← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

فمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ ــ الخ وقيل لا يقال فيه واحد منهما لأنه ﷺ جعله قسيماً لهما قال القرطبي والصواب الأول وقال المصنف والظاهر أن هذا الخلاف مخرج على الخلاف المعروف في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة أقوال أصحها ألا يحكم فيها بحل ولا غيره لأن التكليف عند أهل الحق إنما يثبت بالشرع قال القرطبي دليل الحل أن الشرع أخرجها من قسم الحرام وأشار إلى أن الورع تركها بقوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ومن عبر بأنها حلال يتورع عنها أراد بالحلال مطلق الجائز الشامل للمكروه بدليل قوله يتورع عنها إذ المباح المستوي الطرفين لا يتصور فيه ورع ما داما مستويين بخلاف ما إذا ترجح أحدهما فإنه إن كان الراجح الترك كره كله أو الفعل ندب والصحابة لم يزهدوا في مباح مستوي الطرفين وزهدهم في التنعم في الدنيا زهد في مترجح الترك شرعاً وهذه حقيقة المكروه لكنه تارة يكرهه الشرع لذاته كأكل متروك التسمية عندنا وتارة لخوف مفسدة تترتب عليه كالقبلة لصائم لم تحرك شهوته وترك التنعم من هذا القبيل لأنه يترتب عليه مفاسد حالية كالركون إلى الدنيا ومآلية كالحساب عليه في الآخرة وعدم القيام بشكره والدليل على أن ترك الشبهة ورع قوله ﷺ لمن تزوج امرأة فقالت سوداء أنا قد أرضعتكما: أليس وقد قيل. دعها عنك، فهذا الإفتاء تحرز من الشبهة وحث على الأحوط خوفاً من الوقوع في فرج محرم بتقدير صدق المرضعة لا تحريم صرف للإجماع على عدم كفاية شهادة امرأة واحدة في مثل ذلك ويؤخذ من هذا أنه ينبغي للمفتي أن يجيب بالاحتياط في النوازل المحتملة للحل والحرمة لاشتباه أسبابهما عليه وإن علم حكمها يقيناً باعتبار ظاهر الشرع وفي هذه الجملة أي قوله لا يعلمهن الخ التنويه بشأن علماء الإسلام المتشرفين بحوز هذا المقام حشرنا الله في زمرتهم. قوله: (فمن اتقى الشبهات) اتقى بمعنى ترك من التقوى وهي لغة جعل النفس في وقاية مما يخاف وشرعاً حفظ النفس عن الآثام وما يجر إليها وهي في عرف الصوفية التبري مما سوى الله تعالى بالمعنى المعروف المقرر عندهم وعدل إلى "اتقي" عن "ترك" المرادف

стр. 2627

اسْتَبْرأ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، ــ هنا ليفيد أن تركها إنما يعتد به في استبراء ما يأتي إن خلا عن نحو رياء وإن صحبه قصد براءة أحدهما فقط وفي التعبير بالشبهات إيقاع الظاهر موقع المضمر تفخيماً لشأن اجتناب الشبهات إذ هي المشتبهات بعينها والشبهة ما يخيل للناظر أنه حجة وليس كذلك وأريد بها هنا ما مر في تعريف المشتبه. قوله: (فقد استبرأ) بالهمز وقد تخفف أي طلب البراءة (لدينه) من الذم الشرعي وحصلها له كاستبرأ من البول حصل البراءة منه (وعرضه) بصونه عن كلام النّاس فيه بما يشينه ويعيبه فهو هنا كالحسب ما يعده الإنسان من مفاخره ومفاخر آبائه وصونه عن الشين والعيب من أهم ما يعتني به ذوو المروءات والهمم وقيل النفس لأنها التي يتوجه إليها الذم والمدح من الإنسان وفسره بعضهم بما يعمهما فقال هو موضع السب والذم والمدح من الإنسان وذلك إما في نفسه أو سلفه أو أهله وحينئذٍ يسلم من العذاب والذم والعيب على كل تقدير ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله وثوابه وثناء رسوله وخلقه وروى الترمذي لا يبلغ أحد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس وجاء في الأثر من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن وورد مرفوعاً من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم وفي عطف العرض على الدين دليل على أن طلب براءته مطلوب وممدوح كطلب براءة الدين ومن ثم ورد ما وقى به العرض فهو صدقة له وعلى طلب نزاهته مما يظنه النّاس شبهة ولو ممن علم عدمها في نفس الأمر قال بعض السلف إياك وما يعتذر منه وإن كنت أعددت له جواباً ولاستحالة اتقاء ما لا يعرف كان اتقاء الشبهات يستدعي تفاصيلها بذكر جمل منها وهي أن الشيء إن لم يتنازعه دليلان فهو حلال بين أو حرام بين وإن تنازعه سبباهما فإن كان سبب التحريم مجرد توهم وتقدير لا مستند له كمسألة الصيد السابقة لذلك الاحتمال وترك استعمال ماء بمجرد احتمال وقوع نجاسة فيه ألغى ولم يلتفت إليه بحال لأن ذلك التجويز هوس فالورع فيه وسوسة شيطانية إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء وليس من هذا ما ورد أنه ﷺ -

стр. 2628

وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ــ تنزه عن تمرة ساقطة في بيته وقال: "لولا أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" لأن احتمال كونها من الصدقة غير بعيد لإتيانهم بالصدقات التمر للمسجد وحجرته ملتصقة به فخشي انتثار تمرة منه إلى حجرته أو إن نحو صبي دخل بها فهو احتمال قريب فتورع نظراً له وإن كان لسببه نوع قوة فالورع مراعاته كما في قصة المرضعة وإن تكافأ السببان تأكد الورع ولم يجب التوقف فيه إلى الترجيح خلافاً لبعضهم لأن الأصل الحل فاندفع قوله الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكم بغير دليل فيحرم إذ لا دليل مع التعارض ولعل من حرم مواقعة الشبهة أراد هذا النوع ومن كرهها أراد الذي قبله اهـ. قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي كان بصدد الوقوع فيه لأن من أكثر تعاطيها ربما صادف الحرام المحض وإن لم يتعمده وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير ولأن من سهل على نفسه ارتكاب الشبهات أوصله الحال تدرجاً إلى ارتكاب المحرمات المقطوع بحرمتها ومن ثم قيل الصغيرة تجر إلى الكبيرة وهي تجر للكفر وهو معنى قول السلف -وقيل هو حديث- المعاصي بريد الكفر، ويؤيد ذلك بقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ورواية الصحيحين في هذا الحديث ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان أي الحرام الذي ظهر وبرواية غيرهما ومن يخالط الريبة يوشك أن يجسر على الحرام المحض والجسور المقدام الذي لا يهاب شيئاً ولا يراقب أحداً وفي بعض المراسيل من يرعى بجانب الحرام يوشك أن يخالطه ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن يخالط الكبائر. قوله: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) هذا منه ﷺ ضرب مثل للتنفير عن الشبهات حذراً من محارم الله وفيه أحسن التنبيه وآكد التحذير وأصله إن ملوك العرب كانوا يحمون لمواشيهم ويتوعدون من دخلها بالعقوبة فكان يبعد عنها النّاس خوفاً من تلك العقوبة والراعي في الأصل الحافظ لغيره ومن ثم

стр. 2629

ألا وَإنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، ألا وَإنَّ حِمَى اللهِ تَعالى مَحَارِمُهُ، ــ قيل للوالي راع وللعامة رعية ثم خص عرفاً بحافظ الحيوان كما هنا، والحمى بكسر الحاء والقصر مصدر واقع موقع اسم المفعول أي المحمي وحمى الملك محميه أي ما يحجره لماشية ونحوها، ويوشك بضم التحتية مضارع أوشك من أفعال المقاربة ومعناه أسرع وعملها عمل كان والغالب اقتران خبرها بإن كما في الحديث وقال الشاعر: أبا مالك لا تسأل النّاس والتمس ... يكفيك فضل الله فالفضل أوسع ولو سئل النّاس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا والمعنى بقوله يوشك أن يرتع فيه يسرع أن يصل ماشيته إلى الحمى فيرتع فيه فيعاقب ويرتع بفتح الفوقية فيه وفي الماضي من الرتع وأصله الإقامة والتبسط في الأكل والشرب فكما أن الراعي الخائف من عقوبة الملك يبعد لأنه يلزم من القرب غلبة الوقوع وإن كثر حذره فيعاقب كذلك حمى الله تعالى أي محارمه التي حظرها لا ينبغي أن يقرب حماها فضلاً عنها لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحق العقوبة إنما ينبغي له تحري البعد عنها وعما يجر إليها من الشبهات ما أمكن حتى يسلم من ورطتها قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهى عن المقاربة حذراً من المواقعة ويؤخذ من الحديث الحث على التباعد عما يحذر منه أن يجر إلى مفسدة ولو كان فيه مصلحة تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح. قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه) أتى في هاتين الجملتين وفي الجملة التي بعدهما بحرف الاستفتاح لتنبيه السامع وإيقاظه لفهم ما بعدها وإنه مما ينبغي أن يصغي إليه ويفهمه ويعمل به لعظم موقعه وأكد أيضاً كل جملة منها بحرف التأكيد الذي هو إن المكسورة الهمزة المشددة النون تأكيداً للإشارة إلى أن اللائق بالسامع الإصغاء إلى هذا الكلام والعمل بما تضمنه والواو التي بعد حرف الاستفتاح في هذه الجمل عاطفة على مقدر والأصل في الأولى: هكذا إلا أن الأمر كما ذكر من سرعة وقوع من وقع في الشبهات في المحرم ومن رعى حول الحمى قارب الرتع فيه وإن لكل ملك الخ وفي الثانية: إلا أن الأمر كما ذكر من أن

стр. 2630

ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَح الجَسَدُ كلُّهُ، وإذَا فَسدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهي القَلْبُ" ــ لكل ملك حمى وإن الله محارمه وفي الثالثة: إلا أن الأمر كذلك أي من أن حمى الله محارمه وإن في الجسد الخ وقال الكازروني يحتمل أن يكون العطف على ألا لأنها في معنى انته ويحتمل أن الواو في المواضع الثلاثة هي للاستئناف قال وهو أولى والحاصل أن كل ملك من ملوك العرب له حمى يحميه عن النّاس ولتوعد من دخل فيه بالعقوبة الشديدة وقد حمى ﷺ حرم المدينة عن أن يقطع شجره أو يصاد صيده وحمى عمر ﵁ لإبل الصدقة أرضاً ترعى فيها وحمى الله محارمه أي المعاصي التي حرمها وهي الجناية على النفس والعرض والمال كالقتل والزنى والسرقة وتطلق المحارم على المنهيات مطابقة وعلى ترك المأمورات استلزاماً وإطلاق الأول أشهر وعلى كل تقدير فكل هذه حمى الله تعالى من دخلها بارتكابه شيئاً من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية ولا يدخل في شيء من الشبهات وفي هذا السياق منه ﷺ إقامة برهان عظيم على اجتناب الشبهات إذ حاصله أن الله ملك وكل ملك له حمى يخشى من قربانه لإيقاعه في أليم عذابه من قرب منه فالله له حمى يخشى منه كذلك وهذا قطعي المقدمتين والنتيجة فلا مساغ للتشكك فيه وفي ذلك أيضاً ضرب المثل بالمحسوس ليكون أشد تصوراً للنفس فيحملها على أن تتأدب مع الله تعالى كما تتأدب الرعايا مع ملوكهم. قوله: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) وجه مناسبة هذه الجملة لما قبلها قد يخفى وإظهارها أنه لما أفادت ما قبلها بطريق الإشارة التحذير من مواقعة المحرمات أرشد ﷺ في هذه إلى أن القلب هو العمدة فمن عالج إصلاحه حتى صلح بحيث لم يبق فيه داعية إلى المعاصي نجا وتباعد عن المحارم ومن لم يعالجه وأهمله حتى فسد تراكمت فيه دواعي المعاصي وأوقعته في المحارم ولا بد فهلك إلا أن يتداركه

