Полный текст (2 732 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] هذا لفظ إحدى روايات أبي داود وفي رواية له أخرى بعد قوله: ورسوله
ــ
داود الذي لفظه رواية الكتاب. قوله: (اتقوا الله حق تقاته) أي حق تقواه وهو استفراغ الوسع في القيام بالمأمورات واجتناب المحارم لقوله تعالى: ﴿فَاَتَّقُوُا اللهَ مَا أستَطَعتُم﴾ فهي مبنية لها كما قال المصنف والقول بنسخها لها ضعيف كما تقدم بيانه في أول الكتاب في فصل ينبغي لمن بلغه شيء أن يعمل به الخ وأما ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً وصححه المحدثون في تفسير قوله: فاتقوا الله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فمبني على كماله وقيل أن ينزه
الطاعة عن الالتفات إليها وتوقع المجازاة عليها. قوله: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي لا تكونن على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه النهي بالذات نحو القيد تارة والمقيد أخرى وقد توجه نحو المجموع وكذا النفي ذكره البيضاوي وقيل معناه وأنتم متزوجون لأن التزوج بالحلال من كمال الإسلام وتمام الأحوال قلت: واشتهر نقل هذا القول الأخير عن ابن عباس قال السيوطي في التحيير وهو من النقل الذي لم يصح والله أعلم. قوله: (قولاً سديداً) أي صدقاً وصواباً. قوله: (يصلح لكم أعمالكم) قال ابن عباس يتقبل حسناتكم وقال مقاتل يزكي أَعمالكم. قوله: (ومن يطع الله ورسوله) أي فيما يأمران به. قوله: (فاز فوزاً عظيماً) أي نال كل الخير وظفر به قال أصحابنا كان القفال يقول بعد هذه الخطبة أما بعد فإن الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ولا يجتمع اثنان ولا يفترقان إلا بقضاء وقدر وكتاب الله قد سبق وإن مما قضى الله وقدر أن خطب فلان ابن فلان فلانة على صداق كذا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم أجمعين. قوله: (وفي رواية أخرى) أي رواية لأبي داود وتقدم أنه رواها من طريق أبي
стр. 1997
"أرْسَلَهُ بالحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَينَ يَدَي السَّاعة، مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما
ــ
عياض عن ابن مسعود. قوله: (أرسله بالحق) أي بالقرآن أو متلبساً بالحق أي بالصدق. قوله: (بشيراً) أي مبشراً للمطيعين بالجنة. قوله: (ونذيراً) أي منذر العصاة بالنار. قوله: (بين يدي الساعة) أي إمامها وقبل وقوعها. قوله: (فقد رشد) بفتح الشين على ما في النسخ المصححة ويجوز كسره ففي القاموس رشد كنصر وفرح رشداً ورشداً ورشاداً اهتدى قال ابن الجزري رشد بفتح الشين ويجوز كسرها يقال رشد يرشد أي كعلم يعلم ورشد بالفتح يرشد بالضم من الرشد وهو الهداية ضد الغى. قوله: (ومن يعصمها) قال في السلاح قوله في هذه الرواية ومن يعصهما يعارضه ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" وأعل طريق أبي داود هذه بأن فيها عمران وقد تقدم أنه ضعيف اهـ. وقال ابن الجزري قال القاضي عياض وجماعة من العلماء إنما أنكر يعني النبي ﷺ عليه تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية وأمره بالعطف تعظيماً الله تعالى بتقديم اسمه كما قال ﷺ في الحديث الآخر لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ما شاء الله ثم فلان اهـ. وسيأتي لهذا الحديث مزيد في الكتاب قال المصنف الصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات وقول الأولين يضعف بأشياء منها أن مثل هذا الضمير قد كثر في الأحاديث الصحيحة في كلام رسول الله ﷺ كقوله أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وغيره من الأحاديث وإنما ثنى هنا الضمير لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم وكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد
حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها قال ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة فذكره وفيه ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً قال في الحرز والذي وقع في سنن أبي داود من حديث ابن
стр. 1998
فإنَّهُ لا يَضُرُّ إلا نَفْسَهُ، وَلا يَضُرُّ الله شَيئاً" قال الترمذي: حديث حسن.
قال أصحابنا: ويستحب أن يقول مع هذا: أزوِّجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأقل هذه الخطبة: الحَمْدُ لِلهِ، والصَّلاةُ على رسول الله ﷺ أوصي بِتَقْوى الله. والله أعلم.
واعلم أن هذه الخطبة سُنَّة، لو لم يأت بشيء منها صح النكاح باتفاق العلماء.
ــ
مسعود أن الرجل قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما وقطع الكلام فقال: قم واذهب فبئس الخطيب أنت فعلى هذا إنما رد ﷺ عليه وأنكر من حيث إنه سوى بين من أطاع الله ورسوله وبين من عصاهما وعلى هذا حمل الحديث الحافظ أبو عمرو الداني وغيره من العلماء اهـ. ثم قوله ومن يعصهما جوابه محذوف أي ومن يعصهما فقد ضل وغوى. قوله: (فإنه) أي العاصي. قوله: (لا يضر) أي بالعصيان (إلا نفسه) لأن وباله عليها. قوله: (ولا يضر الله شيئاً) أي لأنه منزه عن ذلك وجملة فإنه الخ تعليل للجواب المقدر فتدبر. قوله: (قال الترمذي حديث حسن الخ) لا منافاة بين قول الشيخ أولاً رويناه بالأسانيد الصحيحة الخ ونقله عن الترمذي تحسينه لأن المتن قد يتخلف عن حكم السند لما يعرض للمتن من شذوذ أو علة ولعل منه في المتن ورود قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ إذ هو مخالف للتلاوة والله أعلم. قوله: (ويستحب أن يقول مع هذا الخ) أي يقوله قبل العقد أيضاً فإن شرطه في نفس العقد لم يبطل لأن القصد منه الموعظة ولأنه شرط يوافق مقتضى العقد والشرع. قوله: (من إمساك بمعروف الخ) بيان لما أراد الله به والإمساك بالمعروف حسن العشرة والقيام بواجب الزوجة والتسريح بإحسان السراح الجميل الذي علمهم إياه نقله في النهر عن الكشاف. قوله: (وأقل هذه الخطبة الخ) إذ القصد عود بركة الحمد والصلاة على عقد النكاح وإنما أتى بالوصية بالتقوى اهتماماً بشأنها وإعلاماً بأنه لا ينبغي الغفلة عنها في شأن كما ذكروا نظيره في استحباب الخطبة يومي العيد بأنهما يوما لهو فأمر بالخطبة فيهما لتكون مذكرة للإنسان مقبلة به على المطلوب منه في كل آن وهو التقوى فلا يلهيه وظيفة
стр. 1999
وحكي عن داود الظاهري ﵀ أنه قال: لا يصحُّ، ولكن العلماءُ المحققون لا يعدُّون خلاف داود خلافاً معتبراً، ولا ينخرق الإجماع
ــ
اليوم وشأنه عما طلبه منه ربه والله أعلم. قوله: (وحكى عن داود الظاهري الخ) وكذا حكي عن أحمد في رواية عنه أن الخطبة واجبة. قوله: (ولكن المحققون لا يعدون خلاف داود خلافاً معتبراً) قال المصنف في التهذيب اختلف العلماء هل يعتبر قوله في الإجماع فقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني اختلف أهل الحق في نفاة القياس يعني داود وشبهه فقال الجمهور أنهم لا يبلغون رتبة الاجتهاد ولا يجوز تقليدهم القضاء وهذا ينفي الاعتداد به في الإجماع ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي من أصحابنا عن أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من الشافعيين أنه لا اعتبار بخلاف داود
وسائر نفاة القياس في الفروع ويعتبر خلافهم في الأصول وقال إمام الحرمين الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة وجملة الشريعة لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواتراً لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد ولا تفي النصوص بعشر معشارها وهؤلاء ملتحقون بالعوام وقال الشيخ ابن الصلاح بعد أن ذكر ما ذكرته أو معظمه قال الذي اختاره الأستاذ أبو منصور وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود قال الشيخ وهذا الذي استقر عليه الأمر كما هو الأغلب الأعرف من صنيع الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهوررة كالشيخ أبي حامد والمحاملي وشبههم فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم قال الشيخ والذي أجيب به بعد الاستخارة أن داود يعتبر قوله ويعتد به في الإجماع إلا فيما خالف فيه القياس الجلي وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها فاتفاق من سواه على خلافه إجماع منعقد وقوله المخالف حينئذٍ خارج الإجماع ثم مثل الشيخ لذلك ثم قال فخلافه في هذا وشبهه غير معتد به لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه والاجتهاد على خلاف الدليل القاطع مردود ينقض حكم الحاكم به قال الشيخ وهذا الذي اخترته ميل لي أن منصب الاجتهاد متجز ويكون الشخص مجتهداً في نوع دون نوع قال:
стр. 2000
بمخالفته، والله أعلم.
وأما الزوج، فالمذهب المختار أنه لا يخطب بشيء، بل إذا قال له الولي: زوَّجتك فلانة، يقول متصلاً به: قبلت تزويجها، وإن شاء قال: قبلت نكاحها، فلو قال: الحمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ قَبِلْتُ، صحَّ النكاح، ولم يضر هذا الكلام بين الإيجاب والقبول، لأنه فصل يسير له تعلُّق بالعقد وقال بعض أصحابنا: يبطل به النكاح،
ــ
ولا فرق في ذلك بين زمن داود وما بعده فإن المذاهب لا تموت بموت أصحابها اهـ. ملخصاً وفي الطبقات الكبرى لابن السبكي بعد نقله عن ابن الصلاح أن داود لا ينكر القياس الجلي ما لفظه هو رأي ابن الصلاح وسماعي من الشيخ الإِمام الوالد أن الذي صح عنده عن داود أنه لا ينكر القياس الجلي وإن نقل إنكاره عنه ناقلون قال: وإنما ينكر الخفي فقط قلت وقفت لداود على رسالة وهي دالة على عظيم معرفته بالجدل وكبير صناعته في المناظرة ولم أجد فيها لفظة تدل على أنه يقول بشيء من القياس بل ظاهر كلامه إنكاره جملة وإن لم يصرح بذلك قال: والرسالة عندي بأصل صحيح قديم اعتقده كتبت في حدود سنة ثلاثمائة أو قبلها بكثير ثم نقل كلاماً آخر لداود في رسالة أخر قال: وهذا يؤيد منقول الوالد وهو قريب من نقل الآمدي فالذي أراد الاعتبار بخلاف داود نعم للظاهرية مسائل لا يعتد بخلافهم فيما لا من حيث إن داود ليس أهلاً للنظر بل من حيث خرقه فيها إجماعاً هدمه وعذره أنه لم يبلغه أو دليلاً واضحاً جداً اهـ.
قوله: (وأما الزوج فالمذهب الخ) ومثله وكيله. قوله: (قبلت تزويجها) أو قبلت هذا النكاح أو التزويج. قوله: (ولم يضر هذا الكلام بين الإيجاب والقبول الخ) بهذا يرد قول بعضهم بأن الخطبة بين الإيجاب والقبول غير مستحبة فيتجه القول بأن تخلل القول مبطل كما صححه السبكي تبعاً للماوردي لأنها غير مشروعة حينئذٍ فأشبهت الكلام الأجنبي اهـ. والمعتمد القول الأول لما أشار إليه الشيخ من أن ذلك يسير وله تعلق بالعقد لعود بركته عليه ولذا قيل باستحبابه فلم يكن مبطلاً فإن طال الفاصل بينهما لم يصح النكاح جزماً لإشعاره بالأعراض وكونه مقدمة للقبول لا يستدعي اغتفار
стр. 2001
وقال بعضهم: لا يبطل، بل يستحبُّ أن يأتيَ به، والصواب ما قدَّمناه أنه لا يأتي به، ولو خالف فأتى به، لا يبطل النكاح، والله أعلم.
