← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إلا أن الإمام لا يأتي بجميعها، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثِرون التطويل. واعلم أن هذا الذكر سُنة ليس بواجب، فلو تركه كره له كراهة تنزيه، ولا يسجد للسهو، ويكره قراءة القرآن في هذا الاعتدال كما يكره في الركوع والسجود، والله أعلم. باب أذكار السجود فإذا فرغ من أذكار الاعتدال كَبَّر وهو ساجد ومد التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض. وقد قدَّمنا حكم هذه التكبيرة، وأنها سُنة لو تركها لم تبطل صلاته ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة. ــ كذا في الإيعاب لكن جرى في شرح المنهاج على كلام الأذرعي. قوله: (إلا أَن الإِمَامَ لَا يأْتي بجمِيعهَا إلا أنْ يَعلمَ) أي وإلا فتكره الزيادة على قوله من شيء بعد وقيل على قوله لك الحمد وإذا علم رضاهم بالإتيان بذلك يكره له وكذا للمنفرد ترك شيء من ذلك لغيره من التسبيح ونحوه كما يشير إليه قول المصنف "واعلم إن هذا الذكر سنة فلو تركه كره" وفي المجموع التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد أي وما معه من الذكر حيث سن وتكبير غير التحرم سنة لكن يكره تركه عمدًا هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء اهـ، ملخصًا ومحل اعتبار إيثار المأمومين التطويل ما لم يتعلق بعينهم حق وإلا نحو أجير عين ورقيق وزوجة اعتبر صاحب الحق كما تقدمت الإشارة إليه. باب أذكار السجود السجود لغة الميل وشرعًا وضع الأعضاء السبعة مع رفع الأسافل على الأعالي بالطمأنينة ولكونه أبلغ من الركوع في التواضع خص بالتكرار كما تقدم ولأنه لما ترقى مما قبله إليه وأتى بنهاية الخدمة أذن له في الجلوس وأمر بإعادته شكرا على استخلاصه إياه ولأن الشارع لما أمرنا بالدعاء فيه وأخبر بأنه حقيق بالإجابة سجدنا ثانيًا شكرًا على ذلك كما هو المعتاد فيمن سأل ملكًا شيئًا فأجابه قاله القفال من أئمتنا. قوله: (كبَّر) أي من غير رفع يد كما رواه البخاري ورواية إثبات الرفع عند الهوي ضعيفة وإن أخذ بها جمع (وهوي) بكسر

стр. 667

فمنها ما رويناه في "صحيح مسلم" من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ ، حين قرأ (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) في الركعة الواحدة، لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: "سُبحَانَ رَبِّي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂ قالت. كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللَهُمَّ رَبنا وبِحَمْدِكَ، اللَهُمَّ اغْفِر لي". وروينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ ما قدمناه في الركوع: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد قال: "اللَّهُم لَكَ سَجَدْتُ، وبكَ آمَنْتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ، ــ الواو مصدره هوى بضم أوله وتشديد ثالثه أي إلى السجود فإن أخر التكبير عن ابتداء الهوي أو كبر معتدلًا أو ترك التكبير كره كما في الأم. قوله: (فَمنها ما روينَاهُ في صحيح مُسْلمٍ إلخ) سبق تخريجه وكذا تخريج حديثي عائشة الذين بعده في أذكار الركوع. قوله: (فَقَال سبحانَ رَبي الأَعْلَى) قضية هذا إنه لا يتقيد التسبيح بعد نظير ما سبق في الركوع وتقدم عن المجموع إنه يحصل أصل سنة التسبيح فيه بنحو سبحان ربي الأعلى وقضيته هنا إنه يحصل أصل السنة بنحو سبحان ربي العظيم كما في الإيعاب وقد جاء في رواية فإذا سجد قال سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وحينئذٍ فسبحان ربي الأعلى فيه للأفضلية فقط وقد ورد في رواية هنا وفي الركوع زيادة وبحمده ورواه الطبراني أيضًا كما تقدم بسطه. قوله: (وَروَينا في صحيح مُسْلم أَيْضا عَنْ علي) وفي السلاح ورواه أبو داود والنسائي وفي رواية أبي داود والنسائي وإحدى روايات مسلم وصوره فأحسن صوره وأشار الحافظ إلى أن الطبراني أخرجه في كتاب الدعاء له. قوله: (سجد وجهي) بسكون الياء وفتحها أي ذاتي كما مر في وجهت وجهي أو المراد به الحقيقة أي خضع وذل وباشر بأشرف ما فيه مواطئ الأقدام والنعال وخص لأنه أشرف الأعضاء فإذا خضع فغيره