стр. 2631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله برحمته والجسد والبدن والمضغة قطعة من اللحم وصلح بفتح اللام وضمها والفتح أشهر كذا أطلقه كثير وظاهره أنه لا فرق بين أن يصير سجية وإن لا، لكن قيد جمع الضم بما إذا صار سجية وكذا يقال في فسد وصلاحها بصلاح المعنى القائم بها الذي هو ملحظ التكليف ومن ثم كان الذي عليه الجمهور أن العقل في القلب كما يصرح به ترتب صلاح البدن ومن جملته الدماغ وفساده على صلاح القلب وفساده وقد عبر بالقلب عن العقل من تسمية الحال باسم المحل ومنه ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ووجه ترتب صلاح البدن على صلاحه وضده أنه مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك البدن حركة صالحة وإن صدرت عنه إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة وصلاح القلب سلامته من الأمراض الباطنة كالشح والحرص والكبر والحسد والغل والرياء والطمع والكفر وفساده بعروض تلك الأمراض له وتمكنها فيه حتى تصير له سجية، وبالجملة القلب كالملك والأعضاء كالرعية ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح ملكها ومن ثم قيل النّاس على دين ملوكهم وأفاد بعض علماء الباطن كما تقدم أن صلاح القلب في خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وخلو الباطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين ولا بد مع ذلك من أكل الحلال بل هو رأس هذه الأمور والأصل توفيق الله سبحانه الذي هو كما تقدم أول الكتاب خلق قدرة الطاعة وسيأتي له مزيد وقيل القلب كعين والبدن كمزرعة فإن عذب ماؤها عذب الزرع وإن ملح ملح وقيل هو كأرض والأعضاء كنبات والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً، والحاصل أن القلب محل الاعتقادات والعلوم والأفعال الاختيارية فلكونه محلاً لهذه الخصوصية الإلهية التي يدرك بها الكليات والجزئيات ويفرق بها بين الواجب والجائز والمستحيل امتاز به الإنسان عن بقية الحيوان لأنه وإن وجد لها شكله وقام بها ما تدرك به مصالحها ومنافعها وتميز به بين مفاسدها ومضارها إلا أن هذا إدراك جزئي طبيعي وشتان ما بينه وبين الإدراك الكلي العملي الاختياري ولهذا المعنى امتاز أيضاً عن بقية الأعضاء بكونه أشرفها ومن ثم كانت مسخرة مطيعة له فما استقر فيه ظهر عليها وعملت به إن خيراً فخير وإن شراً فشر فكان صلاحها بصلاحه وفسادها بفساده قال بعض أئمة التحقيق

стр. 2632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البدن كالمدينة والقلب كالملك والقوى الباطنة كصناع المدينة القائمين بما يحتاج إليه أهل المدينة والعقل كالوزير الناصح والأعضاء كالرعية والشهوة كطالب أرزاقها والغضب كصاحب الشرطة مكار خداع يتمثل في صورة ناصح ونصحه قاتل وشأنه دائماً منازعة الوزير واللسان كالترجمان والحواس الخمس كالجواسيس كل واحد منها قد وكل بعالم من العوالم فالبصر بعالم الألوان والسمع بعالم الأصوات والشم بعالم الروائح وكذا باقيها فهي أصحاب أخبار ومن ثم قيل هي كالحجاب توصل إليها ما تدركه وتعلمه لتحكم عليه وتتصرف فيه فهي آلات وخدم له وهي كما من معه كملك مع رعيته إن صلح صلحوا وإن فسد فسدوا ثم يعود صلاحهم وفسادهم إليه بزيادة المصالح أو المضار الراجعة منها ومن ثم لم يكن بين تبعيتها له أو تأثره بأعمالها تناف لما بينهما من تمام الملازمة وشدة الارتباط وقيل إن الحواس طاقات والنفس كملك في بيت له خمس طاقات يشاهد من كل طاقة ما لا يشاهده من الأخرى ورجح القول الأول قال بعضهم إذا كان صلاح القلب أعظم المصالح وفساده أشد المفاسد فلا بد من معرفة ما به صلاحه ليطلب وما به فساده ليتجنب فالذي به صلاحه علوم هي العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتصديق رسله فيما جاؤوا مع العلم بأحكامه ومراده منها والعلم بمساعي القلوب من خواطرها وهمومها ومحمود أوصافها ومذمومها وأعمال هي تحليه بمحمود تلك الأوصاف وتخليه عن مذمومها ومنازلته للمقامات وترقيه عن مفضول المنازلات إلى أسنى الحالات وأحوال هي مراقبة الله في السر والعلن وشهوده بحسب تهيئه واستعداده المشار إليه بقوله أن تعبد الله كأنك تراه الخ وتفصيل ذلك في تصانيف محققي الصوفية كالقوت والإحياء والرعاية فاطلبه فإنه مهم وتقدم قول بعض العارفين صلاح القلب في خمسة أشياء وإن لهذه الخمسة سادساً وهو أسها وأجلها وهو أكل الحلال إذ هو ينوره ويصلحه فتزكو به الجوارح فتندريء المفاسد وتنجلب المصالح وأكل الحرام والشبهات يظلمه ويصدئه ويقسيه فالاعتناء بالقوت من أعظم ما يعتني به طالب صلاح القلب وسنى الأحوال ومن لا فلا قال بعضهم وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة الخ" بعد قوله الحلال بين إشعاراً بأن أكل

стр. 2633

رويناه في "صحيحيهما". الرابع: عن ابن مسعود ﵁ قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ــ الحلال بنوره ويصلحه وأكل الشبهة والحرام يصدئه ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع حتى قال بعضهم شربت من ركوة جندي شربة فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحاً، ثم القلب لغة مشترك بين كوكب معروف والخالص واللب ومنه قلب النخلة بتثليث أوله ومصدر قلبت الشيء رددته على بدئه والإناء قلبته على وجهه والرجل عن رأيه صرفته عنه ثم نقل وسمي به تلك المضغة السابقة لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وفي الحديث إن القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح لكنهم التزموا فتح قافه فرقاً بينه وبين أصله ومن ثم قيل ينبغي للعاقل أن يحذر من سرعة انقلاب قلبه فإنه ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم. قوله: (رويناه في صحيحيهما) قال في مسند الفردوس بعد أن أورده بهذا اللفظ إلا أنه لم يذكر "إن" في أوله: رواه البخاري في الإيمان ومسلم في البيوع ورواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى الموصلي وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة وقد تقدم قول أبي داود كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث الخ وجعل غيره بدل حديث لا يؤمن أحدكم الخ حديث أزهد في الدنيا الخ وقال بعضهم هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة حسن غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره لوجدوه متضمناً لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها وإن أردت الوقوف على ذلك فأعد النظر فيما عقدنا من الجمل في الحلال والحرام والمتشابه وما يصلح القلب وما يفسده وتعلق أعمال الجوارح به والورع الذي هو أساس الخير ومنبع سائر الكمالات وحينئذٍ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلها أصولها وفروعها والله الموفق. قوله: (وهو الصادق المصدوق) الصادق أي في جميع ما يقوله إذ هو الحق الصدق المطابق للواقع المصدوق فيما يوحى إليه

стр. 2634

"إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ ــ لأن الملك يأتيه بالصدق والله يصدقه فيما وعده والجمع بينهما تأكيد إذ يلزم من أحدهما الآخر وعكس ذلك نحو ابن صياد فهو كاذب مكذوب ومن ثم لما قال للنبي ﷺ يأتيني صادق وكاذب وأرى عرشاً على الماء قال له خلط عليك. قوله: (إن أحدكم) بكسر الهمزة من إن حكاية للفظه ﷺ وأحد هنا بمعنى واحد أي فرد لا بمعنى أحد الذي للعموم لأن ذلك لا يستعمل إلا في نفي نحو لا أحد في الدار وأصله وحد قلبت واوه المفتوحة همزة على غير قياس. قوله: (يجمع خلقه) أي يضم ويحفظ مادة خلقه وهو الماء الذي يخلق منه الكائن أو حال كونه كائناً (في بطن) أي رحم (أمه أربعين يوماً) حال كونه (نطفة) وأربعين ظرف لنطفة والنطفة في الأصل الماء القليل سمي به المني لأنه ينطف نطفاً أي يسيل ومعنى جمعه في هذه المدة مكثه في الرحم قدر ذلك يتخمر حتى يتهيأ للخلق وقيل معناه ضم متفرقه فإن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوى الشهوانية الدافعة متفرقاً فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم في هذه المدة واستدل لذلك بأنه جاء في بعض طرق هذا الحديث عن ابن مسعود كما خرجه ابن أبي حاتم وغيره تفسير ذلك الجمع بأن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة كذلك ثم تصير دماً في الرحم فذلك جمعها وذلك وقت كونها علقة وجاء تفسير الجمع بمعنى آخر عند الطبراني وابن منده بسند على شرط الترمذي والنسائي أنه ﷺ قال: "إن الله إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل امرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها فإذا كان يوم السابع جمعه الله تعالى ثم أحضر كل عرق له دون آدم في أي صورة ما شاء ركبك" قيل ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ لمن قال له: "ولدت امرأتي غلاماً أسود لعله نزعه عرق وبعد تمام هذه الأربعين التي يجمع فيها أو في آخرها على ما تقرر من الخلاف يذر على النطفة من تربة ذلك المولود" كما قاله ابن العز الحجازي في شرح الأربعين

стр. 2635

عَلَقَةً مِثْلَ دْلِكَ، ثمّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ــ فيثخن ويصير (علقة) وهي قطعة دم لم تيبس. قوله: (مثل ذلك) منصوب صفة علقة والمشار إليه هنا وفيما يأتي بعده الزمن الذي هو أربعون يوماً (ثم) عقب هذه الأربعين الثانية ييبس ذلك الدم فيصير (مضغة) أي قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) أي أربعين يوماً صفة مضغة قال ابن العز وفي هذه الأربعين يصورها المولى سبحانه بالصورة التي تريدها ويجعل لها محل السمع والبصر والشم من الأذن والعين والأنف وغيرها من الأعضاء كاليدين والرجلين وباقي أجزاء البدن قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (ثم) بعد تمام الأربعين الثالثة (يرسل الملك) بالبناء للمجهول وفي نسخة يرسل الله الملك أي الموكل بالرحم فمعنى إرساله أمره بما يأتي ويحتمل أنه غير الملك الموكل بحفظ الرحم، وظاهر "ثم" هنا أن إرسال الملك إنما يكون بعد الأربعين الثالثة لكن في رواية في الصحيح يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر بالرحم أربعين يوماً وفي أخرى أو خمساً وأربعين فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ وفي أخرى إذا من بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وفي أخرى لمسلم أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك وفي أخرى لمسلم أن ملكاً موكل بالرحم إذا أراد الله تعالى أن يخلق شيئاً لسبع وأربعين ليلة وذكر الحديث وعند الشيخين إن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة وجمع العلماء بينها بأن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة فيقول وقت النطفة رب هذه نطفة الخ وكذا يقول في كل من الأمرين ما صارت بأمر الله وهو سبحانه أعلم وأول علم الملك أنها ولد إذا صارت علقة وهو عقب الأربعين الأولى وحينئذٍ يكتب الأربعة على ما يأتي فيه ثم له تصرف آخر بالتصوير المتكرر أو المختلف باختلاف النّاس على ما يأتي أيضاً وظاهر الحديث كما قاله القاضي عياض وأقره المصنف وغيره أن الملك ينفخ الروح في المضغة وليس مراداً بل إنما ينفخ فيها بعد أن تتشكل بشكل ابن آدم وتتصور بصورته قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا

стр. 2636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخَرَ﴾ أي بنفخ الروح فيه، ونوقش بأنه ليس ظاهر الحديث ذلك إنما ظاهره أن الإرسال بعد الأربعين الثالثة المنقضي اسم المضغة بانقضائها وتلك البعدية لم تحدد فيحتمل أنه بعد الأربعين الثالثة يصور في زمن يسير وبعد التصوير يرسل الملك لنفخ الروح وقد صرح القرطبي في المفهم بأن التصوير في الأربعين الرابعة ثم كون التصوير في الأربعين الثالثة أو بعدها على ما تقرر ينافيه روايات أخر تقتضي أنه عقب الأربعين الأولى (وأجاب القاضي عياض بأن هذه الروايات ليست على ظاهرها بل المراد أنه يكتب ذلك ويفعله في وقت آخر لأن التصوير عقب الأربعين الأولى) غير موجود عادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة مدة المضغة كما نصت عليه الآية فخلقنا المضغة عظاماً، ونظر فيه بأن مجرد التصوير لا يستدعي خلق العظام فلا دليل في الآية لما ذكره وحينئذٍ يمكن الجمع بأنه عقب الأربعين الأولى يرسل الملك لتصوير العلقة تصويراً خفياً ثم يرسل في مدة المضغة أو بعدها على ما من فيصورها تصويراً ظاهراً مقارناً لخلق عظمها ونحوه أو بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمنهم من يصور بعد الأربعين الأولى ومنهم من لا يصور إلا في الثالثة أو بعدها، وتعقب ما جمع به القاضي عياض بأن في رواية لمسلم إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها ولحمها وعظامها ثم يقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك بما يشاء ويكتب الملك، الحديث، ففيه التصريح بأن خلق العظام يكون عقب الأربعين الأولى فإن حملها خلقها هنا على ابتداء الخلق وبعد الأربعين الثالثة على تمامه أمكن الجمع الثاني وإلا تعين الثالث وذكر بعضهم ما يؤيد الجمعين الأخيرين قال بعد رواية مسلم المذكورة تأولها بعضهم على الملك يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء فيجعل بعضها للجلد وبعضها للحم وبعضها للعظم فيقدر ذلك كله قبل وجوده وهذا خلاف

стр. 2637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظاهر الحديث بل ظاهره أنه يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها وقد يكون ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام وقد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض وسبق في تفسير الجمع رواية تقتضي أن التصوير يكون يوم السابع وهو مذهب الأطباء، وظاهر الحديث أن نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة وصح في حديث آخر أنه بعد اثنين وأربعين يوماً وجمع بينهما باختلاف الأجنة فينفخ في بعضها بعد اثنين وأربعين وفي بعضها بعد مائة وأربعين قال ابن العز وفيه نظر لا يخفى إذ لفظ أحد شائع في المخاطبين والمراد جنسهم فمن أين هذا التخصيص ببعض دون بعض اهـ، وظاهر جريانه في الجمع الثالث المذكور قبله ولك أن تقول ضرورة الجمع بين الأخبار دليل للتخصيص المذكور وإن أحدكم في الخبر غير باق على عمومه والله أعلم، ومعنى نفخ الملك الروح في الصورة أنه سبب لخلق الحياة عنده لأنه عرفا إخراج ريح من النافخ تتصل بالمنفوخ فيه وهذا غير مؤثر شيئاً وما يحدث عنده ليس به بل بإحداث الله تعالى فهو معرف عادي لا موجب عقلي وكذا القول في سائر الأسباب المعتادة ونسبة التخليق والتصوير إلى الملك مجازية لأنه آلة فيهما بإقدار الله تعالى بالأفعال قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ والإيجاد على هذا الترتيب العجيب مع قدرته تعالى على إيجاده كاملاً كسائر المخلوقات في أسرع من لحظة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهذا كناية عن مزيد السرعة وإلا فلا قول لأنه بمجرد تعلق الإرادة به يوجد في أقل من زمن كن لو تصور يمكن أن تكون حكمته ما قيل به في خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما في ستة أيام من تعليمه لعباده التأني في الأمور أو يقال حكمة ذلك أنه لو خلق دفعة لشق على الأم لأنها لم تكن معتادة لذلك وربما تظن علة فجعلت أولاً نطفة لتعتاد بها مدة ثم علقة وهكذا إلى آخر الولادة أو يقال حكمته إشعار النّاس إلى كمال قدرة الله على الحشر والنشر لأن من قدر على خلق الإنسان من نطفة ثم علقة ثم مضغة قادر على صيرورته ونفخ الروح فيه وحشره للحشر للحساب والجزاء أو يقال حكمة ذلك هنا إعلام الإنسان بأن حصول الكمال المعنوي له إنما يكون بطريق التدريج نظير حصول الكمال

стр. 2638

وَيُؤْمَرُ بأرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، ــ الظاهري له بتدرجه في مراتب الخلق وانتقاله من طور إلى طور إلى أن يبلغ أشده وكذا ينبغي له في مراتب السلوك أن يكون على نظير هذا المنوال والله أعلم وفي الحديث دليل على حدوث الروح وهو ما يحيا به الإنسان وهو من أمر الله تعالى كما أخبر والخلاف في تحقيقه طويل ولفظه مشترك بين عدة معان. قوله: (ويؤمر) أي الملك عطف على ينفخ فظاهره أن هذا الأمر والكتابة بعد الأربعين الثالثة ورواية البخاري أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح كالصريحة في ذلك لكن في روايات أخر لمسلم وغيره أن كتابة تلك الأمور عقب الأربعين الأولى وبها أخذ جماعة من الصحابة وجمع بعضهم بأن ذلك يختلف باختلاف النّاس فمنهم من يكتب له عقب الأربعين الأولى ومنهم من يكتب له عقب الثالثة قال بعضهم ولعل الجمع بهذا أولى من قول القاضي عياض وإن أقره المصنف أن قوله ثم يبعث وما بعده معطوف على يجمع ومتعلقاته لا على ثم يكون مضغة مثله بل هو وثم يكون علقة مثله معترضان بين المعطوف والمعطوف عليه ومن قول غيره إنها تكون مرتين مرة في السماء وأخرى في بطن الأم وظاهر رواية البخاري أن النفخ بعد الكتابة وفي رواية للبيهقي عكسه قيل فإما أن يكون من تصرف الرواة أو المراد ترتيب الأخبار لا ترتيب ما أخبر به والأولى تقديم رواية البخاري لأنها أصح وأثبت. قوله: (بأربع كلمات) أي يؤمر بكتابة الأحكام المقدرة له على جبهته أو في بطن كفه أو في رق يعلق بعنقه قاله مجاهد واعلم أن الكتابة في أم الكتاب تعم جميع الأشياء وهذا يختص به كل إنسان إذ لكل كتابة سابقة هي ما في اللوح ولاحقة هي ما يكتب ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان ومتوسطة أشير إليها في هذا الحديث قوله: (بكتب) بالموحدة فيكون بدلاً من أربع بإعادة العامل وفي رواية يكتب بالتحتية على الاستئناف والمراد بأمر الملك بذلك إظهار ذلك بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاء الله وإرادته وعلمه لكل ذلك سابق في الأزل لقدمه وظاهر هذا الحديث الأمر بكتابة الأربع ابتداء وليس مراداً إنما المراد كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أنه يؤمر بذلك بعد أن

стр. 2639

وَشقِيٌ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذي لا إله غَيرُهُ إن أحَدَكُمْ ــ يسأل عنها فيقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وهل هو شقي أو سعيد؟ فمن تلك الأحاديث أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك في كفه فقال: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض يموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب أي اللوح المحفوظ، وقد تطلق على العلم القديم وليس مراداً هنا لأن ذلك لا يطلع عليه غير الله فإنك تجد (قصة هذه النطفة فينطلق فيجد) قصتها في أم الكتاب تخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها، ثم الرزق ما يتناول إقامة البدن وانتفاعه ولو حراماً خلافاً للمعتزلة، والأجل يطلق ويراد به مدة الحياة ويطلق ويراد به آخرها الذي هو آن الموت ولا مانع من أن يكون المراد الأجل بمعنييه لأن الملك يكتب الأجل بكلا هذين المعنيين فيكون من باب استعمال المشترك في معنييه أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه والمراد من عمله الذي يكتب ما سيعمله وهذا يدل على أن هذا الملك غير الملكين اللذين هما الحفظة فإن وظيفتهما كتب ما عمل العبد لا ما سيعمل وإنما يباشران الكتابة لعمله بعد تكليفه لا في هذا الوقت والظاهر أن هذا يكتب جميع أعماله التي ستقع منه قبل التكليف وبعده اختيارية أو اضطرارية بخلافهما إنما يكتبان الأفعال الاختيارية التي يثاب عليها العبد أو يعاقب والله أعلم. قوله: (وشقي أو سعيد) مرفوع بتقدير هو وعدل إليه عن قوله وشقاوته أو سعادته لأنها حكاية لصورة ما يكتب الملك والتقدير أنه شقي أو سعيد فعدل عنه لأن التفصيل ورد عليهما ذكره الطيبي، والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخيرات ويقابلها الشقاوة وقدم الشقاوة ليعلم أن الشر كالخير من عند الله تعالى. قوله: (فوالذي لا إله غيره) قال الخطيب في كتاب الفصل والوصل من هنا الخ مدرج من كلام ابن مسعود وبين دليل ذلك ورد عليه ذلك ووروده عنه مدرجاً من قوله في رواية لا تقاوم روايته في الصحيحين الصريحة في رفعه وعلى التنزل وأنه مدرج من قوله فلا ينسب إليه إلا اللفظ أما المعنى فهو صحيح عنه ﷺ من طرق صحيحة منها للبخاري إنما الأعمال بالخواتيم ومنها

стр. 2640

لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجنة، حتى ما يكونُ بينهُ وبينَها إلا ذِرَاعٌ، ــ لابن حبان في صحيحه إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء فإذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله ومنها لمسلم إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة، ومنها لا حمد لا عليكم أن تعجبوا بأحدكم حتى تنظروا بما يختم له الحديث، وفي البخاري ومسلم في الرجل الذي قاتل المشركين أبلغ قتال فقال ﷺ : "أنه من أهل النار" فجرح فلم يصبر فقتل نفسه فلما بلغ ذلك ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"، والفاء داخلة على المقسم به وهي فصيحة أي إذا كان الشقاء والسعادة مكتوبين فوالله الذي الخ وجيء بالقسم والتأكيد بأن واللام للرد على المنكر في الجملة والتنبيه على تحقق وقوع ما بعده وهو إن أحدكم الخ وهذا المحلوف عليه مأخوذ من آيات القدر نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وأحاديثه: كحديث محاجة آدم موسى وحديث: اعملوا فكل ميسر لما خلق له وحديث: اعملوا على مواقع القدر. قوله: (ليعمل بعمل أهل الجنة) أي فيما يبدو للناس كما تقدم في الصحيحين ففيه إشارة إلى أن باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره وإن خاتمة السوء تكون والعياذ بالله بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها النّاس وكذا قد يعمل الرجل بعمل أهل النار وفي باطنه خصلة خير خفية تغلب عليه آخر عمره فتوجب له حسن الخاتمة وسيأتي لهذا المقام مزيد. قوله: (حتى ما يكون) بالرفع لأن ما ألغت حتى، قال ما هنا لمجرد النفي منسلخ عن معنى الحالية ليجامع أن التي للاستقبال أي التي بعد حتى الناصبة كما أن اللام في قوله ولسوف يعطيك لمجرد التأكيد معرى عن معنى الحالية لكن في النسخ المصححة من البخاري ومن هذا الكتاب ضبطه بالضم اهـ. وقوله: "حتى ما يكون بينه وبينها" أي الجنة "إلا ذراع" هو من باب التمثيل المقرر في علم البيان وهو تمثيل القرب من موته ودخوله عقبه الجنة هنا وفي نظيره الآتي ضدها أي ما بقي بينه وبينها إلا كمن

