Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابن ماجه من حديث النربير ورواه مسلم من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من حديث علي ورواه أحمد وابن ماجه من حديث جابر وأبي سعيد ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود ورواه أحمد والحاكم في المستدرك من حديث خالد بن عرفطة ومن حديث زيد بن أرقم ورواه أحمد من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث عقبة بن عامر ومن حديث معاوية بن أبي سفيان ورواه الطبراني في الكبير من حديث السائب بن يزيد ومن حديث سلمان بن خالد الخزاعي ومن حديث صهيب ومن حديث طارق بن أشيم ومن حديث طلحة بن عبيد الله ومن حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر ومن حديث عتبة بن غزوان ومن حديث العرس بن عميرة ومن حديث عمار بن ياسر ومن حديث عمران بن حصين ومن حديث عمرو بن حريث ومن حديث عمرو بن عبسة ومن حديث عمرو بن مرة الجهني ومن حديث المغيرة بن شعبة ومن حديث يعلى بن مرة ومن حديث أبي عبيدة بن الجراح ومن حديث أبي موسى الأشعري ورواه الطبراني في الأوسط من حديث البراء ومن حديث معاذ بن جبل ومن حديث نبيط بن شريط ومن حديث أبي ميمون ورواه الدارقطني في الأفراد من حديث أبي رمثة ومن حديث ابن الزبير ومن حديث أبي رافع ومن حديث أم أيمن ورواه الخطيب من حديث سلمان الفارسي ومن حديث أبي أمامة ورواه ابن عساكر من حديث رافع بن خديج ومن حديث يزيد بن أسود ومن حديث عائشة ورواه ابن صاعد في طرقه من حديث أبي بكر الصديق ومن حديث عمر بن الخطاب ومن حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث حذيفة بن أسيد ومن حديث حذيفة بن اليمان ورواه أبو مسعود بن الفرات في جزئه من حديث عثمان بن عفان ورواه البزار من حديث سعيد بن وزيد ورواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أسامة بن زيد
стр. 2487
باب الحث على التثبت فيما يحكيه الإنسان والنهي عن التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن صحته
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
وروينا في "صحيح مسلم" عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بكُل مَا سَمِعَ"
ــ
ومن حديث بريدة ومن حديث سفينة ومن حديث أبي قتادة ورواه أبو نعيم في المعرفة من حديث جندع بن عمرو ومن حديث سعد بن المدحاس ومن حديث عبد الله بن زغب ورواه ابن قانع من حديث عبد الله بن أبي أوفى ورواه الحاكم في المدخل من حديث عفان بن حبيب ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث عتبة ابن غزوان ومن حديث ابن أبي كبشة ورواه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات عن أبي ذر وعن أبي
موسى الغافقي، ذكره في الجامع الصغير، ثم الكذب على النبي ﷺ مع التعمد من الكبائر ومثله سائر الأنبياء وقال أبو محمد الجويني الكذب عليه ﷺ كفر وهو هفوة إن لم يحمل على المستحل مع علم الحرمة والله أعلم.
باب الحث على التثبت فيما يحكيه الإنسان والنهي عن التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن صحته
تقدم الكلام على الآية الأولى في باب وعلى الثانية والثالثة في أول كتاب حفظ اللسان. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) ورواه أبو داود في سننه أيضاً متصلاً ومرسلاً قال في المرقاة في كتاب الأسماء ورواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع. قوله: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) الباء زائدة في المفعمول وكذباً منصوب على التمييز وأن يحدث مؤول بالتحديث
стр. 2488
ورواه مسلم من طريقين: أحدهما هكذا، والثاني عن حفص بن عاصم عن النبي ﷺ مرسلاً لم يذكر أبا هريرة، فتقدَّم رواية من أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه أهل الفقه والأصول، والمحققون من المحدِّثين، أن الحديث إذا روي من طريقين، أحدهما مرسل، والآخر متصل، قدم المتصل، وحكم بصحة الحديث، وجاز الاحتجاج به في كل شيء من الأحكام وغيرها، والله أعلم.
ــ
فاعل كفى أي كفى المرء من حديث الكذب تحديثه بكل ما سمعه. وذلك لأنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط التعمد فيه لكن التعمد شرط في كونه إثماً فيكره الحديث بكل ما سمع لذلك فإن قلت جاء في رواية أخرى كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع وهو يقتضي حرمة ذلك فكيف قالوا بكراهيته قلت المعنى أن كل من حدث بكل ما سمع وقع في الكذب وهو لا يشعر فعبر عن الكذب بالإثم تجوزاً لكونه ملازماً له غالباً وقرينة التجوز ما عرف من القواعد أن لا إثم في الكذب إلا مع التعمد. قوله: (رواه مسلم) هذا تفصيل للإجمال في قوله أولاً وروينا في صحيح مسلم فليس تكراراً. قوله: (هكذا) أي متصلاً مذكوراً فيه الصحابي، رواه مسلم هكذا عن علي بن حفصة عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن علي بن عاصم عن أبي هريرة. قوله: (والثاني عن حفص بن عاصم مرسلاً) رواه مسلم وكذا من رواية معالم ابن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن شعبة عن خبيب عن علي بن عاصم وكذا رواه غندر عن شعبة فأرسله قال الدارقطني الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ بن مهدي وغندر قال المصنف
وقد رواه أبو داود في سننه أيضاً مرسلاً ومتصلاً فرواه مرسلاً عن حفص بن عمر النميري عن شعبة ورواه
стр. 2489
وروينا في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدِّث بكل ما سمع".
وروينا في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله، والآثار في هذا الباب كثيرة.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود أو حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئْسَ مَطِيَّةُ الرّجُلِ زَعَمُوا" قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما روينا عنه في "معالم السنن": أصل هذا الحديث أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة والسير إلى بلد، ركب مطية، ولعمار حتى يبلغ حاجته، فشبَّه النبي ﷺ ما يقدم الرجلُ أمام كلامه ويتوصلُ به إلى حاجته من قولهم "زعموا" بالمطية، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت، إنما هو شيء يحكى على
ــ
متصلاً عن علي بن حفص عن شعبة اهـ. والحاصل أن الدارقطني رجح بالكثرة والقوة والمصنف نظر إلى قبول زيادة الثقة مطلقاً فقدم المتصل على المرسل وعليه الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث وقد أفصح المصنف بهذا الذي ذكرناه من الباء فقال: ولا يضر كونه روي مرسلاً فإن الوصل زيادة ثقة وهي مقبولة اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) أي موقوفاً على عمر. قوله: (بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع) الباء فيه زائدة وهو مبتدأ وأن يحدث خبره أي يكفيه من خلال الكذب تحديثه بكل ما سمع. قوله: (والآثار في ذلك كثيرة) فروى مسلم عن عبد الله يعني ابن مسعود قال بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله وروينا في صحيح مسلم عن عبد الله الخ وكذا روى مسلم عن مالك بن أنس اعلم أنه ليس بسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع وجاء عن غيره بنحوه. قوله: (وروينا في سنن أبي داود) ورواه الإِمام أحمد وأبو داود عن حذيفة أي من غير شك.
стр. 2490
سبيل البلاغ، فذم النبي ﷺ من الحديث ما هذا سبيله، وأمر بالتوثُّق فيما يحكيه والتثبُّت فيه، فلا يرويه حتى يكونَ معزوّاً إلى ثبت. هذا كلام الخطابي، والله أعلم.
باب التعريض والتورية
اعلم أن هذا الباب من أهم الأبواب، فإنه مما يكثر استعماله وتعمُّ به البلوى، فينبغي لنا أن نعتنيَ بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأمَّله ويعملَ به، وقد قدمنا ما في الكذب من التحريم الغليظ، وما في إطلاق اللسان من الخطر، وهذا البابُ طريق إلى السلامة من ذلك. واعلم أن التورية والتعريض معناهما: أن تطلق لفظاً هو ظاهر في معنى، وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره، وهذا ضرب من التغرير والخداع.
قال العلماء: فإن دعت إلى ذلك مصلحة شرعية راجحة على
ــ
قوله: (فذم النبي ﷺ الخ) قال بعضهم ففي الحديث مبالغة في الاجتناب من إخبار النّاس كيلا يقع في الكذب لأن الرجل إذا كان مذموماً مع قوله زعموا أن الأمر كذا وكذا حيث أسند إلى النّاس ولم يجعله إنشاء من تلقاء نفسه ولا جزم به بل عبر بالزعم الذي هو بمعنى الادعاء والافتراء فكيف لا يكون مذموماً إذا أسند إليهم القول على وجه التحقيق أو نسب إلى نفسه من غير إسناد إلى من سمعه
منه أو كذب عليه ﷺ والحاصل من الحديث أنه ينبغي تبديل هذه اللفظة وهذه الإضافة فأما أن يحقق الكلام فينسبه إلى قائله أو يسكت كما قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت اهـ. ورواه.
باب التعريض والتورية
قوله: (ويريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ) فإن كان ذلك المعنى مما وضع له اللفظ إلا أنه بعيد الفهم منه فتورية وإن لم يكن كذلك فتعريض وتقدم الفرق بين الكناية
стр. 2491
خداع المخاطب أو حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب، فلا بأس بالتعريض، وإن لم يكن شيء من ذلك فهو مكروه وليس بحرام، إلا أن يتوصل به إلى أخذ باطلٍ أو دفع حقٍ، فيصير حينئذ حراماً، هذا ضابط الباب.
فأما الآثار الواردة فيه، فقد جاء من الآثار ما يبيحه وما لا يبيحه، وهي محمولة على هذا التفصيل الذي ذكرناه، فمما جاء في المنع.
ما رويناه في "سنن أبي داود" بإسناد فيه ضعف لكن لم يضعفه أبو داود، فيقتضي أن يكون حسناً عنده كما سبق بيانه عن سفيان بن أسيد -بفتح الهمزة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِ كاذِبٌ".
وروينا عن ابن سيرين ﵀ أنه قال:
ــ
والتعريض في أبواب الغيبة. قوله: (فلا بأس بالتعريض) وكذا التورية لأنه ليس في كل منهما كذب فلا ضرورة به وقد تمكن منهما -إلى الكذب الصراح. قوله: (فهو مكروه) لما فيه من التغرير والخداع. قوله: (إلا أن يتوصل به الخ) أي لأن للوسائل حكم المقاصد. قوله: (فمما جاء في المنع ما رويناه في سنن أبي داود) وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث سفيان بن أسد وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير من حديث النواس بن سمعان كذا في الجامع الصغير. قوله: (كبرت) بضم الموحدة و (خيانة) تمييز محول عن الفاعل و (أن تحدث الخ) هو المخصوص بالذم. وقوله: (هو لك به مصدق الخ) في محل الحال من المفعول. قوله: (عن سفيان بن أسد) قال في أسد الغابة ويقال ابن أسيد أي بضم
الهمزة وفتح المهملة بعدها تحتية بصيغة المصغر للفظ الأسد وعلى الأول. بلفظ أسد الحيوان المعروفة وهو الحضرمي الشامي روى عنه جبير بن نفير ثم أخرج من طريقه هذا الحديث وقال أخرجه الثلاثة يعني أبا نعيم وابن منده وابن عبد البر اهـ.