стр. 668

وَشق سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، تبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقينَ". وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدَّمناه في فصل الركوع، أن رسول الله ﷺ ركع ركوعَه الطويل يقول فيه: "سُبْحانَ ذِي الجَبرُوتِ وَالمَلَكُوتِ والكِبْرِياءِ ــ أولى. قوله: (وشَق سمعه وبصَرهُ) أي منفذهما إذ السمع ليس في الأذنين بل في مقعر الصماخ وفيه دليل على أن الأذنين من الوجه وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي هما عضوان مستقلان والمراد بالوجه في الخبر الذات ومنه ما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أو على حقيقته والإضافة فيه لأدنى ملابسة وهي المشارفة والمقاربة. قوله: (أحسَنُ الخالقينَ) أي المصورين والمقدرين أو حسن الخالقية وإلَّا فلا خالق أي موجد غيره قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وفي كتاب "روضة التحقيق في قصة يوسف الصديق"، قوله تعالى: (﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤] إن الخلق الذي يضاف إليه تعالى من ثلاثة أوجه بمعنى الإبداع والاختراع من العدم إلى الوجود ويكون شيء من لا شيء وبمعنى التغيير والتحويل من حال إلى آخر قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] إلخ، أي حولناها من حالة إلى حالة وبمعنى التصوير فالخلق بمعنى الإحداث والاختراع هو الذي انفرد به قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] أما الخلق الذي يدخل في باب المبالغة فبمعنى التحويز والتصوير نحو ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ أي المحوزين والمصورين اهـ. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه هذا ونحو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مشكل لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلَّا إلى جنسه وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان والرحمة إن حملت على الإرادة صح المعنى لأنه يصير أعظم إرادة من سائر المريدين وإن جعلت من مجاز التشبيه وهو أن معاملته تشبه معاملة الراحم صح المعنى أيضًا لأن ذلك مشترك بينه وبين عباده وإن أراد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلًا إذ لا موجد إلّا الله تعالى وأجاب السيف الآمدي إن معناه أنه أعظم من تسمى بهذا الاسم قال الشيخ وهذا مشكل لأنه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهذا يساعد المعتزلة ويصح على مذهبهم لأن الفاعلين عندهم كثيرون اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في الحدِيث الصحيح إلخ) تقدم تخريجه في أذكار الركوع وما في قول الشيخ إنه

стр. 669

والعَظَمَةِ، ثم قال في سجوده مثل ذلك". وروينا في كتب السنن، أن النبي ﷺ قال: "وإذا سَجَدَ -أي أحدكم- فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبي الأعلى ثلاثًا" وذلك أدناه. وروينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ قالت: افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلة فتحَسَّسْتُ، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إلا أنتَ". ــ صحيح وبيان أن الحديث منقطع مع ذكر ما له من شاهد وكذا تقدم فيه تخريج الحديث الذي بعده المذكور في قوله وروينا في كتب السنن وهو حديث ابن مسعود. قوله: (وذلكَ أَدناهُ) أي أدنى الكمال أما أدنى السنة فيحصل بذلك مرة واحدة وأقصى الكمال إحدى عشرة مرة وأكمل صيغة سبحان ربي الأعلى وبحمده ويحصل بسبحان ربي العظيم كما تقدم عن الإيعاب وفي فتح الجواد في باب سجود السهو قال شيخنا ويحصل أصل السنة بسبحان ربي العظيم في السجود وسبحان ربي الأعلى في الركوع كما في المجموع هذا وقياسه الأول بل جاء في رواية اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحِ مسلمٍ) وكذا رواه النسائي كما في السلاح وأخرجه الحافظ من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه ومن طريق أبي نعيم في المستخرج ومدار سندهما عن عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء فما تقول أنت يعني في الركوع والسجود فقال أما سبحانك وبحمدك فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة قالت افتقدت النبي ﷺ ليلة فظننت إنه ذهب إلى بعض نسائه فتجسسته ثم رجعت فإذا هو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا إله إلَّا أنت فقلت بأبي وأمي إنك لفي شأن وإني لفي شأن وفي السند لطيفة رواية تابعي عن مثله عطاء عن أبي مليكة. قوله: (ذَاتَ ليلةٍ) كتب الطاهر الأهدل بهامش أصله ليلة النصف من شعبان وهذا التخصيص يحتاج إلى توقيف والله أعلم. قوله: (فتجسستُ) في النهاية التجسس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس صاحب سر الشر والناموس صاحب سر الخير وقيل التجسس بالجيم أن يطلبه لغيره وبالحاء المهملة إن يطلبه لنفسه. قلت وعليه اقتصر الأهدل في حاشية نسخته هنا لأنه المطلوب في هذا المقام والله أعلم، وقيل بالجيم البحث عن العورات وبالحاء الاستماع وقيل معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار اهـ. وفي المشارق للقاضي عياض بعد نقل الأخير عن الحربي

