← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2696–2732 · переход к 2701.

стр. 2696

رويناه في الترمذي وقال: حسن، ــ وحسن الخلق واعلم أن الخلق وإن كان سجية في الأصل ومطبوعاً فقد يمكن الإنسان أن يتخلق بغير خلقه حتى يتصف بالأخلاق الحسنة العلية ولذا صح الأمر بتحصيله وتحسينه في قوله ﷺ لمعاذ: "حسن خلقك مع النّاس" إذ لا يؤمر بما طبع عليه فإنه تحصيل الحاصل فأفاد الخبر أن تحسينه من كسب الإنسان وذلك يحصل بنحو النظر في أخلاقه ﷺ وما صدر عنه من أعاليها مع النّاس فيما يمكن أن يتأسى به فيه منها ثم بصحبته لأهل الأخلاق الحسنة والاقتداء بهم في ذلك ثم بتصفية نفسه من ذميم الأوصاف وقبيح الخصال ثم برياضتها إلى أن يتجلى بجميل الأخلاق ومعالي الأحوال فحينئذٍ يثاب على تلك الأخلاق الحميدة لأنها من كسبه فهو نظير استعمال الشجاعة في محلها بملاقاة العدو فإن الشجاع يثاب على هذا الاستعمال لا على نفس الشجاعة لأنها من الأمور الجبلية التي لا تدخل تحت الاختيار وإنما الذي يدخل تحته تكسب المعالي الموجب لإيقاع تلك الغريزة في محلها والحاصل أن الخلق أصله غريزي وبالنسبة إلى ما يستعمل فيه مكتسب ثم حكمة إفراده بالذكر مع أنه من خصال التقوى ولا تتم إلا به الرد إلا على من يظن أنها القيام بحقوق الله فقط إذ كثيراً إما يغلب على من يعتني بحقوقه والانعكاف على محبته وخشيته إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها وما ورد أن الجمع بين الحقين عزيز جداً إذ لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والأولياء والصديقين ومن ثم فسروا الصالح الذي يدعو له كل مصل في تشهده بأنه القائم بهما وفي ذلك مناسبة تامة لحال معاذ فإنه وصاه بذلك عند بعثه إلى اليمن معلماً لهم وقاضياً ومن هو كذلك معرض لمخالطة النّاس بخلق حسن ويحتاج لذلك ما لا يحتاجه من لا يخالطهم. قوله: (رويناه في الترمذي) قال في الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي وصححه والحاكم والبيهقي عن أبي ذر ورواه أحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ ورواه ابن عساكر عن أنس اهـ. وتقدم في باب فضل الذكر الجواب عن الجمع بين وصفي الصحة والحسن في الحديث، وهذا الحديث جامع لسائر أحكام الشريعة إذ هي لا تخرج عن الأمر والنهي فهو كل الإسلام لأنه متضمن لما تضمنه حديث

стр. 2697

وفي بعض نسخه المعتمدة: حسن صحيح. الرابع والعشرون: عن العِرباض بن ساريةَ ﵁ قال: "وعظَنا رسول الله ﷺ موعظةً [بليغة] وجلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، ــ جبريل من الإيمان والإسلام والإحسان ولما تضمنه غيره من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام كما سبق ويأتي على أن فيه تفصيلاً بديعاً فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام كل منها جامع في بابه ومرتب على ما قبله أولها يتعلق بحقوق الله تعالى بالذات وبغيرها بطريق التبع وهو التقوى وثانيها يتعلق بحق المكلف كذلك وثالثها يتعلق بحقوق النّاس كذلك. قوله: (وفي بعض نسخه المعتمدة الخ) وفي نسخة صحيح وفي أخرى حسن غريب وسببه اختلاف الرواة عنه ككتابه والضابطين له ثم تحسينه لهذا الحديث مقدم على ترجيح الدارقطني إرساله للقاعدة المقررة أن المسند لزيادة علمه مقدم على المرسل وأما تصحيحه له في تلك النسخة فيوافقه قول الحاكم إنه على شرط الشيخين لكن وهم بأن ميموناً أحد رواته لم يخرج له البخاري شيئاً ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة فلم يوجد فيه شرط البخاري ويؤيد تحسين الترمذي أنه ورد لهذا الحديث طرق متعددة عند أحمد والبزار والطبراني والحاكم وابن عبد البر وغيرهم يفيد مجموعها حسنه قوله: (وعظنا رسول الله ﷺ الخ) كان ذلك بعد صلاة الصبح كما جاء في رواية والموعظة من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب وتنوينها للتعظيم أي موعظة جليلة كما يدل عليه رواية بليغة أي بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا. قوله: (وجلت) أي خافت وكأنه كان مقام تخويف ووعيد ومن للتعليل أي من أجلها وأخر عما قبله لأنه إنما ينشأ غالباً عنه وفيه أنه ينبغي للعالم أن يعظ أصحابه ويذكرهم ويخوفهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم ولا يقتصر بهم على مجرد معرفة الأحكام والحدود والرسوم وأنه ينبغي المبالغة في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة قال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ومن

стр. 2698

فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة موَدِّع فأوصنا، قال: "أوصِيكُمْ بتَقوَى اللهِ [ ]، والسَّمع والطَّاعَةِ ــ ثم كان إذا خطب ﷺ وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه وانتفخت أوداجه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم وطلبت بلاغة الخطبة لأنها قرب إلى قبول القلوب واستجلابها إذ البلاغة هنا البلاغة في التوصيل إلى إفهام المعاني المقصودة وإدخالها قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها في القلوب وكان ﷺ لا يطيل خطبته بل يبلغ ويوجز. قوله: (فقلنا يا رسول الله الخ) كأن وجه فهم ذلك مزيد مبالغته ﷺ في التخويف والتحذير على خلاف ما كانوا يألفون منه قبل فظنوا أن ذلك لقرب وفاته ومفارقته لهم فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل وفيه جواز تحكيم القرائن والاعتماد (عليها) في بعض الأحوال لأنهم إنما فهموا توديعه بقرينة إبلاغه في الموعظة أكثر من العادة كما تقرر واحتمال أنه أشار إلى توديعهم نظير ما وقع في حجة الوداع ففهموا ما سأله منه بعيد بدليل قوله (قولهم كأنها). قوله: (فأوصنا) أي وصية جامعة كافية فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية تنفعهم ويتمسك بها بعده ويكون فيها كفاية للمتمسك بها وسعادة له في الدارين ويؤخذ منه أنه ينبغي لتلامذة العالم أن يسأله في مزيد وعظهم وتخويفهم ونصحهم وفيه اغتنام أوقات أهل الدين والخير قبل فراقهم. قوله: (أوصيكم بتقوى الله) جمع في هذا اللفظ كل ما يحتاج إليه من أمور الآخرة لما مر أن التقوى امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك والوصية بالتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ وتقدم الكلام على معنى التقوى وأصل اشتقاقها في الحديث الذي قبل هذا. قوله: (والسمع والطاعة) معطوف على التقوى من عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام بشأنه ولذا جمع بين السمع والطاعة تأكيداً لمزيد العناية بهذا المقام ويصح أن يكون عطف مغاير من حيث إن أظهر مقاصد التقوى انتظام الأمور

стр. 2699

وإنْ تأمَّرَ عليكُمْ عَبْدٌ [حبشي]، وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فسيَرَى اختِلافاً كثيراً، فعَلَيكُمْ بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ ــ الأخروية. وقوله: (وإن تأمر عليكم عبد) هذا إما من باب ضرب المثل بغير الواقع على طريق الفرض والتقدير وإلا فهو لا تصح ولايته أو من باب الإخبار بالغيب وإن نظام الشريعة يختل حتى توضع الولايات في غير أهلها والمراد بالطاعة حينئذٍ الصبر إيثاراً لأخف الضررين إذ الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته أهون من إثارة الفتنة التي لا دواء لها ولا خلاص منها ويرشد إلى الأخير تعقيب ذلك بقوله (وإنه من يعيش منكم الخ) ففيه من معجزاته ﷺ الإخبار بما يقع بعده من كثرة الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان ﷺ عالماً ذلك جملة وتفصيلاً لما صح أنه كشف له ﷺ عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم ولم يكن ﷺ بينه لكل أحد إنما كان يحذر منه على العموم ثم يلقى إلى الآحاد تفصيل بعض من ذلك كحذيفة وأبي هريرة ﵄. قوله: (فعليكم بسنتي) أي الزموها والباء صلة وسنته ﷺ طريقته وسيرته القويمة التي هو عليها مما أصله من الأحكام الاعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها (وسنة الخلفاء) وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃ أي طرائقهم فإنهم أشاعوا الدين ثم تقليدهم في حق المقلد الصرف في تلك الأزمنة القريبة من زمن الصحابة أما في زماننا فقال بعض أئمتنا لا يجوز تقليد غير الأربعة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ﵃ لأن هؤلاء عرفت قواعد مذاهبهم واستقرت أحكامها وخدمها تابعوهم وحرروها فرعاً فرعاً وحكماً حكماً فقل أن يوجد فرع إلا وهو منصوص لهم إجمالاً أو تفصيلاً بخلاف غيرهم فإن مذاهبهم لم تحرر وتدون كذلك فلا تعرف لها قواعد تتخرج عليها فلم يجز تقليدهم فيما حفظ عنهم منا لأنه قد يكون مشروطاً بشروط أخرى وكلوها إلى فروعها من قواعدهم فقلت الثقة لخلو ما حفظ عنهم من