باب ما يقال للزوج بعد عقد النكاح
السُّنَّة أن يقال له: بارك الله لك،
ــ
طوله لأن المقدمة التي قام الدليل عليها ما ذكر فقط فلم يغتفر طوله وضبط القفال
الطول بأن يكون زمنه لو سكتا فيه لخرج الجواب عن كونه جواباً. قوله: (وقال بعضهم لا يبطل بل يستحب) هو ما في الروضة واصلها والمحرر وزاد فيه الوصية بالتقوى وأطال الأذرعي وغيره في تصويبه نقلاً ومعنى واستبعد الأول بأن عدم الندب مع عدم البطلان خارج عن كلامهم وتقدم في كلام المصنف الإشارة إلى الجواب عن استبعاد الأذرعي. قوله: (والصواب ما قدمناه أنه لا يأتي به) أي على سبيل الاستحباب بل يستحب تركه خروجاً من خلاف من أبطل به.
باب ما يقال للزوج بعد عقد النكاح
أي الشامل للذكر والأنثى من استعمال المشترك في معنييه دفعة وهو جائز عند الشافعية وعينهم الشيخ المصنف أو من عموم المجاز عند من منع ذلك فإن الزوج كما يقال للزوج يقال للزوجة أيضاً كما ذكره المصنف بل قال: استعمال الزوجة بالتاء لغة ضعيفة إلا في الفرائض للفرق وبفرض قصر عبارة المصنف على الزوج المقابل للزوجة فالاقتصار عليه كونه محلل النص والزوجة بطريق القياس عليه. قوله: (بارك الله لك) بفتح الكاف وهكذا عند مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة والحميدي وابن أبي عمر والطبراني في الأوسط وابن السكن والإسماعيلي وأبي عوانة والبرقاني وأبي نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم وهو عند جمهور الرواة من مسند أنس وعند بعض رواته من مسند ابن عوف قاله القلقشندي في شرح العمدة ووهم صاحب الحرز فقال في هذا الحديث إنه بفتح الكاف وكسرها أيضاً اهـ. فإن الكسر لم تأت به رواية بل لا يصح بوجه لأن الخطاب فيه لعبد الرحمن بن
стр. 2002
أو بارك الله عليك، وجمع بينكما في خير. ويستحب أن يقال لكل واحد من الزوجين: بارك الله لكل واحدٍ منكما في صاحبه، وجمع بينكما في خير.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁ حين أخبره أنه تزوَّج: "بارَكَ الله لَكَ".
ــ
عوف كما سيأتي في الأصل ولعل مراده أنه بالكسر لا في هذا الحديث بل بطريق القياس على المنصوص وهو الفتح والله أعلم، وقوله: بارك الله لك أي كثر لك النمو والأنعام والأمن من كل مؤذ في هذا الأمر المهم الذي يحتاج إلى الأمداد ومن ثم جاء في الحديث ثلاثة حق على الله أن يعينهم وذكر منهم المتزوج عفافاً قال الكرماني في أواخر كتاب الدعوات من شرح البخاري أراد بقوله بارك الله لك اختصاص البركة وبقوله عليك استعلاءها عليه اهـ. قوله: (وبارك عليك) رواه الشيخان والترمذي والنسائي كلهم من حديث جابر. قوله: (وجمع بينكما في خير) أي بأن تجتمعا على الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن المعاشرة والموافقة لما يدعو لدوام الاجتماع حسن الاستمتاع ثم قوله وجمع بينكما الخ لم يرد مع أحدى هذين اللفظين السابقين عند من ذكر بل هو من دعاء آخر ورد منه ﷺ في حديث أبي هريرة كان ﷺ إذا تزوج إنسان قال له الله: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم في المستدرك وبما ذكر علم أن قوله وجمع بينكما مجموع إلى ما قبله من الذكرين وإن كلاً من الذكرين الأولين جاء مستقلاً قاله في وقتين وجمعه تارة مع الثالث في وقت آخر والله أعلم.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وسبق أن الحديث عند الترمذي والنسائي وأشار ابن النحوي في شرح البخاري إلى أنه عند ابن ماجه أيضاً وسبق ذكر ما في مخرجيه في كلام القلقشندي وعبد الرحمن بن عوف هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن الحارث وقيل ابن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري الصحابي الجليل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد الثمانية السابقين للإسلام وأحد المهاجرين الأولين
стр. 2003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأحد المفتين على عهد النبي ﷺ وأمين النبي ﷺ على نسائه وأمه صفية بنت عبد مناف بن زهرة وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن أسلم قديماً على يد أبي بكر الصديق قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم وآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع بالمدينة وبينه وبين أيمن بمكة ولزم النبي ﷺ وشهد معه المشاهد وجرح في رجله يوم أحد عشرين جراحة أو أكثر فعرج وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وكان كثير المال جداً كثير الإنفاق في سبيل الله والصدقة والعتق تصدق على عهد رسول الله ﷺ بأربعة آلاف درهم ثم بأربعين ألفاً ثم بأربعين ألف دينار ثم بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم بخمسمائة راحلة وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن برقان قال بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة وأخرج أحمد والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما مرفوعاً اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل وعممه بيده وأرخى له عذبة وسدلها بين كتفيه وقال: إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم أو شريفهم فتزوج تماضر بنت شريفهم ومن مناقبه العظيمة صلاة النبي ﷺ خلفه في غزوة تبوك حين أدركه وقد صلى بالناس ركعة والقصة في صحيح مسلم ولما قال لأهل الشورى هل لكم أن أختار لكم وانفصل فقال: علي أنا أول من رضيت فإني سمعت النبي ﷺ يقول: أمين في أهل السماء والأرض روي أن عثمان ابن عفان اشتكى فدعا حمران فقال: اكتب العهد من بعدي لعبد الرحمن بن عوف فكتبه وانطلق إليه حمران يبشره فقام بين القبر والمنبر فقال: اللهم أمتني قبل عثمان فلم يعش بعد ذلك إلا ستة أشهر وفي السند ابن لهيعة روى له عن النبي ﷺ فيما قيل خمسة وستون حديث اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة ومناقبة كثيرة ومات سنة اثنتين وثلاثين وله خمس وسبعون سنة وقيل غير ذلك وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع وخلف مالاً عظيماً حتى قطع الذهب بالفؤوس وصولحت امرأة من نسائه الأربع وهي تماضر بثمانين ألفاً قيل
стр. 2004
وروينا في "الصحيح" أيضاً أنه ﷺ قال لجابر ﵁ حين أخبره أنه تزوَّج: "بارَكَ اللهُ عَلَيكَ".
وروينا بالأسانيد الصحيحه
ــ
ديناراً وقيل درهماً وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف درهم ولكل رجل ممن شهد بدراً بأربعمائة دينار وكان بقي منهم مائة وبألف فرس في سبيل الله ﵁ كذا نقل من شرح العمدة للقلقشندي.
قوله: (وروينا في الصحيح الخ) من حديث جابر وتقدم تخريجه وفي كل من الحديثين أنه ﷺ سأل كلاً من عبد الرحمن وجابر عن التزوج فقال لعبد الرحمن وقد رأى عليه آثار صفرة ما هذا وفي
رواية مهيم فقال: إني تزوجت امرأة وهي أم إناس بنت أبي الحيسر بمهملتين بينهما تحتية وآخره راء واسمه أنس بن رافع الأوسي كما في التوشيح على وزن نواة من ذهب فقال: بارك الله لك والبركة الزيادة وجاء في بعض طرق حديثه زيادة هي قال عبد الرحمن ولقد رأيتني ولو أقلب حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة أشار إلى قبول الدعوة النبوية بالبركة له كذا في شرح العمدة للقلقشندي أيضاً وقال لجابر: تزوجت يا جابر قال: نعم يا رسول الله وذكر اعتذاره من نكاح الثيب قال: فبارك الله عليك ففيه جواز سؤال الإِمام أصحابه عن مثل ذلك ومفاوضتهم فيه والسؤال عن حال الصاحب والنظر في أمره والدعاء للمتزوج والله أعلم.
قوله: (وروينا بالأسانيد الصحيحة الخ) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير روى الحديث أحمد والدارمي وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وصححه أيضاً الحافظ أبو الفتح القشيري في الاقتراح على شرط مسلم وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب رواه الدارمي وابن السني وغيرهما من طريق الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة من في جشم فقيل له بالرفاء والبنين فقال: قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "بارك الله فيكم وبارك لكم" قلت:
стр. 2005
في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفَّأ الإنسانَ إذا تزوج قال: "بارَكَ الله لك، وبارَكَ عَلَيكَ، جَمَعَ بَيْنَكُما في خَيرٍ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فصل: ويكره أن يقال له: بالرَّفاء والبنين، وسيأتي دليل كراهته إن شاء الله تعالى في "كتاب حفظ اللسان " في آخر الكتاب.
ــ
قال ابن النحوي في شرح البخاري بعد أن أخرجه عن الأشعت عن الحسن فذكره قال الطبري: إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل وقد حدث به عن الحسن عن عقيل غير الأشعت فلم يرفعه إلى رسول الله ﷺ اهـ. ولعل هذا مراد الحافظ ابن حجر بقوله واختلف فيه على الحسن وأخرجه تقي بن مخلد من طريق غالب عنه عن رجل من بني تميم قال: كنا نقول في الجاهلية بالرفاء والبنين فعلمنا رسول الله ﷺ فقال: فذكره اهـ. قال ابن النحوي قال الطبري والذي أختار من الدعاء ما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا رفأ الرجل بتزويج قال: بارك الله لك وبارك عليك" ورواية الداودي عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قلت: والحديث عند أبي داود وفي آخره وجمع بينكما في خير، وغير محظور الزيادة على ذلك. قوله: (قال الترمذي حديث حسن صحيح) وكذا تقدم تصحيحه عن والحاكم وعن القشيري في الاقتراح.
فصل
قوله: (ويكره أن يقال له) أي للزوج (بالرفاء والبنين وسيأتي دليل كراهته في كتاب حفظ اللسان) اعلم أن الشيخ ﵀ ونفع به عزم على ذكر دليله في ذلك الكتاب فحصل له نسيان من ذكره ثمة ولا عيب في ذلك وعبارته في ذلك الكتاب فيما رأيت من النسخ المصححة.
فصل "يكره أن يقال للمتزوج بالرفاء والبنين لما قدمناه في كتاب النكاح" اه ـ.
قال الشيخ ابن النحوي في شرح البخاري في قول البخاري باب كيف يدعى للمتزوج ثم ساق حديث عبد الرحمن بن عوف هذا الحديث يأتي في الدعوات أيضاً وقد أخرجه مسلم أيضاً وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه وأراد بهذا الباب والله أعلم رد قول العامة عند
стр. 2006
والرّفاء بكسر الراء وبالمدّ: وهو الاجتماع.