قوله: (وروينا عن ابن سيرين) هو محمد بن سيرين قيل أصله شيرين بالمعجمة اسم أعجمي ومحمد بن سيرين
стр. 2492
الكلام أوسعُ من أن يكذِبَ ظريفٌ. مثال التعريض المباح ما قاله النخعي ﵀: إذا بَلَغَ الرجلَ عنك شيءٌ قلتَه فقل: الله يعلم ما قلتُ من ذلك من شيء، فيتوهم السامع النفي، ومقصودك: الله يعلم الذي قلته. وقال النخعي أيضاً: لا تقل لابنك: أشتري لك سُكَّراً، بل قل: أرأيتَ لو اشتريتُ لك سُكَّراً. وكان النخعي إذا طلبه رجل قال للجارية: قولي له: اطلبه في المسجد. وقال غيره: خرج أبي في وقت قبل هذا. وكان الشعبي يخط دائرة ويقول للجارية: ضعي أصبعك فيها وقولي: ليس هو ها هنا. ومثل هذا قول النّاس في العادة لمن دعاه لطعام: أنا على نية، موهماً أنه صائم، ومقصوده: على نية ترك الأكل، ومثله: أبصرتَ فلاناً؟ فيقول ما رأيته، أي: ما ضربت رِئَتَه، ونظائر هذا كثيرة. ولو حلف على شيء من هذا، وورَّى في يمينه، لم
ــ
تابعي جليل. قوله: (الكلام) أي طرق الكلام لكثرة أنواعها (أوسع من أن يكذب ظريف) إذ له مندوحة عنه بالتورية والكناية والمعاريض. قوله: (من ذلك) بيان لما الموصول. قوله: (من شيء) بدل من ذلك بإعادة الخافض. قوله: (ومقصودك الله يعلم الذي قلته من كذا) أي وأنت تتيقن أن الأمر كما قلت فتصدق أما مع الشك في ذلك فتقدم في أوائل الباب ما فيه. قوله: (أشتري لك سكراً) أي لأنه محتمل للوعد وقد لا يتيسر وفاؤه. قوله: (وكان الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل نسبة إلى شعب بطن من همدان وقيل من حمير وروى الشعبي عن مائة وخمسين صحابياً ولد سنة عشرين وقيل سنة إحدى وثلاثين وتوفي سنة تسع ومائة وقيل سنة خمسين وقيل سنة أربع ومائة كذا في لب اللباب. قوله: (فيقول ما رأيته أي ما ضربت رئته) ومن هذا القبيل قول الشاعر:
стр. 2493
يحنث، سواء حلف بالله تعالى، أو حلف بالطلاق، أو بغيره، فلا يقع عليه الطلاق، ولا غيره، وهذا إذا لم يحلِّفه القاضي في دعوى، فإن حلَّفه القاضي في دعوى، فالاعتبار بنية القاضي إذا حلَّفه بالله تعالى، فإن حلَّفه بالطلاق، فالاعتبار بنية الحالف، لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق، فهو كغيره من النّاس، والله أعلم.
قال الغزالي: ومن الكذب المحرَّم الذي يوجب الفسْقَ، ما جرت به العادة في المبالغة، كقوله: قلتُ لك مائة مرة، وطلبتُكَ مائة مرة ونحوه، فإنه لا يراد به تفهيم المرات، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبه إلا مرَّة واحدة كان كاذباً، وإن طلبه مرَّات لا يُعتَاد مثلُها في الكثرة، لم يأثم، وإن لم يبلغ مائة مرَّة، وبينهما درجات، يتعرض المبالغ للكذب فيها.
قلت: ودليل جواز المبالغة وأنه لا يعد كاذباً، ما رويناه في "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: "أمّا أبُو جَهْمٍ فلا يَضَعُ العَصَا عَن عَاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيَةُ فَلا مالَ
ــ
إني رأيت عجيباً في محلتكم ... شيخاً وجارية في بطن عصفور
أي قطع رئة. قوله: (وهذا إذا لم يحلفه القاضي) أي محل كونه إذا ورى لا يحنث ما لم يحلفه الحاكم الشرعي في دعوى صحيحة يميناً قد توجهت عليه باسم الله تعالى أو بشيءٍ من صفاته. قوله: (لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق) يؤخذ من العلة أنه لو جاز له ذلك بأن كان مذهبه يقتضي جواز التحليف فالعبرة بنية القاضي قال ابن حجر وهو الظاهر وكما لا يعتبر نية الحاكم في مسألة المتن لتعديه لا تعتبر فيما إذا حلفه بالله تعالى في غير دعوى صحيحة أو فيها ولم يتوجه عليه فإذا
ورى فيهما اعتبرت نية الحالف. قوله: (وإن طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لم يأثم) أي لا يكون كاذباً لما ذكر من أنه لا يراد من هذا اللفظ تفهيم المرات بل تفهيم المبالغة. قوله: (ودليل الجواز الخ) تقدم الكلام على إسناد الحديث وما يتعلق بمعناه في باب ما يباح فيه الغيبة قال الشيخ ابن حجر في تنبيه الأخيار: فهم الجلال السيوطي أن قول
стр. 2494
لهُ" ومعلوم أنه كان له ثوب يَلْبَسُهُ، وأنه كان يضع العصا في وقت النوم وغيره، وبالله التوفيق.
باب ما يقوله ويفعله من تكلم بكلام قبيح
قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠، ٢٠١]
ــ
المصنف قلت ودليل جواز المبالغة الخ اعتراض على تفصيل الغزالي -أي وإنه لا تحرم المبالغة مطلقاً- فلذا أطلق فقال في أذكار الأذكار وتكره المبالغة كقلت له مائة مرة وليس كما فهم بل هو تقرير له لأنه ﷺ لم يقل عنهما ذلك إلا بعد علمه وقوعه منهما فإطلاق الجلال الكراهة ليس في محله اهـ. وأما المبالغة في المدح والإطراء فلا يلحق بالكذب على الصحيح ولا ترد به الشهادة لأن الكاذب يوهم الكذب بخلاف الشاعر إنما ذكر صناعة قال في الزواجر وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير قال الشيخان بعد نقلهما ذلك عن القفال والصيدلاني وهذا حسن بالغ اهـ. والله أعلم.
باب ما يقول ويفعله من تكلم بكلام قبيح
قوله: (﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ الخ) تقدم الكلام عليها في باب ما يقول إذا عرض له شيطان أو خافه وفي باب ما يقول إذا غضب. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ قال ابن عطية قال الكسائي الطيف اللمم والطائف ما طاف حول الإنسان وكيف هذا وقد قال الأعشى:
ويصبح عن غيب السرى وكأنها ... ألم بها من طائف الجن أولق
اهـ قال في النهر لا يتعجب من تفسير الكسائي الطائف بما طاف حول الإنسان بهذا البيت لأنه صح فيه معنى ما قاله الكسائي لأنه إن كان تعجبه حيث خصص الإنسان فالذي قاله الأعشى تشبيه لأنه قال كأنها وإن كان تعجبه من حيث فسر بأنه ما طاف
стр. 2495
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا
فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
ــ
حول الإنسان فطائفة الجن يصح أن يقال ما
طاف حول الإنسان وشبه هو الناقة في سرعتها ونشاطها وقطعها الفيافي عجلة بحالتها إذا ألم بها أولق من طائف الجن وقريء طيف مخفف من طيف كما قالوا ميت في ميت ثم النزغ من الشيطان أخف من مس الطائف من الشيطان لأن النزغ أدنى حركة والمس الإصابة والطائف ما يطوف به ويدور عليه فهو أبلغ لا محالة فحال المتقين في ذلك غير حال الرسول فحيث كان الكلام للرسول كان الشرط بلفظ أن الموضوعة للتردد وحيث كان للمتقين كان بلفظ إذا الموضوعة للتحقيق أو الترجيح وعلى هذا فالنزغ يمكن أن يقع وأن لا يقع والمس واقع لا محالة أو مرجح وقوعه وهو إلصاق البشرة وهو هنا استعارة وفي تلك الجملة أمره ﷺ بالاستعاذة وهنا جاءت الجملة خبرية في ضمنها الشرط وجاء الجزاء تذكروا فدل على تمكن مس الطائف حتى حصل نسيان فتذكروا ما نسوه فالمعنى تذكروا ما أمر به تعالى وما نهى عنه وبنفس التذكر حصل إبصارهم وفاجأهم إبصار الحق والسداد فاتبعوه وطردوا عنهم مس الطائف واتقوا كل ما يتقى اهـ. بيسير تلخيص. قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ قال في النهر نزلت بسبب نبهان التمار أتته امرأة تشتري تمراً فقبلها وضمها ثم ندم وقيل ضرب على عجزها قال ابن عباس الفاحشة الزنى وظلم النفس ما دون ذلك من النظر واللمسة. وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوف على فاستغفروا والإصرار على الذنب المداومة عليه وعدم التوبة منه ويحدث نفسه أنه ما قدر عليه فعله ولا ينوي توبة ولا يرجو وعداً لحسن ظنه ولا يخاف وعيداً على سوء عمله هذا حقيقة الإصرار ومقام هذا العتو والاستكبار ويخاف على مثل هذا سوء الخاتمة لأنه سالك طريقها والعياذ بالله وفي الحديث ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة وقيل الإصرار إتيان الذنب عمداً إصراراً حتى يتوب منه، وأصل الإصرار الثبات على الشيء وقيل الإصرار موافقة المعصية إذا هم العبد بها ذكره ابن رسلان في شرح جمع الجوامع. وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ من فيه استفهام بمعنى النفي والجملة اعتراض بين المتعاطفين
стр. 2496
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ فقالَ في حَلِفِهِ: باللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إلهَ إلاَّ الله،
ــ
فيها ترفيق للنفس وداعية إلى رجاء الله وسعة عفوه واختصاصه بغفران الذنب اهـ. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال البيضاوي حال من يصروا أي لم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به. وقوله: (﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الخ) خبر عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إن أعرب الذين مبتدأ وجملة مستأنفة مبينة لما قبلها إن عطف على المتقين أو على الذين ينفقون ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم وتنكير جنات على الأول يدل على أن ما لهم دون ما للمتقين الموصوفين بتلك الصفات المذكورة في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ والخ وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله تعالى إذ حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصيص بمكارمه وفصل هذه الآية بقوله ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة
والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ذلك يعني المغفرة والجنان اهـ. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي كما في تيسير الوصول. قوله: (من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله) قال المصنف إنما أمر بقول لا إله إلا الله لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف قال أصحابنا إذا حلف باللات والعزى أو بغيرهما من الأصنام أو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من دين الإسلام أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه بل يجب عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول لا إله إلا الله
стр. 2497
وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ".