стр. 2700

عضُّوا علَيهَا بالنَّواجِذِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإن كُل بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" ــ قيد أو شرط فلم يجز التقليد حينئذٍ والمراد بالتقليد الممنوع فيما عدا الأربعة التقليد في الفتيا والقضاء إما لعمل الإنسان في حق نفسه فلا منع فيما صح عنده عمن نقل عنه بشرط علمه بجميع ما يشترطه القائل به وموانعه عنده. قوله: (عضوا عليها بالنواجذ) أمر من عض فلان أخذ شيئاً بالعض وهو السنن والنواجذ بالمعجمة جمع ناجذ آخر الأضراس الذي يدل نباته على الحلم من فوق وأسفل من كل من الجانبين فللإنسان أربع نواجذ وقيل الأنياب، المعنى على كل من القولين عضوا عليها بجميع الفم وهو عبارة عن النهش وهو الأخذ بأطراف الأسنان فو إما مجاز بليغ فيه تشبيه المعقول بالمحسوس أو كناية عن شدة التمسك بالسنة والجد في لزومها كفعل من أمسك الشيء بنواجده وعض عليه لئلا ينزع منه لأن النواجذ ممددة فإذا عضت على شيء نشبت فيه فلا يتخلص وقيل معناه الأمر بالصبر على ما يصيبه من العض في ذات الله كما يفعله المتألم مما أصابه من الألم. قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور) منصوبان على التحذير والأصل باعدوا أنفسكم واحذروا محدثات الأمور أي الأخذ بالأمور المحدثة في الدين واتباع غير سنن الخلفاء الراشدين فإنه بدعة وأن كل بدعة -وهي شرعاً ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص أو العام- ضلالة إذ الحق فيما جاء به الشرع فما لا يرجع إليه يكون ضلالة إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وتقدم في الحديث الثاني زيادة بسط في هذا المقام حاصله أن البدعة التي هي ضلالة ما ليس لها أصل في الشرع إنما الحامل عليها مجرد الشهوة أو الإرادة فهذا باطل قطعاً، إما ما لها أصل في الشرع إما يحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنها حسنة إذ هي سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين والمبتدع ليس مذموماً لمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أول سورة الأنبياء إنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعايته للضلالة والحاصل أن البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام فمن البدع الواجبة الاشتغال بالعلوم العربية

стр. 2701

رويناه في سنن أبي داود والترمذي ــ المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة كالنحو والصرف وبعلوم الحديث من جرح الرواة وتعديلهم وتمييز صحيح الحديث من سقيمه وتدوين العلوم الشرعية لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين كما دلت عليه القواعد الشرعية ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، ومن البدع المحرمة مذاهب سائر أهل البدع لمخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، ومن البدع المندوبة أحداث نحو الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في الصدر الأول والكلام في دقائق التصوف، ومن البدع المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف، ومن البدع المباحة التوسع في لذائذ المآكل والمشارب والملابس وتوسيع الأكمام وقد يختلف العلماء في ذلك فبعضهم يجعله مكروهاً وبعضهم سنة وتقدم الكلام في المصافحة عقب صلاتي الصبح والعصر في باب المصافحة. وبما تقرر علم أن قوله ومحدثات الأمور عام أريد به خاص إذ سنة الخلفاء الراشدين منها مع أنا أمرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعي وكذا سنتهم عام أريد به خاص إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أمره حين سنة لا يعضدها دليل شرعي امتنع اتباعها ولا ينافي ذلك لأنه قد يخطيء المصيب ويزيغ المستقيم يوماً وفي الحديث لا حليم إلا ذو عشرة ولا حكيم إلا ذو تجربة. قوله: (رويناه في سنن أبي داود والترمذي) وكذا رواه أحمد والدارمي في مسنديهما وابن ماجه في سننه وأخرجه الحاكم في صحيحه بنحوه وكذا أخرجه الطبراني والبغوي في معجم الصحابةكقوله طرق كثيرة ثم ظاهر كلام الشيخ هنا وفي كتاب الأربعين له أن هذا اللفظ عند أبي داود والترمذي ولفظ أبي داود قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأن هذا موعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضواً عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ولفظ الترمذي نحو هذا لكن بعد صلاة الغداة وفيه وأن عبد حبشي وفيه

стр. 2702

وقال: حديث حسن صحيح. الخامس والعشرون: عن أبي مسعود ــ وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضواً عليها بالنواجذ وفي بعض الطرق تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها فلا يزيغ عنها بعدي منكم إلا كل هالك وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وزاد ابن ماجه والحاكم والطبراني وآخرون في آخر الحديث فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد لكن أنكر جمع من الحفاظ هذه الزيادة وقالوا إنها مدرجة وأجيب بأن ابن ماجه أخرجه بإسناد جيد متصل ورواته ثقات مشهورون وقد صرح بسماع يحيى راويه عن العرباض وبه صرح البخاري في تاريخه -أي وإن أنكره حفاظ أهل الشام- وقيل إن البخاري في تاريخه يقع له أوهام في أخبار أهل الشام وهم أعرف بشيوخهم وأشار السخاوي إلى أن هذه الزيادة عند ابن ماجه والحاكم والطبراني وأبي نعيم ومداره عندهم على معاوية بن صالح عن ضمرة عن عبد الرحمن بن عمر والسلمي أنه سمع العرباض فذكره قال: وفي آخره عندهم فإنما المؤمن الخ قال: ولم ينفرد به عبد الرحمن بل رواه الحاكم أيضاً من حديث عمرو بن أبي سلمة التنيسي وتمام في فوائده من حديث مروان بن محمد الطاطري كلاهما عن عبد الله بن العلاء بن زيد عن يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض وذكره وكذا رواه الطبراني والثقفي في أول الأربعين له معاً من حديث إبراهيم بن عبد الله بن العلاء عن أبيه لكن جعله عن يحيى عن العرباض بالعنعنة ورواه تمام أيضاً من طريق آخر عن عبد الله بن العلاء وفيه أنه قال: حدثني به يحيى بن أبي المطاع أنه سمع من العرباض وأخرجه ابن ماجه عن عبد الله كذلك والله أعلم. قوله: (وقال) يعني الترمذي (حديث حسن صحيح) وفي نسخة الاقتصار على حسن وقال الحاكم إن الحديث صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن حبان بل وعزا الحافظ تصحيحه إلى ابن خزيمة وقال أبو نعيم إنه جيد من صحيح حديث الشاميين

стр. 2703

البدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن مِمَّا أدرَكَ الناسُ مِنْ كلام النُّبُوةِ الأولى: إذَاَ لم تَسْتَح فاصْنَعْ ما شِئْتَ" ــ قال السخاوي وفي الباب عن جماعة من الصحابة اهـ. قوله: (البدري) نسبة إلى بدر سكناً لا شهوداً مع النبي ﷺ على الأصح الذي قال به الجمهور، وتقدم أنه الأرجح، والذي ذهب إليه البخاري ومسلم في آخرين أنه شهدها وتقدمت ترجمته في باب ما يقول إذا أراد النوم واضطجع على فراشه. قوله: (إذا مما أدرك النّاس) أي مما وصل إليهم وظفروا به ومن ابتدائية خبر إن واسمها قوله إن لم تستح الخ على تأويل هذا القول والعائد إلى ما محذوف وفاعل أدرك النّاس أو ضمير يعود إلى ما والناس مفعوله لكن الرواية كما قال الكازروني على الأول وقوله من كلام النبوة أي ذوي النبوة المتقدمة على نبوة نبينا محمد ﷺ في الوجود وحاصل معناه أن مما اتفقت عليه الشرائع إذا لم تستحي الخ لأنه جاء في أولاها تتابعت بقيتها عليه فالحياء لم يزل في سائر الشرائع ممدوحاً ومأموراً به لم ينسخ في شرع وقد جاء في رواية لم يدرك النّاس من كلام النبوة الأولى إلا هذا. قوله: (إذا لم تستحي) من الاستحياء فالياء الأخيرة محذوفة للجازم وفي نسخة "تستح" بحذف الياءين وقوله (فاصنع ما شئت) وعيد وتهديد لمن ترك الحياء أي اصنع ما شئت فإنك مجازى عليه فهو كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أو المراد به الخبر كقوله: فليتبوأ مقعده من النار ومعناه أن عدم الحياء يوجب الاستهتار والانهماك في هتك الأستار أو المراد أن ما لا يستحي من الله ولا من النّاس في فعله إذا ظهر فافعله وإلا فلا فهو أمر إباحة قيل والأول أولى وأظهر ولم يذكر أحد في الآية غيره فيما يعلم فعلم أن الحياء من أشرف الخصال وأكمل الأحوال ومن ثم قال ﷺ : الحياء خير كله الحياء لا يأتي إلا بخير وصح أن الحياء شعبة من الإيمان وليس من الحياء كما تقدم في باب وعظ الإنسان من هو أجل منه ما يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شرطه بل ذاك جبن وخور وكذا ما يمنع السؤال عن مهمات المسائل في الدين إذا أشكلت عليه وفي الحديث عن عائشة نعم النساء

стр. 2704

رويناه في البخاري. السادس والعشرون: عن جابر ﵁: "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيتَ إذا صليتُ المكتوباتِ، وصمتُ رمضانَ، وأحللتُ الحلالَ، وحرَّمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟ ــ نساء الأنصار لم يمنعهم الحياء أن يسألن عن أمر دينهن وفي حديث إن ديننا هذا لا يصلح لمستحي -أي حياء مذموماً- ولا لمتكبر وتقدم في ذلك الباب الكلام على تعريف الحياء وما يتعلق به فراجعه. قوله: (رويناه في البخاري) قال في الجامع الصغير ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي مسعود ورواه أحمد أيضاً من حديث حذيفة وبما تقرر في شرح الحديث علم أن عليه مدار الإسلام وبيانه أن فعل المكلف إما أن يستحيا منه أو لا الأول الحرام والمكروه والثاني الواجب والمندوب والمباح فقد تضمن الأحكام الخمسة ولم يشذ عنه منها شيء. قوله: (أن رجلاً) هو النعمان بن قوقل بفتح القافين. قوله: (صليت المكتوبات) أي الخمس من كتب بمعنى فرض وأوجب. قوله: (وأحللت الحلال الخ) قال المصنف في الأربعين له معنى قوله حرمت الحرام اجتنبته ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقداً حله ونظر فيه بعض الشراح قال وأوجه منه قول ابن الصلاح الظاهر أنه قصد به اعتقاد حرمته وأن لا يفعل بخلاف الحلال فإنه يكفي فيه مجرداً اعتقاد كونه حلالاً وإن لم يفعله اهـ. ويوجه بأنا لسنا مكلفين بفعل الحلال من حيث ذاته بل لمصالح تترتب على فعله فلم يكن فعله مشترطاً في دخول الجنة بخلاف الحرام فإنا مكلفون باجتنابه واعتقاد تحريمه لذاته فيهما من غير نظر لما يترتب عليه ولم يذكر من المفروضات الزكاة والحج لعدم فرضهما إذ ذاك أو لكونه لم يخاطب بهما وترك الحرام يشملهما لأن ترك الفريضة من المحرمات. قوله: (أدخل الجنة) همزة الاستفهام فيه مقدرة أي أدخلها ابتداء من غير عقب كما هو ظاهر من السياق والقواعد إذ مطلق دخولها إنما يتوقف على التوحيد فقط كما دلت عليه أحاديث صحيحة وما

