← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

حديث حسن رويناه في كتاب ابن ماجه. ــ يعارضه أحبه واصطفاه ومن ثم قال إمامنا الشافعي ﵁: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها قال الفضيل بن عياض جعل الشركاء في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها، قال بعضهم لا يبعد عندي أن الزاهد يحبه الإنس والجن المؤمن أخذاً بعموم لفظ النّاس فإنه يطلق على الإنس والجن أي على أحد القولين في ذلك وسأل ابن سلام كعباً بحضرة عمر بن الخطاب ما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه قال يذهبه الطمع وشره النفوس وتطلب الحاجات إلى النّاس قال: صدقت قال الشاعر: أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه وإذا احتجت إليه ... ساعة مجك فوه فمن سأل النّاس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن المال محبوب لنفوسهم بل لا أحب إليها منه ومن طلب محبوبك منك كرهته وأما من زهد فيما في أيديهم فإنه يحبونه ويكرمونه ويسوودونه كما قال أعرابي لأهل البصرة من سيدكم قالوا: الحسن قال: بم سادكم قالوا: احتاج النّاس إلى علمه واستغنى عن دنياهم فقال: ما أحسن هذا. قوله: (حديث حسن) أي لغيره كما يعلم مما يأتي (رواه ابن ماجه) وقال السخاوي في تخريجه للأربعين الحديث بعد تخريجه حديث حسن غريب أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ورواه ابن ماجه وابن حبان في روضة العقلاء له والحاكم في الرقائق من مستدركه وأخرجه العقيلي في الضعفاء عن البغوي ومن طريق البغوي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان والقضاعي في مسند الشهاب وقال الحاكم إنه صحيح الإسناد ومدار الحديث عندهم على خالد بن عمرو القرشي وأخرجه السخاوي من طريق محمد بن كثير المصيصي أيضاً كلاهما واعترض تصحيح الحاكم بأن خالداً مجمع على تركه ضعفه أحمد وابن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائي

стр. 2662

الثالث عشر: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ــ وآخرون بل نسبه أحمد وابن عدي إلى وضع الحديث وقال السخاوي بعد كلام نقله عن شيخه الحافظ الظاهر أن الحديث الذي أوردناه يعني حديث سهل لا يصح ولا يطلق على إسناده أنه حسن وكأنه أشار بذلك إلى صنيع شيخه الحافظ العراقي فإنه حسنه في أماليه بل وحسنه من قبله الشيخ ويساعد الحافظ قول أبي جعفر العقيلي ليس للحديث من حديث سفيان الثوري أصل ولعل ابن كثير المصيصي أخذه عن خالد ودلسه لأن المشهور به خالد كذا قال وقد خالفه الخطيب فإنه قال وتابعه أبو قتادة ومهران بن أبي عمر الرازي يعني المضعفين أيضاً فروياه عن الثوري قال: وأشهرها ابن كثير لكن وافقه ابن عدي على أنه منكر من حديث الثوري قال: وقد رواه زافر يعني ابن سليمان عن محمد بن عيينة أخي سفيان عن أبي حازم فقال: عن ابن عمر بدل سهل وكل من زافر وشيخه ضعيف، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني النّاس عليه فقال ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله" وأما النّاس فانبذ إليهم هذا يحبونك ورجاله ثقات لكن في سماع مجاهد من أنس نظر وقد قال أبو نعيم عقبيه ذكر أنس فيه وهم من أحد راويه وذكرهما قال: وقد رواه الأثبات من طريق آخر عن الحسن بن الربيع أحد رواته فلم يجاوزوا مجاهداً ورواه أيضاً عن ربعي بن خراش عن الربيع بن خيثم قال: أتى النبي ﷺ فذكر مثله وكذا رواه ابن زبر في مسند إبراهيم بن أدهم له من طريق إبراهيم عن ربعي بن خراش ولم يذكر الربيع بن خيثم ولفظه وأما العمل الذي يحبك النّاس عليه فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم ورواه أبو نعيم في الحلية أيضاً من طريق آخر وقال فيها عن أرطاة بن المنذر قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فذكر بنحوه وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا له من طريق آخر ولم يذكر فيه أرطاة وقال بعد ذكر طرق أخرى

стр. 2663

"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنِّي رَسُولُ الله إلاَّ بإحْدَى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزَّاني، ــ في بعضها انظر ما في يدك من هذا الحطام فانبذه إليهم فإنهم يحبونك وقد أشار إلى هذه أبو نعيم قال وهو من حديث منصور أي عن ربعي وعن مجاهد أي الراوي عن أنس عزيز ومشهوره ما رواه الثوري عن أبي حازم عن سهل يعني الأول اهـ. وحاصل ما يوميء إليه كلامه أن الحديث ليس أحد نوعي المقبول لضعف راويه المذكور وقال ابن حجر الهيتمي يجاب بأن ذلك الراوي يعني خالداً ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ولو سلم أنه ضعيف فلم ينفرد به بل رواه آخرون غيره فالتحسين إنما جاء من ذلك وإن قيل إن هؤلاء كلهم ضعفاء إذ غاية الأمر أنه حسن لغيره لا لذاته وكلاهما يحتج به بل بعض رواته هؤلاء وثقه كثيرون من الحفاظ اهـ. ثم هذا الحديث أحد الأربعة التي عليها مدار الإسلام وقد مر مستوفى. قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم) أي لا يجوز فلا ينافي وجوب القتل بإحدى الثلاثة المذكورة في الخبر لأن الجائز يصدق بالواجب أو يقال الإباحة فيما ذكر بالنسبة لتحريم قتل غيرهم وإن كان قتل من ذكر واجباً في الحكم ودم أصله دمي وهو على تقدير مضاف أي لا يحل إراقته وهذا المعنى متضح عرفاً فلا إجمال فيه وهو كناية عن قتله وإن لم يرق دمه وقد جاء عند النسائي لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال الخ وامرؤ يقال فيه بحذف الهمزة وهو للذكر وخص بالذكر هنا وفي نظائره لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه وإلا فالأنثى كذلك من حيث الحكم بعد قوله مسلم. وقوله: (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) صفة كاشفة وخرج به الكافر الحربي فيحل دمه مطلقاً لكن إن كان بالغاً عاقلاً لأنه لا شيء يخرجه عما اقتضاه هذا المفهوم بخلاف الذمي. وقوله: (إلا بإحدى ثلاث) أي بإحدى خصال ثلاث فيجب على الإِمام القتل بها لما فيه من المصلحة العامة وهي حفظ النفوس والأنساب والأديان ووقع عند مسلم في رواية لا ثلاثة. قوله: (الثيب الزاني) أي خصلته المفهومة من السياق

стр. 2664

والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلجَماعَةِ" ــ وهي زناه لتعذر إبداله مما قبله بدون هذا التقدير وكذا يقدر فيما بعده قال الكازروني يجوز في هذه الكلمات الرفع على الخبر لمبتدأ محذوف والنصب على المفعولية لفعل محذوف والخفض على أنه عطف بيان لكن الرواية على الأول اهـ. والمراد من الثيب المحصن وهو المكلف الحر البالغ العاقل الواطئ (أو) الموطوءة في القبل في نكاح صحيح وإن حرم لنحو عدة شبهة فإذا زنى أي أولج (أو أولج) فيه حشفة آدمي أو قدرها في قبل حرام لعينه مشتهى طبعاً خال عن شبهة الفاعل والمحل والطريق ووطء الدبر كالقبل بل أغلظ لكن حد المفعول به غير حليلة الفاعل الجلد والتغريب ولو محصناً لأنه لا يتصور الإحصان المشترط في الرجم في الدبر المفعول به والمراد من حل دم المحصن الزاني أنه يجب رجمه بالحجارة حتى يموت ولا يجوز قتله بغير ذلك إجماعاً ثم الزاني بإثبات الياء ووقع عند مسلم في نسخة بحذفها قال المصنف وهي لغة صحيحة قريء بها في السبع وإن كان الأشهر في اللغة الياء. قوله: (والنفس بالنفس) أي قتل النفس قصاصاً بالنفس أي قتلها عمداً عدواناً بشرطه المقرر في الحرية عند مالك والشافعي وأحمد وذهب أهل الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي وأن الحر يقتل بالعبد وقد يستدلون بهذا الحديث والجمهور على خلاف ذلك وهذا مخصوص بولي الدم فلو قتله غيره لزمه القصاص والنفس تذكر وتؤنث. قوله: (والتارك لدينه) أي الإسلام -لأن الكلام في المسلم على أن في رواية لمسلم التارك للإسلام- بالردة قولاً له كان أو فعلاً أو اعتقاداً فيجب قتله إن لم يتب والخبر غير متناول لانتقال الكافر من ملة إلى أخرى لأن الكلام في المسلم ومن ثم كان الأصح عندنا أنه لا يقتل بذلك بل يبلغ مأمنه ثم يصير كحربي إن ظفر نابه قتلناه إن لم يسلم أو يبذل جزية وافهم الخبر قتل المرتدة كالمرتد وهو مذهب الشافعي وكثيرين ويصرح به خبر من بدل دينه فاقتلوه ودعوى تخصيصه بغيرها لا دليل عليها ولا تقبل. وقوله: (المفارق للجماعة) أي المعهودين أي جماعة المسلمين وفراقه إما بنحو بدعة كالخوارج المتعرضين لنا (أو) الممتنعين من إقامة الحق عليهم المقاتلين عليه وإما بنحو بغي أو حرابة أو صيال أو عدم ظهور شعار الجماعة في الفرائض فكل هؤلاء تحل دماؤهم بمقاتلتهم من

стр. 2665

رويناه في "صحيحيهما". الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ــ أجل أنهم تركوا دينهم كالمرتد لكن يفارقونه بأنه بدل كل الدين وهؤلاء بدلوا بعضه وإن كان كل منه ومنهم مفارقاً للجماعة فعلم أن بين ترك الدين من أصله ومفارقة الجماعة عموماً وخصوصاً مطلقاً إذ يلزم من الأول الثاني ولا عكس وبين تركه لا من أصله ومفارقة الجماعة التساوي لأنه يلزم من أحدهما الآخر وإن هذا القسم الثالث أعني التارك لدينه المفارق للجماعة باعتبار ما قررناه فيه شامل لما عدا القسمين الأولين من كل من جاز قتله كتارك الصلاة أو قتاله شرعاً وأن الحصر في الحديث حقيقي إذ لا يشذ منه شيء بملاحظة ما قررناه فاستفده وبه رد على من زعم أن الحصر غير حقيقي، ثم قوله التارك لدينه المفارق للجماعة لفظ مسلم ووقع عند أبي داود أحد رواة صحيح البخاري المفارق لدينه التارك للجماعة وعندنا في رواية الآتي ذكرهم والمارق لدينه قال الطيبي هو التارك له من المروق وهو الخروج ووقع في بعض رواياته المارق من الدين وثم قوله المفارق للجماعة صفة للتارك ولو جعلت صفة مستقلة لصارت الخصال أربعاً كما قاله الحافظ في الفتح، ثم لام لدينه وما بعده مزيدة للتأكيد والتقوية لتعدي ترك وفارق ونحو اسم فاعلهما إلى المفعول بلا واسطة واستثناء الأولين من المسلم ظاهر لأنهما حيث لم يستحلا لا ينافيان الإسلام واستثناء الثالث المزيل للإسلام منه إنما هو باعتبار أنه كان مسلماً قبل ففيه الجمع بين حقيقة ومجاز وهو جائز وقبلت توبته خلافاً لجمع دونهما لأن قتلهما لجريمة مضت فلا يمكن تلافيها بخلافه فإنه لوصف قائم به حالاً وهو تركه لدينه فبعوده إليه انتفى ذلك الوصف. قوله: (رواه البخاري ومسلم) قال القلقشندي في شرح العمدة وأخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم ولفظ النسائي لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال رجل محصن ورجل يقتل مسلماً متعمداً ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض اهـ. والحديث من القواعد الخطيرة

