← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرعشي ﵀ قال: الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. وروينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم ــ على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من إخلاص الصديقين اهـ، ثم إن المصنف ﵀ عقد الترجمة في الإخلاص وأورد مقالة المحاسبي في الصدق لتقاربهما وترجم في المجموع لهما لذلك فقال فصل في الإخلاص والصدق قال بعض العلماء الإخلاص والصدق متقاربان إلاَّ إن الإخلاص في ابتداء العمل وآخره والصدق في العمل وبعده ولذا قال الدقاق المخلص لا رياء له والصادق لا عجب له والعجب يخشى منه في العمل وبعده وفي شرح الرسالة القشيرية للشيخ زكريا قال ذو النون المصري الإخلاص لا يتم إلاَّ بالصدق فيه والصبر عليه والصدق يتم بالإخلاص فيه والمداومة عليه فبين الإخلاص والصدق تلازم فمن أخلص في مقام وصدق في سلوكه وصبر عليه حتى أحكمه نقله الله إلى ما فوقه وسئل عنهما الجنيد أهما واحد أم بينهما فرق فقال بينهما فرق الصدق أصل والإخلاص فرع والصدق أصل كل شيء والإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في الأعمال والأعمال لا تكون مقبولة إلا بهما اهـ، وفي حواشي شرح العقائد لابن أبي شريف الصدق استعمله السادة الصوفية بمعنى استواء السر والعلانية والظاهر والباطن بأن لا تكذب أحوال العبد أعماله ولا أعماله أحواله وجعلوا الإخلاص لازما له اعم، فقالوا كل صادق مخلص ولي كل مخلص صادقاً. قوله: (المرعشي) قال في التبيان بفتح الميم وسكون الراء وفتح العين المهملة وبالشين المعجمة اهـ. قوله: (الأستاذ) بضم الهمزة وبالذال المعجمة في الصناعة العلمية وبالمهملة في باقي الصنائع الدنيوية. قوله: (أبي القاسم) لا يخالف إتيانه بها ما صححه فيما يأتي من حرمة التكني بذلك مطلقاً أخذاً بعموم قوله ﷺ تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وإن كان سبب النهي عن الإيذاء الحاصل بذلك خاصاً بحياته ﷺ جرياً على القاعدة الأصولية إن العبرة بعموم اللفظ

стр. 72

القشيري ﵀ قال: الإخلاص: إفراد الحقِّ في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر: من تَصَنُّعٍ لمخلوق، أو اكتساب محمَدةٍ عند الناس، أو محبةِ مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقربِ إلى الله تعَالى. وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله ــ لا بخصوص السبب لما هو ظاهر من كون الحرمة إنما هو وضعها أولاً أما إذا وضعت لإنسان واشتهر بها فلا يحرم ذلك لأن النهي لا يشمله وللحاجة كما اغتفروا التلقيب بنحو الأعمش لذلك على إن مقتضى ظاهر ما سيأتي للمصنف من تأييد قول مالك بجواز ذلك بعمل الناس كذلك اختيار الجواز بعد وفاته ﷺ وسيأتي تحرير ما فيه. قوله: (القُشيري) بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون التحتية قال السمعاني نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة ينتسب إليها كثير من العلماء منهم مسلم صاحب الصحيح والأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أحد مشاهير الدنيا بالفضل والعلم والزهد وأولاده وأهله كلهم فضلاء اهـ. قوله: (أو معنى من المعاني) ظاهره ولو طلب ثواب أو نجاة من عقاب أو عتاب قال الأهدل في شرح دعاء أبي حربة اقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة من الله لا يقدح في الإخلاص وهذا يخالف ما نقله الإمام الرازي في تفسيره في سورة الأعراف عن المتكلمين وصوابه عن بعض المتكلمين أن من عبد الله ودعاه خوفاً أو طمعاً لم تصح عبادته وفي سورة الفاتحة لو قال أصلي للثواب وللهرب من العقاب فسدت صلاته اهـ، فإن كان المراد أنه عبد للثواب أو العقاب فلا شك في فساد صلاته بل في كفره لأنه عبد غير الله تعالى وإن كان المراد أنه عبد الله طمعاً في الثواب أو خوفاً من العقاب فهو غلو وقد علم من نصوص الشريعة في الكتاب والسنة الترغيب في العمل بذكر ثوابه والتخويف من تركه بذكر عقابه وهو دليل على قبول العمل طمعاً في الثواب وخوفاً من

стр. 73

التُّسْتَري ﵀: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره ــ العقاب فتأمل ذلك تجده كثيراً وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مختصر الرعاية إرادة الله بالأعمال الصالحة ستة أقسام أحدها أن يعمل له طمعاً في ثوابه الثاني أن يعمل خوفاً من عقابه الثالث أن يعمل له حياء منه الرابع أن يعمل له حباً وودًا الخامس أن يعمل له إجلالاً وتعظيماً عن المخالفة السادس أن يضيف بعض هذه الأغراض إلى بعض اهـ. فصحح الشيخ العمل في هذه الأقسام كلها ومعنى الخامس من الأقسام أن يعمل لله أمثالا لأمره تعظيماً له وإجلالاً له ولا يخطر بباله طمع في الثواب ولا خوف من العقاب وهذا أولى بالصحة من سائر الأقسام وهو أفضلها والله أعلم. قوله: (التُّستَري) بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة منسوب إلى تستر المدينة المعروفة كذا في التبيان للمصنف وفي لب اللباب في الأنساب كذلك وزاد تستر من كور الأهوار من خوارستان يقول لها الناس ششتر بشينين معجمتين أوله والمشهور بهذه النسبة سهل بن عبد الله بن يونس بن عبد الله سكن البصرة صاحب كرامات صحب ذا النون المصري توفي سنة ثلاث وثمانين اهـ، وفي الرسالة القشيرية توفي سنة ثلاث وثمانين وقيل ثلاث وسبعين ومائتين اهـ، ونقل الفتني في المغني عن القاضي عياض جواز ضم التاء الثانية. قوله: (نظرَ الأكياس إلخ) الأكياس جمع كيس أي أصحاب العقل وفي النهاية الكيس العاقل وقد كاس يكيس كيساً فهو كيس وكيس والكيس العقل اهـ، وفي التهذيب للمصنف نقلا عن صاحب المحكم كاس كيساً فهو كيس وكيس والجمع أكياس قال سيبويه كسروا كيساً على أفعال لشبهها بفاعل ويدلك على أنه فعيل أنهم قد سلموه ولو كان فعلا لم يسلموه والأنثى كيسة وكيسة اهـ، ويطلق الكيس على معاني أخر لا حاجة بنا لبيانها والنظر هنا بمعنى

стр. 74

وعلانيته لله تعالى، لا يمازجه نفس ولا هوى ولا دنيا. وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق ﵀ قال: الإخلاص: التوقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقي عن مطاوعة النفس، فالمخلص لا رياء له، ــ التفكر والتدبر في الشيء قال الكرماني في شرح البخاري النظر إذا استعمل بفي فهو بمعنى التفكر وباللام بمعنى الرأفة وبإلى بمعنى الرؤية وبدون الصلة بمعنى الانتظار نحو ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] اهـ، وقال ابن رمضان في شرح الشرح يقال نظر إليه ونظر فيه إذا تفكر بقلب اهـ، وفي مفردات الراغب نظرت في كذا تأملته قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. قوله: (وعلانيته) في مفردات الراغب العلانية ضد السر وأكثر ما يقال ذلك في المعاني دون الأعيان يقال أعلنته فعلن قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩] اهـ، وقال الجوهري يقال علن الأمر يعلن علوناً وعلن الأمر أيضًا بالكسر يعلن علنا حكاه ابن السيد وأعلنته أنا إذا أظهرته اهـ، والعلانية بتخفيف التحتية مصدر كطواغية. قوله: (ولا هوى) الهوى مقصور ميلان النفس لما يستلذ من غير داعية الشرع وقال البيضاوي الهوى رأي يتبع الشهوة قال في النهاية يقال هوى يهوى هوى اهـ، أي من باب فرح والهواء ممدود ما بين السماء والأرض والجمع أهوية. قوله: (التوقي) تفعل من الوقاية أي التحفظ والتكلف فيه كما يؤذن به الصيغة. قوله: (عن ملاحظة الخلق) بألا يفرح برؤيتهم لما هو فيه من العمل ليمدحوه أو يصلوه أو لئلا يستعصوه ولا يخفى ما بين قوله هنا التوقي وفيما يأتي التنقي بالنون من المحسن البديعي. وقوله: (من مطاوعة النفس) بأن يتخلص من الإعجاب بألا يستحسن عمله ولا يضيفه لنفسه قال القشيري مختصراً للعبارة المذكورة يصح أو يصلح أن يقال الإخلاص تصفية الأعمال عن ملاحظة المخلوقين. قوله: (لا رداء له) أي وذلك لعدم نظره إلى

стр. 75

والصادق لا إعجاب له. وعن ذي النون المصري ﵀ قال: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذمّ من العامَّة، ــ الخلق وقصره نظره على الحق. قوله: (لا إعجاب له) أي وذلك لعدم رؤياه نفسه فلا يرى لها حالاً ولا مقاماً حتى يعجب به زاد الأهدل نقلا عنه قوله والعجب يخشى منه في العمل وبعده ثم قال وهذا بناء على الفرق بين الإخلاص والصدق ويحتمل عنده أن يقال الفرق بين الصدق والإخلاص أن الإخلاص تصفية العمل من الشوائب والصدق عدم الالتفات إلى العوارض والعوائق ثم قال بعد ذكر الفرق بين الإخلاص والصدق وقد يتداخلان لقرب المعاني اهـ. قوله: (استواء المدح والذم من العامة) أي من جميع الناس لا من بعضهم فقط لمعنى يخصه وهذا أول درجات الإخلاص وهو السلامة من الرياء قال العارفون من فرح بالمدح أو رضي به فهو محجوب قالوا ومن خفي الرياء أن يخفى بحيث لا يريد الاطلاع على عمله ولا يسره ذلك ولكنه يحب أن يبدأ بالسلام ويقابل بالإعظام ومتى قصر أحد معه في ذلك ثقل عليه لثقل طاعاته التي أخفاها عند نفسه فكأن نفسه تطلب أن تحترم في مقابلة ذلك حتى لو فرض أنها لم تفعل تلك الطاعات لما كانت تطلب تلك المقامات وقالوا كل من وجد في نفسه فرقاً بين اطلاع الصغار والمجانين واطلاع غيرهم على عباداته فعنده شوب من الرياء إذ لو علم إن الله هو الضار النافع القادر على كل شيء وغيره العاجز عن كل شيء لاستوى عنده الصغار والكبار ولم يتأثر بحضور كبيرهم ولا صغيرهم والحاصل أنه مهما لم يكن وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله تعالى ولم يخل من شوب خفي الرياء قال الغزالي ويوشك أن يحبط الأجر اهـ، فعلامة الإخلاص استواء مدح القوم عنده وذمهم لأنه صفي ذمته عن ملاحظة الأغيار واكتفى بعلم عالم الأسرار ومن كان كذلك استوى عنده المدح الصادر من الخلق والقدح فأقبل على