باب ما يقول الزوج إذا دخلت عليه امرأته ليلة الزفاف
ــ
العرس بالرفاء والبنين على ما كانت الجاهلية تقول عند العرس للمتزوج وروي عن النبي ﷺ أنه نهى أن يقال ذلك للمتزوج من حديث عقيل بن أبي طالب ذكره النسائي وأبو عبيد والطبري ثم ذكر ما تقدم نقله عنه في حديث عقيل قبيل الفصل من كلامه من الاختلاف الواقع في حديثه على الحسن راويه والله أعلم قال القاضي عياض فإن قلت الرفاء الألفة فكأنه دعا بالألفة والبنين فما وجه كراهية ذلك قلت: كانت الجاهلية تقول تفاؤلاً لا دعاء رجماً بالغيب ولو ذكره واحد بصيغة الدعاء ألف الله بينكما ورزقكما البنين لم يكره ذلك وقد ورد أبلى وأخلقى في حديث أم خالد لأنه منه ﷺ دعاء وإن لم يكن بصيغة الدعاء أو كره الجزم بالبنين دون البنات لأنه تقرير لعادة الجاهلية في معاداة البنات وتأكيداً لما في نفس الزوج من طلب الذكر حتى لو رزق أنثى سخط بها لأنه لم يوطن نفسه عليها بل على الولد خاصة وهذا من بقايا الجاهلية والدعاء بالبركة يدخل فيه الولد على الإطلاق وإن كانت النسمة مباركة فلا ضير وإن كانت أنثى أو غير مباركة فلا خير وإن كانت ذكراً وقد قال ﷺ لأبي طلحة وبارك ليلتكما فحملت بذكر وبورك فيه وفي ذريته وفي رواية فجاء منه عشرة كلهم علماء فقهاء والله أعلم. قوله: (والرفاء بكسر الراء وبالمد) أي وهمزته إما أصلية بناء على أن ماضيه رفأ بالهمز أو مبدلة من واو بناء على أنه رفأ بالألف اللينة يقال رفأت الثوب رفأ ورفوته رفواً أشار إليه في السلاح وقال الرفاء الالتئام والاتفاق.
باب ما يقول الزوج إذا دخلت عليه امرأته ليلة الزفاف
بكسر الزاي وبالفاءين هدية العروس إلى زوجها ومثل الزوجة في استحباب الإتيان بالذكر الآتي للزوج عند زفافها السرية والخادم كما صرح به في الحصن
стр. 2007
يستحبُّ أن يسميَ الله تعالى ويأخذَ بناصيتها أول ما يلقاها ويقول: بارك الله لكل واحدٍ منا في صاحبه.
ويقول معه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود وابن ماجه وابن السني
وغيرها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا تَزوَّجَ أحَدُكُم امْرأةً، أوِ اشْتَرى خادماً فَلْيَقُل: اللهُم إني أسألُكَ خَيرَها وَخَيرَ ما جَبَلْتَها عَلَيهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وشَرِّ ما جَبَلْتَها عَلَيهِ. وَإذَا اشْتَرَى بَعِيراً فَلْيَأخُذْ بِذِرْوَةِ سَنامِهِ
ــ
وجاء التصريح بالخادم في الخبر. قوله: (يستحب أن يسمي الله) أي يذكر اسمه تعالى بأي صيغة كانت من أنواع الذكر وأولاه البسملة ودليل استحباب الذكر قوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر كما جاء هكذا في رواية. قوله: (ويأخذ بناصيتها) في الصحاح الناصية الشعر الكائن في مقدم الرأس اهـ. والظاهر أن المراد هنا مقدم الرأس سواء كان فيه شعر أم لا ودليل الأخذ بالناصية حديث أبي داود والنسائي وأبي يعلى الموصلي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً بذلك.
قوله: (ويقول معه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة الخ) قال في السلاح رواه أبو داود واللفظ له
والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على ما ذكرنا من رواية الأئمة الثقات عن عمرو بن شعيب اهـ. وزاد في الحصن فيمن خرجه أبو يعلى الموصلي وبقي عليهما ما زاد المصنف هنا من ابن السني. قول: (إني أسألك خيرها) الضمير راجع إلى المرأة أو إلى النفس الشاملة لها وللخادم وعند أبي يعلى أسألك من خيرها وهو يفيد التبعيض والمطلوب كل خيرها ثم المراد من خيرها كونها طيبة الذات بقرينة قوله "وخير ما جبلتها عليه" أي خلقتها وطبعتها عليه أي من الأفعال والصفات قاله ابن الجزري. قوله: (وإذا اشترى بعيراً الخ) مثل البعير فيما ذكر سائر الحيوانات كالخيل والبغال والحمير. قوله: (بذروة سنامه) وفي القاموس ذروة السنام بالضم والكسر أي للذال من كل شيء أعلى سنامه اهـ. ومثلها في المصباح قال في الفتح المبين قيل والقياس جواز فتحه أيضاً اهـ.
стр. 2008
وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلك" وفي رواية: "ثُم ليأخُذْ بِنَاصِيَتِها وَلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ في المَرأةِ وَالخَادِمِ".
باب ما يقال للرجل بعد دخول أهله عليه
روينا في "صحيح البخاري" وغيره عن أنس ﵁ قال: " بنى رسول الله ﷺ بزينبَ ﵂، فأولم بخبز ولحم ... " وذكر الحديث
ــ
فيؤخذ منه ومما قبله ما قيل به من أن الذروة مثلث. قوله: (وليقل مثل ولك) أي مثل ما قال في الزوج والخادم اللهم إني أسألك خيرها الخ. قوله: (وفي رواية) لأبي داود رواها عن أحد شيخيه في هذا الحديث وهو عبد الله بن سعيد وعبارة أبي داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن سعيد قالا: حدثنا أبو خالد حدثنا محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه الخ قال: وزاد عبد الله بن سعيد وليأخذ بناصيتها ويدع بالبركة في المرأة والخادم.
باب ما يقال للرجل بعد دخول أهله عليه
قوله: (روينا في صحيح البخاري وغيره) أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه وأصل الحديث عند الترمذي وليس فيه مجيئه ﷺ إلى بيت أزواجه وما معه. قوله: (بنى رسول الله ﷺ بزينب) أي دخل بها وأصله أن الرجل كان إذا دخل على المرأة بنى عليها قبة فأطلق هذا وأريد منه الدخول على الزوجة وقال الجوهري لا يقال بنى بها والصواب أن يقال بنى عليها قال الكرماني وهو غير مسلم له فقد جاء كذلك في الحديث الصحيح اهـ. وكان تزوجه ﷺ بزينب في السنة الخامسة من الهجرة وقيل: في السنة الثالثة منها بعد طلاق زيد بن حارثة لها. قوله: (فأولم بخبز ولحم) وجاء في رواية عند مسلم ما أولم ﷺ على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أولم على زينب وجاء في رواية أنه ﷺ أولم بشاة وفي أخرى أولم بحيس أرسلت به أم سليم ولا مانع كما قال ابن النحوي من أنه أولم بكل من الثلاث قال المصنف ويحتمل أن سبب مبالغته في وليمة زينب الشكر لنعمة الله تعالى أن زوجه إياها بالوحي لا بولي ولا بشهود بخلاف غيرها ومذهبنا المشهور الصحيح عند أصحابنا صحة
стр. 2009
في "صفة الوليمة وكثرة من دعي إليها" ثم قال: فخرج رسول الله ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: "السلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيتِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فقالت: وعليكَ السلام ورحمة الله، كيف وجدتَ أهلك؟ بارك الله لك،
ــ
تزوجه ﷺ بلا ولي
ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه ﷺ والخلاف في غير زينب أما هي فمنصوص عليها اهـ.
قوله: (وكثرة من دعي إليها) أي بحيث ملؤوا الحجرة لأنه ﷺ سمى له جماعة ثم أذن له أن يدعو من لقي فكفاهم أجمعين ذلك الحيس فكان من معجزاته ﷺ اطلاعه على المغيب من أن هذا الطعام اليسير يكفي هذا الجمع الكثير ومن معجزاته تكثير ذلك الطعام ببركته ﷺ . قوله: (فخرج رسول الله ﷺ ) أي لما تخلف أقوام بعد تمام الوليمة في بيته ﷺ واشتغلوا بالحديث فلم يأمرهم ﷺ بالخروج لأنه لا يليق بمكارم أخلاقه بل فعل ما يفهمون منه ذلك وهو خروجه ليخرجوا فلم يبرزوا إلا بعد ذلك كما هو مبين في الحديث. قوله: (فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂ فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله فقالت: وعليك السلام ورحمة الله الخ) في مسلم فجعل يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن يقول: كيف أنتم يا أهل البيت؟ فتقول: بخير كيف وجدت أهلك؟ فيقول: بخير قال المصنف في شرح مسلم في هذه القطعة فوائد منها أنه يستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلم على امرأته وأهله وهذا مما يتكبر عليه كثير من الجاهلين المترفعين ومنها أنه إذا سلم على واحد قال: سلام عليكم أو السلام عليكم بصيغة الجمع قالوا: ليتناول ملائكته ومنها سؤال الرجل أهله عن حالهم فربما كانت في نفس المرأة حاجة فتستحي أن تبتديء بها فإذا سألها انبسطت لذكر حاجتها ومنها أنه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله بأهله: كيف حالك؟ ونحو هذا اهـ. وهذا صريح في استحباب قول ما ذكر للزوج عقب دخوله وعبارة الكتاب محتملة لذلك والاقتصار على قوله: بارك الله لك وإن كان ظاهر إيراده في هذا الكتاب الموضوع لما يطلب الإتيان به من الألفاظ والأذكار استحباب ذلك السؤال والذكر معاً ومن ثم قال ابن حجر الهيتمي في شرح المنهاج ظاهر كلام الأذكار سن ذلك ثم قال: وقد يقال قولهن: كيف وجدت أهلك؟ لا يؤخذ منه ندبه مطلقاً لما فيه من نوع استهجان مع الأجانب
стр. 2010
فتقرَّى حُجرَ نسائه كلّهن يقول لهنَّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة".
باب ما يقوله عند الجماع
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عباس ﵄ من
ــ
لا سيما العامة وقد يجاب بأن الاستفهام ليس على حقيقته بدليل أنه ﷺ لم يجب عنه وإنما هو للتقرير أي وجدتها على ما يجب ومع ذلك لا يندب هذا إلا لعارف بالسنة لما أشرت إليه اهـ. وكأنه أخذ عدم إجابته ﷺ لنسائه عن هذا السؤال من رواية البخاري التي في الأصل وتقدم التصريح بالجواب منه ﷺ عن ذلك عند مسلم وأنه ﷺ قال بخير فالسؤال حينئذٍ على حقيقته والله أعلم بأسرار شريعته ولعل منه التوصل بهذا الاستفصال إلى الوقوف على حقيقة الحال فيعامل كل مقام بما يستحقه من الأفعال والأقوال والله أعلم. قوله: (فتقرى) بالمثناة الفوقية والقاف المفتوحتين فالراء المفتوحة المشددة أي تتبع يقال: قريت الأرض أي تتبعتها أرضاً بعد أرض أي تتبع حجر نسائه أي باقيها بعد حجرة عائشة وفي تقديمها تنبيه على مالها عنده ﷺ من الرفعة وعلو المرتبة ومزيد المحبة.
