← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

و"سنن أبي داود" ــ متونه والذي لم يخرج مائة وتسعة وخمسون وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلثمائة وأربعة وثمانون. قوله: (وسنن أبي داود) هو الحافظ صاحب السنن سليمان بن الأشعث بن إسحاق ابن بشير بن سداد بن عمران السجستاني وقيل في نسبه غير ذلك روى عن القعنبي وأحمد بن حنبل وإسحاق وعلي بن المديني ويحيى بن معين وخلائق بالحجاز والشام ومصر والعراق وخراسان والجزيرة روى عنه ابنه أبو بكر عبد الله والترمذي وأبو عوانة وأبو بكر النجار وغيرهم قال ابن حبان أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً جمع وصنف وذب عن السنن. وقال أبو بكر الخلال هو الإمام المقدام في زمانه لم يسبقه أحد إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه في زمانه رجل ورع مقدم سمع منه أحمد بن حنبل حديثاً وقال محمد بن مخلد كان أبو داود يعني بمذاكرة مائة ألف حديث وقال ابن داسة سمعت أبا داود يقول كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ويكفي الإنسان من ذلك لدينه أربعة أحاديث: الأعمال بالنيات ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه والحلال بين والحرام بين، وأبدل بعضهم حديث لا يكون المؤمن إلخ بحديث أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ونظمها كذلك ابن معوز فقال: عمدة الناس عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البريه اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه قال أبو عبيدة الآجري سمعت أبا داود يقول ولدت سنة اثنتين ومائتين قال الآجري ومات لأربع عشرة بقين من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين

стр. 37

و"الترمذي " ــ بالبصرة قال بعض المتقنين اختلف مقاصد أصحاب الكتب فيها فللصحيحين منها صنوف وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة ولأبي داود في حصر أحاديث الكلام من استيعابها ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره وقد سلك النسائي اغمض تلك المسائل وأدقها اهـ. قوله: (ترمذي) قال الأصفهاني في كتابه لب اللباب في الأنساب الترمذي بضم التاء وفتحها وكسرها نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون منها جماعة منهم الترمذي صاحب الجامع والعلل وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها أصل أصله السمعاني وعبارته الترمذي بكسر المثناة من فوق والميم وبضمها وبفتح المثناة وكسر الميم اهـ. وفي الراجح من هذه اللغات خلاف فقال ابن سيد الناس المتداول بين أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً والذي يقوله المتقنون أهل المعرفة بضمهما وكل واحد يقول لها معنى يدعيه اهـ، في طبقات الحفاظ للذهبي قال شيخنا ابن دقيق العيد ترمذ بالكسر هو المستفيض على الألسنة حتى يكاد يكون كالمتواتر وقال الباجي سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول هو بضم التاء اهـ، والترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك وقيل في نسبه غير ذلك السلمي الحافظ الضرير أحد الأئمة الستة قيل إنه ولد أكمه طاف البلاد فسمع من قتيبة وعلي بن حجر وأبي كريب وخلائق وأخذ علم العلل والرجال عن البخاري وروى عنه حماد بن شاكر وأحمد بن حسنويه ومحمد بن أحمد بن محبوب وآخرون وقد سمع منه البخاري أيضاً قال ابن حبان في الثقات كان ممن جمع وصنف وحافظ وذاكر ولد سنة مائتين وتسعة قال المستغفري مات في شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وكذا قال ابن عنجار وابن ماكولا وبه رد الزين العراقي وغيره قول الخليلي في الإرشاد

стр. 38

و"النسائي" وقد أروي يسيراً من الكتب المشهورة وغيرها. ــ ومات بعد الثمانين بل قال بعضهم هذا باطل وفي بعض شروح الشمائل كان الترمذي مكفوفاً قيل ونوزع بقول الكشاف ولم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة وقد يقال هذا نفي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكان يضرب به المثل في الحفظ قال المروزي قال لي الترمذي كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزأين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن إن الجزأين معي وحملت معي جزأين كنت أظنهما إياهما فسألته في القراءة فأجابني فأخذت الجزأين وإذا هما بياض فتحيرت فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال أما تستحي فقصصت عليه القصة وقلت احفظه كله فقال اقرأ فقرأت جميع ما قرأه علي على الولاء فما أخطأت في حرف منه فقال لي ما مر بي مثلك قط. قوله: (والنسائي) بفتح النون والسين المهملة المخففة بعدها ألف ممدودة منسوب إلى نساء مدينة بخراسان كذا في المغني للعتبي وفي لب اللباب ويقال في النسب إليها نسوي أيضاً اهـ. والنسائي هو أحمد بن شعيب ابن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن الحافظ مصنف السنن وأحد الأئمة المبرزين روى عن قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار وعيسى بن حماد زغبة في خلق كثيرين آخرين روى عنه ابن عبد الكريم وأبو سعيد بن يونس وأبو جعفر الطحاوي وأبو جعفر العقيلي وأبو القاسم الطبراني والدولابي وابن السني وخلائق آخرهم أبيض بن محمد الفهري قال الحافظ أبو يعلى النيسابوري النسائي إمام الحديث بلا مدافعة وقال الطحاوي إمام من أئمة المسلمين وقال الدارقطني يقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره وسئل الدارقطني أيضاً إذا حدث النسائي وابن خزيمة أيهما يقدم فقال النسائي لم يكن مثله ولا أقدم عليه أحداً ولم يكن في الورع مثله قال الحاكم سمعت الدارقطني يقول كان النسائي أفقه مشايخ

стр. 39

وأما الأجزاء والمسانيد، فلست أنقل منها شيئاً إلا في نادر من المواطن، ولا أذكر من الأصول المشهورة أيضاً من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح غالباً، فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلاً معتَمداً، ثم لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت ــ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم وأعلمهم بالرجال وقال ابن يونس كان إماماً في الحديث ثقة ثبتاً حافظاً كان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وتوفي بفلسطين قال الطحاوي مات في صفر سنة ١١١ بفلسطين وقال الحاكم أبو عامر العبدري إنه توفي بالدجلة مدينة فلسطين وحمل إلى بيت المقدس حكى ابن منده عن مشايخه بمصر إنه خرج من مصر إلى دمشق فوقعت له بها كائنة ثم حمل إلى مكة ومات سنة ثلاث وثلاثمائة وهو مدفون بها وكذا قال الدارقطني إنه حمل إلى مكة فتوفي بها في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة وكان مولده سنة أربع عشرة ومائتين. قوله: (وأما الأجزاء والمسانيد فلست أنقل منها إلخ) وذلك لأن مخرجيها جل نظرهم رواية مروي ذلك المخرج عنه مقبلاً كان أو لا فلذا لم يلحق المسانيد بالكتب الأربعة والموطأ ونحوها في الاعتماد. قوله: (الضعيف) هو عند أهل الحديث ما فقد شرطاً من شروط لقبول وهي الاتصال وعدالة الراوي وضبطه وفقد العلة القادحة والشذوذ ويزداد الضعف بتزايد الفقد أو نحوه. قوله: (مع بيان ضعفه) بفتح أو ضم الضاد المعجمة وإنما بين ذلك إعلاماً برتبته فيقدم عليه معارضه من خبر مقبول وإلَّا فالسكوت عن بيان حال الحديث الضعيف غير الموضوع لا محذور فيه بوجه خصوصاً والمقام للفضائل المعمول فيها بذلك أما الحديث الموضوع فلا يجوز ذكره للعالم بحاله إلاّ مقروناً بالبيان وسيأتي إن المصنف ربما أغفل التنبيه على حال الحديث لغفلة أو نحوها. قوله: (الصحيح) المراد منه ما يشمل الصحيح لغيره

стр. 40

دلالته ظاهرة في المسألة. واللهَ الكريمَ أسألُ التوفيقَ والصيانةَ، ــ بل والحسن فيراد من الصحيح المقبول وقد أطلق كثير عليه الصحيح. قوله: (دلالته) مثلث الدال والفتح أفصح وإنما اعتبر ظهور دلالة الحديث في المطلوب ليعم الفهم العالم والمتعلم وإن لم يكن لغير العالم أي المجتهد أخذ الأحكام من الأحاديث. قوله: (المسألة) مطلوب يبرهن على إثبات محموله لموضوعه. قوله: (والله الكريم) يجوز فيهما النصب بجعل الاسم الكريم مفعولاً مقدماً لأسأل إذ هو متعد لاثنين والرفع بجعله مبتدأ ومفعول أسأل ضمير محذوف والجملة خبر أي اسأله والأول لسلامته من الحذف المرتب على الثاني أولى. قوله: (التوفيق) هو لغة جعل الأسباب موافقة للمسببات وعرفًا قال في التهذيب قال إمام الحرمين وغيره من أصحابنا المتكلمين هو خلق قدرة الطاعة في العبد وقيل خلق الطاعة فيه ويساويه اللطف وهو ما يقع به صلاح العبد آخرة ما صدقًا لا مفهوماً وقد يطلق التوفيق على أخص من ذلك ومن ثم قال المتكلمون اللطف ما يحمل المتكلم على الطاعة ثم إن حمل على فعل المطلوب سمي توفيقاً أو ترك القبيح سمي عصمة وصرح أهل السنة في مبحث خلق الأفعال بأن لله تعالى لطفًا لو فعله بالكفار لآمنوا به اختيارًا غير أنه لا يفعله وهو في فعله متفضل وفي تركه عادل وضد التوفيق الخذلان كذا قالوا لكن في التهذيب التوفيق خلاف الخذلان ولعزة التوفيق لم يذكر في القرآن إلاَّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] وأما قوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢] فمن الوفاق ضد المخالفة. قوله: (والصيانة) بكسر الصاد قال المصنف في التهذيب قال الجوهري يقال صنت الشيء أصونه صوناً وصيانة وصيانا بالكسر فهو مصون ولا يقال مصان ويقال ثوب مصون ومصوون الأول على النقص والثاني على الإتمام اهـ، وأصل صيانة وصيان الواو كما في قيام ولئلا يلتبس الأخير بصوان الشيء أي قشره وطرد فيما قبله.