стр. 76

ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة. وروينا عن القشيري ﵀ قال: أقل الصدق استواء السرِّ والعلانية. وعن سهل التستري: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره. وأقوالهم في ــ ما ينفعه من التقوى وصلاح العمل مخلصاً في ذلك وما أحسن قول الشاعر: بالله يا نفس اسمعي واعقلي ... مقالة قد قالها ناصح لا ينفع الإنسان في قبره ... إلا التقي والعمل الصالح وأوردهما الثعالبي في تفسيره لكن قال "مقالة من معزم ناصح" وأبدل إلاَّ بغير في البيت الأخير. قوله: (ونسيان رؤية الأعمال) هو بالرفع عطف على ما قبله وفي القواعد لابن عبد السلام فيما رأيت منقولاً عنها معناه ترك الأعمال والاستناد إلى شيء من المعارف والأحوال والأقوال والأعمال إذ لا ينجي شيء من ذلك صاحبه ولا اعتماد في ذلك كله إلَّا على الله اهـ، قال في الحرز المنير فسر بعض العارفين تقوى الله حق التقوى في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] إن تزد طاعته عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها اهـ. ويروى عن بعض العارفين من ظن أن يصل إلى الله تعالى بغير عمل فهو متمني، ومن ظن أن يصل إليه بعمل فهو متغني أي فالمريد يأتي بالأعمال بقصد الامتثال غير ملتفت إليها بالخاطر ولا مقبل عليها بالبال عسى إن يكون من أرباب الوصال فيوصله إليه بفضله لا بتلك الأعمال شغلا عنها بالإخلاص ففي الخبر لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلاَّ إن يتغمدني الله برحمته، فإذا كان دخول الجنة بمحض الفضل والإحسان فكيف بالقرب المعنوي والرضوان حق الله لنا ذلك بمنِّه وما ذلك على الله بعزيز. قوله: (واقتضاء ثواب العمل إلخ) هو بالرفع عطف على نسيان لقربه أو على استواء

стр. 77

هذا غير منحصرة، وفيما أشرت إليه كفاية ــ لأصالته وهذان الوجهان جائزان في أمثال ذلك وفي الراجح منهما عند عدم القرينة وجهان ذكرهما أبو حيان من غير ترجيح ورجح الملا عصام الدين كونه معطوفاً على الأول قال حفيده شيخنا العلامة عبد الملك العصامي وكأن سببه إن الأول متمحض للمتبوعية بخلاف ما بعده فإن فيه كونه تابعًا وكونه متبوعاً اهـ. قال السيد الأهدل معنى هذا الكلام إن المخلص يطلب ثواب عمله في الآخرة من دخول الجنة ونحوه ولا يطلب بعمله نفعاً في الدنيا ومنه يعلم أن اقتضاء ثواب العمل في الآخرة لا يقدح في الإخلاص اهـ، وهذا على إعرابه بالرفع كما ذكره هو أيضاً ولو جعل بالجر عطفاً على رؤية الأعمال ويكون علامة الإخلاص نسيان رؤية الأعمال ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة كما صنع الشيخ زكريا في شرح الرسالة لكان الكلام منبهاً على أقصى درجات الكمال في الإخلاص من أداء العبودية له تعالى لذاته لا طمعاً في الثواب ولا خوفاً من العقاب إلاَّ أنه قد يقال إنه لا يطابق قوله ثلاث من علامات الإخلاص لأنه حينئذٍ يكون المذكور منها اثنين إلاَّ أن يقال لما كان النسيان المذكور تحته شيئان عد علامتين والحاصل أن كلام ذي النون مقتضى لما قاله الأهدل وظاهر عموم كلام القشيري السابق يقتضي إعراض ذي الإخلاص عن كل شيء سوى القيام بوظيفة الخدمة الواجبة على العبد وفي المجموع للمصنف عن رويم ﵀ ذو الإخلاص لا يريد على عمله عوضًا من الدارين ولا حظاً من الملكين وعن أبي عثمان قال الإخلاص للعوام ما لا يكون للنفس فيه حظ وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتقاد اهـ. ولعل الخلاف في قدح ذلك في الإخلاص مبني على رتب الإخلاص فمنها ما يقدح فيه ذلك وهو إخلاص الخواص أي الإخلاص عن السوي وهو المقام العلي ومنها ما لا يقدح فيه ذلك وهو إخلاص العوام أي الإخلاص عن النظر للخلائق وهو دون ذلك إذ ليس من أتى الملك

стр. 78

لمن وفق. فصل: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقاً بل يأتي بما تيسَّر منه. لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إذَا أمَرتُكُم بِشَيء فأتوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ". ــ أداء لحقه كمن جاء لطلب شيء من مأدبته والله أعلم ثم رأيت الشيخ زكريا ذكر ذلك فقال في شرح رسالة القشيري درجات الإخلاص ثلاثة عليا ووسطى ودنيا فالعليا أن يعمل لله وحده امتثالا لأمره وقياماً بحق عبوديته والوسطى أن يعمل لثواب الآخرة والدنيا أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها وما عدا الثلاثة من الرياء إن تفاوتت أفراده اهـ. قوله: (لمن وقف) أي سلك به طريق الخير والهداية فيؤثر معه القليل ما لا يؤثر مع غيره. فصل قوله: (ينبغي) أي يطلب ومن ثم كان الأغلب استعمالها في الندب تارة والوجوب أخرى وقد تستعمل للجواز والترجيح و"لا ينبغي" قد تكون للتحريم والكراهة قاله بعض المحققين. قوله: (لمن بلغه شيء إلخ) ولو كان الخبر ضعيفاً لما يأتي في الفصل بعده من العمل بالضعيف بشرطه في أمثال ذلك وفي خبر ضعيف من بلغه عني ثواب فعمل به حصل له أجره وإن لم أكن قلته. قوله: (ولا ينبغي) أي على سبيل التنزيه إذ هو خلاف الأولى تارة ومكروه أخرى. قوله: (في الحديث المتفق على صحته) أخرجاه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وأخرجه ابن حبان كما ذكره الحافظ. قوله: (فافعلوا منه ما استطعتم) وفي بعض النسخ فأتوا منه وبهذا

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللفظ أورده المصنف في الأربعين وعزاه للصحيحين وعليه فحرف الجر مقدر أي ائتوا بما استطعتم أو ضمن ائتوا معنى افعلوا والإتيان بذلك على سبيل الوجوب في الواجب والندب في المندوب مقيداً بالاستطاعة أي الطاقة لأن المأمور به إخراجه من العدم إلى الوجود وذلك يتوقف على أسباب كالقدرة على الفعل ونحوه وبعض ذلك يستطاع وبعضه لا يستطاع فلا جرم سقط التكليف بما لا يستطاع منه لأن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف نفسا إلاَّ وسعها وأيضاً يصدق عليه حينئذٍ أنه امتثل الأمر المطلق مع الإتيان بالمستطاع الصادق عليه الاسم كيوم وركعتين في صم وصل فإن قيد أو وصف لم يصدق الامتثال إلاَّ بالإتيان به بجميع قيوده وأوصافه وإن كان من أشد التكاليف وهذا من قواعد الإسلام ومن جوامع كلمه ﷺ ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام والخطاب في قوله "وإذا أمرتكم الخ" ونحوه لا يختص بالموجودين عند وروده بل فيه شمول لمن بعدهم لما هو معلوم من الدين بالضرورة إن هذه الشريعة عامة إلى يوم القيامة ثم الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وأما قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فقيل منسوخ والأصح بل الصواب وبه جزم المحققون أنه مبين بالآية السابقة كما قاله المصنف وإنما يتم هذا على تصير حق تقاته باستفراغ الوسع في القيام بامتثال الأوامر واجتناب المحارم وأما على المشهور من تفسيره بأن يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى فلا وجه للنسخ فإن هذه لما نزلت تحرجت الصحابة ﵃ منها وقال أينا يطيق ذلك فنزلت تلك كذا في شرح الأربعين لابن حجر لكن في تفسير الجلالين ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول الله فمن يقدر على هذا فنسخ بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ اهـ، وفي تفسير ابن عطية قيل أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال آخرون لا نسخ بل الآيات متفقة فمعنى هذه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فيما استطعتم وذلك إن حق تقاته بحسب الأوامر

стр. 80

فصل: قال العلماء من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحبّ العمل ــ والنواهي وقد جعل الله الدين يسرا. وأما بكون ابن آدم لا يعصي أصلاً لا يفتر فأمر متعذر في جبلة البشر ولو كلف الله به لكان من التكليف بما لا يطاق ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية اهـ، وهو مخالف لحمل ابن حجر النسخ على تفسير الآية بالقيام بالأوامر واجتناب النواهي لا على تفسيرها بأن يطاع إلخ خلافاً لما في الجلالين وفي زاد المسير لابن الجوزي قال شيخنا علي ابن عبيد الله والاختلاف في نسخها وإحكامها يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها فالمعتقد نسخها يرى إن حق تقاته الوقوف على جميع ما يجب له ويستحقه وهذا يعجز الكل عن الوفاء به فتحصيله من الواحد ممتنع والمعتقد إحكامها يرى إن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسراً لا ناسخاً ولا مخصصاً اهـ. وسكت عن باقي الحديث وهو قوله ﷺ وما نهيتكم عنه فاجتنبوه لأن الاستدلال حصل بما ذكر. فصل قوله: (قال العلماء إلخ) قال الزركشي نقل المصنف في الجزء الذي جمعه في إباحة القيام الاتفاق فقال أجمع أهل الحديث وغيرهم على العمل في الفضائل ونحوها مما ليس فيه حكم ولا شيء من العقائد وصفات الله تعالى بالحديث الضعيف اهـ، وقال في الأربعين اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال اهـ، وقال ابن حجر من شرحه أشار بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه اهـ، وبه يعلم إن المراد بالإجماع والاتفاق في العبارتين واحد وممن قال بذلك أحمد بن حنبل وابن المبارك والسفيانان والعنبري وغيرهم وفي حواشي ابن الصلاح للزركشي نقل