باب ما يقوله عند الجماع
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة كلهم من حديث ابن عباس كذا في الجامع الصغير للسيوطي وفي شرح العمدة للقلقشندي وأخرجه عبد بن حميد والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم ومداره عندهم على سالم عن كريب عن ابن عباس وعند النسائي عن منصور عن كريب ليس فيه سالم وفي بعضها عنده عن منصور عن سالك عن ابن عباس موقوفاً ولم يذكر كريباً وفي سند الصحيحين ذكر ثلاثة من التابعين في نسق منصور بن
стр. 2011
طرق كثيرة عن النبي ﷺ قال: "لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتى أهْلَهُ قالَ: بسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيطانَ وَجَنِّبِ الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنا فَقُضِيَ بَيْنَهُما وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ"
ــ
معتمر وسالم وكريب اهـ. وهذا من لطائف السند عندهم وقال العراقي: هذا الحديث من أفراد ابن عباس عن النبي ﷺ ولم يروه عن ابن عباس إلا كريب ولم يروه عن كريب إلا سالم قال البزار: لا نعلم روى هذا اللام عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه اهـ. قوله: (لو أن أحدهم) مرجع الضمير فيه يفسره سياق الكلام كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وهو كثير ولفظ لو فيه شرطية وجوابها محذوف تقديره لم يضره الشيطان كما جاء مصرحاً به في رواية للبخاري والدليل على هذا الجواب هنا قوله فإنه أن يقدر بينهما ولد الخ. قوله: (جنبنا) بكسر النون الأولى المشددة وكون الموحدة أي بعدنا الشيطان أو جنبنا كيده فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه. قوله: (ما رزقتنا) المراد به الولد أي بفرض حصوله وإن كان اللفظ أعم ففيه أن الولد من الرزق. قوله: (فإنه أن يقدر بينهما ولد) أي خلق ولد وعلوقه. قوله: (لم يضره) أي بضم الراء وفتحها كما في تحفة القاري أي الشيطان قال المصنف قال القاضي المراد أنه لا يضره أي لا يصرعه الشيطان وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره قال: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والأغواء اهـ. قال ابن النحوي في شرح البخاري اختلف في الضرر المدفوع فقيل إنه الطعن الذي يطعن المولود الذي عصم منه عيسى ﵇ وطعن أم مريم في الحجاب لما استعاذت منه وقيل: هو ألا يصرع ذلك المولود الذي يذكر اسم الله عليه ويستعاذ من الشيطان عند جماع أمه وكلا الوجهين جائز والله أعلم بالواجب منهما ولا يجوز أن يكون الضرر الذي يكفاه من الشيطان كل ما يجوز أن يكون من الشيطان فلو عصم أحد من ضرره لعصم منه الشارع وقد تعرض له في الصلاة والقراءة اهـ. وتعقبه بعضهم بأنه لا ينبغي أن يكون المدفوع هو المدفوع عن عيسى لأنه ﷺ قال: "كل مولود يولد يطعن الشيطان في خاصرته فيستهل صارخًا من الشيطان إلا مريم وابنها لقوله أم مريم: "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فليس لأحد بعد هذا أن يطمع في مساواة عيسى وأمه"، فإن قلت إنما اندفع ضرره عنهما
стр. 2012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالاستعاذة فينبغي لكل من استعاذ منه ذلك، قلت ذلك من الخصائص بنص الحديث والله أعلم وقال ابن النحوي في محل آخر من شرحه "ما" في الحديث بمعنى شيء ويكون
لمن يعقل إذا كانت بمعنى شيء نبه عليه ابن التين أو لإيهام أمره كما في قوله تعالى: والله أعلم بما ولدت قال القلقشندي ومعنى لم يضره لم يكن له عليه سلطان بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان أي ببركة هذا الذكر وحسن نية أبويهم وأبعد من قال إن المراد لم يصرعه وكذا من قال: لم يطعن فيه عند الولادة كما لم يطعن في عيسى وأمه واختار تقي الدين القشيري في شرح العمدة أن المراد لم يضره في بدنه وإن كان يحتمل الدين ويبعده انتفاء العصمة إذ لو عصم أحد من ضرره لعصم منه من اعترضه في الصلاة فأمكنه الله منه فأراد ربطه في سارية من سواري المسجد وفي القراءة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ويبعد حمله على العموم من ضرر الدنيا والدين أنه لو حمل على ذلك لاقتضى عصمة الولد من المعاصي كلها ولا يتفق ذلك أو يعز وجوده ولا بد من وقوع ما أخبر به الشارع ﷺ وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز فلا مانع من أن يوجد من لا تصدر عنه معصية عمداً وإن لم يكن واجباً له وقال الشيخ زكريا في شرح البخاري كل مولود وإن كان يمسه الشيطان غير عيسى وأمه فلا بد له من وسوسة فالمراد هنا لم يتسلط عليه بحيث يمنعه العمل الصالح وقيل لا يصرعه وقيل لا يطعن فيه عند ولادته واقتصر الكرماني على الأول من هذه الثلاثة الأقوال وعبر عنه ابن الجزري في تصحيح المصابيح بقوله: أي لم يسلط عليه في دينه ولم تظهر مضرته في حقه بنسبة غيره وزاد فقال وقيل لم يطعن فيه طعناً شديداً عند الولادة بخلاف غيره قال: ولم يحمل أحد هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والأغواء والوسوسة اهـ. قال في الحرز وكيف يحصل على ما لا يمتنع منه إلا معصوم لكن الصادق أخبر بهذا فلا بد أن يكون له تأثير ظاهر وإلا فما الفائدة فيه ومن وفقه الله للعمل بهذا رأى من البركة في ولده ما تحقق أنه ﷺ ما ينطق عن الهوى، قلت: وأقل فائدة بعد ذكر الله ودعائه بسؤاله اجتناب الشيطان لنفسه تضمن طلب الولد الصالح من الله تعالى بذلك العمل المباح
стр. 2013
وفي رواية للبخاري "لَمْ يَضُرَّهُ شَيطانٌ أَبَداً".
ــ
فيصير عبادة بحسن النية فنية المؤمن خير من عمله اهـ. وقال الداودي معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته عن المعصية وقيل لم يضره بمشاركة أبيه في الجماع وقد جاء عن مجاهد أن الذي يجامع ولم يسم الله يلتف الشيطان على أحليله ويجامع معه قال ابن النحوي وفي الحديث استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع وفيه الاعتصام بذكر الله تعالى من نزعات الشيطان وأذاه وأن الدعاء يصرف به البلاء والتبرك باسمه تعالى والاستشعار بأن الله هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه قال الطبري: إذا قال ذلك عند جماع أهله كان قد اتبع سنة رسول الله ﷺ ورجونا له دوام الألفة بينهما ودخل فيه جماع الزوجة والمملوكة وهو كذلك وإن كان لفظ الحديث حين يأتي أهله إذ يمكن أن يحدث بينه وبين المملوكة ولد فيه الحث على ذكر الله تعالى ودعائه في كل حال لم ينه عنه الشارع حتى في حال ملاذ الإنسان ومثله حال الطهارة وفيه الرد على من كره ذلك وروي عن ابن عباس أنه كره الذكر على حالين الخلاء والوقاع قال ابن بطال: والحديث بخلافه قال ابن النحوي قلت: لا مخالفة إذ المراد بإتيانه أهله إرادة ذلك وحينئذٍ فليس خلافه قلت: ويؤيده أنه جاء في رواية في الصحيحين وإذا أراد أن يأتي أهله وأما
رواية الدارمي والإسماعيلي حين يجامع أهله الظاهرة في أن القول مع الفعل فتحمل على المجاز حتى يندفع التعارض ويتبين بالرواية التي فيها يجامع أن المراد بالإتيان في الحديث الجماع وهو من كنايات الجماع لا من صرائحه عندنا ذكره القلقشندي في شرح العمدة قال ابن النحوي وكراهة الذكر على غير الطهر لأجل التعظيم قلت: وتقدم حكم الذكر في غير حال الطهارة في الفصول أول الكتاب وفي الحديث إشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى موته أعاذنا الله الكريم منه وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم وعلى خيشومه إذا نام وعلى قلبه إذا استيقظ فإذا غفل وسوس وإذا ذكر الله خنس ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد عليك ليل طويل وتنحل عقده بالذكر والوضوء والصلاة اهـ. قوله: (وفي رواية البخاري الخ) قال
стр. 2014
باب ملاعبة الرجل امرأته وممازحته لها ولطف عبارته معها
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جابر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجْتَ بكْراً، أمْ ثَيباً؟ قلت: تزوَّجتُ ثيباً، قال: هَلاَّ تَزَوَّجْتَ بكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ".
ــ
القلقشندي في شرح العمدة قوله: لم يضره الشيطان ورواية مسلم شيطان بالتنكير وهي عند البخاري في النكاح وفي الدعوات لم يضره فقط وعنده في صفة إبليس لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه اهـ. وبه يعلم أن ما توهه العبارة من كونه بحذف شيطان فاعل يضره عند مسلم أيضاً غير مراد فإن الفاعل مذكور في رواية مسلم إلا أنه منكر وحذفه إنما هو في رواية البخاري في النكاح والدعوات والله أعلم.
باب ملاعبة الرجل امرأته وممازحته لها ولطف عبارته معها
الملاعبة مفاعلة من اللعب وقيل من اللعاب والممازحة والمزاح بكسر الميم مصدر مازح والمزاح هو انبساط مع الغير من غير إيذاء له وبه فارق الاستهزاء والسخرية والمراد المزاح الخالي من نحو تهييج الضغائن وعن الكذب وعن التسلط به إلى ضرر في بدن إنسان أو ماله فذلك المزاح المذموم والمحمود ما خلا عن ذلك كله ومنه ما جاء من مزاحه ﷺ قال: "إني أمزح ولا أقول إلا حقاً" "ولطف العبارة" بضم اللام أي تحسين الخطاب ولطفه. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وسبق تخريج حديث جابر في باب ما يقال للزوج بعد عقد النكاح. قوله: (تزوجت بكراً أم ثيباً) أي أتزوجت بكراً بتقدير الاستفهام لأن أم لا يعطف بها إلا بعد الاستفهام والثيب من ليس ببكر يطلق على الذكر والأنثى يقال رجل ثيب وامرأة ثيب. قوله: (قلت تزوجت ثيباً) هي سهيلة بنت شمعون الأوسية كذا في تحفة القاري على البخاري للشيخ زكريا. قوله: (تلاعبها) قال ابن النحوي يحتمل أن يكون من اللعاب أو اللعب المعروفة وقال العراقي في شرح التقريب قوله: تلاعبها وتلاعبك من اللعب المعروفة ويؤيده قوله: تضاحكها وتضاحكك وفي رواية لأبي
стр. 2015
وروينا في كتاب الترمذي وسنن النسائي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أكمَلُ المُؤمِنِينَ إيمَاناً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً وألْطَفُهُمْ لِأهلِهِ".