стр. 2641

فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النارِ فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّارِ حتَّى ما يَكُونُ بَينَهُ وبَينَها إلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجنَّةِ فَيَدْخُلُها" ــ بقي بينه وبين مقصده ذراع. قوله: (فيسبق) أي يغلب (عليه الكتاب) أي المكتوب في بطن أمه مستنداً إلى سابق العلم الأزلي فيه ويصح بقاؤه على مصدريته وهذه الجملة وما بعدها تفريع على ما مهده ﷺ من كتابة السعادة أو الشقاوة عند نفخ الروح مطابقين لما في العلم الأزلي لبيان أن الخاتمة إنما هي على وفق تلك الكتابة ولا عبرة بظواهر الأعمال قبلها بالنسبة لحقيقة الأمر وإن اعتبر بها من حيث كونها علامة ثم دخوله النار إما لكفره والعياذ بالله فيكون دخول خلود أو لمعصيته فيكون دخول تطهير قال القاضي وغيره وهذا نادر جداً لخبر "إن رحمتى سبقت غضبي" وفي رواية تغلب غضبي بخلاف ما بعده فإنه كثير فالله الحمد والمنة على ذلك. قوله: (وبينها) أي النار. قوله: (بعمل أهل الجنة) أي بأن يؤمن بعد كفره أو يتوب من ذنبه فيخرج من تبعته وإصره (فيدخلها) أي الجنة بحكم القدر البخاري عليه في هذا وفيما قبله المستند إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير فمن سبقت له السعادة صرف الله قلبه إلى خير يختم له به وضده بضده وفي بعض روايات هذا الحديث وإنما الأعمال بالخواتيم والأعمال بخواتيمها، وقد اختلف أهل التحقيق فمنهم من راعى حكم السابقة وجعلها نصب عينيه ومنهم من راعى حكم الخاتمة والأول أولى لأنه سبق في علمه الأزلي سعيد العالم وشقيه ثم رتب على هذا السبق الخاتمة عند الموت بحسب صلاح العمل عندها وفساده وعلى الخاتمة سعادة الآخرة وشقاوتها والمبني على المبني على الشيء مبني على ذلك الشيء فحقيقة السعادة أو الشقاوة مبنية على سابقة العلم بها فهي إذا أولى بالخوف منها والمراعاة لها وأفاد الحديث أن التوبة تهدم ما قبلها من الذنوب وأن من

стр. 2642

رويناه في "صحيحيهما". ــ مات على خير أو شر أديرت عليه أحكامه نعم الميت فاسقاً تحت المشيئة خلافاً للمعتزلة وإن عمل من سبق في علم الله موته على الكفر يكون صحيحاً مقرباً إلى الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع وإن عمل من سبق في علم الله موته على الإيمان يكون باطلاً مقرباً إلى النار لكن لا مطلقاً في هذين بل باعتبار ما يظهر لنا كما دل عليه خبر مسلم السابق إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار الحديث، أما باعتبار ما في نفس الأمر فالأول لم يصح له عمل قط فلم يقرب من الجنة مطلقاً لأنه كافر في الباطن وأما الثاني فعمله الذي لا يحتاج إلى نية صحيح وما يحتاج إليها باطل من حيث عدم وجودها هذا فيما صورته صورة خير وأما ما عداه فلا يؤثر فيه الكفر لخبر أسلمت على ما سلف لك من خير فالعبرة بسابق القضاء إذ هو الذي لا تغيير ولا تبديل فيه وفي الحديث الشقي من شقي في بطن أمه أي يظهر من حاله للملائكة أو لمن شاء الله من خلقه ما سبق في علم الله الأزلي وقضائه الإلهي الذي لا يقبل تغييراً من سعادته أو شقاوته ومن رزقه وأجله وعمله إلى آخر ما سبق بيانه، ولا ينافي ذلك خبراً إنما الأعمال بالخواتيم لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة لنا فكانت الأعمال بها بالنسبة إلى ما عندنا وإطلاعنا في بعض الأشخاص والأحوال وفي الحديث إنه لا يقطع لأحد معين بدخول الجنة إلا من أخبر ﷺ أنه من أهلها وفيه الإيماء إلى ترك الإعجاب بالعمل والالتفات والركون إليه بل يعول على فضل مولاه ورحمته وجوده ومنته وفي الحديث لن ينجي أحداً منكم عمله الحديث لكن مع ذلك لا بد من الإتيان بالعمل أداء لمقام العبودية وقد جاءت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر قال ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". قوله: (رويناه في صحيحيهما) وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة كلهم عن ابن مسعود كما في الجامع الصغير وهو حديث عظيم جليل يتعلق بمبدأ الخلق ونهايته وأحكام القدر في المبدأ والمعاد وإنكار عمرو بن عبيد من زهاد القدرية له من ضلالاته وخرافاته

стр. 2643

الخامس: عن الحسن بن علي ﵄ قال: حَفِظتُ من رسول الله ﷺ : "دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبكَ" ــ وحماقته وجهالته. فائدة قال العلماء: كتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة كل ذلك مما يجب الإيمان به وكيفية ذلك وصفته يعلمه الله سبحانه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء والله أعلم. قوله: (حفظت من رسول الله ﷺ ) دليل على أن شرط الشهادة من البلوغ والإسلام إنما تعتبر حال الأداء دون التحمل فإن النبي ﷺ توفي والحسن دون البلوغ وأخباره كلها مقبولة والله أعلم. قوله: (دع ما يريبك) أمر ندب أي دع ما تشك فيه من الأقوال والأفعال إنه منهي عنه أولاً أو سنة أو بدعة واعدل عنه (إلى ما لا يريبك) أي ما لا تشك فيه من الحلال البين والمقصود أن يبني المكلف أمره على اليقين البحت والتحقيق الصرف ويكون على بصيرة في دينه قيل حاصل الحديث يرجع إلى ما مر في الحديث السابق أن من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه إذ حاصلهما النهي التنزيهي عن الوقوع في الشبهات ومن ثم قيل إنه يجب اجتنابها وفصل آخرون فقالوا تلحق الشبهة المحتملة الفاحشة بالحرام بخلاف غيرها فبيع نحو العينة مشتبه لأنه حيلة للربا وهي فيه نافعة عند قوم وغير نافعة عند آخرين فإن الله لا تخفى عليه خافية والأعمال بالنيات وعليه قال بعضهم إن اطلع الله على نية فاعل ذلك إنها بريئة من الحيلة وإن قلبه لم ينطو على الحرام لم يعاقب لكنه لم يستبريء لدينه ولا لعرضه لأنه يظن به الربا وتسوء به الظنون فطلب منه دفع هذا المريب إلى ما لا يريب وورد لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وقال بعض أرباب الإشارات معناه إذا كنت صحيح الخاطر طاهر الباطن مراقباً للغيب وتعرف لمة الملك من لمة الشيطان والإلهام من حديث النفس وكنت مميزاً بين الحق والباطل بنور الفراسة وصفاء القلب فدع ما يريبك من الأغلوطات والشبهات النفسانية والشيطانية إلى ما لا يريبك مما ينزل بقلبك وعقلك وروحك من الإلهام الإلهي والعلم اللدني

стр. 2644

رويناه في الترمذي والنسائي، ــ وكما أن ترك ما يريبك مأمور به فكذا ترك ما يريب الغير مما يصعب على أفهام العامة أولى كما قال بعض العارفين: إني لأكتم من علمي جواهره ... كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا يا رب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت مما يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا قوله: (رويناه في كتاب الترمذي والنسائي) ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم والخطيب كلهم عن الحسن وهذا قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر وعند الترمذي وغيره زيادة فيه وهي فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة ولفظ ابن حبان فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة وقد أخرجه أحمد من حديث أنس أي بدون هذه الزيادة كما يقتضيه كلام الجامع الصغير قال وكذا أخرجه الطبراني عن وابصة بن معبد وأخرجه الطبراني عن ابن عمر مرفوعاً قال في الجامع الصغير وأخرجه أبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن عمر وزاد في آخره فإنك لن تجد فقد شيء تركته الله وبه يرد قول الدارقطني إنما يروي هذا من قول ابن عمر وفي الجامع الصغير أخرجه ابن قانع عن الحسن وزاد في آخره فإن الصدق نجي وروي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعاً ما يريبك إلى ما لا يريبك قال وكيف لي بالعلم بذلك قال إذا أردت أمراً فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة زاد الطبراني فقيل له فمن الورع قال الذي يقف عند الشبهة، ثم هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين وأصل في الورع الذي عليه مدار المتقين ومنح من ظلم الشكوك والأوهام المانعة لنور اليقين قال الفضيل يزعم النّاس أن الورع شديد وما ورد على أمران إلا أخذت بأشدهما فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال حسان بن سنان ما شيء أهون من الورع إذا رابك شيء فدعه وهذا إنما يسهل على مثله ﵁ وسئلت عائشة ﵂ عن أكل الصيد للمحرم فقالت: إنما هي أيام قلائل فما رابك دعه يعني

стр. 2645

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: يريبك بفتح الياء وضمها لغتان، والفتح أشهر. السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" رويناه في كتاب الترمذي وابن ماجه، وهو حسن. السابع: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ــ ما اشتبه عليك أحلال هو أم حرام؟ فاتركه فإن العلماء اختلفوا في إباحة الصيد للمحرم إذا لم يصده هو ومن ثم كان الخروج من الخلاف أفضل لأنه أبعد عن الشبهة نعم قال المحققون ما ثبت عنه ﷺ فيه رخصة ليس لها معارض فاتباعها أولى من اجتنابها وإن منعها من لم تبلغه أو لتأويل بعيد مثاله من تيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه صح أنه ﷺ قال لا تنصرف حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً لا سيما إن كان شكه وهو في الصلاة المفروضة فيحرم عليه قطعها وإن أوجبه بعضهم نعم قيل ينبغي أن التدقيق في التوقف عن الشبه إنما يصلح لمن استقامت حاله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع بخلاف المنهمك في المحرمات ومن ثم ورد أن ابن عمر ﵄ قال: لما سأله أهل العراق عن دم البعوض يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين ﵁ قال: وسمعت النبي ﷺ يقول هما ريحانتاي من الدنيا. قوله: (وقال حسن صحيح) قال بعضهم لا يضر توقف الإِمام أحمد في أبي الجوزاء راويه عن الحسن فقد وثقه النسائي وابن حبان وبه يندفع قول بعضهم إنه مجهول لا يعرف. قوله: (الفتح أشهر) أي وأفصح وراب بمعنى شك وقيل راب لما تتيقن فيه الريبة وأراب لما يتوهم منه وفي النهاية الريب الشك أوشك مع تهمة قال في الكشاف الريب مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة وحقيقته قلق النفس واضطرابها ومنه دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق منه النفس وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة اهـ. قوله: (الحديث السادس) تقدم الكلام