стр. 2705

قال: نَعَمْ" رويناه في مسلم. السابع والعشرون: عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: "قلت: يا رسول لله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرَك، قال: "قُلْ: آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ" رويناه في مسلم. قال العلماء: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ وهو مطابق ــ جاء في أحاديث صحيحة أيضاً من أن بعض الكبائر تمنع من دخولها كقطع الرحم والكبر محمول على المستحل لذلك مع العلم بالتحريم أو المراد لا يدخلها مع الناجين الفائزين. وقوله: (نعيم) جواب لذلك السؤال أي نعم تدخلها وفيه دليل لجواز ترك التطوعات رأساً وإن تمالأ عليه أهل بلد فلا يقاتلون ومن قال يقاتلون يحتاج إلى دليل وإن كان في ترك التطوعات التي شرعت جبراً لنقص الفرائض وزيادة التقرب بها إلى الله تعالى حتى يحب فاعلها فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به الحديث تفويت لذلك الربح العظيم والثواب الجسيم وإسقاط للمروءة ورد للشهادة لأن مداومة تركها يدل على نوع تهاون بالدين نعم إن قصد بتركها الاستخفاف بها والرغبة عنها كفر. قوله: (روينا في صحيح مسلم) وهو حديث جامع للإسلام أصولاً وفروعاً لأن أحكام الشرع إما قلبية أو بدنية وعلى التقديرين إما أصلية أو فرعية فهي أربعة بحسب القسمة ثم جميعها إما مأذون فيه وهو الحلال أو ممنوع منه وهو الحرام واللام في الحلال للعهد والمراد به المأذون في فعله واجباً كان أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً وفي الحرام للاستغراق فإذا أحل كل حلال وحرم كل حرام فقد أتى بجميع وظائف الشرع وذلك مستقل بدخول الجنة قال الكازروني: إن قلت ظاهر الحديث أن الأعمال الصالحة أسباب دخول الجنة لأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية وقد ثبت في الصحاح مرفوعاً لن ينجي أحداً منكم عمله قالوا: ولا أنت قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته فما التوفيق، قلت دخول الجنة بمحض رحمة الله ليس إلا وأما اختلاف مراتبها فبحسب العمل لكن لا بد للعبد أن يستعد لفضله وذلك بالعمل. قوله: (السابع والعشرون) تقدم الكلام على ما يتعلق به متناً وتخريجاً في كتاب حفظ اللسان.

стр. 2706

لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] قال جمهور العلماء: معنى الآية والحديث: آمِنوا والتزِموا طاعة الله. الثامن والعشرون: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، وهو مشهور في "صحيح مسلم" وغيره. التاسع والعشرون: عن ابن عباس ﵄ قال: "كنت خَلْف النبي ﷺ يوماً فقال: "يا غُلامُ ــ قوله: (الثامن والعشرون) قال القاضي عياض هو حديث متفق على عظم موقعه وكثرة أحكامه لاشتماله على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه أي فهو جامع لطاعات الجوارح والقلب أصولاً وفروعاً قال القرطبي: حقيق بأن يسمى أم السنة كما سميت الفاتحة أم القرآن لتضمنها جمل معانيه وقال بعضهم لو لم يكن في السنة جميعها غيره لكان وافياً بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة وعلى تفاصيلها ومرجعه من القرآن والسنة كل آية أو حديث تضمن ذكر الإسلام أو الإيمان أو الإحسان أو الإخلاص أو المراقبة أو نحو ذلك. قوله: (وهو مشهور) أي على الألسنة. قوله: (في صحيح مسلم وغيره) وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة ولم يخرج البخاري فيه شيئاً عن عمر إنما أخرج أصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي هريرة نحوه. قوله: (كنت خلف النبي ﷺ ) أي على دابته كما في رواية ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته وقد أردف النبي ﷺ على الدابة معه جماعة أفردتهم بتأليف فبلغوا أربعين إنساناً ﵃. قوله: (يا غلام) بالضم لأنه نكرة مقصودة وفي رواية يا غليم وهو تصغير حنو وترقيق أو تعظيم باعتبار ما يؤول إليه حاله والغلام هو الصبي من حين يفطم إلى تسع سنين

стр. 2707

إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَألْتَ ــ وسنه إذ ذاك نحو عشر سنين وقد توفي ﷺ وهو ابن عشر أو ثلاث عشرة سنة. قوله: (إني أعلمك كلمات) أي نافعات كما جاء في رواية ينفعك الله بهن وفائدة هذا التمهيد أن يكون الكلام أوقع في النفس لأنه لما يقول له ذلك يشتد شوقه إليه وتقبل نفسه عليه وجاء بها بصيغة جمع القلة. ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ فيسهل حفظها وآذنه بعظيم خطرها ورفعة مجلها بتنوينها وفي تأهيله ﷺ لابن عباس لهذه الوصايا الخطيرة القدر الجامعة من الأحكام والحكم والمعارف ما يفوق الحصر دليل على أنه ﷺ علم ما سيؤول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة وكمال الأخلاق والأحوال الباطنة والظاهرة. قوله: (احفظ الله) أي بحفظ دينه وأمره أي كن مطيعاً لربك مؤتمر بأوامره منتهياً عن نواهيه وزواجره فإن تحفظه كذلك (يحفظك) في نفسك وأهلك ودنياك سيما عند الموت إذ الجزاء من جنس العمل وهي منصوبة المحل على أنها عطف بيان أو بدل لكلمات أو استئناف وهي من أبلغ العبارات وأوجزها وأجمعها لسائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها فهو من بدائع جوامعه ﷺ التي اختصه الله تعالى بها. قوله: (احفظ الله تجده تجاهك) بصم التاء وفتح الهاء وأصله وجاهك بضم الواو وكسرها ثم قلبت تاء كما في تراث. وهو بمعنى أمامك في الرواية الثانية أي تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت فتأنس به وتستغني به عن خلقه فهو تأكيد لما قبله وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة عليه تعالى فهو على حد إن الله مع المتقين فهي معنوية لا ظرفية وخص الأمام من بقية الجهات الستة إشعاراً بشرف المقصد وأن الإنسان مسافر إلى الآخرة غير قار في الدنيا والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير فكان المعنى حيثما توجهت وتيممت وقصدت من أمر الدارين وقيل إن هذه الجملة استعارة تمثيلية شبه حاله في معاونة الله له ومراعاته أحواله وسرعة إنجاحه حاجته بحال من جلس أمامه يحفظه ويراعيه. قوله: (إذا سألت) أي أردت السؤال

стр. 2708

فاسألِ اللهَ، وإذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ، وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ الله لَكَ، وَإنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيكَ، ــ (فاسأل الله) أي وحده في السؤال فإن خزائن العطاء عنده لا معطي ولا مانع إلا هو قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي الحديث من لم يسأل الله يغضب عليه ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع وروي أنه تعالى قال لموسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: يا موسى سلني في دعائك -وجاء: في صلاتك- حتى ملح عجينك فلا يعتمد في أمر من الأمور إلا على مولاه لأنه المانع المعطي لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فلا يركن العبد إلى أحد سواه فبقدر ميل القلب إلى مخلوق يبعد عن مولاه لضعف يقينه ووقوعه في هوة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أرباب التوكل واليقين فأعرضوا عما سواه وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده لأنه المتكفل لكل متوكل بما يحبه ويتمناه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قوله: (وإذا استعنت) أي طلبت الإعانة في شيء من الأمور (فاستعن بالله) وحده لما علمت أنه سبحانه هو القادر وغيره عاجز عن كل شيء حتى عن جلب مصالح نفسه ودفع مضارها والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة أما من هو كل على مولاه لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلاً عن غيره فكيف يؤهل للاستعانة أو يستمسك بسببه فلا يستعان إلا بالله كما أفاده تقديم المعمول المؤذن بالحصر في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فمن أعانه مولاه فهو المعان ومن خذله فهو المخذول وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز لا تستعن بغير الله يكلك إليه وقد أرشد ﷺ إلى الخروج عن السوي في جميع الأحوال والإقبال على المولى والتوكل عليه في كل حال وقد أكد التوكل عليه تعالى حيث قال (واعلم أن الأمة لو اجتمعت الخ) كما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وإن يردك بخير فلا راد لفضله والمعنى وحد الله تعالى في لحوق الضرر والنفع فهو الضار النافع ليس معه أحد في ذلك لما تقرر أن أزمة الموجودات بيده سبحانه منعاً وإطلاقاً فإذا أراد غيرك ضرك بما لم يكتب عليك دفعه تعالى عنك بصرف ذلك الغير عن مراده بعارض من عوارض القدرة

стр. 2709

رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي زيادة: "احْفَظِ اللهَ تَجِدْه أمامَكَ، ــ الباهرة مانع من الفعل من أصله كمرض أو نسيان أو صرف قلب أو من تأثيره ككسر قوسه وفساد رميه فهذا تقرير وتأكيد لما قبله من الإيمان بالقدر خيره وشره وتوحيده تعالى في لحوق الضرر والنفع على أبلغ برهان وحث على التوكل والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور وعلى شهود أنه تعالى وحده هو المؤثر في الوجود النافع الضار وغيره ليس له شيء من ذلك وعلى الإعراض عن السوى أن من تيقن ذلك لم يشهد الضر والخير إلا من مولاه ولم ينزل حاجته إلا به ونعوذ بالله من اعتقاد نفع أو ضر من يد غيره تعالى فإن ذلك هو عين الشرك الأصغر بل الأكبر كما لا يخفى وقوله كتبه الله لك وكتبه عليك موافق لما مر من قوله ﷺ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قوله: (رفعت الأقلام) أي تركت وتمت كتابة ما كان وما يكون لفراغ الأمر وانبرامه. قوله: (وجفت الصحف) أي التي فيها مقادير الكائنات كاللوح المحفوظ أي فرغ من الأمر وجفت كتابته لأن الصحيفة حال كتابتها لا بد أن تكون رطبة المداد أو بعضه فلم يمكن بعد ذلك أن يكتب فيها تبديل أو نسخ لما كتب من ذلك واستقر لما أنها أمور لا تبدل ولا تغير عما هي عليه فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها وقد دل الكتاب والسنة على ذلك فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته هان عليه التوكل على مولاه والإعراض عما سواه فإن قلت هذا الخبر ينافي قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قلنا: لا لأن المحو والإثبات مما جف به الصحف أيضاً لأن القضاء مبرم ومعلق ذكره الكازروني. قوله: (رويناه في الترمذي) قال بعض المحققين رواه جماعة من طرق عن ابن عباس وجاء أنه ﷺ وصاه بذلك عن علي وأبي سعيد وسهل بن سعد وعبد الله بن جعفر وفي أسانيدها كأنها ضعف قال ابن منده وغيره وأصح الطرق كلها الطريق التي أخرجها الترمذي. قوله: (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبد بن حميد في مسنده لكن بإسناد ضعيف

