← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادة لجَاج على الحاجة، من غير قصد عناد ولا إيذاءٍ، ففعله هذا ليس حراماً، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلاً، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حدِّ الاعتدال متعذِّر، والخصومة تُوغِر الصدور، وتهيِّج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحِقد بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءَة الآخر، ويحزن بمسرَّته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرَّض لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغال القلب حتى أنه يكون ــ وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء) أي غير محتاج إليه وإلا كإرسال رسول القاضي ليحضره لا حرج فيه وإن تأذى به (ففعله ليس حراماً)، أفهم أنه متى وجد شيء مما نفاه حرمت الخصومة أما حرمتها في نصرة حجته بغير طريق الشرع فواضحة جلية وأما حرمتها فيما إذا نصرها بالشرع لكن مع إلداد وإسراف أو عناد أو زيادة لجاج على قدر الحاجة للإيذاء. وقوله: (لغير حاجة) ظاهره يجوز اللجاج للحاجة وكذا ما قبله لكن إن أدى اللدد وما بعده إلى نحو كذب أو تمويه باطل ضمه لحجته حرم ذكره ابن حجر في تنبيه الأخيار ثم قوله: "ففعله ليس حراماً" صريح في تحريم ما قبله من المراء والجدال بغير الحق وتحريم الخصومة إذا وجد فيها شيء مما نفاه، وقد وقع للجلال السيوطي في أذكار الأذكار أنه أطلق القول بكراهة المراء والجدال والخصومة ولم يقيدها بما ذكره المصنف وتعقبه ابن حجر بقوله كيف ساغ له الجزم بكراهة المراء مع تفسيره له بأنه ليس القصد منه إلا تحقير الغير الذي هو محرم إجماعاً فالصواب أنه حرام غليظ التحريم وبكراهة الجدال بغير حجة مع تفسير النووي له بأنه الجدال في مدافعة الحق والجدال بغير الحق في كل من هذين تحريمه ظاهر جلي فمن أظهر مذهبه بما يعلم بطلانه فقد جادل بغير حجة وارتكب عظيم الإثم لنصرته الباطل أو ترويجه على السامع وبكراهة الخصومة من غير قيد مع اشتراط النووي لعدم تحريمها أن ينصر حجته بطريق الشرع الخ. قوله: (ولكن الأولى تركه) فكثرة الخصومات عدها صاحب العدة من الصغائر وإن كان الشخص

стр. 2452

في صلاته وخاطره معلَّق بالمحاجة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة. والخصومةُ مبدأُ الشرِّ، وكذا الجدالُ والمراء، فينبغي أن لا يفتحَ عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها، وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه عن آفات الخصومة. روينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفَى بِكَ إثْماً أنْ لا تَزَالَ مُخاصِماً". وجاء عن عليٍّ ﵁ قال: إن للخصومات قُحَماً. قلت: القحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة: هي المهالك. فصل: يكره التقعير في الكلام بالتَّشَدُّق وتكلَّفِ السَّجْع والفَصَاحة والتصنَّع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون وزخارف القول، فكل ذلك من التَكلُّف المذموم، وكذلك تكلُّف السجع، وكذلك التحرِّي في دقائق ــ محقاً كما نقله عنه الشيخان ثم بعضهم قال أراد بالصغيرة ما يقابل الكبيرة فيأثم بذلك واستشكل بأنه يبعد تأثيم المحق في خصومته إلا أن يقال من أكثر الخصومات وقع في الإثم وبعضهم قال أراد بالصغيرة ما يشبهها في رد الشهادة وإن لم يكن فيه إثم واعترض بأن إطلاق الصغيرة على ذلك خارج عن اصطلاح الفقهاء. قوله: (وكذا الجدال) أي المذموم. قوله: (روينا في كتاب الترمذي) وقال الترمذي إنه حديث غريب. قوله: (وجاء عن علي الخ) في كتاب الأم للشافعي عن علي أنه وكل في خصومة وهو حاضر وكان يقول إن الخصومة لها قحماً. قوله: (القحم بضم القاف وفتح الحاء هي المهالك) في النهاية القحم هي الأمور العظيمة الشاقة واحدتها قحمة اهـ. وعد المطرزي في المغرب فتح الحاء خطأ. قوله: (وتكلف السجع والفصاحة) أي وأما البلاغة ما لم تصل إلى حد الإسهاب فمحمودة عند العلماء فإن وصلت إليه فمذمومة وكذا إذا كان ممن يجادل بها لتزيين الباطل وتحسينه بلفظه ويريد إقامته

стр. 2453

الإعراب ووحشيِّ اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمه صاحبه فهماً جلياً ولا يستثقله. روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ــ في صورة الحق فهذا هو المذموم الذي ورد فيه التغليط الشديد، وفي كتاب معيد النعم للقاضي تاج الدين السبكي في ذكر طوائف العلماء ومنهم طائفة استغرق حب النحو واللغة عليها وملأ فكرها فأداها إلى التقعر في الألفاظ وملازمة وحشي اللغة بحيث خاطبت به من لا يفهمه وحن لا ننكر أن الفصاحة فن مطلوب واستعمال غريب اللغة عزيز حسن لكن مع أهله ومع من يفهمه كما حكي أن أبا عمرو بن العلاء قصده طالب ليقرأ عليه فصادفه بكلام البصرة وهو مع العامة يتكلم بكلامهم لا يفرق بينه وبينهم فنقص من عينه ثم لما نجز شغل أبي عمرو مما هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع فأخذ يخاطب الفقهاء بغير ذلك اللسان فعظم في عينه وعلم أنه كلم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ فهذا هو الصواب فإن كل واحد يكلم على قدر فهمه ومن اجتنب اللحن وارتكب العالي من اللغة والغريب منها وتحدث بذلك مع كل واحد فهو ناقص العقل وربما أتى بعض هذه الطائفة من ملازمته هذا الفن بحيث اختلط بلحمهم ودمهم فسبق لسانهم إليه وإن كانوا يخاطبون من لا يفهمه ثم أخرج عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الوراق أنه قال ازدحم النّاس على عيسى بن عمرو النحوي وقد سقط عن حماره وغشي عليه فلما أفاق وأخذ في الاستواء للجلوس قال: ما بالكم تكأكأتم علي ولا تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، وافرنقعوا بلغة أهل اليمن تنحوا فهذا الرجل كان إماماً في اللغة وكانت هذه الحالة منه لا تقتضي أن يقصد هذه الألفاظ بل هي دأبه فسبق إليها لسانه، ثم أخرج حكايات عديدة من هذا القبيل قال ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الكثرة استعمالهم لها وغلبتها على ألسنتهم ظناً منهم أن كل أحد يعرفها وإلا فكيف يذكرونها في وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سبب غير ذلك ووحشي اللغة هي الكلمة الغريبة في الاستعمال وذلك مخل بالفصاحة. قوله: (بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته الخ) أي فيخاطب كلاً بما يليق به كما تقدم عن أبي عمرو بن العلاء. قوله: (روينا في كتابي أبي داود والترمذي) وكذا رواه الإِمام أحمد كما في الجامع الصغير وأورد

стр. 2454

- ﷺ قال: "إنّ الله يُبْغِضُ البليغَ مِنَ الرجالِ الذي يتَخَلَّلُ بلسانِهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثاً. قال العلماء: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور. وروينا في كتاب الترمذي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن مِنْ أحبَّكُمْ إليَّ، وأقْرَبِكُمْ منِّي مَجْلِساً ــ في النهاية وقال في آخر كلما تتخلل الباقرة الكلأ بلسانها قال العاقولي ضرب المثل بالبقرة لأنها تأخذ نبات الأرض والعلف بألسنتها دون سائر الدواب فإنها تأخذ ذلك بأسنانها فنبه بذلك على أن أولئك لا يهتدون إلى مأكل إلا بهذه الطريق كما أن البقرة لا تتمكن أن تأكل إلا بهذه الطريق وأنهم في فعلهم هذا لا يفرقون بين قول الحق والباطل بل أنهم بصدد تحصيل شيء سواء كان بقول باطل أو بحق والباقرة جمع البقر واستعماله بالتاء قليل. قوله: (يتخلل بلسانه) هو الذي يتشدق بالكلام ويقحم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) ورواه أحمد وأبو داود كلهم من حديث ابن مسعود. قوله: (هلك المتنطعون) بتقديم المثناة الفوقية على النون هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى طرقهم مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ثم استعمل في كل تعمق قولاً وفعلاً قال العاقولي ويدخل في هذا الذم ما يكون القصد فيه مقصوراً على مراعاة اللفظ ومجيء المعنى تابعاً للفظ أما إذا كان بالعكس فهو الممدوح وهو أن يدع الرجل نفسه تجري على سجيتها فيما يروم التعبير عنه من المعاني كما قال: أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت مما قلت غير محتشم قوله: (المبالغين في الأمور) ودخل فيها المبالغة في الكلام والتكلف في الفصاحة وهذا وجه إيراده هنا. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي). قوله: (إن من أحبكم الخ) مبني على قاعدة وهي أن المؤمنين من حيث الإيمان محبوبون ثم قد

стр. 2455

يَوْمَ القِيامَةِ، أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وإنَّ أبْغَضَكُمْ إليّ، وأبعدَكُمْ مِنِّي يَومَ القِيامَةِ، الثَّرثَارُونَ والمتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيهِقُونَ"، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والْمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون) قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: والثرثار: هو الكثير الكلام. والمتشدِّق: من يتطاول على النّاس في الكلام ويبذو عليهم. واعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخُطَب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب، لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله ، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر. ــ يتفاضلون في صفات الخير وشعب الإيمان فيتميز الفاضل بزائد محبة وقد تفاوتون في الرذائل فيصيرون مبغوضين من حيث هم كذلك ويصير بعضهم أبغض من بعض وقد يكون الشخص الواحد محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه آخر وعلى هذه القاعدة فرسول الله ﷺ يحب المؤمنين كافة من حيث هم مؤمنون وأحسنهم أخلاقاً من اشدهم حباً عنده ويبغض العصاة من حيث هم عصاة وأسوءهم أخلاقاً من أشدهم بغضاً عنده. قوله: (فما المتفيهقون قال المتكبرون) أي ومن كبرهم ينشأ تشدقهم بالكلام إذ المتفيهق الذي يتوسع في الكلام ويفتح به فاه مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع يقال أفهقت الإناء ففهق فهقاً والثرثار هو الكثير الكلام قال العاقولي الثرثار هو الذي يكثر الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق والثرثرة كثرة الكلام وترديده. قوله: (والمتشدق ... في الكلام الخ) وقال آخرون المتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز وقيل المتشدق المستهزيء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم. قوله: (إفراط) أي مجاوزة الحد الذي ينبغي. قوله: (وإغراب) أي إتيان باللفظ الغريب الوحشي. قوله: (ولحسن اللفظ في هذا) أي تهييج القلوب إلى الطاعة (أثر ظاهر) ولذا استحب كونها بليغة أي في غاية من