стр. 2646

"لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه" ــ عليه متناً وتخريجاً في كتاب حفظ اللسان. قوله: (لا يؤمن أحدكم الخ) أي لا يؤمن الإيمان الكامل (حتى يحب لأخيه) المسلم من الخير كما جاء التقييد بذلك في رواية أحمد والنسائي وبه يندفع ما قيل هذا عام مخصوص إذ الإنسان يحب لنفسه وطء حليلته ولا يجوز أن يحبه لأخيه حال كونها في عصمته لحرمة ذلك عليه وليس له أن يحب لأخيه فعل محرم اهـ. وما قيل لا بد أن يكون المعنى فيما يباح وإلا فقد يكون غيره ممنوعاً منه وهو مباح له اهـ. وكلاهما غفلة عن رواية النسائي والظاهر كما قيل: إن التعبير بالأخ المراد به المسلم جرى على الغالب إذ ينبغي لكل مسلم أن يحب (للكفار) الإسلام وما يتفرع عليه من الكمال. وقوله: (ما يحب لنفسه) أي مثله؛ المراد بالمثلية هنا مطلق المشاركة المستلزمة لكف الأذى والمكروه عن النّاس وكما أنه يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته فينبغي له إذا كان لأخيه عنده حق أو مظلمة أن يبادر إلى إنصافه من نفسه وإيثار الحق وإن شق عليه ذلك. وفي الحديث انظر إلى ما تحب أن يؤاتيه النّاس إليك فآتيه إليهم وإذا حصل ذلك كان مع أخيه كالنفس الواحدة وقد حث ﷺ على ذلك بقوله في الحديث الصحيح أيضاً: "المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" قال ابن الصلاح وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ القيام به يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئاً من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم إنما يعسر على القلب الدغل اهـ، وبه يندفع قول غيره (يشبه أن هذه المحبة إنما هي من جهة العقل أي يحب له ذلك ويؤثره) من هذه الجهة أما التكليف بذلك من جهة الطبع فصعب إذ الإنسان مطبوع على حب الاستئثار على غيره بالمصالح بل على الغبطة والحسد لإخوانه فلو كلف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه لأفضى إلى أن لا يكمل إيمان أحد إلا نادراً اهـ، ويؤيد ما قاله ابن الصلاح خبر الترمذي وابن ماجه أحب للناس ما تحب لنفسك

стр. 2647

رويناه في "صحيحيهما". الثامن: عن أبي هريرة ﵁ ــ تكن مسلماً وخبر أحمد أفضل الإيمان أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وخبره أيضاً أتحب الجنة قلت نعم قال فأحب لأخيك ما تحب لنفسك، وإذا انتفت هذه المحبة لنحو غش أو حسد فلم يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه فهو غير مؤمن الإيمان الكامل ومن ثم قيل من أفحش الأحوال أن يرى ضاناً على أخيه بأعمال الخير إن لم يوفق هو لها كما جرى لابن آدم فإنه قتل أخاه من أجل أن الله تقبل قربانه دونه وقال بعض أرباب الإشارات في الكلام على الحديث تحقيق ذلك أن المؤمنين متحدون بحسب الأرواح والحقائق متعددون من حيث الأجسام والصور فهم كنور واحد في مظاهر مختلفة أو كنفس واحدة في أبدان متفرقة بحيث لو تألم الواحد تأثر الجميع بل من تمكن فيه صح ذلك له بالنسبة إلى جميع الأشياء كما روي عن بعضهم أنه ضرب عنده حمار فتألم الشيخ بحيث رؤيت علامة الضرب في عضوه الذي بإزاء العضو المضروب للحمار، وذلك لأن إيمانهم من أثر نور الهداية شرعاً ومن نور الله حقيقة وهو نور الوحدانية من عكس نور الفردانية من نور الذات فأرواحهم اتحدت بذلك النور المقتضي للألفة والرحمة فإن هم واحد هموا وإن فرح فرحوا وهذا مقام الجمع بالروح وهو أنه يجتمع عند تجلي الروح الأعظم عن تفرقة الطبيعة وتتحد الأرواح وهناك مقام أعلى يقال له: جمع الجمع وهو أن يجتمع عند تجلي الحق تعالى له عن تفرقة الغير روحانياً ونفسياً ملكياً وملكوتياً ولا يرى غير الله سبحانه لاختفاء جميع الأشياء في نور التوحيد كاختفاء النجوم عند إشراق الشمس اهـ. قوله: (رويناه في صحيحيهما) لكن رواية مسلم فيها شك إذ قال لأخيه أو جاره بخلاف رواية البخاري فإنه لا شك فيها ولفظ مسلم والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه ولفظ رواية أحمد لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير وهو مبين لمعنى حديث الصحيحين وإن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته فإنه كثيراً ما ينفي لانتفاء بعض أركانه وواجباته كنفيه عن الزاني والسارق وشارب الخمر في الحديث المشهور وذهب جمع من السلف إلى أن مرتكب الكبيرة

стр. 2648

قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ تَعالى طَيِّبٌ ــ يسمى مؤمناً ناقص الإيمان وآخرون إلى أنه يقال له: مسلم لا مؤمن قيل وهو المختار ومقصود الحديث كما علم مما قررناه في معناه ائتلاف قلوب المؤمنين وانتظام أحوالهم وهذا هو قاعدة الإسلام الكبرى التي أوصى الله تعالى بها بقوله: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وإيضاحه أن كل أحد إذا أحب لباقيهم أن يكونوا مثله في الخير أحسن إليهم وأمسك أذاه عنهم فيحبونه فنسري بذلك المحبة بين النّاس فيسري الخير بينهم ويرتفع الشر فتنتظم أمور معاشهم ومعادهم وتكون أحوالهم على غاية السداد ونهاية الاستقامة وهذا هو غاية المقصود من التكاليف الشرعية والأعمال البدنية والقلبية وهذا كله مما يتولد من سلامة الصدر من الغل والغش والحسد فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه لأنه يحب أن يمتاز على النّاس بفضائله والإيمان يقتضي أن يشركوه كلهم فيما أعطي من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء، نعم ورد أنه لا حرج على من كره الامتياز بالجمال كما صح به الحديث عند الحاكم وغيره عن مالك بن مرارة يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أحداً من النّاس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو البغي فقال: لا ليس ذلك بالبغي ولكن البغي من بطر -أو قال سفه- الحق، ومن كمال الإيمان تمني مثل الفضائل الأخروية التي فاقه فيها غيره كما دلت عليه الأحاديث الشهيرة وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فهو نهي عن الحسد عن تمني انتقال نعمة الغير إليه وما جاء عن الفضيل مما يقتضي أن الأكمل محبة أن تكون النّاس فوقه إنما هو من جهة أن هذا هو الأكمل في الدرجات للنصيحة وإلا فالمأمور به شرعاً إنما هو محبة أن يكونوا مثله ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد في لحاقه وحزن على تقصيره لا حسداً بل منافسة وغبطة ليزداد بذلك الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها والنظر لنفسه بعين النقص وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيراً منه فإنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله. قوله: (إن الله تعالى طيب) أي طاهر منزه عن النقائص وكل وصف خلا عن الكمال المطلق أو طيب الثناء أو مستلذ الأسماء عند العارفين بها وعلى كل حال فهو

стр. 2649

لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، ــ من أسمائه الحسنى لصحة الحديث به كالجميل قيل ومثلهما النظيف لحديث إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة جواد يحب الجود أخرجه الترمذي ورد بأن الحديث لم يصح إذ في إسناده مقال والطيب في الأصل الحسن الجيد مأخوذ من الطيب وهو اسم لما يتطيب به يطلق على طيب الرائحة والحال والظاهر. قوله: (لا يقبل إلا طيباً) أي لا يثيب إلا على ما علمه من الأعمال والأموال طيباً خالصاً من المفسدات كالرياء والعجب أو حلالاً سواء كان بالنسبة لعلمنا أم مشتبهاً أما الحرام عنده فلا يثيب عليه وإن كان حلالاً عندنا نعم القياس أن من تصدق بما يظنه حلالاً وهو حرام باطناً أنه يثاب عليه وإنما لم يقبل الصدقة بالمال الحرام لأنه تصرف وهو ممنوع من التصرف فيه لكونه ملكاً للغير فلو قبل منه لزم أن يكون مأموراً به منهياً عنه من جهة واحدة وهو محال وهذا معنى ما فهم من فحوى الحديث أن بين الطيب لذاته المقتضي للقبول والخبيث لذاته المقتضي لعدم القبول تضاداً يستحيل اجتماعهما ثم الصدقة بالمال الحرام إما أن تكون من نحو الغاصب عن نفسه فهذا هو المراد من الأحاديث الكثيرة في ذلك المصرحة بأنه لا يقبل منه ولا يؤجر عليه بل يأثم به ولا يحصل للمالك بذلك أجر على ما قاله جمع أو يكون على المالك إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء فيكون نفعه له في الآخرة حيث تعذر عليه الانتفاع به في الدنيا. فائدة نفي القبول قد يؤذن بانتفاء الصحة كما في حديث لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ويفسر القبول حينئذٍ بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء وقد لا كما في الآبق ومن سخط عليها زوجها ويميز بين الاستعمالين بحسب الأدلة الخارجية أما القبول من حيث ذاته فلا يلزم من نفيه نفي الصحة وإن لزم من إثباته إثباتها وقال أهل الإشارات لا يقبل إلا طيباً أي لا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يكون طاهراً حلالاً من خيار المال ولا يقبل إلا عبداً متحلياً بفضيلتي العلم والعمل نقياً من الشبهات نقياً من النجاسات سليماً قلبه من الآفات، ثم هذه الجملة توطئة وتأسيس لما هو المقصود بالذات من سياق هذا الحديث وهو

стр. 2650

وَإنَّ الله تَعالى أمَرَ المُؤمِنِينَ بِما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ــ طيب المطعم والمشرب المستلزم لحيازة الكمال المستلزم لإجابة الدعاء غالباً المشار إليه في قوله (وإن الله أمر المؤمنين الخ) أي سوى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال وفيه أن الأصل استواؤهم مع أممهم في الأحكام إلا ما قام الدليل على أنه مختص بهم. قوله: (يا أيها الرسل) هذا الخطاب والنداء ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة فالمراد الإعلام بأن كل رسول نودي ووصي في زمانه ليعتقد السامع أن ما نودوا به جميعاً حقيق بالأخذ والعمل به كذا في الكشاف لا يقال هذا فيه نفحة اعتزالية لأنهم لما لم يثبتوا قدم الكلام حملوا على ذلك لكن الحق أنه سبحانه متكلم في الأزل وإن لم يكن ثم مخاطب فالخطاب على ظاهره، لأنا نقول التعلق التنجيزي في حال القدم بأن يطلب من المكلف الفعل والفهم في حال القدم محال بالاتفاق والمراد بخطاب المعدوم التعلق العقلي وهو أن المعدوم الذي علم الله أنه سيوجد بشرائط التكليف يوجه إليه حكم في الأزل بما يفهمه ويعقله فيما لا يزال. قوله: ﴿كُلُوا مِنْ الطَيِّبَاتِ﴾ قدمه على ما بعده ليكون إشارة إلى أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكل الحلال وهو ما يقرب العبد إلى الله. قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي ملكناكم وقد أتي في بعض المواضع بمعنى نفعناكم وأسند الرزق إليه تحريضاً لهم على غاية احتياطهم حتى لا يأكلوا إلا الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إليه وأتى بمن المفيدة للتبعيض صيانة لهم وكفاً عن الإسراف، والطيبات جمع طيب وهو الحلال الخالص من الشبهة لأن الشرع طيبه لآكله وإن لم يستلذه وعن الشافعي أنه المستلذ أي شرعاً إلا فلذيذ الطعم غير المباح وبال وخسار فيكون طعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً فهو بمعنى ما قبله خلافاً لمن فهم تغايراً بين التفسيرين نعم قد يراد بالطيب أخص من الحلال وهو المستلذ طبعاً ونحو ذلك ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ

стр. 2651

ثُمَّ ذَكرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أْغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رب يا رب، ــ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ على أنه كما يحتمل ذلك يحتمل التأكيد لكن التأسيس خير منه وقد تشير هذه الآية إلى أن الحرام رزق على ما عليه أهل السنة خلافاً للمعتزلة ثم الأمر في الآية للإباحة أو للوجوب كما لو أشرف على الهلاك مجاعة أو للندب لموافقة المضيف قال سهل بن عبد الله أدب الأكل أن يكون حلالاً وهو ما لا يعصى الله فيه وصافياً وهو ما لا ينسى الله فيه وقواماً وهو ما يمسك النفس والعقل وأن يؤدى شكر النعم. قوله: (ثم ذكر الرجل) أي بعد ما سبق ذكره استطرد الكلام حتى ذكر الرجل الموصوف بأنه يطيل السفر. قوله: (يطيل) صفة الرجل لأن أل فيه جنسية وفيه إشارة إلى أن السفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء وقد تقدم في أذكار المسافر ما يشهد له ومنه حديث أبي داود والترمذي وابن ماجه ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده، وإنما كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحتمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب الإجابة. قوله: (أشعث أغبر) حالان مترادفان من فاعل يطيل أي متفرق الشعر مغبر الوجه من طول سفره في الطاعات ومع ذلك فلا يستجاب له لما يأتي فكيف بمن هو منهمك مع ذلك في الغفلة والعصيان وفيه إشارة إلى أن رثاثة الهيئة من أسباب الإجابة قال ﷺ : "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب" لو أقسم على الله لأبره ولأجل هذا ندب ذلك في الاستسقاء. قوله: (يمد يديه إلى السماء) حال من ضمير أشعث أي يرفعهما قائلاً (يا رب) أعطني كذا ففيه رفع اليدين في الدعاء وهو سنة في غير الصلاة والطواف وفي القنوت في الصلاة اتباعاً له ﷺ ولأن في رفعهما إظهار شعار الذل والانكسار والإقرار بسيمة العجز والافتقار فإن عادة العرب رفعهما عند الخضوع في المسألة والمذلة بين يدي المسؤول قال ﷺ : "إن الله حي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه كفيه ثم يردهما صفراً خائبين" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وجاء أنه ﷺ كان عند الرفع تارة يجعل بطون يديه إلى السماء وتارة يجعل ظهورهما إليه وحملوا الأول على الدعاء بحصول المطلوب أو دفع ما قد يقع من البلاء والثاني على

стр. 2652

وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وملبسه حرامٌ وَغُذِيَ بالحَرَام، فأنَّى يُسْتَجابَ لِذلِكَ" ــ الدعاء برفع ما قد وقع به من البلاء وجاء أيضاً أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها وجعل بطونهما مما يلي وجهه وورد عكس هذه في الاستسقاء من فعله ﷺ وحكمة رفعهما إلى السماء أنها قبلة الدعاء ومخزن الأرزاق ومعدن أسرار الخلائق ومصعد الأعمال ومعبد العمال ومحل الضياء والصفاء وفيه أيضاً الإشارة إلى عظمة جلال الله تعالى وكبريائه وأنه فوق كل موجود مكانة واستيلاء لا مكاناً وجهة، وفي قوله: يا رب إشارة إلى أن الدعاء بهذا اللفظ مؤثر في الإجابة لإيذانه بالاعتراف بأن وجوده فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وامتنانه ولذا كان غالب أدعية القرآن مفتتحاً بذكر الرب وفي تكرير ذلك إشارة إلى أن من أسباب الإجابة بل من أعظمها الإلحاح على الله تعالى بثناء حسن وذكر فضل كرمه وعظيم ربوبيته أخرج البزار مرفوعاً إذا قال العبد: يا رب أربعاً قال الله تعالى: "لبيك عبدي سل تعطه" وأخرج الطبراني وغيره أن قوماً شكوا إليه ﷺ قحوط المطر فقال: "اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا رب" ففعلوا فسقوا وعن جعفر الصادق من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا نجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد لأن الله تعالى حكى عنهم في آخر آل عمران أنهم قالوا خمساً ثم قال: فاستجاب لهم. قوله: (ومطعمه حرام) جملة حالية من فاعل قائلاً ومطعم ومشرب وملبس مصادر ميمية بمعنى المفعول. قوله: (وغذي) بضم أوله المعجم وكسر ثانيه المعجم المخفف. قوله: (فأنَّى يستجاب لذلك) أي فكيف أو من أين يستجاب لمن هذه صفته فهو استبعاد لإجابة دعائه مع قبيح ما هو متلبس به لأنه ليس أهلاً حينئذ لاتصافه بقبيح المخالفات وليس إحالة لإمكانها تفضلاً وإنعاماً فعلم أن اجتناب الحرام في كل ذلك شرط إجابة الدعاء وتناوله مانع لها غالباً وسره أن مبدأ إرادة الدعاء القلب ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان فينطق به وتناول الحرام مفسد للقلب كما هو مدرك بالوجدان فيحرم الرقة والإخلاص ويصير عمله شبحاً بلا روح وبفساده يفسد البدن كله كما مر فيفسد الدعاء لأنه نتيجة فاسد أخرج الطبراني بسند فيه نظر أن سعد بن أبي وقاص

стр. 2653

رويناه في "صحيح مسلم". التاسع: حديث "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" ــ قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال النبي ﷺ : "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به، ومن ثم قيل له: لم تستجاب دعوتك من بين الصحابة قال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا أعلم من أين مجيئها ومن أين خرجت. قوله: (رواه مسلم) أي من رواية فضيل بن مرزوق وهو ثقة وسط وإن لم يخرج له البخاري ولا يقدح فيه قول الترمذي بعد تخريج الحديث حسن غريب وقد ذكر الذهبي فضيلاً هذا في جزئه فيمن تكلم فيه وهو موثق، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام وعليه العمدة وفي تناول الحلال وتجنب الحرام وما أعم نفعه وأعظمه ومما تضمنه بيان حكم الدعاء وشرطه الأهم ومانعه والدعاء كما ورد مخ العبادة لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وهذا حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقها فكان مخ العبادة من هذه الحيثية واستفيد من الحديث أن من أراد الدعاء أو عبادة أخرى لزمه الاعتناء بالحلال في جميع الأحوال من المأكل والملبس والمشرب وغير ذلك حتى يقبل دعاؤه وعبادته وإن المؤمن إنما يقبل منه إنفاق الطيب فيزكو وينمو ويبارك فيه. قوله: (لا ضرر ولا ضرار) بكسر أوله من ضره وضاره بمعنى وهو خلاف النفع كذا قاله الجوهري فالجمع بينهما هنا للتوكيد والمشهور أن بينهما فرقاً فقيل: الأول: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً والثاني: إلحاقها به على وجه المقابلة أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه على جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق فالانتصار بالحق ليس بالاعتداء وتسميته بذلك في آية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ من باب المشاركة والمقابلة وقيل: الضرر من واحد كالقتل والضرار من اثنين كالقتال وقال ابن حبيب عند أهل العربية: الضرر الاسم والضرار الفعل فمعنى الأول: لا تدخل على أخيك ضرراً لم تدخله على نفسك ومعنى الآخر: لا يضار أحد بأحد وهذا أقرب مما قبله وقيل الضرر أن يدخل على غيره ضرراً بما ينتفع هو به والضرار أن يدخل على غيره

стр. 2654

رويناه في الموطأ مرسلاً، وفي سنن الدارقطني وغيره من طرق متصلاً، ــ ضرراً بما لا منفعة له به كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ورجح هذا طائفة منهم ابن عبد البر وابن الصلاح وقيل معنى الأول: ما لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والثاني: ما لا منفعة لك وعلى جارك فيه مضرة وهذا مجرد تحكم بلا دليل وإن قال غير واحد إن هذا وجه حسن المعنى في الحديث وفي رواية ولا إضرار من أضر به إذا ألحق ضرراً وهو في معنى الضرر قال ابن الصلاح وهي على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين ولا صحة لها ولذا أنكرها آخرون وانتصر لها بعضهم بأنها جاءت في بعض روايات ابن ماجه والدارقطني وفي بعض نسخ الموطأ قال وقد أثبتها بعضهم يقال: ضر وأضر بمعنى، وخبر لا محذوف أي في ديننا أو شريعتنا، وظاهر الحديث تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم فقصد الحكم بسلب الضرر من كل فرد فرد من أفراد الضرر عن كل مخلوق وفيه حذف ثان إذ أصله لا لحوق أو لا إلحاق أو لا فعل ضرر أو ضرار في ديننا أي لا لحوق له شرعاً إلا لموجب خاص لمخصص وقيدنا النفي بالشرع لأنه بحكم القدر الإلهي لا ينتفي واستثناء ما ذكر لأن الحدود والعقوبات ضرر وهو مشروع إجماعاً وإنما انتفى الضرر فيما عدا ما استثنى لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ونحو ذلك من النصوص المصرحة بوضع الدين على تحصيل النفع والمصلحة فلو لم يكن الضرر والإضرار منفيين شرعاً لزم وقوع الخلف في الأخبار الشرعية المذكورة وهو محال فكل ما جاء من النصوص من الآيات والأحاديث في تحريم الظلم دليل على تحريم الضرر لأنه نوع من الظلم فمعنى الحديث ما مر من نفي سائر أنواع المضار والمفاسد شرعاً إلا ما خصه الدليل وإن المصالح تراعى إثباتاً والمفاسد تراعى نفياً لأن الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما ولو فرض أن بعض الأدلة تضمن ضرراً فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين وإلا كان تعطيلاً لهذا الحديث والجمع بين الأدلة في العمل بها أولى من تعطيل بعضها فلذا نقول باستثناء العقوبة على الجناية رعاية للمصلحة وعملاً بالدليلين. قوله: (رويناه في الموطأ مرسلاً الخ) قال المصنف في الأربعين

стр. 2655

وهو حسن. ــ التي خرجها بعد تخريجه من حديث أبي سعيد الخدري: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً ورواه مالك بن أنس في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها ببعض قال بعض الشراح رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وفي إسنادهما ضعف وانقطاع قلت ورواه أحمد عن ابن عباس كما في الجامع الصغير. ورواه الدارقطني من طريق ضعيفة عن ابن عباس وأخرى كذلك عن عائشة وأخرى عن أبي هريرة ﵃ لكن مع شك فيهما ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه عليه الزين العراقي والبيهقي من حديث أبي سعيد والطبراني مرسلاً وابن عبد البر من طريق كثير بن عبد الله وكثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض أحاديثه إنه أصح حديث في الباب وحسن حديثه الخزامي وقال هو خير مراسيل ابن المسيب وكذلك حسنه ابن أبي عاصم ورواه الإِمام مالك في الموطأ مرسلاً فأسقط أبا سعيد قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرساله ولا يسند له من وجه صحيح أي عنه لما مر عن الحاكم ولما يأتي فعلم أن المرسل ما حذف من إسناده الصحابي وهذا عند المحدثين وأما عند الأصوليين فهو ما حذف منه أي راوٍ كان والمتصل ويقال فيه المسند الذي لم يحذف من إسناده أحد. قوله: (وهو حسن) أي لغيره قال المصنف في الأربعين كما تقدم وله طرق ضعيفة لكنه يقوي بعضها ببعض كما صرح به ابن الصلاح حيث قال: أسنده الدارقطني من وجوه متصلاً وقال حديث حسن وقال مرة أسنده من وجوه ومجموعها يقويه ويحسنه وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به فقد قال أبو داود الفقه يدور على خمسة أحاديث وعد هذا منها فهو عنده غير ضعيف اهـ. ملخصاً وممن استدل به أحمد وقال: قال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وقال البيهقي في بعض أحاديث كثير السابق إذا انضمت إلى غيرها من التي فيها ضعف قويت وبذلك علم أنه حسن لغيره لأن