стр. 2710

تَعَرَّف إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَةِ، واعْلَمْ أن ما أخْطَأكَ ــ ورواه أحمد بإسنادين منقطعين يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت: بلى فقال: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق جميعاً كلهم أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً وهذا أتم من حديث عبد بن حميد الذي ذكره المصنف بقوله وفي رواية غير الترمذي احفظ الله الخ. قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء) أي تحبب إليه سبحانه بلزوم طاعته واجتناب مخالفته لأن المعرفة سبب المحبة، والرخاء اليسر. وقوله: (يعرفك في الشدة) أي يمدك فيها بتفريجها عنك وجعله لك من كل ضيق فرجاً ومن كل هم مخرجاً بواسطة ما سلف منك من ذلك التعرف كما جرى في حديث الثلاثة أصحاب الغار السابق بيانه في باب دعاء الإنسان وتوسله بصالح عمله وقيل يجوز أن يكون على تقدير مضاف أي (تعرف) إلى ملائكة الله في الرخاء بالتزامك الطاعة وإظهار العبادة يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك ويدل لذلك ما في حديث أن من له دعاء حال الرخاء إذا دعا حال الشدة قالت الملائكة ربنا هذا صوت نعرفه وإذا لم يدع حال الرخاء ودعا حال الشدة قالوا ربنا هذا صوت لم نعرفه اهـ. ونظر فيه بأنه تكلف والحديث بتقدير صحته لا يؤيده فالأولى ما تقرر أولاً. فائدة كل من معرفة العبد وربه عامة وخاصة فمعرفة العبد العامة هي الإقرار بوحدانية الله سبحانه وربوبيته والإيمان به والخاصة هي الانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه وشهوده في كل حال، ومعرفته تعالى العامة هي علمه بعباده واطلاعه على ما أسروا وأعلنوا والخاصة هي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه (وإنجاؤه) من الشدائد ولا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلى بتلك الخاصة. ثم ذكر عقد هذه الوصية وفريدتها في قوله (واعلم أن ما أخطأك) أي من المقادير فلم

стр. 2711

لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، ومَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ" وفي آخره "وَاعْلَمْ أن النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، ــ يصل إليك (لم يكن) مقدار عليك (ليصيبك) لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدر على غيرك وفي الكلام مبالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على معمول الخبر وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدراً على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدر عليك إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه والمعنى أنه فرغ ما أصابك أو أخطأك من خير أو شر (فما أصابك فإصابته لك محتومة فلا يمكن أن يخطئك وما أخطأك فسلامتك منه محتومة فلا يمكن أن يصيبك لأنها سهام صائبة) وجهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها وفي الحديث المرفوع (إن) لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه رواه أحمد ففي ذلك حث على التفويض والتوكل على الله سبحانه ونفي الحول والقوة عن السوى مع شهود أنه سبحانه الفاعل لما يشاء وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدى حده المقدر له وهذا راجع إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآية وإنما قلنا هذه الجملة واسطة عقد هذه الوصية لأن ما قبلها وما بعدها مفرع عليها راجع إليها فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له من خير أو شر وإن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يجدي شيئاً البتة علم أنه سبحانه هو المعطي المانع الضار النافع فأفرده بالطاعة وحفظ حدوده وخافه ورجاه وأحبه وقدم طاعته على طاعة خلقه كلهم وأفرده بالاستعانة والسؤال والتضرع إليه والرضا بقضائه حالتي الشدة والرخاء والمنع والعطاء. قوله: (واعلم أن النصر مع الصبر الخ) وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر في سابقها تصريف الأقدار وأن كل شيء بمقدار نبه ﷺ على أن الإنسان لا سيما الصالحون في التقدير الإلهي معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب فينبغي للإنسان إن لم يقر بمقام الرضا أن يتحلى بالصبر على مر القضاء وينتظر

стр. 2712

وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأن مَعَ العُسْرِ يُسْراً" هذا حديث عظيم الموقع. ــ وعد الله على ذلك فإنه وعد أن عليه صلوات الله ورحمته وأنه مهتد وروى الترمذي أن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، وقوله إن النصر مع الصبر أي النصر على أعداء دينه ودنياه إنما يوجد مع الصبر على طاعة مولاه وعن معصيته فهو سبب للنصر قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي بالإعانة وفيه الحث على التوكل على المولى والخروج من الحول والقوى ومن ثم كان الغالب على من انتصر لنفسه عدم النصر والظفر وعلى من صبر ورضي بعلم الله وحكمه تعجيلهما له كما هو المعهود من مزيد كرمه وإحسانه. قوله: (وأن الفرج مع الكرب) أي أن الخروج من الغم يحصل سريعاً وهو الغم الذي يأخذ بالنفس فينبغي لمن نزل به أن يكون صابراً محتسباً راجياً سرعة الفرج مما نزل به حسن الظن بمولاه في جميع أحواله فإنه أرحم به من كل راحم حتى من أبويه وفيه أن المحن من أبواب المنح كما يدل عليه قوله وإن مع العسر يسرا على أن في المحنة تعرفاً للعبد بوصف الجلال كما أن في المنحة تعرفاً بوصف الجمال كما قال من قال: إذا أعطاك أشهد بره وإذا منعك أشهد قهره فهو في كل ذلك مقبل عليك ومتعرف بإحسانه إليك. قوله: (وإن مع العسر يسراً) أي السهولة ومنه اليسار للغنى لأنه تسهل به الأمور ويقال لليد اليسرى لبقائها على اليسر أو لأن الأمور تتسهل بمعاونتها لليمنى والعسر نقيضه قال الجوهري كل ثلاثي أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه ووقع في القرآن مكرراً ليعلم أنه لا يوجد إلا معه يسران وقد جاء عنه ﷺ لن يغلب عسر يسرين وروي ذلك عن جمع من الصحابة ووجهه ما قاله الزمخشري في الكشاف أن يسراً وقع منكراً للتعظيم فيغاير الأول لأن النكرة المعادة غير الأولى والعسر ورد معرفاً فيكون للعهد أو الجنس فهو واحد على التقديرين وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال: إذا اشتدت بك البلوى ... ففكر في الم نشرح فعسر بين يسرين ... إذا فكرته تفرح

стр. 2713

الثلاثون: وبه اختتامها واختتام الكتاب، فنذكره بإسناد مستطرف، ونسأل اللهَ الكريم خاتمة الخير. أخبرنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي ثم الدمشقي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا أبو طالب عبد الله، وأبو منصور يونس، وأبو القاسم حسين بن هبة الله ــ ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب والعسر باليسر الكرب إذا اشتد وتنامى أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه بالله تعالى وحده وهو حقيقة التوكل قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ثم العسر المثبت في هذا الحديث كالآية غير المنفي في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لأن المثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد مما لا يلائم نفسه من ضيق الأرزاق وتوالى المحن والفقر والفتن والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ثم ما قرر في مع في محالها الثلاثة من أنها على بابها هو الظاهر إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أول أوقات النصر والفرج واليسر فقد تحققت المقارنة بينهما. ثم الحديث باعتبار طريقه حديث عظيم الموقع وأصل كبير في رعاية حقوق الله تعالى والتفويض لأمره والتوكل عليه وشهود توحيده وتفرده وعجز الخلق وافتقارهم إليه وبهذا التقرير يصح أن يدعي في هذا الحديث أنه نصف الإسلام بل كله لأن التكاليف إما تتعلق بالله أو بغيره وهذا فيه بيان لجميع ما يتعلق به تعالى صريحاً وبغيره استلزاماً على أن ذلك كله مفهوم من أول جملة فيه وهي احفظ الله يحفظك وفيه أيضاً التصريح بجمل مستكثرة مما تتعلق بحقوق الآدميين أشير إليها بذكر الصبر وما بعده وقد أفرد الكلام (عليه بتصنيف "قوله فنذكره بإسناد مستظرف" أي لأن) رجاله كلهم دمشقيون. قوله: (ونسأل الله الكريم خاتمة الخير) أي بالوفاة على الإسلام مع الفوز برضا الملك السلام وما أحسن ما قيل: إن ختم الله بغفرانه ... فكل ما لاقيته سهل

стр. 2714

بنِ صِصْري، وأبو يعلى حمزة، وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن هو ابن عساكر قال: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني خطيب دمشق، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن سُلْوان، قال: أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر قال: أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي قال: أخبرنا أبو مسهر قال: أخبرنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذرّ ﵁، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل ﷺ ، عن الله ﵎ أنه قال: "يا عِبادي إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نفسي ــ وتقدم في حديث ابن مسعود أن حسن الخاتمة ناشيء من حسن السابقة وأن الأعمال أمارات على شأن الإنسان والله المستعان. قوله: (ابن صصري) بكسر الصاد الأولى والراء وسكون الصاد الثانية وحروفه كلها مهملة. قوله: (الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن) قال الفاسي في كتاب ذيل التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي الحافظ الكبير ثقة مؤلف تاريخ دمشق في ثمانين مجلداً مات سنة ٥٨١ في شهر رجب عن ثلاث وتسعين سنة. قوله: (أبو مسهر) الغساني والحديث معروف بأبي مسهر هذا وسيأتي ذكر من رواه عنه غير أبي بكر الهاشمي المذكور. قوله: (عن الله تعالى) وهذا من الأحاديث القدسية التي رواها النبي ﷺ عن ربه ﵎ وهي أكثر من مائة حديث جمعها بعضهم في مجلد وجمع منها الحافظ العلائي أربعين حديثاً خرجها ثم ذكر مخرجها من الأئمة المشهورين وسبق الفرق بينه وبين القرآن بعدم حرمة ترجمته بغير العربية ومسه مع الحدث وبطلان الصلاة بقراءته وعدم تعلق الثواب بتلاوة لفظه وغير ذلك ثم لهم في نقل ذلك طريقان إحداهما ما ذكره المصنف عن النبي ﷺ أن الله تعالى يقول كذا وكذا. قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) قال ابن القيم في بديع الفوائد