стр. 2456

فصل: ويكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدث بالحديث المباح في غير هذا الوقت، وأعني بالمباح الذي استوى فِعْله وتَرْكُه، فأما الحديث المحرَّم في غير هذا الوقت أو المكروه، فهو في هذا الوقت أشد تحريماً وكراهة، وأما الحديث في الخير، كمذاكرة العلم، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف، فلا كراهة فيه، بل هو مستحب، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة به، وكذلك الحديث للعذر والأمور العارضة لا بأس به، وقد ــ الفصاحة ورصانة السبك وجزالة اللفظ وعللوا ذلك بأنها حينئذٍ تكون أوقع في النفس بخلاف المبتذلة الركيكة كالمشتملة على الألفاظ المألوفة أي في كلام العوام أو نحوهم فلا ينافي قولهم فيها مفهومة أي قريبة اللهم لأكثر الحاضرين خالية عن الغريب لأن الغريب الوحشي لا ينتفع به. قوله: (ويكره لمن صلى العشاء الآخرة) أي إن دخل وقتها وفعلها فيه أو قدره إن جمعها تقديماً لا قبل ذلك على الأوجه وإنما كره لأنه ربما فوت صلاة الليل وأول وقت الصبح أو جميعه وليختم عمله بأفضل الأعمال ومقتضى الأول كراهته قبلها أيضاً لكن فرق الأسنوي بأن إباحة الكلام قبلها ينتهي بالأمر بإيقاعها في وقت الاختيار وأما بعدها فلا ضابط له فكان خوف الفوات فيه أكثر وحينئذٍ فيكره الكلام قبلها إن فوت وقت الاختيار أي أنه خلاف الأولي وإلا فلا ووصف العشاء بالآخرة بمد الهمزة وكسر المعجمة للتأكيد أو احترازاً من المغرب فإن العرب كانت تسميه العشاء ولذا جاء النهي عن تسمية بذلك ولا كراهة في وصفها بذلك خلافاً للأصمعي. قوله: (الحديث المحرم) أي كالغيبة ونحوها. قوله: (والمكروه) كالمباح الذي لا يعني ويخشى منه أن يجر إلى المكروه. قوله: (فلا كراهة) بل هو مستحب لما صح فيه من فعله ﷺ ذلك ولأن هذا خير ناجز

стр. 2457

اشتهرت الأحاديث بكل ما ذكرتُه، وأنا أشير إلى بعضها مختصراً، وأرمز إلى كثير منها. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. وأما ــ فلا يترك لمفسدة متوهمة. قوله: (بكل ما ذكرته) أي من الكراهة تارة وعدمها أخرى. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي من جملة حديث وقد أخرج الحديث بجملته أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم كذا في شرح العمدة للقلقشندي وزاد السخاوي وأخرجه الدارمي قال وأخرج الدارقطني في الأفراد هذا الحديث عن ابن عباس قال نهى النبي ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها يعني العشاء وقال إنه غريب من هذا الوجه اهـ. قوله: (كان يكره النوم قبل العشاء) أي قبل صلاتها لأنه قد يكون سبباً لفوات وقتها وتأخيرها عن وقتها المختار ولئلا يتساهل النّاس في ذلك فينامون عن صلاتها جماعة وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من كرهه ونقل عن عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وقال به مالك والشافعي ومنهم من رخص فيه ونقل عن علي وابن مسعود وأبي موسى وذهب إليه بعض الكوفيين ومنهم من قيد الرخصة برمضان ومنهم من قيدها بالذي له من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم وقال ابن الصلاح هذا الحكم ليس خاصاً بالعشاء بل جميع الصلوات كذلك وقال الأسنوي في المهمات سياق كلامهم يشعر بأن الكراهة بعد دخول الوقت ويحتمل قبل دخوله بعد فعل المغرب لخوف فوات الوقت وإن كان غير مخاطب بها وتبعه بعض من تأخر عنه ومحل جواز النوم بعد دخول الوقت إن غلبه بحيث صار لا تمييز له ولم يمكنه دفعه أو غلب على ظنه أنه يستيقظ وقد بقي من الوقت ما يسعها وطهرها وإلا حرم قال كثيرون ولو قبل دخول الوقت إلا أنه كما قال أبو زرعة خلاف المنقول. قوله: (والحديث بعدها) لما تقدم ولأن الله جعل الليل سكناً وهذا يخرجه عن ذلك ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من الطاعات والمصالح

стр. 2458

الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قدَّمتها فكثيرة. فمن ذلك حديث ابن عمر في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ صلى العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: "أرَأيْتَكُمْ لَيلَتَكُمْ هذِهِ، فَإنَّ عَلى رَأسِ مائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ اليَوْمَ أحدٌ". ومنها حديث أبي موسى الأشعري في "صحيحيهما": "أن رسول الله ﷺ أعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليل، ثم خرج رسول الله ﷺ فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: عَلى رِسْلِكُمْ أعْلِمُكُمْ، وأبشِرُوا أنَّ مِنْ نعمَةِ الله علَيكُمْ أنَّهُ ليسَ مِنَ النّاسِ أحدُّ يصلِّي ــ الدنيوية وقد يقع فيه من اللغط والفحش ما لا يليق ختم اليقظة به وكان عمر ﵁ يضرب النّاس على الحديث بعد العشاء أسمراً أول الليل ونوماً آخره أريحوا كتابكم وهذا محمول على الحديث المباح الذي لا مصلحة فيه. قوله: (فمن ذلك حديث ابن عمر الخ) قال السخاوي بعد تخريجه بهذا اللفظ حديث صحيح أخرجه أحمد والشيخان وأبو عوانة والترمذي والنسائي. قوله: (صلى العشاء في آخر حياته) في رواية جابر أنه كان قبل موته بشهر. قوله: (أرأيتكم) بفتح التاء ضمير المخاطب والكاف كذلك ولا محل لها من الإعراب والهمزة للاستفهام والرؤية بمعنى العلم أو البصر والجواب محذوف أي قالوا: نعم قال: احفظوها واحفظوا تاريخها. قوله: (على رأس) أي عند رأس. قوله: (لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد) أي بعد المائة. قوله: (ومنها حديث أبي موسى الأشعري الخ) وكذا رواه أبو عوانة وأبو نعيم في المستخرج قاله السخاوي. قوله: (أعتم بالعشاء) أي أخرها حتى اشتدت عتمة الليل أي ظلمته. قوله: (إبهار الليل) بإسكان الموحدة وتشديد الراء أي انتصف. قوله: (على رسلكم) بكسر الراء وفتحها لغتان الكسر أفصح أي تأنوا. قوله: (أن من نعمة الله الخ) بفتح الهمزة معمول لقوله أعلمكم وكذا قوله إنه بفتح الهمزة هي ومعمولاها في تأويل مصدر اسم أن الأولى وفي الحديث جواز الكلام بعد

стр. 2459

هذ الساعَةَ غَيرُكُمْ" أو قال: "ما صَلَّى أحدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غيرُكُمْ". ومنها حديث أنس في "صحيح البخاري": "أنهم انتظروا النبي ﷺ فجاءَهم قريباً من شطر الليل، فصلى بهم: يعني العشاء، قال: ثم خطبَنا فقال: ألا إنَّ الناسَ قَدْ صَلوْا ثُم رَقَدُوا، وإنَكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ". ومنها حديث ابن عباس ﵄ في مبيته في بيت خالته ميمونة قوله: "إن النبي ﷺ ــ صلاة العشاء إذا كان في خير. قوله: (ومنها حديث أنس في صحيح البخاري قال السخاوي بعد تخريج الحديث بهذا اللفظ -إلا أنه قال محل انتظرتم: ما انتظرتم زاد في آخره: فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه في يده- حديث صحيح رواه أحمد والبخاري موصولاً ومعلقاً وأخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس نحوه والحديث عند الطحاوي من حديث أنس بن عياض وعبد الله بن بكر السهمي وعبد الله بن عمر وعند المخلص في الأول من حديثه من حديث حميد عن أنس اهـ. قوله: (لا) حرف استفتاح. قوله: (إن النّاس) أي المعهودين. قوله: (وما انتظرتم الصلاة) أي مدة انتظاركم إياها. قوله: (ومنها حديث ابن عباس الخ) رواه البخاري في باب السمر من كتاب العلم وغيره وقال السخاوي بعد أن أخرجه بتمامه ولفظه عن ابن عباس قال بن في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله ﷺ عندها ليعلم كيف صلاته ﷺ بالليل فتحدث أهله ساعة ثم رقد فلما بقي ثلث الليل الآخر أو نصفه قعد فنظر في السماء فقال ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى قرأ هذه الآيات ثم قام فتوضأ واستن ثم صلى إحدى عشرة ركعة ثم أذن بلال بالصبح فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح أخرجه البخاري في تفسير سورة آل عمران والتوحيد بتمامه وفي الأدب ورواه مسلم وأبو عوانة والطحاوي وترجم البخاري لهذا الحديث في العلم بالسمر في العلم وأورده من طريق الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ بت في بيت خالتي ميمونة وكان ﷺ -