ــ
داود وتداعبها وتداعبك من الدعابة بالدال والعين المهملتين والموحدة وهي المزاح هكذا حكاه القاضي عياض عن جمهور المتكلمين في شرح هذا الحديث وقال بعضهم: يحتمل أن يكون من اللعاب وهو الريق وعند مسلم فأين أنت من العذارى ولعابها هو بكسر اللام مصدر لاعب من الملاعبة كقاتل مقاتلة وقتالاً قال
القاضي عياض الرواية في كتاب مسلم بالكسر لا غير ورواه أبو ذر من طريق المستملي لصحيح البخاري ولعابها بضم اللام يعني به ريقها عند التقبيل قال أبو العباس القرطبي وفيه بعد والصواب الأول وقال عياض الأول أظهر وأشهر اهـ. وفي الحديث فضل التزوج بالإبكار وجواز سؤال الكبير أصحابه عن أمورهم وتفقد أحوالهم وإرشادهم إلى مصالحهم وتنبيههم على وجه المصلحة فيها وأن مثل ذلك من ذكر النكاح لا ينبغي الاستحياء منه وفيه ملاعبة الرجل امرأته وملاطفته لها وتضاحكهما وحسن العشرة بينهما.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) والجملة الأولى أي قوله: أكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً هي عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وقال: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين وهو على شرط مسلم وزاد الترمذي وخيركم خيركم لأهله وقال: هذا حديث حسن صحيح والحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضاً قال الحاكم ورواه ابن علية عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عائشة قال: وأخشى أن أبا قلابة لم يسمع من عائشة قال العراقي في أمالي المستدرك ومن خطه نقلت أخرج الترمذي الحديث عن ابن منيع عن ابن علية وقال: حديث حسن لا نعرف لأبي قلابة سماعاً عن عائشة ورواه النسائي في سننه الكبرى عن هارون بن إسحاق عن حفص بن غياث عن خالد الحذاء ورواية أبي قلابة عن عائشة لغير هذا الحديث في صحيح مسلم لكنه قرنه بالقاسم بن محمد اهـ. قوله: (أكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وهو للصورة الباطنة من النفس وأوصافها ومعانيها بمنزلة الخلق بفتح الخاء للصورة الظاهرة وأوصافها ومعانيها حسنة أو قبيحة لكن تعلق الكمال وضده بأوصاف
стр. 2016
باب بيان أدب الزوج مع أصهاره في الكلام
اعلم أنه يستحب للزوج أن لا يخاطب أحداً من أقارب زوجته بلفظ
ــ
الثانية وقول ابن حجر الهيتمي في شرح الشمائل الخلق ملكة نفسانية ينشأ عنها جميل الأفعال وكمال الأحوال ليس بصواب إذ الناشيء عن الملكة يكون جميلاً تارة وقبيحاً أخرى كما علم مما تقرر ولعله أراد تعريف الخلق الحسن لا مطلق الخلق وكأنه لم يقف على قول الإِمام الراغب حد الخلق حال للإنسان داعية إلى الفعل من غير فكر ولا روية ولا على قول الغزالي الخلق هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير احتياج إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الحميدة عقلاً وشرعاً سميت الهيئة خلقاً حسناً وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً وإنما كان من جمع بين الخلق النفيس واللطف للأهل أكمل المؤمنين إيماناً لأن الخلق الحسن تصدر عنه الأعمال المحمودة شرعاً بسهولة من القيام بالأوامر واجتناب المناهي وذلك شأن المؤمنين وإذا جمع إلى ذلك اللطف إلى العيال زاد كمالاً على كمال وقد بلغ ﷺ من حسن الخلق ما لم يصل إليه أحد قال أبو علي الدقاق خصه الله تعالى بمزايا كثيرة ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى عليه بخلقه فقال: وإنك لعلى خلق عظيم وقد كان ألطف المؤمنين بأهله كما يعلم ذلك من تتبع أحواله في لطفه مع أهله وعياله فهو سيد الخلق وأكملهم في كل حال بل كل وصف كامل إنما استعاره منه كاملو
الرجال والله أعلم وقد عقد هذا الحديث الإِمام زين الدين العراقي فقال في أمالي المستدرك ومن خطه نقلت:
إيمان كل امريء يزداد بالعمل ... أن يصحب المرء توفيق من الأزل
وأكمل النّاس إيماناً أحاسنهم ... خلقاً فكن حسن الأخلاق تكتمل
يكفيك مدحة خير الخلق منزلة ... في نون ممن كساه أشرف الحلل
باب بيان أدب الرجل مع أصهاره في الكلام
المراد من الصهر هنا الحم وهو قريب الرجل من جهة زوجته والختن أقاربها من جهة الزوج
стр. 2017
فيه ذِكْر جماع النساء، أو تقبيلهن، أو معانقتهن، أو غير ذلك من أنواع الاستمتاع بهن، أو ما يتضمن ذلك أو يستدل به عليه أو يفهم منه.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن علي ﵁ قال: "كنت رجلاً مذَّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني،
ــ
والصهر يعم الجميع. قوله: (وتقبيلهن) أي وغيره من مقدمات الجماع. قوله: (أو ما يتضمن ذلك) أي كالاستمتاع بالمرأة. قوله: (أو يستدل به عليه) أي كذكر المذي ونحوه. قوله: (أو ما يفهم منه) أي كأن يذكر الاغتسال. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال القلقشندي في شرح العمدة الحديث أخرجه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم. قوله: (كنت رجلاً مذاء) يحتمل أن يكون على حد قوله وكان الله غفوراً رحيماً أي في الحال وما قبله لأن النّاس على ذلك في الحال فأخبرهم أنه كان في الماضي كذلك ويحتمل أنه حكاية عما مضى وانقطع عنه حين إخباره به واستبعد ومذاء بتشديد الذال والمد صيغة مبالغة على وزن فعال من المذي أي كثير المذي وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند ثوران الشهوة من غير شهوة قوية وهو في النساء أكثر منه في الرجال يقال مذي وأمذى كما يقال مني وأمنى كذا في تحفة القاري. قوله: (فاستحييت) بتحتانيتين وهي اللغة الفصحى ويقال: استحيت بتحتانية واحدة ونقلها الأخفش عن تميم ونقل الأولى عن أهل الحجاز وقال هي الأصل وقال ابن القطاع أكثر العرب في اللغة لا تأتي بها على التمام واختلف في الياء المحذوفة في اللغة الثانية هل هي عين الفعل أو لامه والحياء شرعاً خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق صاحب الحق وهو محمود وممدوح وهو الذي لا يأتي إلا بخير ومذموم وهو ما كان مشوباً بشيء من الأنفة كتركه تعلم علم أو من الخور كترك إنكار منكر. قوله: (إن أسأل) محله النصب إن قدرنا استحى متعدياً بنفسه وإن قدرناه متعدياً بالحرف فمذهب الخليل والكسائي إن محله خفض ومذهب سيبويه والفراء نصب. قوله: (لمكان ابنته) اللام للتعليل وهذه علة الاستيحاء إذ
стр. 2018
فأمرت المقداد فسأله".
باب ما يقال عند الولادة وتألم المرأة بذلك
ــ
المذي غالباً يحصل عند ملاعبة الرجل زوجته وتقبيلها ونحو ذلك والمواجهة به مما يستحي منها فيؤخذ منه أن الأدب في مثله مما يستحي منه عرفاً ترك المواجهة به وكنى عن كونها زوجته بقوله لمكان ابنته مني ووقع في بعض طرقه عند مسلم والنسائي لمكان فاطمة مني بدل قوله لمكان ابنته مني. قوله: (فأمرت المقداد بن الأسود فسأله) ووقع في بعض طرقه عند أحمد والبخاري فأمرت رجلاً وعند أحمد وابن حبان أنه أمر عمار بن ياسر أن يسأل وعند أبي داود وابن خزيمة أن علياً سأل بنفسه وعند الإسماعيلي أن علياً قال: سألنا وعند عبد الرزاق في مصنفه عن المقداد فسألت وجمع ابن حبان بينها بأن علياً أمر عماراً أن يسأل ثم أمر المقداد أن يسأل ثم سأل بنفسه واستحسنه ابن النحوي وقال يؤيده رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أخبرني عياش بن أنس قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي فقال على إني رجل مذاء فاسألا النبي ﷺ عن ذلك قال ابن عباس فسأله أحد الرجلين عمار أو المقداد قال عطاء وسماه ابن عباس ونسيته أنا ونقل ابن عبد البر أن هذه أحسن طرق حديث المذي وتبعه البرماوي وزعم أن النسائي أخرجه بنحو ذلك قال القلقشندي وليس كذلك ويعكر على هذا الجمع قوله: فاستحييت أن أسأله لمكان ابنته مني وجمع الإسماعيلي والنووي بأن سؤال علي محمول على المجاز لكونه الآمر به وجزم ابن بشكوال بأن الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد فقط فعلى هذا فرواية من روى أن عماراً سأل محمولة أيضاً على المجاز أي قصد السؤال ووقع في المحدث الفاضل للرامهرمزي أن النبي ﷺ رأى علياً ساخناً فقال: يا علي لقد سخنت فقال: سخنت من الاغتسال بالماء وأنا رجل مذاء فإذا رأيت منه شيئاً اغتسلت قال: لا تغتسل منه يا علي الحديث اهـ. وأخذ من الحديث جواز الاستنابة في الاستفتاء ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله قاله الحافظ في فتح الباري.
باب ما يقال عند الولادة وتألم المرأة بذلك
الولادة بكسر الواو وضع الولد من نطفة أو علقة والتألم أي حصول الألم لها بذلك.
стр. 2019
ينبغي أن يكثر من دعاء الكرب الذي قدمناه.
وروينا في كتاب ابن السني عن فاطمة ﵂ "أن رسول الله ﷺ لما دنا وِلادُها أمر أمَّ سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فيقرآ عندها آية الكرسي، و ﴿إِنَّ رَبَكُمُ اللهُ ... ﴾ [الأعراف: ٥٤] إلى آخر الآية ويعوِّذاها بالمعوِّذتين".
باب الأذان في أذن المولود
روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: "رأيت رسول الله ﷺ أذَّن في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة ﵃" قال الترمذي: حديث
ــ
قوله: (لما دنى ولادها) أي حضر زمنه. قوله: (﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] إلى آخر الآية) إلى قوله: تبارك الله رب العالمين. قوله: (بالمعوذتين) بكسر الواو سورتي الفلق والناس.
باب الأذان في أذن المولود
أي عقب ولادته ليكون الذكر أول شيء يطرق سمعه والمراد بالأذان في الترجمة ما يشمل الإقامة بدليل حديث الحسين وحديث الترمذي لا ينفيهما لأن السكوت عن الشيء لا يدل على نفيه فيؤذن في يمناه ويقام في يسراه أي يأتي بكلماتهما المعروفة: . قوله: (روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما) وكذا رواه البيهقي وهو عند الحاكم من حديث حسين بالتصغير وعند الباقين مكبر قال الترمذي: حديث حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد وجمع أبو نعيم في رواية من الطريق المذكورة وهذا لفظه عن أي رافع أنه عليه الصلاة والكلام أذن في أذن الحسن والحسين كذا في التخريج الصغير لأحاديث الرافعي لابن النحوي. قوله: (عن أبي رافع) هو بالراء والفاء المكسورة والعين المهملة وهو القبطي مولى رسول الله ﷺ وسبق ذكر ترجمته في باب ما يقول إذا قام إلى الصلاة. قوله: (أذن في أذن الحسن) أي أتى بكلمات الأذان المعروفة: في أذن الحسن عقب ولادته ليكون الذكر أول شيء يقرع سمعه ويشرع في قلبه
стр. 2020
حسن صحيح.
قال جماعة من أصحابنا: يستحبُّ أن يؤذّن في أُذنه اليمنى ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى.
وقد روينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأذَّنَ في أُذُنِهِ اليُمْنَى، وأقامَ في أُذُنِه اليُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُم الصُّبْيانِ".
باب الدعاء عند تحنيك الطفل
روينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان فيدعو لهم ويحنَّكهم" وفي رواية "فيدعو لهم بالبركة".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسماء بنتِ أبي بكر ﵄ قالت: "حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، فأتيتُ
ــ
وقيل لأن الشيطان ينخس فيه عند الولادة فاستحبَّ الأذان حينئذٍ لأن الشيطان يدبر عند سماعه. قوله: (لم تضره أم الصبيان) هي التابعة من الجن وقيل مرض يلحق الأولاد في الصغر قال ابن حجر في التحفة ويسن أن يقرأ في أذنه اليمنى فيما يظهر ﴿وإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [أل عمران: ٣٦] وورد أنه ﷺ قرأ في أذن مولود "الإخلاص " فيسن ذلك أيضاً اهـ.
باب الدعاء عند تحنيك الطفل
يقال: حنكت الصبي بتخفيف النون وتشديدها إذا مضغت تمراً أو غيره حتى يصير مائعاً ثم دلكته بحنكه حتى يصل لجوفه والصبي محنوك ومحنك. قوله: (روينا في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح) عزاه ابن جمعان في عدة الحصن إلى الترمذي واقتصر عليه. قوله: (بالصبيان) هو بكسر
الصاد وضمها وذلك لتحل بركته ﷺ على المولود. قوله: (فيدعو لهم) حذف المدعو به إيماء للتعميم والاقتصار على البركة في الرواية الثانية لا يقصر عموم الدعاء في الرواية الأولى عليه لأن ذكر بعض إفراد العام لا يخصصه.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) فرواه البخاري في باب هجرة النبي ﷺ ورواه مسلم في باب الاستئذان قاله المزي في الأطراف. قوله: (فأتيت
стр. 2021
المدينةَ فنزلتُ قباءَ، فولدتُ بقباءَ، ثم أتيتُ به النبي ﷺ ، فوضعه في حَجْره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أوَّل شيءٍ دخل جوفه ريقُ رسول الله ﷺ ، ثم حنَّكه بالتمرة، ثم دعا له وبارك عليه".