стр. 2715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في أثناء كلام كتابته سبحانه على نفسه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به أي كما في ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة ألا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه وهذا غير ما يحبه سبحانه ويكرهه من أفعال عباده فإن محبة ذلك منهم لا تستلزم وقوعه وكراهته منهم لا تمنع وقوعه ففرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله فهذا يحصل مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله سبحانه فيهما فهذا نوع وذاك نوع فتدبر هذا الموضع فإنه من مزال الأقدام وتأمل أين تكون المحبة منه وكراهته موجبة لوجود الفعل ولمنع وقوعه ونكتة هذه المسألة هي الفرق بين ما يريد أن يفعله سبحانه وما لا يريد أن يفعله وبين ما يحب من عبده أن يفعله (وما لا يحب منه أن يفعله) ومن حقق هذا المقام زالت عنه شبهات وأوهام وقال: لا مانع من أنه تعالى يوجب على نفسه أو يحرم عليها وبين ذلك بما حاصله أن طلب الحي من نفسه أمر معقول وكذا أمره لها ونهيه قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ وقال ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ فإذا كان معقولاً أن يأمر الإنسان نفسه وينهاها والأمر والنهي طلب مع أن فوقه أمراً ونهياً فكيف يستحيل ممن لا آمر فوقه ولا ناهي وهو قد أخبر في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة فهذا إيجاب منه على نفسه وهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجب فأوجبه بنفسه على نفسه ونظير هذا الإيجاب التحريم في حديث إني حرمت الظلم الخ فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة وإذا كان معقولاً من الإنسان أن يوجب على نفسه ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يستحيل في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب عليها اهـ. ومن التأويلات ما قال بعضهم حرمت من التحريم وهو المنع سمي تقديسه عن الظلم تحريماً لمشابهته الممنوع في تحقق الندم

стр. 2716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اهـ. ففيه استعارة تبعية شبه تنزهه تعالى عن الظلم باحتراز المكلف عما نهى الله عنه واستعار له لفظ التحريم ثم اشتق منه الفعل ولا حاجة إليه لأن الأصل الحقيقة وقد أمكنت فلا حاجة للعدول عنها والظلم لغة وضع الشيء في غير محله وعرفاً التصرف في حق الغير بغير حق أو مجاوزة الحد وهو بالمعنيين محال في حقه تعالى إذ لا حق لأحد معه سبحانه بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم وتفضل عليهم بها وحد لهم الحدود وحرم وأحل فلا حاكم يتعقبه ولا حق يترتب عليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً وما ذكر من استحالة الظلم عليه تعالى هو قول الجمهور وهو الأصح وقيل إنه متصور منه لكنه لا يفعله عدلاً منه وتنزهاً عنه، قيل إن أراد هذا القائل جواز الظلم بالمعنيين المذكورين فهو هذيان ودعوى تصوره في غاية السقوط وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ المنفي فيه المبالغة فيوهم ثبوت أصل الظلم فأجيب عنه بأن صفاته تعالى بلغت غاية الكمال فلو اتصف بالظلم لكان عظيماً فنفاه على حد عظمته لو كان ثابتاً أو أراد نفي الظلم لكن القليل منه بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير فلذا عبر بلفظ المبالغة، أو أن المراد به النسبة أي ليس منسوباً إلى الظلم بوجه لاستحالته في حقه كما يقال تمار وحناط نسبة للتمر والحنطة واستدلال بعضهم لتصوره في حقه تعالى بأن الحكيم إنما يمنع نفسه مما قدر على فعله ألا ترى أن آدمياً لو قال منعت نفسي صعود السماء استهزيء به أجيب عنه بأنه خارج على قضية الخطاب العادي المقصود به زجر العباد عنه وإعلامهم بامتناعه عليهم بالأولى فهو على حد ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ هذا فن بليغ من أساليب البلاغة لا ينكره إلا جامد الطبع فامتنع قياسه على قول الآدمي منعت نفسي صعود السماء بل شتان ما بينهما فإن هذه المقالة محض سفساف ولغو بخلاف قوله تعالى: "إني حرمت الظلم على نفسي الذي وطأ به لقوله: وجعلته بينكم محرماً ووطأ بهما لقوله: فلا تظالموا" فاتضح أن هذا السياق في غاية البلاغة وأنه لا ينافي استحالة الظلم عليه وأن من فهم بينهما تنافياً وفسر الظلم بغير معناه المتعارف السابق فلكلامه نوع احتمال كما يأتي وإلا فهو نوع من الهذيان كما سبق، وإن أراد ما هو ظلم عند العقل لو خلى ونفسه من حيث عدم مطابقته لقضيته فيكون

стр. 2717

وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّماً فَلا تَظَالَمُوا، يا عِبادِي إنَّكُمُ [الَّذِين] تُخْطِئُونَ ــ لكلامه نوع احتمال، قيل وقضية الحديث جواز إطلاق النفس على الله تعالى اهـ. وهو ظاهر حيث كان من باب المقابلة كآية ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وكما هنا فإن المعنى حرمته على نفسي فنفوسكم بالأولى كما أفاده وجعلته بينكم محرماً فيحرم إطلاقه في محل لا مقابلة فيه لإيهامه حقيقة النفس وهي محال في حقه تعالى وقيل بجوازه حينئذٍ أيضاً وفي تقدم بيان وجهه في باب فضل الذكر وفارق على الأولى جواز إطلاق لفظ الذات عليه سبحانه كما في قول خبيب ﵁ وذلك في ذات الإله الخ بأن ذات الشيء حقيقته فلا إشعار فيها بحدوث البتة بخلاف النفس فإنها تشعر بالنفس والحدوث فامتنع إطلاقها عليه تعالى (إلا في المقابلة إذ هي قرينة على أن المراد) غير حقيقتها وما يتبادر منها وأيضاً ففي إطلاقها عليه تعالى من غير مقابلة إيهام شمول قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ له تعالى عن ذلك. قوله: (وجعلته بينكم محرماً) وهذا متفق عليه في كل ملة لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ الأنفس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال والظلم قد يقع في هذه أو بعضها وأعلاه الشرك قال تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات ثم يليه المعاصي على اختلاف أنواعها. قوله: (تظالموا) بتشديد الظاء كما روي والأشهر تخفيفها والأصل تتظالموا أدغم أحد المثلين في الآخر أو حذف أي لا يظلم بعضكم بعضاً فإن الظلم ظلمات يوم القيامة والله تعالى يقتص للمظلوم من ظالمه وقد يمهل زيادة في استدراجه ليزداد عقابه ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فإمهاله عين عقابه. قوله: (يا عبادي الخ) كرر النداء زيادة لتشريفهم وتعظيمهم ولذا أضافهم إلى نفسه وتنبيهاً على مخافة ما بعده وجمعه لإفادة الاستغراق و (تخطئون) قال المصنف المشهور ضم التاء وروي بفتحها يقال خطئ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطيء ومنه ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ويقال في الإثم أيضاً أخطأ فهما صحيحان اهـ. وبه يرد على من قال لا يصح من أخطأ الرباعي لأنه الفعل عن غير قصد وهو لا إثم فيه بالنص والكلام إنما هو فيما فيه إثم بدليل استغفروني فهو من خطئ يخطأ كعلم يعلم إذا فعل عن قصد

стр. 2718

باللَّيل والنهارِ، وأنا الذي أغْفِرُ الذنُوبَ ولا أبالي، فاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ، يا عبادِي كلُّكُمْ جائعٌ إلاَّ مَنْ أطْعَمْتُهُ ــ اهـ. فما ذكره من حصر أخطأ فيما فعل لا عن قصد ممنوع بل يأتي بمعنى الثلاثي أيضاً كما ذكره المصنف والمخاطب بهذا غير المعصومين. وقوله: (بالليل والنهار) هو من باب المقابلة لاستحالة وقوع الخطأ من كل منهم ليلًا ونهاراً وفيه من التوبيخ ما يستحي معه كل مؤمن لأنه إذا لمح أن الله خلق الليل ليطاع فيه سراً ويسلم من الرياء استحى أن ينفق أوقاته إلا في ذلك وأن يصرف ذرة منها للمعصية كما أنه يستحي بالجبلة والطبع أن يصرف شيئاً من النهار حيث يراه النّاس للمعصية. قوله: (وأنا أغفر الذنوب) أي ما عدا الشرك قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وكذا يخص بهذه الآية آية ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه الجملة اعتراضية للتأكيد في المبالغة في حسن الرجاء ويؤيد ذلك أل الاستغراقية وقوله جميعاً المفيد كل منهما العموم فلا يقنط مذنب من رحمة الله وإن عظم ذنبه فهو في جنب العفو كاللمم وتقديم المسند في قوله وأنا أغفر لإفادة التقوى في الحكم والإتيان بالمضارع لإفادة استمرار التجدد ففيه الإيماء إلى نص السنة من أن ما سوى الشرك يجوز غفرانه وإن لم يتب منه. قوله: (فاستغفروني) أي سلوني الغفران (أغفر لكم) بمحض الامتنان وسبق في باب الاستغفار حديث لولا تذنبون وتستغفرون لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم فيذنبون ويستغفرون فيغفر لهم وأحاديث أخر وأصل الغفر الستر فغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته وحكمة التوطئة لما بعد الفاء بما قبلها بيان أن غير المعصوم والمحفوظ لا ينفك غالباً عن المعصية فحينئذٍ يلزمه أن يجدد لكل ذنب ولو صغيرة التوبة وهي المرادة هنا من الاستغفار إذ ليس فيه مع عدمها كبير فائدة وشتان بين ما يمحو الذنب بالكلية وهو التوبة النصوح وبين ما يخفف عقوبته أو يؤخرها إلى أجل وهو مجرد الاستغفار. قوله: (كلكم جائع الخ) فإن النّاس كلهم لا ملك لهم في الحقيقة

