قوله: (وحكى عن داود الظاهري الخ) وكذا حكي عن أحمد في رواية عنه أن الخطبة واجبة. قوله: (ولكن المحققون لا يعدون خلاف داود خلافاً معتبراً) قال المصنف في التهذيب اختلف العلماء هل يعتبر قوله في الإجماع فقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني اختلف أهل الحق في نفاة القياس يعني داود وشبهه فقال الجمهور أنهم لا يبلغون رتبة الاجتهاد ولا يجوز تقليدهم القضاء وهذا ينفي الاعتداد به في الإجماع ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي من أصحابنا عن أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من الشافعيين أنه لا اعتبار بخلاف داود
وسائر نفاة القياس في الفروع ويعتبر خلافهم في الأصول وقال إمام الحرمين الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة وجملة الشريعة لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواتراً لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد ولا تفي النصوص بعشر معشارها وهؤلاء ملتحقون بالعوام وقال الشيخ ابن الصلاح بعد أن ذكر ما ذكرته أو معظمه قال الذي اختاره الأستاذ أبو منصور وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود قال الشيخ وهذا الذي استقر عليه الأمر كما هو الأغلب الأعرف من صنيع الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهوررة كالشيخ أبي حامد والمحاملي وشبههم فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم قال الشيخ والذي أجيب به بعد الاستخارة أن داود يعتبر قوله ويعتد به في الإجماع إلا فيما خالف فيه القياس الجلي وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها فاتفاق من سواه على خلافه إجماع منعقد وقوله المخالف حينئذٍ خارج الإجماع ثم مثل الشيخ لذلك ثم قال فخلافه في هذا وشبهه غير معتد به لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه والاجتهاد على خلاف الدليل القاطع مردود ينقض حكم الحاكم به قال الشيخ وهذا الذي اخترته ميل لي أن منصب الاجتهاد متجز ويكون الشخص مجتهداً في نوع دون نوع قال:
стр. 2000
بمخالفته، والله أعلم.
وأما الزوج، فالمذهب المختار أنه لا يخطب بشيء، بل إذا قال له الولي: زوَّجتك فلانة، يقول متصلاً به: قبلت تزويجها، وإن شاء قال: قبلت نكاحها، فلو قال: الحمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ قَبِلْتُ، صحَّ النكاح، ولم يضر هذا الكلام بين الإيجاب والقبول، لأنه فصل يسير له تعلُّق بالعقد وقال بعض أصحابنا: يبطل به النكاح،
ــ
ولا فرق في ذلك بين زمن داود وما بعده فإن المذاهب لا تموت بموت أصحابها اهـ. ملخصاً وفي الطبقات الكبرى لابن السبكي بعد نقله عن ابن الصلاح أن داود لا ينكر القياس الجلي ما لفظه هو رأي ابن الصلاح وسماعي من الشيخ الإِمام الوالد أن الذي صح عنده عن داود أنه لا ينكر القياس الجلي وإن نقل إنكاره عنه ناقلون قال: وإنما ينكر الخفي فقط قلت وقفت لداود على رسالة وهي دالة على عظيم معرفته بالجدل وكبير صناعته في المناظرة ولم أجد فيها لفظة تدل على أنه يقول بشيء من القياس بل ظاهر كلامه إنكاره جملة وإن لم يصرح بذلك قال: والرسالة عندي بأصل صحيح قديم اعتقده كتبت في حدود سنة ثلاثمائة أو قبلها بكثير ثم نقل كلاماً آخر لداود في رسالة أخر قال: وهذا يؤيد منقول الوالد وهو قريب من نقل الآمدي فالذي أراد الاعتبار بخلاف داود نعم للظاهرية مسائل لا يعتد بخلافهم فيما لا من حيث إن داود ليس أهلاً للنظر بل من حيث خرقه فيها إجماعاً هدمه وعذره أنه لم يبلغه أو دليلاً واضحاً جداً اهـ.
قوله: (وأما الزوج فالمذهب الخ) ومثله وكيله. قوله: (قبلت تزويجها) أو قبلت هذا النكاح أو التزويج. قوله: (ولم يضر هذا الكلام بين الإيجاب والقبول الخ) بهذا يرد قول بعضهم بأن الخطبة بين الإيجاب والقبول غير مستحبة فيتجه القول بأن تخلل القول مبطل كما صححه السبكي تبعاً للماوردي لأنها غير مشروعة حينئذٍ فأشبهت الكلام الأجنبي اهـ. والمعتمد القول الأول لما أشار إليه الشيخ من أن ذلك يسير وله تعلق بالعقد لعود بركته عليه ولذا قيل باستحبابه فلم يكن مبطلاً فإن طال الفاصل بينهما لم يصح النكاح جزماً لإشعاره بالأعراض وكونه مقدمة للقبول لا يستدعي اغتفار
следующие страницы →