стр. 2666

- ﷺ قال: "أمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ ــ لتعلقه بأخطر الأشياء وهو الدماء وبيان ما يحل منها وما لا يحل وأن الأصل فيها العصمة وهو كذلك عقلاً لأنه مجبول على محبة بقاء الصور الإنسانية المخلوقة في أحسن تقويم وشرعاً وهو ظاهر ولو لم يكن من وعيد القاتل إلا قوله ﷺ من أعان على قتل مسلم (ولو بشطر) كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله وقد أجمع المسلمون على القتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث وسيأتي في شرح الحديث بعد أن هذا الحديث مبين لحق الإسلام المذكور فيه وأن العصمة الثابتة فيه إنما تراعى ما دامت لم تهتك وهتكها إنما يتحقق بأحد هذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث. قوله: (أمرت) أي أمرني الله إذ ليس فوق رتبته ﷺ من يأمره سوى الله ومن ثم لم يأت فيه الاحتمال في قول الصحابي أمرنا أو نهينا لأن فوقه من يمكن إضافة الأمر إليه غير النبي ﷺ من نحو خليفة ومعلم ووالد ورئيس لكن لما بعد هذا وكان الظاهر من حال الصحابي أنه لا يطلق ذلك إلا إذا كان الآمر أو الناهي هو النبي ﷺ كان الاصح أن له حكم المرفوع وحذف الفاعل هنا تعظيماً من قولهم أمرنا بكذا ولا يذكرون الآمر تعظيماً. قوله: (أن أقاتل النّاس) أي بأن، لأن الأصل في أمر أن يتعدى للثاني بحرف الجر وتعديه إليه بنفسه كقوله أمرتك الخير قليل والمراد بالناس هنا عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بالشهادتين قاله الخطابي لكنه إنما يجيء على رواية أبي هريرة لاقتصارها على لا إله إلا الله أما على رواية ابن عمر فالمراد بهم جميع الكفار وتاركو الصلاة أو الزكاة وإن كانوا مسلمين كما دل عليه الحديث ويأتي موضحاً في شرحه فتخصيص جمع النّاس هنا بما قاله الخطابي وهم لما عرفت وإنما لم يدخل الجن مع أن لفظ النّاس قد يشملهم كما قاله الجوهري ورسالته ﷺ عامة لهم إجماعاً لأنه لم يرد أنه ﷺ قاتل نوعاَ منهم داعياً لهم للتوحيد كما فعل ذلك بالإنس وإنما الذي جاء أن جماعة منهم كجن نصيبين وغيرهم أسلموا على يديه ﷺ من غير قتال. قوله: (حتى يشهدوا الخ) صريحه أن الآتي بالشهادتين مؤمن حقاً وإن كان عن تقليد قال المصنف وهو مذهب المحققين والجماهير من

стр. 2667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السلف والخلف واشتراط تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها وإلا لم يكن من أهل القبلة خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأنه ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيح فحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي اهـ. وظاهر الحديث أنه لا بد في الإسلام من لفظ أشهد بأن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فلو قال أعلم بدل أشهد أو أسقطهما فقال: لا إله إلا الله الخ لم يكن مسلماً وهو ما اعتمده بعض المتأخرين منا ويؤيده أن الشارع تعبد بلفظ أشهد في أداء الشهادة فلا يكفي أعلم ونحوها وإن رادفت أشهد أي في إفادة مطلق العلم لا مطلقاً لأن الشهادة أخص منه فكل شهادة علم ولا عكس واستدل له بكلام الروضة في الكفارة لكن رواية حتى يقولوا الخ ظاهرة في عدم اشتراط لفظ أشهد وأن المراد به في أحاديثه يقول ولم يعكس لأن حمل أشهد على يقول فيه قرينة خارجية هي أن هذه الكلمة تسمى كلمة الشهادة وإن أسقط منها لفظ أشهد وحمل يقول على أشهد لا قرينة عليه خارجة وأيضاً فالاحتياط للمشهود به المبني على المشاحة غالباً ثم اقتضى تضييق طرفه والاقتصار به على الوارد والاحتياط للدخول في الإسلام والعصمة المتشوف إليها الشارع اقتضى توسعة طرقه فعملنا بالاحتياط المذكور في البابين وكلام الروضة في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط ويؤيده اكتفاؤهم في حق من لم يدن بشيء بآمنت -وكذا بأو من إن لم يرد به الوعد- بالله أو أسلمت بالله أو الله خالقي أو ربي ثم يأتي بالشهادة الأخرى فإذا اكتفوا بنحو الله خالقي مع أنه لا شيء فيه من الوارد نظراً للمعنى دون اللفظ فأولى الاكتفاء بلا إله إلا الله الخ كما هو واضح لأنه وجد فيه لفظ الوارد نظراً لرواية يقولوا ومعناه فعلم أنهم لم يتعبدوا هنا بلفظ الوارد فيكفي بدل إله باريء أو رحمن أو رزاق وبدل الله محيي أو مميت إن لم يكن طبائعياً أو أحد تلك الثلاثة أو من في السماء دون ساكن السماء أو من آمن به المسلمون وبدل محمد أحمد وأبو القاسم وبدل لا غير وسوى وعدا وبدل رسول نبي ولبعض أئمتنا رأي ثالث هو اشتراط أشهد أو مرادفها كما علم اهـ. وهذا الخلاف الذي أشار إليه الشيخ

стр. 2668

وأن مُحَمَداً رَسولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكاةَ، ــ بقوله فيما مضى في باب ما يكره استعماله من الألفاظ إذا قالها أي قال الكافر كلمتي الشهادة ابتداء لا حكاية ولا باستدعاء فالمذهب الصحيح المشهور أنه يصير مسلماً أي بناء على رواية حتى يقولوا الخ وقيل لا يصير بناء على اعتبار لفظ أشهد كما يشير إليه حديث الباب أو على اعتباره أو اعتبار مرادفه والله أعلم، ثم يشترط ترتيب الشهادتين وإن لم يقتضه الوارد فلا صح الإيمان بالنبي قبل الإيمان بالله نعم لا تشترط الموالاة ولا العربية وإن أحسنها وأنه لا بد من مجموعهما في الإسلام فلا يكفي أحدهما خلافاً لما شذ به بعض أصحابنا الشافعية أنه يكفي لا إله إلا الله وحدها وأنه لا يشترط زيادة عليها وهي البراءة من كل دين مخالف الإسلام ومحله إن أنكر أصل نبينا ﷺ فإن خصصها بالعرب اشترط زيادة إقراره بعمومها ويزيد حتماً من كفر بإنكاره معلوماً من الدين بالضرورة اعترافه بما كفر بإنكاره أو التبري من كل ما خالف دين الإسلام، والمشرك وكفرت بما كنت أشركت به، والمشبه البراءة من التشبيه ما لم يعلم مجيء محمد ﷺ بنفيه. قوله: (ويقيموا الصلاة) أي الإتيان بها مع المحافظة على أركانها وشروطها أو على مكملاتها أو المداومة عليها فيقيم من التقويم والتعديل أو من الإقامة أي الملازمة والاستمرار أو التشمير والنهوض وحمله على يقوم إليها أو يقيم من الإقامة أخت الأذان بعيد لغة ومعنى، وفي الحديث دليل لقتل تاركها غير الجاحد وهو ما عليه أكثر العلماء لأنه غلب الأمر بالقتال بفعلها فمن لم يفعلها فهو مقاتل وجوباً ويلزم من قتاله قتله غالباً أو احتمالاً فدل على جواز بل وجوب قتله وسياق الحديث وإن كان في الكافر لكن المسلم أولى منه بذلك لأنه تركها مع اعتقاده وجوبها بخلاف الكافر ولذا قضى المرتد بعد إسلامه ما فاته زمن ردته بخلاف الكافر الأصلي، وأيضاً الغاية هنا في معنى الشرط وحينئذٍ فكف القتال مشروط بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والمشروط ينتفي بانتفاء أحد شروطه فإذا انتفي فعل الصلاة وجد القتال المقتضي لجواز بل وجوب القتل كما ذكر. قوله: (ويؤتوا الزكاة) أي إلى مستحقيها ومثلها في قتال الممتنعين منها بقية شرائع الإسلام وإنما لم يقل بأن تاركها يقتل

стр. 2669

فإذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى الله تَعالى" رويناه في "صحيحيهما". الخامس عشر: عن ابن عمر رضي ــ وإن قال به جمع لأنه إذا امتنع أمكن تخليصها منه بالقتال وإلا أمكن تخليصها بلا قتال فلم يجز القتل هنا حينئذٍ إذ لا ضرورة إليه بخلافه في تارك الصلاة لأنه إذا امتنع لم يمكن استيفاؤها منه فغلظت عقوبته ما لم يتب بأن يصلي. قوله: (فإذا فعلوا ذلك) أي المذكور جميعه أي أتوا به قولاً وهو الشهادتان أو قولاً وفعلاً وهو الصلاة أو فعلاً محضاً وهو الزكاة والمقام لأن الشرطية لأن فعلهم متوقع لكن آثر إذا عليها لأنه علم إجابة بعضهم فغلبهم لشرفهم أو تفاؤلاً نحو غفر الله لك. وقوله: (عصموا) أي منعوا وحفظوا (مني دماءهم وأموالهم) وهي كل ما صح إيراد نحو البيع عليه وأريد به هنا ما هو أعم من ذلك حتى يشمل الاختصاصات أي فلا يتعرض لهما حينئذٍ بسبب من الأسباب (إلا بحق الإسلام) فلا يعصم حينئذٍ دمه وماله وفسر هذا الحق في حديث بأنه زنى بعد إحصان أو كفر بعد إيمان أو قتل النفس التي حرم الله وقضيته أن الزاني والقاتل تباح أموالهما وليس مراداً فكأنه غلب الكافر عليهما، وبه يرد على من قال فيه دليل على كفر تارك الصلاة لأن مفهومه أنهم إذا لم يفعلوا ذلك لم يعصموا مني دماءهم وأموالهم بحق الكفر لأن حق الإسلام ذكر بعد إلا وما بعدها يخالف ما قبلها اهـ. على أنه يلزم عليه كفر تارك الزكاة وهو ضعيف جداً وأيضاً فلا يحتاج لهذا التكلف لو سلمت صحته لما في حديث مسلم من التصريح بكفر تارك الصلاة لكن حمله الجمهور على المستحل ثم الحكم عليهم بما ذكر إنما هو باعتبار الظاهر وأما باعتبار البواطن والسرائر فأمرهم ليس إلى الخلق إذ (حسابهم) أي حساب بواطنهم وسرائرهم (على الله) إذ هو المطلع وحده على ما فيها من إيمان وكفر ونفاق وغير ذلك فمن أخلص في إيمانه جازاه جزاء المخلصين ومن لا أجري عليه في الدنيا أحكام المسلمين وكان في الآخرة من أسوأ الكافرين. قوله: (رويناه له في صحيحيهما) لكن هذا اللفظ جميعه للبخاري وعند مسلم ما عدا قوله إلا بحق الإسلام وعجيب من المصنف مع شدة تحقيقه وحفظه كيف أوهم أن كلاً من الشيخين خرجه

стр. 2670

الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ: ــ جميعه كذا في شرح الأربعين لابن حجر ورويا عن أبي هريرة مرفوعاً أمرت أن أقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وفي رواية حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني الخ وأخرجه مسلم عن جابر بهذا اللفظ وزاد ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وأخرج مسلم من حديث أنس أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ثم حديث الباب حديث عظيم مشتمل من قواعد الدين على مهماتها كما ظهر مما تقرر في شرحه ومما يأتي أيضاً، وفيه بيان واضح لأن للإيمان أجزاء وشعباً منها ما هو فرض على كل مكلف في كل حال وهو الأول أو في بعضها وهو الثاني وما هو فرض على بعض الآدميين ولو غير مكلف وهو الثالث والمراد بوجوبها على غير المكلف وجوبها في ماله والمخاطب بإخراجها فوراً وليه وإن منعه الإِمام واستفيد من تلك الثلاثة أنه يلحق بكل واحدة منها في كونه جزءاً وشعبة من الإيمان ما هو في معناه وسكت في الحديث كحديثي أنس وأبي هريرة عن ذكر الصوم والحج مع أنهما مذكوران في حديثي جبريل وابن عمر الآتيين فيحتمل أن هذه الثلاثة الأحاديث كانت قبل فرضهما وحينئذٍ فيستفاد من ذينك الحديثين ضم الصوم والحج إلى ما في هذه الأحاديث فيعطيان حكمه من المقاتلة عليهما والعصمة بفعلهما على أن لك أن تقول إنهما داخلان في قوله في حديث أبي هريرة وبما جئت به فإنه شامل لذينك وغيرهما من جميع ما علم من دينه ﷺ بالضرورة كما ذكره المصنف حيث قال بعد ذكر الثلاثة المذكورة في حديث الباب لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به ﷺ كما في رواية أبي هريرة ويؤمنوا بما جئت به وبه يزول ذلك التكلف ويتضح الأمر. قوله: (بني الإسلام على خمس) الباء في الأصل موضوع للمحسوسات فاستعماله في المعاني مجاز علاقته المشابهة شبه الإسلام ببناء عظيم محكم وأركانه الآتية بقواعد ثابتة محكمة حاملة لذلك الباء فالتشبيه المضمر