стр. 2460

صلى العشاء، ثم دخل فحدَّث أهله، وقوله: نام الغُلَيم". ومنها حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتى صلى العشاء، ثم جاء وكلَّمهم، وكلَّم امرأته وابنه وتكرر كلامهم، وهذان الحديثان في "الصحيحين"، ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وفيما ذكرناه أبلغ كفاية، ولله الحمد. فصل: يكره أن تسمَّى العشاءُ الآخِرةُ العتمةَ، للأحاديث الصحيحة المشهورة ــ عندها في ليلتها فصلى العشاء ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات ثم نام ثم قام ثم قال: نام الغليم أو كلمة تشبهها ثم قام فقمت عن يساره وذكر الحديث فتكلف غير واحد من الأئمة لمطابقته للترجمة غافلين عن كونه كما أفاده شيخي أشار بإيراده إلى ما في الرواية التي أوردتها وهو قوله فتحدث مع أهله ساعة. فائدة روى الطبراني في الدعاء هذا الحديث من وجه آخر وفيه أنه ﷺ لما دخل منزله قال يا ميمونة قالت لبيك يا رسول الله قال ما أتاك ابن أختك قالت بلى هو هذا قال: أفلا عشيتيه إن كان عندك شيء قالت: قد فعلت قال: فوطأت له قالت: نعم فمال رسول الله ﷺ إلى فراشه، يحتمل أن يفسر به ما أبهمه في قوله فتحدث مع أهله ساعة في روايتنا ولكن الظاهر أنه إنما اراد أخص من ذلك اهـ. قوله: (نام الغليم) بضم المعجمة تصغير غلام وفي بعض نسخ البخاري يا أم الغليم قال الحافظ ابن حجر هو تصحيف لم يثبت به رواية. قوله: (ومنها حديث عبد الرحمن) رواه الشيخان وتقدم الكلام عليه في كتاب الأسماء. قوله: (يكره أن تسمى العشاء الآخرة عتمة) أي بفتح المهملة والفوقية والميم وهي شدة الظلمة. قوله: (للأحاديث الصحيحة المشهورة) منها حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل رواه مسلم ورواه الشافعي وزاد في روايته وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة صاح وغضب وجاء من حديث أبي هريرة مرفوعاً نحوه أخرجه ابن ماجه بسند حسن وجاء من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها في كتاب الله العشاء وإنما سمتها الأعراب العتمة من أجل إبلها لحلابها

стр. 2461

في ذلك ويكره أيضاً أن تسمَّى المغربُ عشاءً. روينا في "صحيح البخاري" عن عبد الله بن مغفَّل المزني ﵁ -وهو بالغين المعجمة- قال: قال رسول الله ﷺ : طلا تَغْلِبنَّكُمُ الأعْرَابُ على اسْم صَلاَتكُمُ المَغْرِب" قال: ويقول الأعراب [هي]: العشاءُ. وأما الأحاديث الورادة بتسمية العِشاءِ عتمةً، كحديث: "لو يَعْلَمُونَ مَا لي الصُّبْح وَالْعَتَمَةِ لأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً". فالجواب عنها من وجهين: أحدهما: ــ أخرجه أبو يعلى وأبو نعيم والبيهقي وآخرون وفي سند الحديث رجل مبهم. قوله: (روينا في صحيح البخاري الخ) قال السخاوي بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري والإسماعيلي في مستخرجه ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن لكن قال لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الأعراب تسميها عتمة وهو بهذا اللفظ عند الطبراني وعند أبي نعيم في مستخرجه رواه من حديث علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي معمر شيخ البخاري فيه وقال الإسماعيلي عقبه إنه يدل على أنه في صلاة عشاء الآخرة ولذا روي عن ابن عمر أي شيخ أبي معمر عن عبد الوارث بن عبد الصمد عن أبيه قال البيهقي إلا أن الذين رووه عن عبد الصمد على اللفظ الأول وكذا قال السخاوي وصدق فيما قال فقد رواه عنه الأكثر كذلك فلذلك كانت روايتهم أرجح لكن الذي جنح إليه شيخنا يعني الحافظ كونهما حديثين أحدهما في المغرب والآخر في العشاء وكانا جميعاً عند عبد الوارث بسند واحد اهـ. قوله: (لا يغلبنكم) بالتحتية وفي نسخة بالفوقية و (الأعراب) كما تقدم في باب أذكار المساجد سكان البوادي. قوله: (صلاتكم المغرب) بجر المغرب صفة لصلاة وبالرفع خبر مبتدأ محذوف وبالنصب بأعني والمعنى لا تتبعوا الأعراب في تسميتهم المغرب عشاء لأن الله تعالى سماها مغرباً وتسمية الله أولى من تسميتهم والسر في النهي خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين كذا في تحفة القارئ والنهي فيه للتنزيه لا للتحريم لما سيأتي عقبه في الفصل. قوله: (كحديث لو تعلمون الخ) رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن خزيمة وغيرهم. قوله: (ولو حبواً) أي كان مجيئهم حبواً. قوله: (وإنما

стр. 2462

أنها وقعت بياناً لكون النهي ليس للتحريم، بل للتنزيه. والثاني: أنه خوطب بها من يخاف أنه يلتبس عليه المراد لو سماها عشاءً. وأما تسمية الصبح غداةً، فلا كراهة فيه على المذهب الصحيح، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال غداةٍ، وذكر جماعة من أصحابنا كراهة ذلك، وليس بشيء، ــ وقعت بياناً الخ) ومثل ذلك واجب عليه ﷺ يثاب عليه ثواب الواجب. قوله: (الثاني أنه خوطب بها الخ) أي فيكون على طبق حديث حدثوا النّاس بما يفهمون وذلك أنه لو ذكر العشاء بلفظه لما فهم ذلك المخاطب إلا أن المراد بها المغرب إذ هو المسمى بالعشاء عندهم فلدفع ذلك عبر بلفظ العتمة عنها قال المصنف وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما وذكر بعضهم أنه يحتمل كون ذلك قبل النهي عنه وقال ابن القيم في الهدي قال ﷺ : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إلا وأنها العشاء وأنهم يسمونها العتمة وصح عنه أنه قال لو يعلمون ما في العتمة الخ فقيل هذا ناسخ للمنع وقيل بالعكس والصواب خلاف القولين فإن العلم بالتاريخ متعذر ولا تعارض بين الحديثين فإنه لم ينه عن إطلاق اسم العتمة بالكلية إنما نهى عن هجران اسم العشاء وهو الاسم الذي سماها الله به في كتابه ويغلب عليها اسم العتمة فإذا سميت العشاء وأطلق عليها العتمة أحياناً فلا بأس وهذا محافظة منه ﷺ على الأسماء التي سمى الله تعالى بها العبادات فلا تهجر ويؤثر غيرها كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص وإيثار المصطلحة الحادثة عليها ونشأ بسبب ذلك من الفساد ما الله به عليم وهذا كما يحافظ على تقديم ما قدمه الله تعالى وتأخير ما آخره كما بدأ بالصفا وقال: ابدؤوا بما بدأ الله به وبدأ في العيد بالصلاة ثم نحو بعدها وأخبر أن من ذبح قبلها فلا نسك له تقديماً لما بدأ الله به في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ونظائره كثيرة اهـ. ثم ما جزم به هنا وفي المنهاج والروضة من الكراهة خالفه في المجموع فقال نص الشافعي على أنه يستحب أن لا يسمى بذلك وذهب إليه المحققون من أصحابنا وقالت طائفة قليلة يكره اهـ. قوله: (وقد كثرت الأحاديث في استعمال الغداة) أي كحديث أبي قتادة الطويل

стр. 2463

ولا بأس بتسمية المغرب والعشاءِ عشاءَين، ولا بأس بقول: العشاءِ الآخِرةِ. وما نقل عن الأصمعي أنه قال: لا يقال: العشاء الآخرةُ، فغلط ظاهر. فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: "أيُّمَا امْرأةٍ أصَابَتْ بَخُوراً فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ". وثبت من ذلك كلام خلائق لا يحصون من الصحابة في "الصحيحين" ــ في نومهم عن الصبح حتى طلعت الشمس ففيه فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة وكحديث عمران بن حصين في ذلك أيضاً ففيه فصلى بنا الغداة وكلاهما في مسلم وكحديث أبي برزة كان ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه متفق عليه. قوله: (ولا بأس بتسمية المغرب والعشاء عشاءين) أي على سبيل التغليب كما قال في الظهر والعصر الظهرين والعصرين. قوله: (فقد ثبت في صحيح مسلم) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان كلهم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أيما امرأة أصابت بخوراً الخ قال السخاوي بعد أن ذكر أن مدار الحديث عند هؤلاء على أبي علقمة قال: حدثني يزيد بن خصيفة عن بشر بن سعيد عن أبي هريرة فذكره قال النسائي: لا نعلم أحداً تابع ابن خصيفة على قوله عن أبي هريرة وقد خالفه يعقوب ابن عبد الله بن الأشج فرواه عن بشر بن سعيد فقال عن زينب الثقفية يعني بدل أبي هريرة وكذا رواه بكير بن عبد الله بن الأشج أخو يعقوب والزهري لكنه غير محفوظ من حديثه خاصة كلاهما عن بشر ورواية بكير في صحيح مسلم أيضاً واختلف على كل من الأخوين فيه أما يعقوب فقد روي عنه كرواية ابن خصيفة أخرجه المحاملي في الثاني عشر من فوائده ولفظه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لزينب امرأة عبد الله إذا خرجت إلى المسجد لصلاة المغرب فلا تطيبين، وأما بكير فقد روي عنه أيضاً عن بشر عن زيد بن خالد الجهني رفعه لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات أي تاركات للطيب اهـ. والبخور بفتح الموحدة وتخفيف المعجمة ففي الحديث نهي من إرادات شهود المسجد من الطيب ومنع المتطيبة من حضوره وفيه دليل على جواز قول النّاس العشاء الآخرة وأما ما نقل عن الأصمعي أنه قال من المحال قول العامة