стр. 2719

فاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكُمْ، يا عبادي كلُّكُمْ عارٍ إلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسوني أكْسُكُمْ، يا عبادي لَو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُمْ وإنْسَكُم وَجِنَّكم كانُوا على ــ وخزائن الرزق بيده تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ فمن لا يطعمه بفضله بقي جائعاً بعدله إذ ليس عليه إطعام أحد فقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ التزام منه تفضلاً لا لأنه واجب عليه بالأصالة ولا يمنع نسبة الإطعام إليه ما يشاهد من ترتب الأرزاق على الأسباب الظاهرة من حرف وصنائع وأنواع من الاكتساب لأنه تعالى المقدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة فالجاهل محجوب بالظاهر عن الباطن والعارف الكامل لا يحجبه ظاهر عن باطن ولا باطن عن ظاهر بل يعطي كل مقام حقه وكل حال مستحقه. قوله: (فاستطعموني) أي سلوني واطلبوا مني الطعام ولا يغرن ذا الكثرة ما في يده فإنه من فضل ربه فينبغي له مع ذلك إدامة السؤال ليدوم له حسن الحال ولا يغفل فتنتفي عنه النعمة فقل أن تعود إليه وفي الحديث المرفوع ما نفرت النعمة عن قوم فعادت إليهم. وقوله: (أطعمكم) أي أيسر لكم أسباب تحصيله من نحو تسخير السحاب لبعض الأماكن أو تحريك قلب فلان لإعطاء فلان أو إحواج فلان لفلان بوجه من الوجوه فيسأل منه نفعاً إذ العالم جماده وحيوانه مطيع له سبحانه طاعة العبد لسيده وتصرفه سبحانه في الكون عجيب لمن تدبره وفي الحديث إشارة إلى تأديب الفقراء كأنه قال لهم لا تطلبوا الطعم من غيري فإن من تطلبون منهم أنا أطعمهم فاستطعموني أطعمكم وفي هذا وما بعده تحريض على الإقبال على المولى والسؤال من فضله في جميع ما ينزل بالإنسان وسبق أنه سبحانه قال يا موسى سلني في دعائك حتى في ملح طعامك وفي هذا جميعه أو في بينة وأقوى برهان على افتقار سائر الخلق إليه وعجزهم عن جلب منافعهم إلا بأن ييسر لهم ما ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم فلا حول ولا قوة إلا به ولا اعتماد إلا بسببه ولما كانت حاجة الإنسان في بقائه للطعام والشراب أشد إذ لا بقاء له بدونهما تعرض لهما. قوله: (إنسكم)

стр. 2720

أفْجَرِ قَلْب رَجُلٍ واحدٍ مِنْكُم لَمْ يَنقُص ذلِكَ مِن مُلكي شَيئاً، يا عِبادي لَو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانُوا على أتْقَى قَلْب رَجُلٍ واحِدٍ مِنْكُم لَم يزِد ذَلِكَ في مُلْكي شَيئاً، يا عبادِي لَو أنَّ أوَّلَكُم وآخرَكُم وإنسَكُم وَجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسَألُوني فأعْطَيتُ كُلَّ إنسانٍ مِنْهم ما سألَ لم يَنقُص ذلكَ مِن ــ سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن جناً لاجتنانهم واختفائهم. قوله: (شيئاً) مفعول مطلق إن قلنا إن نقص لازم ومفعول به إن قلنا إنه متعد والمشار إليه بقوله ذلك هو الفجور الكامل. قوله: (على أتقى) أي على تقوى أتقى (قلب رجل) وإنما قدر ذلك ليصح الحمل قيل أراد بأتقى رجل محمداً ﷺ وبأفجر رجل الشيطان ولعل هذا من حكمة قوله في جانب التقوى منكم أي أيها الإنسان وحذفه في الجانب الثاني ومن حكمه أيضاً ألا يخاطب العباد بالأفجرية تفضلاً منه تعالى وإحساناً، وقد وجد منكم في الموضعين في بعض النسخ والرواية على حذفها، والحاصل أن ملكه تعالى في غاية الكمال لا يزيد بطاعة جميع الخلق وكونهم على أكمل صفة التقوى كمالاً ينقص بمعصيتهم (لأنه) مرتبط بقدرته وإرادته وهما دائمان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما إنما غاية التقوى والفجور عود نفع أو ضر على فاعلهما والله تعالى هو الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله (فملكه) كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه. قوله: (صعيد واحد) أي أرض واحدة ومقام واحدة. وقوله: (فسألوني) قيد السؤال بالاجتماع في صعيد واحد لأن تزاحم الأسئلة وترادف النّاس في السؤال مع كثرتهم وكثرة مطالبهم مما يضجر المسؤول منه ويدهشه وذلك يوجب حرمانهم أو عسر إنجاح مطلوبهم و"ما" إما موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي ما نقص شيئاً إلا شيئاً مثل الذي ينقصه المخيط أو إلا شيئاً مثل شيء ينقصه أو ما نقص إلا مثل نقصانه في القلة والمخيط بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الياء الإبرة. وقوله: (ما نقص ذلك)

стр. 2721

مُلْكي [شَيئاً] إلا كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ فِيهِ المخِيطُ غَمْسةً واحدةً، يا عبادِي إنَّما هي أعمَالُكم ــ الإعطاء (من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر) بالنصب (أن يغمس) بفتح الهمزة ويغمس بالبناء للمجهول وأن ومدخولها فاعل ينقص أي إلا كما ينقص غمس المخيط البحر إذا غمس (فيه غمسة واحدة) أي وهو في رأي العين لا ينقص من البحر شيئاً فكذا الإعطاء من الخزائن الإلهية لا ينقصها شيئاً البتة إذ لا نهاية لها والنقص مما لا يتناهى محال بخلاف ما يتناهى كالبحر وإن جل وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض بل قد يوجد العطاء الكثير من المتناهى ولا ينقص كالنار والعلم يقتبس منهما ما شاء الله ولا ينقص منهما شيء بل قد يزيد العلم بالإنفاق وقال المصنف لأن عطاءه من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص اهـ. وتشبيه ما ذكر بالمخيط إذا دخل البحر من حيث عدم النقص من حيث المشاهدة الصورية كما أشار إليه وإلا فالمخيط إذا دخل في الماء يتعلق منه شيء لطيف يحصل به النقصان فالبحر ينقص بهذا الشيء القليل المأخوذ منه الذي لا يكاد يدرك وتلك الخزائن لا تنقص شيئاً مما أفاضه تعالى منها من حين السموات والأرض إلى انقضاء هذا العالم ثم من بعثه إلى ما لا نهاية له لما تقرر من استحالة نقص ما لا يتناهى لأن عطاءه بين الكاف والنون ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وحكمة ضرب المثل بما ذكر أنه غاية ما يضرب به المثل في القلة إذ البحر من أعظم ما يعاين والإبرة من أصغره مع أنها صقيلة لا يتعلق بها شيء إلا ما لا يمكن إدراكه كما مر وفي هذا تنبيه وأي تنبيه للخلق على إدامة سؤاله تعالى مع إعظام الرغبة وتوسيع المسألة فلا يختصر سائل ولا يقتصر طالب فإن خزائن الرحمة سحاء الليل والنهار لا ينقصها الإعطاء وإن جل وعظم وقيل إن ذلك إشارة للنعمة المخلوقة وهي يتصور فيها النقص كالبحر. قوله: (إنما هي) الضمير راجع إلى ما يفهم من قوله أتقى قلب رجل وأفجر قلب رجل وهي الأعمال الصالحة

стр. 2722

أحْفَظُها عَلَيكُمْ، فمَن وَجَدَ خَيراً فَلْيَحْمدِ الله ، ومَن وجَدَ غَير ذلكَ ــ والطالحة. قوله: (أحصيها عليكم) بضم الهمزة أي أضبطها وفي نسخة (أحفظها عليكم) أي بعلمي وملائكتي الحفظة واحتيج لهم لا لنقصه عن الإحصاء بل ليكونوا شهداء بين الخالق وخلقه وقد يضم إليهم شهادة الأعضاء زيادة في العدل ثم الحصر في هذا الخبر إنما هو بالنسبة لجزاء الأعمال أي لا جزاء مقسم إلى خير وغيره إلا عن عمل يكون سبباً له وأما الزيادة على ذلك من الفضل والإكرام مما صحت به النصوص وقام عليه الإجماع فلم يتعرض له الخبر بنفي ولا إثبات وتلك النصوص الثابتة الناطقة بالزيادة من محض الفضل والإحسان لا معارض لها فواجب الأخذ بها. قوله: (ثم أوفيكم إياها) أي جزاءها في الآخرة قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فلما حذف المضاف انقلب المجرور منصوباً منفصلاً أو في الدنيا أيضاً. قوله: (فمن وجد خيراً) أي عملاً يثاب عليه أو وجد ثواباً ونعيماً بأن وفق لأسبابهما أو حياة طيبة هنيئة مريئة كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قوله: (فليحمد الله) أي على توفيقه لذلك العمل الذي يترتب عليه الخير والثواب فضلاً منه ورحمة وعلى إسدائه ما وصل إليه من عظم المبرات فعلم أنه إن أريد بذلك الآخرة فقط كان الأمر فيه بمعنى الإخبار وقد جاء مثل ذلك الإخبار في القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وقال عن أهل النار ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وأخرج الترمذي ما من ميت يموت إلا ندم فإن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب وإن أريد به الدنيا ولو مع الآخرة فالأمر على بابه وفي الحديث أنه لا يجب عليه شيء كان لأحد من خلقه. قوله: (غير ذلك) أي شراً ولم يذكره تعليماً لنا كيفية الأدب في النطق بالكناية عما يؤذي وإشارة إلى أنه تعالى إذا اجتنب لفظه فكيف الوقوع فيه أو إلى أنه كريم حي يحب الستر ويغفر الذنب