ــ
المدينة) معطوف على قولها في الحديث فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة وهذه الجملة عند البخاري قال صاحب الأفعال أتمت كل حامل حان أن تضع وقال الداودي أي قرب وقت ولادتها وقال ابن فارس المتم الحبلي وكانت ولادته في السنة الثانية من الهجرة قاله ابن النحوي في شرح البخاري. قوله: (فوضعته في حجره) بفتح الحاء المهملة وكسرها وهو هكذا في نسخ الأذكار فوضعته بتاء الفاعل وفي نسخة من البخاري فوضعه بإضمار الفاعل يعني النبي ﷺ . قوله: (ثم دعا بتمرة الخ) قال ابن النحوي تحنيكه بالتمر تفاؤلاً له بالإيمان لأنها ثمرة الشجرة التي شبهها ﷺ بالمؤمن ولحلاوتها أيضاً فإن فقد التمر فحلو لم تمسه النار نظير الصائم قيل: إنما يتأتى على قول الروياني بتقديم الحلو على العلماء وهو ضعيف ثم ومع ذلك فالأوجه هنا ما ذكر من تقديم الحلو على العلماء ويفرق بينه وبين الصائم بأن الشارع ثمة جعل بعد التمر الماء فإدخال واسطة بينهما فيه استدراك على النص وهنا لم يرد بعد التمر شيء فألحقنا به ما في معناه نعم قياس ذلك أن الرطب هنا أفضل من التمر ثم الأنثى هنا مثل الذكر في التحنيك بما ذكر خلافاً للبلقيني. قوله: (ثم نقل في فيه) بالفوقية فالفاء أي بصق وتقدم تحقيق الكلام فيه وفي البصق والنفث وذلك لتزداد له البركات وتنمو له الفضائل والهبات وقد أسعده الله بوصول ريقه ﷺ إلى جوفه ﵁ فقد حصل فيه من البركة وحاز من الفضائل فإنه كان قارئاً للقرآن عفيفاً في الإسلام قال ابن النحوي فيه أنه يحسن أن يقصد بالمولود أهل الفضل والعلماء والأئمة الصالحون ويحنكونهم بالتمر وشبهه وإن كان ليس ريق أحدهم في البركة كريقه ﷺ أي فما لا يدرك كله لا يترك كله ألا ترى إلي بركة ابن الزبير وما حازه من الفضائل وكذا عبد الله بن أبي طلحة فقد كان من أهل الفضل والتقدم في الخير ببركة تحنيكه ﷺ . قوله: (ثم دعا له وبارك عليه)
стр. 2022
وروينا في "صحيحيهما" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "وُلد لي
غلام، فأتيتُ به النبي ﷺ ، فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة" هذا لفظ البخاري ومسلم، إلا قوله: "ودعا له بالبركة" فإنه للبخاري خاصة.
كتاب الأسماء
باب تسمية المولود
السُّنَّة أن يُسمَّى المولودُ اليومَ السابعَ من ولادته أو يوم الولادة.
فأما
ــ
ظاهر العطف أنه دعا له بدعوات وزاد عليها بالدعاء بالبركة وعليه فالعطف من عطف الخاص على العام ويحتمل أن يكون دعا له بالبركة ويكون العطف تفسير والأول أنسب بمقام فضله ﷺ وعنايته بابن حواريه وحفيد صديقه ﵃.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال الحافظ المزي رواه البخاري في العقيقة وفي الأدب ومسلم
في الاستئذان. قوله: (فسماه إبراهيم وحنكه) قال ابن النحوي التسمية عندنا تستحب في اليوم السابع وأما التحنيك فيستحب ساعة يولد وتقييد البخاري أنه يسمى غداة يولد لمن لم يعق غريب نعم حكاه ابن التين عن مذهب مالك وحمله الخطابي على أن التسمية إنما تكون يوم السابع عند مالك قال وذهب كثير من النّاس إلى جواز تسميته قبل ذلك وقال المهلب تسمية المولود حين يولد وبعد ذلك بليلة أو ليلتين وما شاء إذا لم ينو الأب العقيقة عنه يوم سابعه وإن أراد أن ينسك عنه فالسنة أن يؤخر التسمية إلى يوم النسك وهو يوم السابع اهـ. وقال المصنف في شرح مسلم فيه يعني في الحديث جواز تسمية المولود يوم الولادة.
كتاب الأسماء
وباب تسمية المولود
قال ابن حجر الهيتمي وردت أخبار صحيحة بتسميته يوم الولادة وحملها البخاري على من لم يرد العق يوم السابع وظاهر كلام أئمتنا ندبها يومه وإن أراد العق وكأنهم رأوا أن أخباره أصح وفيه ما فيه اهـ. قوله: (السنة أن يسمى المولود يوم السابع الخ) قد علمت وجه كل من القولين مما ذكر وعلى القول بأن التسمية يوم السابع
стр. 2023
استحبابه يوم السابع، فلما رويناه في كتاب الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بتسمية المولود في يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعقّ" قال الترمذي: حديث حسن.
ــ
فاختلفوا هل يحسب منها يوم الولادة أولاً الأصح الأول. قوله: (فلما رويناه في كتاب الترمذي) تفرد بتخريجه عن باقي الستة وأخرجه في باب الاستئذان قاله الحافظ المزي. قوله: (أمر بتسمية المولود يوم السابع الخ) قال ابن النحوي ليس الأمر فيه على الحتم لما ورد من تسميته ﵊ لابن أبي طلحة وابن الزبير وتحنيكهما قبل الأسبوع. قوله: (ووضع الأذى عنه) أي حلق الشعر الذي على رأس المولود وقيل إزالة النجاسة وما يخرج على الصبي من القذر حال ولادته قاله الكرماني فينحى ذلك حينئذٍ لتصلبه وتحمله لذلك إذ ذاك وقيل: كانوا يلطخون رأس المولود بدم العقيقة فنهوا عن ذلك وقيل المراد به الختان وعن محمد بن سيرين لما سمعنا هذا الحديث طلبنا من يعرف إماطة الأذى فلم أجد من يخبرني كذا في حاشية السيوطي على سنن أبي داود وفي المواهب اللدنية يحمل على أنها لا تؤخر عن السابع لا أنها لا تكون إلا فيه بل هي مشروعة من حين الولادة إلى السابع اهـ. وفي روى مالك في الموطأ أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وزنت شعر الحسين وتصدقت بزنته فضة وفي الترمذي من حديث محمد بن الحسين بن علي ﵃ قال عن النبي ﷺ عن الحسن بشاة وقال: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة فوزناه فكان وزنه درهماً أو بعض درهم وقال الترمذي حديث غريب وإسناده ليس بمتصل قال أصحابنا: فيستحب ذلك وإلا فبذهب وكذا نص عليه الفاكهاني في شرح الرسالة. قوله: (والعق) أي ذبح العقيقة وهي الشاة المذبوحة لذلك وأصل العقيقة الشعر الذي على رأس الصبي وسميت الشاة بذلك لأنه يحلق رأسه عند ذبحها سميت باسم ذلك الشعر كما سموا النجو عذره وإنما العذرة فناء الدار لأنهم كانوا يلقون ذلك بأفنيتهم وذلك كثير في كلام العرب أن
стр. 2024
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الصحيحة عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ غُلامٍ رَهِينة بِعَقِيقَتِه تُذْبَحُ عَنْهُ يَومَ سابعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسمَّى" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
ينقلوا اسم الشيء إلى صاحبه إذا كثرت صحبته له قال ابن النحوي ومعنى الأمر بوضع الأذى عنه وإراقة الدم يوم السابع بالنسيكة تقرباً لله تعالى ليبارك فيه ويطهر بذلك اهـ. ثم يستحب أن يعق عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة وينبغي ألا
تكسر عظامه تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود فإن فعل لم يكره لكنه خلاف الأولى ثم هو خير بين قسم لحمه نيئاً وطبخه وإطعام أهله.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) وأخرجه البيهقي في شعبب الإيمان بنحوه من حديث سليمان بن عامر وليس فيه تقييد ذلك بيوم السابع أورده عنه في الجامع الصغير وقاله الحافظ المزي في الأطراف. قوله: (كل غلام رهينة بعقيقته) قال في النهاية: الرهينة الرهن والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم استعملا في معنى المرهون فقيل هو رهن بكذا أو رهينة به وعند الترمذي الغلام مرتهن بعقيقته قال الخطابي تكلم النّاس في هذا وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال: هذا في الشفاعة يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلاً لم يشفع في والديه وقيل المراد أن العقيقة لازمة لا بد منها فشبه المولود في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن وقيل: المعنى أنه مرهون بأذى شعره بدليل قوله وأميطوا عنه الأذى وقال ابن القيم في "كتاب أحكام المولود" اختلف في معنى هذا الارتهان فقالت طائفة: هو محبوس مرتهن عن الشفاعة لوالديه قاله عطاء وتبعه عليه أحمد وفيه نظر لا يخفى إذ لا يقال لمن لا يشفع لغيره إنه مرتهن ولا في اللفظ ما يدل على ذلك كالمرتهن المحبوس عن أمر بصدد نيله وحصوله والأولى أن يقال إن العقيقة سبب لفك رهانه من الشيطان الذي تعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعنه في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخليصاً له من حبس
стр. 2025
وأما يوم الولادة، فلما رويناه في الباب المتقدم من حديث أبي موسى.
وروينا في "صحيح مسلم" وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وُلِدَ لي اللَّيْلَةَ غُلامٌ فَسَمَّيتُهُ باسْم أبي إبْراهِيمَ ﷺ ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس قال: "وُلد لأبي طلحة غلام، فأتيت به
ــ
الشيطان له في أمره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته فهو بالمرصاد للمولود من حين يخرج إلى الدنيا يحرص أن يجعله في قبضته وتحت أسره ومن جملة أوليائه فشرع للوالدين أن يفكا رهانه بذبح يكون فداءه فإن لم يذبح عنه بقي مرتهناً كقوله ولهذا قال: فأريقوا عنه الدم وأميطوا عنه الأذى أمر بإراقة الدم عنه الذي يخلص به من الارتهان ولو كان الارتهان يتعلق بالأبوين لقال: فأريقوا عنكم الدم لتخلص لكم شفاعته فلما أمر بإزالة الأذى الظاهر عنه وإراقة الدم الذي يزيل الأذى الباطن بارتهانه علم أن ذلك تخليص للمولود من الأذى الباطن والظاهر والله أعلم بمراده ومراد رسوله اهـ. نقله عنه الحافظ السيوطي في حاشيته على الترمذي. قوله: (وأما يوم الولادة) أي دليل التسمية فيه وتقدم ون المصنف في حديث أبي موسى حمل الحديث في ذلك على الجواز وظاهر كلامه هنا الاستحباب وتقدم في أول الباب نقله عن جمع من الأصحاب وتوجيهه بأنه صح عندهم ما يقتضيه وسبق أن فيه ما فيه.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم وغيره) في الأطراف للمزي أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في فضائل النبي ﷺ وأبو داود في الجنائز أيضاً وفي الجامع الصغير زيادة عزوه لتخريج أحمد أيضاً. قوله: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم) هذا الولد أمه مارية القبطية ﵂ وسبق ذكر ترجمته وسنة مولده وعام وفاته ﵁ وقوله فسميته يقتضي أن التسمية كانت عقب الولادة في الليلة والله أعلم قال المصنف في شرح مسلم في الحديث جواز تسمية المولود يوم ولادته وجواز التسمية بأسماء الأنبياء اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم). قوله: (ولد لأبي طلحة غلام) هو أثر دعوته ﷺ له ولامرأته
стр. 2026
النبيَّ ﷺ فحنَّكه وسماه عبدَ الله".