واعلم أن من تكلم بحرام أو فعله، وجب عليه المبادرة إلى التوبة، ولها ثلاثة أركان: أن يقلعَ في الحال عن المعصية، وأن يندمَ على ما فعل، وأن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن تعلَّق بالمعصية حق آدمي، وجب عليه مع
ــ
ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا هذا مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي ﷺ أو واليهودية واحتج أن الله تعالى أوجب على المظاهر كفارة لأنه منكر من القول وزور والحلف بهذه الأشياء منكر من القول وزور واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث فإنه ﷺ إنما أمره بقول لا إله إلا الله فلم يذكر الكفارة ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع وأما قياسهم على المظاهر فينتقض بما استثنوه اهـ. وقد تقدم في أوائل باب في ألفاظ يكره استعمالها. فصل يتعلق بهذا المقام فليكن منك ببال والحاصل أن من حلف بما ذكر فإن أراد تعظيمه كتعظيمه لله أو الخروج مما علق الخروج عليه ولو في المآل كفر في الحال ويجب عليه الإسلام وإن لم يرد ذلك كان عاصياً بهذا اللفظ الشنيع ووجب عليه التوبة منه ولا تجب عليه الكفارة في الحالين عند الجمهور. قوله: (ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق) قال العلماء أمر بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية قال الخطابي معناه فليتصدق بمقدار ما أراد أن يقامر به والصواب الذي عليه المحققون وهو ظاهر الحديث أنه لا يختص بذلك المقدار بل يتصدق بما تيسر مما ينطلق عليه اسم الصدقة ويؤيده رواية لمسلم من طريق معمر فليتصدق بشيء قال القاضي عياض في الحديث دلالة لمذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنباً ويكتب عليه بخلاف الخاطر الذي لا يستقر في القلب وقد سبق تحقيق المسألة. قوله: (إن من تكلم بحرام) أي بقول حرام صغيرة كان ككذب على غير النبي ﷺ ولا يترتب عليه حد
стр. 2498
الثلاثة رابع، وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منها، وقد تقدَّم بيان هذا، وإذا تاب من ذنب، فينبغي أن يتوبَ من جميع الذنوب، فلو اقتصر على التوبة من ذنب صحت توبته منه، وإذا تاب من ذنب توبة صحيحة كما ذكرنا ثم عاد إليه في وقت، أثم بالثاني، ووجب عليه التوبة منه، ولم تبطل توبته من الأول، هذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة في المسألتين، وبالله التوفيق.
ــ
ولا ضرر ولا مصلحة أو كبيرة من غيبة أو نميمة وتقدم الكلام على ما يتعلق بالتوبة في كفارة الغيبة والتوبة منها. قوله: (وهو رد الظلامة) أي المظلمة إن بقي عينها وإن تلفت فبدلها من مثل أو قيمة. قوله: (فلو اقتصر على ...
ذنب واحد) أي مع الإصرار على غيره (صحت التوبة) عندنا معاشر الأشاعرة قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صح إسلامه وتوبته ولأن حقيقتها ليس إلا الإقلاع والندم والعزم وقد وجدت. قوله: (توبة صحيحة) بأن وجد أركانها من الندم والإقلاع والعزم على عدم العود إلى مثل ذلك الذنب. وكقوله: (ولم تبطل توبته من الأول) أي لأنها قد وجدت وتحققت بوجود حقيقتها والشيء بعد تحققه لا يرتفع من أصله. قوله: (خلافاً للمعتزلة في المسألتين) قال في شرح المقاصد شبهة أبي هاشم أي من المعتزلة في قوله شرط صحة التوبة تعميمها لكل معصية إن الّندم عليها يجب أن يكون لقبحها وهو شامل للمعاصي كلها فلا يتحقق الندم على قبيح مع الإصرار على قبيح، وأجيب بأن الشامل للكل هو القبح لا قبحها والتحقيق على ما ذكره صاحب التجريد هو أن الدواعي إلى الندم عن القبائح وإن اشتركت في كون الندم على القبح لكن يجوز أن يترجح بعض الدواعي بأمور تنضم إليه كعظم المعصية أو قلة غلبة الهوى فيها فيبعثه ذلك الترجيح على الندم عن هذا البعض خاصة دون البعض الآخر لانتفاء ترجيح الداعي بالنسبة إليه ولا يلزم من ذلك
стр. 2499
باب في ألفاظ حكي عن جماعة من العلماء كراهتها وليست مكروهة
اعلم أن هذا الباب مما تدعو الحاجة إليه لئلا يُغتَرَّ بقول
ــ
أن يكون الندم على ذلك البعض الذي يتحقق معه الترجيح لا لقبحه إذ لا يخرج الداعي بهذا الترجيح عن الاشتراك في كونه داعياً إلى الندم على القبيح لقبحه وقال بعضهم هذا الذي ذكره المعتزلة خروج عن المعقول ومناب الشرع فإن من بدرت منه بوادر وصدرت منه عظائم يصح في مجرى العادة التنصل من جماهيرها والاعتذار عنها مع الإصرار على شيء منها وقال غيره وما قاله المعتزلة مبني على أصلهم في التقبيح والتحسين العقلي ويرد عليهم قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ وآيات أخر في معنى ذلك، وفصل بعض أصحابنا في ذلك فقال الحليمي تصح التوبة من كبيرة دون أخرى من غير جنسها ومقتضاه عدم الصحة إذا كانت من جنسها وبه صرح الأستاذ أبو بكر لكن قال الأستاذ أبو إسحاق يصح حتى لو تاب عن الزنى بامرأة مع الإقامة على الزنى بمثلها صح قال ابن القشيري وأباه الأصحاب قال وقال الإِمام: إن كان يعتقد أن العقوبة على إحداهما صحت التوبة من إحداهما دون الأخرى ثم قال الصوفية لا تكون توبة السالك مفتاحاً للمقامات حتى يتوب عن جميع الذنوب لأن كدورة بعض القلب واسوداده يمنع من السير إلى الله تعالى وقال في المقاصد التوبة الصحيحة عبادة لا يبطل ثوابها بمعاودة الذنب والتوبة ثانياً عبادة أخرى ولم يتعرض في الشرح لخلاف المعتزلة في هذه المسألة وسيأتي بسط لهذه المسألة في أوائل كتاب الاستغفار والخلاف في هذه المسألة لبعض أهل السنة نقل عن القاضي أبي بكر أنه ينقض توبته بواحد من الذنب الذي تاب منه وبهذا يعلم أن قول المصنف هذا مذهب أهل السنة مراده مذهب جمهورهم المعتمد عليه والله أعلم.
باب في ألفاظ حكي عن جماعة من العلماء كراهتها وليست مكروهة
أي في نفس الأمر ما استدلوا به للكراهة تارة وبطلانه أخرى. قوله: (يغتر بقول
стр. 2500
باطل ويعوَّل عليه.
واعلم أن أحكام الشرع الخمسة، وهي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة لا يثبت شيء منها إلا بدليل، وأدلة الشرع معروفة، فما لا دليل عليه لا يلتفت إليه، ولا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس بحجة، ولا يُشْتَغَلُ بجوابه، ومع هذا فقد تبرع العلماء في مثل هذا بذِكر دليل على إبطاله. ومقصودي بهذه المقدِّمة أن ما ذكرتُ أن قائلاً كرهه
ــ
باطل ويعول عليه) يصح في كل من الفعلين أن يقرأ بصيغة المعلوم ومرجع الضمير ما دل عليه السياق وهو المكلف وأن يقرأ بصيغة المجهول والظرف فيهما نائب الفاعل. قوله: (واعلم أن أحكام الشرع الخمسة) إن قلت بقي من الأحكام خلاف الأولى والصحيح والباطل والفاسد قلت لعل المصنف جرى على مذهب المتقدمين من عدم الفرق في الإطلاق بين المكروه وخلاف الأولى فإن أول من ذكر الفرق كما قال السبكي هو إمام الحرمين ومن قبله كانوا يقولون فيما النهي فيه مقصود ومخصوص مكروه كراهة شديدة وفي غيره مكروه، أو يقال خلاف الأولى داخل في كلامه بأن يراد من الكراهة ما يشمله بأن يفسر بالخطاب المقتضي لترك الفعل اقتضاء غير جازم سواء كان بنهي مخصوص وهو المكروه أو لا وهو خلاف الأولى وأما الصحيح والفاسد والباطل فمن خطاب الوضع والكلام في أقسام خطاب التكليف. قوله: (وهي الإيجاب الخ) وجه الحصر في الأحكام الخمسة أن الخطاب إن اقتضى الفعل اقتضاء جازماً فإيجاب أو اقتضاء غير جازم فندب أو الترك اقتضاء جازماً فتحريم أو غير جازم بنهي مخصوص أو لا فكراهة وإن لم يقتض فعلاً ولا تركاً فإباحة وقوله لا يثبت شيء منها إلا بدليل خبر لأن. قوله: (وأدلة الشرع معروفة) هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب. قوله: (فما لا دليل عليه) أي من الأدلة الشرعية. قوله: (فقد تبرع العلماء) أي تكلموا في رده على وجه التبرع بالكلام إذ لم يحتاجوا إلى الكلام فيه لبطلانه لعدم دليله
стр. 2501
ثم قلتُ: ليس مكروهاً، أو هذا باطل أو نحو ذلك، فلا حاجة إلى دليل على إبطاله، وإن ذكرته كنت متبرعاً به، وإنما عقدت هذا الباب لأبيِّن الخطأ فيه من الصواب لئلا يُغترَّ بجلالة من يضاف إليه هذا القول الباطل.
اعلم أني لا أسمي القائلين بكراهة هذه الألفالظ لئلا تَسْقُطَ جلالتهم ويُساءَ الظنُّ بهم،
وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلة نقلت عنهم، سواء أصحت عنهم أم لم تصح، فإن صحت لم تقدح في جلالتهم كما عرف، وقد أضيفُ بعضَها لغرض صحيح، بأن يكون ما قاله محتَملاً فينظر غيري فيه، فلعل نظره يخالف نظري فيعتضده نظره بقول هذا الإِمام السابق إلى هذا الحكم، وبالله التوفيق.