стр. 81

في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً. ــ بعض الأثبات عن بعض تصانيف الحافظ ابن العربي المالكي أنه قال لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقاً اهـ، وفي شرح الأربعين لابن حجر أشار المصنف بحكاية الإجماع على ما ذكر إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تتلقى من الشرع فإثباتها بما ذكر اختراع عبادة وشرع في الدين ما لم يأذن به الله ووجه رده إن الإجماع لكونه قطعياً تارة وظنياً قوياً تارة أخرى لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جواب فكيف وجوابه واضح إذ ليس من باب الاختراع والشرع المذكورين إنما هو انتقاء فضيلة ورجاؤها بأمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه اهـ، ونازع بعض المتأخرين بأن جواز العمل مشكل إذ لم يثبت عنه ﷺ وإسناد العمل إليه يوهم ثبوته ويؤدي إلى ظن من لا معرفة له بالحديث الصحة فينقله ويحتج به وفي ذلك تلبيس اهـ، ولك أن تقول العمل في الحقيقة إنما هو بما اندرج هذا الخبر الضعيف تحت عمومه وإنما عمل لرجاء الفضل في هذا الخبر الضعيف فلا يلزم ما ذكر كيف ومن شرط العمل بالضعيف ألا يعتقد عند العمل به ثبوته وأما كلام الحافظ ابن العربي فيحمل على شديد الضعف المتفق على عدم العمل به كما أشار إليه السخاوي. قوله: (في الفضائل) قال في المجموع وغيره فضائل الأعمال وحذف هنا اما اكتفاء بالعلم من كون المقام لفضل العمل أو تنبيهاً على تعميم الفضائل الشاملة للعمل وغيره كما يدل له قولهم يجوز العمل بالضعيف فيما عدا الأحكام والعقائد. قوله: (والترغيب والترهيب) أي بسائر فنونه وكذا كل ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد كما قاله في الإرشاد. قوله: (ما لم يكن موضوعاً) وفي معناه شديد الضعف فلا يجوز العمل بخبر من انفرد من كذاب ومتهم بكذب ومن فحش غلطه فقد نقل العلائي الاتفاق عليه وفي صلاة النفل من المجموع ما يقتضي ذلك وبه صرح السبكي وبقي للعمل بالضعيف شرطان ذكرهما ابن عبد السلام

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابن دقيق العيد أن يكون له أصل شاهد لذلك كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية فلا يعمل به في غير ذلك وألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط وهذان الشرطان وانتفاء شدة الضعف ذكرها الحافظ ابن حجر مجموعة زيادة على ما ذكره المصنف من كونها في الفضائل ونحوها قال ابن قاسم في حاشية التحفة وشرط بعضهم ألا يعتقد السنية وفيه نظر بل لا وجه له لأنه لا معنى للعمل بالضعيف في مثل ما نحن فيه إلَّا كونه مطلوبًا طلباً غير جازم وكل مطلوب طلبًا غير جازم فهو سنة وإذا كان سنة تعين اعتقاد سنيته اهـ، ولا يقدح في اعتبار عدم اعتقاد ثبوته خبرًا ما ورد من الخبر الآخر من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأخذ به إيماناً به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك لضعفه أو لحمله على الظنيات التي لا تكون في نفس الأمر كذلك قاله السخاوي قال بعض المتأخرين من شراح الأربعين للمصنف هنا تحقيق مهم هو إن معنى قولهم يجوز العمل بالحديث الضعيف إلخ أن الراغب في الخير إذا سمع خبرًا مضمونه من عمل كذا كان له من الثواب كذا جاز أن يعمل ذلك العمل قصدًا لتحصيل ذلك الثواب وإن كان ذلك الحديث ضعيفاً وليس معناه أن يكون ذلك العمل مشروعاً استحباباً إذ الاستحباب أحد الأحكام ولا يثبت حكم شرعي بحديث ضعيف اهـ، قال الجلال الدواني في كتابه المسمى أنموذج العلوم اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وممن صرح به النووي سيما في كتاب الأذكار وفيه إشكال لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث كان فيه ثبوت الحكم بالحديث الضعيف، وأجيب عنه بما أحسنه أنه إذا وجد حديث ضعيف في عمل من الأعمال ولم يكن العمل محتمل الحرمة والكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا وجه للعمل به وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ العمل دغرغة الوقوع في المكروه وفي الترك مظنة ترك المستحب فينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفاً فحينئذ يترجح الترك على الفعل فلا يستحب العمل وإن كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به وفي صورة الماداة يحتاج إلى نظر تام والظن أنه يستحب العمل أيضًا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة استحباب لأجل الحديث الضعيف فجواز العمل مشروط بعدم احتمال الحرمة والاستحباب بما ذكر مفصلاً لكن هنا شيء وهو أنه إذا عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس للحديث الضعيف إذ لو لم يوجد جاز العمل إذ المفروض عدم احتمال الحرمة لا يقال الضعيف ينفي احتمال الحرمة لأنا نقول الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة وهي حكم شرعي فلا يثبت بالخبر الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرناه وإنما ذكر جواز العمل توطئة لاستحبابه وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج والاستحباب معلوم أيضاً من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في الدين فلم يثبت بالحديث الضعيف شيء من الأحكام بل أوقع الضعيف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به واستحباب الاحتياط معلوم من القواعد الشرعية كذا في بعض شروح الأربعين النووية وهو تحقيق نفيس جدًا ونقله الشنواني في حاشيته على شرح خطبة مختصر خليل للقاني وزاد بعضهم في شروط العمل بالضعيف ألا يعارضه حديث ضعيف ولا حاجة إليه لظهور أنه إذا تعارض

стр. 84

وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب أن يتنزه عنه، ــ حديثان ينظر إلى الترجيح ومعلوم أن الصحيح مقدم على الضعيف. قوله: (وأما الأحكام) ومثلها صفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه وتفسير كلامه وتردد الزركشي في تعيين المبهم إذا صح أصله في خبر آخر هل يتسامح في إسناده ويعمل بالضعيف فيه لأنه لا يتعلق بتعينه حكم شرعي أولاً ثم قال والأقرب التسامح ثم ما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل من العمل بالحديث الضعيف مطلقاً حيث لم يوجد غيره وأنه خير من الرأي حمل الضعيف فيه على مقابل الصحيح على عرفه وعرف المتقدمين إذ الخبر عندهم صحيح وضعيف لأنه ضعف عن درجة الصحيح فشمل الحسن وأما الضعيف بالاصطلاح المشهور أي ما لم يجمع شروط القبول فليس مراداً نقله ابن العربي عن شيخه وهو حسن به يندفع ما ذكر من الكلام في هذا الإمام قال الزركشي وقريب من هذا قول ابن حزم: الحنفية متفقون على أن مذهب أبي حنيفة إن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والظاهر أن مرادهم بالضعيف ما سبق اهـ. قوله: (إلا بالحديث الصحيح أو الحسن) أي سواء كان ذلك لذاته في كل منهما أو لغيره بأن انجبر ضعف ضعيف الحفظ الصدوق الأمين بمجيئه من طرق متعددة فصار حسناً لغيره فيحتج به فيما ذكر. قوله: (إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك) أي من الأحكام كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فالمستحب أن يتنزه عنه وكذا ما ذكره الفقهاء من كراهة استعمال الماء المشمس عملاً بخبر عائشة مع ضعفه لما فيه

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الاحتياط وترك ما يريب قال الزركشي ومما يجوز العمل فيه بالخبر الضعيف من الأحكام ما يكون الموضع موضع احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهرًا قال في كتاب القضاء من الروضة قال الصيمري لو سأل سائل فقال إن قتلت عبدي فهل علي قصاص فواسع إن قتلته قتلناك فعن النبي ﷺ من قتل عبده قتلناه ولأن القتل له معان قال وينبغي أن يستثني من منع العمل بالخبر الضعيف في الأحكام ما إذا لم يوجد سواه فقد ذكر الماوردي إن الشافعي احتج بالمرسل إذا لم يوجد دلالة سواه وقياسه في غيره من الضعيف خلافه وأما إذا وجد له شاهد مقو من كتاب أو سنة سواء كان باللفظ أو بالمعنى وذكر في شرح المهذب أنه يعمل بالضعيف إذا روى من طرق مفرداتها ضعيفة فإنها يقوى بعضها بعضاً ويصير حسناً ويحتج به وجواز العمل بالضعيف مع الشاهد المقوى دون الموضوع لأن للضعيف أصلاً في السنة وهو غير مقطوع بكذبه ولا أصل للموضوع فشاهده كالبناء على الماء اهـ، وفيما ذكره فيه ما فيه أما ما مثل به فليس فيه عمل بخبر ضعيف إنما فيه ذكره موهماً للسامع ليرتدع عن فعل ما أراد وأما ما استثناه فظاهر صنيع الأصحاب عدم الالتفات إلى الخبر الضعيف في الأحكام وإن لم يوجد غيره وأما ما عند تعدد طرقها فقد قال المحدثون الضعيف قسمان قسم ينجبر بتعدد الطرق وهو ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين فيزول بمجيئه من وجه آخر لدلالة ذلك على اختلال ضبطه وكذا إذا كان الضعف لكونه مرسلاً زال بمجيئه من وجه آخر مسنداً أو مرسلاً وعلى هذا القسم يحمل كلام المجموع فإنه عند التعدد يرتقي عن الضعف إلى الحسن لغيره ويصير مقبولاً معمولاً به حينئذٍ قال السخاوي ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف فالاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر أو بمسند ولو ضعيفاً كما قاله الشافعي والجمهور وقسم لا ينجبر وإن كثرت طرقه وهو ما كان ضعفه