وروينا في "صحيحيهما" عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "أتيَ بالمنذر بن أبي أُسَيْد إلى رسول الله ﷺ حين ولد، فوضعه النبي ﷺ على فخذه وأبو أُسيد جالس، فَلَهِيَ النبي ﷺ بشيءٍ بين يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتُمل من على فخذ النبي ﷺ ، فأَقْلبُوه، فاستفاق النبي ﷺ فقال: أيْنَ الصَّبِي؟ فقال أبو أسَيْد: أقْلَبْناه يا رسول الله،
ــ
أم سليم لما صبرت على موت ولدها وتعرضت له حتى أصابها فقال ﷺ : "بارك الله لكما في ليلتكما فجاء لهما هذا الولد وكان خيراً كاملاً كما تقدم في كلام ابن النحوي في باب التحنيك وولد عشرة أولاد كلهم فقهاء علماء صالحين كما ذكره المصنف وغيره. قوله: (فحنكه وسماه عبد الله) في الحديث استحباب تحنيك المولود وفيه حمل المولود عند واحد من أهل الصلاح والفضل يحنكه بتمرة ليكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين وفيه استحباب التسمية بعبد الله وفيه استحباب تفويض تسميته إلى صالح فيختار له اسماً يرتضيه قال المصنف وفيه جواز تسميته يوم ولادته اهـ. وعبد الله بن أبي طلحة ذكره ابن الأثير وغيره في الصحابة قال في أسد الغابة هو أخو أنس لأمه أمهما أم سليم وساق حديث وفاة الولد الصغير وما وقع من أم سليم ومن دعائه ﷺ لهما بالبركة في ليلتهما إلى أن قال وولد لعبد الله بن أبي طلحة عشرة أولاد كلهم قرأ القرآن وروى أكثرهم العلم شهد عبد الله صفين مع علي وروى عنه ابناه إسحاق وعبد الله وقتل شهيداً بفارس وقيل مات بالمدينة في خلافه الوليد اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال الحافظ المزي في الأطراف أخرجه البخاري ومسلم في باب الأدب من صحيحيهما. قوله: (أتى بالمنذر بن أبي أسيد) المشهور في أبي أسيد ضم الهمزة وفتح السين ولم يذكر الجماهير غيره قال القاضي وحكى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بفتح الهمزة قال أحمد بن حنبل وبالضم قاله عبد الرزاق ووكيع وهو الصواب واسمه مالك بن ربيعة قالوا: وسبب تسمية النبي ﷺ هذا المولود بالمنذر أن ابن عمه المنذر بن عمرو وكان قد
стр. 2027
قال: ما اسمُهُ؟ قال: فلان، قال: لا، ولكِنِ اسْمُهُ المُنْذِرِ، فسماه يومئذ المنذر".
قلت: قوله: لهي، بكسر الهاء وفتحها لغتان: الفتح لطيء، والكسر لباقي العرب، وهو الفصيح المشهور، ومعناه: انصرف عنه، وقيل: اشتغل بغيره، وقيل: نسيه، وقوله: استفاق: أي: ذكره، وقوله: فأقلبوه: أي ردُّوه إلى منزلهم.
ــ
استشهد ببئر معونة وكان أميرهم فقال ﷺ يكون خلفاً منه ذكره المصنف في شرح مسلم وترجمه في أسد الغابة بما ذكر في حديث الباب المذكور والله أعلم. قوله: (فقالوا فلان) قال شيخ الإسلام زكريا لم يجيء تعيينه
وقوله ولكن اسمه المنذر أي ليس وهذا الاسم المكنى عنه بفلان لائقاً به ولكن اسمه المنذر. قوله: (قلت قوله فلهي) قال المصنف في شرح مسلم رويت هذه اللفظة على وجهين أحدهما فلها بفتح الهاء والثانية فلهي بكسرها وبالياء والأولى لغة طيئ أي يقلبون الكسرة فتحة ثم يقلبون الياء ألفاً لتحريكها وانفتاح ما قبلها والثانية لغة الأكثرين ومعناه اشتغل بشيء بين يديه واللهو فلها بالفتح لا غير يلهو والأشهر في الرواية هنا كسر الهاء وهي لغة أكثر العرب كما ذكرنا واتفق أهل الغريب والشراح على أن معناه اشتغل اهـ. وفي التوشيح للسيوطي لهي بالكسر إذا غفل وبالفتح إذا لعب. قوله: (استفاق) أي ذكره يعني تذكره تذكراً ناشئاً عن استفاقة عما كان مشغولاً به من الفكر ونحوه كما قال في شرح مسلم استفاق أي أفاق من شغله وفكره وذكره الذي كان فيه أي فلما أفاق من ذلك ذكره. قوله: (فأقلبوه أي ردوه إلى منزلهم) قال المصنف في شرح مسلم هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم فأقلبوه بالألف وأنكره أهل اللغة والغريب والحديث وقالوا صوابه قلبوه بحذف الألف قالوا: يقال قلبت الصبي والشيء صرفته ورددته ولا يقال: أقلبته وذكر صاحب التحرير أن أقلبوه بالألف هنا لغة قليلة فأثبتها لغة أعلم ولا سهو في زيادة الألف اهـ.
стр. 2028
باب تسمية السقط
يستحبُّ تسميته، فإن لم يُعلَم أذكر هو أو أنثى، سمي باسم يصلح للذكر والأنثى، كأسماءَ، وهِنْدٍ، وهُنيْدَة، وخارجة، وطلحةَ، وعُمَيْرَةَ، وزُرْعَة، ونحو ذلك. قال الإمام البغوي:
يستحبُّ تسمية السقط لحديث ورد فيه، وكذا قاله غيره من أصحابه. قال أصحابنا ولو مات المولود قبل تسميته استحبَّ تسميتُه.
باب استحباب تحسين الاسم
روينا في سنن أبي داود بالإسناد الجيد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
باب تسمية السقط
هو بتثليث سينه الولد الذي لم يستكمل مدة حمله وقيد ابن حجر في التحفة استحباب تسمية السقط بكونه نفخت فيه الروح لحديث ورد فيه قال ابن النحوي في التخريج الصغير لأحاديث الشرح الكبير وحديث سموا السقط غريب كذلك نعم روى السلفي من حديث أبي هريرة بإسناد واه بأنه يسمى أن استهل صارخاً وإلا فلا وفي عمل اليوم والليلة لابن السني أنه ﵊ سمى السقط لكن بسند ضعيف اهـ. والحديث الذي أشار إليه هو حديث عائشة قالت: أسقطت من النبي ﷺ سقطاً فسماه عبد الله وكناني بأم عبد الله وسيأتي تضعيفه في كلام الشيخ في بيان كنية من لم يولد له. قوله: (ولو مات المولود قبل التسمية استحبَّ تسميته) وكأن وجهه القياس على السقط بالأولى.
باب استحباب تحسين الاسم
قوله: (روينا في سنن أبي داود الخ) وكذا رواه الإِمام أحمد من حديث أبي الدرداء قال الشيخ زكريا في تحفة القاري وحديث أبي داود منقطع وهو لا ينافي
стр. 2029
"إنكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وأسماءِ آبائِكُمْ فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ".
باب بيان أحبِّ الأسماء إلى الله
روينا في "صحيح مسلم" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحبَّ أسمائِكُمْ إلى الله : عَبْدُ الله وعَبْدُ الرَّحْمنِ".
ــ
قول المصنف بإسناد جيد لأن جودة الإسناد لا تنافي نحو الانقطاع. قوله: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم) أي فيقال: فلان ابن فلان وترجم البخاري في صحيحه باب ما يدعى النّاس بآبائهم وأخرج فيه حديث ابن عمر من طريقين قال: قال النبي ﷺ : "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان" قال في تحفة القاري يحمل قول من قال يدعى النّاس يوم القيامة بأمهاتهم إن صح مستنده على غير الغادرين اهـ. وبه يرد قول من قال: يدعى كل إنسان باسمه واسم أمه فيقال: يا ابن فلانة ستراً على آبائهم أخذاً بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ بناء على أن إمام جمع أم ورد بأنه لا يعرف جمع أم على إمام بل المراد به يدعون بمن يقتدون به قال أبو حيان في النهر الظاهر أن الإِمام هو الذي تقتدى به الأمة من نبي أو كتاب أو شريعة اهـ. قال ابن القيم في الهدى: في هذا والله أعلم تنبيه على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء لتكون الدعوة على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسن والوصف المناسب له.
باب بيان أحب الأسماء إلي الله
قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) وكذا رواه أبو داود من طريقين وليس في أوله أن أحب أسمائكم الخ، فيه التسمية بهذين الاسمين وتفضيلهما على سائر ما سمى به ولعل من حكمته اشتمالهما على وصف العبودية التي هي الحقيقة للإنسان ولذا كانت أشرف أوصافه كما قال أبو علي الدقاق لكن قضيته أن يكون من الأحب كل اسم فيه عبد مضاف إلى اسم من أسمائه تعالى فيحتمل أن يقال بذلك أخذاً من قاعدة يستنبط من النص معنى يعود عليه بالتعميم
стр. 2030
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن جابر ﵁ قال: ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقلنا: لا نُكَنِّيك أبا القاسم ولا كَرَامَةَ، فأخبرَ النبي ﷺ
ــ
ويحتمل قصره على هذين المذكورين والله أعلم ثم رأيت ابن القيم ذكر ما يقتضي الأخير قال في الهدى في تقرير التناسب بين الاسم والمسمى والارتباط بينهما فقال: لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبين مسمياتها ارتباط وتناسب وألا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له به فإن حكمة الحكيم تأتي ذلك والواقع يشهد بخلافه بل للأسماء تأثير في المسميات وللمسميات تأثر عن اسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقالة واللطافة والكثافة كما قيل:
وقيل إذا بصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
وذكر لذلك شواهد من الحديث والأثر إلى أن قال: ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه ومؤثراً فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن وكانت إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما كالقاهر والقادر فعبد الرحمن إليه من عبد القادر وعبد الله أحب إليه من عبد ربه وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هي العبودية المحضة والتعلق الذي بين الله وبين العبد الرحمة المحضة فبرحمته كان وجود الإنسان وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتألهه وحده محبة وخوف ورجاء وإجلالاً وتعظيماً فيكون عبدًا لله وفي عبده بما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ). قوله: (لا نكنيك أبا القاسم) سيأتي حكم التكنية بهذه الكنية في باب مستقل. قوله: (ولا كرامة) أي لا تصيب من كرامة تكنى بها بهذه الكنية إذ المعنى في تكنيته ﷺ بها من أنه قاسم لمال الله بين المسلمين مفقود في غيره ﷺ أو
стр. 2031
فقال: "سَم ابْنَكَ عَبْدَ الرحْمنِ".
وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن أبي وهب الجشمي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَمَّوْا بأسْماءِ الأنْبياءِ، وأحَبُّ الأسْماءِ إلى الله تَعالى: عَبْدُ الله وعَبْدُ الرَّحْمنِ،
ــ
لا نكرمك كرامة ويقر به قولهم في رواية أخرى لا ننعمك عيناً.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) رواه أبو داود في الأدب ورواه النسائي في الحيل كذا في الأطراف للمزي وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد كما في الجامع الصغير. قوله: (عن أبي وهب الجشمي (قال الحافظ ابن الأثير له صحبة روى عنه عقيل بن شبيب ثم أخرج حديثاً عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي قال: وكانت له صحبة وذكر الحديث ولم يذكر في ترجمته زيادة على ذلك. قوله: (تسموا بأسماء الأنبياء) قال ابن القيم: لما كان الأنبياء سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق وأعمالهم أشرف الأعمال كانت أسماؤهم أشرف الأسماء فندب ﷺ أمته إلى التسمي بأسمائهم كما في سنن أبي داود والنسائي عنه تسموا بأسماء الأنبياء ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكر بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة مع ما في ذلك من حفظ الأنبياء وذكرها وألا تنسى وأن تذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم اهـ. قال الدميري في شرح المنهاج في تفسير القرطبي عند قوله تعالى المؤمن المهيمن عن ابن عباس أنه قال إذا كان يوم القيامة أخرج الله تعالى أهل التوحيد من النار وأول من يخرج منهم من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من وافق اسمه اسم نبي قال تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين وفي الخصائص لابن سبع عن ابن عباس قال: إذا كان يوم
القيامة نادى مناد ألا ليقيم من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة نبيه محمد ﷺ اهـ. وفي التحفة لابن حجر نقلاً عن بعضهم جاء في التسمية بمحمد فضائل علية ومن ثم قال الشافعي في تسمية ولده محمداً: سميته محمداً بأحب الأسماء إلى الله وكأن
стр. 2032
وأصْدَقُها: حارِثٌ وهمَّامٌ، وأقْبَحُها، حَرْبٌ وَمُرَّةُ".
ــ
بعضهم أخذ منه قوله معنى قوله في خبر مسلم أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن أنها أحبية مخصوصة لا مطلقاً لأنهم كانوا يسمون عبد الدار وعبد العزى فكأنهم قيل لهم: أحب الأسماء المضافة للعبودية هذان الاسمان لا مطلقاً لأن أحبها إليه كذلك محمد وأحمد إذ لا يختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل اهـ. وهو تأويل بعيد مخالف لما درجوا عليه وما علل به لا ينتج له ما قاله لأن من أسمائه ﷺ عبد الله كما في سورة الجن ولأن المفضول قد يؤثر لحكمة هي هنا الإشارة إلى حيازته لمقام الحمد وموافقته للمحمود من أسمائه تعالى ويؤيد ذلك أنه ﷺ سمى ولده إبراهيم دون واحد من تلك الأربعة الأحياء اسم أبيه إبراهيم ولا حجة له في كلام الشافعي وأن عدو له عن الأفضل إليه لنكتة لا تقتضي أن ما عدل إليه هو الأفضل مطلقاً ومعنى كونه أحب الأسماء إليه أي بعد ذينك فتأمله ولا تغتر بمن اعتمد خلافه غير مبال بمخالفته لصريح كلام الأصحاب، كلام ابن حجر.
تتمة
أخرج الحاكم في الكنى والطبراني عن أبي زهير الثقفي مرفوعاً إذا سميتم فعبدوا أي انسبوا عبوديتهم إلى أسماء الله فيشمل عبد الرحيم وعبد الملك وغيرهما اهـ. واختلف في التسمية بأسماء الملائكة فكرهه مالك ويؤيده حديث البخاري في تاريخه عن عبد الله بن جراد تسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة نقله في المرقاة وفي الديباجه على سنن ابن ماجه للدميري ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز التسمية بأسماء الأنبياء والملائكة ولم ينقل فيه خلاف إلا عن عمر ﵁ فإنه نهى عن التسمية بأسماء الأنبياء وعن الحارث بن مسكين أنه كره التسمية بأسماء الملائكة وعن مالك كراهة التسمية بجبريل وطه ويس اهـ. قوله: (وأصدقها حارث وهمام) أي لأن كل عبد متحرك بالإرادة والهم مبدأ الإرادة وترتب على إرادته حرثه وكسبه فكانا أصدق الأسماء إذ لا ينفك مسماهما عن حقيقة معناهما. قوله: (وأقبحها حرب) هو بفتح الحاء المهملة وسكون الراء والموحدة آخره (ومرة) بضم الميم وتشديد الراء قال ابن القيم لما كان مسمى الحرب والمرارة أكره شيء للنفوس وأقبحه عندها كان
стр. 2033
باب استحباب التهنئة وجواب المهنَّأ
يستحبُّ تهنئة المولود له، قال أصحابنا: ويستحبُّ أن يهنأ بما جاء عن الحسين رضي الله
عنه أنه علَّم إنساناً التهنئة فقال: قل: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرتَ الواهب،
ــ
أقبح الأسماء حرباً ومرة وعلى قياسه حنظلة وحزن وما أشبههما وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها كما أثر اسم حزن الحزونة في سعيد وأهل بيته اهـ.
باب استحباب التهنئة
أي بالمولود (وجواب المهنأ) بصيغة المفعول أي المهنأ بالمولود من أصل وغيره قال ابن حجر في التحفة وينبغي امتداد زمن التهنئة ثلاثاً بعد العلم كالتعزية أيضاً اهـ. قوله: (ويستحب أن يهنأ بما جاء عن الحسين ﵁ الخ) هكذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الأذكار الحسين بضم الحاء
وفتح السين المهملتين يعني ابن علي ﵄ ولم يذكر مخرجه والذي ذكره غيره أنه الحسن بفتح المهملتين مكبراً فقال السيوطي في وصول الأماني بأصول التهاني أخرج ابن عساكر عن كلثوم ابن جوشن قال: جاء رجل عند الحسن وقد ولد له مولود فقيل له يهنيك الفارس قال الحسن وما بدريك أفارس هو قال: كيف تقول يا أبا سعيد قال: تقول بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب ورزقت بره وبلغ أشده وأخرج الطبراني في الدعاء من طريق اليسري بن يحيى قال ولد لرجل ولد فهنأه رجل فقال: ليهنك الفارس فقال الحسن البصري وما يدريك قل جعله الله مباركاً عليك وعلى أمة محمد ﷺ اهـ. وظاهر الرواية الأولى وصريح الرواية الثانية أن الحسن الذي جاء عنه هذا الذكر هو الحسن البصري لأنه الذي يكنى أبا سعيد وأما الحسن بن علي فكنيته أبو عبد الله وقد جزم بأنه البصري الأوزاعي لكن في التحفة لابن حجر أنه الحسن بن علي كما سيأتي آنفاً. قوله: (وشكرت الواهب) قال ابن حجر في التحفة في ذكرهم الواهب نظر إلا أن يكون صح به حديث ولم نره ثم رأيته في المجموع قال: قال أصحابنا يستحب أن يهنأ بما جاء عن الحسن ﵁ أنه علم
стр. 2034
وبلغ أشدَّه، ورُزِقتَ بِرَّه.
ويستحبُّ أن يردَّ على المهنّئ فيقولو: بارك الله لك، وبارك عليك، أو جزاك الله خيراً، ورزقك الله مثله، أو أجزل الله ثوابك، ونحو هذا.
باب النهي عن التسمية بالأسماء المكروهة
ــ
إنساناً التهنئة فقال: قل بارك الله لك الخ اهـ. فأطباق الأصحاب على سن ذلك يبين أن المراد الحسن بن علي كرم الله وجهها لا البصري لأن الظاهر أن هذا لا يقال من قبل الرأي فهو حجة من الصحابي لا التابعي وحينئذٍ اتضح منه جواز استعمال الواهب وأنه من قبيل الأسماء التوقيفية ولم يستحضر بعضهم ذلك فأنكره بباديء رأيه وأما قول الأوزاعي إنه البصري فيرد بأنه يلزم عليه تخطئة الأصحاب كلهم لأن ما يجيء عن التابعي لا يثبت به سند اهـ. ولك أن تقول لعل للجمهور مستنداً في إطلاق الواهب عليه تعالى فلا يلزم من كون الحسن هنا البصري تخطئة الأصحاب أو لعله على مذهب من يكتفي بورود المشتق ولا يشترط اورود نفس اللفظ أو لعل ذلك على مذهب من يجوز إطلاق ما صح إطلاقه عليه سبحانه مما لا يوهم نقصاً وهي مذاهب لبعض الأشاعرة. قوله: (وبلغ أشده) قال ابن القيم في كتابه تحفة الودود بأحكام المولود وحكى الأزهري في تفسير لفظة الأشد أنه من بلوغ الإنسان مبلغ الرجال إلى أربعين سنة وقال الأشد محصور الأول والآخر غير محصور ما بين ذلك فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ والأربعين ومعنى اللفظة من الشدة وهي القوة الجلادة اهـ.
باب النهي عن التسمية بالأسماء المكروهة
قال العاقولي في شرح المصابيح ما نهى الشارع عن التسمي به، منه ما كان النهي لكون ذلك لا يليق إلا باللهِ تعالى كملك الأملاك، ومنه ما نهى عن التسمي به لكونه خاصاً برسول الله ﷺ كأبي القاسم لأنه ما يقسم بين العباد ما أعطاهم الله ومنه ما نهى عن التسمي به لغيره تفاؤلاً لصاحبه كحزن
فسماه ﷺ سهلاً الحديث ومنه ما نهى عن التسمي به لغيره كبرة فغيره ﷺ وكانت زوجته لئلا يقال خرج
стр. 2035
روينا في "صحيح مسلم" عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُسَمِّيَنَّ غُلامَكَ يَساراً، ولا رَباحاً، ولا نَجاحاً، ولا أفْلَحَ، فإنَّكَ تَقُولُ: أثَمَّ هُوَ؟ فَلا يَكُونُ، فَتَقُولُ: لا، إنَّما هُنَّ أرْبَعٌ فَلا تَزِيدُنَّ عَليَّ".
ــ
من عند برة اهـ. قلت ومن الأخير التسمية بما يتطير من نفيه كسعادة وبركة ونحوهما. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) أي من جملة حديث أوله أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضر بأيهن بدأت ولا تسمين غلامك الخ. قوله: (لا تسمين) أي لا تسمين أيها الصالح للخطاب بهذا الخطاب العام أو أيها المخاطب الخاص وحكمه ﷺ على الواحد حكمه على الأمة. وقوله: (غلامك) صبيك أو عبدك. قوله: (يساراً) بالتحتية فالمفتوحة المهملتين و (رباحاً) بالراء فالموحدة بعد الألف حاء مهملة و (نجاحاً) بالنون فالجيم وبعد الألف حاء مهملة وفي رواية نجيحاً بوزن فعيل و (أفلح) بالفاء أفعل تفضيل من الفلاح وهو الفوز. قوله: (فإنك تقول الخ) تعليل لكراهة التسمية بذلك أي لأنه يتطير من نفيها عند السؤال عنها وفي شرح السنة معنى هذا إن النّاس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها ومعانيها وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد إذا سألوا فقالوا: أثم يسار أو تجيح فقيل: لا فيتطيروا من نفيه وأضمروا اليأس من اليسر أو غيره فنهاهم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والإياس من الخير قال حميد بن زنجويه فإذا ابتلى رجل في نفسه أو أهله ببعض هذه الأسماء فليحوله إلى غيره فإن لم يفعل وقيل: أثم يسار أو بركة فإن من الأدب أن يقال كل ما هنا يسر وبركة والحمد الله ويوشك أن يأتي الذي تريده ولا يقال: ليس هنا ولا خرج اهـ. قوله: (لا تزيدن على) قال المصنف في شرح مسلم هو بضم الدال المهملة ومعناه الذي سمعته أربع كلمات وكذا رويتهن فلا تزيدوا علي في الرواية ولا تنقلوا عني غير الأربع وليس فيه منع القياس على الأربع وأن يلحق بها ما في معناها قال أصحابنا: تكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في هذا الحديث وما في معناه ولا تختص الكراهة بها وحدها وهي كراهة تنزيه لا تحريم والعلة في الكراهة ما بينه
следующие страницы →