стр. 2656

العاشر: عن تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الدِّين النَّصيحةُ"، قلنا: لمن؟ قال: "لِلهِ وَلِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأئمة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ" رويناه في "صحيح مسلم". الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، وَما أمَرْتُكُمْ بِهِ ــ ما في بعض طرقه يجبر بغيره ويقوى فهو مرجح وعاضد إذ الحديث اللين أو الضعيف من جهة الضبط قد يقوى بالشواهد المنفصلة حتى يبلغ درجة ما يجب العمل به كالمجهول إذا وجد مزكياً صار عدلاً تقبل شهادته وروايته ثم ذلك الشاهد قد يكون قرآناً كأن يضعف الحديث فيوافقه ظاهر آية أو عموم فيقوى بها ويتعاضدان على صيرورتهما دليلاً وقد يكون سنة عن راوي ذلك الحديث أو غيره ومن الأمثال ضعيفان يغلبان قوياً، وكذا الأسانيد اللينة إذا اجتمعت حصل منها إسناد قوي، وتضعيف ابن حزم له وقوله فيه إنه واه مردود عليه لما علمت من مخالفته لاصطلاح أئمة الحديث واحتجاج العلماء به وجاء في بعض طرقه المسندة من طريق عمرو بن يحيى بعد لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه وفي رواية من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه. قوله: (العاشر الخ) تقدم الكلام على ما يتعلق به متنا وتخريحاً في باب الحث على المشاورة. قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أي دائماً على كل تقدير ما دام منهياً عنه حتماً في الحرام وندباً في المكروه إذ لا يمتثل مقتضى النهي لا يترك جميع جزئياته وإلا صدق عليه أنه عاص أو مخالف وأيضاً فترك المنهي عنه استصحاب حال عدمه أو الاستمرار على عدمه وليس في ذلك ما لا يستطاع الكف عنه وإن اتفق وجود صورة لا يستطاع الكف عنها فنادر لا يعول عليه وخرج بقولنا ما دام منهياً عنه نحو أكل الميتة للاضطرار وشرب الخمر لإساغة اللقمة أو لإكراه والتلفظ بكلمة الكفر لإكراه لعدم النهي عنها حينئذٍ والخطاب ليس بمختص بالمخاطبين إذ لم يقم دليل على التخصيص بل يعم الكل لحديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة والنهي طلب كف عن الفعل استعلاء واجتنب مطاوعٍ جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله في جانب فيتعدى إلى

стр. 2657

فافْعَلُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنما أهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مسائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ" ــ مفعولين لكن تنقص المطاوعة مفعولاً كذا في الكشاف. قوله: (ما استطعتم) أي أطقتم لأن فعله إخراج من العدم وذلك متوقف على شرط وأسباب كالقدرة على الفعل ونحو ذلك وبعض ذلك لا يستطاع فلا جرم سقط التكليف بما لا يستطاع منه قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وتقدم بسط الكلام على هذه الجملة في الفصول أول الكتاب وهذا من جوامع كلمه ﷺ ومن قواعد الإسلام المهمة، وبه أو بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يخص عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فإذا عجز عن ركن أو شرط لنحو وضوء أو صلاة أتى بالباقي أو عن غسل بعض العضو أو عن إزالة بعض المنكر أتى بالممكن وصحت عبادته مع وجوب القضاء تارة وعدمه أخرى كما هو مقرر في الفروع ويؤخذ من هذا القاعدة المشهورة أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح فإذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم دفعها لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد منه بالمأمورات كما علم مما تقرر ومن ثم سومح في ترك الواجب بأدنى مشقة كالقيام في فرض الصلاة ولم يسامح في الإقدام على منهي خصوصاً في الكبائر إلا إذا احتفت الضرورة وقد تراعي المصلحة لغلبتها على المفسدة ومنه الكذب للاصلاح إذ مصلحته حينئذٍ تزيد على مفسدته وهذا في الحقيقة يرجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين. قوله: (فإنما أهلك الذين من قبلكم الخ) وجه تفرعه على ما قبله أن الأمر والنهي الصادرين منه ﷺ لما كانا مظنة لكثرة السؤال عنهما هل يقتضيان التكرار مثلاً وكان في كثرته كثرة الجواب فضاهى ذلك قضية بني إسرائيل التي أمروا فيها بذبح بقرة فلم يبادروا إلى مقتضى اللفظ من ذبح أي بقرة كانت بل تعنتوا وشددوا على أنفسهم بكثرة السؤال فشدد الله عليهم بزيادة الأوصاف حتى لم يجدوا متصفاً بها إلا بقرة واحدة فشروها بملء جلدها ذهباً فخشي ﷺ مثل ذلك فلذا قال: "إنما أهلك الذين من قبلكم" أي أوجب لهم العقوبة في الدنيا والآخرة. قوله: (كثرة مسائلهم واختلافهم) هو بالرفع لأنه أبلغ في ذم الاختلاف إذ لا يتقيد حينئذٍ بكثرة بخلافه

стр. 2658

رويناه في "صحيحيهما". الثاني عشر: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملتُه أحبني الله وأحبني النّاس؟ فقال: "ازْهَدْ في الدنيا ــ لو جر وقيل قوله: فإنما الخ علة لمحذوف تقدير الكلام لا تكثروا السؤال تعنتاً وتختلفوا علي فتهلكوا فإنما أهلك الخ واستفيد من الحديث تحريم الاختلاف وكثرة المسائل من غير ضرورة لأنه توعد عليه بالهلاك والوعيد علي الشيء دليل على تحريمه بل كونه كبيرة على الخلاف ووجهه في الاختلاف أنه سبب تفرق القلوب ووهن الدين كما جرى للخوارج حتى تبرأ بعضهم من بعض ووهن أمرهم وذلك حرام فسببه المؤدي إليه حرام وفي كثرة السؤال أنه من غير ضرورة مشعر بالتعنت ومفض إليه وهو حرام وقد نهى الشارع عن قيل وقال وكثرة السؤال أما من سأل لحاجة فهو مثاب قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سيما إذا كان المسؤول من بحار الحقائق وينابيع العلوم الدقائق: وإن كنت لا بد مستشرباً ... فمن أعظم البحر تستشرب ومن هذا القبيل ما فعله فقهاء الحديث العالمون به من البحث عن معاني الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين ومسائل الحلال والحرام والزهد والدقائق مما فيه شفاء القلوب فالكلام في ذلك والسؤال عما هنالك لعموم الحاجة إليه وجزيل المنفعة فيه محمود جعلنا الله منهم بمنه فالحديث إشارة إلى اتباع الرسول ﷺ فيما جاء به من الأحكام من غير معارضة ولا مدافعة إذ لم يغادر شيئاً يقرب إلى الله سبحانه إلا أمر به ولا شيئاً يبعد عنه إلا نهى عنه وهي أمور لا يرشد إليها العقل بمجرده إذ العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية بل تلك أسرار يكاشف بها من حضرة القدس الأصفى للنبي المصطفى ﷺ لأنه اتصف بصفات الحق وتخلق بأخلاقه كما قيل: فذو العرش محمود وهذا محمد. قوله: (رويناه في صحيحيهما) وتقدم في كلام الحافظ في الفصول أول الكتاب أن الحديث أخرجه ابن حبان أيضاً بنحوه. قوله: (جاء رجل) لم أر تسمية

стр. 2659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا المبهم عند أحد من المتكلمين على هذا الحديث قاله ابن العز الحجازي وفي شرح الأربعين الرجل السائل لم يسم لكنه سأل الدلالة على عمل يكون له هاتان الخاصتان العظيمتان اللتان هما محبة الخالق الرازق ومحبة النّاس فأرشده إلى ذلك العمل معلم الخير ﷺ بقوله: "أزهد في الدنيا الخ" فقوله دلني أمر من الدلالة وهو الإرشاد أي ارشدني وتقدم في أول الكتاب معنى محبة الله وإنها ترجع إما لمعنى الإرادة أو لمعنى الكلام أو إلى صفة الفعل أي الإحسان والتفضل والجملة الشرطية صفة عمل ومحبة النّاس إرادة النفع، والزهد في الشيء لغة الإعراض عنه استقلالاً له واحتقاراً لشأنه ورفعاً للهم عنه وشرعاً ترك ما عدا الضروريات أي التي لا بد منها في قوام البدن من المباحات خوفاً من النار أو طمعاً في الجنة أو ترفعاً عن الالتفات إلى ما سوى الحق وهذا زهد الخواص العارفين بالله تعالى وهو المراد في الحديث على ما يظهر قال الشافعي: أيا نفس يكفيك طول الحيا ... ة إذا ما قنعت ورب الفلق رغيف بفوذنج يابس ... وماء روى ولباس خلق وحفش يكنك جدرانه ... فماذا العناء وماذا القلق ولا يكون ذلك إلا بعد انشراح الصدر بنور اليقين ويطلق الزهد على ترك الحرام وهذا زهد العوام وهو واجب دون ما قبله ويطلق على ترك الشبهات وتقدم الخلاف في وجوبه، ويطلق الزهد على معنى أدق من هذا وهو الإعراض عما سوى الله تعالى من دنيا وآخرة وجنة ونار وحال ومقام، ومقصد صاحبه هذا الوصول إلى الرب والتقرب منه فليس مراده إلا وجه الله تعالى وهذا زهد المقربين وحكى الحارث المحاسبي فيما يزهد فيه من الدنيا خلافاً فقيل الدينار والدرهم وقيل المطعم والمشرب والملبس والمسكن وقيل الحياة، والوجه أنه كل لذة وشهوة ملائمة للنفس مما ذكر وغيره حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه الله تعالى وحاصل ما أرشد إليه ﷺ الحث على التقليل من الدنيا وما فيها والترغيب في تركها ووعده على ذلك بحب الله

стр. 2660

يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النّاسِ يُحِبَّكَ الناسُ" ــ فكأنه قال: أعرض عما سوى ما لا بد لك منه من المباحات احتقاراً له وباعد نفسك بغضاً للدنيا لأن حبها رأس كل خطيئة ولأنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد والله لا يحب ذلك ولأن الله تعالى يحب من أطاعه ومحبته مع محبة الدنيا مما لا يجتمع كما دلت عليه النصوص والتجربة والتواتر ومن ثم ورد مرفوعاً حب الدنيا رأس كل خطيئة، ولأن القلب بيت الرب لا شريك له فلا يحب أن يشركه في بيته حب الدنيا ولا غيرها، ومحبتها الممنوعة هي إيثارها لنيل الشهوات واللذات لأن ذلك يشغل عن الله أما محبتها لفعل الخير والتقرب به إلى الله تعالى فمحمود كما يدل عليه الأحاديث كحديث نعم المال الصالح مع الرجل الصالح يصل به رحماً ويصنع به معروفاً ولذا عد عثمان وابن عوف من خزان الله في أرضه ينفقان المال في طاعته ومعاملتهما الله معلومة فاقتناء المال لذلك وإمساكه للتقرب به إلى الله تعالى مطلوب ومنهم من لا يمسكه اختياراً أو مع مجاهدة للنفس وفضل ابن السماك والجنيد الأول لتحقق يقينه بمقام السخاء والزهد وابن عطاء الثاني لأن له عملاً ومجاهدة ومنهم من لا يحصل له شيء من الفضول وهو زاهد في تحصيله مع القدرة أو بدونها والأول أفضل ولذا قال كثير من السلف إن عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس واختلف العلماء أي أفضل طلبها لفعل الخير أو تركها فرجحت طائفة الأول والأخرى الثاني، ثم إن رفضت الدنيا على هذا الوجه المطلوب رفضها عليه (يحبك الله) وهو بفتح آخره لأنه لما كان مجزوماً جواباً لأزهد وأريد إدغامه سكنت باؤه الأولى بنقل حركتها إلى الساكن قبلها فاجتمع ساكنان فحركت الثانية بالفتح تخفيفاً وقيل إنه مرفوع على الاستئناف وفيه إشارة إلى أن الزهد من المقامات العلية لأنه جعل سبباً لمحبة الله تعالى ومفهومه أن محبة الدنيا سبب لبغضه والورع أعلى منه لأنه تطهير القلب عن دنس التعلق بالحرام في الشريعة أو الطريقة أو الحقيقة. قوله: (وازهد فيما عند النّاس) أي من المال والجاه (يحبك النّاس) لأن قلوب غالبهم مجبولة مطبوعة على حبهما ومن نازع إنساناً في محبوبه كرهه وقلاه ومن لم