стр. 86

ولكن لا يجب، وإنما ذكرت هذا الفصل لأنه يجيء في هذا الكتاب أحاديث منه أنص على صحتها أو حسنها أو ضعفها، أو أسكت عنها لذهول عن ذلك أو غيره، فأردت أن تتقرر هذه القاعدة عند ــ لكون راويه متهماً بالكذب أو فاسقاً أو نحو ذلك فلا يرتقي بتعدد الطرق عن رتبة الضعف إلى الحسن نعم يرتقي بذلك عن درجة المنكر أو ما لا أصل له قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر بل ربما تكثر الطرق حتى توصله إلى درجة المستور أو السيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر ضعيف ضعفه محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن اهـ، فإذا عرفت ذلك فالقسم الأول لا يستثني من الضعيف لأنه إنما عمل به في الأحكام بعد ارتفاعه لمرتبة الحسن والقسم الثاني الباقي في التعدد على ضعفه لا يعمل به والشاهد من الكتاب والسنة الصحيحة بصحة معناه هو الدليل في تلك الأحكام لا هذا الخبر الضعيف لضعفه في هذا المقام والله أعلم. قوله: (ولكن لا يجب) لكون الإيجاب من الأحكام التي لا تثبت إلا بالخبر المقبول وحينئذٍ فيكون فعل ما نهى عنه خلاف الأولى لا مكروهاً لأنه لا بد فيه من النهي المخصوص نعم إن ثبت فيه حديث مقبول بالنهي عنه ووجد ما يصرفه عن الحرمة كان مكروهاً قال الأصوليون الخلاف في شيء أمكروه هو أم خلاف الأولى اختلاف في وجود النهي المخصوص فيه كصوم يوم عرفة للحاج خلاف الأولى وقيل مكروه لحديث أبي داود وغيره أنه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وأجيب بضعفه عند أهل الحديث اهـ. قوله: (منه) أي الكتاب. قوله: (أو اسكت عنها لذهول إلخ) هذا يقيد به قوله السابق ولا أذكر من الأصول المشهورة أيضاً من الضعيف إلاّ النادر مع بيان ضعفه أي إن ذلك هو الغالب وإلاّ فربما سكت عنه لأمر مما ذكر من ذهول وهو فترة العالم عن معلوم ما في وقت ما لا بسبب معلوم آخر أو غيره من عدم تبين حاله حينئذ. قوله: (عن ذلك المشار إليه النص

стр. 87

مطالِع هذا الكتاب. فصل: اعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله، وقد ــ المدلول عليه بقوله النص إلخ، وأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد مع قرب المشار إليه لأنه غير مرئي فأشبه البعيد إذ هو كذلك فاستعمل فيه ما يشار به للبعيد وفي نسخة لذهول عنها أو غيره والتأنيث باعتار تضمن النص المذكور مرتبة الخير. قوله: (مطالع هذا الكتاب) مطالع بوزن اسم الفاعل ولو قرئ بفتح الميم جمع مطلع لاستقام بل كان فيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية شبه الكتاب بالقمر بجامع الاهتداء بكل فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات لازمه من المطالع استعارة تخييلية. فصل قوله: (حِلَق أهله إلخ) بكسر الخاء وفتح اللام جمع حلقة بإسكان اللام مثل قصعة وقصع وبدرة وبدر وهي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره والتحلق تفعل منها وهو أن يتعمدوا ذلك وقال الجوهري جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس وحكي عن أبي عمر وأن الواحد حلقة بالتحريك والجمع حلق بفتح الحاء وقال ثعلب كلهم يجيزه على ضعفه كذا في النهاية وفي المشارق للقاضي عياض قال الحريري فيه الحلق والحلقة بالسكون مثل تمر وتمرة اهـ. وفي الحرز الثمين نقلا عن الكشاف والحلق بفتح الحاء في الدرع ونحوها وبكسرها في الناس قال صاحب الكشاف ذكر الجوهري وابن الحاجب جواز الوجهين في كل من المعنيين ويمكن أن يكون تخصيص كل بما ذكر فيه لكونه فيه أشهر وأكثر منه في المعنى الآخر فتدبر، قيل ويجوز تنوين حلق ومد ألف آهلة وتنوينه بمعنى عامرة والمعنى في حلق عامرة يقال للقرية الكبيرة الآهل كما في

стр. 88

تظاهرت الأدلة على ذلك، وسترد في مواضعها إن شاء الله تعالى، ويكفي في ذلك حديث ابن عمر ﵄ ــ غريب أعيبد ويجوز قراءته بإضافة حلق إلى أهله بإسكان الهاء اهـ. وظاهر أن صحة الوجه الأول على تقدير الظرف المتعلق به وهو به والمعنى حضور حلق آهلة به أي عامرة بالذكر وحذف المتعلق لدلالة السباق والسياق عليه. قوله: (تظاهرت) بالهاء من الظهور أي كسى بعضها بعضاً قوة في الظهور وفي نسخة بالفاء. قوله: (ابن عمر) هو علم بالغلبة على عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وكان من فقهاء الصحابة ومفتيهم وزهادهم ولد قبل البعثة بسنة أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير وقيل قبله ولم يشهد بدراً وكان عمره عام أحد أربع عشرة سنة فاستصغره النبي ﷺ ولم يجزه ثم في عام الخندق بلغ خمس عشرة سنة فأجازه ولم يتخلف بعده عن سرية من سرايا رسول الله ﷺ وقال ﷺ لشقيقته حفصة لما أخبرته بما رآه عبد الله في المنام وهو مشهور في البخاري وغيره إن أخاك رجل صالح لو أنه يقوم الليل فما ترك قيام الليل بعد. وقال ابن مسعود إن من أملك قريش لنفسه ابن عمر، وقال جابر ﵁ ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها إلا ابن عمر وقال ابن المسيب مات يعني ابن عمر وما مات من الأرض أحد أحب إليّ أن ألقى الله بعمله منه، واعتزل الفتنة فلم يقاتل مع علي ولا معاوية بل ولع بالحج يومئذٍ وبعده وكان من أعلم الناس بالمناسك كثير الصدقة لا سيما بما استحسنه من ماله ولما عرفت إرقاؤه منه ذلك كانوا يقبلون على الطاعة ويلازمون المسجد فيعتقهم فقيل له إنهم يخدعونك فقال من يخدعنا بالله انخدعنا له وفي الإصابة للحافظ ابن حجر خرج يعني ابن عمر يوماً إلى بعضه متنزهات المدينة فحضر الغداء فمر عبد أسود راع فدعاه للطعام فقال إني صائم فقال أفي هذا اليوم الشديد الحر صيام وذلك منه على سبيل

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاعتبار فقال يوم القيامة أشد حراً. فقال هل لك إن تبيعنا من هذه الشياه ما نجعله عشاء نحضره معنا فقال إنها ليست لي وإنما أنا راع لها فقال ابن عمر وما يمنعك أن تبيعنا وتقول لسيدها أنها ماتت فذهب العبد وهو يقول فأين الله فأينَ الله فرجع ابن عمر إلى المدينة وسأل عن سيد العبد فشراه منه وشرى الغنم وأعتقه ووهبه إياه اهـ. قال نافع أعتق ألف رقبة أو أزيد، وحج ستين حجة واعتمر ألف عمرة وحمل على ألف فرس في سبيل الله وأفتى في الإسلام ستين سنة وتوفي بمكة عن ست وثمانين سنة شهيداً بتسليط من الحجاج عليه سنة ثلاث وسبعين وأوصى أن يدفن في الحل فلم تنفذ وصيته ودفن بذي طوى مقبرة المهاجرين وقيل بفخ وقيل بسرف وقيل بالمحصب وما اشتهر عند العوام بل وبعض الخواص من كونه مدفوناً بالمعلى بالجبل المقابل للحجون الثاني لا أصل له، روي له عن النبي ﷺ ألف وستمائة وثمانون حديثاً اتفقا منها على مائة وسبعين وانفرد البخاري بثمانين ومسلم بأحد وثلاثين وأشار المصنف بتثنية الضمير في قوله ﵄ إلى ما سيذكره في كتاب الصلاة على النبي ﷺ من أنه إذا ذكر صحابي ابن صحابي يثنى الضمير في الترضي ليعمهما هذا وقد عزا الخطيب التبريزي في المشكاة وابن همام في سلاح المؤمن وابن الجوزي في الحصين والسيوطي في الجامع الصغير والكبير تخريج هذا الحديث باللفظ الذي أورده المصنف إلى قوله فإن لله سيارات من الملائكة إلخ إلى ما أخرجه الترمذي من حديث أنس زاد صاحب السلاح وقال يعني الترمذي غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس اهـ، قال في الحرز الثمين ورواه عنه أحمد والبيهقي وأخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قلت وما رياض الجنة قال المساجد قلت وما الرتع يا رسول الله. قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر قال الترمذي حديث غريب قال المنذري في الترغيب وهو مع غرابته حسن الإسناد

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأخرجه الطبراني عن ابن عباس بلفظ وما رياض الجنة قال مجالس العلم اهـ، ومثله في الجامع الصغير وأخرجه في الكشاف والبيضاوي عنه ﷺ ولفظهما من أحب أن يرتع في رياض من الجنة فليكثر من ذكر الله. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف رواه ابن أبي شيبة وإسحاق والطبراني من حديث معاذ وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وأخرجه الثعلبي في تفسير العنكبوت وابن مردويه في تفسير الواقعة اهـ، وأخرجه القشيري في الرسالة من حديث جابر بسنده إليه ولفظه عن جابر قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال يا أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا وما رياض الجنة قال مجالس الذكر الحديث وسيأتي تخريجه عنه من حديث الحاكم لكن بلفظ يا أيها الناس إلخ وتتفق الروايتان على قوله اغدوا وروحوا إلى آخر الخبر. أما قوله إن لله سيارات إلخ فعزا صاحب السلاح وصاحب الحصين تخريجه إلى البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة قال في الحرز الثمين ولفظ البخاري إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عر وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. الحديث بطوله ولفظ مسلم إن لله سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا ولفظ الترمذي إن لله ملائكة سياحين في الأرض فضلاً عن الناس اهـ، وبه يعلم إن عزوهما الحديث للثلاثة المراد به الاتحاد في المعنى لا في اللفظ وهذه عادتهم كثيراً وفي سلاح المؤمن: وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال خرج النبي ﷺ فقال يأيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة يا رسول الله قال مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته من الله فلينظر كيف منزلة الله