стр. 41

والإنابةَ والإعانةَ، والهدايةَ وتيسيرَ ما أقصده من الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبائي ــ قوله: (والإنابة) بكسر الهمزة مصدر أناب وكذا الإعانة مصدر أعان وأصلهما إنواب وإعوان على وزن إفعال فنقلت حركة حرف العلة إلى الساكن ثم قيل تحرك حرف العلة باعتبار الأصل وانفتح ما قبله أي حالاً فقلب حرف العلة ألفاً فحصل التقاء الساكنين الألف المنقلبة وألف الأفعال فحذفت إحداهما وهل هي الأولى أو الثانية خلاف عند الصرفيين ثم عوض عن المحذوف الهاء في آخر الكلمة. قوله: (والهداية) في تهذيب اللغات الهداية والهدى يطلق بمعنيين أحدهما خلق الأيمان واللطف والآخر بمعنى البيان فمن الأول الحمد لله الذي هدانا لهذا ونظائره ومن الثاني ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠] أي بيّنا له طريق الخير والشر ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ] [فصلت: ١٧] أي بينا لهم الطريق اهـ، والهداية بالمعنى الأول لا تكون إلاَّ لله تعالى وبالمعنى الثاني تكون له وللرسل وورثتهم وحمل الهداية على خلق اللطف أي يلطف بنا فيؤهلنا لما يوجهنا له من الخيرات يؤيده ما في بعض النسخ "والهداية إلى تيسير ما أقصده من الخيرات" أي يلطف بي فيهون على ذلك ويوصلني إلى هذه المسالك وعلى البيان يؤيده عطف تيسير عليه في نسخ أخرى أي أسأله أن يمن علينا ببيان طريق الخير وييسر لنا سلوكه. قوله: (والدوام) يجوز فيه النصب عطفاً على المنصوب قبله والخفض عطفاً على الخير أي وتيسير ما أقصده من الدوام على أنواع المكرمات وهي جمع مكرمة بفتح أوله وضم الراء المهملة وعلى الثاني فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام للاهتمام والفتح أليق بالمقام. قوله: (أحبائي) بالتشديد والهمز أي من يحبوني وأحبهم وإن لم يأت زمنهم لأنه ينبغي أن يحب في الله كل من اتصف بكمال سابقاً أو لاحقاً وما أحسن قول إمامنا الشافعي ﵁. أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعه

стр. 42

في دار كرامته وسائر وجوه المسرَّات. وحسبي الله ونعم الوكيل، ــ قوله: (دار كرامته) هي الجنة التي أكرم الله بها أهل طاعته. قوله: (وسائر) أي باقي (وجوه المسرات) الذي لم تشمله هذه الدعوات والعطف حينئذٍ من عطف المغاير أو جميع المسرات من باب عطف العام على الخاص بناء على كون سائر يأتي بمعنى جميع فقد قال الجوهري سائر الناس جميعهم قال المصنف في التهذيب وهي لغة صحيحة ذكرها غير الجوهري ووافقه عليها أبو منصور الجواليقي في أول كتابه شرح أدب الكاتب واستشهد على ذلك وإذا اتفق هذان الإمامان على نقل لغة فهي لغة وبهذا يندفع قول الشيخ ابن الصلاح استعمال سائر بمعنى الجميع مردود عند أهل اللغة معدود في غلط العامة وأشباههم من الخاصة قال الأزهري في تهذيب اللغة أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي قال الشيخ ابن الصلاح ولا التفات إلى قول الجوهري صاحب اللغة سائر الناس جميعهم فإنه لا يقبل ما انفرد به وقد حكم عليه بالغلط في هذا. قوله: (وحسبي الله ونعم الوكيل) حسبي أي محسبي وكافي خبر قدم على مبتدأ وهو الاسم الكريم "وقوله ونعم الوكيل" معطوف إما على حسبي الخبر من باب عطف الجملة على المفرد ثم قيل جاز ذلك لتضمن حسبي معنى الفعل أي يحسبني وقال ابن رمضان في شرح العقائد لا حاجة إلى تضمن حسبي معنى يحسبني ويكفيني لأن الجمل التي لها محل من الإعراب واقعة موقع المفرد ويجوز عطفها على المفرد وعكسه والمخصوص على هذا هو الاسم الكريم أو على جملة حسبي الله من غير تقدير شيء في الجملة المعطوفة بناء على كونها إنشائية معنى هي لإنشاء التوكل فتكون من عطف إنشائية على مثلها أو مع تقدير مبتدأ هو هو بقرينة ذكره في المعطوف عليه ثم قيل يقدر القول قبل الجملة الإنشائية لوقوعها خبراً وجرى عليه ابن رمضان في شرح الشرح وابن حجر الهيتمي فقال التقدير وهو مقول فيه نعم الوكيل أو من غير تقدير بناء على المختار كما قال ابن مالك

стр. 43

ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، توكلت على الله، ــ من جواز وقوع الطلبية خبراً من غير إضمار قول والتقدير بناء على إبقاء جملة حسبي على وضعها أي الخبرية لفظاً ومعنى فيكون من عطف خبرية على مثلها والمخصوص على هذين محذوف وبه يندفع ما قيل في هذا الكلام عطف إنشاء على خبر وهو ممنوع عند أهل النظر. قوله: (ولا حول) يقال الحول ويقال الحيلة والأول كما في النهاية أشبه يقال حال الشخص يحول إذا تحرك ويجوز في لام حول الفتح على إعمال لا والرفع على إهمالها لتكررها أو على إعمالها عمل ليس. قوله: (ولا قوة) يجوز فيه مع إعمال الأولى الفتح على إعمال الثانية إذ التكرار يمنع وجوب العمل لا جوازه والنصب بالعطف على محل اسم لا الأولى والرفع على إهمال الثانية لتكرارها أو بالعطف على محل لا مع اسمها فإنها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ولا زائدة والكلام جملة واحدة أو على محل اسم لا قبل دخولها ويمنع مع إهمال الأول النصب لانتفاء سببه ويجوز ما عداه. قوله: (العزيز الحكيم) هذا الوارد في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم لكن في بعض نسخ الحصين الحصين رواية ختمها بالعلي العظيم ولعلها رواية وفي شرح المشكاة لابن حجر الهيتمي وختم الحوقلة بهما لوروده في هذه الرواية الصحيحة لا سيما رواية مسلم أولى من ختمها بالعلي العظيم وإن كان قد اشتهر اهـ، وسيأتي لهذه الجملة زيادة في باب الذكر المطلق إن شاء الله تعالى. قوله: (ما شاء الله) ما فيه شرط مبتدأ حذف جوابه لظهوره أي كان وما أحسن قوله إمامنا الشافعي: وما شئت كان وإن لم أشأ ... وما لم تشأ إن أشأ لم يكن قوله: (لا قوة) بالفتح لاجتماع شروط الأعمال وتكراره إعلاماً بأن الاعتماد إنما هو على أقدار ذي العظمة والجلال. قوله: (توكلت على الله) جعل الرضى

стр. 44

اعتصمت بالله، استعنت بالله، فوَّضت أمري إلى الله، وأستودعه ديني ونفسي ووالدلي وإخواني وأحبائي وسائر من أَحسن إليَّ وجميع المسلمين، وجميع ما أنعم به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استُودع شيئاً حفظه، ونعم الحفيظ. ــ عليّ في هذا المقام من العلو المجازي واللائق بالأدب عدم التعبير بالاستعلاء مطلقاً وأن يقال معنى علي في ذلك ونحو لزوم التفويض إلى الله تعالى فمعنى توكلت على الله لزمت تفويض أمري إلى الله تعالى واللفظ قد يخرج بشهرته في الاستعمال في الشيء عن مراعاة أصل المعنى أشار إليه المحقق ابن أبي شريف والتوكل كثر فيه التعاريف للقوم ومن أحسنها قول بعضهم التوكل اعتمادك على مولاك ورجوعك إليه وخروجك عن حولك وقوتك وانطراحك بين يديه وقول آخر التوكل اكتفاؤك بعلم الله فيك عن تعلق القلب بسواه ورجوعك في جميع أمورك إلى الله وقال الأستاذ الأكبر أبو مدين التوكل وثوقك بالمضمون واستبدال الحركة بالسكون والمال إلى واحد. عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير قوله: (اعتصمت بالله إلخ) الاعتصام الإمساك بالشيء افتعال من العصمة بمعنى المنعة. قوله: (فوضت أمري إلخ) قال في النهاية أي رددته إليه يقال فوّض إليه الأمر تفويضاً إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه اهـ. قوله: (وأستودعه ديني) أي اجعله وديعة عنده وهو الأمين على ما استودع عليه الحافظ له وفي التعبير بهذا الذكر المطلوب للمسافر المؤمن إشارة إلى السفر الذي لا بد منه والاستعداد لذلك رزقنا الله إياه وسلك بنا والمسلمين أحسن المسالك. فصل هو وما أشبه من التراجم خبر مبتدأ محذوف الخبر أي هذا فصل أو مبتدأ محذوف

стр. 45

فصل: في الأمر بالإخلاص وحسن النيات في جميع الأعمال ــ الخبر أو خبره الظرف بعده وتجويز النصب فيه مبني على لغة من يقف على المنصوب المنون بالسكون والجر على حذف الجار وإبقاء عمله والأولى لغة ضعيفة والثاني ممتنع قياساً إلاَّ في مواضع ليس هذا منها والفصل بالصاد المهملة في الأصل مصدر وهو هنا إما بمعنى اسم الفاعل أي الفاصل أو بمعنى اسم المفعول إذ مسائله مفصولة عما قبله وما بعده والفصل في عرف المصنفين اسم لجملة من العلم مشتملة على مسائل غالباً وكذا يعرف ما أفرد من كتاب أو باب فإن جمعت الثلاثة فقل الكتاب اسم لجملة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالباً والفصل اسم لجملة من الباب مشتملة على مسائل غالباً ووضع العلماء التراجم تسهيلًا للوقوف على مظان المسائل وتنشيطاً للنفوس قال الزمخشري وذلك لأن القارئ إذا ختم باباً من كتاب ثم أخذ في آخر كان ذلك أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل بخلاف ما لو استمر على الكتاب بطوله ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً وطوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشط للمسير ومن ثم كان القرآن الكريم سوراً وأجزاءً وأعشاراً اهـ. وقال غيره وضع الكتاب لما كانت أبحاث العلم فيه متباينة الجنسية والباب لما كانت أبحاث العلم فيه متشاركة الجنسية والفصل لما كانت أبحاث ذلك فيه متشاركة النوعية والمسألة لما كانت أبحاث ذلك متشاركة الصنفية ثم إن كانت دلالته من جهة الاندراج فالفرع أو من جهة الإطراد فالقاعدة أو من جهة الإعلام بتفصيل مجمل سابق فالتنبيه أو من جهة كثرة تحصرها جهة واحدة فالضابط اهـ. قوله: (في الأمر بالإخلاص) الظرف الأول خبر لقوله فصل إن جعل مبتدأ وإن جعل خبراً لمحذوف فيجوز في الظرف كونه ثابتاً أو حالاً حذف صاحبها وعاملها أي هذا فصل أعنيه كائناً في الأمر بالإخلاص والظرف الثاني لغو متعلق بالأمر والإخلاص بكسر الهمزة مصدر أخلص قال الراغب في مفرداته الإخلاص