стр. 2464

وغيرهما، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه بشواهده في "تهذيب الأسماء واللغات" وبالله التوفيق. فصل: ومما يُنهى عنه إفشاءُ السرِّ، والأحاديث فيه كثيرة، وهو ــ العشاء الآخرة لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة فلا توصف بالآخرة فهذا القول غلط لهذا الحديث قال في شرح مسلم فقد صح ذلك عن رسول الله ﷺ وعائشة وأنس والبراء وجماعة آخرين اهـ. وحديث أنس عند البخاري أخر ﷺ العشاء الآخرة. قوله: (وقد أوضحت ذلك الخ) لم أجده في نسختي من التهذيب ولعله سقط من الكاتب. قوله: (ومما ينهى عنه إفشاء السر) أي إذاعة وإشاعة ما يسر به إليك إنسان ويستره عندك يترتب على إفشائه مضرة عليه أولاً. قوله: (والأحاديث فيه كثيرة) أي فمنها ما أخرجه البيهقي بسند حسن عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلاً إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره وأخرجه ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود ومنها ما أخرجه الديلمي في مسنده عن أسامة مرفوعاً المجالس أمانة فلا يحل لمؤمن أن يرفع على مؤمن قبيحاً ومنها ما أخرجه أبو داود من حديث ابن أبي ذؤيب عن ابن أخي جابر عن عمه أن النبي ﷺ قال المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق وأوله عند العسكري والديلمي عن علي، ومنها ما أخرجه أبو يعلى والطبراني وغيرهما عن أنس أن النبي ﷺ قال له: يا أنس اكتم سري تكن مؤمناً، ومنها ما أخرجه مسلم عن أنس قال بعد: ولقد سألتني عنه أم سليم فما أخبرتها وأخرجه مسلم عن أنس أيضاً أن النبي ﷺ بعثه في حاجة فقالت له ما حاجتك فقلت إنها سر قالت لا تحدثني بسر رسول الله ﷺ قال أنس والله لو حدثت به أحداً لحدثتك يا ثابت وأخرج هذا الحديث البخاري في الأدب المفرد كما سبقت الإشارة إليه في كتاب السلام ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي سعيد مرفوعاً إن من أعظم

стр. 2465

حرام إذا كان فيه ضرر أو إيذاء. روينا في سنن أبي داود والترمذي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا حَدَّثَ الرجُلُ بالحَدِيثِ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أمانَةٌ" قال الترمذي: حديث حسن. فصل: يكره أن يُسأَلَ الرَّجُلُ فيم ضرب امرأته من غير حاجة. قد روينا في أول هذا الكتاب في "حفظ اللسان" الأحاديث الصحيحة في السكوت عما لا تظهر فيه المصلحة. وذكرنا الحديث الصحيح "مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ". وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يُسألُ الرجُلَ ــ الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ذكر ذلك السخاوي. قوله: (ضرر) أي في النفس أو المال أو غيرهما. قوله: (أو إيذاء) أي يتأذى بإشاعة ذلك وإن لم يحصل منه ضرر فإن لم يترتب عليه أذى ولا ضرر كره. قوله: (روينا في سنن أبي داود والترمذي) وكذا رواه أحمد والضياء كلهم من حديث جابر ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث أنس كذا في الجامع الصغير. قوله: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) قال المظهري أي إذا حدث أحد عندك حديثاً ثم غاب عنك صار حديثه أمانة عندك ولا يجوز إضاعتها قال الطيبي والظاهر أن اللفت هنا عبارة عن التفات خاطره إلى ما تكلم به فالتفت يميناً وشمالاً احتياطاً وكذا قال العاقولي المراد من الالتفات الالتفات بوجهه والمعنى أن حديثه عندك أمانة إذا التفت بوجهه فلا تضيع أمانته فكيف إذا غاب. قوله: (فهو) أي الحديث وفي نسخة فهي وأنثه مع عوده إلى الحديث لأنه بمعنى الحكاية. قوله: (قد روينا في أول هذا الكتاب حفظ اللسان) بالجر بدل من أول أو نعت له ويصح فيه الرفع على أنه خبر عن مبتدأ محذوف والنصب بتقدير أعني. قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) وكذا رواه الإِمام أحمد كما في تسديد القوس والحديث صحيح كما قاله ابن حجر في تنبيه الأخيار. قوله: (لا يسأل الرجل) أي لاحتمال أن يكون سبب ذلك مما يستحي من ذكره

стр. 2466

فيمَ ضَرَبَ امرأتَهُ". فصل: أما الشِّعْر فقد روينا في مسند "أبي يعلى الموصلي" بإسناد حسن عن عائشة ﵄ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الشِّعْر فقال: "هُوَ كلامٌ حَسَنُهُ كحسن الكلام، وقَبِيحُهُ كقَبِيحِ الكلامِ". قال العلماء: معناه: أن الشعر كالنثر، لكن التجرُّد له والاقتصار عليه ــ كالامتناع من المطاوعة والتمكين. قوله: (أما الشعر الخ) الشعر كلام موزون قصداً بوزن عربي وحرج بقيد المقصد أي قصد كونه شعراً ما جاء موزوناً من الآيات والأحاديث نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ونحو قوله ﷺ : أنا النبي لا كذب أنا عبد المطلب وبقولنا بوزن عربي أي وهو ما كان على وزان أحد البحور الخمسة عشر أو الستة عشر ما كان على غيرها من باقي الأبحر المولدة فلا يقال فيه شعر بل نظم فالنظم أعم عن الشعر. قوله: (فقد روينا الخ) قال في الإمتاع أخرجه البيهقي في السنن الكبير مرفوعاً من عدة طرق وقال الصحيح إنه مرسل اهـ. ورواه في الجامع الصغير بلفظ الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام وقال رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الأوسط عن ابن عمر وعبد الرزاق في الجامع عن عائشة مرفوعاً وروي عن الشافعي عن عروة مرسلاً أي والمرسل حجة عند الشافعي إذا اعتضد وهو هنا كذلك للمسند قبله قال ابن عبد البر وجاء موقوفاً عن ابن سيرين والشعبي وروي عن الشافعي. قوله: (حسنه) أي كالمشتمل على التوحيد والزهديات في الدنيا والترغيب في الآخرة ومدح النبي ﷺ ومدح الإسلام وذم الكفر وهجاء الكفرة وعلى جمع فوائد علمية أو نحو ذلك مما يعود نفعه فهذا حسن لحسن عائدته وجميل فائدته. قوله: (وقبيحه) كهجاء المسلمين والتشبيب بامرأة أو أمرد معين أو مدح الخمرة أو مدح ظالم أو نحوه أو المغالاة في المدح أو نحو ذلك قال الفقهاء المميز للشعر الجائز من غيره أن ما جاز في النثر جاز في الشعر. قوله: (أن الشعر كالنثر) أي والمدح والذم إنما يدوران مع المعنى ولا عبرة باللفظ موزوناً كان أو لا. قوله: (لكن التجرد له والاقتصار عليه) أي

стр. 2467

مذموم. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بأن رسول الله ﷺ سمع الشعر، وأمر حسان بن ثابت بهجاء الكفار. ــ بحيث يكون الشعر مستولياً عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى قال المصنف في شرح مسلم فهذا مذموم في أي شيء كان فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضره حفظ اليسير من الشعر أي الخالي عن الفحش والقبح مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئاً شعراً. قوله: (وقد ثبتت الأحاديث بأن رسول الله ﷺ سمع الشعر) أخرج أحمد من رواية جابر بن سمرة قال شهدت رسول الله ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم ﷺ وأخرجه الترمذي وصححه وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير والأحاديث في ذلك كثيرة منتشرة قال ابن عبد البر وما استنشده رسول الله ﷺ وأنشد بين يديه أكثر من أن يحفظ. قوله: (وأمر حسان بن ثابت بهجاء الكفار) في رواية هاجهم وفي رواية صحيحة أهجهم وجبريل معك رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب ورواه مسلم من أوجه عن شعبة وتقدم في باب أذكار المساجد حديث أبي هريرة عند البخاري لما استشهده حسان هل سمعت رسول الله ﷺ يقول يا حسان أجب عن رسول ﷺ اللهم أيده بروح القدس فقال أبو هريرة نعم وكان يوضع لحسان بن ثابت منبر في المسجد يهجو الكفار عليه وقال له ﷺ لما استأذنه في هجو المشركين كيف تعمل بحسبي ونسبي فقال لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين وأنشد حسان في ذلك قصيدته المشهورة التي فيها: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء وذلك ثابت في الصحيح ثم اعلم أن هجو الكافر إن كان بصيغة عامة فلا خلاف في جوازه كما يجوز لعن الكافرين على العموم وإن كان في معين فإن كان حربياً أو مشركاً جاز وإن كان ذمياً فالمتجه المنقول الحرمة قياساً على غيبته. وحسان بن ثابت هو أحد شعراء النبي

стр. 2468

وثبت أنه ﷺ قال: "إن مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَة". ــ ﷺ كما تقدم في باب الحداء وهو أبو عبد الرحمن ويقال أبو الوليد ويقال أبو الحسام لمناضلته عن رسول الله ﷺ وتقطيعه الكفار بشعره وتمزيق أعراضهم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بالراء ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري المدني وأمه الفريعة بنت خالد روينا عن محمد بن إسحاق وآخرين بأسانيد قالوا عاش حسان بن ثابت وأبوه ثابت وأبوه المنذر وأبوه حرام كل واحد من الأربعة مائة وعشرين سنة وهذه طرفة عجيبة لا تعرف في غيرهم كذا قاله أبو نعيم وجماعة من الأئمة وعاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وشاركه في هذا حكيم بن حزام فإنه أيضاً عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وتوفي سنة أربع وخمسين ولا يعرف لها ثالث في هذا والمراد بالإسلام من حيث انتشر وشاع في النّاس وذلك قبل هجرة النبي ﷺ بنحو ست سنين روى عنه ابنه عبد الرحمن وسعيد بن جبير قال العلماء كان المشركون يهجون الصحابة والإسلام فانتدب لهجوهم ثلاثة من الأنصار حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة يعيرونهم بالكفر وبعبادة الأوثان فكان قوله أهون عليهم من قول صاحبيه فلما أسلموا وفقهوا كان قول عبد الله أشد عليهم وقال أبو عبيد اجتمعت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف وعلى أن أشعر أهل المدر حسان وهب له النبي ﷺ جارية اسمها سيرين وهي أخت مارية القبطية كذا في التهذيب للمصنف. قوله: (وثبت أنه ﷺ قال إن من الشعر لحكمة) رواه مالك وأحمد وأبو داود من حديث ابن عباس مرفوعاً وقال حكماً أي بصيغة الجمع وضبطه في المرقاة بضم فسكون قال أي حكمة قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي الحكمة ورواه أبو داود أيضاً من حديث بريدة كذا في الجامع الصغير وهو عند البخاري في الصحيح من حديث ابن كعب بلفظ إن من الشعر لحكمة قال الجوهري الحكمة الكلام المحكم لفظه الواقع معناه قال شارح الأنوار