فمن ذلك ما حكاه الإِمام أبو جعفر النحاس في كتابه "شرح أسماء الله "
ــ
الشرعي. قوله: (أو هذا) أي ما ذكره ذلك القائل. قوله: (لأبين الخطأ فيه من الصواب) أي أميزه منه. قوله: (لئلا يغتر بجلالة من يضاف إليه هذا القول الباطل) قال المصنف والرد على العالم بعض ما قاله لا ينافي جلالته فكل واحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الشرع وكذا لا يمنع جلالة العالم من التكلم معه ومطالبته بإثبات دليل ما ذكره وإلا لبطل الاحتجاج مع الإجلاء. قوله: (لا أسمي القائلين) أي غالباً أو إذا كان غلط القول المنقول عنه أو ضعفه كالمتحقق بدليل قوله بعد وقد أضيف بعضها إلى
القائل بها واسميه لاحتمال قوله للصواب. قوله: (لئلا تسقط جلالتهم) أي سند الجهال. قوله: (لم تقدح في جلالتهم) أي في الحقيقة ولذا السيف ينبو والجواد يكبو ولا يخل ذلك من شرفها فالكريم من عدت سقطاته وحسبت هفواته.
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
قوله: (وقد أضيف بعضها) أي الأقوال المردودة لقائلها. قوله: (محتملاً) بفتح الميم أي
стр. 2502
عن بعض العلماء أنه كره أن يقال: تَصدَّق الله عليك، قال: لأن المتصدِّق يرجو الثواب.
قلت: هذا الحكم خطأ صريح وجهل قبيح، والاستدلال أشدُّ فساداً.
وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن رسول الله ﷺ أنه قال في قصر الصلاة: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
فصل: ومن ذلك ما حكاه النحاس أيضاً عن هذا القائل المتقدِّم
ــ
محمولاً على وجه صحيح على طريق الاحتمال. قوله: (لأن المتصدق) أي من المكلفين (يرجو الثواب) على صدقته فكره ذلك القائل إطلاق هذا اللفظ في حقه تعالى لئلا يتوهم في حقه لازم التصدق من المكلف وهو رجاء الثواب. قوله: (والاستدلال أشد فساداً) أي وما استدل به أشد فساداً وذلك لأن الألفاظ تختلف ملزوماتها بل ومعانيها بحسب ما تطلق فيه مثلاً الاستواء أي في حق المخلوق التمكن من الحيز وفي حقه سبحانه الاستيلاء على الشيء على وجه القهر والغلبة وهو القاهر فوق عباده، فدعوى أن لفظ تصدق يكره أن يقال في حقه تعالى -لأنه يوهم رجاء الثواب له تعالى لكونه إذا وقع من المخلوق يكون لرجاء الثواب- ظاهر الفساد لما ذكر من اختلاف معاني الكلمات ولوازمها بحسب مواردها ومواقعها، فليس المراد من التصدق في حقه تعالى هذا المعنى بل التفضل والإحسان والله أعلم وإنما كان الحكم خطأ صريحاً لمصادمته النص الصحيح الصريح بإطلاق هذا اللفظ في حقه تعالى ولعل القائل بذلك لم يستحضر الخبر وقت بحثه ذلك والله أعلم.
قوله: (وقد ثبت في صحيح مسلم) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي كما في التيسير والحديث عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد آمن النّاس فقال عجبت وما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
стр. 2503
ذكْره أنه كره أن يقال: اللهُم أعتقني من النار، قال: لأنه لا يُعتق إلا من يطلب الثواب.
قلت: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبَّع الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بإعتاق الله تعالى من شاء من خلقه لطال الكتاب طولاً مُمِلاً.
وذلك كحديث: "مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعْتَقَ الله تَعالى بِكُل عُضْوٍ مِنْها عُضْواً مِنْهُ مِنَ النارِ".
وحديث: "ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ الله تَعالى فِيهِ عَبْداً مِنَ النارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ".
فصل: ومن ذلك قول بعضهم: يكره أن يقول: افعل كذا على
ــ
قوله: (لأنه لا يعتق) بضم التحتية وكسر الفوقية ودليله هذا نظير ما تقدم فيما قبله. قوله:
(كحديث من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار) رواه البخاري ومسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة وتتمته حتى فرجه قال المصنف في الحديث بيان فضل العتق وأنه من أفضل الأعمال ومما يحصل به العتق من النار ودخول الجنة وفيه استحباب عتق كامل الأعضاء فلا يكون خصياً ولا فاقد غيره من الأعضاء وفي الخصي أيضاً وغيره الفضل لكن الكامل أولى وأفضله أغلاه ثمناً وأنفسه، وظاهر إطلاق الحديث حصول الإعتاق بعتق الكافر لكن جاء في حديث أي امرئ أعتق امرأ مسلماً كان فكاكه من النار يجزى كل عضو منه عضواً منه رواه أبو داود والترمذي والنسائي ففيه التقييد يكون الرقبة مؤمنة قال المصنف فيدل على أن هذا الفضل الخاص إنما هو في عتق المؤمنة أما غير المؤمنة ففيه أيضاً فضل بلا خلاف لكن دون فضل المؤمنة ولذا أجمعوا على اشتراط الإيمان في عتق كفارة القتل وحكى القاضي عياض عن مالك أن الأغلى ثمناً أفضل وإن كان كافراً قال وخالفه غير واحد من أصحابه وغيرهم قال وهذا أصح اهـ. قوله: (وحديث ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) رواه مسلم والنسائي وابن خزيمة من حديث عائشة قال المصنف في الحديث دلالة
стр. 2504
اسم الله، لأن اسمه سبحانه على كل شيء. قال القاضي عياض وغيره: هذا القول غلط.
فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال لأصحابه في الأضحية: "اذْبَحُوا على اسْم اللهِ" أي قائلين: باسم الله.
فصل: ومن ذلك ما رواه النحاس عن أبي بكر محمد بن يحيى قال: وكان من الفقهاء الأدباء العلماء، قال: لا تقل: جمع الله بيننا في مستقر رحمته، فرحمة الله أوسع من أن يكون لها قرار، قال: ولا تقل:
ــ
ظاهرة في فضل يوم عرفة وهو كذلك ولو قال امرأتي طالق في أفضل الأيام فللأصحاب فيه وجهان أحدهما تطلق يوم الجمعة لحديث خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة رواه مسلم وأصحهما يوم عرفة للحديث المذكور ويتأول حديث الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع. قوله: (هذا القول غلط) أي لورود النص بخلافه وفارق ما تقدم من كراهة اجلس على اسم الله بأن في اللفظ إيهام استعلاء على اسم الله بالجلوس عليه وإن كان مراده منها معنى الباء لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض إلا أن اللفظ بشع وذلك مفقود فيما نحن فيه. قوله: (فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال لأصحابه في الأضحية اذبحوا على اسم الله) رواه مسلم قال المصنف قوله فليذبح على اسم الله هو بمعنى رواية فليذبح باسم الله هذا هو الصحيح في معناه وقال القاضي يحتمل أربعة أوجه أحدها أن يكون معناه فليذبح لله والباء بمعنى اللام والثاني فليذبح بسنة الله والثالث بتسمية الله على ذبيحته إظهاراً للإسلام ومخالفة لمن يذبح لغيره وقمعاً للشيطان والرابع تبركاً
باسمه وتيمناً بذكره كما يقال سر على بركة الله وسر باسم الله وكره بعض العلماء أن يقال افعل كذا على اسم الله الخ قال القاضي ليس هذا بشيء وهذا الحديث يرد عليه والحاصل أن ما توهمه ذلك القائل مبني على بقاء على معناها من الاستعلاء واسم الله تعالى عال على كل شيء وليس كما توهم بل على فيه إما بمعنى الباء أو بمعنى اللام. قوله: (عن أبي بكر محمد بن يحيى) قال في شرح العباب ومنعه أحمد أيضاً. قوله: (قال لا تقل جمع الله بيننا في مستقر رحمته) قال ابن القيم في بديع الفوائد
стр. 2505
ارحمنا برحمتك.
قلت: لا نعلم لما قاله في اللفظين حجة، ولا دليل له فيما ذكره، فإن مراد القائل بمستقر الرحمة: الجنة، ومعناه: جمع بيننا في الجنة التي هي
ــ
لا يمتنع الدعاء المشهور بين النّاس قديماً وحديثاً اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك وذكره البخاري في كتاب الأدب المفرد عن بعض السلف وحكي فيه الكراهة قال: لأن مستقر رحمته ذاته وهذا بناء على أن الرحمة هنا صفة وليس مراد الداعي ذلك بل مراده الرحمة المخلوقة التي هي الجنة ولكن الذين كرهوا ذلك لهم نظر دقيق جداً وهو أنه إذا كان المراد بالرحمة الجنة نفسها لم يحسن إضافة المستقر إليها ولذا لا يحسن أجمعنا في مستقر رحمتك فإن الجنة نفسها هي دار القرار وهي المستقر نفسه كما قال تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ فكيف يضاف المستقر إليها والمستقر هو المكان الذي يستقر فيه الجنة فتأمله ولذا قال مستقر رحمته ذاته والصواب أن هذا لا يمتنع وحتى لو صرح بقوله أجمعنا في مستقر رحمتك لم يمتنع وذلك أن المستقر أعم من أن يكون رحمة أو عذاباً فإذا أضيف إلى أحد أنواعه أضيف إلى مناسبه وغيره من غيره كأنه قيل في المستقر الذي هو رحمتك لا في المستقر الآخر ونظير هذا أن يقال اجلس في مستقر المسجد أي المستقر الذي هو المسجد والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ومستكرهة وأيضاً فإن الجنة وإن سميت رحمة لا يمتنع أن يسمى ما فيها من أنواع النعيم رحمة ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة فالداعي يطلب أن يجمعه الله ومن يحب في المكان الذي تستقر فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة والله أعلم وحاصله أن الإضافة على الأول بيانية وعلى الأخير لامية وقال بعضهم موجها للقول بالكراهة لعله أراد أن الاستقرار يشعر بالانتهاء ورحمة الله لا انتهاء لها اهـ. قوله: (ارحمنا برحمتك) المراد من الرحمة هنا صفته ﵎ وهي المتوسل بها والباء للقسم الاستعطافي وهو من باب سؤال الفضل بالفضل على أحد الوجوه التي ذكرت في قوله صل على سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم ولعل وجه الكراهة توهم كون الباء تكون للاستعانة والظرف حال من فاعل ارحمنا أي حال كونك مستعيناً برحمتك وهو غني عن كل شيء لكن هذا الإيهام لا عبرة به فقد
стр. 2506
دار القرار ودار المقامة ومحل الاستقرار، وإنما يدخلها الداخلون برحمة الله تعالى، ثم من دخلها استقر فيها أبداً، وأمن الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمة الله تعالى، فكأنه يقول: اجمع بيننا في مستقر نناله برحمتك.