стр. 46

الظاهرات والخفيات: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] قال ابن عباس ﵄: معناه: ولكن ينالُه النياتُ. أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن المفرِّج بن بكار ــ التعري عن كل ما دون الله اهـ. وفي الرسالة القشيرية بسنده إلى سيد البرية ﷺ مسلسلاً بالسؤال عن الإخلاص قال ﷺ سألت رب العزة عن الإخلاص أي ما هو قال سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي اهـ. قوله: (الظاهرات) المفعولة بالجوارح الظاهرة كالصلاة والصدقة، والصوم من الأعمال الخفية إذ لا يعلم حال صاحبه إلاّ بأخبار سره عنه وقد خفي صيام كثير من العارفين على أهله مدة من السنين قيل ولذا ورد في الخبر القدسي الصوم لي وأنا أجزي به. قوله: (والخفيات) من أعمال القلب. قوله: (إلا ليعبدوا الله إلخ) أخذ منه أهل السنة ما ذهبوا إليه من أن العبادة ليس وجوبها لإفادة الطائع الثواب وبعده عن النار والعقاب بل لأداء حق الربوبية والقيام بمقام العبودية وفي الإكليل في استنباط أحكام التنزيل للسيوطي استدل بالآية على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص لا يكون بدونها اهـ، ثم العبادة اسم للطاعة المؤداة على وجه التذلل ونهاية التعظيم وقضية هذا الكلام أن العبادة أسنى أوصاف الأولياء الكرام لكن قال العارفون التعبد إما لنيل الثواب أو التخلص من العقاب وهي أنزل الدرجات ويسمى عبادة لأن معبوده في الحقيقة ذلك المطلوب بل نقل الفخر الرازي إجماع المتكلمين على عدم صحة عبادته ورد عليه ذلك بأن صواب النقل عن المتأخرين، أو للشرف بخدمته تعالى والانتساب إليه ويسمى عبودية وهي

стр. 47

المقدسي النابلسي ثم الدمشقي ﵁، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي ــ أشرف من الأولى ولكنها ليست خالصة له تعالى، أو لوجهه وحده من غير ملاحظة شيء آخر ويسمى عبادة وهي أعلى المقامات وأرفع الدرجات وسيأتي في بيان العبادة لطلب الثواب زيادة تحقيق وقيل العبادة ما تعبد فيه بشرط معرفة المتقرب إليه فيوجد بدون العبادة فيما لا يحتاج من القرب لنية كعتق ووقف والطاعة غيرهما إذ هي كما تقدم امتثال الأمر والنهي فتوجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفته تعالى إذ معرفته إنما تحصل بتمام النظر قاله بعض المحققين. قوله: (المقدسي) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال والسين المهملتين نسبة إلى بيت المقدس وهي مدينة إيلياء كذا في مغني الشيخ محمد طاهر الفتني. قوله: (النابلسي) بنون فموحدة بعد الألف مضمومة فمهملة بعد اللام نسبة إلى نابلس قال الصغاني هي من بلاد فلسطين. قوله (ثم الدمشقي) قال الفتني في المغني نقلاً عن الكرماني بكسر مهملة وفتح ميمه وعن الزركشي بكسر الميم اهـ، وفي لب اللباب الدمشقي نسبة إلى دمشق وهي أحسن مدينة بالشام اهـ، وفي إتيانه بثم الإشارة إلى أن توطنه بدمشق متأخر عن توطنه بنابلس ويؤتى بثم لذلك كما قاله علماء الأثر وخالد المذكور ترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ فقال الإمام المفيد المحدث مولده سنة خمس وثمانين وخمسمائة بنابلس ونشأ بدمشق فسمع من أبي محمد القاسم ابن عساكر وابن طبرزد وآخرين وكتب ورحل وحصل أصولاً نفيسة ونظر في اللغة وكان ذا إتقان وفهم ومعرفة وعلم وكان ثقة متثبتاً ذا نوادر ومزاح وكان يحفظ جملة كثيرة من الغريب وأسماء الرجال وكناهم وينطوي على صدق وزهد وأمانة توفي في سلخ جمادى الأولى سنة ٦٦٣ اهـ. قال المصنف في حقه في جزء الصيام بعد أن وصفه بالحفظ وغيره المنفرد في وقته بمعرفة الرجال. قوله: (الكندي) هو بضم الكاف

стр. 48

الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا أبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب ﵁ ــ نسبة إلى كندة من قرى سمرقند وبكسرها نسبة إلى كندة قبيلة كبيرة مشهورة من اليمن ينسب إليها خلق كثير ولم أقف على ضبط الكندي هو بضم الكاف أو بكسرها لكن رأيت ضبطه بالقلم في أصل صحيح بالكسر. قوله: (الجوهري) قال في لب اللباب نسبة إلى بيع الجوهر. قوله: (الأنصاري) هذا يعرف بنسب يحيى بن سعيد وإنما قال هو إلخ. لأن من زاده لم يسمعه كذلك من شيخه واحتاج إليه لدفع الإلباس فأتى به لدفع ما ذكر ونبه بقوله هو الأنصاري أنه لم يسمعه كذلك ممن سمعه منه ومثل هذا كثير في كتب الحديث. قوله: (التيمي) بفتح المثناة الفوقية وإسكان التحتية نسبة إلى تيم. قوله: (علقمة بن وقاص) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التقريب وقاص بتشديد القاف وهو الليثي المدني ثقة ثبت من الثانية أخطأ من زعم أن له صحبة وقيل أنه ولد في عهد النبي ﷺ مات في خلافة عبد الملك اهـ، ونقل ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة أن علقمة صحابي في قول بعضهم وسكت عليه وهو خطأ كما تقدمت الإشارة إليه. قوله: (عن عمر بن الخطاب ﵁ هو ثاني الخلفاء أمير المؤمنين القرشي العدوي كناه ﷺ بأبي حفص وهو لغة الأسد ولقبه بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل إذ كان أمر المسلمين قبله على غاية الخفاء وبعده على غاية الظهور أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة سنة ست من النبوة وبويع له بالخلافة يوم موت الصديق ﵁ سنة ثلاث عشرة من الهجرة بعهد

стр. 49

قال: قال رسول الله ﵌: "إنَّمَا ــ منه ففتح الفتوح الكثيرة كما أشار إليه ﷺ في حديث رؤياه البئر ونزح الصديق ضعيف ثم قوة عمر والحديث في مسلم وغيره ومناقبه كثيرة وفضائله أشهر من شمس الظهيرة ذكرت منها جملة مستكثرة في شرح نظم الحافظ السيوطي في موافقات عمر ﵁ القرآن توفي شهيداً على يد نصراني اسمه أبو لؤلؤة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح ودفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر في بيت عائشة ﵂ وصلى عليه صهيب الرومي وجملة ما روي له خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثاً اتفقا على ستة وعشرين منها وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين ومسلم بأحد وعشرين. قوله: (قال) أي عمر دون غيره والحصر المذكور يعلم من استقراء حال الحديث المذكور قال الحافظ لم يرو من طريق صحيح عن النبي ﷺ إلاّ عن عمر ولم يروه عن عمر إلاّ علقمة ولم يروه عن علقمة كذلك إلا التيمي ولم يروه عن التيمي كذلك إلاَّ يحيى بن سعيد الأنصاري وعنه اشتهر وتواتر بحيث رواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة وقال جماعة من الحفاظ إنه رواه عنه سبعمائة إنسان من أعيانهم مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم وقد ثبت عن الحافظ أبي إسماعيل الهروي الملقب بشيخ الإسلام أنه كتب عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد فهو مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله وما ورد من رواية نحو عشرين صحابياً له غير عمر لم يصح منها شيء. قوله: (إنما) هي لتقوية الحكم المذكور بعدها اتفاقاً ومن ثم وجب كونه معلوماً أوفى منزلته ولإفادة الحصر وضعا حقيقة على الأصح عند جمهور الأصوليين خلافاً لجمهور النحاة والحصر وبمعناه القصر إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عما عداه وذلك لورودها كذلك في كلامهم

стр. 50

الأعْمالُ ــ غالباً والأصل الحقيقة وجواز غلبة الاستعمال في غير ما وضعت له خلاف الأصل فلا بد له من دليل ثم القصر كما تقرر في علم البيان حقيقي وإضافي وكل منهما قصر موصوف على صفظ ويقال قصر المسند على المسند إليه وعكسه ويقال قصر المسند إليه في المسند وكل منهما قصر قلب لما في ذهن السامع من غير المذكور إليه وقصر إفراد المذكور بالحكم الذي اعتقد وقوع الشركة فيه وقصر تعيين إذا تردد فيه وما في هذا الخبر من قصر المبتدأ في الخبر المعبر عنه بقصر الموصوف في صفته وهو إضافي لخروج بعض الأعمال عن اعتبار النية فيه كما سيأتي وفي الخبر حصر آخر هو عموم المبتدأ إذ هو جمع على بأل التي للاستغراق لا للماهية إذ المفتقر للنية إفراد العمل لا ماهيته من حيث هي ماهية إذ لا وجود لهذه في الخارج ورواية إنما العمل كما سيأتي المبتدأ فيه مفرد على بأل أيضاً فيفيد العموم وخصوص الخبر على حد صديقي زيد لعموم المضاف لمعرفة ولهذا سقطت إنما في رواية صحيحة اكتفاء عنها به وجمع بينهما في هذه تأكيداً. قوله: (الأعمال) هي حركات البدن فيدخل فيها الأقوال ويتجوز بها عن حركات النفس وأوثرت على الأفعال لئلا تتناول فعل القلب الغير المحتاج لنية كالتوحيد والإجلال والخوف لصراحة القصد والنية لئلا يلزم التسلسل والدور المحال ومعرفة الله تعالى وما قيل إنما يصح هذا إن أريد بالمعرفة مطلق الشعور لا النظر في الأول نظر فيه بأن تسمية الثاني معرفة مجاز وأل في الأعمال للعهد الذهني أي غير الأعمال العادية لعدم توقف صحتها على نية أو للاستغراق والعموم فيها مخصوص لخروج جزئيات من الأعمال عن الاحتياج إلى النية بأدلة