стр. 2469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السنية ولنذكر شيئاً من الشعر الذي فيه حكمة على جهة الأمثلة للحديث فمن ذلك ما أنشد القرطبي قال أبو العباس الحماني فأحسن: ليس في كل ساعة وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان وأنشد الباجي في الصبر: إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا وأنشد بعضهم في الشكر: إن لله علينا أنعما ... عجز الوصف عن الحصر لها فله الحمد على إنعامه ... وله الشكر على الشكر لها وفي العمل الصالح: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال وفي التفويض لله : فوض إلى الله لا تركن إلى أحد ... فهو الذي يرتجى للضر والبوس دعها سماوية تجري على قدر ... لا تفسدنها برأي منك منكوس وفي التوكل على الله : توكل على الرحمن في كل حاجة ... ولا ؤثرن العجز يوماً على الطلب ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أدنى الجذع من غير هزها ... إليها ولكن كل شيء له سبب وفي التقوى لأبي الدرداء: يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا وفي الافتقار إلى الله سبحانه:

стр. 2470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلهي لك الحمد العظيم حقيقة ... وما للورى مهما منعت نقير وقالوا فقير وهو عندي حاله ... نعم صدقوا إني إليك فقير وفي التوبة قال ابن عبد البر في التمهيد أحسن محمود الوراق حيث يقول: قدم لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات وقبل قبض الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ... أجر وغنم للمنيب المحسن وفي التحدث بالنعم: الحمد لله حمداً دائماً أبداً ... الله حسبي كفى بالله لي سندا كم نعمة سبقت من فضل رحمته ... منه إلي فلا أحصي لها عددا وفي المبادرة إلى الخير: سابق إلى الخير وبادر به ... فإنما خلفك ما تعلم وقدم الخير فكل امريء ... على الذي قدمه يقدم وفي ترك الظلم: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم مصدره يفضي إلى الندم تنام عيناك والمظلوم أعينه ... تدعو عليك وعين الله لم تنم وفي ذم البغي: يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاعدل فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله وفي اليأس من روح الله: توقع صنع ربك كيف يأتي ... بما تهواه من فرج قريب ولا تيأس إذا ما ناب خطب ... فكم في الغيب من عجب عجيب وأنشد بعضهم في التحذير من الدنيا: هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركمو حسن ابتسامي ... فقولي مضحك والفعل مبكي وفي فضل العلم قال سابق:

стр. 2471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العلم يحيي قلوب العالمين كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر والعلم يجلي العمي عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر وللفقيه الزاهد إبراهيم بن مسعود التبوكي: إن أولى العلم بما في الفتن ... تهيبوها من قديم الزمن واستعصموا الله فكان التقى ... أوقى لهم فيها من أقوى الجنن واجتمعوا في حسن توفيقه ... وافترقوا في كل معنى حسن فعالم مستبحر عامل ... يسلك بالناس سواء السنن وبهمة مخترط سيفه ... يغمده في هام أهل الوثن وحابس في بيته نفسه ... معتزل مستمسك بالسنن وهارب شحاً على دينه ... إلى البراري ورؤوس القنن وتائب من ذنبه مشفق ... يبكي بكاء الواكفات الهنن وصامت في قلبه مقول ... بالذكر لله طويل اللسن تراه كالأبله في ظاهر ... وهو من أذكى النّاس فيما بطن فهم خصوص الله في أرضه ... حقاً بهم تدرأ عنا المحن فليتني كنت لهم خادماً ... وليتني إذ لم أكن لم أكن ومن سواهم فرجال رجوا ... أن يعبروا البحر بغير السفن انتهى ملخصاً، وفي البحر للروياني الشعر ينقسم إلى محرم ومباح ومستحب والمستحب على قسمين الأول ما حذر من الآخرة كقول علي ﵁: ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعد ذا عن كل شي وكقول الحسن بن علي ﵄: الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار

стр. 2472

وثبت أنه ﷺ قال: "لأنْ يَمتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكُمْ قَيحاً خَيرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْراً" وكل ذلك على حسب ما ذكرناه. فصل: ومما ينهى عنه، الفحش وبذاءة اللسان، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة معروفة، ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبَحة بعبارة صريحة، وإن كانت صحيحة والمتكلِّم بها صادق، ويقع ذلك كثيراً في ألفاظ الوِقاع ونحوها. وينبغي أن يستعمل في ذلك الكنايات، ويعبِّر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض، وبهذا جاء القرآن العزيز والسنن الصحيحة المكرَّمة، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ــ فالله من هذا وهذا جاري والقسم الثاني ما حث على مكارم الأخلاق كما حكي عن مالك أنه من بباب قوم فسمع رجلاً ينشد: أنت أخي وأنت حرمة جاري ... وحقيق على حفظ الجوار إن للجار أن تغيب عنا ... حافظاً للمغيب في الأسرار ما أبالي أكان بالباب ستر ... مسبل أم بقي بغير ستار فدق مالك الباب وقال علموا صبيانكم مثل هذا الشعر اهـ. ومن المستحب مدح النبي ﷺ والصحابة وأهل العلم والتقوى كما لا يخفى والقسمان الأخيران ستأتي أمثلتهما. قوله: (وثبت أنه ﷺ قال لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتليء شعراً) رواه البخاري من حديث ابن عمر هكذا ورواه أحمد والشيخان والأربعة من حديث أبي هريرة وقالوا لأن يمتليء جوف أحدكم حتى يريه الخ ويريه بفتح التحتية وكسر المهملة من الورى داء يفسد الجوف وقيل أن يصل إلى الرئة ويفسدها ورد بأن المشهور في الرواية الهمز قال المصنف الصواب أن هذا محمول على من يكون الشعر غالباً عليه حتى يشغله عن القرآن وغيره من العلوم

стр. 2473

مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والآيات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة. قال العلماء: فينبغي أن يُستعمَل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيي من ذكرها بصريح اسمها الكناياتُ المفهمةُ، فيكنَّى عن جماع المرأة بالإفضاء والدخول والمعاشرة والوقاع ونحوها ولا يصرَّح بالنَّيك والجماع ونحوهما، وكذلك يكنى عن البول والتغوُّط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرَّح بالخِرَاءَةِ ــ الشرعية وذكر الله تعالى كما تقدم، وقال الأبي الحديث إنما يدل على ذم الإكثار منه والمائة والمائتان ليس من الإكثار وقال ابن الجوزي هذا الحديث محمول على من جعل جميع شغله حفظ الشعر ولم يحفظ شيئاً من القرآن ولا من العلم لأنه إذا امتلأ الجوف بالشيء لم يبق فيه سعة لغيره وكان النبي ﷺ يسمع الشعر ويستنشده وقد مدحه بقوله إن من الشعر لحكمة وكان الخلفاء الراشدون الأربعة يقولون الشعر وكان علي ﵁ أشعرهم اهـ. تتمة ذكر ابن حزم في رسالته في مراتب العلوم أنه إذا عانى الإنسان الشعر فليكن فيما فيه الحكم والخير قال وينبغي أن يجتنب من الشعر أربعة أضرب "أحدها" الأغزال فإنها العون على عدم الصيانة وتدعو إلى الفتن وتصرف النفس إلى الخلاعة "الثاني" الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب فإنها تهيج الطبع وتسهل على المرء موارد التلف "الثالث" أشعار التغرب وصفات المفاوز والبلدان فإنها تسهل التغرب والتحول "الضرب الرابع" الهجاء، وصنفان من الشعر لا ينهى عنهما نهي تام ولا يحض عليهما بل هما عندنا من المباح المكروه وهما المدح والثناء، قال الأذفوي وما قاله غير جيد وهو مردود بعمل النّاس في كل ورد وصدر وهو يأتي باليسر والذرر والتمزق والحجر وقد سلك في هذا الباب التعليل لا ما يدعيه من إقامة الدليل وهو خلاف طريقته اهـ. فائدة ورد الأمر بالاشتغال بأشعار العرب لأن بها يعرف معاني الكتاب والسنة ويحفظ الشرع وفي الروضة يكره أشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة ويباح منها ما ليس فيه سخف ولا شيء مما

стр. 2474

والبول ونحوهما، وكذلك ذِكر العيوب كالبرص والبخر والصُّنان وغيرها يعبَّر عنها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض، ويلحق بما ذكرناه من الأمثلة ما سواه. واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تَدْعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعت حاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطَب لا يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد، صرَّح حينئذ باسمه الصريح ليحصل الإفهام الحقيقي، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا، فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا، فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرَّد الأدب، وبالله التوفيق. روينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن مسعود ــ يكره ولا يؤدي إلى شر أو تثبيط عن الخير قال الجلال السيوطي ولي فيه بحث من جهة أن أشعارهم يستشهد بها في المعاني والبيان والبديع كما صرحوا به وهي من العلوم الواجبة التي يطلع بها على غرائب القرآن ويدرك إعجازه فينبغي أن تكون في رتبة أشعار العرب من هذه الحيثية اهـ. ولك رده بأن المكروه من أشعارهم إنما هو المشتمل على السخف والبطالة كما صرح به في كلام الروضة المفسرة بالسخف والأداء إلى الشر والتثبيط عن الخير وهذا شيء قليل بالنسبة إلى بقية أشعارهم فلا يلزم من كراهة ذلك القليل عدم الاستشهاد به في تلك العلوم فالبحث المذكور ليس في محله قاله ابن حجر في تنبيهه قال ويباح إنشاد الشعر إلا ما فيه هجو محرم فيحرم وإن صدق فيه كالغيبة بل هو من جزئياتها والتشبب بغير معين يباح وكذا بمعين من حليلة لكنه خارم للمروءة إن كان مما ينبغي إخفاؤه وأجنبية وأمرد فسق ولإنشاده حكم إنشائه اهـ. قوله: (فإن دعت حاجة لغرض البيان الخ) ويكون التصريح حينئذٍ سنة بل ربما يجب لأن مراعاة الإفهام أولى من مراعاة الأدب اللفظي. قوله: (وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث) أي كحديث ماعز لما كرر عليه النبي ﷺ قوله لعلك لمست لعلك فاخذت أنكتها قال: نعم قال: اذهبوا به فارجموه. قوله: (روينا في كتاب الترمذي الخ) في الجامع الصغير ورواه الإِمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان والحاكم في