فصل: روى النحاس عن أبي بكر المتقدِّم قال: لا يقل: اللهم أجرنا من النار ولا يقل: اللهم ارزقنا شفاعة النبي ﷺ ، فإنما يَشْفَعُ لمن استوجب النار.
قلت: هذا خطأ فاحش، وجهالة بيِّنة، ولولا خوف الاغترار بهذا الغلط وكونه قد ذكر في كتب مصنَّفة لما تجاسرت على حكايته، فكم من حديث في الصحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي ﷺ ، لقوله ﷺ :
"مَنْ قالَ مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي"
ــ
جاء النص الصحيح الصريح بجوازه فقد تقدم في أدعية الكرب يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ولعل له ملحظاً آخر والله أعلم. قوله: (وإنما يدخلها الداخلون) إيماء إلى أن الإضافة لامية وأنها لأدنى ملابسة.
قوله: (لا تقل اللهم أجرنا من النار) هذا يرده حديث مسلم عن أبي هريرة قال قال ﷺ ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار يا رب إن عبدك فلاناً استجار مني فأجره الحديث فإن الاستجارة طلب الإجارة ومن ألفاظها اللهم أجرني من النار وتقدم في باب ما يقال بعد صلاة المغرب اللهم أجرني من النار. قوله: (فإنما يشفع لمن استوجب النار) أي إن عذبه الله تعالى على ذنبه وإلا فالنار لا تجب البتة إلا لمن مات على الكفر ولذا قال بعضهم في رد هذا القول وزعم أن الشفاعة لا تكون إلا للمذنبين فسؤالها سؤال للذنب خطأ صريح لأنها تكون في رفع الدرجات وقد أجمعوا على طلب سؤال المغفرة وإن استدعت وقوع الذنب وطلب العفو عنه اهـ. قوله: (كقوله ﷺ من قال مثل ما يقول المؤذن حلت له شفاعتي) صريحة وجوب الشفاعة للمجيب وإن لم يسأل بعده
стр. 2507
وغير ذلك.
ولقد أحسن الإِمام الحافظ الفقيه أبو الفضل عياض ﵀ في قوله: قد عُرِف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح ﵃ شفاعة نبينا ﷺ ورغبتهم فيها قال: وعلى هذا لا يلتفت إلى كراهة من كره ذلك لكونها لا تكون إلا للمذنبين، لأنه ثبت في الأحاديث في "صحيح مسلم" وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة، قال: ثم كل عاقل معترِفٌ بالتقصير، محتاجٌ إلى العفو، مشفقٌ من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعوَ بالمغفرة والرحمة، لأنهما لأصحاب الذنوب، وكل هذا خلاف ما عُرف من دعاء السلف والخلف.
فصل: ومن ذلك ما حكاه النحاس عن هذا المذكور، قال: لا تقل: توكلت على ربي الرب الكريم، وقيل: توكلت على ربي الكريم. قلت: لا أصل لما قال.
ــ
الوسيلة وفي تقدم في باب إجابة المؤذن نقل ذلك عن بعضهم ولعل هذا من مستنده. قوله: [لأنه في ثبت في صحيح مسلم الخ) كحديث عكاشة لما سأل من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجمعة بلا حساب فقال: أنت منهم وهذا منع لقوله إن الشفاعة لا تكون إلا للمذنبين. وقوله: (ثم قال كل عاقل الخ) ثم هذا تنزل على تسليم أن الشفاعة لا تكون إلا للمذنبين: فمن ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط، والكامل كلما علت مرتبته وعظمت معرفته بربه كان أشد في الخوف من ربه والإعظام في الاتهام لنفسه وعدم الرضى بما يصدر عنها كما روي عن بعض العارفين أنه كان يصلي في كل يوم ألف ركعة ثم يقبل على نفسه ويقول يا مأوى كل سوء والله ما أرضاك له ساعة واحدة.
قوله: (لا تقل توكلت على ربي الرب الكريم) حذراً من توهم إضافة رب إلى الرب لأن الياء
تحذف في اللفظ
стр. 2508
فصل: ومن ذلك ما حكي عن جماعة من العلماء أنهم كرهوا أن يسمى الطواف بالبيت شوطاً أو دوراً، قالوا: بل يقال للمرَّة الواحدة: طوفة، وللمرتين: طوفتان، وللثلاث: طَوْفَات، وللسبع: طَوَافٌ.
قلت: وهذا الذي قالوه لا نعلم له أصلاً، ولعلهم كرهوه لكونه من ألفاظ الجاهلية، والصواب المختار أنه لا كراهة فيه.
فقد روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عباس ﵄ قال: "أمرهم رسول الله ﷺ أن يَرْمِلوا ثلاثة أشواط ولم يمنعه أن يأمرَهم أن يُرْمِلوا الأشواط كلَّها إلا الإبقاءُ عليهم".
فصل: ومن ذلك: صمنا رمضان، وجاء رمضان، وما أشبه ذلك إذا
ــ
لالتقاء الساكنين لكن على هذا الإيهام لا يلتفت إليه ولا يعول عليه وأنه بعينه متأت فيما قاله من قوله وقيل توكلت على ربي الكريم إلا أن يقال لفظ الرب مختص بالله تعالى ولا كذلك لفظ الكريم فالإيهام في ذلك أتم والله أعلم. قوله: (ما حكي عن جماعة من العلماء) قال المصنف في إيضاح المناسك كره الشافعي أن يسمى الطواف شوطاً ودوراً وروي كراهته عن مجاهد قال ابن حجر في حاشية الإيضاح تبع الشافعي على ذلك الأصحاب وروى كراهته عن مجاهد أي حيث قال وأكره ما كره مجاهد لأن الله سماه طوافاً فقال ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قوله: (والصواب المختار أنه لا كراهة فيه) يوافقه قوله في المجموع وهذا استعمله ابن عباس تقدم في قول مجاهد ثم إن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم يثبت في تسميته شوطاً نهي فالمختار أنه لا يكره واعترض بأن قول ابن عباس أمرهم ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط من قوله فلا حجة فيه بل قوله ﷺ لو تعلمون ما في العتمة الحديث لا يدل على عدم كراهة تسمية العشاء بذلك لأنه لبيان الجواز ويرد بان الأصل عدم الكراهة إلا لدليل ولم يرد، والمصنف إنما ذكر ذلك استئناساً وكون الشوط الهلاك لا يقتضي
стр. 2509
أريد به الشهر، واختلف في كراهته، فقال جماعة من المتقدمين: يكره أن يقال: رمضان من غير إضافة إلى الشهر، روي ذلك عن الحسن البصري ومجاهد. قال البيهقي: الطريق إليهما ضعيف، ومذهب
أصحابنا أنه يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وما أشبه ذلك مما لا قرينة تدل على أن المراد الشهر، ولا يكره إذا ذكر معه قرينه تدل على الشهر، كقوله: صمت رمضان، وقمت رمضان، ويجب صوم رمضان، وحضر رمضان الشهر المبارك، وشبه ذلك، هكذا قاله أصحابنا، ونقله الإمامان: أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه "الحاوي" وأبو نصر بن الصباغ في كتابه "الشامل" عن أصحابنا، وكذا
ــ
بمجرده كراهة والظاهر أن الشافعي لم يقصد بالكراهة إلا أنه يبغي التنزه عن التلفظ بذلك لإشعاره بما لا ينبغي ونظيره كراهتهم تسمية المذبوح عن المولود عقيقة ويؤيد ذلك أنه ﷺ كان يحب الفال الحسن ويكره ضده. قوله: (فقال جماعة من المتقدمين) قال المصنف في شرح مسلم وهذا قول أصحاب مالك زعم هؤلاء أن رمضان من أسماء الله تعالى فلا يطلق على غيره إلا بقيد اهـ. ونازع الحطاب المالكي في شرح المختصر في ثبوت ذلك عندهم قال والعجب من الأبي في شرح مسلم والفاكهاني في شرح العمدة كيف أقرأ النووي على ذلك مع كثرة تعقبهما له في أقل من هذا. قوله: (ومجاهد) قال القرطبي قال مجاهد رمضان اسم من أسماء الله تعالى وكان يكره أن يجمع ويقول بلغني أنه اسم من أسماء الله وعن مجاهد أيضاً قال: لا آمن أن يكون من أسماء الله تعالى ثم قال القرطبي بعد كلام طويل وهذا أي حديث البخاري ينفي أن يكون رمضان من أسماء الله تعالى وهو الصحيح إذ
قد استقرت القلوب أنه اسم واقع على الشهر فارتفع بذلك الإشكال وأما إن رمضان اسم له تعالى فلم يستقر إذ ليس من الأسماء الواردة ولا في أثر مقطوع بصحته اهـ. قوله: (ومذهب أصحابنا) أي أكثر أصحابنا كما عبر به في شرح مسلم.
стр. 2510
نقله غيرهما من أصحابنا عن الأصحاب مطلقاً.
واحتجوا بحديث رويناه في سنن البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا: رَمَضَانَ، فإن رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْماءِ اللهِ تَعالى، وَلكِنْ قولوا: شَهْرُ رَمَضَان) وهذا الحديث ضعيف ضعفه البيهقي، والضعف عليه ظاهر، ولم يذكر أحد رمضان في أسماء الله تعالى، مع كثرة من صنَّف فيها. والصواب -والله أعلم- ما ذهب إليه الإِمام أبو عبد الله البخاري في "صحيحه" وغير واحد من العلماء المحققين أنه لا كراهة مطلقاً كيفما قال، لأن الكراهة لا تثبت إلا بالشرع، ولم يثبت في كراهته شيء، بل ثبت في الأحاديث جواز ذلك، والأحاديث فيه في "الصحيحين" وغيرهما أكثر من أن تحصر.
ولو تفرَّغتُ لجمع ذلك رَجَوْتُ أن تبلغَ أحاديثُه مئين، لكن الغرض يحصل بحديث واحد.