стр. 91

قال: قال رسول الله ﷺ "إذا مَرَرْتُمْ بِرياضِ الجَنةِ ــ تعالى عنده فإن الله ينزل العبد من حيث أنزله من نفسه رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد اهـ، ولم يعز أحد من هؤلاء الحديث إلى ابن عمر في شيء من الطرق كما رأيت ولم يذكر المصنف من خرجه عن ابن عمر لكنه إمام حافظ ثبت عدل عمدة في الفهم والنقل والله أعلم. ثم رأيت في بهجة المحافل للعامري ما لفظه وروينا في جامع الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال حلق الذكر وأقره عليه شارحها الأشجر وهو عجيب فقد قال الحافظ ابن حجر في تخريجه لم أجده يعني الحديث من حديث ابن عمر ولا بعضه لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة ولكن وجدته من حديث أنس بلفظه مفرداً ومجموعاً ثم ساق ذلك بنحو ما أوردته وبه يعلم ما في عزو العامري الحديث إلى كتاب الترمذي فإن الحافظ إذا قال في حديث لا أعرفه أو نحو ذلك كان ذلك آية عدم وروده كما ذكره السيوطي في شرح التقريب وغيره وحينئذٍ فيبقى ما أوردته وأشرف إليه من أنه لم يخرجه عن ابن عمر أحد ممن ذكر ولله الحمد على موافقتي للحافظ في ذلك والله المعين. قوله: (برياض الجنة) قال الجوهري الروضة من البقل والعشب والجمع روض ورياض صارت الواو ياء لكسر ما قبلها اهـ، وسميت حلق الذكر رياض الجنة إطلاقاً للمسبب على السبب كما في شرح المشكاة لابن حجر فيكون مجازاً مرسلاً ويجوز كونه استعارة علاقته التشبيه والجامع حول الكمال في كل ويؤيده ما في "مسالك الحنفا في مشارع الصلاة على المصطفى للقسطلاني" وفي تشبيه حلق الذكر برياض الجن خمسة معانٍ وصف الله أهل الجنة بأنهم يؤتون ما اشتهوا وكذلك حلق الذكر ففي الخبر من شغله ذكري عن مسألتي، الحديث، وتسميته الجنة بالرحمة قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي

стр. 92

فارتَعُوا، قالوا: وَما رِياضُ الجَنةِ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: حِلَقُ الذكْرِ، فإنَّ لِلهِ تَعالى ــ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي جنته وزيارة الملائكة أهل الجنة قال تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وكذلك حلق الذكر لما في الخبر: وتنزلت عليهم الملائكة وسعادة أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨] فَى كذلك حلق الذكر ففي الخبر هم السعداء لا يشقى بهم جليسهم وإذا سعد بهم غيرهم فهم أولى بذلك وطيب قلوب أهل الجنة وحياتهم يقرب إلى الله تعالى قال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، في جنة عالية وأهل حلق الذكر كذلك قال تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] ومن طاب قلبه طاب عيشه اهـ. مع اختصار وهو من الحسن بمقدار وأجراه في الحرز الثمين على حقيقته فقال والمعنى إذا مررتم بجماعة يذكرون فاذكروا موافقة لهم أو اسمعوا أذكارهم فإنهم في رياض الجنة حالاً أو مآلاً قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] قيل جنة في الدنيا وجنة في العقبى. قوله: (فارتعوا) الرتع الاتساع في الخصب فشبه الخوض في ذكر الله بالرتع في الخصب كذا في النهاية وعليه فهو استعارة تبعية لأنه مجاز علاقته المشابهة وقيل إن قوله فارتعوا كناية عن الأخذ بالحظ الأوفر من الذكر والمراد إذا فعلوا ما يكون سبباً لحصول الجنة من التسبيح والتحميد ونحوهما وقد جاء إن الجنة قيعان وغراسها اذكاره تعالى وعليه فوضع الرتع موضع القول لأن هذا القول سبب لنيل هذا المرام. قوله: (حلق الذكر) تقدم في أول الفصل ضبطه قال بعض العلماء حديث الباب مطلق في المكان والذكر فيحمل المطلق على المقيد في الحديث أي كما ورد في رواية أبي هريرة السابقة قلت يا رسول الله وما رياض الجنة قال المساجد قلت وما الرتع قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر

стр. 93

سَيَّارَاتِ مِنَ المَلَائكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذكْرِ، فإذا أَتَوْا عَليهمْ حَفُّوا بِهِمْ". ــ وكما في رواية ابن عباس السابقة في مجالس العلم وقال في الحرز: الأظهر أن المطلق محمول على عمومه والمقيد محمول على الفرد الأكمل أو أريد به المثال فتأمل اهـ، وعليهما فيكون من باب قولهم ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه: . قوله: (سيارات) بالسين المهملة والتحتية المشددة وبعد الألف تاء قال في شرح مسلم أو سياحين وأخذ من وصفهم بما ذكر أنهم غير الحفظة لأنهم لا يفارقون الإنسان وهؤلاء السيارون ليس لهم وظيفة وإنما قصدهم حلق الذكر قال ابن الجزري في مفتاح الحصين وغيره وفي كتاب السلوة لابن الجوزي أما أعمال الملائكة فأكثرهم مشغول بالتعبد كما قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ومنهم موكل بعمل كحملة العرش وجبريل للوحي وإسرافيل صاحب اللوح والصور وعزرائيل قابض الأرواح ومنهم موكل بالشمس ومنهم موكل بالقطر ومنهم موكل بالرياح والأشجار ومنهم كتاب على بني آدم ومنهم سياحون في الأرض يتبعون أهل الذكر ومنهم من يغرس الجنة ومنهم من يصيغ حليها اهـ، وما ذكره من أن اسم قابض الأرواح عزرائيل توقف فيه غير واحد من الحفاظ منهم الجلال في الحبائك وقال لم يرد به خبر مقبول اهـ. قوله: (حفوا بهم) بتشديد الفاء أي أحاطوا بهم وفي مفردات الراغب ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي مطيفين بحفافيه أي جانبيه ومنه تحفه الملائكة بأجنحتها اهـ، وفي الخبر على هذه الرواية إدخال الباء على المفعول الأول لحف ومثله حديث الترمذي وابن ماجة ما من قوم يذكرون الله إلَّا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده أورده في الجامع الصغير ورمز لمخرجيه برمز الترمذي وابن ماجة وبجانبه علامة الصحة وفي معظم الروايات والأحاديث يصل الفعل إلى مفعوله الأول بنفسه

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمنه الخبر الآتي وحفتهم الملائكة ولفظ أبي هريرة في روايته هذا الخبر في صحيح البخاري: إن لله تعالى ملائكة يطوفون بالأرض يلتمسون أهل الذكر إلى أن قال فيحفونهم بأجنحتهم وحديثه أيضاً وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وفي حاشية الحصن الحصين للحنفي هو من الحف من باب طلب وتعدى إلى المفعول الثاني بالباء اهـ، وقضيته بل صريحه أنه تعدى إلى الأول بنفسه وهو كذلك وفي البيضاوي كما سيأتي وتزيده الباء مفعولاً ثانياً قال تعالى: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ (٣٢)﴾ [الكهف: ٣٢] وتقدمت الروايات بمثل ذلك وحينئذٍ فحديث الباب ونحوه إما يكون فيه حذف المفعول الأول والتقدير حفوا أنفسهم بهم أو حفوهم بهم كما جاء كذلك عند البخاري فيحفونهم بأجنحتهم. قال الحافظ في الفتح والباء للتعدية وقيل للاستعانة أو الباء فيه زائدة أو ضمن فعلاً قاصراً أي حفوا محتافين بهم أو أن هذا العمل جاء قاصراً ومنه قوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] وما ذكر من الحديث ومتعدياً ومنه ما في باقي الآيات والأحاديث ولعل هذا أقرب الوجوه وجعلها للتعدية وأن معنى حف طاف وهو فعل قاصر يتعدى بالباء يأباه ما يأتي من تفسير حفه المتعدي لنصبه هاء المفعول به بطاف به ولا يلزم من كون الفعلين بمعنى اتحادهما تعدياً وقصوراً بل كثيراً ما يخص أحد الرديفين عن رديفه في الاستعمال بشيء كالدعاء المرادف للصلاة إذا استعمل بعلى كان للشر وهي كذلك للخير وفي النهر لأبي حيان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ (٣٢)﴾ لفظه حفه طاف به من جوانبه وحففته به جعلته مطيفاً به اهـ. ومثله في تفسير البيضاوي وزاد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقولك غشيته وغشيته به اهـ، وفي الكشاف هو متعد إلى واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً. وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] ومن مزيدة أو لابتداء الحفوف اهـ، وفي النهر أي حافين حول العرش اهـ، فاقتصر على كونها زائدة وهو مبني على جواز زيادتها في الإيجاب والمعارف وهو

стр. 95

وروينا في "صحيح مسلم" عن معاوية ﵁ أنه قال: "خرج رسول الله ﷺ على ــ مذهب الأخفش. قوله: (وروينا في صحيح مسلم إلخ) هو من رواية أبي سعيد الخدري عن معاوية وكذا رواه الترمذي والنسائي كما في سلاح المؤمن قال وزاد الترمذي فيه بعد قوله ما أجلسكم إلاَّ ذلك "قالوا والله ما أجلسنا إلاَّ ذاك" وبه يعلم أن ما يوجد في بعض النسخ من إثبات الزيادة المذكورة غير جيد لأن المصنف إنما عزا الحديث لتخريج مسلم وليست فيه هذه الزيادة ولذا كانت محذوفة من الأصول المعتمدة وقد وقع لصاحب المشكاة أنه عزا الحديث لتخريج مسلم وأورد هذه الزيادة وليست في صحيح مسلم كما قاله ابن همام وهو كما قال فيما رأيت. قوله: (عن معاوية ﵁ هو معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب القرشي العبشمي الأموي أسلم هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في فتح مكة وكان يقول أنه أسلم يوم الحديبية وكتم إسلامه من أبيه وأمه شهد مع رسول الله ﷺ حنيناً فأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير وأربعين أوقية وكان هو وأبوه من المؤلفة ثم حسن إسلامهما وكان أحد الكتاب لرسول الله ﷺ واستخلفه الصديق على عمل دمشق الشأم بعد موت أخيه يزيد فأقره عمر ثم عثمان وأسلم إليه الحسن بن علي الخلافة سنة إحدى وأربعين قال ابن سعد بقي معاوية أميراً عشرين سنة وخليفة كذلك تقريبًا روي له عن رسول الله ﷺ مائة وثلاثة وستون حديثاً اتفقا منها على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة اتفقوا على أنه توفي بدمشق والمشهور إنه يوم خميس لثمان بقين من رجب وقيل لنصفه سنة ستين من الهجرة وهو ابن اثنتين وثمانين وقيل ست وثمانين وقيل ثمان وسبعين واقتصر عليه الذهبي في الكاشف وأوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله كساه أياه وأن يجعل مما