стр. 2475

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلا الفَاحِشِ وَلاَ البَذِيءِ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما كانَ الفُحْشُ في شَيءٍ إلاَّ شانَهُ، وما كانَ الحَيَاءُ في شَيءٍ إلاّ زانَهُ" قال الترمذي: حديث حسن. ــ المستدرك كلهم من حديث ابن مسعود وفي المشكاة ورواه البيهقي في الشعب من حديثه أيضاً وفي رواية للبيهقي ولا الفاحش البذي. قوله: (ليس المؤمن) أي الكامل. قوله: (بالطعان) أي كثير الطعن في الأنساب الثابتة. قوله: (ولا اللعان) أي كثير اللعن بل قد يقع منه لمن يجوز لعنه من الشيطان ونحو الكافر. قوله: (ولا الفاحش) من الفحش أي فاعله أو قائله ففي النهاية البذاءة بالمد الفحش في القول وهو بذي اللسان وقد قال بالهمز وليس بكثير اهـ. وبمعناه البذي هو من عطف الرديف ولا زائدة وتؤيده الرواية الثانية عند البيهقي وقيل بل يحمل الفحش على العموم ويكون البذي تخصيصاً بعد تعميم لزيادة الاهتمام به لأنه متعد، وقيل البذي لا حياء له وقيل الفحش النطق بما لا ينبغي من القول والبذاءة سوء الخلق. قوله: (قال الترمذي الخ) قال ميرك رجاله رجال الصحيحين سوى محمد بن يحيى شيخ الترمذي وثقه ابن حبان والدارقطني. قوله: (وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه) وكذا رواه الإِمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد كلهم من حديث أنس. قوله: (ما كان الفحش في شيء إلا شانه) يحتمل أن تكون كان تامة وفي شيء متعلق به وأن يكون الفحش في شيء يتصف بشيء من الأوصاف إلا صفة الشين والشيء عام في الأعراض والذات ومثله في هذا الإعراب الجملة الثانية وقد تقدم في المتن تعريف الحياء وما يتعلق به.

стр. 2476

فصل: يحرم انتهار الوالد والوالدة وشبههما تحريماً غليظاً، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ــ باب تحريم انتهار الوالد والوالدة تحريماً مغلظاً وفي نسخة "فصل يحرم انتهار الوالد الخ" ولفظ تحريم يدل على أنه من الكبائر وتقديم الوالد في الذكر لأنه أشرف ولذا قدم في الفطرة الملحوظ فيها تقديم الأشرف وكذا في الحج بعد الموت وقوله تحريماً منصوب على المفعولية المطلقة بالمصدر قبله فهو من باب أن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً. قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس ﵄ أي أمر ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أن مفسرة قال أبو البقاء ويجوز أن تكون في موضع نصب أي الزم ربك عبادته ولا زائدة اهـ. قال أبو حيان وهو وهم بدخول إلا على مفعول تعبدوا فلزم أن يكون منفياً أو منهياً ولا تعبدوا نهي وإحساناً مصدر بمعنى الأمر عطف ما معناه أمر على نهي كما في قوله: يقولون لا تهلك أسى وتحمل وقد اعتنى تعالى بالأمر بالإحسان إلى الوالدين حيث قرنه بقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وبتقديمهما اعتناء بهما على قوله إحساناً ومناسبة اقتران بر الوالدين بإفراد الله تعالى بالعبادة من حيث إنه تعالى هو الموجد حقيقة والوالدان وساطة في إنشائه وهو تعالى المنعم بإيجاده ورزقه وهما ساعيان في مصالحه. وقوله: (إما يبلغن) قال في الكشاف إما هي أن الشرطية زيدت عليها ما توكيداً لها ويبلغن فعل الشرط وعندك متعلق به وأحدهما فاعل يبلغن أو كلاهما معطوف على أحد وقريء يبلغان فالألف للتثنية والفاء في ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾) جواب الشرط وأحدهما على هذا بدل من الضمير، أو كلاهما، وفي هذه المراءة الثانية كلام لصاحب الكشاف في توجيه الإعراب المذكور ولابن عطية فيها كلام بعضه معترض وقد بينه في النهر، وأف اسم فعل بمعنى أتضجر ولم يأت اسم فعل بمعنى المضارع إلا قليلاً وإذا نهى أن يستقبلهما

стр. 2477

وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] الآية. ــ بهذه اللفظة الدالة على الضجر والتبرم بهما فالنهي عما هو أشد كالشتم والضرب هو بجهة الأولى وفي أف لغات نظمها الجلال السيوطي وأوردها في قلائد الفوائد فقال: أف لغات خير ثم ثلث ... مبتداه مشدد أو مخفف وبتنوينه وبالترك أفي ... لا ممالا وبالإمالة مضعف وبكسر ابتدا وأفي مثلث ... وزد الها في أف أطلق لا أف ثم مد بكسر أف وأف .... ثم أفوه أحفظ ودع ما يزيف ولما نهى تعالى أن يقول لهما ما مدلوله الضجر منه ارتقى إلى ما هو من جهة الوضع أشد من أف وهو نهرهما وإن كان النهي عن نهرهما اشتمل عليه النهي عن قول أف أي لأنه إذا نهى عن الأدنى كان ذلك نهياً عن الأعلى بجهة الأولى والمعنى لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك ﴿وَقُلْ لَهُمَا﴾ بدل قول أف ونهرهما ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي جامعاً للمحاسن من المبرة وجودة اللفظ ثم أمر تعالى بالمبالغة في التواضع معهما بقوله ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال القفال في تقريره وجهان أحدهما أن الطائر إذا ضم فرخه للتربية خفض له جناحه فخفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه اهـ. ثم أمره تعالى أن يدعو الله لهما بأن يرحمهما برحمته الباقية إذ رحمته لا فناء لها ثم نبه على العلة الموجبة للإحسان إليهما والبر بهما واسترحام الله تعالى لهما بتربيتهما له صغيراً وتلك الحالة مما تزيده إشفاقاً لهما ورحمة إذ هي تذكير لهما بحالة إحسانهما له وقت أن لا يقدر بالإحسان لنفسه والظاهر أن الكاف في كما للتعليل أي رب ارحمهما

стр. 2478

وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرّجُلِ وَالِدَيْهِ، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نَعَمْ، يَسُبُّ أبَا الرّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أمَّهُ". وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: "كان تحتي امرأة وكنتُ أُحِبُّها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلِّقْها، فأَبَيْتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : طلِّقْها"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ــ لتربيتهما لي وإحسانهما إلى حالة الصغر والافتقار كذا في النهر. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال في الترغيب ورواه أبو داود والترمذي أي كلهم من حديث ابن عمرو بن العاص قال وفي رواية للبخاري ومسلم أن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه. قوله: (من أكبر الكبائر) أي لأنه من أبلغ العقوق الذي هو من الكبائر. قوله: (أن يلعن الرجل والديه) هذا من الإسناد المجازي لأنه سبب للعن والديه وإذا نهي عن التسبب للعنهما أو لعن أحدهما أو سبه فالنهي عن مباشرة ذلك بالأولى. قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي) في الترغيب ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم بتقديم وتأخير وقال صحيح الإسناد. قوله: (فقال النبي ﷺ طلقها) أخذ منه الخطابي أن المراد من قوله ﷺ : أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق أسباب الطلاق من سوء العشرة وأما الطلاق فمباح وقد وقع منه ﷺ فعله وثبت أنه أمر به ابن عمر ولا يأمر بالمبغوض إلى الله تعالى اهـ. ورأيت منقولاً عن صحيح ابن حبان يستحب أن يطيع أباه في طلاق زوجته إلا إذا كان في الطلاق قطيعة رحم أو علم من نفسه أنه لا يصبر عنها اهـ.

стр. 2479

باب النهي عن الكذب وبيان أقسامه قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنَّة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذُّنوب وفواحش العيوب. وإجماعُ الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمُّ بيان ما يستثنى منه، والتنبيه على دقائقه، ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته. وهو ما رويناه في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ". وروينا في "صحيحيهما" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أربَعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ ــ باب النهي عن الكذب وبيان أقسامه قوله: (في الجملة) أي فلا يرد جواز بل وجوب بعض الكذب كما سيأتي. قوله: (وهو من أقبح القبائح) أي وإن تفاوتت رتب الأقبحية بتفاوت الأثر المترتب على الكذب فإن كان فيه حد أو كان كذباً على الأنبياء أو أحدهم أو يترتب عليه ضرر فهو كبيرة وإلا فصغيرة وصرح الروياني بأنه كبيرة مطلقاً وإن لم يضر فقال من كذب قصداً ردت شهادته وإن لم يضر بغيره لأن الكذب حرام بكل حال وروي فيه حديثاً قال ابن حجر في الزواجر وظاهر الأحاديث أو صريحها يوافقه وكان وجه عدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر النّاس به فكان كالغيبة على ما من فيها عن جماعة وقال الأذرعي قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة. قوله: (وهو ما رويناه في صحيحهما) سبق الكلام على تخريج الحديث وما يتعلق به في باب الوفاء بالوعد. قوله: (وروينا في صحيحيهما) قال في الجامع الصغير ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. قوله: (أربع) أي خصال أربع أو أربع من خصال فأربع مبتدأ جاز الابتداء به لما ذكر والجملة الشرطية خبر عن