стр. 51

بالنياتِ، وإنما ــ مقررة كالواجب الغير المتوقف على نية من نحو قضاء دين وكف عن محرم، وكون المتروك لا بد فيه من قصد الترك إذا أريد به تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع ليس مما نحن فيه لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يعصى بتركها والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطرت فكف نفسه منها خوفاً من ربه فعلم أن المحتاج إليها هو العمل لا الترك المجرد وأن الترك متى اقترن به قصد بعينه كغسل النجاسة وترك المحرم احتاج إليها لا لصحته لحصول المقصود من الطهارة واجتناب المنهي بوجود صورته من غير نية بل لنيل ثوابه بقصده امتثال أمر الشارع فيه ولا تجب النية في عمل اللسان من نحو قراءة وذكر وأذان إذ ليس بعادي حتى يميز بالنية عنه وصرح الغزالي بحصول ثواب الذكر ولو مع الغفلة نعم تجب في قراءة ومثلها كل ذكر نذره ليتميز الفرض من غيره. قوله: (بالنيات) وفي نسخة بالنية وهي رواية ثابتة والنية بالتشديد مصدر من نوى قصد فهي قصد الشيء مقترناً بفعله إلاَّ في الصوم والزكاة للعسر فإن تقدم على الفعل سمي عزماً وقيل من نأى إذا بعد لأن النية وسيلة لحصول المنوي مع بعده لعدم الوصول إليه بالجوارح وحركاتها الظاهرة وأصلها نوية فأعل كإعلال سيد، وقد تخفف قيل من ونى إذا فتر لاحتياج تصحيحها إلى بطء واستبعد بأن مصدره وني لا نية والباء للسببية أي وجود الأعمال شرعاً مستقر أو ثابت على المعنى اللغوي وقد بين بطلانه بل قال البلقيني الأحسن تقدير المتعلق الكون المطلق ويصح كون الباء للملابسة قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين فعلى الأول هي جزء من العبادة وهو الأصح وعلى الثاني هي شرط وعكس في شرح المشكاة

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال بعد أن قدم في الباء احتمال كونها للسببية والمصاحبة: فعلى الأول هي شرط وعلى الثاني هي ركن. قال: كذا قيل وفيه نظر بل كل منهما محتمل للشرطية والركنية إذ كل منهما يقارن المشروط والماهية ويكون سبباً في وجوده ووضحه أن ركن الماهية مغاير لها مغايرة الجزء للكل فيصدق عليه المصاحبة كما تصدق عليه السببية وأما السببية فصادقة مع الشرطية وهو واضح لتوقف المشروط على الشرط ومع الركنية لأن ترك جزء من الماهية ينفي الماهية وجمعت في هذه الرواية باعتبار أنواعها من الوجوب تارة وغيره أخرى ومن قصد رضا الله فحسب ومع دخول الجنة أو بمقابلتها بالأعمال ولو في رواية العمل إذ هو عام لأنه مفرد محكي بأل وكل عمل له نية على حدته قال العاقولي في شرح المصابيح والتوزيع في هذه الصورة كما في قولهم ركب القوم دوابهم المقتضي للتوزيع على القوم دون ساروا فراسخ المقتضي أن الكل ساروها لا أنهم توازعوها اهـ، والفرق بين جمعي القلة والكثرة في النكرات لا في المعارف كما هنا وأفرد في رواية أخرى على الأصل في المصدر وفي التوشيح للسيوطي وفي معظم الروايات بالنية مفردًا قيل ووجهه أن محلها القلب وهو متحد فيناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر فيناسب جمعها اهـ، ومحلها القلب كما دل عليه الدليل السمعي كخبر التقوى ها هنا ولأن الإخلاص اللازم لها محله القلب اتفاقاً فلا يكفي النطق مع الغفلة عن استحضار المنوي بها نعم يسن النطق بها ليساعد اللسان القلب ولأنه ﷺ نطق بها في الحج فقسنا عليه سائر العبادات وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه وأيضاً فهو ﷺ لا يأتي إلاَّ بالأكمل وهو أفضل من تركه والنقل الضروري حاصل بأنه ﷺ لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره فثبت أنه أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين ومن ثم أجمع عليه الأمة في سائر الأزمنة وبما ذكر اندفع ما شنع به ابن القيم

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الهدي على استحباب التلفظ بالنية قبل تكبيرة الإحرام قيل لا بد من تقدير محذوف وهو المحصور وما قيل تقديره كوناً مطلقاً لا يفيد سبق رده فقال الأكثرون تقدر الصحة أي إنما صحة الأعمال وسائلها كالوضوء ومقاصدها كالصلاة ونحو البيع والطلاق بالنية لأن ظاهر اللفظ اقتضى انتفاء الحقيقة بانتفاء النية وهو غير واقع فقدر أقرب الأشياء إليه وهو نفي الصحة إذ هي أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال فكان الحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب حضوراً بالبال عند إطلاق اللفظ ومما يعين تقديرها أن الحصر فيها عام إلاَّ لدليل خبر لا عمل إلا بنية والخبر الصحيح إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاَّ أجرت عليها وخبر ابن ماجة إنما يبعث الناس على نياتهم ورواه مسلم بمعناه قال الطيبي ويؤيد تقدير الصحة أنه لو كان المقدر مستقرة أو حاصلة لكان بياناً للغة والنبي ﷺ بعث لبيان الشرع ورجح جانب الحمل على تقدير الصحة اهـ، وقد علمت مما مر أنه لا يلزم على تقدير مستقرة أو حاصلة كونه بياناً للغة فقط ففي قوله أنه لو كان المقدر إلخ ما فيه وزعم أن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد غير صحيح لأن آية الوضوء إنما فيها ذكر الفروض الأربعة من غير تعرض لنفي غيرها ولا إثباته فتقدير ما يوجب إثبات خامس لا نسخ فيه على أن نسخ الكتاب بخبر الواحد جائز كما قرر في الأصول وأيضاً فالكتاب دل على النية قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] إذ الإخلاص المأمور به لا يتحقق إلاَّ بالنية وقصر العبادة على التوحيد يحتاج لدليل وقال آخرون تقديره إنما كمال الأعمال لأنه تقليل للمجاز بخلاف الأول فإن نفي الصحة يستدعي نفي الكمال وغيره فيكثر المجاز ورد بأن نفي الكمال إنما هو بعد وجود الصحة فليس في تقديرها إلاَّ مجاز واحد فلا يكثر في إيثار الحقيقة وقال آخرون تقديره إنما اعتبار أو قبول مثلاً وهو أحسن لولا ما فيه من الإيهام لأنه يحتمل الاعتبار والقبول من حيث الصحة ومن حيث الكمال فيحتاج للترجيح من خارج

стр. 54

لِكُلِّ امرْئٍ ما نَوى، ــ وإطلاق القبول عليها صحيح كخبر لا يقبل الله صلاة أحدك حتى يتوضأ أي لا تصح وخبر من أتى عرافا لم تقبل صلاته أربعين يوماً أي لم يثب عليها وقال بعض المحققين إنه لا حاجة لتقدير فليس فيه دلالة اقتضاء بل اللفظ باقٍ على مدلوله من انتفائها حقيقة بانتفائها لكن شرعاً إذا الكلام فيه والتقدير إنما وجودها كائن بالنية فإذا انتفت النية انتفى العمل وهذه الحقيقة إنما تنتفي بانتفاء شرطها أو ركنها فيفيد مذهبنا من وجوبها في كل عمل إلاَّ أن يقوم دليل على خروج بعض الأعمال ويجري ذلك في خبر لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ونظائره. قوله: (لكل امرئ) بكسر الراء أي رجل وألحق به المرأة أو هنا بمعنى المرء والمرء بتثليث الميم وعينه تابعة للأمة وهو من الغرائب الإنسان أو الرجل كما في القاموس فعلى الأول لا قياس فدخل النساء فيه بالنص كذا في شرح المشكاة لابن حجر وما نقله عن القاموس من أن عين مرء المثلث الميم تابعة للأمة يقتضي تحريكها وهي ساكنة قال تعالى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] نعم إتباع العين اللام إنما ذكره الكوفيون في امرئ بالألف أوله ومثله ابنم وخالفهم البصريون. قوله: (ما نوى) يحتمل أن يكون موصولاً اسميًّا فيكون العائد محذوفاً أي نواه وإن يكون موصولاً حرفياً فلا عائد إذ ما المصدرية حرف عند سيبويه وهو المختار والحرف لا يعود عليه ضمير والمراد ليس للإنسان إلا جزاء منويه دون غيره ووصول نحو الصدقة للميت والدعاء إجماعاً مستثنى لأدلة أعلاها الإجماع وحكمته توسعة طرق الخير في نفع الميت وهذا من حصر الخبر في المبتدأ عكس ما تقدم إذ المحصور في إنما المؤخر دائمًا وهنا

стр. 55

فمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ــ سبب آخر للحصر وهو تقدم الخبر فتفيد هذه الجملة دون ما قبلها وجوب التعيين في نية ما يلتبس من طهارة وصلاة وزكاة دون ما لا التباس فيه وقيل إن مفاد الجملة الأولى إن صلاح العمل وفساده بحسب النية الموجدة له ومفاد الثانية إن جزاء العامل بحسب نيته من خير أو شر وقيل إن مفاد الثانية امتناع النيابة في النية الشامل له الجملة الأولى وصحة نية الولي عن الصبي والأجير عن المؤجر في الحج والوكيل عن موكله في نحو الزكاة لمعنى يخصه هو عدم تأهل المنوي عنهم لها في الأولين وتعينها في الأخير ومن ثم لو وكله في النية وحدها لم يصح وبما ذكر يعلم رد ما قيل الجملة الثانية مؤكدة للأولى تنبيهاً على سر الإخلاص اهـ، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يشذ عنهما شيء. قوله: (فمن كانت إلخ) الأشبه أن ما بعد الفاء تفصيل لبعض مفاد الجملة الثانية أي إذا تقرر أن لكل إنسان منويه من خير أو شر فلا بد من مثال يجمع الأعمال كلها أمرها ونهيها وهو الهجرة إذ هي متضمنة لذلك أما الكف عن المنهي فظاهر وقد ورد في الحديث والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وأما الأمر فلأنه لا يتم بل لا يمكن الإتيان به إلاَّ بهجرة دواعي النفس والهوى ولتضمن الهجرة لهذا المعنى العام آثر ﷺ ذكرها مفردًا له بالفاء الداخلة على الجزاء إن جعلت من شرطية أو على الخبر إن جعلت موصولة لمشابهة الموصول للشرط في العموم وتضمنه إياه فقال فمن كانت هجرته إلخ. فائدة قال العاقولي في شرح المصابيح فائدة هذا التفصيل أن الأعمال الشرعية توجب لصاحبها الصحة والثواب إذا اقترنت بالإخلاص فعلم من الأول أن صحة الأعمال لسقوط الفرضية عن المكلف تحصل بالنية وعلم من هذا التفصيل أن حصول الثواب مع الصحة يتوقف على الإخلاص في النية. قوله: (هجرته) هي لغة الترك