стр. 96

حَلْقة من أصحابه فقال: ما أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمَده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، ــ يلي جسده وكان عنده قلامة أظفار رسول الله ﷺ فأوصى أن تجعل في عينيه وفمه وقال افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين. ولما نزل به الموت قال يا ليتني كنت رجلاً من قريش بذي طوى ولم آل من هذا الأمر شيئاً. قوله: (حلقة) هو بإسكان اللام وفي التهذيب للمصنف حلقة العلم ونحو ما بإسكان اللام هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة ويقال بفتحهما في لغة قليلة حكاها ثعلب والجوهري، وجمعها على هذه اللغة حلق وحلقات وأما على لغة الإسكان فجمعها حلق بفتح الحاء وكسرها مع فتح اللام كما في شرح مسلم للمصنف. قوله: (نذكر الله تعالى) قال الراغب في مفرداته العلي هو الرفيع القدر وإذا وصف به تعالى نحو أنه هو العلي الكبير فالمراد أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين بل علم العارفين وعلى ذلك يقال تعالى نحو: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [يونس: ١٨]. وتخصيص لفظ التعالي لمبالغة ذلك منه لا على سبيل التكلف كما يكون من البشر اهـ. قوله: (ونحمده) معطوف على نذكر من عطف الخاص على العام للاهتمام. قوله: (على ما هدانا) أي لأجل هدايته إيانا ومنه علينا فعلى فيه للتعليل بمعنى اللام قال في المغني "الرابع" أي من معاني على التعليل نحو ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي لهدايته إياكم اهـ، وتعقبه الدماميني بأنه يحتمل التضمين كما صرح به الزمخشري أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم واعترضه المصنف يعني ابن هشام في حواشي التسهيل بأن هذا التقدير يبعده قول الداعي على الصفا والمروة الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا فيأتي بالحمد بعد تعديته التكبير بعلى اهـ، وإيضاحه أنه لو كان وقوع على في الآية لتضمين التكبير معنى الحمد لكان في الدعاء المذكور كذلك ولو كان كذلك لعطف الجار والمجرور على مثله ولم يذكر الحمد لله في البين قال الدماميني

стр. 97

قال: آللهِ ما أجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ أما إني لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ ــ وفيه أي الاعتراض نظر لأن المستفاد من الأول غير المستفاد من الثاني، قيل كأن مراده أن ذكر الحمد ليس لتعلق الظرف به بل لتحصيل الثواب لأنه باللفظ قال في حواشي التسهيل وأيضاً فعلى الثانية ظاهرة في التعليل فكذا نظيرتها الأولى ونازعه الدماميني بمنع ظهور شيء منها في التعليل اهـ. قال أبو حيان ثم ما قدره الزمخشري تفسير معنى لا إعراب إذ لو كان إعراباّ لم تكن متعلقة بتكبروا بل بحامدين التي قدرها قال والتقدير الإعرابي أن تقول ولتحمدوا الله بالتكبير على ما هداكم اهـ، وما أشار إليه هو الأشيع في تقدير التضمين وما فعله الكشاف شائع. قال السعد التفتازاني في حواشي الكشاف في تقدير التضمين طرق أشيعها جعل الفعل المذكور حالاً مثل لتحمدوا الله مكبرين ليكون متعلق الجار والمجرور مذكوراً قصداً وعكسه مثل ولتكبروا الله حامدين وآثره يعني صاحب الكشاف لأن التعليل بالتعظيم حال الحمد وجعله مقصودًا من التعظيم أنسب من العكس لأن الحمد إنما يستحسن ويطلب لما فيه من التعظيم اهـ، قال البيضاوي وما تحتمل المصدر أو الخبر قال القاضي زكريا أي والخبر بمعنى الموصول وهو تعبير غريب والمعنى عليه ولتكبروا الله على إيتاء الذي هداكم إليه اهـ. قال السفاقسي وتجويز كونها بمعنى الذي فيه بعد للزوم حذف عائد ما أي على ما هداكموه وقدر منصوباً لا مجرورًا لأن حذفه أسهل وحذف مضاف يصح به الكلام قلت كما أشار إليه شيخ الإسلام زكريا والهداية هنا بمعنى الدلالة على طريق الإيمان والإيصال إليه بالفضل والإحسان. قوله: (آلله ما أجلسكم إلخ) آلله الأول بهمزة ممدودة للاستفهام والثاني أي قولهم كما في رواية الترمذي الله ما أجلسنا إلخ بلا مد ذكره المصنف في مثله من رياض الصالحين وغيره ورأيت معزواً إلى الكاشف

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله بالنصب فيهما أي أتقسمون بالله فحذف الجار ثم الفعل وقولهم الله إلخ تقديره نعم نقسم بالله فوقعت الهمزة موقعها مشاكلة وتقريراً لذلك اهـ، وأعربه كذلك الطيبي وابن حجر في المشكاة وقال ابن حجر إنهم زادوا همزة الاستفهام في قولهم جواباً له ألله ما أقعدنا إلاَّ ذلك مشاكلة لذكره لها لا غير إذ حملها في كلامهم على الاستفهام لا يتأتى اهـ، فجعل الهمزة استفهامية في الموضعين في الأول حقيقة وفي الثاني مشاكلة وقضية كلام المصنف أنها في الثانية همزة الجلالة لكنها قطعت أي لما سيأتي فليس في الجواب همزة استفهام وفيما ذكروه من الإعراب نظر فإنه إذا حذف حرف القسم وعوض عنه همزة الاستفهام أو نحوها مما يأتي تعين الجر قال الرضي إذا حذف حرف القسم الأصلي أي الباء قلب قال الدماميني في المنهل الصافي وظاهر كلامهم أي النحاة أن الواو كالباء في جواز الحذف اهـ، فإن لم يبدل منها فالمختار النصب بفعل القسم وتختص لفظة الله بجواز الجر مع حذف الجار بلا عوض والكوفيون يجوزون الجر في جميع ما يحذف فيه الجار من المقسم به وإن كان بلا عوض ويختص لفظة الله بتعويض ها التنبيه وهمزة الاستفهام وكذا يعوض منه قطعِ الهمزة منه في الدرج فكأنها حذفت ثم ردت عوضاً من الحذف، وجار الله على هذه الأحرف عوضا من الواو ولعل ذلك لاختصاصها بلفظ الله كالباء ودليل كون هذه الثلاثة إبدالا معاقبتها حرف القسم ولزوم الجر معها دون النصب مع أن النصب بلا عوض أكثر كما تقدم ثم قال بعدما يتعلق بها التنبيه أما همزة الاستفهام فإما أن تكون للإنكار كقول الحجاج في الحسن البصري آلله ليقومن عبيد من عبيدي فيقولون كذا وكذا أو للاستفهام كما قال ﷺ لعبد الله بن مسعود لما قال هذا رأس أبي جهل آلله الذي لا إله غيره فإذا دخلت همزة الاستفهام على الله فإما أن تبدل همزة الله ألفا صريحة وهو الأكثر وتسهل وهو القياس في آلرجل ونحوه ولا تحذف للبس ولا تبقى للاستثقال وأمّا قطع همزة الله إذا كان قبله فاء قبلها همزة استفهام

стр. 99

تُهْمَةَ لَكُمْ، ولكنَّهُ ــ نحو أفالله لقد كان كذا وكذا وهمزة الاستفهام ليست عوضًا من حرف القسم للفصل بينها وبينه بفاء العطف اهـ، وبوجوب الجر بعد التعويض صرح غير واحد قال أبو حيان في الارتشاف ولا تستعمل هذه الأعواض إلاَّ في اسم الله تعالى ولا يجوز معها إلاّ الجر فلو جئت بشيء من هذه الأعواض الثلاثة فيما يقسم به من غير لفظ الله وحذف حرف الجر الموضوع للقسم لم يكن إلاّ النصب تقول آلتعزيز لأفعلن اهـ، فعلم بما نقل ما في تجويز الكاشف وابن حجر النصب فضلاً عن الاقتصار عليه من النظر لتعين الجر في مثله إلاَّ إن صحت به الرواية فيخرج على خروجه عنها سماعاً والقاعدة فيما يقاس عليه وكأن ما خرجوه عليه وجهه ما قاله النحاة والعبارة للخلاصة "وإن حذف فالنصب للمنجر حتماً" أي إذا حذف الجار وجب نصب المجرور لكن محل ذلك في غير ما ذكر لما ذكرنا ثم رأيت المصنف نقل في الكلام على حديث أبي البشر الذي قبيل كتاب التفسير من شرح مسلم قوله قلت آلله قال ألله الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام والثاني بلا مد والهاء فيهما مكسورة هذا هو المشهور قال القاضي روينا بكسرها وفتحها معاً وأكمل أهل العربية لا يجيزون غير كسره اهـ. وعليه فإن صحت الرواية بالفتح فيخرج على أنه شاذ أي خارج عن قانون هذه القاعدة ويوجه بما أشار إليه في الكاشف والله أعلم. قوله: (تهمة لكم) قال الجلال السيوطي في الديباج بفتح الهاء وسكونها اهـ، وكلاهما من الوهم فالتاء بدل الواو كما في النهاية وفيها تهمة كفعلة وقد تفتح الهاء ولما كان التحليف في الغالب إنما يكون عند التهمة إذ من لا يتهم لا يحلف وقد يحلف من لا يتهم للتقرير والتأكيد فأرشد ﷺ بنفيه الاتهام عنهم بقوله ولكن أتاني جبريل إلخ أي أن تحليفهم تتأكد عندهم ما دل عليه حالهم ومباهاة الملائكة بهم من مزيد إخلاصهم وقوة يقينهم وشدة حرصهم على العبادة فهم