стр. 2480

كانَ مُنافِقاً خالِصاً، وَمَنْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤتُمِنَ خَانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ" وفي رواية مسلم "إذا وعد أخلف" بدل "وإذا اؤتمن خان". وأما المستثنى منه. فقد روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أم كلثوم ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ــ المبتدأ. قوله: (كان منافقاً خالصاً) أي نفاق عمل أو أن المرء إذا اعتيد ذلك خشي أن يجره إلى النفاق الحقيقي والعياذ بالله فالمعاصي بريد الكفر. قوله: (وأما المستثنى منه) أي من تحريمه وإلا فهو من جملة أفراد الكذب إذ هو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع لكن لترتب المصلحة على ذلك جاز تارة ووجب أخرى. قوله: (فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي كلهم من حديث شداد بن أوس كذا في الجامع الصغير. قوله: (عن أم كلثوم) هو بضم الكاف كما صرح به في المعنى وفي نسخة بفتحها وفي القاموس أم كلثوم كزنبور اهـ. وهي بنت عقبة بن أبي معيط القرشية الأموية أخت عثمان بن عفان لأمه أسلمت قديماً وهاجرت سنة سبع ويقال إنها أول قرشية بايعت النبي ﷺ تزوجها زيد بن حارثة واستشهد يوم مؤتة ثم الزبير بن العوام وطلقها ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فمات عنها ثم تزوجها عمرو بن العاص فماتت عنه قيل أقامت عنده شهراً ثم ماتت وهي أم حميد وإبراهيم بن عبد الرحمن التابعي المشهور خرج حديثها الستة غير ابن ماجه وليس لها في الصحيحين غير هذا الحديث روى عنها أبناؤها إبراهيم وحميد وبسرة بن صفوان ماتت في خلافة علي ﵁. قوله: (ليس الكذاب الذي يصلح بين النّاس) معناه ليس الكذاب المذموم من يفعل ما يأتي بل وهذا محسن فالكذاب مرفوع اسم ليس وفي نسخة بالنصب على أنه خبر لها مقدم قيل وهو أظهر رواية لأنه المحكوم به والظاهر أن الفعال هنا للنسبة كلبان وتمار أي ذو كذب كما قيل به في قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي بذي

стр. 2481

فَيَنْمِي خَيراً أو يَقُولُ خَيْراً" هذا القدر في "صحيحيهما". وزاد مسلم في رواية له "قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقول النّاس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين النّاس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها" فهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماء ما يباح منه. وأحسن ما رأيته في ضبطه، ما ذكره الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀ فقال: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمودٍ يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذب فيه حرام، لعدم الحاجة إليه، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب، ولم يمكن بالصدق، ــ ظلم إذ لا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل والمعنى من كذب للإصلاح بين النّاس ليس كاذباً مذموماً. قوله: (فينمي خيراً أو يقول خيراً) أي يقول قولاً متضمناً للخير دون الشر كأن يقول للإصلاح بين زيد وعمرو يا عمرو يسلم عليك زيد ويمدحك ويقول: أنا أحبه ويجيء إلى زيد ويقول له كما قال لعمرو قال في النهاية يقال نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد هكذا قال أبو عبيدة وابن قتيبة وغيرهما من العلماء قلت فقوله خيراً أي حديث خير للتأكيد أو على إرادة التجريد وقال الحربي مشددة وأكثر المحدثين يقولونها مخففة وهذا لا يجوز ورسول الله ﷺ لم يكن يلحن ومن خفف لزمه أن يقول خير بالرفع وهذا ليس بشيء فإنه ينتصب بنمى كما ينتصب بقال وكلاهما على زعمه لازمان وإنما نمى متعد يقال نميت الحديث أي رفعته وأبلغته اهـ. وفي القاموس نما ينمو نمواً زاد كنمى ينمى نمياً ونمى والحديث ارتفع ونميته ونميته رفعته وعزوته وأنماه أذاعه على وجه النميمة. قوله: (ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول النَّاس إلا في ثلاث الخ) قال القاضي عياض لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور واختلف في المراد بالكذب المباح فيها ما هو فقالت طائفة هو على إطلاقه وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة

стр. 2482

فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجب إن كان المقصود واجباً، فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه، وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعةٌ، وسأل عنها ظالم يريد أخذها، وجب عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبره بوديعة عنده فأخذها الظالم قهراً، وجب ضمانها على المودَع ــ وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله إنها أختي وقول منادي يوسف ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] قالوا لا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أي هو قال آخرون منهم الطبري لا يجوز الكذب في شيء أصلاً قالوا وما جاء من الإباحة في هذا فالمراد التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها وينوي إن قدر الله تعالى كذلك وحاصله أنه يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك ووري وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه مات إمامكم الأعظم وينوي إمامهم في الأزمان الماضية ونحوه من المعاريض المباحة فهذا جائز وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء على هذا من المعاريض وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك فأما المخادعة في منع حق عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين اهـ. قال ابن حجر في الزواجر الذي يتجه عدم وجوب التورية لأن العذر المجوز للكذب مجوز لترك التورية لما فيها من الحرج ثم رأيت الغزالي صرح بذلك بقوله والأحسن أن يوري. قوله: (فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً) أي كالصلح بين اثنين أو رجل وامرأته. قوله: (وواجب إن كان المقصود واجباً) كالمثال الذي ذكره في قوله وإذا اختفى مسلم من ظالم أي يريد قتله وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه لوجوب عصمة دم المعصوم. قوله: (وجب ضمانها على المودع) بفتح الدال اسم

стр. 2483

المخبر، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف ويورِّي في يمينه، فإن حلف ولم يورّ، حنث على الأصح، وقيل: لا يحنث، وكذلك لو كان مقصود حرب، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا يحصل إلا بكذب، فالكذب ليس بحرام، وهذا إذا لم يحصل الغرض إلا بالكذب، والاحتياط في هذا كلِّه أن يورّيَ، ومعنى التورية: أن يقصد ــ مفعول (المخبر) بكسر الموحدة اسم فاعل وذلك لأنه عرضها للتلف فضمنها، في شرح الروض وإن أعلم بها هو لا غيره من يصادر الملك وعين له موضعها فضاعت بذلك ضمن لمنافاته للحفظ بخلاف ما إذا أعلمه بها غيره لأنه لم يلزم حفظها وبخلاف ما إذا ضاعت بغير ذلك أو به ولم يعين موضعها وقضية كلامه كأصله أنه يضمن ولو أعلمه بها كرهاً لكن نقل الماوردي عن مذهب الشافعي أنه لا يضمن حينئذ كالمحرم إذا دل على صيد لم يضمنه تقديماً للمباشرة وقال غيره يضمن لأنه بالدلالة مضيع لها قال السبكي وهذا يجب القطع به لليد والتزام الحفظ بخلاف المحرم وقال الزركشي الظاهر أن مراد السبكي أن لا يكون قرار الضمان عليه لا أن لا يكون ضامناً أصلاً قال في الاستقصاء لو أكره حتى دل عليها فهو على الوجهين اهـ. قوله: (ولو استحلفه عليه لزمه أن يحلف) ولذا أطلق الغزالي وجوب حلفه كاذباً لأن الكذب ليس محرماً لعينه قال ابن حجر في الزواجر هذا ضعيف والأصح عدم وجوبه بل له ذلك وله تركه وفي شرح الروض قال الأذرعي يتجه وجوب الحلف إذا كانت الوديعة رقيقاً والظالم يريد قتله أو الفجور به. قوله: (ويوري في يمينه) أي وجوباً إذا أمكنته التورية وكان يعرفها لئلا يحلف كاذباً وذلك بأن ينوي بقوله ما له عندي حق أي متعلقاً بالبدن أو لازماً لذمتي ونحو ذلك. قوله: (فإن حلف ولم يور حنث في الأصح) أي لأنه كاذب فيها وعليه أن يكفر لذلك. قوله: (والتورية أن يقصد الخ) هو قريب من قول علماء البلاغة إطلاق لفظ له معنيان قريب وبعيد وإرادة البعيد منهما. قوله:

стр. 2484

بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ. ولو لم يقصد هذا، بل أطلق عبارة الكذب، فليس بحرام في هذا الموضع. قال أبو حامد الغزالي: وكذلك كل ما ارتبط به غرض مقصود صحيح له أو لغيره، فالذي له، مثل أن يأخذه ظالم، ويسأله عن ماله ليأخذه، فله أن ينكره، أو يسأله السلطان عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها، فله أن ينكرها ويقول: ما زنيت، أو ما شربت مثلاً. وقد اشتهرت الأحاديث بتلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار. وأما غرض غيره، فمثل أن يسأل عن سرِّ أخيه فينكره ونحو ذلك، وينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضرراً فله الكذب، ــ (مقصوداً صحيحاً) أي في نفس الأمر تدل عليه العبارة إلا أنه بعيد من ظاهرها. قوله: (بالنسبة إليه) أي مقصوده. قوله: (وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ) أي باعتبار معناه القريب. قوله: (فليس بحرام) أي لرجحان المصلحة المترتبة عليه على وصمة الكذب (وكذلك كل ما ارتبط به غرض مقصود) أو من شأنه أن يقصد صحيح أو جائز شرعاً. قوله: (ويقول ما زنيت) ستراً على نفسه. قوله: (وقد اشتهرت الأحاديث بتلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار) كقوله في الخبر الصحيح لماعز لعلك لمست لعلك قبلت ففيه جواز الكذب بذلك ستراً على نفسه ثم تلقين مصدر مضاف لمفعوله الأول والرجوع مفعوله الثاني. قوله: (عن سر أخيه) أي ما أسره وأخفاه أخوه مما يترتب على إذاعته ضرر. قوله: (فإن كانت المفسدة في الصدق) أي بسبب الصدق ففي بمعنى الباء ويصح إبقاؤها على معنى الظرفية إلا أنها ظرفية مجازية كالنجاة في الصدق أي باعتبار الغالب فلا ينافي ما ذكر من كون مفسدته أشد ضرراً من مفسدة الكذب. قوله: (فله الكذب) أي جائز والمراد من الجواز عدم الامتناع فيشمل وجوبه تارة وإباحته