стр. 56

فَهجرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، ــ وشرعاً مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام ووجوبها باق وخبر لا هجرة بعد الفتح المراد لا هجرة من مكة بعد فتحها لصيرورتها دار إسلام وقول الخطابي الهجرة مفروضة قبل الفتح مندوبة بعده فالمنقطع فرضها والباقي ندبها نظر فيه بأن الهجرة من أرض الكفار وجوبها باق عندنا حيث لم يتمكن من إظهار دينه ثم، وتطلق الهجرة كما في أحاديث على ما نهى الله عنه وهجر المسلم أخاه والمرأة فراش زوجها وغير ذلك ويمكن إرادة ذلك كله هنا استعمالا للفظ في حقيقته ومجازه وليس هجر المسلم المراد محرماً دائماً بل قد يجب، ولا يضر في التعميم كون السبب خاصاً على ما نقل أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد فضيلة الهجرة إنما يريد التزوج بأم قيس فلذا قيل له مهاجر أم قيس ولذا عطف ﷺ المرأة على الدنيا في قوله وامرأة ينكحها إلاَّ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (فهجرته إلى الله ورسوله) أي من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً فهجرته إليهما ثواباً وأجراً أو فهجرته إليهما حكماً وشرعاً فهي تمييز للنسبة وهو يجوز حذفه لقرينة أو حال مبينة وظاهر كلام النحاة جواز حذفها لذلك أو مقبولة أو صحيحة فحصل التغاير بين الشرط والجزاء تقديراً أو فله ثواب من هاجر إليهما فأقيم السبب مقام المسبب وقيل لا يحتاج لتقدير محذوف إذا التغاير بين نحو المبتدأ والخبر وإن كان هو الأكثر لفظاً لكنه قد يكون معنى بدليل قرائن السياق بأن يراد بالثاني ما عهد ذهنا وبالأول ما وجد خارجاً على حد أنت أنت أي أنت الصديق الخالص ومنه "أنا أبو النجم وشعري شعري" أي شعري الآن هو شعري السابق المعهود لم يغيره الكبر ورجح بأن فيه تعظيماً كما أن في ضده الآتي تقبيحاً إذ اتحاد اللفظ فيما اعتبر تغايره يقصد لأحد ذينك ولم يقل إليهما استلذاذا بذكرهما وتبركاً وتعظيماً لهما وإشارة إلى أنه ينبغي في مقام الخطاب لا مطلقاً ألا يجمع

стр. 57

وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا ــ بينهما في ضمير ومن ثم قال ﷺ لخطيب قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي "بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله" ولا ينافيه جمعه ﷺ في خطبة النكاح في حديث أبي داود الآتي في أذكار النكاح لأن الخطيب لم يكن عنده من العلم بعظم الله تعالى وجلال كبريائه والوقوف على دلائل الكلام ما كان عند رسول الله ﷺ فمن ثم منعه لئلا يسري فهمه إلا ما لا يليق وإلى تفخيم هذه الهجرة وتعظيم شأنها، وترك ذكر الدنيا فيما يأتي أعراضاً عنها بالمرة ولخسة الهجرة إليها بالنظر إلى الهجرة إليهما إذ عطاء من يسعى لخدمة ملك تعظيماً له أجزل من عطاء من يسعى لأخذ كسرة من مأدبته و"إلى" هنا وفيما بعد متعلقة بهجرة إن جعلت كان تامة وبمحذوف هو خبرها إن قدرت ناقصة. قوله: (دنيا) فعلى بضم أوله وحكي كسره وجمعه دنى ككبرى وكبر من الدنو أي القرب لسبقها على الآخرة أو لدنوها إلى الزوال فهي اسم لهذا العالم المتناهي وفي القاموس الدنيا نقيض الآخرة وقال غيره هي ما على الأرض من الهواء والجو وقيل هيكل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة قال المصنف وهذا هو الأظهر وقد تطلق على كل جزء منها مجازًا وأريد بها هنا شيء من الحظوظ النفسانية من مال أو جاه ولا تنون لأن ألفها المقصورة للتأنيث وهي تأنيث أدنى وهي كافية في منع الصرف قال ابن مالك واستعمال دنيا منكراً فيه إشكال لأنها مؤنث أدنى أفعل تفضيل وحقه أن يستعمل باللام قال لأنها خلعت عنها الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفاً قط كرجعى وتنوينها في لغة شاذ وزعم أنه غير لغة مردود ثم المراد بكان في الخبر في الموضعين أصل الكون لا بالنظر لزمن مخصوص أو

стр. 58

يُصِيبُها أو امْرَأَةِ يَنْكِحُها ــ وضعها الأصلي من المضي أو هنا من الاستقبال لوقوعها في حيز الشرط وهو يخلص الماضي للاستقبال ويقاس به الآخر للإجماع على استواء الأزمنة في الحكم التكليفي إلا لمانع. قوله: (يصيبها) أي يحصلها، شبه تحصيلها عند امتداد الأطماع إليها بإصابة الغرض بالسهام بجامع سرعة الوصول وحصول المقصود ففيه استعارة تبعية أو استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات الإصابة التي هي من لوازم المشبه به استعارة تخييلية. قوله: (أو امرأة ينكحها) خصت بالذكر مع شمول دنيا لها لأنها نكرة في حيز الشرط وهي تعم وإن كانت مثبتة تنبيهاً على سبب الحديث وإن كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو كما في التوشيح للسيوطي ما رواه سعيد بن منصور في سننه بسند على شرط الشيخين عن ابن مسعود قال من هاجر يبتغي شيئاً فإن ما له ذلك مثل أجر رجل هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل له مهاجر أم قيس اهـ، وفي شرح المشكاة لابن حجر والسبب ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات خلافاً لمن زعم أنه لا أصل لما يذكرونه من السبب ولفظه عن ابن مسعود كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس قيل واسمها قتيلة بوزن قبيلة ولم يعين اسمه ستراً عليه وإن كان ما فعله مباحاً لما يأتي أو على أعظم فتن الدنيا قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] ولأنهن من أعظم الشهوات وقال ﷺ ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وذم طالب ما ذكر كما أشعر به السياق مع كون مطلوبه مباحاً لأنه أظهر قصد الهجرة إلى الله تعالى وأبطن خلافه وهذا ذميم قال تعالى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] ولا ينافي هذا

стр. 59

فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ" هذا حديث صحيح ــ الذم مدح أبي طلحة الأنصاري مع أنه لما خطب أم سليم قالت إني مسلمة وأنت كافر فلا تحل لي فأسلم وتزوجها وكان صداقها الإسلام لأن هذا الحديث وإن صح إلا أنه معلل إذ المعروف أن تحريم المسلمة على الكافر بين الحديبية والفتح لما نزل ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] كما في صحيح البخاري على أنه ليس فيه أنه أسلم ليتزوجها وإنما امتنعت حتى هداه الله للإسلام رغبة فيه لا فيها وكون الداعي إلى الإسلام الرغبة فيه لا يضره كونه يعلم حل نكاحها بذلك. قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) إلى الأولى ومجرورها متعلقان بالمحذوف خبر المبتدأ ويصح أن يكون المتعلق نفس المبتدأ والخبر محذوف والتقدير هجرته إلى ما ذكر قبيحة وأعاد ذكر الجلالة واسم الرسول في الجواب ثمة لما تقدم وترك ذلك في هذا المقام إظهاراً لعدم الاحتفال لأمر الدنيا والزوجة وتنبيهاً على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصده فكأنه قال إلى ما هاجر إليه وهو حقير مهين لا يجدي ولأن ذكرهما يستحلي عند العامة فلو كرر ربما علق بقلب بعضهم فيهش له ويظن أنه العيش الكامل فأضرب عنه صفحاً لإزالة هذا المحذور ومن ثم قال ﷺ تنبيهاً على ذلك في أسر المواطن وأشدها إن العيش عيش الآخرة أي لا تغتر بحسن العيش ولا تتعب لضيقه فإن الحياة الأبدية والنعم السرمدية نعم الآخرة. تنبيه قوله ﷺ فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها ظاهره أن الغرض الباعث هو الدنيا فحسب كما أن المهاجر إليه فيما قيل هو المقصود وحينئذٍ فلا يؤخذ من الحديث حكم الهجرة عند اجتماعهما خلافاً لمن زعم أنه يفيد حكمها وإن لها ثواباً وانه دون ثواب المهاجر لله وحده والمسألة طويلة الذيل وحاصل المسألة كما حرره بعض المحققين أن العمل إن صاحبه قصد محرم من رياء بأن أريد به غرض دنيوي فقط ولو مباحاً فهو حرام خالٍ عن الثواب وإن كان مشوباً به فكذلك وهذا محل قوله

стр. 60

متفق على صحته، ــ ﷺ يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء" هو للذي أشرك، وحمل الغزالي الإشراك فيه على المساواة محله في إشراك دنيوي لا رياء فيه على أن هذا لا يمنع مطلقاً كما يأتي ومحل قول العز بن عبد السلام متى اجتمع باعث الدنيا والآخرة فلا ثواب مطلقاً وإن طرأ الرياء في عمل عقده لله خالصاً فإن دفعه حالاً لم يضر اجماعاً وإلا فرجح أحمد وجماعة من السلف إثابته عملاً بنيته الأولى ومحله إن كان العمل مرتبطاً آخره بأوله كالصلاة وإلا كالقراءة فلا ثواب بعد الرياء أما إذا صاحبه غير محرم كأن حج بقصد الحج والتجارة فنقل عن ابن عبد السلام منع الثواب مطلقاً وعن الغزالي اعتبار الباعث فإن غلب باعث الدنيا أو تساويا فلا ثواب وقول الشافعي وأصحابه من حج بنية التجارة كان ثوابه دون ثواب المتخلى عنها يقتضي ثوابه على القصد المديني وإن قل ويؤيده عموم قوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وكلام الإحياء في مواضع وكذا كلام غيره يتبين منه صحة ذلك اهـ. قوله: (متفق على صحته) قال القلقشندي في شرح عمدة الأحكام أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده والبخاري في سبعة مواضع من صحيحه ومسلم في كتاب الجهاد من سبعة أحرف وأبو داود في الطلاق والترمذي وأبو عوانة في الجهاد والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود في الطهارة وابن ماجة في الزهد وابن حبان في صحيحه والطحاوي في الصيام من شرح معاني الآثار والبيهقي في سننه كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب ووهم ابن دحية في زعمه أن مالكاً أخرجه في الموطأ اهـ. فائدة قال المصنف في الإرشاد إذا قالوا في حديث متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفق البخاري ومسلم على روايته لا يعنون اتفاق الأمة قال الشيخ يعني ابن الصلاح لكن اتفاق الأمة