стр. 100

أتانِي جِبريلُ فأخْبَرني أنّ اللهَ تَعالى يُباهي بكُمُ المَلائكَةَ". وروينا ــ مبرؤون من كون تحليفهم على سبيل الاتهام لهم فيما ذكره. قوله: (أتاني جبريل) في جبريل ثلاثة عشر لغة نظم منها ابن مالك سبع لغات فقال: جبريل جبريل جبراءيل جبريل ... وجبرئيل وجبرال وجبرين وذيل عليه السيوطي بالستة الباقية فقال: وجبرئل وجبراءيل مع بدل ... جبرائل وبياء ثم جبرين وأشار بقوله مع إبدال إلى جبرايين بإبدال الهمزة ياء واللام نونا وذكر ابن الجوزي في زاد المسير في التفسير من لغاته جبرئل بوزن جبرعل بفتح أوله وسكون ثانيه وبالهمزة بعدها لام وبها تتم اللغات أربعة عشر وقد نظمتها كذلك فقلت: في جبرئيل أتي عشر وأربعة ... من اللغات بها شرح وتبين جبريل جبريل جبرال وجبرئل ... وجبرئل وجبراءيل جبرين جبرايل ثم جبرايين جبريل ... جبرائل ثم جبراءيل جبرين قال الكسائي جبريل وميكائيل اسمان لم تكن العرب تعرفهما فلما جاءا عربتهما قال ابن عباس جبريل وميكائيل كقولك عبد الله وعبد الرحمن ذهب إلى إن إيل اسم الله واسم الملك جبر وميكا وفي تفسير الشيخ أبي الحسن البكري أخرج الديلمي عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ اسم جبريل عبد الله واسم ميكائيل عبد الرحمن. قوله: (يباهي بكم الملائكة) أي يظهر لهم فضلكم ويريهم حسن عملكم ويثني عليكم عندهم وأصل البهاء الحسن والكمال وفلان يباهي بكذا يفخر به ويتجمل على غيره ووجه المفاخرة أنهم لم يمنعهم من ذكر الله تعالى وطاعته ما قام بهم من العلائق والعوائق والدواعي

стр. 101

في "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يَقْعُدُ ــ القوية إلى البطالة والفتور بل أقبلوا معها إلى الطاعة وإن شقت فاستحقوا المدح لذلك إذ الطاعة وإن وقعت من الملك إلاَّ أنها لكونها له كالنفس للإنسان يرتاح بها إذ لا تعب عليه ولا مشقة فيها أصلاً بخلاف النوع الإنساني فإنه لما سلط عليه من العلائق والعوائق المذكورة يشق عليه مشقة شديدة فلذا باهى بعمل الإنسان الملائكة وقال ابن الجوزي في كشف المشكل المباهاة المفاخرة ومعناها من الله التفضيل لهؤلاء على الملائكة اهـ، والمشار إليه بهؤلاء عوام البشر أي الصلحاء المطيعون أرباب الفلاح فهم أفضل من عوام الملك كما تقرر في علم الكلام. قوله: (في صحيح مسلم) وكذا رواه الترمذي وابن ماجة كما في السلاح والحصن وغيرهما وأخرجه النسائي وأبو عوانة وابن حبان كما أشار إليه الحافظ قال وله طرف أخرى عن أبي هريرة أخرجها مسلم أثناء حديث مرفوع هو من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة فذكر الحديث وفيه ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده. قوله: (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ هو سعد بن مالك بن سنان جده الأبجر بالموحدة فالجيم هو خدرة المنسوب إليه أبو سعيد هذا من الخزرج وأبو سعيد خدري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وقيل إن خدرة أم الأبجر والصحيح أنه هو الأبجر استصغر يوم أحد فرد وغزا بعده مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة وهو وأبوه صحابيان استشهد أبوه يوم أحد، روى لأبي سعيد عن ﷺ ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم باثنين وخمسين وعن

стр. 102

قَوم يَذكُرُونَ اللهَ تعالى إلا حفتْهُمُ المَلائكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ــ حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد وفي رواية أعلم ومناقبه كثيرة توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل أربع وسبعين ودفن بالبقيع. قوله: (قوم) في مفردات الراغبين قوم جماعة الرجال في الأصل دون النساء قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية وقال الشاعر: * أقوم آل حصن أم نساء * وفي عامة القرآن أريدوا به والنساء جميعاً وحقيقته للرجال اهـ. وتعميمه للنساء إما من باب التغليب أو عموم المجاز أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لكن قضية قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين والقوم هم الرجال فقط أو مع النساء على ما فيه من الخلاف إن إطلاقه على النساء عند من يقول بأنه لا يعمها حقيقة ويومئ إلى ذلك قوله في شرح المشكاة قوم اسم جمع يصدق بثلاثة فأكثر يستوي فيه الذكور والإناث اهـ، وبالجملة فالمراد هنا ما يعم الفريقين لاشتراكهما في التكليف فيحصل لهن الجزاء باجتماعهن لذكر مشروع لهن من قراءة وتسبيح ونحوه لا كأذان بل يحرم رفع صوتها به بحضرة أجنبي وجاء في رواية أخرى عند مسلم "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده" ولا يقيد إطلاق الخبر السابق في المكان والذكر بما في هذا الخبر بناء على إن المراد ببيت من بيوت الله فيه المسجد لما تقدم أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه بل ما في هذا الخبر لبيان الأكمل وما في خبر الباب لبيان الأعم الأشمل على أن التقييد بالمسجد بناء على ما ذكر لكونه جرياً على الغالب أنه محل الذكر لا مفهوم له. قوله: (حفتهم الملائكة) أل فيه للعهد أي الملائكة الملتمسون لذلك قاله صاحب الحرز. قوله: (وغشيتهم الرحمة) بكسر الشين المعجمة أي غطتهم من كل جهة إذ الغشيان لغة إنما يستعمل فيما يشمل المغشي من جميع

стр. 103

ونَزلَتْ عَليهِمُ السكِينَةُ ــ أجزائه وجوانبه فتجوز به عما ذكر مبالغة فيه والرحمة صفة نفسانية يستحيل قيامها بالباري والمراد بها بالنسبة إليه تعالى غايتها من إرادة الإنعام فتكون صفة ذات أو نفس الإنعام فتكون صفة فعل والمراد هنا الأثر المرتب عليه إذ هو الموصوف بالغشيان فهي إحسان نشأ عن إحسان الذاكر بذكره: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ويتسبب عن هذا الغشيان تنزل السكينة على الذاكرين. قوله: (ونزلت عليهم السكينة) قال في شرح المشكاة أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: ٤] وهي فعيلة من السكون "قلت" وقيل إنه بتشديد الكاف للمبالغة والمراد بها هنا الحالة التي يطمئن بها القلب فلا يزعج لطارق من طوارق الدنيا لعلمه بإحاطة قدرة المذكور فيسكن ويطمئن القلب بموعود الأجر لقوة رجائه بحصوله لما وفقه للاشتغال به عن كل ما سواه ويصح أن يراد بها ما جاء في خبر مرسل أنه ﷺ كان في مجلس فرفع بصره إلى السماء ثم طأطأ بصره ثم رفعه فسئل فقال إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله يعني عند مجلس إمامه فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة فلما دنت منهم تكلم رجل بباطل فرفعت عنهم وقيل السكينة اسم ملك ينزل في قلب المؤمن يأمره بالخير وقال ابن الجوزي في مفتاح الحصين السكينة أي الرحمة والوقار والسكون والخشية وقيل غير ذلك والمراد السكون تحت جري المقادير لا ضد الحركة وتفسيره لها بالرحمة تبع فيه اختيار القاضي عياض وضعف بعطفها عليه المقتضي للمغايرة بل قال ابن حجر في شرح الأربعين إنه مردود والرد منقود لأنه يحتمل أن يكون جعله من باب الإطناب تعديداً لذكر الجزاء المستطاب نعم هو ضعيف لكون التأسيس خيرًا منه واختار المصنف كونها بمعنى الطمأنينة قال في الحرز ثم

стр. 104

وذكَرَهمُ الله تَعالى فِيمَن عِنْدَهُ". فصل: الذِّكْر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغي أن يترك الذِّكْر باللسان مع القلب ــ يجوز أن يقرأ عليهم السكينة بضم الهاء والميم وبكسرهما وبكسر فضم وهو الأشهر اهـ، وقوله وهو الأشهر يحتمل من حيث كونه رواية ومن حيث كونه أشهر لغة والثاني أظهر. قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) أي من الأنبياء وكرام الملائكة لقوله في الحديث القدسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه والعندية هنا عندية شرف ومكانة لا عندية مكان تعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً وذكره تعالى لهم على سبيل المباهاة بهم كما تقدم والرضا بأفعالهم والله أعلم. فائدة نظير هذا الخبر في حصول الأربعة المذكورة خبر مسلم إن لأول ذكر الله أربعاً تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده. فصل قوله: (الذكر يكون بالقلب) قال القاضي عياض ذكره تعالى بالقلب وهو الذكر الخفي وهو أرفع الأذكار الفكرة في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في أرضيته وسماواته وفي الحديث خير الذكر الخفي وبعده ذكره بالقلب عند أوامره ونواهيه فيأتمر بما أمر وينتهي عما نهى عنه ويقف عما أشكل اهـ. قوله: (ما كان بالقلب واللسان) أي لأنه عمل جارحة اللسان مع حضور الجنان في ذكره الرحمن فالعمل فيه أكثر فحصل له أشرف أنواع الأجر. قوله: (فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل) قال المصنف في شرح مسلم

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نقلاً عن القاضي عياض ذكر ابن جرير الطبري وغيره أنه اختلف السلف في ذكر اللسان والقلب أيهما أفضل قال القاضي عياض وإنما يتصور عندي الخلاف في مجرد الذكر بالقلب تسبيحاً وتهليلاً وشبههما ويدل عليه كلامهم لا أنهم اختلفوا في الذكر الخفي الذي ذكرناه أولاً فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، وإن كان لاهياً فلا واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل اليسير أفضل ومن رجح عمل اللسان قال لأن العمل فيه أكثر لأنه زاد باستعمال اللسان فاقتضى زيادة أجر قال القاضي واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب فقيل تكتبه ويجعل الله لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا يطلع عليه غير الله تعالى قال المصنف في شرح مسلم قلت الأصح أنهم يكتبونه وإن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل والله أعلم وقول القاضي وإن كان لاهياً فلا: مراده فلا خلاف في فضل الذكر بالقلب حينئذٍ وليس مراده فلا فضل فيه لأنه قال قبله وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار وفيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث اهـ، ونقله عنه المصنف في شرح مسلم وفي أمالي الشيخ عز الدين بن عبد السلام ذكر القلب أفضل من ذكر اللسان لأن ذكر القلب يثمر الأحوال بخلاف ذكر اللسان اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة بعد نقله أفضلية الذكر القلبي على اللسان: وخالف عياض فقال لا ثواب بالذكر بالقلب قال البلقيني وهو حق لا شك فيه اهـ، وقد يقال إن أريد الثواب من حيث اللفظ فالأصح عدمه أو من حيث المعنى واشتغال النفس به فالحق الثواب وانه أفضل من الأول نعم لا يفيد اتفاقاً بشيء مرتبة الشارع على القول حتى يتلفظ به ويسمع نفسه عند صحة السمع وانتفاء نحو اللغط اهـ، كلام شرح المشكاة ذكره في باب الذكر، وكأن ما نقله عن القاضي عياض مذكور في غير باب الدعاء والأذكار من شرحه لمسلم وإلَّا فعبارته فيه ما نقلناها وهي بمعنى عبارة