стр. 2671

شهَادَةِ أنْ لا إله إلاَّ اللهُ، وأنَّ مُحَمداً رَسُولُ الله، وَإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ" ــ في النفس استعارة مكنية وإثبات البناء له استعارة تخييلية وقال الكازروني فيه استعارة تمثيلية حالة شبهت الإسلام مع أركانه الخمس بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذي يدور عليه الأركان هو الشهادة وبقية شعبه بمنزلة الأوتاد فتكون مغايرة لهذه الأركان كمغايرة الخباء للأعمدة وقوله على خمس (أي) دعائم أو أركان أي على خمسة وهي خصاله المذكورة قيل المراد القواعد ولذا لم يلحقه التاء ولو أراد الأركان لألحقها وفيه نظر لأن المعدود إذا حذف يجوز حذف التاء نحو أربعة أشهر وعشراً من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال الحديث فلا دليل في الحذف على أن المراد واحد منهما نعم في رواية لمسلم خمسة وهي صريحة في إرادة الأركان وتقديره وصفاً أصوب من تقديره مضافاً لأن الموصوف إذا علم جاز حذفه بخلاف المضاف إليه ورواية خمس دعائم لا تعين ولا تقتضي أن المحذوف هو المضاف إليه. قوله: (شهادة) بالجر فيه وفيما بعده بدلاً من خمس أو عطف بيان وهو الأحسن ويجوز رفعه خبراً لمبتدأ محذوف أي أحدها أو مبتدأ أو خبره محذوف أي منها وهو أولى لإيثارهم حذفه على حذف المبتدأ لأن الخبر كالفضلة بالنسبة إليه ونصبه مفعولاً لأعني قال الكازروني لكن الرواية على الأول. قوله: (وإقام الصلاة) بحذف التاء من إقام لأن المضاف إليه عوض عنها قاله الزجاجي وقيل هما مصدران. قوله: (وإيتاء الزكاة) أي أهلها فحذف للعلم به ورتبت هذه الثلاثة هكذا في سائر الروايات لأنها وجبت كذلك إذ أول ما وجب الشهادتان ثم الصلاة ثم الزكاة قال بعضهم وفرضها سابق فرض الصوم السابق لفرض الحج اهـ. لكن قال بعض المتأخرين المطلعين على الفقه والحديث لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة، أو تقديماً للأفضل فالأفضل والأوكد فالأوكد. قوله: (وحج البيت وصوم رمضان) فيه أن الشرع تعبد النّاس في أموالهم وأبدانهم فلذا كانت العبادة إما بدنية محضة كالصلاة أو مالية محضة كالزكاة أو مركبة منهما كالأخيرين لدخول التكفير بالمال فيهما وفي بعض الروايات تقديم الصيام على الحج وكلاهما

стр. 2672

رويناه في "صحيحيهما". السادس عشر: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى رجالٌ ــ قد صح عن ابن عمر مرفوعاً فالأظهر أنه سمعه من النبي ﷺ مرتين مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصيام فرواه ابن عمر بالوجهين في وقتين كما أشار إليه المصنف في شرح مسلم واستفيد من بناء الإسلام على ما مر مع ما هو معلوم أن البيت لا يثبت بدون دعائمه أن من تركها كلها فهو كافر وكذا من ترك الشهادتين إذ هما الأساس الكلي الحامل لجميع ذلك الباء أو لبقية تلك القواعد كما استفيد من أدلة أخرى بخلاف من ترك غيرهما فإنه إنما يخرج من كمال الإسلام بقدر ما ترك منها لبقاء الباء حينئذٍ ويدخل في الفسق لا في الكفر إلا إن جحد وجوبه وعليه حمل الأكثرون خبر مسلم بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة وخالف أحمد وآخرون فأخذوا بظاهره من كفر تاركها مطلقاً وبالغ إسحاق فقال عليه إجماع أهل العلم وأجرت طائفة ذلك في الأركان الثلاثة وهو رواية عن أحمد وبعض المالكية. قوله: (رويناه في صحيحيهما) فأخرجه البخاري في الإيمان والتفسير رباعياً وأخرجه مسلم في الإيمان والحج خماسياً وفي الجامع الصغير ورواه أحمد والترمذي والنسائي كلهم عن ابن عمر مرفوعاً وهو حديث عظيم أحد قواعد الإسلام وجامع الإسلام إذ فيه معرفة الدين وما يعتمد عليه ويجمع أركانه وكله منصوص عليه وهو داخل في ضمن حديث جبريل الآتي. قوله: (لو يعطى النَّاس بدعواهم) أي أموال النّاس ودماءهم فالمفعول الثاني محذوف بقرينة الجواب. وقوله: (لادعى رجال) جواب لو "وقوله بدعواهم" أي بمجرد الادعاء من غير تصديق المدعى عليه أو بينة المدعى متعلقة بأعطى فهي مفيدة لانتفاء الجواب في الخارج بسبب انتفاء الأول والرجال ذكور بني آدم أو البالغون منهم فإن قوبل بهم النساء أريد الأول أو الصبيان أريد الثاني ولا يختص ما نحن فيه بهم على كل من هذين وإنما ذكروا لأن ذلك من شأنهم فحسب ويؤيد ذلك رواية لادعى ناس قال الكازروني وإنما أورد صيغة الجمع إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم على التداعي ونكرها لقصد الإشاعة، والقوم قيل يخص الرجال لقوله تعالى ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ فذكرهن دليل ظاهر على

стр. 2673

أمْوالَ قَوْمٍ وَدِماءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلى مَنْ أنْكَرَ" ــ أن القوم لم يشملهن وبه صرح زهير في قوله: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء وقيل يعم الفريقين إذ هما المراد في نحو ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ورد بأن دخولهن هنا ليس لغة بل لقرينة نحو التكليف في الآية، وحكمة التعبير برجال ثم قوم بناء على أنه يعمهما أن الغالب في المدعي أن يكون رجلاً والمدعى عليه يكون رجلاً وامرأة فراعى في التغاير بينهما الغالب فيهما وعلى ترادفهما فالمغايرة للتفنن في العبارة، وقدمت الأموال على الدماء ذكراً في هذه الرواية مع أنها أعني الدماء أهم وأعظم خطراً ولذا ورد أنها أول ما يقضي بين النّاس فيه لأن الخصومات في الأموال أكثر إذ أخذها أيسر وامتداد الأيدي إليها أسهل ومن ثم ترى العصاة بالتعدي فيها أضعاف العصاة بالقتل. قوله: (لكن البينة الخ) لكن هنا وإن لم تأت لفظاً على بابها من وقوعها بين نفي وإثبات حتى يصح معنى الاستدراك الذي هو مؤداها جارية عليه تقديراً إذ المعنى لا يعطي النّاس بدعواهم المجردة لكن بالبينة وهي على المدعي واليمين وهي على المنكر والبينة فيعلة من البينونة أو البيان وهي ما تثبت به الدعوى سميت بذلك باعتبار إفادته البيان وباعتبار أنه يغلب على الخصم يسمى حجة والمدعي هو من يذكر أمراً خفياً يخالف الظاهر ولذا جعلت البينة عليه لأنها أقوى من اليمين لينجبر ضعف قوة حجته والمدعى عليه عكسه فصدق بيمينه لقوة جانبه إلا في القسامة فإنه يحلف المدعي خمسين يميناً وينكر فيها المدعى عليه وهي عبارة عن الإيمان التي يقع الابتداء فيها بالمدعي إذا قتل معصوماً في محل اللوث وهو قرينة يغلب على الظن صدق المدعي وكذا يكون اليمين على المدعي فيما إذا أقام شاهداً واحداً فيحلف معه في المال، قيل النكتة بالتعبير بالموصول في الثاني واسم الفاعل في الأول مع إمكان كل منهما في الشقين ما تقرر من أن المدعي هو من يذكر

стр. 2674

هو حسن بهذا اللفظ، وبعضه في "الصحيحين". السابع عشر: ــ أمراً خفياً والمدعى عليه من يذكر أمراً ظاهراً ولا شك أن الموصول لاشتراط كون صلته معهودة أظهر من المعرف فأعطى الخفى للخفي والظاهر للظاهر. قوله: (وهو حديث حسن) عبر في موضع آخر بقوله هو صحيح وكلام أحمد وأبي عبيد ظاهر في أنه صحيح عندهما يحتج به رواه بهذا اللفظ الإِمام البيهقي بإسناد حسن وكذا رواه (غيره). وقوله: (وبعضه في الصحيحين) إذ لفظهما كما في الجامع بينهما للحميدي عن ابن عباس لو يعطى النَّاس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه وكذا رواه أحمد والنسائي كما في الجامع الصغير وفي رواية للصحيحين قال ابن أبي مليكة كتب ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه وقول الأصيلي لا يصح مرفوعاً مردود بالتصريح بالرفع فيه من رواية ابن جريج ورواه أيضاً أبو داود والترمذي قال المصنف وإذا صح رفعه بشهادة البخاري ومسلم وغيرهما لم يضره من وقفه ولم يكن ذلك تعارضاً ولا اضطراباً فإن الراوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نحو نسيان أو اكتفاء بعلم السامع والرافع عدل ثبت فلا يلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض كما في الأصول وخرجه الإسماعيلي في صحيحه بلفظ لو يعطى النَّاس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب وأخرج الترمذي بسند فيه من ضعف من جهة حفظه أنه ﷺ قال في خطبته البينة على المدعي واليمين على (المدعى عليه، والدارقطني البينة على المدعي واليمين على) من أنكر إلا في القسامة وفيه ضعف مع أنه مرسل وفي رواية له المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة وله عنده طرق متعددة لكنها ضعيفة ثم هذا الحديث من أجل الأحاديث وأرفعها وأقوى الحجج وأنفعها قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة المطهرة وأصل من أصول أحكام الإسلام المحررة (و) أعظم مرجع عند الخصام وأكرم مستمسك لقضاة الإسلام وقيل إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇، وعلم من الحديث أنه لا يحكم لأحد بدعواه وإن كان فاضلاً شريفاً في حق من الحقوق وإن كان محتقراً يسيراً حتى يستند المدعي إلى ما يقوي