ويكفي من ذلك كله ما رويناه في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا جاءَ
ــ
قوله: (رويناه في سنن البيهقي الخ) قال القرطبي في شرح أسماء الله الحسنى رواه ابن عدي من حديث أبي معشر نجيح عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فذكره إلى قوله من أسماء الله، أبو معشر هذا من ضعفه أكثر ممن وثقه ومع ضعفه يكتب حديثه هذا اهـ. قوله: (لا تقولوا رمضان الخ) ذكره في شرح مسلم مستنداً للقول الأول وهنا مستنداً لهذا القول والأول ظاهر وأما هنا فوجهه أن القرينة قامت مقام ذكر الشهر فأغنت عنه. قوله: (وهذا الحديث ضعيف) أي وأسماء الله توقيفية لا تثبت إلا بالكتاب أو المقبول من الصحيح أو الحسن من الحديث وهل يعتبر في ذلك التواتر أو لا الأصح الثاني كما تقدم قريباً قال المصنف ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة أي لأنه لا بد في الكراهة من ثبوت النهي عن ذلك الشيء. قوله: (ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم) قال المنذري في الترغيب وفي رواية لمسلم
стр. 2511
رَمَضَانُ فُتحَتْ أبوَابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوَابُ النارِ، وَصُفِّدَتِ الشياطِينُ"
ــ
فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ورواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي كلهم من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ ولفظهم قال: إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وقال ابن خزيمة الشياطين مردة الجن بغير واو وغلقت أبواب النار فلم يفتح
منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي منادياً باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة قال الترمذي وهو حديث غريب ورواه النسائي والحاكم بنحو هذا اللفظ وقال الحاكم صحيح على شرطهما اهـ. زاد السخاوي في تكملته تخريج شيخه وكذا أخرجه أحمد والدارمي في مسنديهما وكذا رويناه في رابع المخلصيات وفي رواية للشيخين إذا دخل رمضان وعند مسلم وحده بلفظ إذا كان رمضان ورواه كذلك الإِمام مالك لكن وقفه وأخرج الحديث أبو عوانة في صحيحه مرفوعاً. قوله: (فتحت أبواب الجنة الخ) قال القاضي عياض يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول شهر رمضان وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم قال ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم فيصيرون كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء وناس دون ناس قال المصنف ويؤيد هذا قوله في الرواية الثانية فتحت أبواب الرحمة قال القاضي ويحتمل أن يكون فتح الجنة عبارة عما يفتحه الله تعالى لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عموماً كالصيام والقيام وفعل الخيرات والانكفاف عن كثير من المخالفات وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها وكذا تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات قال ابن المنير والأول أوجه إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة فالمراد به الجنة بدليل ما يقابله اهـ. ومعنى صفدت غللت والصفد
стр. 2512
وفي بعض روايات "الصحيحين" في هذا الحديث: "إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ" وفي رواية لمسلم: "إذَا كانَ رَمَضَانُ" وفي الصحيح: "لا تقدموا رَمَضَانَ"
ــ
بفتحتين الغل بضم الغين اهـ. قال الحليمي يحتمل أن يكون المراد أن الشياطين مسترقو السمع منهم وقد منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من إفساد المؤمنين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوة وبقراءة القرآن والذكر وقال غيره المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة بدليل ما جاء عند النسائي ويغل فيه مردة الشياطين وقال القرطبي بعد أن رجح حمل الحديث على ظاهره من منع الشياطين من الوسوسة فيه فإن قلت فكيف نرى بعض الشرور المعاصي واقعة في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك فالجواب أنها إنما تغل عن الصائمين الذين حافظوا على شروطه وراعوا آدابه قال والمصفد بعضهم أي المردة لا كلهم أو التصفيد تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإنها فيه أقل منها في غيره أو يقال لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية اهـ. قوله: (وفي رواية للصحيحين) وهكذا هي عند النسائي في الصغرى. قوله: (وفي الصحيح) رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم قاله القلقشندي في شرح العمدة زاد السخاوي فقال في تكملته ورواه أبو داود السجستاني والدارمي في مسنديهما ورواه عبد الله ابن الإِمام
أحمد والدارقطني من طريق آخر عن أبي هريرة. قوله: (لا تقدموا رمضان) تمام الحديث بصوم يوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه وتقدموا أصله تتقدموا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفاً لتماثل الحركتين فيهما ومنه ولا تيمموا الخبيث قال البرماوي ويروى لا تقدموا بضم الفوقية مضارع قدم
стр. 2513
وفي الصحيح: "بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ" منها صوم رمضان، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
فصل: ومن ذلك ما نقل عن بعض المتقدمين أنه يكره أن يقول: سورة البقرة، وسورة الدخان، والعنكبوت، والروم، والأحزاب، وشبه ذلك، قالوا: وإنما يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها النساء، وشبه ذلك.
قلت: وهذا خطأ مخالف للسنَّة، فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك فيما لا يحصى من المواضع.
ــ
إما بمعنى تقدم فيكون كالأول وإما لأن المعنى لا تقدموا صوماً قبله والمفعول محذوف ويكون قوله بصوم يوم أو يومين كالتفسير لذلك الصوم المنهي عن تقديمه أي تقدموا صوماً على رمضان بأن تصوموا يوماً أو يومين ورمضان منصوب على أنه مفعول به وسمي رمضان لأنه يحرق الذنوب كما جاء ذلك في خبر عن أنس مرفوع بسند ضعيف والاعتراض عليه بأن التسمية به ثابتة قبل الشرع وحرق الذنوب به إنما ثبت بعد الشرع ضعيف فإنه من الجائز أن يكون حرقه للذنوب سابقاً على بعثه ﷺ في علمه تعالى غايته أن ظهور ذلك كان بعد بعثته ﷺ نظير ما ذكروه في الجمع بين ما ورد من حديث تحريم إبراهيم لمكة وحديث أن مكة حرام يوم خلق الله السموات والأرض الحديث والله أعلم. قوله: (وفي الصحيح) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن خزيمة وأبو عوانة من حديث ابن عمر ورواه جرير بن عبد الله البجلي وغيره من الصحابة عن النبي ﷺ . قوله: (وأشباه هذا كثيرة) أي كحديث أبي هريرة ﵁ من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه أخرجه الشيخان وعندهما في رواية أخرى من صام رمضان الخ.
قوله: (ومن ذلك ما نقل عن بعض المتقدمين الخ) نقله في التبيان عن بعض السلف وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بذلك في كتاب أدب التلاوة وبيان ذكر وجه القائل بالكراهة. قوله: (فيما لا يحصى من المواضع) قال الحافظ ابن حجر الذي ثبت من ذلك صريحاً ومقدار لا يبلغ المرفوع منه من لفظ النبي ﷺ خمسين
стр. 2514
كقوله ﷺ : "الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرَأهُما في لَيلَةٍ كَفَتَاه" وهذا الحديث في "الصحيحين" وأشباهه كثيرة لا تنحصر.
فصل: ومن ذلك ما جاء عن مطرِّف ﵀ أنه كره أن يقول: إن الله تعالى يقول في
كتابه، قال: وإنما يقال: إن الله تعالى قال، كأنه كره ذلك لكونه لفظاً مضارعاً، ومقتضاه الحال أو الاستقبال، وقول الله تعالى هو كلامه، وهو قديم.
قلت: وهذا ليس بمقبول، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة استعمال ذلك من جهات كثيرة، وقد نبَّهت على ذلك في "شرح صحيح مسلم" وفي كتاب "آداب القراء" قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ قال: قال النبيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ".
وفي "صحيح البخاري"
ــ
حديثاً وقد تقدم ثمة بيان جملة منها قال وأما عن الصحابة ومن بعدهم فكثير جداً اهـ. قوله: (كقوله ﷺ ) تقدم الكلام على الحديث سنداً ومتناً في أذكار المساء والصباح.
قوله: (ما جاء عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المهملتين وهو ابن عبد الله بن الشخير التابعي المشهور.
قوله: (وهذا ليس بمقبول) قال في التبيان هذا الذي أنكره مطرف خلاف ما جاء به القرآن والسنة ونقلته الصحابة ومن بعدهم اهـ. وما استدل به من أن المضارع الخ يجاب عنه أن هذا أصل وضعه وحقيقته وقد يراد به الاستمرار نحو فلان يقري الضيف أي مستمر على ذلك ومنه ما نحن فيه إذ قوله تعالى كلامه القديم الذي لا يحد بزمن ولا يحد بحرف ولا صوت. قوله: (وفي صحيح مسلم الخ) رواه عن أبي كرب عن أبي معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر وقد رواه عن الأعمش وكيع كما عند مسلم ورواه أحمد والحاكم من حديث همام عن عاصم ومن حديث منصور عن ربعي كلاهما عن المعرور به نحوه ذكره السخاوي. قوله: (وفي صحيح البخاري) وكذا
стр. 2515
في تفسير ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: "يا رسول الله إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ".
كتاب جامع الدعوات
اعلم أن غرضَنا بهذا الكتاب ذكر دعواتٍ مهمة مستحبة في جميع الأوقات غير مختصة بوقت أو حال مخصوص.
واعلم أن هذا الباب واسع جداً لا يمكن استقصاؤه ولا الإحاطة بمعشاره، لكني أشير إلى أهمّ المهم من عيونه. فأوَّل ذلك الدعوات المذكورات في القرآن التي أخبر الله بها عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وعن
ــ
رواه أحمد ومسلم والدارمي وأبو عوانة والنسائي وابن خزيمة والله أعلم.
كتاب جامع الدعوات
جمع دعوة بفتح الدال وسكون العين المهملة المرة الواحدة من الدعاء وسيأتي في باب آداب الدعاء الخلاف في أنه هل الأفضل الدعاء أو الاستسلام. قوله: (مهمة) بضم الميم وكسر الهاء وأهميتها لكونها من الجوامع. قوله: (أو حال مخصوص) أي من سرور أو خبر ترح ومن يسر أو عسر. قوله: (فأول ذلك) أي أهم المهم. قوله: (الدعوات المذكورات في القرآن) فمنها ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآيات ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآيتين ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ الآيات ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآيتين ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وتقدم أول الكتاب
стр. 2516
الأخيار، وهي كثيرة معروفة، ومن ذلك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعله أو علمه غيره، وهذا القسم كثير جداً تقدم جمل منه في الأبواب السابقة، وأنا أذكر منه هنا جملاً صحيحة تضم إلى أدعية القرآن، وبالله التوفيق.
روينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الدُّعاءُ هُوَ العِبَادَةُ"
ــ
عن المصنف أن الاشتغال بغير إذكار الكتاب والسنة لا بأس به غير أن الخير والفضل إنما هو إتباع المأثور في الكتاب والسنة وهذا أي غير إذكارهما ليس كذلك وفيهما ما يكفي السالك في سائر أوقاته وقال الطرطوشي من العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن الأنبياء والأولياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تقتفى ألفاظ الشعراء والكتاب كأنك في زعمك في دعوت بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم. قوله: (ومن ذلك) أي أهم المهم. قوله: (روينا بالأسانيد الصحيحة الخ) كذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال في السلاح والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم صحيح الإسناد وقال السخاوي بعد تخريج الحديث من طرق هذا حديث حسن أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود الطيالسي والبخاري في الأدب المفرد ورواه الدارقطني في الإفراد من طريق أخرى عن النعمان وقال إنه غريب من هذا الوجه قال السخاوي وفي الباب عن أنس
والبراء وابن عباس مما رواه مجاهد عنه اهـ. وفي الحرز ورواه البخاري في تاريخه والطبراني في كتاب الدعاء له كلاهما من حديث النعمان أيضاً ورواه أبو يعلى في مسنده عن البراء اهـ. وستأتي ترجمة النعمان في الأحاديث التي ختم بها المصنف الكتاب. قوله: (الدعاء هو العبادة) أي دعاء العبد ربه هو العبادة أي عبادة الخلق وأتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة ومعناه أن الدعاء معظم العبادة كما قال ﷺ الحج عرفة أي معظم أركانه الوقوف بعرفة كذا ذكره ميرك قال في الحرز والأظهر أن
стр. 2517
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في "سنن أبي داود" بإسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت:
ــ
الحصر حقيقي لا ادعائي فإن إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب كريم غني لا بخل له ولا احتياج به إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده هو عين العبادة ومخها كما روي عن أنس أن النبي ﷺ قال الدعاء مخ العبادة رواه الترمذي وقال حديث غريب من هذا الوجه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة كذا في الترغيب للحافظ المنذري ومخ الشيء خالصه وما يقوم به كمخ الدماغ الذي هو نصه ومخ العين شحمها ومعناه أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ وقال القاضي أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر وأتى بحصرين مبالغة في أنه ليس غيرها أي فالحصر ادعائي وقول شارح أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر وأن العبادة ليست غير الدعاء فمقلوب وصوابه وأن الدعاء ليس غير العبادة كما قررته بل هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على أن الداعي مقبل بسره على ربه معرض عما سواه لا يرجو إلا إياه ولا يخشى إلا منه فالمراد من العبادة هنا معناها اللغوي أو المعنى الشرعي والمراد أنه متضمن لغايتها المقصودة منه وهي التذلل والافتقار أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار والاستكانة والخضوع إذ العبادة ما شرعت إلا للخضوع إلى الباري والافتقار إليه اهـ. قوله: (قال الترمذي حديث حسن صحيح) وفي بعض نسخ الترمذي الاقتصار على قوله حسن.
قوله: (روينا في سنن أبي داود) ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة كما في الجامع قال السخاوي بعد تخريج الحديث هذا حديث حسن أخرجه أحمد وأبو داود وفي سنده أبو نوفل بن أبي عقرب وهو الذي روى الحديث عن عائشة وقد اختلف في اسمه وفي أبي عقرب هل هو أبوه أو جده وهو ثقة أخرج له
стр. 2518
"كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويَدَعُ ما سوى ذلك".
وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
ــ
مسلم وكذا البخاري في الأدب المفرد وكان شعبة يسأله عن الفقه وأبو عمرو بن العلاء عن العربية. قوله: (كان يستحب الجوامع من الدعاء) مقتبس من قوله في ذكر ما اختص به وأوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً فهي ما قل لفظه جداً وكثرت معانيه كثرة تحير أرباب البلاغة وفرسان الفصاحة فيها نحو سؤال الفلاح والعافية فإن كلا منهما يشمل طلب حصول
كل خير ديني أو دنيوي وكذا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ومن ذهب إلى تعيين كل من تينك الحسنتين فقد قصر اللفظ على بعض أفراده من غير دليل كما تقدم قال بعضهم الوجه أن المراد بحسنة الدنيا كل ما فيه ملاءمة للنفس مما تحمد عاقبته وبحسنة الآخرة كل ما يليق بالداعي. قوله: (ويدع ما سوى ذلك) أي من الأدعية الخاصة بطلب أمور جزئية كارزقني زوجة حسنة فإن أولى منه ارزقني الراحة في الدنيا فإنها تعم الزوجة الحسنة وغيرها من كل ملائم للنفس نعم قد تتعلق النفس بمحبة شيء مخصوص بحيث يستغرق وجودها فلا ينطق لسانها بغيره كمن ابتلي بمرض مخصوص فإنه يكثر ابتهاله في التنصيص عليه في دعائه ولا يقنع بشمول العافية له ومع ذلك فاتباعه ﷺ في الإتيان بالجوامع ولو في هذه الحالة أفضل كما هو ظاهر كما في فتح الإله.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة) قال السخاوي بعد تخريجه حديث حسن غريب وأخرجه البيهقي في الدعاء وغيره والحديث غريب انفرد به عمران القطان عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن أبي هريرة وقد صرح بهذا التفرد الإِمام الترمذي والعقيلي في الضعفاء حيث أورد هذا الحديث في ترجمته وقال إنه لا يتابع عليه بهذا اللفظ ولا يعرف به قال السخاوي وهو ممن
стр. 2519
قال: "لَيسَ شَيءٌ أكْرَمَ على اللهِ تعالى مِنَ الدعاءِ".
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ
ــ
اختلف فيه توثيقاً وتضعيفاً والحق إنه كما قال البخاري صدوق يهم ونحوه قول الدارقطني كان كثير المخالفة والوهم وممن وثقه ابن حبان وقال الحاكم إنه صدوق وأخرج كل منهما حديثه في صحيحه اهـ. وفي الحرز ورواه من حديث أبي هريرة كذلك أحمد والبخاري في الأدب المفرد ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد وابن حبان في صحيحه ولفظهم واحد قال السخاوي ومن شواهده حديث أبي هريرة مرفوعاً إن أفضل العبادة الدعاء. قوله: (أكرم) بالنصب أي أكثر كرامة. قوله: (على الله) أي عنده (من الدعاء) وذلك لاشتماله على التضرع والثناء والمعنى ليس شيء من أنواع العبادات القولية التي شرفت لغاياتها أكرم عنده تعالى من الدعاء لما تقرر أنه مخ العبادة أي خالصها وخالص الشيء أشرف ما فيه فأشرفيته ليست ذاته بل لما يتضمنه من التذلل بين يدي الله تعالى وإظهار الافتقار لما عنده والإعراض عن كل ما سواه وحينئذ فلا ينافي هذا أن قراءة القرآن والذكر المخصوص ونحو الصلاة أشرف من الدعاء لأن هذه شرفت لذاتها ولا كذلك الدعاء قال ابن حجر في شرح المشكاة وهذا كله وإن لم أر من ذكره إلا أنه واضح من القواعد وكلامهم قلت وبه يندفع قول الحنفي في شرح الحصن هذا الحديث بظاهره ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) وكذا رواه الحاكم من حديث وأبي هريرة أيضاً وأورده في السلاح من حديث سلمان مرفوعاً من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وقال السخاوي بعد تخريج والحديث عن أبي هريرة مرفوعاً
حديث حسن أخرجه الترمذي عن محمد بن مرزوق عن عبيد وقال: إنه غريب قلت بل أخرجه الطبراني في الدعاء من حديث معاوية بن صالح عن أبي عمرو الألهاني عن أبي هريرة به مرفوعاً ومن أجل ذلك حسنته وإلا فعبيد ضعيف وشهر يعني ابن حوشب الذي خرج السخاوي يعني الحديث عنه عن أبي هريرة مرفوعاً فيه مقال وقد أخرج له مسلم
стр. 2520
سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ الله تَعَالى لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاء".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهُم آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ
ــ
واستمر الأمر على توثيقه لا سيما وللحديث أيضاً شواهد منها عن شداد بن أوس رفعه إذا ذكر العبد ربه في الدعاء أغاثه عند البلاء أخرجه الطبراني في الدعاء اهـ. قوله: (سره) أي أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله) فاعل سره ومفعول يستجيب محذوف أي دعاءه وقوله (عند الشدائد) ظرف للاستجابة أي حصول الأمور الشديدة من المكروهات (والكرب) بضم ففتح جمع كربة وهي الغم يأخذ بالنفس وكذا الكرب بفتح فسكون كما في الصحاح. وقوله: (فليكثر الدعاء الخ) جواب الشرط و (الرخاء) بفتح المهملة وبالمعجمة ممدود حال سعة العيش وحسن الحال وإنما كان كذلك لأن إكثاره في وقت الرخاء يدل على صدق العبد في عبوديته والتجائه إلى ربه في جميع أحواله وأنه يشكره في الرخاء كما يشكره في الشدة ويتوجه إليه بكليته ليكون له عدة وأي عدة فلذا استجيب أدعيته إذا حق اضطراره وتوالت النعم عليه وسبقت النجاة إليه وأما من يغفل عن مولاه في حال رخائه ولم يلتجئ إليه حينئذٍ بقوة توجهه ورجائه فهو عبد نفسه وهواه البعيد عن بابه الحقيق بأن لا يستجاب له عند الشدائد لكفرانه نعم ربه في حال شيخوخته وشبابه فهو كمن أخبر عنهم تعالى في حال خشية الغرق يدعون الله مخلصين له الدين فإذا نجاهم من ذلك عادوا لكفرهم وإشراكهم والحاصل أن من شأن المؤمن الحازم أن يريش السهم قبل الرمي ويديم الالتجاء إلى الله سبحانه في كل أحيانه بخلاف الكفار وأرباب الغفلة فإنهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ فذو دعاء عريض.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما كما تقدم الكلام على معنى الذكر في باب
стр. 2521
حَسَنةً وَقِنا عَذَابَ النارِ" زاد مسلم في روايته قال: "وكان أنس إذا أراد أن يدعوَ بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه".
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُم إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى وَالعَفافَ وَالغِنَى".
وروينا في "صحيح مسلم" عن طارق بن أشْيَم الأشجعي الصحابي ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علَّمه النبي ﷺ الصلاة، ثم أمره
ــ
دعاء الكرب. قوله: (زاد مسلم) وكذا زاده أبو داود الطيالسي في مسنده وأحمد وابن حبان كما تقدم في ذلك الباب.