стр. 2661

حديث حسن رويناه في كتاب ابن ماجه. ــ يعارضه أحبه واصطفاه ومن ثم قال إمامنا الشافعي ﵁: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها قال الفضيل بن عياض جعل الشركاء في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها، قال بعضهم لا يبعد عندي أن الزاهد يحبه الإنس والجن المؤمن أخذاً بعموم لفظ النّاس فإنه يطلق على الإنس والجن أي على أحد القولين في ذلك وسأل ابن سلام كعباً بحضرة عمر بن الخطاب ما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه قال يذهبه الطمع وشره النفوس وتطلب الحاجات إلى النّاس قال: صدقت قال الشاعر: أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه وإذا احتجت إليه ... ساعة مجك فوه فمن سأل النّاس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن المال محبوب لنفوسهم بل لا أحب إليها منه ومن طلب محبوبك منك كرهته وأما من زهد فيما في أيديهم فإنه يحبونه ويكرمونه ويسوودونه كما قال أعرابي لأهل البصرة من سيدكم قالوا: الحسن قال: بم سادكم قالوا: احتاج النّاس إلى علمه واستغنى عن دنياهم فقال: ما أحسن هذا. قوله: (حديث حسن) أي لغيره كما يعلم مما يأتي (رواه ابن ماجه) وقال السخاوي في تخريجه للأربعين الحديث بعد تخريجه حديث حسن غريب أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ورواه ابن ماجه وابن حبان في روضة العقلاء له والحاكم في الرقائق من مستدركه وأخرجه العقيلي في الضعفاء عن البغوي ومن طريق البغوي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان والقضاعي في مسند الشهاب وقال الحاكم إنه صحيح الإسناد ومدار الحديث عندهم على خالد بن عمرو القرشي وأخرجه السخاوي من طريق محمد بن كثير المصيصي أيضاً كلاهما واعترض تصحيح الحاكم بأن خالداً مجمع على تركه ضعفه أحمد وابن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائي

стр. 2662

الثالث عشر: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ــ وآخرون بل نسبه أحمد وابن عدي إلى وضع الحديث وقال السخاوي بعد كلام نقله عن شيخه الحافظ الظاهر أن الحديث الذي أوردناه يعني حديث سهل لا يصح ولا يطلق على إسناده أنه حسن وكأنه أشار بذلك إلى صنيع شيخه الحافظ العراقي فإنه حسنه في أماليه بل وحسنه من قبله الشيخ ويساعد الحافظ قول أبي جعفر العقيلي ليس للحديث من حديث سفيان الثوري أصل ولعل ابن كثير المصيصي أخذه عن خالد ودلسه لأن المشهور به خالد كذا قال وقد خالفه الخطيب فإنه قال وتابعه أبو قتادة ومهران بن أبي عمر الرازي يعني المضعفين أيضاً فروياه عن الثوري قال: وأشهرها ابن كثير لكن وافقه ابن عدي على أنه منكر من حديث الثوري قال: وقد رواه زافر يعني ابن سليمان عن محمد بن عيينة أخي سفيان عن أبي حازم فقال: عن ابن عمر بدل سهل وكل من زافر وشيخه ضعيف، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني النّاس عليه فقال ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله" وأما النّاس فانبذ إليهم هذا يحبونك ورجاله ثقات لكن في سماع مجاهد من أنس نظر وقد قال أبو نعيم عقبيه ذكر أنس فيه وهم من أحد راويه وذكرهما قال: وقد رواه الأثبات من طريق آخر عن الحسن بن الربيع أحد رواته فلم يجاوزوا مجاهداً ورواه أيضاً عن ربعي بن خراش عن الربيع بن خيثم قال: أتى النبي ﷺ فذكر مثله وكذا رواه ابن زبر في مسند إبراهيم بن أدهم له من طريق إبراهيم عن ربعي بن خراش ولم يذكر الربيع بن خيثم ولفظه وأما العمل الذي يحبك النّاس عليه فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم ورواه أبو نعيم في الحلية أيضاً من طريق آخر وقال فيها عن أرطاة بن المنذر قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فذكر بنحوه وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا له من طريق آخر ولم يذكر فيه أرطاة وقال بعد ذكر طرق أخرى

стр. 2663

"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنِّي رَسُولُ الله إلاَّ بإحْدَى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزَّاني، ــ في بعضها انظر ما في يدك من هذا الحطام فانبذه إليهم فإنهم يحبونك وقد أشار إلى هذه أبو نعيم قال وهو من حديث منصور أي عن ربعي وعن مجاهد أي الراوي عن أنس عزيز ومشهوره ما رواه الثوري عن أبي حازم عن سهل يعني الأول اهـ. وحاصل ما يوميء إليه كلامه أن الحديث ليس أحد نوعي المقبول لضعف راويه المذكور وقال ابن حجر الهيتمي يجاب بأن ذلك الراوي يعني خالداً ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ولو سلم أنه ضعيف فلم ينفرد به بل رواه آخرون غيره فالتحسين إنما جاء من ذلك وإن قيل إن هؤلاء كلهم ضعفاء إذ غاية الأمر أنه حسن لغيره لا لذاته وكلاهما يحتج به بل بعض رواته هؤلاء وثقه كثيرون من الحفاظ اهـ. ثم هذا الحديث أحد الأربعة التي عليها مدار الإسلام وقد مر مستوفى. قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم) أي لا يجوز فلا ينافي وجوب القتل بإحدى الثلاثة المذكورة في الخبر لأن الجائز يصدق بالواجب أو يقال الإباحة فيما ذكر بالنسبة لتحريم قتل غيرهم وإن كان قتل من ذكر واجباً في الحكم ودم أصله دمي وهو على تقدير مضاف أي لا يحل إراقته وهذا المعنى متضح عرفاً فلا إجمال فيه وهو كناية عن قتله وإن لم يرق دمه وقد جاء عند النسائي لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال الخ وامرؤ يقال فيه بحذف الهمزة وهو للذكر وخص بالذكر هنا وفي نظائره لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه وإلا فالأنثى كذلك من حيث الحكم بعد قوله مسلم. وقوله: (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) صفة كاشفة وخرج به الكافر الحربي فيحل دمه مطلقاً لكن إن كان بالغاً عاقلاً لأنه لا شيء يخرجه عما اقتضاه هذا المفهوم بخلاف الذمي. وقوله: (إلا بإحدى ثلاث) أي بإحدى خصال ثلاث فيجب على الإِمام القتل بها لما فيه من المصلحة العامة وهي حفظ النفوس والأنساب والأديان ووقع عند مسلم في رواية لا ثلاثة. قوله: (الثيب الزاني) أي خصلته المفهومة من السياق

стр. 2664

والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلجَماعَةِ" ــ وهي زناه لتعذر إبداله مما قبله بدون هذا التقدير وكذا يقدر فيما بعده قال الكازروني يجوز في هذه الكلمات الرفع على الخبر لمبتدأ محذوف والنصب على المفعولية لفعل محذوف والخفض على أنه عطف بيان لكن الرواية على الأول اهـ. والمراد من الثيب المحصن وهو المكلف الحر البالغ العاقل الواطئ (أو) الموطوءة في القبل في نكاح صحيح وإن حرم لنحو عدة شبهة فإذا زنى أي أولج (أو أولج) فيه حشفة آدمي أو قدرها في قبل حرام لعينه مشتهى طبعاً خال عن شبهة الفاعل والمحل والطريق ووطء الدبر كالقبل بل أغلظ لكن حد المفعول به غير حليلة الفاعل الجلد والتغريب ولو محصناً لأنه لا يتصور الإحصان المشترط في الرجم في الدبر المفعول به والمراد من حل دم المحصن الزاني أنه يجب رجمه بالحجارة حتى يموت ولا يجوز قتله بغير ذلك إجماعاً ثم الزاني بإثبات الياء ووقع عند مسلم في نسخة بحذفها قال المصنف وهي لغة صحيحة قريء بها في السبع وإن كان الأشهر في اللغة الياء. قوله: (والنفس بالنفس) أي قتل النفس قصاصاً بالنفس أي قتلها عمداً عدواناً بشرطه المقرر في الحرية عند مالك والشافعي وأحمد وذهب أهل الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي وأن الحر يقتل بالعبد وقد يستدلون بهذا الحديث والجمهور على خلاف ذلك وهذا مخصوص بولي الدم فلو قتله غيره لزمه القصاص والنفس تذكر وتؤنث. قوله: (والتارك لدينه) أي الإسلام -لأن الكلام في المسلم على أن في رواية لمسلم التارك للإسلام- بالردة قولاً له كان أو فعلاً أو اعتقاداً فيجب قتله إن لم يتب والخبر غير متناول لانتقال الكافر من ملة إلى أخرى لأن الكلام في المسلم ومن ثم كان الأصح عندنا أنه لا يقتل بذلك بل يبلغ مأمنه ثم يصير كحربي إن ظفر نابه قتلناه إن لم يسلم أو يبذل جزية وافهم الخبر قتل المرتدة كالمرتد وهو مذهب الشافعي وكثيرين ويصرح به خبر من بدل دينه فاقتلوه ودعوى تخصيصه بغيرها لا دليل عليها ولا تقبل. وقوله: (المفارق للجماعة) أي المعهودين أي جماعة المسلمين وفراقه إما بنحو بدعة كالخوارج المتعرضين لنا (أو) الممتنعين من إقامة الحق عليهم المقاتلين عليه وإما بنحو بغي أو حرابة أو صيال أو عدم ظهور شعار الجماعة في الفرائض فكل هؤلاء تحل دماؤهم بمقاتلتهم من

стр. 2665

رويناه في "صحيحيهما". الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ــ أجل أنهم تركوا دينهم كالمرتد لكن يفارقونه بأنه بدل كل الدين وهؤلاء بدلوا بعضه وإن كان كل منه ومنهم مفارقاً للجماعة فعلم أن بين ترك الدين من أصله ومفارقة الجماعة عموماً وخصوصاً مطلقاً إذ يلزم من الأول الثاني ولا عكس وبين تركه لا من أصله ومفارقة الجماعة التساوي لأنه يلزم من أحدهما الآخر وإن هذا القسم الثالث أعني التارك لدينه المفارق للجماعة باعتبار ما قررناه فيه شامل لما عدا القسمين الأولين من كل من جاز قتله كتارك الصلاة أو قتاله شرعاً وأن الحصر في الحديث حقيقي إذ لا يشذ منه شيء بملاحظة ما قررناه فاستفده وبه رد على من زعم أن الحصر غير حقيقي، ثم قوله التارك لدينه المفارق للجماعة لفظ مسلم ووقع عند أبي داود أحد رواة صحيح البخاري المفارق لدينه التارك للجماعة وعندنا في رواية الآتي ذكرهم والمارق لدينه قال الطيبي هو التارك له من المروق وهو الخروج ووقع في بعض رواياته المارق من الدين وثم قوله المفارق للجماعة صفة للتارك ولو جعلت صفة مستقلة لصارت الخصال أربعاً كما قاله الحافظ في الفتح، ثم لام لدينه وما بعده مزيدة للتأكيد والتقوية لتعدي ترك وفارق ونحو اسم فاعلهما إلى المفعول بلا واسطة واستثناء الأولين من المسلم ظاهر لأنهما حيث لم يستحلا لا ينافيان الإسلام واستثناء الثالث المزيل للإسلام منه إنما هو باعتبار أنه كان مسلماً قبل ففيه الجمع بين حقيقة ومجاز وهو جائز وقبلت توبته خلافاً لجمع دونهما لأن قتلهما لجريمة مضت فلا يمكن تلافيها بخلافه فإنه لوصف قائم به حالاً وهو تركه لدينه فبعوده إليه انتفى ذلك الوصف. قوله: (رواه البخاري ومسلم) قال القلقشندي في شرح العمدة وأخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم ولفظ النسائي لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال رجل محصن ورجل يقتل مسلماً متعمداً ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض اهـ. والحديث من القواعد الخطيرة
следующие страницы →