стр. 2675

عن وابصة بن معبد ﵁ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: "جِئْتَ تسألُ عَنِ البرِّ والإثم؟ قال: نعم، فقال: ــ دعواه وإلا فالدعاوى متكافئة والأصل براءة الذمم من الحقوق فلا بد من دال على تعلق الحق بالذمة حتى تترجح به الدعوى. قوله: (عن وابصة بن معبد الصحابي) وابصة بموحدة ثم صاد مهملة ومعبد بسكون العين المهملة وفتح الموحدة وفد وابصة إلى النبي ﷺ في عشرة رهط من قومه بني أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ورجع إلى بلاده ثم نزل الجزيرة وسكن الرقة ودمشق ومات بالرقة ودفن عند منارة جامعها قال المصنف في التهذيب: روي عن النبي ﷺ أحاديث روى عنه ابناه عمر وسالم والشعبي وزياد بن أبي الجعد وغيرهم وكان وابصة كثير البكاء لا يملك دمعه وكان له بالرقة عقب ومن ولده عبد الرحمن بن صخر قاضي الرقة أيام هارون الرشيد اهـ. قوله: (قال جئت الخ) فيه معجزة عظيمة كبرى له ﷺ حيث خبره بما في نفسه قبل أن يتكلم به وأبرزه في حيز الاستفهام التقريري مبالغة في إيضاح إطلاعه وإحاطته به وفي رواية أحمد أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألت عنه فقال لي ادن يا وابصة فدنوت حتى مست ركبتي ركبته فقال: يا وابصة أخبرك بما جئت تسأل عنه أو تسألني قلت: يا رسول الله أخبرني قال: جئت تسأل عن البر والإثم قال: فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول يا وابصة استفت نفسك الحديث وقال السخاوي بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد والدارمي في مسنديهما وهو عند الطبراني في الكبير وأخرجه السخاوي من طريق آخر عن وابصة قال سألت النبي ﷺ عن البر والإثم فقال يا وابصة جئت تسألني عن البر والإثم قلت والذي بعثك بالحق إنه للذي جئت أسألك فقال: البر ما انشرح له صدرك والإثم ما حال في صدرك وإن أفتاك النّاس أخرجه أحمد وللحديث شاهد من حديث واثلة بن الأسقع قال: رأيت النبي ﷺ بمسجد الخيف فقال لي أصحابه: إليك يا واثلة -أي تنح- عن وجه النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : دعوه فإنما جاء ليسأل قال: فدنوت فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله لتفتينا عن أمر نأخذه عنك وذكر نحو حديث وابصة مطولاً أخرجه أبو يعلى في مسنده والطبراني في

стр. 2676

استَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ: ما اطْمأنَّتْ إليهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إليهِ القَلْبُ، والإثْمُ: ما حاكَ في النَّفس وترَدَّدَ في الصّدْرِ، ــ الكبير وفي سندهما متروك وأخرجه الطبراني من طريق آخر في سنده راو ضعيف عن واثلة قال: قلت يا نبي الله نبئني قال: إن شئت أنبأتك بما جئت تسأل عنه وإن شئت فسل قال: بل نبئني يا رسول الله فإنك أطيب لنفسي قال جئت تسأل عن اليقين والشك وذكره نحوه ولبعضه شاهد عند أحمد وابن حبان من حديث أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإثم قال: إذا حاك في صدرك شيء فدعه وإسناده جيد على شرط مسلم، وعند أحمد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله أخبرني ما يحل لي وما يحرم علي قال البر ما سمنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون وسنده أيضاً جيد كقوله شاهد عن أبي هريرة لكن بسند ضعيف وعن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج مرسلاً اهـ. قوله: (استفت قلبك) أي اطلب منه الفتوى لأنه أبلغ في سلوك طريق الكمال بعين الوصال إلى مقام القلب واشتقاق الفتوى من الفتى لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية مشكل كذا في المغرب قال الكازروني يعني يلاحظ في الفتوى ما ينبيءعنه الفتى من القوة والحدوث. قوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس الخ) أي سكنت فإذا التبس شيء ولم يدر من أي القبيلين هو فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد أو يسأل المجتهد إن كان من أهل التقليد فإن وجد ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب فليأخذ به وإلا فليدعه والنفس لغة حقيقة الشيء واصطلاحاً لطيفة الجسد تولدت من ازدواج الروح بالبدن واتصالهما معاً قال بعض المحققين الجمع بين القلب وبين النفس للتأكيد لأن طمأنينة القلب من طمأنينة النفس وهذا بمعنى قوله في حديث النواس الآتي البر حسن الخلق لأن حسنه تطمئن النفس إليه والقلب اهـ. قوله: (ما حاك) أي أثر (في النفس) ولم يستقر (وتردد في الصدر) أي القلب فلم ينشرح له والجمع بين هذين تأكيد أيضاً وبه علم ضابط

стр. 2677

وإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وأفْتَوْكَ" ــ الإثم والبر وأن القلب يطمئن للعمل الصالح طمأنينة تبشره بحسن العاقبة ولا يطمئن للإثم بل يورثه نفرة وحزازة لأن الشرع لا يقر عليه وإنما يكون على وجه يشذ أو تأويل محتمل لكن يظهر معياره بما يأتي في حديث النواس من أنه الذي يكره اطلاع النّاس عليه ولم يزل هذا ظاهراً معروفاً ومن ثم قال زهير: الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر قوله: (وإن أفتاك النّاس الخ) هذا غاية لمقدر دل عليه ما قبله أي التزم العمل بما في قلبك وإن أفتاك النّاس أي علماؤهم كما في رواية وإن أفتاك المفتون (وأفتوك) بخلافه لأنهم إنما يقولون على ظواهر الأمور دون بواطنها وذلك كأن ترى مالاً لرجل من حلال وحرام فلا تأخذ منه شيئاً احتياطاً وإن أفتاك المفتي بحله مخافة أن تأكل الحرام ولأن الفتوى غير التقوى أو المراد قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبر بها في اجتنابه ولا تقبل ممن أفتاك بمقارفته ومحل ذلك إن كان المستنكر ممن شرح الله صدره وأفتاه غيره بمجرد ظن أو ميل إلى هوى دون دليل شرعي وإلا لزمه اتباعه وإن لم ينشرح له صدره ومن ثم كره ﷺ امتناع قوم أمرهم بالفطر في السفر إذ ما ورد به النص ليس للمؤمن فيه إلا إطاعة الله ورسوله فليقبله بانشراح صدره وأما ما لا نص فيه منه ﷺ ولا ممن يعبأ بقوله فإذا وقع منه شيء في قلب شرح بنور المعرفة واليقين مع تردد ولم يجد من يفتي فيه إلا من يخبر عن رأيه وهو غير أهل لذلك رجع إلى ما أفتاه به قلبه وإن أفتاه هذا وأمثاله بخلافه قال بعض المحققين والظاهر أن هذا ليس من الإلهام المختلف في حجيته لأنه شيء يقع في القلب من غير قرينة ولا استعداد فينثلج له الصدر وأما ما هنا فهو تردد منشؤه قرائن خفية أو ظاهرة لأن الفرض أن الأمر اشتبه وأن القلب مال إلى أنه إثم فليرجع إليه فيه كما دلت عليه النصوص النبوية وفتاوى الصحابة ﵃ ووحد الفعل الأول لإسناده إلى ظاهر وجمع الثاني لإسناده إلى ضمير

стр. 2678

حديث حسن رويناه في مسندَي أحمد والدارمي وغيرِهما. ــ جمع قيل بين هذا الحديث وما مر من حديث الحلال بين تعارض لاقتضاء هذا أن الشبهة إثم لأنه يتردد في النفس ومر أن ذلك يقتضي أنه غير إثم، وجوابه حمل هذا على ما تردد في الصدر لقوة الشبه ويكون من باب ترك أصل الحل لظاهر قوي وذلك على ما ضعفت فيه الشبهة فيبني على أصل الحل ويجتنب محل الشبهة ورعاً وفي جوابه ﷺ لوابصة بهذا إشارة إلى متانة فهمه وقوة ذكائه وتنوير قلبه لأنه ﷺ أحاله على الإدراك القلبي وعلم أنه يدرك ذاك من نفسه إذ لا يدرك ذلك إلا من كان كذلك وأما الغليظ الطبع الضعيف الإدراك فلا يجاب بذلك لأنه لا يتحصل منه على شيء وإنما يفصل له ما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية وهذا من جميل عادته ﷺ مع أصحابه لأنه كان يخاطبهم على قدر عقولهم وقالت عائشة أمر النبي ﷺ أن ينزل النّاس منازلهم. قوله: (هذا حديث حسن) وقال في بعض نسخ الأربعين له حديث صحيح. قوله: (رويناه في مسندي أحمد والدارمي) زاد في الأربعين بإسناد جيد وفي نسخة بإسناد حسن قال بعض شراحه فإن قلت ما حكمة قول المصنف أولاً حديث صحيح وقوله هنا بإسناد جيد قلت حكمته أنه لا يلزم من كون الحديث في المسندين المذكورين أن يكون صحيحاً فبين أولاً أنه صحيح وثانياً أن سبب صحته أن إسناد هذين الإمامين الذي أخرجاه به صحيحاً فبين أولاً حكمة أخرى حديثية وهي ما صرحوا به من أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن فقد يصح السند أو يحسن لاستجماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن لشذوذ فيه أو علة فنص المصنف أولاً على صحة المتن بقوله هذا حديث صحيح (وثانياً على صحة السند بقوله بإسناد جيد فإن قلت صرحوا بأن قولهم هذا حديث صحيح) مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر لا قطعاً اهـ. فعليه لم يكتف المصنف بقوله أولاً هذا حديث صحيح عن قوله ثانياً بإسناد جيد، قلت وإن أرادوا ذلك إلا أنه لا يلزم منه الحكم على كل فرد من أسانيد ذلك الحديث بالصحة ومع ذلك هو أقوى من تقييد الصحة بالإسناد كما في قول المصنف بإسناد جيد لأنه حينئذٍ لا يبقى صريحاً

стр. 2679

وفي "صحيح مسلم" عن النَّوَّاس بن سمعانَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: ــ في صحة المتن ولا ضعفه فعلم أن الحكم بالصحة والحسن للإسناد أحط رتبة عن الحكم بأحدهما للحديث ومع ذلك لو أطلق الحكم بأحدهما للإسناد من عرف منه بإطراد أنه لا يفرق بين الحكم بأحدهما له وللمتن كان ذلك حكماً للمتن بأحدهما أيضاً واعترض تصحيح المصنف أو تحسينه لحديث أحمد بأنه أخرجه من طريقين إحداهما فيها علتان ضعف وانقطاع وأخرى فيها مجهول وجوابه أن أحمد أخرجه من طريق أخرى عن أبي أمامة وسنده على شرط مسلم وعن أبي ثعلبة الخشني وسنده جيد أيضاً وأخرجه الطبراني عن واثلة بن الأسقع وسنده ضعيف كما تقدم بيان ذلك كله والحاصل أنه صححه الشيخ أو حسنه لتعدد طرقه الجابر لما ذكر في إسناد الإِمام أحمد والله أعلم وكذا حديث وابصة أخرجه أبو يعلى في مسنده. قوله: (وفي صحيح مسلم) قال السخاوي بعد تخريجه ورواه الحاكم في مدركه ووهم في استدراكه فقد أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة من صحيحه ورواه أبو عوانة في مستخرجه والترمذي وقال حسن صحيح ورواه البخاري في كتاب بر الوالدين والدارمي وأبو يعلى في مسنديهما من طريق أخرى ومدارها على معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن النواس ابن سمعان قال فذكره ورواه أحمد والدارمي أيضاً من طريق صفوان بن عمرو عن يحيى بن جابر قال: سمعت النواس فذكره إلا أنه قال وكرهت أن يعلمه النّاس قال السخاوي ورواية يحيى عنه منقطعة فيما جزم به بعض الحفاظ مع ما وقع في روايتنا من التصريح عنه بالسماع وجزم به بعض الحفاظ لكونه من التابعين وكأن حجته في الانقطاع ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن صفوان بن عمرو عن يحيى عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن النواس فرجع الحديث إلى الإسناد الأول مع سقوط راو من هذه الطريق وفيه نظر لا سيما ولم يعرج شيخنا ولا شيخه على القول بالانقطاع في أماليهما نعم لم يتعقب شيخنا القائل بذلك في ترجمة يحيى من مختصر التهذيب اهـ. قوله (عن النواس بن سمعان) النواس بفتح النون وتشديد الواو وسمعان بكسر المهملة أوله وفتحها وقوله ﵁ كان ينبغي له أن يقول ﵄ لأن