стр. 106

خوفاً من أن يُظَن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً ويقصد به وجه الله تعالى، وقد قدمنا عن الفضيل ﵀: ــ الأذكار مصرحة بفضل الذكر القلبي بل بأفضليته ثم كلام المصنف مصرح بفضل الذكر باللسان وإن كان مع الغفلة وبه صرح القاضي عياض وغيره قال الغزالي حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب ونفيه إنما هو بالنسبة لعمل القلب اهـ. وفي باب الذكر بعد الصلاة من شرح المشكاة لابن حجر اختلفوا في الذكر باللسان مع غفلة القلب فقال جمع لا ثواب فيه قال الجلال البلقيني وهو حق بلا شك اهـ. وفي باب مخالطة الجنب من الشرح المذكور التصريح بأفضلية الذكر اللساني على القلبي والرد على من قال الأفضل القلبي ثم اللساني بأن الأصحاب مصرحون بأن لا ثواب في الذكر القلبي المحض وكيف يفضل اللساني وفيه الثواب قطعاً والحق إن الأعلى ما جمع القلب واللسان ثم اللساني ثم القلبي ونفي الثواب فيه من حيث الذكر لا ينافي حصوله من حيث حضور القلب مع الله والمراقبة أو المشاهدة له تعالى ففيه ثواب في ثواب وإنما فضل عليه اللساني لأن في الإتيان به امتثالاً لأمر الشارع من حيث الذكر بخلاف ذاك ألا ترى أن ما تعبدنا به من الذكر لا يحصل إلاَّ بالتلفظ به بحيث يسمع به نفسه بخلاف ما إذا لم يسمع بأن أتى به همساً أو بقلبه فقط فإنه لا يحصل له الامتثال ويقع في لوم الترك وثواب الحضور إنما هو على جهة أخرى أجنبية عن المأمور به فتأمل ذلك اهـ. قوله: (خوفاً من أن يظن به الرياء إلخ) قال الإمام في المطالب من مكائد الشيطان ترك العمل خوفاً من أن يقول الناس أنه مراء وهذا باطل فإن تطهر العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر فلو وقفنا العمل على ذلك لتعذر الاشتغال بشيء من العبادة وذلك يوجب البطالة وهي أقصى غرض الشيطان ولقد أحسن من قال سيروا إلى الله عرجاء ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة اهـ، وكذا

стр. 107

أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسدَّ عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين. ــ لا يتركه باللسان لغفلة الجنان ففي الرسالة القشيرية سئل أبو عثمان المغربي نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة فقال احمدوا الله أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته اهـ. وقال ابن عطاء الله في الحكم. لا تترك الذكر لعدم حضورك فيه مع الله لأن غفلتك عن ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز اهـ، ولا يتركه خشية العجب به بل يعمل ويستغفر الله إذا خاف نحو العجب ولا يترك العمل لذلك لما قال السهروردي إن ترك العمل لذلك من مكائد الشيطان وقد قدمنا في مبحث الإخلاص ما ينفع استحضاره هنا. قوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء) تقدم تفسيره نقلاً عن الشعراني بأن معنى ترك العمل للناس تركه لعدم اطلاعهم عليه أي لا يحب العمل إلاَّ في محل يجده فيه الناس فإن لي يجده كسل عن العمل وحينئذٍ ففي العبارة مضافان محذوفان أي لأجل عدم اطلاعهم وقضية سياق المصنف له أنه على ظاهره من ترك العمل للناس أي خشية أن يظن به نحو رياء وذلك لأن ملاحظته لهم تشعر بأنه يرجو مدحهم ويخشى قدحهم وشأن الإخلاص التنزه عن كل ذلك. قوله: (ملاحظة الناس) الملاحظة مفاعلة من اللحظ وهو النظر باللحاظ بفتح اللام فيهما يقال لحظه ولحظ إليه أي نظر إليه بمؤخر العين واللحاظ بالفتح شق العين مما يلي الصدغ أما الذي يلي الأنف فالمؤق والمأق واللحاظ بالكسر مصدر لاحظته إذا راعيته والمراد هنا أنه

стр. 108

وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة رضي عنها عنها قالت: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدعاء. ــ لا يلتفت ببصره ولا بصيرته إلى شيء من الأكوان فيعتبر مدحه أو يخشى قدحه فإن ذلك سبب لفوات كثير من الخيور وجالب لأنواع الشرور مبعد للسالك عن طرق السرور. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم إلخ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير والتوحيد وأخرجه مسلم أيضًا قال السيوطي في لباب العقول في أسباب النزول بعد تخريجه خبر عائشة من حديث البخاري وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله ثم رجح رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أنها نزلت في الصلاة بكونها أصح إسناداً قال وكذا رجحها النووي وغيره وقال الحافظ ابن حجر لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة وقد أخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء اللهم ارحمني فنزلت فأمروا ألا يخافتوا ولا يجهروا أهو في زاد المسير لابن الجوزي في سبب الآية ثلاثة أقوال أحدها أنه ﷺ كان يجهر صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به فخفض ﷺ صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس، والثاني أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذا قول عائشة، والثالث أنه ﷺ كان يصلي عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لا تفتر على الله فخفض النبي ﷺ صوته فقال أبو جهل ألا ترون ما فعلته بابن أبي كبشة رددته عن قراءته فنزلت قاله مقاتل اهـ، ويمكن الجمع بحمل حديث ابن عباس على أنه كانت القراءة في الصلاة فيوافق حديثه في البخاري وعند الصفا إما يراد به عند البيت من جانب الصفا فيكون

стр. 109

فصل: اعلم أن فضيلة الذِّكْر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى، كما ــ عند الصفا مجازاً ليطابق حديث البخاري أو تعدد جهره بذلك قال في زاد المسير وأما تفسيرها ففي المراد بالصلاة قولان "أحدهما" الصلاة الشرعية وعليه ففي المراد ستة أقوال: لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها فكأنه نهى عن شدة الجهر والمخافتة قاله ابن عباس وعليه فالتعبير عن القراءة بالصلاة إما من باب المجاز المرسل من إطلاق اسم الكل أي الصلاة وإرادة الجزء أي القراءة أو من حذف المضاف أي قراءة صلاتك أو لا تصل مراءاة الناس ولا تدعها مخافة الناس قاله ابن عباس أيضاً قلت وعلى هذا فيكون من خطابه ﷺ بخطاب غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية إذ لا يتصور منه الرياء حتى ينتهي عنه، أو لا تجهر بالتشهد في صلاتك روي عن عائشة في رواية وبه قال ابن سيرين، أو لا تجهر بفعل صلاتك ظاهراً ولا تخافت بها شديد الاستتار قاله عكرمة، أو لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها قاله الحسن وغيره خاف أن ما سبق على القول الثاني من قولي ابن عباس يجري في هذا المكان، أو لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به ذكره أبو يعلى "والقول الثاني" إن المراد بالصلاة الدعاء وهو قول عائشة وأبي هريرة ومجاهد اهـ، باختصار وتغيير يسير والصلاة حقيقتها لغة الدعاء والخلاف المذكور مبني على الخلاف عند أهل الأصول في أن اللفظ إذا ورد من الشارع هل يحمل على معناه اللغوي أو الشرعي والأصح الثاني ولا يلزم من البناء الاتفاق في الترجيح. ويطول المقال في هذا المقام أخرنا ما يتعلق بفضل السيدة عائشة من الكلام. فصل قوله: (بل كل عامل لله بطاعته فهو ذاكر) أخرج الواحدي في التفسير

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوسيط بسنده إلى خالد بن عمران ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وصنعه للخير ومن عصى الله فقد نسيه وإن كثرت صلاته وصومه وتلاوته القرآن وصنعه للخير" وأخرج الحديث الخزرجي في كتابه التذكرة فقال حقيقة الذكر طاعة الله تعالى ودليله قوله ﷺ من أطاع الله إلخ وذكر نحوه العامري في شرح الشهاب كما رأيته معزواً إليه. ويؤخذ من كلام الخزرجي أنه مقبول لاستدلاله به إلاَّ أن يقال لا يلزم ذلك بل يكتفي بالضعيف في مثله كما تقدم عن الزركشي وفي شرح الأنوار السنية قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب واقد مولى النبي ﷺ روى عنه زاذان من قوله من أطاع الله فقد ذكره وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصى الله فلم يذكره وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] روي عن النبي ﷺ من أطاع الله فقد ذكره إلخ لكن روي بدل قوله وتلاوته للقرآن قوله وصنعه للخير ذكره ابن خويز منذاد في أحكام القرآن وقال البخاري الإسكاف في فوائد الأخبار الغفلة نوم القلب والنائم لا يذكر وذكر الله تعالى إن تشهده حافظاً لك رقيباً عليك قائماً بمصالحك فمن غفل عن هذه الأحوال فليس يذكر الله وإن سبح بلسانه وهلل وكبر ومن كان متيقظاً في هذه الأوصاف فهو ذاكر وإن سكت ثم ما أشعر به كلامه من كون الطاعة حقيقة الذكر يوافقه ما فهمه الحنفي في شرح الحصين الحصين حيث قال في مثل عبارة المصنف الظاهر أن يقول وليس الذكر منحصراً في التهليل إلخ وفي شرح المشكاة لابن حجر أصل وضع الذكر ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق أو الثناء عليه ويطلق على كل مطلوب قولي مجازاً شرعياً سببه المشابهة اهـ، مع يسير تغيير وسبق كلامه في انتفاء حصول ثواب الذكر عن القلبي لانتفاء كونه ذكراً وهو يؤذن بأن إطلاق الذكر على ما ذكر من العبادة ليس إطلاقاً حقيقة وإنما
следующие страницы →