стр. 61

مجمع على عِظَم موقعه وجلالته، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ ــ حاصل من ذلك لأنها اتفقت على ما روياه أو أحدهما بالقبول سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض الحفاظ اهـ، "قلت" وقد أجاب عنها آخرون وفي شرح المشكاة لابن حجر الهيتمي وهذا الحديث مجمع على صحته وما أشار إليه ابنا ماكولا وجرير مما يقتضي القدح فيه لا يلتفت إليه بل قيل أنه متواتر لكن ليس على إطلاقه كما علم مما تقدم أنه غريب باعتبار أوله متواتر باعتبار آخره وشرط التواتر وجود من يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل طبقة إلى أن ينتهي إلى محسوس وذلك مفقود هنا كما سبق. فائدة روي الحديث عن عمر تسعة غير علقمة وعن علقمة اثنان غير التيمي وعن التيمي أربعة غير يحيى ولم يصح من طرقه غير ما سبق وقد أطال الكلام البلقيني فيما يتعلق بتفرد علقمة به عن عمر وتفرد محمد بن إبراهيم به عن علقمة ويحيى بن سعيد عن محمد فراجعه فهو نفيس. قوله: (مجمع على عظم موقعه وجلالته) قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين وعلى أنه أصل عظيم من أصول الدين ومن ثم خطب به ﷺ كما في رواية البخاري ثم عمر قال أبو عبيد ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه قال أبو داود أنه نصف العلم وقال إمامنا الشافعي إن هذا الحديث يدخل فيه نصف العلم أي لأنه متعلق بعمل القلب المقابل بعمل الجوارح بل ذاك أجل وأفضل بل هي الأصل فكانت نصفاً بل أعظم النصفين قال في شرح المشكاة فهو على حد حديث إن الفرائض نصف العلم لتعلقها بالموت المقابل للحياة وقال كثير منهم الشافعي أنه ثلث الإسلام أو العلم ووجهه البيهقي بأن كسب العبد إما بقلبه كالنية أو بلسانه أو بقية جوارحه والأول أحد الثلاثة بل أرجحها لتبعيتها له صحة وفساداً ولأنه عبادة بانفرادها ومن ثم ورد في خبر ضعيف لا موضوع خلافاً لزاعمه وفي شرح المشكاة طرقه مضعفة لكن يتقوى بمجموعها "نية المؤمن خير من

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمله" وفي رواية أبلغ وفي أخرى زيادة وأن الله ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله أي لأن النية لا يطرقها الرياء بخلاف العمل ويدل لخيريتها أيضاً خبر آخر عند أبي يعلى "يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا - الحديث" ولا يعارضه خبر من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشراً الموهم إن العمل خير منها لأن كتابة العشر ليست على العمل وحده بل عليه معها، ومن خيرية النية على العمل اقتضاؤها تخليد المؤمن في الجنة إذ المؤمن ناوِ الإيمان دائماً فقوبل التأبيد بالتأبيد ولو نظر إلى العمل لكان الثواب بقدره ومثله الكافر في العقاب وقيل النية خير من العمل بلا نية لا معها لئلا يلزم خيرية الشيء مع غيره على نفسه وسبب خيريتها أنها عمل قلبي سالم من تطرق نحو الرياء مع إن تنوير القلب المقصود بالطاعات بالنية أكثر لأنها صفته وقيل الضمير في عمله لكافر معهود وهو السابق لبناء قنطرة عزم مسلم على بنائها وقيل ليس خير في ذلك الخبر أفعل تفضيل. والصحيح أن نية السيئة لا عقاب عليها إلاَّ إذا انضم إليها عزم أو تصميم ونية الحسنة وإن كانت كذلك إلا أن ناوي الحسنة كذلك يثاب عليها وعلى نيتها بخلاف نية السيئة مع ذلك فإنه معاقب على نيتها لا عليها ومعنى ثوابه على الأولين أنه يكتب له حسنة عظيمة لكن باعتبارين لا التضعيف إلى عشر فأكثر فإنه خاص بمن فعل كما صرح به خبر ومن عملها كتبت له عشراً المخصوص بقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، والحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام واختلف فيها فجعلها أبو داود أربعة هذا، ومن حسن أسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والحلال بين والحرام بين، وازهد في الدنيا يحبك الله وقد نظمها كذلك أبو الحسن طاهر بن المفوز فقال: عمدة الناس عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البريه اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه

стр. 63

وكان السلف وتابعوهم من الخلف ﵏ يستحبُّون استفتاح المصنفاتِ بهذا الحديث، تنبيهاً للمطالع على حسن النية، واهتمامه ــ وقال أحمد أصول الإسلام ثلاثة أحاديث هذا والحلال بين إلخ ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد قال الشافعي أنه أي حديث الباب يدخل في سبعين باباً من الفقه ولم ير المبالغة خلافاً لمن توهمه لأن من تدبر مسائل الفقه في متفرق الكتب الفقهية وجدها كذلك بل تزيد. قوله: (وكان السلف إلخ) في النهاية السلف في اللغة من تقدم بالموت من آباء الإنسان وأقاربه ولذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح اهـ. وفيها: الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلاَّ أنه بالتحريك في الخير والتسكين في الشر يقال خلف صدق وخلف سوء ومعناهما جميعاً القرن من الناس. قوله: (حسن النية) في نسخة صدق النية وفي أخرى صحة النية والمراد التنبيه على تصحيح النية وتصفية الطوية بالإخلاص في الأعمال لرب البرية قال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح والأعمال لا تصح بلا نية لأن النية بلا عمل يثاب عليها والعمل بلا نية هباء ومثال النية في العمل كالروح في الجسد فلا بقاء للجسد بلا روح ولا ظهور للروح في هذا العالم من غير تعلق بجسد وفي ذلك أنشدنا الصدر السعيد كمال الإسلام عبد الله الخجندي ﵀ لنفسه: اغرس نوى البر بأرض التقى ... به ثمار الخلد مجنيه واخلص النية في سقيها ... فإنما الأعمال بالنيه اهـ. وما أحسن قول التاج السبكي يمدح المصنف وفيه جناس تام لفظاً وخطاً. لله درك يا نوى ... ووقيت من شر النوى فلقد نشا بك عالم ... لله أخلص ما نوى وعلى سواه فضله ... فضل الحبوب على النوى

стр. 64

بذلك والاعتناء به. روينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مَهْدي رحمه الله تعالى: من أراد أن يصنِّف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: كان المتقدِّمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث "الأعمال بالنية" أمام كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة ــ قوله: (بذلك) أي بحسن النية وعلى نسخة بصحة النية فالمشار إليه مؤنث وتذكير اسم الإشارة باعتبار ما ذكر. قوله: (الإمام) بكسر الهمزة في الأصل كل مقتدى به في خير أو شر ثم غلب في المقتدى به في الخير ويجمع على أئمة كسنان واسنة. قوله: (ابن مهدي) بفتح الميم وإسكان الهاء وكسر الدال. قوله: (الخطابي) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبالموحدة بعد الألف واسمه حمد بصيغة المصدر. قوله: (يستحبون إلخ) قال الفاكهاني في شرح عمدة الأحكام ومثل هذا الحديث في اعتبار النية قوله ﷺ إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم قلت وفي رواية ولكن ينظر إلى نياتكم قال وكلاهما يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] والمراد من ذلك أن تكون أفعال العبد وأقواله متمحضة لإرادة التقرب إلى الله تعالى أعاننا الله على ذلك. قوله: (من أمور الدين) الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات دنيا وأخرى وترادفه الملة وقيل بل هي غيره فهي المنزلة من عند الله إلى أنبيائه والدين العمل بذلك والمعروف المشهور ترادفهما وكذا ترادف الإسلام والشريعة والشرع والناموس إذ هي متحدة بالحقيقة وإن اختلفت بالاعتبار إذ هو من حيث إنه يدان أي يخضع له يسمى ديناً ومن حيث إنه

стр. 65

إليه في جميع أنواعها. وبلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما يُحفَظُ الرجلُ على قدر نيته. وقال غيره ــ يجتمع عليه وعلى أحكامه على من يكتبها يسمى ملة فهي من الإملاء وقيل من أمل بمعنى اجتمع ومن حيث إنه يرده الواردون المتعطشون إلى زلال نيل الكمال يسمى شريعة ومن حيث إنه أظهره الشارع شرع ومعنى شرع ظهر والشريعة الطريق الظاهر ومورد الماء قال ابن رمضان في شرح العقائد وغيره ومن حيث إنه يأتي به ملك يسمى ناموساً قال غيره ومن حيث إنه يرجع إليه يسمى مذهباً ومن حيث إنه يستسلم له يسمى إسلاماً فالألفاظ المذكورة متحدة ذاتاً مختلفة اعتباراً ثم كما يطلب البدء بالحديث في كل أمر ينشأ من أمور الدين لما ذكره المصنف فكذلك ينبغي البدء به في أمر الدنيا ليصير بالنية الحسنة طاعة أو يسلم عن صيرورته معصية وشناعة وكأن الاقتصار على الدين لكونه الأصل المتين. قوله: (إليه) أي الحديث. قوله: (جميع أنواعها) أي أنواع الأمور الدينية وفي نسخة أنواعه أي أنواع الدين. قوله: (وبلغنا عن ابن عباس) هو حبر الأمة وبحر القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵄ وهو المراد عند إطلاق لفظ ابن عباس وهو ابن عم رسول الله ﷺ الصحابي ابن الصحابي الهاشمي كنيته أبو العباس كني بابنه العباس وهو أكبر أولاده أمه لبابة بنت الحارث الهلالية دعا له رسول الله ﷺ بالحكمة والتأويل والفقه في الدين وحنكه حين ولد وبنو هاشم في الشعب محصورون وذلك عام الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل ابن عشر وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين قاله الواقدي وابن حنبل وغيرهما وقيل تسع وستين وقيل عام سبعين وقيل ثلاث وسبعين وضعفه حاكيه ابن الأثير بل قال إنه غريب ضعيف أو باطل وصلى عليه ابن الحنفية وقال اليوم مات رباني هذه الأمة قال

стр. 66

إنما يُعطى الناس على قدر نياتِهم. وروينا عن السيد الجليل أبي علي ــ ميمون بن مهران لما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض فوقع على أكفانه فدخل فيها فالتمس فلم يوجد فعرفوا أنه عمله، ولما سوى عليه التراب سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه يقول ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ [الفجر: ٢٧] الآية. روي لابن عباس عن رسول الله ﷺ ألف وستمائة وستون حديثاً اتفقا منها على خمسة وتسعين وانفرد البخاري بمائة ومسلم بتسعة وأربعين وهو أحد السبعة الذين روي لهم عن النبي ﷺ فوق ألف. وقد نظمهم من قال: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر أبو هريرة سعد جابر أنس ... صديقه وابن عباس كذا ابن عمر وكان من أكثر الناس فتوى وكان جسر القرآن كما سبق وقد ذكرت جملة من فضائله في كتابي ورد القلائد فيما يتعلق بزمزم وسقاية العباس من الفوائد. قوله: (إنما يعطى الناس إلخ) أي من نوى للمسلمين خيراً أعطيه وضده بضده الجزاء من جنس العمل وفي الخبر المرفوع كما تدين تدان وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وفي الخبر المرفوع ليس للمؤمن من عمله إلاَّ ما نواه ولا عمل إلاَّ بنية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥]، ففي الحديث لو إن رجلاً بعدن أبين هم بمعصية بمكة لأصاب من ذلك العذاب أو كما قال وقريب من حديث الباب حديث إن من عبادي من لا يصلحه إلاَّ الغنى ولو أفقرته لفسد حاله وإن من عبادي من لا يصلحه إلاَّ الفقر ولو أغنيته لفسد حاله. قوله: (عن السيد إلخ) فيه إطلاق السيد على غير الله تعالى وسيأتي جواز ذلك مطلقاً وعن النحاس كراهته إذا كان بأل وأصله سيود على وزن فيعل وقيل سويد على وزن فعيل الأول قول البصريين والثاني قول غيرهم كما ذكره الجوهري وأعل عليهما بالقاعدة الصرفية هي إن الواو