стр. 2680

"البرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، ــ لأبيه وفادة تزوج النبي ﷺ أخت النواس وهي المتعوذة روي له سبعة عشر حديثاً اقتصر مسلم منها على ثلاثة وروى له أصحاب السنن الأربعة وهو كلابي ووقع في مسلم أنه أنصاري وحمل على أنه حليف لهم قال: أقمت مع النبي ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة أي العود إلى الوطن إلا المسألة أي التي كانت ترد عليه من بعض أصحابه ﷺ فإقامته تلك السنة كانت مع عزمه على العود إلى وطنه لكنه أحب أن يتفقه في الدين تلك المدة بسماع تلك الأسئلة التي ترد عليه ﷺ وأجوبتها أو ما منعه من ذلك إلا محبة سؤال النبي ﷺ عن أمور الدين لأنه كان يسمح للطارئين دون المهاجرين وإنما كان كذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة لما أكثروا الأسئلة عليه ﷺ ونهوا عن ذلك فما كانوا يسألون عن شيء ولذا قال النواس كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله عن شيء وقد تيمم هذا المعنى أنس بن مالك حيث قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع أي أنهم يحتملون في السؤال ويعذرون ويستفيد المهاجرون الجواب قال القرطبي في المفهم حديث النواس أي قوله أقمت الخ يدل أن الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم وتقدم فيه الخلاف. وقول غيره وفيه دلالة على أن الهجرة لم تكن واجبة على غير أهل مكة اهـ. نظر فيه بأنه إن أريد نفي الوجوب عن غير أهل مكة قبل الفتح لم يكن في عزمه الرجوع إلى وطنه دلالة على ذلك لاحتمال أنه بعد الفتح وعلى التنزل وأنه كان قبله فيحتمل أنه إنما مكن من العود لوطنه لأنه له ثم عشيرة تحميه ومن له عشيرة كذلك لا تلزمه الهجرة أو بعده لم تكن فيه خصوصية لغير أهل مكة بل أهلها ارتفع الوجوب عنهم بعد الفتح اهـ. قوله: (البر حسن الخلق) أي معظمه فالحصر فيه مجازي نظيره في الدين النصيحة وضده الفجور والإثم ولذا قابله به وهو بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشرع وجوباً أو ندباً كما أن الإثم عبارة عما نهى الشرع عنه، وحسن الخلق أي التخلق والمراد به هنا المعروف

стр. 2681

والإثْمُ ما حاكَ في نفْسِكَ وكرِهْتَ أن يطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ". الثامن عشر: عن شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ــ وهو طلاقة الوجه وكف الأذى وبذل الندى وأن يحب للناس ما يحب لنفسه وهذا يرجع إلى تعبير بعضهم بأن الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة والعدل في الأحكام والبذل والإحسان في اليسر والإيثار في العسر وغير ذلك من الصفات الحميدة والبر له إطلاقات فيكون بمعنى الطاعة بسائر أنواعها ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وهذه الأمور كلها مجامع حسن الخلق وقد أشار تعالى إليها في آيات نحو ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى آخر السورة، فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع ما فيها من الأوصاف علامة على حسن الخلق وفقده علامة على سوء الخلق ووجود البعض علامة على أن فيه من الحسن بحسب ما عنده ومن السوء بحسب ما فقده فليعتن بتحصيله ليفوز بسعادة الدارين وإذا قرن البر بالتقوى كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فسر البر بمعاملة الخلق بالإحسان والتقوى بمعاملة الحق أو البر بفعل الواجبات والتقوى باجتناب المحرمات. قوله: (والإثم ما حاك الخ) ذكر للإثم أمرين أحدهما ما حاك في النفس أي الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب يقال حاك الشيء في قلبي إذا رسخ فيه وثبت قال ثم الكلام الحائك في القلب هو الراسخ فيه، وبمعنى هذا الحديث قوله في الحديث الآخر الإثم حزاز القلوب بتشديد الزاي أي الإثم ما رسخ وأثر في النفس اضطراباً وقلقاً ونفوراً وكراهة لعدم طمأنينتها ومن ثم لم يرض بالاطلاع عليه وهي الأمر الثاني كما قال ﷺ : "كرهت أن يطلع عليه النّاس" أي وجوههم وأماثلهم الذين يستحي منهم والمراد هنا الكراهة العرفية الجازمة فخرجت العادية كمن يكره أن يرى آكلاً لحياء أو بخل وغير الجازمة كمن يكره أن يركب بين مشاة لتواضع أو نحوه فإنه لو رؤي كذلك لم يبال وقد استفيد من هذا السياق أن للإثم علامتين وسببهما أن للنفس

стр. 2682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شعوراً من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته ومآلاً ولكن يغلب عليها الشهوة حتى توجب لها الإقدام على ما يضرها كما غلبت على السارق والزاني مثلاً فأوجبت لهما الحد فإذا عرفت ذلك اتضح لك وجه كون التأثير في النفس علامة للإثم لأنه لا يصدر إلا لشعورها بسوء عاقبته ووجه كون كراهة اطلاع النّاس يدل على أنه إثم أن النفس بطبعها تحب اطلاع النّاس على خيرها وبرها وتكره ضد ذلك ومن ثم أهلك الرياء أكثر النّاس فبكراهتها اطلاع النّاس على فعلها يعلم أنه شر وإثم وهل كل من هاتين العلامتين مستقل بكونه علامة على الإثم من غير احتياج إلى الأخرى أو غير مستقل بل هو جزء علامة والعلامة الحقيقية مركبة منهما كل محتمل، قضية ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الأول وقضية العطف بواو الجمع هنا الثاني وعليه فالفعل إن وجد فيه الأمران كالرياء والربا فإثم قطعاً وإن انتفيا عنه كالعباده ونحو الأكل المباح فبر قطعاً وإن وجد فيه أحدهما احتمل البر والإثم فيكون من المشتبه والذي يتجه أنهما متلازمان لأن كراهة النفوس تستلزم كراهة اطلاع النّاس وعكسه ثم عموم الحديث مخصوص بما عدا خطور المعصية والهم بها إذ لا إثم فيهما وإن كانت العلامتان للإثم فيه لحديث أن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم تعمل به أو تتكلم بل ربما يثاب من هم بزنى مثلاً وحاك في نفسه ونفرت منه لضرب من التقوى إذ هو حينئذٍ من باب قوله تعالى في الحديث القدسي اكتبوها له حسنة إنما تركها من أجلي، أما العزم فإنه إثم لوجود العلامتين فيه ولا مخصص يخرجه من عموم الخبر بل حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ظاهر في ذلك إذ ذلك الحرص المعلل الدخول به وحده مع قطع النظر عن الفعل المقترن به عزم مجرد، ثم الحديث من جوامع كلمه ﷺ بل من أوجزها إذ البر كلمة جامعة لجميع أفعال الخير وخصال المعروفة والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشر والقبائح صغيرها وكبيرها كما علم مما تقرر فيهما ولهذا السبب قابل ﷺ بينهما وجعلهما ضدين ولما كان الحديثان في معنى واحد عدهما الشيخ حديثاً واحداً.

стр. 2683

"إن اللهَ تَعالى كَتَبَ الإحْسانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قتَلتُم فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُم فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفرَتَهْ، ولْيُرِحْ ذَبيحَتَهُ" ــ قوله: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي أوجب وقدر على الإنسان أي إيقاعه على مقتضى الشرع والإحسان يطلق على الإنعام وعلى إتقان الفعل أو طلب منه ذلك واعلم أن الإحسان لب الإيمان والإسلام بل خلاصتهما وليس شعبة من شعب الإيمان أو ركن من أركان الإسلام إلا وفي قرن به إحسان لائق به بدليل قوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء وقد بين القصري في كتابه شعب الإيمان في كل شعبة من شعب الإيمان الإحسان اللائق بها رزقنا الله القيام بحقوقه وعصمنا من عقوقه. قوله: (القتلة) بكسر القاف كما قال المصنف أي هيئة القتل وحالته أي فأحسنوا القتل في كل قتيل حداً وقصاصاً. قوله: (وإذا ذبحتم) أي ما يحل ذبحه من البهائم (فأحسنوا الذبحة) بكسر الذال المعجمة الهيئة والحالة وبالفتح المصدر وفي رواية (الذبح) وكذا هو في أكثر نسخ مسلم وهو المصدر لا غير وإحسان القتلة بأن يكون بآلة غير كالة مع الإسراع وعدم قصد التعذيب وإحسان الذبح بذلك وبأن يرفق بالبهيمة فلا يصرعها بعنف وغلظة ولا يجرها إلى موضع الذبح جراً عنيفاً وبإحداد الآلة وتوجيهها إلى القبلة والتسمية ونية التقرب بذبحها إلى الله تعالى وقطع الحلقوم والمريء والودجين والاعتراف إلى الله تعالى بالمنة والشكر له على هذه النعمة الجسيمة وهي إحلاله وتسخيره تعالى لنا ما لو شاء لحرمه أو لسلطه علينا. قوله: (وليحد) بضم التحتية وكسر المهملة وتشديد الدال يقال أحد السكين وحدها واستحدها بمعنى والشفرة العريض من السكين والإحداد واجب إن كانت الآلة كالة بحيث يحصل بها للحيوان تعذيب وإلا فندب وينبغي حال حدها أن يواريها عنها لأمره ﷺ بذلك. وقوله: (وليرح ذبيحته) أي ليوصل إليها الراحة بأن يعجل إمرار الشفرة ولا يسلخ قبل البرودة ويقطع من الحلقوم لا من القفا وعطف هذه الجملة على ما قبله لبيان فائدته إذ الذبح بآلة كالة يعذب

стр. 2684

رويناه في "صحيح مسلم"، والقِتْلة والذبحة، بكسر أولهما. التاسع عشر: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الاَخِرِ فلْيقُلْ خَيراً أو ليَصْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوم الآخرِ فلْيُكرِمْ جارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤمنُ باللهِ واليَوم الآخرِ فلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ" ــ الذبيحة فراحتها أن تذبح بآلة ماضية موجبة والذبيحة فعيلة بمعنى مفعولة وتاؤها للنقل من الوصفية إلى الاسمية لأن العرب إذا وصفت بفعيل مؤنثاً قالت امرأة قتيل وعين كحيل وشاة ذبيح فإذا حذفوا الموصوف أثبتوا التاء وقالوا قتيلة بني فلان وذبيحتهم لعدم دال على التأنيث حينئذٍ ويعرب حينئذٍ اسماً مفعولاً به أو نحوه لا صفة فاتضح أن التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية. قوله: (رويناه في صحيح مسلم) وكذا رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة كلهم عن شداد كما في الجامع الصغير، وهو قاعدة من قواعد الدين العامة فهو متضمن لجميعه لأن الإحسان في الفعل هو إيقاعه على مقتضى الشرع كما مر ثم ما يصدر عن الشخص من الأفعال إما أن يتعلق بمعاشه وهو سياسة نفسه وأهله وإخوانه وملكه وباقي النّاس أو بمعاده وهو الإيمان الذي هو عمل القلب والإسلام الذي هو عمل الجوارح فمن أحسن في هذا كله وأتى به على وفق السداد والشرع فقد فاز بكل خير وسلم من كل ضير ولكن دون ذلك خرط القتاد وبدل المهج وتقطع الأكباد قال الخطابي لما كان العلماء ورثة الأنبياء ومما ورثوه منهم تعليم النّاس الإحسان وكيفيته والأمر به في كل شيء ألهم الله الأشياء الاستغفار للعلماء مكافأة لهم على ذلك قال ﷺ : "إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف البحر". قوله: (التاسع عشر) وسبق السلام على تخريجه في باب الثناء على من أكرم ضيفه وتقدم فيه الكلام على قوله فليكرم ضيفه وفي باب حفظ اللسان على قوله قليقل خيراً أو ليصمت. قوله: (ومن كان يؤمن بالله) أي إيماناً كاملاً وتخصيص اليوم الآخر بالذكر دون