стр. 2723

فلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَه". ــ فلا يعاجل بالعقوبة ولا يهتك الستر. قوله: (فلا يلومن إلا نفسه) لبقائها على الظلمة الأصلية واكتساب المعاصي والمظالم وهي السبب فيها فلما آثرت شهواتها ولذاتها على رضى خالقها ورازقها فكفرت بأنعمه ولم تذعن لأحكامه وحكمه استحقت أن يعاملها بمظهر عدله وأن يحرمها مزايا جوده وفضله ونسأل الله العافية عن ذلك بمنه وأعمال العباد وإن كانت غير موجبة لثواب أو عقاب بذواتها كما سبق إلا أنه تعالى أجرى عادته بربطهما بها ربط المسببات بالأسباب وأكد الفعل هنا بالنون تحذيراً أن يخطر في قلب عامل أن يستحق اللوم غير نفسه وليس كذلك لأن الله تعالى أوضح وأعذر حتى لم يبق حجة لأحد وفيه إيماء إلى دوام ذم ابن آدم وقلة إنصافه فإنه يحسب طاعته من عمله لنفسه ولا يسندها إلى التوفيق ويتبرأ من معاصيه ويسندها إلى الأقدار فإن كان لا تصرف له كما يزعم فهلا كان ذلك في الأمرين وإن كان له تصرف فلم ينفه عن أحدهما ووجه ختم الحديث بهذه الجملة التنبيه على أن عدم الاستقلال بنحو الإطعام والستر لا يناقض التكليف بالفعل تارة وبالترك أخرى لأنا وإن علمنا أن لا نستقل لكن نحس بالوجدان الفرق بين الحركة الاضطرارية كحركة المرتعش والاختيارية كحركة السليم وهذه التفرقة راجعة إلى ممكن محسوس مشاهد وأمر معتاد يوجد مع الاختيار دون الاضطرار وهذه التفرقة هي مورد التكليف المعبر عنه بالكسب فلا تناقض ولا تعسف، والحاصل أن المعاصي التي يترتب عليها العقاب والشر وإن كانت بقدر الله وخذلانه فهي بكسب العبد فليلم الإنسان نفسه لتفريطه بالكسب القبيح وإن قول القدرية هذا حجة لنا لأن لوم العبد نفسه (على سوء العاقبة يقتضي أنه الخالق لأفعاله وأن قوله فلا يلومن إلا نفسه) تنصل من المعصية و (أنه) ليس له فيها تأثير بخلق فعل ولا تقدير باطل بنص قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة يلزمهم أن من وجد خيراً لا يحمد الله لأنه لا أثر له على ما زعموا بل يحمد الإنسان نفسه لأنه الخالق لطاعته الموجد لسلامته وهذا مراغمة للنص المذكور

стр. 2724

قال أبو مسهر: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، هذا حديث صحيح، رويناه في "صحيح مسلم" وغيره، ورجال إسناده مني إلى أبي ذر ﵁ كُلُّهم دمشقيون، ــ ولقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. قوله: (قال أبو مسهر الخ) أي وذلك تعظيماً له إجلالاً فإنه حديث جليل يشتمل على قواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه ولطائف الغيوب وغيرها ولذا ختم المصنف به هذا الكتاب النفيس وإيماء إلى أن نتيجة الأذكار مضمون هذا الخبر وهو الانقطاع عن السوى والإقبال على المولى ودوام الالتجاء وحسن الرجاء والكف عن المخالفات واكتساب الطاعات والثناء عليه سبحانه بأنواع الثناء إذ وفقه لبلوغ المنى والطاعات وحفظه من المخالفات. قوله: (رويناه في صحيح مسلم وغيره) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو عوانة والبزار في مسنده والحاكم في مستدركه وقال إنه صحيح على شرطهما ووهم في ذلك فقد رواه مسلم كما ذكرنا والحديث معروف بأبي مسهر رواه عنه بضعة عشر إنساناً ولم ينفرد به أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر بل رواه عنه أيضاً أبو أسماء الرحبي أخرجه أحمد ومسلم وأبو عوانة ولفظه بنحوه وفيه زيادة ونقص ورواه عنه أيضاً أبو قلابة ورواه كذلك أبو عوانة لكنه مرسل وسقط منه أبو أسماء وإثباته كما في طريق أحمد ومسلم أصح ورواه عنه أيضاً عبد الرحمن بن غنم ولفظه عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "يقول الله ﵎: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيته فاستغفروني أغفر لكم ومن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة فسألني بقدرتي غفرت له ولا أبالي وكلكم ضال إلا من هديته فادعوني أهدكم وكلكم فقير إلا من أغنيته فاسألوني أرزقكم فلو أن حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي لم ينقص ذلك من ملكي جناح بعوضة ولو أن حيكم

стр. 2725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فسأل كل سائل منهم ما بلغت أمنيته وأعطيت كل سائل منهم ما سألني ما نقص ذلك إلا كما لو أن أحدكم مر على شقة البحر فغمس فيه إبرة ثم انتزعها كذلك لم ينقصني وذلك أني جواد ماجد واحد أفعل ما أشاء عطائي كلام ومنعي كلام وعذابي كلام وأمري للشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والطبراني في الدعاء والبيهقي في الأسماء والصفات ورواه آخرون والأكثرون كما ذكرنا عن عبد الرحمن بن غنم وقيل فيه ابن عثمان ورواه أحمد وأبو عوانة وغيرهما من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر به ورواه الدارمي وأحمد في مسنديهما وابن أبي عاصم في الدعاء له من حديث شهر إلا أنهم قالوا بدل عبد الرحمن عن معد يكرب عن النبي ﷺ يرويه عن ربه ﵎ قال: ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك يا بن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا بعد أن لا تشرك بي شيئاً ألقاك بقرابها مغفرة وإلى هذه الرواية أشار الترمذي في جامعه بقوله وروى بعضهم هذا الحديث عن شهر عن معد يكرب عن أبي ذر عن النبي ﷺ اهـ. وروى الطبراني في الكبير من حديث قوله حدثتني أم الدرداء عن أبي الدرداء عن نبي الله ﷺ عن جبريل عن ربه قال عبدي لو استقبلتني بملء الأرض خطايا وذنوباً لاستقبلتك بمثلهن مغفرة ولا أبالي عبدي ما عبدتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان فيك قال بعضهم شهر فيه مقال فيشبه أن يكون الاضطراب في الحديث منه وقال قال علي بن المديني أظن هذين حديثين رواهما شهر لأن لفظهما مختلف وقال البيهقي عقب أولهما إنه محفوظ من حديث شهر ولذا حسنه الترمذي ثم الحافظ ابن حجر غير ناظرين لذلك الاختلاف لمجيء الحديث من غير وجه كما تقدم ذكر بعضهم وفي الباب عن أبي الدرداء كما ذكر وعن ابن مسعود أخرجه بنحوه أبو عوانة في مستخرجه وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت وضعيف إلا من قويت وفقير إلا من أغنيت فاسألني أعطكم فلو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أفجر قلب عبد ما نقصوا من ملكي جناح بعوضة ذلك

стр. 2726

ودخل أبو ذر ﵁ دمشق، فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد. منها صحة إسناده ومَتْنه، وعُلُوّه وتسلسله بالدمشقيين ﵃ وبارك فيهم. ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعدَ عظيمةٍ في أصول الدِّين وفروعه والآداب ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد. روينا عن الإِمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث. ــ بأني واحد عذابي كلام ورحمتي كلام فمن أيقن بقدرتي على المغفرة لم يتعاظم في نفسي أن أغفر له ذنوبه ولو كثرت اهـ. عبد الملك بن هارون بن عنترة أحد رواته ضعيف جداً بل رماه ابن حبان وغيره بالوضع مع أنه ممن تفرد بهذا الحديث عن أبيه كما قال الطبراني في معجمه الأوسط وحديث أبي ذر هو الصحيح في هذا المعنى، وفي الباب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ قال الله يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولو لقيتني بملء الأرض خطايا لقيتك بملء الأرض مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً ولو بلغت خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك وأخرجه الطبراني في الدعاء ومعجميه الأوسط والصغير وإبراهيم بن إسحاق الصيني متروك الحديث كما قال الدارقطني وهو قد تفرد بهذا الحديث فالحديث ضعيف، وفي الباب عن أنس وهو السابق في باب الاستغفار يقول الله يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني الخ وهو حديث حسن أخرجه الترمذي وقال إنه حسن غريب. قوله: (ودخل أبو ذر دمشق) قال السخاوي قاله ابن عساكر وغيره. قوله: (وتسلسله بالدمشقيين) أي اتفاق هذا الوصف في كل من رواته قال السخاوي وفيه حصول تعريف أوطان كل من رواته بكلمة واحدة هي لفظ دمشقيون قال وهذا في غاية الحسن والندارة. قوله: (روينا عن الإِمام أحمد) قال

стр. 2727

هذا آخر ما قصدته من هذا الكتاب، وقد منَّ الله الكريم فيه بما هو أهله من الفوائد النفيسة والدقائق اللطيفة من أنواع العلوم ومهمَّاتها، ومستجاداتِ الحقائق ومطلوباتها. ومن تفسير آيات من القرآن العزيز وبيان المراد بها، والأحاديث الصحيحة وإيضاح مقاصدها، وبيان نكت من علوم الأسانيد ــ السخاوي وكذا قال أبو مسهر نفسه فيما حدث به أبو الحسن علي بن إسحاق بن البحتري المارداي عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصاغاني شيخ مسلم فيه عنه. قوله: (منَّ الله) بتشديد النون من المنة وهي النعمة الثقيلة. قوله: (من الفوائد النفيسة الخ) هذا من باب بذل النصيحة والدلالة على مظان الخير للأمة لا من الافتخار المحفوظ منه الصالحون الأخيار "وقوله من الفوائد" بيان لما في قوله بما هو له أهل "وقوله من أنواع الخ" بيان الفوائد فإن أل فيه استغراقية. قوله: (ومستجادات الحقائق) أي مما يعود على السالك بنفع في دينه كمعرفة حقيقة أنه سبحانه العالم بجميع الأحوال جليها وخفيها فتبعث السالك على مزاولة الطاعات ومجانبة المخالفات لكونه بمرأى من صانعه وخالقه ورازقه أما الحقائق التي لا تعود على السالك بنحو ذلك فالأولى له ترك النظر فيها والاشتغال بما يعود عليه بأداء العبودية والقيام بحقوق الربوبية. قوله: (ومن تفسير آيات) التفسير. قوله: (وبيان المراد بها) أي قد يقوم الدليل على أن المراد من الآية غير ما يتبادر من تفسيرها فيحتاج لمعرفة ذلك. قوله: (ومن الأحاديث الصحيحة) عطف تفسير وفيه أيضاً أحاديث حسان بل وضعيفة بعضها ضعفه محتمل وبعضها ضعفه شديد كما علم من استقراء هذا الكتاب. قوله: (نكت) بضم ففتح جمع نكتة وهي الدقيقة من العلم المستخرجة بقوة الفكر والنكتة من الكلام الجملة المنقحة المحذوفة الفصول وقال العلامة الثاني السعد التفتازاني النكتة كل نقطة من بياض يكون في سواد وعكسه