стр. 67

الفضيل بن عياض ﵀ قال: ترك العمل لأجل الناس رياء، ــ والياء إذا اجتمعا وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء وإدغام الياء في الياء وسيأتي بيان معناه وفي النهاية شيخ جليل أي مسن اهـ، والمراد هنا جلالة العلم والتقى وفي إتيانه بالوصفين المذكورين التنبيه على ما أشار إليه علماء الأثر من إن المحدث إذا ذكر من يروي عنه فينبغي إن يصفه بما يليق مما هو اهله من الأوصاف الجميلة كالصدق والأمانة والتنبيه أيضًا على سلوك الأدب مع العلماء الأعلام والتعظيم لهم إلى يوم القيامة فعاقبة ذلك الخير على الدوام والحذر من الإخلال بالأدب مع أحد من علماء الإسلام فإن ذلك سبب لحلول البلاء والانتقام. قال المصنف في شرح المهذب لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب فليحذر الذين يخالفون عن أمره إن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم اهـ. قوله: (الفُضيل بن عياض) بضم فاء وفتح ضاد معجمة مصغر فضل والألف واللام كما في الفضل والحارث للمح الصفة وعياض بكسر العين المهملة بعدها ياء خفيفة وضاد معجمة بعد الألف قال الذهبي في الكاشف فضيل بن عياض التميمي الخراساني الزاهد ثقة رفيع الذكر جاوز الثمانين مات في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة روى عنه ما عدا ابن ماجة من أصحاب السنين اهـ. قوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء) قال الشعراني في كتاب الأخلاق معناه إن لا يحب العمل إلاَّ في محل يجده فيه الناس فإن لم يجده ترك العمل أو كسل عنه اهـ. لكن قضية ما سيأتي للمصنف في النهي عن ترك العمل مخافة تطرق الرياء إن معنى قوله ترك العمل لأجل الناس رياء هو أن يترك الإنسان العمل مخافة أن يرى ويقال هواية عمل للرياء فترك

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العمل لذلك رياء بل ينبغي العمل والمجاهدة في الإخلاص والإعراض عن النظر إلى الناس وسئل السهروردي عمن يخشى العجب إن عمل والتعطيل إن لم يعمل هل الأولى ترك العمل لذلك أو يعمل وإن خاف ذلك فأجاب اعمل وإن خفت العجب مستغفراً منه إذا وقع فإن ترك العمل من مكايد الشيطان اهـ. وقرره الشيخ زكريا على وجه لطيف فقال ترك العمل لأجل الناس رياء من حيث يتوهم منهم أنهم ينسبونه إلى الرياء فيكره هذه النسبة ويحب دوام نظرهم له بالإخلاص فيكون حراماً بتركه محبة لدوام نسبته للإخلاص لا للرياء اهـ، قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر واعلم أن كثيرين ربما تركوا الطاعات خوفًا من الرياء وليس ذلك بمحمود مطلقاً، فإن الأعمال إما لازمة للبدن لا تتعلق بالغير ولا لذة في عينها كالصلاة ونحوها فإن كان باعثه نيته التقرب لكن عرض الرياء عند عقدها شرع فيها وجاهد نفسه في دفع ذلك العارض وكذا لو عرض في أثنائها فيرد نفسه قهراً للإخلاص حتى يتمها لأن الشيطان يدعوك للترك فإن لم تجبه وشرعت دعاك للرياء فإن لم تنظر إليه ندمك بعد تمام الفعل بكونك مرائياً ونحو ذلك لنترك ذلك الفعل فيحصل غرضه فاحذره، وإما متعلقة بالخلق وهذه تعظم آفاتها وأعظمها الخلافة ثم القضاء ثم التذكير ثم التدريس والإفتاء ثم إنفاق المال فمن لم تستمله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا يأخذه في الله لومة لائم وأعرض عن الدنيا جملة ولا يتحرك ولا يسكن إلاَّ إليه هو المستحق للولايات الدنيوية والأخروية ومن لا فهي عليه بأقسامها ضرر ولا يغتر الإنسان بما ورد في فضل ذلك فإن خطره عظيم ولسنا نأمر أحداً بترك الخير من ذلك إذ لا آفة فيه إنما الآفة في إظهاره بالتصدي له وعظاً وتدريساً بل نأمره معه بمجاهدة نفسه والتنزه عن خطرات الرياء فضلاً عن شوائبه وينبغي للضعفاء ترك الولايات رأسًا لخطرها ولا يترك الصلاة ونحوها أحد بل يجاهد نفسه في دفع شوائب الرياء عنها، وأما التصدي للعلوم فرتبة وسط لكنها بالولايات أشبه وللآفات أقرب فالحذر منها في حق الضعيف أسلم، وفضل قوم جمع المال على

стр. 69

والعمل لأجل الناس شرك، ــ الشغل بالذكر ومنهم من عكس والصواب إن آفاته كثيرة فمن خلص منها بأن جمعه من الحل وأنفقه في المحل بقصد وجه الله فالجمع والإنفاق له أفضل ومن لا فالأولى له ملازمة العبادات اهـ، ملخصاً ثم الرياء المذموم إرادة العامل بعمله غير وجه الله كأن يقصد إطلاع الناس على عبادته وكماله ليحصل له منهم مال أو جاه أو ثناء أو نحو ذلك من المقاصد الخسيسة ويطلق الرياء على أمر مباح وهو طلب نحو الجاه بغير عبادة كأن يقصد بزينة لباسه الثناء عليه بالنظافة وإنما لم يحرم هذا لأنه ليس فيه ما في النوع قبله من التلبيس بالدين والاستهزاء برب العالمين. وقد كان ﷺ إذا أراد الخروج يسوي عمامته وشعره وينظر وجهه في المرآة. قالت عائشة ﵂ أوتفعل ذلك يا رسول الله قال نعم إن الله يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم رواه ابن السني وهذا منه ﷺ عبادة متأكدة لأنه مأمور بدعوة الخلق واستمالة قلوبهم ما أمكنه فيلزمه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا يزدروه فيعرضوا عنه لامتداد أعين عامة الخلق إلى الظواهر دون السرائر فهذا قصده وفيه قربة أي قربة ويجري ذلك في العلماء ونحوهم إذا قصدوا بتحسين هيئاتهم نحو ذلك وقد وقع للعز بن عبد السلام أنه لما كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو محرم لا يمتثل منه فلما أحل ولبس لباس العلماء امتثل منه فمن تزين من أهل العلم بزينتهم لذلك أثيب فالأعمال بمقاصدها. قوله: (والعمل لأجل الناس شرك) قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر وجه كون الرياء الشرك الأصغر أن فيه استهزاء بالمعبود حيث أظهر أن العمل له وقصد قصده المنبئ عن اعتقادك في ذلك المقصودات أقدر على تحصيل غرضك من الله سبحانه فرفعت العبد العاجز على المولى القادر فمن ثم كان من الكبائر المهلكات وسماه رسول الله ﷺ الشرك الأصغر والفرق بين

стр. 70

والإخلاص أن يعافيَك الله منهما. وقال الإمام الحارث المحاسبي ﵀: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قَدْر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطِّلاع الناس على مثاقيل الذرِّ من حسن عمله، ولا يكره أن يطّلع الناس على السيء من عمله. وعن حذيفة ــ الشرك الأصغر الذي هو الرياء والشرك الأكبر الذي هو الكفر والعياذ بالله متجه يتضح بالمثال هو أن المصلي حتى يقال إنه صالح مثلاً يكون رياؤه باعثاً له على العمل لكنه في خلال ذلك العلم يقصد به تعظيم الله تعالى تارة ويغفل أخرى وفي كل منهما لم يصدر منه مكفر بخلاف الشرك الأكبر فإنه لا يحصل إلاَّ إذا قصد بالسجود مثلاً تعظيم غير الله تعالى فالمرائي نشأ له الشرك الخفي بواسطة أنه عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله ذلك العظم على أن يركع ويسجد لله ليراه الناس فيصل إلى قصده فكان ذلك المخلوق معظماً بالسجود من وجه وهذا عين الشرك الخفي لا الجلي إذ لا يقدم عليه إلاَّ مخدوع الشيطان لما أوهمه قدرة ذلك العبد الضعيف الذي لا يملك نفع نفسه على نفعه وضره أكثر مما يقدر تعالى عليه فعدل بوجهه وقصده إليه عن الله تعالى فأقبل يستميل قلبه فوكله الله إليه في الدنيا والآخرة ففي الحديث يقال لهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون فاطلبوا ذلك عندهم اهـ. باختصار. قوله: (والإخلاص إلخ) فتفرد الحق بالقصد وتقطع النظر عن الخلق قال السري لا تعمل للناس شيئاً ولا تعط لهم شيئاً ولا تكشف لهم شيئاً اهـ. قوله: (المحاسبي) قال المصنف في المجموع والتبيان هو بضم الميم قال السمعاني قيل له ذلك لأنه كان يحاسب نفسه وهو ممن جمع له علم الظاهر والباطن اهـ، لكن نقل المغني عن النووي أنه بفتح الميم أهو كذا رأيته مضبوطاً في هامش أصل صحيح من هذا الكتاب غير معزو لكتاب قال القشيري مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين اهـ. قوله: (الصادق هو الذي لا يبالي إلخ) زاد المصنف نقلاً عنه في التبيان فإن كراهته لذلك دليل