стр. 2685

رويناه في "صحيحيهما". العشرون: عن أبي هريرة ﵁ "أن رجلاً ــ شيء من مكملات الإيمان بالله تعالى لأن الخير والثواب والعقاب كلها راجعة إلى الإيمان به قال الكازروني وقوله فليكرم جاره بأن يعينه على ما يحتاج إليه ويدفع عنه السوء ويخصه بالعطاء لئلا يستحق الوعيد ففيه تحريض لحق الجار وبره وحث على حفظ الجوار قال ﷺ : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. قوله: (رويناه في صحيحيهما) قال بعض المحققين وهو من القواعد العظيمة لأنه بين فيه جميع أحكام اللسان الذي هو أكثر الجوارح فعلاً فهو بهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه إنه ثلث الإسلام لأن العمل إما بالقلب أو بالجوارح أو باللسان وهذا ظاهر وإن لم أر من صرح به ثم رأيت بعضهم قال إن جميع آداب الخير تتفرع منه وأشار فيه إلى سائر خصال البر والصلة والإحسان لأن آكدها رعاية حق الجوار والضيف وبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه إنه نصف الإسلام لأن الأحكام إما أن تتعلق (بالحق أو) بالخلق وهذا أفاد الثاني لأن وصلة الخلق تستلزم رعاية حقوقهم ومن ثم كان المقصود من الأمرين الآخرين هو المقصود في حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه الخ من الألفة والاجتماع وعدم التفرق والانقطاع لأن النّاس جيران بعضهم لبعض فإذا أكرم كل منهم جاره ائتلفت القلوب واتفقت الكلمة وقويت الشوكة في الدين واندحضت جهالات الملحدين وإذا أهان كل جاره انعكس الحال ووقعوا في هوة الاختلاف والضلال وكذا غالب النّاس إما ضيف أو مضيف فإذا أكرم بعض بعضاً وجدوا ما ذكر من الصلاح والائتلاف وإذا أهان بعضهم بعضاً وجد الفساد والخلاف اهـ. قوله: (أن رجلاً) يحتمل أنه أبو الدرداء فقد خرج الطبراني عنه بإسنادين أحدهما صحيح كما في الترغيب قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال: لا تغضب ولك الجنة أو حارثة ابن قدامة عم الأحنف بن قيس

стр. 2686

قال للنبي ﷺ أوصني، قال: لا تَغْضَبْ ــ فقد أخرج أحمد عنه قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله قل لي قولاً وأقلل علي لعلي أعقله قال: لا تغضب فأعدت عليه مراراً كل ذلك يقول: لا تغضب لكن نازغ في هذا يحيى القطان بأنهم يقولون حارثة تابعي لاصحابي، أو جارية بن قدامة بالجيم وعليه اقتصر السيوطي في التوشيح وأخرج أبو يعلى عن جارية بن قدامة قال: أخبرني عم أبي أنه قال للنبي ﷺ فذكر نحو حديث حارثة ورواته رواة الصحيح كما في الترغيب وقال الكازروني هو ابن عمر أو حارثة بن قدامة أو سفيان بن عبد الله وتقدم في باب ما يقول إذا غضب حكايته قول بأنه معاذ بن جبل. قوله: (أوصني) قال الزهري الإيصاء والوصية مشتقة من وصيت الشيء بكذا إذا وصلته إليه فالمعنى صلني إلى ما ينفعني ديناً ودنيا ولما علم ﷺ من هذا الرجل كثرة الغضب وهو طبيب في الدين يعالج كل واحد بمرضه المخصوص خصه بهذه الوصية فقال: لا تغضب زاد أحمد وابن حبان قال الرجل: تفكرت فيما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله قال الخطابي: معنى لا تغضب اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه أما نفسه فلا يتأتى البعد عنه لأنه أمر جبلي وقيل المنهي عنه الغضب المكتسب وقيل المعنى لا تفعل ما يأمرك به الغضب وقيل هو أمر بالتواضع لأن الغضب إنما ينشأ عن الكبر لكونه يقع عند مخالفة ما يريده فيحمله الكبر على الغضب قال ابن التين جمعت هذه الوصية خير الدنيا والآخرة وقال غيره يترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن من القلب واللسان والجوارح ديناً ودنيا من تغير اللون والرعدة في الأطراف واستحالة الخلق وخروج الأفعال على غير ترتيب وإضمار الحقد والسوء على اختلاف أنواعه وانطلاق اللسان بالشتم والفحش واليد بالضرب والقتل وربما مزق ثوبه أو لطم خده أو كسر الآنية أو ضرب من ليس له ذنب قال الطوفي وأقوى الأشياء في دفع الغضب استحضار أن لا فاعل إلا الله وأنه لو شاء لم يكن ذلك الغير منه فإذا غضب والحالة هذه كان غضبه على ربه قال بعض المحققين أقوى أسباب رفعه ودفعه التوحيد الحقيقي

стр. 2687

فردَّد مراراً، قال: لا تَغْضَبْ" رويناه في البخاري. الحادي والعشرون: ــ وهو اعتقادك أن لا فاعل في الوجود إلا الله وأن الخلق آلات ووسائط كبرى وهي من له عقل واختيار كالإنسان وصغرى وهي من انتفيا عنه كالعصا المضروب بها ووسطى وهي من فيها الثاني فقط كالدواب فمن توجه إليه مكروه من غيره وشهد ذلك التوحيد الحقيقي بقلبه اندفع غضبه لأنه إما على الخالق وهو جرأة تنافي العبودية أو على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد اهـ. ثم التعوذ من الشيطان واستحضار ما جاء في كظم الغيظ من الفضل. قوله: (فردد) أي كرر ذلك الرجل قوله أوصني (مراراً) تعريضاً بأنه لم يقع بذلك وطلب وصية أبلغ وأنفع فلم يزده ﷺ لعلمه بأنه لا وصية أنفع له من ذلك قال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة قال: ترك الغضب وأخرج محمد بن نصر المروزي أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل قال: حسن الخلق ثم أتاه عن يمينه فقال له كذلك ثم عن شماله كذلك ثم عن خلفه كذلك فالتفت إليه فقال ما لك لا تفقه؟ حسن الخلق هو ألا تغضب إن استطعت وهو مرسل. قوله: (رويناه في صحيح البخاري) أي من حديث أبي هريرة ورواه أحمد بسند رواته محتج بهم في الصحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وزاد بعد قوله لا تغضب قال: فذكرت حين قال رسول الله ﷺ ما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله ورواه أحمد واللفظ له وابن حبان في صحيحه عن جارية بن قدامة أن رجلاً قال: يا رسول الله قل لي قولاً وأقلل لعلي أعيه قال ﷺ : لا تغضب فأعاد عليه مراراً كل ذلك يقول: لا تغضب رواه أحمد واللفظ له وابن حبان في صحيحه ورواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال عن الأحنف بن قيس عن عمه وعمه جارية بن قدامة أنه قال: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني الله به فذكره، وأبو يعلى إلا أنه قال عن جارية بن قدامة أخبرني عم أبي أنه قال للنبي ﷺ فذكره بنحوه ورواته رواة الصحيح كذا في الترغيب للمنذري وهذا الحديث من بدائع جوامع كلمه التي خص بها ﷺ ،

стр. 2688

عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله فرَضَ فرائِضَ فَلا تُضَيِّعوهَا، وحَدَّ حُدُوداً ــ وما ورد أن سليمان وعيسى ﵉ قالا ذلك لم يصح فثبت أنه لا مشارك لنبينا ﷺ في هذه الكلمة المتضمنة لمجامع الخير والمانعة عن قبائح الشر كما تقدمت الإشارة إلى ذلك وما في الغضب من القبائح وما في تركه من أنواع الخير ففي هذه اللفظة النبوية أي لا تغضب من بدائع الحكم وفوائد استجلاب المصالح ودرء المفاسد ما لا يمكن عده ولا ينتهي حده قال بعض المحققين هذا الحديث يصح أن يقال أنه ربع الدين لأن أعمال الإنسان إما خير أو شر والشر إما أن ينشأ عن شهوة كالزنى أو غضب كالقتل والقذف والطلاق والحقد على المسلم وحسده ونحو ذلك وهذا الحديث متضمن لنفي الغضب فيتضمن نفي نصف الشر وهو ربع المجموع ويدل على انحصار سبب الشر في الشهوة والغضب أن الملائكة لما تجردوا عنها تجردوا عن سائر الشرور جملة وتفصيلاً ثم الغضب إنما يذم حيث لم يكن الله تعالى وإلا فهو محمود ومن ثم كان ﷺ يغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى فحينئذٍ لا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر للحق. قوله: (عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ بمعجمة مضمومة فمفتوحة فنون نسبة إلى خبشينة قبيلة معروفة من قضاعة وفي اسمه واسم أبيه غير ذلك نحو أربعين قولاً وهو ممن بايع تحت الشجرة وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه يوم خيبر وأرسله إلى قومه وأسلموا نزل الشأم ومات أول إمرة معاوية وقيل في إمرة يزيد وقيل امرة عبد الملك سنة خمس وتسعين روى له الجماعة. قوله: (فرض فرائض) أي أوجبها وحتم العمل بها (فلا تضيعوها) بتركها وعدم المحافظة على شروطها وآدابها وقد تستنبط منه الدلالة لمذهبنا أن الفرض والواجب مترادفان لأن النهي عن التضييع لا يختص بالفرض عند غيرنا وهو ما ثبت بدليل قطعي بل يعم الواجب عنده أيضاً وهو ما ثبت بدليل ظني فتفريع فلا تضيعوها على ما قبله ظاهر في شموله للقسمين. قوله: (وحد حدوداً) أي فصلها وبينها والحد لغة المنع والشيء الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر قال في الكشاف

стр. 2689

فلا تَعْتَدُوها، وحَرَّمَ أشياءَ فَلا تَنْتهكُوهَا، وسكَتَ عن أشياءَ رَحْمَةً لكُمْ غَيرَ نِسيَانٍ فلا تَبْحَثُوا عَنْها" ــ حدود الله أحكامه وأوامره ونواهيه (فلا تعتدوها) أي فلا تتجاوزوا عنها بتركها كذا قال الكازروني واعترض بأن حمل الحد على ما ذكر يصير الكلام مكرراً مع ما قبله وما بعده إذ الفرائض المفروضة حدود محدودة بهذا المعنى لأنها مقدرة محصورة يجب الوقوف فيها عند تقدير الشرع وكذلك المحرمات فمعنى قوله فلا تعتدوها على هذا أي لا تزيدوا عليها عما أمر به الشرع فالأولى أن تحمل الحدود هنا على العقوبة المقدرة من الشارع تزجر عن المعصية أي جعل لكم حواجز وزواجر مقدرة أي تحجزكم وتزجركم عما لا يرضاه قال ويصح حمل الحدود هنا على الوقوف عند الأوامر والنواهي ومنه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية وآيات أخر ويكون ما قبله وما بعده من ذكر العام بعد الخاص وعكسه فمعنى لا تعتدوها لا تتجاوزوها لمخالفة المأمور وارتكاب المحظور. قوله: (فلا تنتهكوها) أي لا تتناولوها ولا تقربوها قال الجوهري انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل. قوله: (وسكت عن أشياء) أي لم يحكم فيها بوجوب أو حل أو حرمة. وقوله: (رحمة) مفعول له. وقوله: (غير نسيان) أي لأحكامها ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وقوله: (فلا تبحثوا عنها) أي لا تسألوا عن حالها لأن السؤال عن ذلك ربما يفضي إلى التكليف الشاق من الحرمة أو الإيجاب بل يحكم بالبراءة الأصلية والحل في المنافع والحرمة في المضار والبحث لغة التفتيش ومعنى سكوته تعالى عنها أنه لم ينزل حكمها على نبيه لا أنه سكت عنها حقيقة لاستحالة ذلك عليه إذ الكلام من صفاته النفسية القديمة الذاتية التي لا ينفك تعالى عنها ويفهم من سكوته تعالى رحمة لنا مع النهي عن البحث عنها أنه لا حكم قبل ورود الشرع وهو الأصح وقيل الأصل الحظر ونسب للشافعي وأكثر المتكلمين ولعله قول مرجوح للشافعي وإلا فالأصح ما مر وأن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع الإباحة وحكى بعضهم الإجماع على ذلك وغلطوا من سوى بين المسألتين وجعل حكمهما