стр. 2728

ودقائق الفقه ومعاملات القلوب وغيرها، والله المحمود على ذلك وغيره من نعمه التي لا تحصى، وله المنَّة أن هداني لذلك، ووققني لجمعه ويسره عليَّ، وأعانني عليه، ومنَّ عليَّ بإتمامه، ــ ونكت الكلام لطائفه ودقائقه التي تحتاج إلى تفكر اهـ. وهذه النكتة التي أشار إليها الشيخ كالكلام على وصفه الحديث بالصحة أو ما يقابلها وكالتنبيه على زيادة بعض الثقات أو على أحوال بعض الرواة أو الاختلاف في ذلك. قوله: (ودقائق الفقه) أي ومسائل الفقه التي لدقتها تحتاج إلى التنبيه عليها. قوله: (ومعاملات القلوب) أي من الإخلاص والصدق والرجاء وسلامة الصدر والنصيحة والتودد للمسلمين والسعي في منافعهم ومحبة الخير لهم والإقبال على المولى والإعراض عن السوى والتنزه عن الحقد والحسد والبغض والغضب. قوله: (والله المحمود) أي لا غيره كما يفيده تعريف الجزأين. قوله: (على ذلك) أي الذي من به من هذه الفوائد والفرائد. قوله: (وغيره من نعمة التي لا تحصى) بيان لغير وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ومن قوله ﷺ : سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قوله: (وله المنة إن هدانا لذلك ووفقني لجمعه) أي ولو أراد لمنعني ذلك وما أحسن قول صاحب الحكم إلهي إن ظهرت المحاسن فبفضلك ولك المنة علي، وقوله: وقد كنت قدماً أطلب الوصل منهمو ... فلما تجلى الحلم وارتفع الجهل تيقنت أن العبد لا طلب له ... فإن قربوا فضل وأن ابعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم ... وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو وفي كلام المصنف تلميح إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ وتنبيه على الدواء النافع من العجب بالعمل لأنه ليس هو فعلاً له في الحقيقة فكيف بما ليس له إنما المنة أن وفقه لصالح العمل وهداه. قوله: (ويسره ولي) فيه إيماء إلى صعوبة مثل هذا التأليف وإن تيسيره من منن الرؤوف اللطيف وهو كذلك فلقد جمع مع صغر حجمه ما لم تجمعه أسفار كبار ثم تيسيره بتذكيره ذلك وتمكنه

стр. 2729

فله الحمد والامتنان والفضل والطَّوْل والشكران، وأنا راجٍ من فضل الله تعالى دعوةَ أخ صالح أنتفع بها تقرِّبني إلى الله الكريم، وانتفاع مسلم راغب في الخير ببعض ما فيه أكون مساعداً له على العمل بمرضاة ربِّنا، وأستودعُ الله الكريمَ اللطيفَ الرحيمَ مني ومن والديَّ وجميع أحبابنا وإخواننا ومن أحسن ــ من مواده ودفع الموانع عن تنقيحه وتحريره. قوله: (فله الحمد على هذه المنن) والحمد سبب المزيد كما نطق به الكتاب المجيد. قوله: (والطول) بفتح الطاء المهملة المنة الثقيلة وقيل النعمة المتكررة (والشكران) بضم الشين ضد الكفران. قوله: (وأنا راج من فضل الله تعالى تيسير دعوة أخ صالح تقربني إلى الله) أي ليكون ذلك مما يصلني نفعه بعد الموت فقد ورد إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له الحديث ومثل الولد الصالح في نفع دعائه الأخ الصالح، وجملة تقربني إما صفة أو حال من دعوة وتقريبها إلى الله سبحانه لأن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجاب فقد يدعو له بنحو ذلك فيبلغ أمانيه من تلك المسالك بفضل مولاه وإحسانه. قوله: (وانتفاع) بالنصب عطف على دعوة ورجاؤه لذلك لما قال (أكون مساعداً له على العمل بمرضاة ربنا) أي فيفوز بامتثال قوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وليعظم ثوابه بسبب ذلك النفع لكونه الدال عليه الطريق في الوصول إليه وقد تقدم الحديث من دل على هدى كان له مثل أجور فاعليه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً. قوله: (واستودع الله الخ) أي وهو الذي لا يضيع ودائعه وسبقت حكمة التعبير بهذا في أول الكتاب بما حاصله الإيماء إلى أن الحي بمثابة المسافر المطلوب منه هذا الذكر فإن منتهى سفره الآخرة ومنازله الليل والنهار وحينئذٍ فالموفق لا يأخذ من الزاد إلا ما ينفعه في دار إقامته من رضي مولاه أو ما ينفعه في رحلته من قوام مطيته وهي نفسه فيعطيها حقها من الطعام والشراب والمنام ويمنعها

стр. 2730

إلينا وسائر المسلمين أدياننا وأماناتِنا وخواتيمَ أعمالنا، وجميعَ ما أنعم الله تعالى به علينا، وأسأله سبحانه لنا أجمعين سلوك سبيل الرشاد، والعصمةَ من أحوال أهل الزِّيغ والعناد، والدوام على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأتضرَّع إليه سبحانه أن يرزقنا التوفيق في الأقوال والأفعال للصواب، والجريَ على آثار ذوي البصائر والألباب، إنه الكريم الواسع الوهاب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه متاب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ــ حظها من الشهوات والآثام فيفوز بما تقر به الأعين في يوم القيامة وقد أشار إلى هذا المعنى حديث ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. والأحاديث في معناه كثيرة. قوله: (وجميع ما أنعم به علينا) أي من علم وعمل وحال ومقام. قوله: (سلوك سبيل الرشاد) أي تيسير سلوكه بالتوفيق والحفظ (و) هو المراد من (العصمة) في كلامه أي والحفظ (من أحوال أهل الزيغ) وهو العدول عن الحق والميل عنه (و) من أحوال أهل (العناد) والعنيد كما في النهاية الجائر عن القصد الباغي الذي يرد الحق مع العلم به. قوله: (على ذلك) أي على ما ذكر من سلوك سبيل الأخيار والحفظ من طريق الأشرار. قوله: (في ازدياد) حال أو صفة للخير لأن أل فيه جنسية. قوله: (وأتضرع) أي أتوسل. قوله: (للصواب) أي للحق وهو المطابق للواقع. قوله: (والجري على آثار) أي طريق (ذوي البصائر) أي المستنيرة بنور العرفان (والألباب) العقول جمع لب. ومن كان ذا لب وعقل فإنه ... دؤوب على الطاعات مجتنب الشر قوله: (وما توفيقي إلا بالله الخ) اقتباس من القرآن ولعزة التوفيق وشرفه لم يذكر في القرآن غير هذه الآية (وإليه أنيب) أي أرجع في سائر الأحوال إليه

стр. 2731

والحمد لله رب العالمين [أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً]، وصلواته وسلامه الأطيبان [الأتمان] الأكملان على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه أجمعين، كلما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذِكْره الغافلون، وعلى سائر النبيين وآل كلٍّ وسائر الصالحين. قال مصنفه أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد النووي عفا الله عنه: فرغت من جمعه في المحرم سنة سبع وستين وستمائة سوى أحرف ألحقتها بعد ذلك، وأجزت روايته لجميع المسلمين. ــ معتمداً في كل أمر عليه وفي نسخة (وإليه متاب) بالفوقية أي رجوعي. قوله: (كلما ذكره) يحتمل أن يكون راجعاً إلى اسم الله الكريم أو إلى نبيه ﵊ والقصد من هذا الدعاء دوام الصلاة والسلام من الملك السلام على نبيه ﵊. قوله: (وآل كل) أي أتباعه فيدخل سائر المؤمنين به (و) يكون عطف (سائر الصالحين) من عطف الخاص على العام اهتماماً به قوله: (وأجزت روايته لجميع المسلمين) قال المصنف في الإرشاد إذا أجاز لغير معين بوصف العموم كقوله أجزت للمسلمين أو لكل أحد أو لمن أدرك زماني وما أشبهه ففيه خلاف للمتأخرين المجوزين لأصل الإجازة فإن كان مقيداً بوصف خاص فهو إلى الجواز أقرب وجوز جميع ذلك الخطيب وجوز القاضي أبو الطيب الإِمام المحقق الإجازة لجميع المسلمين الموجودين عندها ثم قال وأجاز أبو عبد الله بن مسنده لمن قال: لا إله إلا الله وأجاز أبو عبد الله بن عتاب وغيره من أهل المغرب لمن دخل قرطبة من طلحة العلم وقال أبو بكر الحازمي الحافظ الذين أدركتهم من الحفاظ كأبي العلاء وغيره كانوا يميلون إلى جواز هذه الإجارة العامة قال الشيخ ﵀ ولم يسمع عن أحد

стр. 2732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها ولا عن الشرذمة التي سوغتها وفي أصل الإجازة ضعف فتزداد بهذا ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله وهذا الذي قاله الشيخ خلاف ظاهر كلام الأئمة المحققين والحفاظ المتقنين وخلاف مقتضى صحة هذه الإجازة وأي فائدة إذا لم يرو بها اهـ. قلت: وفي أجاز لذلك جماعة من المتأخرين الحفاظ كالحافظ السيوطي فأجاز لمن أدرك عصره وأجاز كذلك ابن حجر الهيتمي في آخرين. وهذا آخر ما قصدناه وتوخيناه من التعليق على الأذكار النووية وكنا أردنا أن تكون في حيز الاقتصار فأبرزتها يد القدرة على ما يرى لكن يرجو من فضل الله ومنته أن يكون على السداد وإني لمعترف أني لست بأهل لنقل شيء من ذلك وتقريره ولا لبيان شيء وتحريره ولا لرقم مطلب وتسطيره غير أن كل ما تراه فهو من فضل المنعم المنان وجوده المتوالي والإحسان فله الحمد سبحانه على كل شأن، ثم أقول: إن كان متناسق المباني متناسب المعاني جامعاً لما يحتاجه المعاني فذلك من فضل الله سبحانه فله الحمد والامتنان على محض الجود والإحسان، وإن كان مشوباً بالنقص على بالخرم والوقص جارياً على أسلوب العوام خارجاً عن نهي العلماء الكرام فذلك قضية وصفي وشأني ومقتضى كونه من جملة ما يضاف إلى تحريري وبياني، وأستغفر الله وأتوب إليه مما جنيته في سواد الليل وبياض النهار وأسأله العفو والغفران عن سائر المخالفات والأوزار واستودعته الإسلام والإيمان وما أنعم به علي وعلى سائر الإخوان من النعم الجسام، وأسأله الحسنى وزيادة والوفاة على الإسلام ودوام نعمه المستجادة، والحمد الله أولاً وآخراً باطناً وظاهراً والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه وصفيه عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وعلى جميع آله وصحبه ووارثيه العلماء وأتباعه وحزبه. قال مؤلفه غفر الله له ولوالديه وإخوانه ومحبيه كان انتهاء تسطيره بعد ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وألف. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.