стр. 2485

وإن كان عكسه، أو شك، حرم عليه الكذب، ومتى جاز الكذب، فإن كان المبيح غرضاً يتعلق بنفسه، فيستحب أن لا يكذب، ومتى كان متعلقاً بغيره، لم تجز المسامحة بحق غيره، والحزم في كل موضع أبيح، إلا إذا كان واجباً. واعلم أن مذهب أهل السُّنَّة أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء تعمدتَ ذلك أم جهلتَه، لكن لا يأثم في الجهل، وإنما يأثم في العمد. ودليل أصحابنا تقييد النبي ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَؤَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ". ــ أخرى. قوله: (وإن كان عكسه أو شك حرم عليه الكذب) بقي ما إذا تساوت مفسدتا الكذب والصدق ومصلحتاهما. قوله: (فيستحب له أن لا يكذب) أي وإن كان فاته بالصدق بعض المصالح. قوله: (لم تجز المسامحة) أي فيحرم الصدق حينئذٍ أي إن كان يترتب عليه إضرار بالغير. قوله: (والحزم) أي الجد الذي ينبغي التمسك به. قوله: (في كل موضع أبيح) بأن ترتب على الكذب مصلحة تعود عليه من غير ضرر بأحد كالكذب لإرضاء الزوجة كما تقدم فالحزم أن يترك الكذب حينئذٍ ويتكلم بالصدق والله المعين. قوله: (واعلم أن مذهب أهل السنة) قال في شرح مسلم إنه مذهب المتكلمين من أصحابنا قال وهو مذهب أهل السنة وقالت المعتزلة شرطه العمل به فعلى مذهب أهل السنة من أخبر بشيء على خلاف ما هو عليه وهو يظنه كذلك فهو كاذب وليس بآثم فيتقيد كون الكذب صغيرة أو كبيرة بالعلم. قوله: (لا يأثم في الجهل) بالإجماع والنصوص المتظاهرة من الكتاب والسنة ومثله الغلط والنسيان. قوله: (ودليل أصحابنا الخ) قال في شرح مسلم فإنه قيده بالعمل لكونه في يكون الغلط عمداً وقد يكون سهواً مع أن الإجماع والنصوص المتظاهرة من الكتاب والسنة على أنه لا إثم على الناسي وألفاظ اهـ. قوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) هذا الحديث رواه أحمد والشيخان والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث أنس ورواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي

стр. 2486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابن ماجه من حديث النربير ورواه مسلم من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من حديث علي ورواه أحمد وابن ماجه من حديث جابر وأبي سعيد ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود ورواه أحمد والحاكم في المستدرك من حديث خالد بن عرفطة ومن حديث زيد بن أرقم ورواه أحمد من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث عقبة بن عامر ومن حديث معاوية بن أبي سفيان ورواه الطبراني في الكبير من حديث السائب بن يزيد ومن حديث سلمان بن خالد الخزاعي ومن حديث صهيب ومن حديث طارق بن أشيم ومن حديث طلحة بن عبيد الله ومن حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر ومن حديث عتبة بن غزوان ومن حديث العرس بن عميرة ومن حديث عمار بن ياسر ومن حديث عمران بن حصين ومن حديث عمرو بن حريث ومن حديث عمرو بن عبسة ومن حديث عمرو بن مرة الجهني ومن حديث المغيرة بن شعبة ومن حديث يعلى بن مرة ومن حديث أبي عبيدة بن الجراح ومن حديث أبي موسى الأشعري ورواه الطبراني في الأوسط من حديث البراء ومن حديث معاذ بن جبل ومن حديث نبيط بن شريط ومن حديث أبي ميمون ورواه الدارقطني في الأفراد من حديث أبي رمثة ومن حديث ابن الزبير ومن حديث أبي رافع ومن حديث أم أيمن ورواه الخطيب من حديث سلمان الفارسي ومن حديث أبي أمامة ورواه ابن عساكر من حديث رافع بن خديج ومن حديث يزيد بن أسود ومن حديث عائشة ورواه ابن صاعد في طرقه من حديث أبي بكر الصديق ومن حديث عمر بن الخطاب ومن حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث حذيفة بن أسيد ومن حديث حذيفة بن اليمان ورواه أبو مسعود بن الفرات في جزئه من حديث عثمان بن عفان ورواه البزار من حديث سعيد بن وزيد ورواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أسامة بن زيد

стр. 2487

باب الحث على التثبت فيما يحكيه الإنسان والنهي عن التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن صحته قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. وروينا في "صحيح مسلم" عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بكُل مَا سَمِعَ" ــ ومن حديث بريدة ومن حديث سفينة ومن حديث أبي قتادة ورواه أبو نعيم في المعرفة من حديث جندع بن عمرو ومن حديث سعد بن المدحاس ومن حديث عبد الله بن زغب ورواه ابن قانع من حديث عبد الله بن أبي أوفى ورواه الحاكم في المدخل من حديث عفان بن حبيب ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث عتبة ابن غزوان ومن حديث ابن أبي كبشة ورواه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات عن أبي ذر وعن أبي موسى الغافقي، ذكره في الجامع الصغير، ثم الكذب على النبي ﷺ مع التعمد من الكبائر ومثله سائر الأنبياء وقال أبو محمد الجويني الكذب عليه ﷺ كفر وهو هفوة إن لم يحمل على المستحل مع علم الحرمة والله أعلم. باب الحث على التثبت فيما يحكيه الإنسان والنهي عن التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن صحته تقدم الكلام على الآية الأولى في باب وعلى الثانية والثالثة في أول كتاب حفظ اللسان. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) ورواه أبو داود في سننه أيضاً متصلاً ومرسلاً قال في المرقاة في كتاب الأسماء ورواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع. قوله: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) الباء زائدة في المفعمول وكذباً منصوب على التمييز وأن يحدث مؤول بالتحديث

стр. 2488

ورواه مسلم من طريقين: أحدهما هكذا، والثاني عن حفص بن عاصم عن النبي ﷺ مرسلاً لم يذكر أبا هريرة، فتقدَّم رواية من أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه أهل الفقه والأصول، والمحققون من المحدِّثين، أن الحديث إذا روي من طريقين، أحدهما مرسل، والآخر متصل، قدم المتصل، وحكم بصحة الحديث، وجاز الاحتجاج به في كل شيء من الأحكام وغيرها، والله أعلم. ــ فاعل كفى أي كفى المرء من حديث الكذب تحديثه بكل ما سمعه. وذلك لأنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط التعمد فيه لكن التعمد شرط في كونه إثماً فيكره الحديث بكل ما سمع لذلك فإن قلت جاء في رواية أخرى كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع وهو يقتضي حرمة ذلك فكيف قالوا بكراهيته قلت المعنى أن كل من حدث بكل ما سمع وقع في الكذب وهو لا يشعر فعبر عن الكذب بالإثم تجوزاً لكونه ملازماً له غالباً وقرينة التجوز ما عرف من القواعد أن لا إثم في الكذب إلا مع التعمد. قوله: (رواه مسلم) هذا تفصيل للإجمال في قوله أولاً وروينا في صحيح مسلم فليس تكراراً. قوله: (هكذا) أي متصلاً مذكوراً فيه الصحابي، رواه مسلم هكذا عن علي بن حفصة عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن علي بن عاصم عن أبي هريرة. قوله: (والثاني عن حفص بن عاصم مرسلاً) رواه مسلم وكذا من رواية معالم ابن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن شعبة عن خبيب عن علي بن عاصم وكذا رواه غندر عن شعبة فأرسله قال الدارقطني الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ بن مهدي وغندر قال المصنف وقد رواه أبو داود في سننه أيضاً مرسلاً ومتصلاً فرواه مرسلاً عن حفص بن عمر النميري عن شعبة ورواه

стр. 2489

وروينا في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدِّث بكل ما سمع". وروينا في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله، والآثار في هذا الباب كثيرة. وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود أو حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئْسَ مَطِيَّةُ الرّجُلِ زَعَمُوا" قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما روينا عنه في "معالم السنن": أصل هذا الحديث أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة والسير إلى بلد، ركب مطية، ولعمار حتى يبلغ حاجته، فشبَّه النبي ﷺ ما يقدم الرجلُ أمام كلامه ويتوصلُ به إلى حاجته من قولهم "زعموا" بالمطية، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت، إنما هو شيء يحكى على ــ متصلاً عن علي بن حفص عن شعبة اهـ. والحاصل أن الدارقطني رجح بالكثرة والقوة والمصنف نظر إلى قبول زيادة الثقة مطلقاً فقدم المتصل على المرسل وعليه الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث وقد أفصح المصنف بهذا الذي ذكرناه من الباء فقال: ولا يضر كونه روي مرسلاً فإن الوصل زيادة ثقة وهي مقبولة اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) أي موقوفاً على عمر. قوله: (بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع) الباء فيه زائدة وهو مبتدأ وأن يحدث خبره أي يكفيه من خلال الكذب تحديثه بكل ما سمع. قوله: (والآثار في ذلك كثيرة) فروى مسلم عن عبد الله يعني ابن مسعود قال بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله وروينا في صحيح مسلم عن عبد الله الخ وكذا روى مسلم عن مالك بن أنس اعلم أنه ليس بسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع وجاء عن غيره بنحوه. قوله: (وروينا في سنن أبي داود) ورواه الإِمام أحمد وأبو داود عن حذيفة أي من غير شك.

стр. 2490

سبيل البلاغ، فذم النبي ﷺ من الحديث ما هذا سبيله، وأمر بالتوثُّق فيما يحكيه والتثبُّت فيه، فلا يرويه حتى يكونَ معزوّاً إلى ثبت. هذا كلام الخطابي، والله أعلم. باب التعريض والتورية اعلم أن هذا الباب من أهم الأبواب، فإنه مما يكثر استعماله وتعمُّ به البلوى، فينبغي لنا أن نعتنيَ بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأمَّله ويعملَ به، وقد قدمنا ما في الكذب من التحريم الغليظ، وما في إطلاق اللسان من الخطر، وهذا البابُ طريق إلى السلامة من ذلك. واعلم أن التورية والتعريض معناهما: أن تطلق لفظاً هو ظاهر في معنى، وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره، وهذا ضرب من التغرير والخداع. قال العلماء: فإن دعت إلى ذلك مصلحة شرعية راجحة على ــ قوله: (فذم النبي ﷺ الخ) قال بعضهم ففي الحديث مبالغة في الاجتناب من إخبار النّاس كيلا يقع في الكذب لأن الرجل إذا كان مذموماً مع قوله زعموا أن الأمر كذا وكذا حيث أسند إلى النّاس ولم يجعله إنشاء من تلقاء نفسه ولا جزم به بل عبر بالزعم الذي هو بمعنى الادعاء والافتراء فكيف لا يكون مذموماً إذا أسند إليهم القول على وجه التحقيق أو نسب إلى نفسه من غير إسناد إلى من سمعه منه أو كذب عليه ﷺ والحاصل من الحديث أنه ينبغي تبديل هذه اللفظة وهذه الإضافة فأما أن يحقق الكلام فينسبه إلى قائله أو يسكت كما قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت اهـ. ورواه. باب التعريض والتورية قوله: (ويريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ) فإن كان ذلك المعنى مما وضع له اللفظ إلا أنه بعيد الفهم منه فتورية وإن لم يكن كذلك فتعريض وتقدم الفرق بين الكناية
следующие страницы →