стр. 2690

رويناه في "سنن الدارقطني" بإسناد حسن. ــ واحداً ومعنى كون السكوت رحمة لنا أنها لم تحرم فيعاقب على فعلها ولم تجب فيعاقب على تركها بل عفو لا حرج في فعلها ولا في تركها. قوله: (رويناه في سنن الدارقطني بإسناد حسن) فرواه من حديث إسحاق الأزرق عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة وأخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في معجمه الكبير وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك بنحوه ومداره عندهم على داود بهذا الإسناد ورجال سنده كلهم ثقات أخرج لهم مسلم إلا أن مكحولاً كثير الإرسال أرسل عن جماعة من الصحابة وقال الحافظ أبو سعيد العلائي في المراسيل له أنه معاصر لأبي ثعلبة بالسن والبلد فيحتمل أن يكون لقيه وأن يكون أرسل عنه قال السخاوي وبالثاني جزم أبو سهل الدمشقي وأبو نعيم وجماعة وحكاه المزي ممرضاً وأيده الحافظ ابن حجر بقول أبي حاتم الرازي أنه لم يسمع من واثلة ولم ير أبا أمامة وقال: إذا لم يصح له سماع منهما مع تأخر وفاتهما ومعاصرته لهما يبعد صحة سماعه من أبي ثعلبة أيضاً وإن كان عصريه اهـ. ولكن قد جزم غير واحد بسماعه من واثلة منهم البخاري والترمذي وابن يونس وليس ذلك بلازم ويؤيده أنه معاصر له بالسن والبلد كما تقدم فاحتمال سماعه منه أقرب من عدمه وكونه مدلساً لا ينافي حسن حديثه ولا صحته كما هو مقرر في محله وقال ابن معين إنه سمع من أبي ثعلبة أي والقاعدة الأصولية أن الإثبات مقدم على النفي ترجح ما قاله ابن معين فلذا اعتمد الشيخ تحسين الحديث وسبقه إليه السمعاني في أماليه ووافقه عليه الحافظ العراقي والحافظ ابن حجر بل صححه ابن الصلاح ويحتمل أن تحسين الشيخ له لما له من الشواهد بعضها ضعيف وبعضها منقطع فإذا انضم بعضها إلى بعض قويت فيكون حسناً لغيره لا لذاته وأن تصحيح ابن الصلاح أخذه من قول البزار في رواية إسنادها صالح والحاكم فيها أنها صحيحة الإسناد، وكذا أخرجه الطبراني كلهم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله

стр. 2691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال السخاوي رجاله ثقات ثم ذكر ما تقدم عن البزار والحاكم وأخرجه الدارقطني في سننه من طريق أخرى عن أبي الدرداء ولفظه قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحدَّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمةً من ربكم فاقبلوها، وأخرجه الطبراني في الأوسط ولم يذكر جملة ونهاكم وأشار إلى تفرد بعض رواته به ورواه أبو نعيم من حديث أبي الدرداء مرفوعاً ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه عافية فاقبلوا من الله عافيته ومن شواهده ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه وكذا أخرجه الحاكم شاهداً والطبراني وآخرون وقال الترمذي رواه سفيان يعني ابن عيينة عن التيمي فوقفه قال: وكأنه أصح ونحوه قوله في العلل عن البخاري في المرفوع ما أراه محفوظاً وقال أحمد: إنه منكر وأنكره ابن معين أيضاً وقال أبو حاتم الرازي إنه خطأ ورواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان مرسلاً ورواه صالح المري عن الجريري عن أبي عثمان فقال عن عائشة ورفعه وأخطأ في إسناده ولكن قد رواه الطبراني في الأوسط من حديث يحيى بن سعيد عن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله عن عائشة مرفوعاً بلفظ: لا تمسكوا علي شيئاً فإني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه وقال: لم يروه عن يحيى إلا علي بن عاصم تفرد به صالح بن محمد بن الحسين الزعفراني ومن شواهده ما أخرجه أبو داود في سننه والحاكم في صحيحه عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت فهو عفو وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية وقال الحاكم إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأصله

стр. 2692

الثاني والعشرون: عن معاذ ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار! قال: "لقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنهُ ليَسيرٌ على مَنْ يسَّرَهُ الله تعالى عليهِ: تَعبُدُ الله لا تُشْرِك بهِ شَيئاً، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتَصومُ رمضانَ، وتحُجُّ البَيتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ على أبوابِ الخَيرِ: الصَّوْمُ جُنَّة، والصدَقَةُ تُطفيءُ الخطيئَةَ كما يُطفيءُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيلِ، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦] ثم قال: ألا ــ عند الطبراني مرفوعاً بسند ضعيف ومن شواهده عن ابن عمر أخرجه ابن عدي في كامله بسند ضعيف، ومنها عن المغيرة وعن الحسن مرسلاً عن عبيد بن عمير من قوله والله الموفق. وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ الموجزة البليغة بل قال بعضهم: ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه منه أي لأنه قسم فيه أحكام الدين إلى أربعة أقسام فرائض ومحارم وحدود ومسكوت عنه وذلك يجمع أحكام الدين كلها ومن ثم قال ابن السمعاني من عمل به فقد حاز الثواب وأمن العقاب لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم ووقف عند الحدود وترك البحث عما غاب عنه فقد استوفى أقسام الفضل وأوفى حقوق الدين لأن الشرائع لا تخرج عن الأنواع المذكورة فيه أي لتضمنه جميع قواعد الشرع وأحكامه وآدابه إذ الحكم الشرعي إما مسكوت عنه أو متكلم فيه وهو إما مأمور به وجوباً أو ندباً أو منهي عنه تحريماً أو كراهة أو مباح فالواجب حقه ألا يضيع والحرام حقه ألا يقارب والحدود وهي الزواجر الشرعية كحد الزنى والسرقة حقها أن تقام على أهلها من غير محاباة ولا عدوان وورد حد يقام في الأرض خير من مطر أربعين صباحاً وقد تطلق الحدود على المحارم فقط ومنه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ وحديث إني آخذ بحجزكم اتقوا النار واتقوا الحدود رواه الطبراني والبزار. قوله: (الثاني والعشرون الخ) تقدم الكلام على ما يتعلق به متناً وإسناداً في

стр. 2693

أُخبِرُكَ برَأسِ الأمْرِ، وعمُودِهِ وذرْوَةِ سَنَامِهِ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذروَةُ سنامه الجهاد"، ثم قال: "ألا أخبرُكَ بمِلاكِ ذلكَ كلِّهِ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، ثم قال: "كُفَّ علَيكَ هذا"، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمُؤاخَذُون بما نتكلم به؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النارِ على وُجوهِهِمْ، أو على مناخِرِهِمْ، إلا حصَائِدُ ألسنَتِهِمْ؟ " رويناه في الترمذي وقال: حسن صحيح. وذِروَة السَّنام: أعلاه، وهي بكسر الذال وضمها. وملاك الأمر بكسر الميم: أي مقصوده. الثالث والعشرون: عن أبي ذرّ ومعاذ ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "اتَّقِ الله ــ كتاب حفظ اللسان. قوله: (إن النبي ﷺ قال: "اتق الله") قال ابن حجر الهيتمي قاله لأبي ذر كما سيأتي أي من قوله ﷺ لأبي ذر لما جاء إليه وهو مختف بمكة فأسلم وأراد المقام معه ﷺ وحرص عليه فعلم ﷺ أنه لا يقدر على ذلك فأمره أن يلحق بقومه عسى أن ينفعهم الله به وقال له اتق الله حيث كنت الحديث اهـ. وجاء عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال له: "أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته" وجاء عنه أيضاً قلت: يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله رواه ابن حبان وغيره وورد أن أبا سعيد الخدري قال: يا رسول الله أوصني قال: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء وفي رواية عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير وروى الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً فأخاف أن ينسيني أوله آخره فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال: اتق الله فيما تعلم وكذا ذكر الكازروني أيضاً أنه قال لأبي ذر وزاد فيه حين انصرافه إلى قومه، والتقوى أصله اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه منه هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه وقوله اتق الله على حد اتقوا الله أي غضبه وهو أعظم ما يتقى إذ ينشأ عنه عقابه الدنيوي والأخروي ويحذركم الله نفسه هو أهل التقوى وأهل المغفرة وفسر ذلك ﷺ فقال: قال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل إلهاً

стр. 2694

حيثما كنتَ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، ــ آخراً فأنا أهل أن أغفر له وقد تضاف التقوى إلى عقابه أو مكانه أو زمانه نحو ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. وقوله: (حيث كنت) أي في أي مكان كنت فيه حيث يراك النّاس ولا يرونك اكتفاء بنظره تعالى قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ وسبق قوله لأبي ذر أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته وما أحسن قول من قال: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب وهذا من جوامع كلمه ﷺ فإن التقوى وإن قل لفظها فإنها كلمة جامعة لحقوقه تعالى وهي أن يتقى حق تقاته أي يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر خرجه الحاكم مرفوعاً قيل وهو منسوخ باتقوا الله ما استطعتم وينبغي أن يقال لا نسخ إذ لا يصار إليه إلا بشرط لم توجد كما يعلم من محله فالأولى أن يقال المراد أن يطاع فلا يعصى بحسب الاستطاعة وكذا ما بعده، ولحقوق عباده بأسرها. فمن ثم اشتملت على خير الدارين ثم حقيقة التقوى متوقفة على العلم إذ الجاهل لا يعلم كيف يتقي لا من جانب الأمر ولا من جانب النهي وبهذا تظهر فضيلة العلم وثمرته على سائر العبادات والأحوال والمقامات لتوقفها جميعها عليه ومن ثم ورد مرفوعاً ما عبد الله بشيء أفضل من فقه والمراد بالعلم المتوقف عليه ذلك هو العلم العيني الذي لا رخصة لمكلف في تركه وهو تعلم ما أنت متلبس به فنحو الصلاة وشروطها وأركانها يتعين على كل مكلف تعلم ظواهرها وما يكثر وقوعه منها وكذا الزكاة لمن له مال والحج لمن له استطاعة وعلم كل ما يحاوله الإنسان من بيع ونكاح فمن علم ما خوطب به عيناً أو أراد التلبس به ثم اجتنب كل منهي وفعل كل مأمور فهو المتقي الكامل الذي لا يزال يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه الحديث. قوله: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) أي كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ سبب نزولها في الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ثم أتى فذكر ذلك للنبي ﷺ فسكت النبي ﷺ حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل هذا له خاصة قال: بل للناس عامة وجاءت أحاديث أخر في هذا المعنى ووجه مناسبة هذه الجملة لما قبلها أنه لما كان العبد مأموراً بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه

стр. 2695

وخالِقِ النَّاس بِخُلُقٍ حَسَنٍ" ــ أحياناً تفريط في التقوى إما بترك مأمور أو فعل منهي عنه ومع ذلك لا ينافي وصفه بالتقوى كما يدل عليه نظم سياق ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى أن قال في وصفهم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الخ أرشده ﷺ إلى دواء يمحو به أثر ذلك التفريط بقوله وأتبع السيئة الحسنة الخ بأن تباشر الحسنات عقب ما فرط منك من السيئات لتكون له مكفرات والحسنة ما ندب إليه الشارع والسيئة ما نهى عنه أصلها سيوئة من ساء يسوء سوءاً ومساءة قلبت الواو ياء وأدغمت فيه، وظاهر قوله تمحها وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أنها تمحى حقيقة من الصحيفة، والكازروني قال تمحها أي تمح هذه الحسنة السيئة أي يمحو الله بها آثارها من القلب أو من ديوان الحفظة وزاد ويثبت مكانها الطاعات اهـ. وقيل عبر به عن ترك المؤاخذة فهي موجودة فيها بلا محو إلى يوم القيامة وهذا تجوز يحتاج لدليل وإن نقله القرطبي في تذكرته وقال بعض المفسرين إنه الصحيح عند المحققين ولعل من فوائده على القول الثاني ذهاب أثرها وهو السواد الناشئ عن العصيان من القلب وإليهما أشار كما تقدم مراراً وفيه أن إثبات الطاعات زائدة على مفهوم المحو ثم هذا في الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى أما الكبيرة فلا يمحوها إلا التوبة بشروطها ويمكن دخولها في الحديث بأن يراد بالسيئة الكبيرة وبالحسنة التوبة منها ويؤيده أنه جاء في حديث مرفوع من جملة وصاياه لمعاذ لما توجه إلى اليمن وإن أحدثت ذنباً فأحدث عنه توبة إن سراً فسر وإن علانية فعلانية وأما التبعات فلا يكفرها إلا إسقاط مستحقها أو إرضاء الله لمستحقها فيعفو عنه. قوله: (وخالق النّاس بخلق حسن) تقدم أن الخلق بضم المعجمة ملكة تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير سبق روية وأن الخلق الحسن فسر بأنه هيئة راسخة يصدر عنها جميع الأفعال بسهولة وفسر بعضهم الخلق الحسن بطلاقة الوجه وكف الأذى وبذل المعروف ذكره الترمذي وغيره وقال بعضهم المعنى خالق النّاس بما تحب أن يعاملوك به وهو راجع في المعنى إلى الأول وقال عبد الله الرازي الخلق الحسن استصغار ما منك واستعظام ما إليك وقال شاه الكرماني علامة حسن الخلق كف الأذى واحتمال المؤن قال ﷺ : "إنكم لن تسعوا النّاس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه

стр. 2696

رويناه في الترمذي وقال: حسن، ــ وحسن الخلق واعلم أن الخلق وإن كان سجية في الأصل ومطبوعاً فقد يمكن الإنسان أن يتخلق بغير خلقه حتى يتصف بالأخلاق الحسنة العلية ولذا صح الأمر بتحصيله وتحسينه في قوله ﷺ لمعاذ: "حسن خلقك مع النّاس" إذ لا يؤمر بما طبع عليه فإنه تحصيل الحاصل فأفاد الخبر أن تحسينه من كسب الإنسان وذلك يحصل بنحو النظر في أخلاقه ﷺ وما صدر عنه من أعاليها مع النّاس فيما يمكن أن يتأسى به فيه منها ثم بصحبته لأهل الأخلاق الحسنة والاقتداء بهم في ذلك ثم بتصفية نفسه من ذميم الأوصاف وقبيح الخصال ثم برياضتها إلى أن يتجلى بجميل الأخلاق ومعالي الأحوال فحينئذٍ يثاب على تلك الأخلاق الحميدة لأنها من كسبه فهو نظير استعمال الشجاعة في محلها بملاقاة العدو فإن الشجاع يثاب على هذا الاستعمال لا على نفس الشجاعة لأنها من الأمور الجبلية التي لا تدخل تحت الاختيار وإنما الذي يدخل تحته تكسب المعالي الموجب لإيقاع تلك الغريزة في محلها والحاصل أن الخلق أصله غريزي وبالنسبة إلى ما يستعمل فيه مكتسب ثم حكمة إفراده بالذكر مع أنه من خصال التقوى ولا تتم إلا به الرد إلا على من يظن أنها القيام بحقوق الله فقط إذ كثيراً إما يغلب على من يعتني بحقوقه والانعكاف على محبته وخشيته إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها وما ورد أن الجمع بين الحقين عزيز جداً إذ لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والأولياء والصديقين ومن ثم فسروا الصالح الذي يدعو له كل مصل في تشهده بأنه القائم بهما وفي ذلك مناسبة تامة لحال معاذ فإنه وصاه بذلك عند بعثه إلى اليمن معلماً لهم وقاضياً ومن هو كذلك معرض لمخالطة النّاس بخلق حسن ويحتاج لذلك ما لا يحتاجه من لا يخالطهم. قوله: (رويناه في الترمذي) قال في الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي وصححه والحاكم والبيهقي عن أبي ذر ورواه أحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ ورواه ابن عساكر عن أنس اهـ. وتقدم في باب فضل الذكر الجواب عن الجمع بين وصفي الصحة والحسن في الحديث، وهذا الحديث جامع لسائر أحكام الشريعة إذ هي لا تخرج عن الأمر والنهي فهو كل الإسلام لأنه متضمن لما تضمنه حديث

стр. 2697

وفي بعض نسخه المعتمدة: حسن صحيح. الرابع والعشرون: عن العِرباض بن ساريةَ ﵁ قال: "وعظَنا رسول الله ﷺ موعظةً [بليغة] وجلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، ــ جبريل من الإيمان والإسلام والإحسان ولما تضمنه غيره من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام كما سبق ويأتي على أن فيه تفصيلاً بديعاً فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام كل منها جامع في بابه ومرتب على ما قبله أولها يتعلق بحقوق الله تعالى بالذات وبغيرها بطريق التبع وهو التقوى وثانيها يتعلق بحق المكلف كذلك وثالثها يتعلق بحقوق النّاس كذلك. قوله: (وفي بعض نسخه المعتمدة الخ) وفي نسخة صحيح وفي أخرى حسن غريب وسببه اختلاف الرواة عنه ككتابه والضابطين له ثم تحسينه لهذا الحديث مقدم على ترجيح الدارقطني إرساله للقاعدة المقررة أن المسند لزيادة علمه مقدم على المرسل وأما تصحيحه له في تلك النسخة فيوافقه قول الحاكم إنه على شرط الشيخين لكن وهم بأن ميموناً أحد رواته لم يخرج له البخاري شيئاً ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة فلم يوجد فيه شرط البخاري ويؤيد تحسين الترمذي أنه ورد لهذا الحديث طرق متعددة عند أحمد والبزار والطبراني والحاكم وابن عبد البر وغيرهم يفيد مجموعها حسنه قوله: (وعظنا رسول الله ﷺ الخ) كان ذلك بعد صلاة الصبح كما جاء في رواية والموعظة من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب وتنوينها للتعظيم أي موعظة جليلة كما يدل عليه رواية بليغة أي بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا. قوله: (وجلت) أي خافت وكأنه كان مقام تخويف ووعيد ومن للتعليل أي من أجلها وأخر عما قبله لأنه إنما ينشأ غالباً عنه وفيه أنه ينبغي للعالم أن يعظ أصحابه ويذكرهم ويخوفهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم ولا يقتصر بهم على مجرد معرفة الأحكام والحدود والرسوم وأنه ينبغي المبالغة في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة قال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ومن

стр. 2698

فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة موَدِّع فأوصنا، قال: "أوصِيكُمْ بتَقوَى اللهِ [ ]، والسَّمع والطَّاعَةِ ــ ثم كان إذا خطب ﷺ وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه وانتفخت أوداجه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم وطلبت بلاغة الخطبة لأنها قرب إلى قبول القلوب واستجلابها إذ البلاغة هنا البلاغة في التوصيل إلى إفهام المعاني المقصودة وإدخالها قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها في القلوب وكان ﷺ لا يطيل خطبته بل يبلغ ويوجز. قوله: (فقلنا يا رسول الله الخ) كأن وجه فهم ذلك مزيد مبالغته ﷺ في التخويف والتحذير على خلاف ما كانوا يألفون منه قبل فظنوا أن ذلك لقرب وفاته ومفارقته لهم فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل وفيه جواز تحكيم القرائن والاعتماد (عليها) في بعض الأحوال لأنهم إنما فهموا توديعه بقرينة إبلاغه في الموعظة أكثر من العادة كما تقرر واحتمال أنه أشار إلى توديعهم نظير ما وقع في حجة الوداع ففهموا ما سأله منه بعيد بدليل قوله (قولهم كأنها). قوله: (فأوصنا) أي وصية جامعة كافية فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية تنفعهم ويتمسك بها بعده ويكون فيها كفاية للمتمسك بها وسعادة له في الدارين ويؤخذ منه أنه ينبغي لتلامذة العالم أن يسأله في مزيد وعظهم وتخويفهم ونصحهم وفيه اغتنام أوقات أهل الدين والخير قبل فراقهم. قوله: (أوصيكم بتقوى الله) جمع في هذا اللفظ كل ما يحتاج إليه من أمور الآخرة لما مر أن التقوى امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك والوصية بالتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ وتقدم الكلام على معنى التقوى وأصل اشتقاقها في الحديث الذي قبل هذا. قوله: (والسمع والطاعة) معطوف على التقوى من عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام بشأنه ولذا جمع بين السمع والطاعة تأكيداً لمزيد العناية بهذا المقام ويصح أن يكون عطف مغاير من حيث إن أظهر مقاصد التقوى انتظام الأمور

стр. 2699

وإنْ تأمَّرَ عليكُمْ عَبْدٌ [حبشي]، وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فسيَرَى اختِلافاً كثيراً، فعَلَيكُمْ بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ ــ الأخروية. وقوله: (وإن تأمر عليكم عبد) هذا إما من باب ضرب المثل بغير الواقع على طريق الفرض والتقدير وإلا فهو لا تصح ولايته أو من باب الإخبار بالغيب وإن نظام الشريعة يختل حتى توضع الولايات في غير أهلها والمراد بالطاعة حينئذٍ الصبر إيثاراً لأخف الضررين إذ الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته أهون من إثارة الفتنة التي لا دواء لها ولا خلاص منها ويرشد إلى الأخير تعقيب ذلك بقوله (وإنه من يعيش منكم الخ) ففيه من معجزاته ﷺ الإخبار بما يقع بعده من كثرة الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان ﷺ عالماً ذلك جملة وتفصيلاً لما صح أنه كشف له ﷺ عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم ولم يكن ﷺ بينه لكل أحد إنما كان يحذر منه على العموم ثم يلقى إلى الآحاد تفصيل بعض من ذلك كحذيفة وأبي هريرة ﵄. قوله: (فعليكم بسنتي) أي الزموها والباء صلة وسنته ﷺ طريقته وسيرته القويمة التي هو عليها مما أصله من الأحكام الاعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها (وسنة الخلفاء) وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃ أي طرائقهم فإنهم أشاعوا الدين ثم تقليدهم في حق المقلد الصرف في تلك الأزمنة القريبة من زمن الصحابة أما في زماننا فقال بعض أئمتنا لا يجوز تقليد غير الأربعة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ﵃ لأن هؤلاء عرفت قواعد مذاهبهم واستقرت أحكامها وخدمها تابعوهم وحرروها فرعاً فرعاً وحكماً حكماً فقل أن يوجد فرع إلا وهو منصوص لهم إجمالاً أو تفصيلاً بخلاف غيرهم فإن مذاهبهم لم تحرر وتدون كذلك فلا تعرف لها قواعد تتخرج عليها فلم يجز تقليدهم فيما حفظ عنهم منا لأنه قد يكون مشروطاً بشروط أخرى وكلوها إلى فروعها من قواعدهم فقلت الثقة لخلو ما حفظ عنهم من

стр. 2700

عضُّوا علَيهَا بالنَّواجِذِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإن كُل بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" ــ قيد أو شرط فلم يجز التقليد حينئذٍ والمراد بالتقليد الممنوع فيما عدا الأربعة التقليد في الفتيا والقضاء إما لعمل الإنسان في حق نفسه فلا منع فيما صح عنده عمن نقل عنه بشرط علمه بجميع ما يشترطه القائل به وموانعه عنده. قوله: (عضوا عليها بالنواجذ) أمر من عض فلان أخذ شيئاً بالعض وهو السنن والنواجذ بالمعجمة جمع ناجذ آخر الأضراس الذي يدل نباته على الحلم من فوق وأسفل من كل من الجانبين فللإنسان أربع نواجذ وقيل الأنياب، المعنى على كل من القولين عضوا عليها بجميع الفم وهو عبارة عن النهش وهو الأخذ بأطراف الأسنان فو إما مجاز بليغ فيه تشبيه المعقول بالمحسوس أو كناية عن شدة التمسك بالسنة والجد في لزومها كفعل من أمسك الشيء بنواجده وعض عليه لئلا ينزع منه لأن النواجذ ممددة فإذا عضت على شيء نشبت فيه فلا يتخلص وقيل معناه الأمر بالصبر على ما يصيبه من العض في ذات الله كما يفعله المتألم مما أصابه من الألم. قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور) منصوبان على التحذير والأصل باعدوا أنفسكم واحذروا محدثات الأمور أي الأخذ بالأمور المحدثة في الدين واتباع غير سنن الخلفاء الراشدين فإنه بدعة وأن كل بدعة -وهي شرعاً ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص أو العام- ضلالة إذ الحق فيما جاء به الشرع فما لا يرجع إليه يكون ضلالة إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وتقدم في الحديث الثاني زيادة بسط في هذا المقام حاصله أن البدعة التي هي ضلالة ما ليس لها أصل في الشرع إنما الحامل عليها مجرد الشهوة أو الإرادة فهذا باطل قطعاً، إما ما لها أصل في الشرع إما يحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنها حسنة إذ هي سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين والمبتدع ليس مذموماً لمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أول سورة الأنبياء إنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعايته للضلالة والحاصل أن البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام فمن البدع الواجبة الاشتغال بالعلوم العربية
следующие страницы →