стр. 71

المرعشي ﵀ قال: الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. وروينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم ــ على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من إخلاص الصديقين اهـ، ثم إن المصنف ﵀ عقد الترجمة في الإخلاص وأورد مقالة المحاسبي في الصدق لتقاربهما وترجم في المجموع لهما لذلك فقال فصل في الإخلاص والصدق قال بعض العلماء الإخلاص والصدق متقاربان إلاَّ إن الإخلاص في ابتداء العمل وآخره والصدق في العمل وبعده ولذا قال الدقاق المخلص لا رياء له والصادق لا عجب له والعجب يخشى منه في العمل وبعده وفي شرح الرسالة القشيرية للشيخ زكريا قال ذو النون المصري الإخلاص لا يتم إلاَّ بالصدق فيه والصبر عليه والصدق يتم بالإخلاص فيه والمداومة عليه فبين الإخلاص والصدق تلازم فمن أخلص في مقام وصدق في سلوكه وصبر عليه حتى أحكمه نقله الله إلى ما فوقه وسئل عنهما الجنيد أهما واحد أم بينهما فرق فقال بينهما فرق الصدق أصل والإخلاص فرع والصدق أصل كل شيء والإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في الأعمال والأعمال لا تكون مقبولة إلا بهما اهـ، وفي حواشي شرح العقائد لابن أبي شريف الصدق استعمله السادة الصوفية بمعنى استواء السر والعلانية والظاهر والباطن بأن لا تكذب أحوال العبد أعماله ولا أعماله أحواله وجعلوا الإخلاص لازما له اعم، فقالوا كل صادق مخلص ولي كل مخلص صادقاً. قوله: (المرعشي) قال في التبيان بفتح الميم وسكون الراء وفتح العين المهملة وبالشين المعجمة اهـ. قوله: (الأستاذ) بضم الهمزة وبالذال المعجمة في الصناعة العلمية وبالمهملة في باقي الصنائع الدنيوية. قوله: (أبي القاسم) لا يخالف إتيانه بها ما صححه فيما يأتي من حرمة التكني بذلك مطلقاً أخذاً بعموم قوله ﷺ تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وإن كان سبب النهي عن الإيذاء الحاصل بذلك خاصاً بحياته ﷺ جرياً على القاعدة الأصولية إن العبرة بعموم اللفظ

стр. 72

القشيري ﵀ قال: الإخلاص: إفراد الحقِّ في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر: من تَصَنُّعٍ لمخلوق، أو اكتساب محمَدةٍ عند الناس، أو محبةِ مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقربِ إلى الله تعَالى. وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله ــ لا بخصوص السبب لما هو ظاهر من كون الحرمة إنما هو وضعها أولاً أما إذا وضعت لإنسان واشتهر بها فلا يحرم ذلك لأن النهي لا يشمله وللحاجة كما اغتفروا التلقيب بنحو الأعمش لذلك على إن مقتضى ظاهر ما سيأتي للمصنف من تأييد قول مالك بجواز ذلك بعمل الناس كذلك اختيار الجواز بعد وفاته ﷺ وسيأتي تحرير ما فيه. قوله: (القُشيري) بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون التحتية قال السمعاني نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة ينتسب إليها كثير من العلماء منهم مسلم صاحب الصحيح والأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أحد مشاهير الدنيا بالفضل والعلم والزهد وأولاده وأهله كلهم فضلاء اهـ. قوله: (أو معنى من المعاني) ظاهره ولو طلب ثواب أو نجاة من عقاب أو عتاب قال الأهدل في شرح دعاء أبي حربة اقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة من الله لا يقدح في الإخلاص وهذا يخالف ما نقله الإمام الرازي في تفسيره في سورة الأعراف عن المتكلمين وصوابه عن بعض المتكلمين أن من عبد الله ودعاه خوفاً أو طمعاً لم تصح عبادته وفي سورة الفاتحة لو قال أصلي للثواب وللهرب من العقاب فسدت صلاته اهـ، فإن كان المراد أنه عبد للثواب أو العقاب فلا شك في فساد صلاته بل في كفره لأنه عبد غير الله تعالى وإن كان المراد أنه عبد الله طمعاً في الثواب أو خوفاً من العقاب فهو غلو وقد علم من نصوص الشريعة في الكتاب والسنة الترغيب في العمل بذكر ثوابه والتخويف من تركه بذكر عقابه وهو دليل على قبول العمل طمعاً في الثواب وخوفاً من

стр. 73

التُّسْتَري ﵀: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره ــ العقاب فتأمل ذلك تجده كثيراً وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مختصر الرعاية إرادة الله بالأعمال الصالحة ستة أقسام أحدها أن يعمل له طمعاً في ثوابه الثاني أن يعمل خوفاً من عقابه الثالث أن يعمل له حياء منه الرابع أن يعمل له حباً وودًا الخامس أن يعمل له إجلالاً وتعظيماً عن المخالفة السادس أن يضيف بعض هذه الأغراض إلى بعض اهـ. فصحح الشيخ العمل في هذه الأقسام كلها ومعنى الخامس من الأقسام أن يعمل لله أمثالا لأمره تعظيماً له وإجلالاً له ولا يخطر بباله طمع في الثواب ولا خوف من العقاب وهذا أولى بالصحة من سائر الأقسام وهو أفضلها والله أعلم. قوله: (التُّستَري) بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة منسوب إلى تستر المدينة المعروفة كذا في التبيان للمصنف وفي لب اللباب في الأنساب كذلك وزاد تستر من كور الأهوار من خوارستان يقول لها الناس ششتر بشينين معجمتين أوله والمشهور بهذه النسبة سهل بن عبد الله بن يونس بن عبد الله سكن البصرة صاحب كرامات صحب ذا النون المصري توفي سنة ثلاث وثمانين اهـ، وفي الرسالة القشيرية توفي سنة ثلاث وثمانين وقيل ثلاث وسبعين ومائتين اهـ، ونقل الفتني في المغني عن القاضي عياض جواز ضم التاء الثانية. قوله: (نظرَ الأكياس إلخ) الأكياس جمع كيس أي أصحاب العقل وفي النهاية الكيس العاقل وقد كاس يكيس كيساً فهو كيس وكيس والكيس العقل اهـ، وفي التهذيب للمصنف نقلا عن صاحب المحكم كاس كيساً فهو كيس وكيس والجمع أكياس قال سيبويه كسروا كيساً على أفعال لشبهها بفاعل ويدلك على أنه فعيل أنهم قد سلموه ولو كان فعلا لم يسلموه والأنثى كيسة وكيسة اهـ، ويطلق الكيس على معاني أخر لا حاجة بنا لبيانها والنظر هنا بمعنى

стр. 74

وعلانيته لله تعالى، لا يمازجه نفس ولا هوى ولا دنيا. وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق ﵀ قال: الإخلاص: التوقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقي عن مطاوعة النفس، فالمخلص لا رياء له، ــ التفكر والتدبر في الشيء قال الكرماني في شرح البخاري النظر إذا استعمل بفي فهو بمعنى التفكر وباللام بمعنى الرأفة وبإلى بمعنى الرؤية وبدون الصلة بمعنى الانتظار نحو ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] اهـ، وقال ابن رمضان في شرح الشرح يقال نظر إليه ونظر فيه إذا تفكر بقلب اهـ، وفي مفردات الراغب نظرت في كذا تأملته قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. قوله: (وعلانيته) في مفردات الراغب العلانية ضد السر وأكثر ما يقال ذلك في المعاني دون الأعيان يقال أعلنته فعلن قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩] اهـ، وقال الجوهري يقال علن الأمر يعلن علوناً وعلن الأمر أيضًا بالكسر يعلن علنا حكاه ابن السيد وأعلنته أنا إذا أظهرته اهـ، والعلانية بتخفيف التحتية مصدر كطواغية. قوله: (ولا هوى) الهوى مقصور ميلان النفس لما يستلذ من غير داعية الشرع وقال البيضاوي الهوى رأي يتبع الشهوة قال في النهاية يقال هوى يهوى هوى اهـ، أي من باب فرح والهواء ممدود ما بين السماء والأرض والجمع أهوية. قوله: (التوقي) تفعل من الوقاية أي التحفظ والتكلف فيه كما يؤذن به الصيغة. قوله: (عن ملاحظة الخلق) بألا يفرح برؤيتهم لما هو فيه من العمل ليمدحوه أو يصلوه أو لئلا يستعصوه ولا يخفى ما بين قوله هنا التوقي وفيما يأتي التنقي بالنون من المحسن البديعي. وقوله: (من مطاوعة النفس) بأن يتخلص من الإعجاب بألا يستحسن عمله ولا يضيفه لنفسه قال القشيري مختصراً للعبارة المذكورة يصح أو يصلح أن يقال الإخلاص تصفية الأعمال عن ملاحظة المخلوقين. قوله: (لا رداء له) أي وذلك لعدم نظره إلى

стр. 75

والصادق لا إعجاب له. وعن ذي النون المصري ﵀ قال: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذمّ من العامَّة، ــ الخلق وقصره نظره على الحق. قوله: (لا إعجاب له) أي وذلك لعدم رؤياه نفسه فلا يرى لها حالاً ولا مقاماً حتى يعجب به زاد الأهدل نقلا عنه قوله والعجب يخشى منه في العمل وبعده ثم قال وهذا بناء على الفرق بين الإخلاص والصدق ويحتمل عنده أن يقال الفرق بين الصدق والإخلاص أن الإخلاص تصفية العمل من الشوائب والصدق عدم الالتفات إلى العوارض والعوائق ثم قال بعد ذكر الفرق بين الإخلاص والصدق وقد يتداخلان لقرب المعاني اهـ. قوله: (استواء المدح والذم من العامة) أي من جميع الناس لا من بعضهم فقط لمعنى يخصه وهذا أول درجات الإخلاص وهو السلامة من الرياء قال العارفون من فرح بالمدح أو رضي به فهو محجوب قالوا ومن خفي الرياء أن يخفى بحيث لا يريد الاطلاع على عمله ولا يسره ذلك ولكنه يحب أن يبدأ بالسلام ويقابل بالإعظام ومتى قصر أحد معه في ذلك ثقل عليه لثقل طاعاته التي أخفاها عند نفسه فكأن نفسه تطلب أن تحترم في مقابلة ذلك حتى لو فرض أنها لم تفعل تلك الطاعات لما كانت تطلب تلك المقامات وقالوا كل من وجد في نفسه فرقاً بين اطلاع الصغار والمجانين واطلاع غيرهم على عباداته فعنده شوب من الرياء إذ لو علم إن الله هو الضار النافع القادر على كل شيء وغيره العاجز عن كل شيء لاستوى عنده الصغار والكبار ولم يتأثر بحضور كبيرهم ولا صغيرهم والحاصل أنه مهما لم يكن وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله تعالى ولم يخل من شوب خفي الرياء قال الغزالي ويوشك أن يحبط الأجر اهـ، فعلامة الإخلاص استواء مدح القوم عنده وذمهم لأنه صفي ذمته عن ملاحظة الأغيار واكتفى بعلم عالم الأسرار ومن كان كذلك استوى عنده المدح الصادر من الخلق والقدح فأقبل على
следующие страницы →