قوله: (روينا في صحيح مسلم) وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ولفظهم واحد كما في السلاح قال السخاوي ورواه أبو داود الطيالسي وأحمد في مسنديهما وفي الباب عن أنس وغيره كأبي عنبة عند البيهقي في الدعوات اهـ. وتقدم الكلام على معاني ألفاظ الذكر في آخر باب الدعاء بعد التشهد.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) تقدم الكلام على تخريجه وما يتعلق بمعناه في باب مختصر
في فضل الذكر غير مقيد في الكلام على حديث سعد بن أبي وقاص وقال السخاوي بعد تخريج الحديث بنحو ما ذكره المصنف هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وابن ماجه ورواه مسلم في صحيحه وابن خزيمة واستدركه الحاكم وقال إنه صحيح على شرط مسلم ووهم في استدراكه فإن مسلماً خرجه بذلك الإسناد الذي أخرجه به الحاكم فأخرجه مسلم عن أبي كامل الجحدري وأخرجه الحاكم عن مسدد كلاهما عن عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه اهـ. قوله: (عن طارق بن أشيم الأشجعي) هو والد أبي مالك الأشجعي واسم أبي مالك كما سبق في باب فضل الذكر سعد وأشيم بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح التحتية وطارق معدود في الكوفيين روى عنه ابنه مالك فقط أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال من وحد الله
стр. 2522
أن يدعوَ بهذه الكلمات: "اللهُم اغْفِرْ لي، وَارْحَمْني، واهْدِني، وعافِني، وارْزُقْني" وفي رواية أخرى لمسلم عن طارق "أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: "قُلِ: اللهم اغْفِرْ لي، وارْحَمْني، وعافِني، وارْزُقْني، فإنَّ هَؤلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْياكَ وآخِرَتَكَ".
وروينا فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله
-صلى الله عليه
ــ
وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله أخرجه الثلاثة يعني ابن منده وأبا نعيم وابن عبد البر اهـ. أخرج عنه مسلم حديثاً واحداً يقال لم يرو عن النبي ﷺ غيره وروى عنه الأربعة خلا أبا داود. قوله: (وفي رواية أخرى لمسلم الخ) أي بإسقاط قوله اهدني وزيادة فإن هؤلاء الخ وقد تقدم في كلام الحافظ في باب فضل الذكر أن الحديث عند مسلم عن ابن طارق في رواية اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني ويقول بأصابعه الأربعة ويقول هؤلاء يجمعن لك دنياك وآخرتك وفي رواية أخرى لمسلم عافني بدل ارزقني وأثبت الخمسة في رواية اهـ. وخرجه السخاوي من طريق عبد الواحد بالسند المذكور آنفاً إلى طارق بن أشيم قال سمعت رسول الله ﷺ يعلم من أسلم يقول قل اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني قال وهؤلاء يجمعن لك خير الدنيا والآخرة وأخرجه من طريق أخرى عن طارق أنه سمع رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني وجمع أصابعه إلا الإبهام فإن هؤلاء يجمعن لك دينك ودنياك وخرجه من طريق أخرى إلى طارق قال كنا نعدو إلى رسول الله ﷺ فيجيء الرجل وتجيء المرأة فيقول: يا رسول الله كيف أقول إذا صليت قال قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني فقد جمعن لك دنياك وآخرتك. قوله: (وروينا فيه) أي في صحيح مسلم وكذا رواه النسائي كما في السلاح زاد السخاوي ورواه أحمد وأبو عوانة والطبراني في الدعاء وابن حبان في صحيحه وفي الباب عن الأعمش عن أبي
стр. 2523
وسلم-: "اللهم مُصَرِّف القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلى طَاعَتِكَ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تَعَوَّذُوا بالله مِنْ جَهْدِ البَلاءِ،
ــ
سفيان عن أنس أخرجه الترمذي وغيره وحسنه الترمذي وأشار إلى أن بعضهم رواه عن الأعمش فجعله من حديث جابر لا أنس وكذا هو عند البيهقي في الدعوات والأول أصح وهو عند الطبراني في الدعاء عن يزيد الرقاشي عن أنس وكذا في الباب عن نعيم بن هماز أشار إليه الترمذي أيضاً وعن النواس بن سمعان عند النسائي والطبراني في الدعاء أيضاً وعن أسماء ابنة يزيد عند الطبراني في الكبير وعن عائشة في تفسير ابن مردويه مطولاً وفي الدعاء للطبراني مختصراً وعن أم
سلمة عند الترمذي وقال إنه حسن في آخرين. قوله: (مصرف القلوب) منادى عند سيبويه لما تقدم أن مذهبه أن اللهم لا يوصف لأن ضم الميم إلى الجلالة منع من وصفها وقال الزجاج بل هو صفة لأن يا لا تمنع من الوصف فبدلها كذلك وأيد أبو علي الأول لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم لأنه صار كجهل في كونهما صارا بمنزلة صوت مضموم لاسم قبله فلم يوصف وعلى كل فتقدير النداء هنا أنسب بالسياق لأنه أنسب بمعنى الاستعانة به اللهم إطناباً لأنه الأليق بمقام التذلل والدعاء. قوله: (صرف قلوبنا على طاعتك) جمع القلوب لبيان مزيد شفقته ﷺ ورحمته بأمته حيث أدرجهم في عداده ودعا لهم كما دعا لنفسه وتنبيهاً على أن بني آدم أي المذكور في الحديث قبله في قوله إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء يشمل الأنبياء أيضاً بل هم بكمال المعرفة أعظم خشية وأشد خوفاً وتواضعاً وأكثر التجاء إليه وافتقاراً.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه النسائي. قوله: (من جهد البلاء) قال ابن الجزري بفتح الجيم وروي بضمها وقد روي عن ابن عمر أنه فسره بقلة المال وكثرة العيال وقيل الحالة الشاقة قيل لا بد في تفسير ابن عمر من قيد مع عدم الصبر ووجود الجزع والفزع لئلا يشكل بأكثر أحوال الأنبياء والأولياء وكذا قوله الحالة الشاقة وإلا فأشد النّاس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل
стр. 2524
ودَرَكِ الشَّقاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وشماتَةِ الأعْدَاءِ" وفي رواية عن سفيان أنه قال: في الحديث ثلاث: وزدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن ...
ــ
فتأمل وقيل هو ما يختار الموت عليه قلت وعلى تفسيره بالحالة الشاقة فالظاهر أنه على رواية ضم الجيم استعير في محل مفتوحها ففي النهاية الجهد بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة وقيل المبالغة والغاية وهما لغتان في الوسع أما في المشقة فالفتح لا غير ومنه حديث أعوذ بك من جهد البلاء أي الحالة الشاقة اهـ. قوله: (ودرك الشقاء) قال في السلاح بفتح الراء وإسكانها فبالفتح الاسم وبالإسكان المصدر وفي النهاية الدرك هو اللحوق والوصول إلى الشيء يقال أدركه إدراكاً ودركاً وقال ابن الجوزي المحفوظ فتح الراء وروي بإسكانها والشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة على ما في الصحاح وقال الحافظ ابن حجر الشقاء بالمعجمة والقاف الهلاك وقد يطلق على السبب المؤدى إليه. قوله: (وسوء القضاء) يحتمل في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل ويحتمل في الخاتمة وقال بعضهم سوء القضاء ما يسوء الإنسان أو يوقعه في المكروه وقال ابن بطال المراد بالقضاء لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه فالرضاء بالقضاء المقضي واجب مطلقاً وبالمقضي تارة يكون واجباً وتارة يكون حراماً وقيل القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل وقيل بعكس ذلك والله أعلم. قوله: (وشماتة الأعداء) هي فرح العدو ببلية تنزل بعدوه من شمت يشمت كعلم يعلم. قوله: (لا أدري أيتهن) قد
بين الإسماعيلي في روايته نقلاً عن سفيان أن الجملة التي زادها من قبله هي جملة شماتة الأعداء قال السخاوي وقع تعيينها وأنها شماتة الأعداء عند الجوزقي من حديث عبد الله بن هاشم وعند الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر كلاهما عن ابن عيينة ونحوه عن شجاع بن مخلد عن ابن عيينة عند الإسماعيلي أيضاً حيث اقتصر على الثلاثة دونها وكأن نسيان تعيينها طرأ لسفيان بعد أن حفظ عنه اهـ. ووقع في الحرز جلالة سفيان تمنعه أن يزيد من قبل نفسه ما يدرج في لفظ النبوة بل إنما هي زيادة روايته على
стр. 2525
وفي رواية قال سفيان: أشك أني زدتُ واحدة منها.
وروينا في "صحيحيهما" عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَم، والبُخْلِ، وأعُوذُ بكَ مِنْ عَذَاب
ــ
سائر الرواة وزيادة الثقة مقبولة وجاء إثبات هذه الجملة في حديث آخر من غير طريق الصحيحين اهـ. وما استدل به في غير محله فقد صرح سفيان كما في البخاري بأنه زاد واحدة وبعد التصريح لا يعول على ذلك الاحتمال وقد وقع الإدراج في المرفوع عن كثير من الأكابر ومجيئها في حديث آخر لا يدل على أنها عنده في هذا الحديث من المرفوع وما أحسن قول الشيخ زكريا في تحفة القاري في أثناء كلام أن سفيان كان يعرف تلك الزيادة بعينها حال زيادتها ثم اشتبه ذلك بعد. قوله: (وفي رواية) أي لمسلم كما قال السخاوي ونقلها شيخ الإسلام زكريا عن نسخة للبخاري فقال وفي نسخة من البخاري أشك أني زدت واحدة منها قال ويشهد لذلك أن البخاري روى عنه الحديق في كتاب النذور وأسند الأربعة للنبي ﷺ جزماً بلا تردد فيحتمل أنه شك في وقت هل فيها زيادة اهـ. والله أعلم.
قوله: (وروينا في صحيحيهما) ورواه أبو داود والنسائي ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وزاد فيه والقسوة والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق والشقاق والسمعة والرياء وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام وسوء الأسقام، لفظ الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين كذا في السلاح وكذا رواه الطبراني في الصغير كما في الحصن كلهم عن أنس وقال السخاوي وللحديث طرق عن أنس بل وفي الباب عن غيره من الصحابة وقوله اللهم إني أعوذ بك من العجز أي في العبادة والكسل أي التثاقل في الطاعة على ما لا ينبغي فيه وتقدم بسط الكلام في ذلك في باب أذكار المساء والصباح. قوله: (والهرم) بفتحتين داء طبيعي يعرض للإنسان عند كبره لا دواء منه قال في الحرز والمراد منه صيرورة الرجل خرفاً من كبر السنن على ما ذكره المظهري بحيث لا يميز بين الأمور المعقولة والمحسوسة والمنقولة. قوله:
следующие страницы →