стр. 670

وفي رواية في مسلم: "فوقعت يدي على بطن قدميه ــ إلَّا أنه قال معناهما متقارب ما لفظه وقيل التجسس بالجيم إذا تجسس بالخبر والقول والسؤال عن عورات الناس وأسرارهم وما يعتقدونه أو يقولونه فيه أو في غيره وبالحاء إذا تولى ذلك بنفسه وسمعه بإذنه وهذا قول ابن وهب وقال ثعلب بالحاء طلب ذلك لنفسه وبالجيم طلبه لغيره وقيل اشتق الحسس من الحواس لطلب ذلك منها وهذا كله ممنوع في الشرع اهـ. وفي المفهم للقرطبي هو بالحاء البحث عما يدرك بالحس بالعين أو بالأذن. قوله: (وفي روايةٍ في مُسلم إلخ) قال الحافظ هو حديث آخر عن عائشة أيضًا ثم أخرجه الحافظ وقال بالسند إلى أحمد حدثنا حماد بن أسامة هو أبو أسامة عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد الحديث هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وفي السند لطيفة رواية صحابي عن مثله أبو هريرة عن عائشة اهـ، ولهذا الحديث طرق أخرى منها عند ابن خزيمة من رواية أبي النضر عن عروة عنها نحو حديث أبي هريرة وزاد في آخره أثني عليك ولا أبلغ كل ما فيك وسنده صحيح ومنها ما في جامع ابن وهب ووقع لنا في تعليق الخلعيات من طريق علي بن الحسين عنها وقال في آخره لا أحصي أسماءك ولا ثناء عليك وسنده ضعيف ومنها عند أبي يعلى من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنها وزاد فيه سجد لك خيالي وسوادي وآمن بك فؤادي وسنده ضعيف فيه لا يعرف وعطاء هو الخراساني لم يدرك عائشة وجاء عن عائشة في نحو هذا ألفاظ آخر منها فقدت رسول الله ﷺ أين مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإمام أحمد هكذا أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلَّا صالح بن سعيد فلم أجد له ذكرًا إلَّا في ثقات ابن حبان ومنها قالت فقدت النبي ﷺ في مضجعه فجعلت التمسه وظننت إنه أتى بعض جواريه فوقعت يدي عليه وهو ساجد يقول اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت أخرجه الحافظ من طريق ابن السني سنده صحيح وقد أخرجه أحمد اهـ. قوله: (فوقعَتْ يدِي على بطنِ قدمَهِ) استدل به من لم ير النقض باللمس وأجيب بمنعه لأن وقائع

стр. 671

وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: "اللهُم أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، ــ الأحوال الفعلية متى طرقها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال وهو هنا محتمل لكونه من وراء حائل فلا يعارض ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] من النقض باللمس. قوله: (وهُو في المسجِدِ) هذا ما في صحيح مسلم وفي بعض نسخ المشكاة في السجدة وفي بعضها السجود. قوله: (وهمَا منصوبتَانِ) فيه نصب القدمين في السجود ويجب عندنا الاستقبال برؤوس أصابعهما ولا يحصل ذلك إلَّا إذا كان معتمدًا على بطونهما. قوله: (أَعوذُ بِرضاكَ منْ سَخَطِكَ إلخ) في حاشية السيوطي عن النسائي قال ابن خاقان البغدادي نقلا طلب الاستعانة من الله تعالى نقص في التوكل وقوله ﷺ أعوذ برضاك من سخطك أي أنت الملجأ دون حائل حال بيني وبينك فصدق فقره إلى الله تعالى بالغيبة عن الأحوال وإضمار الخبر أي أسألك الرضا عوضًا عن السخط ذكره ابن باكويه الشيرازي في أخبار العارفين اهـ، وقال الخطابي كما نقله عنه المصنف في شرح مسلم مع زيادات فيه من كلام غيره في هذا معنى لطيف وذلك إنه استعاذ بالله تعالى وسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته وأتى بالمفاعلة مبالغة وصرح بهذا مع تضمن الأول له لأن الإطناب في مقام الدعاء محمود ولأن المطابقة أقوى من التضمن ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو لحق الغير فكان التصريح بذلك لا بد منه والرضا والسخط ضدان متقابلان وكذا المعافاة والعقوبة فاستعاذ من أحد الضدين بالآخر وفيه تدل لما فيه من الانتقال من صفات الذات إلى صفات الأفعال وفي رواية عكسه ليكون من باب الترقي إذ صفات الذات أجل وأفخم وإنما استعاذ بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغفحب ثم لما ترك النظر إلى الأكوان وترقى مما له ضد صار إلى ذكر ما لا ضد له فني عن جميع صفاته وارتقى إلى مشاهدة ذاته وأحسن التجريد بإظهار التوحيد فاستعاذ به منه لا غير فقال. قوله: (وأَعوذُ بكَ) مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق وهذا محض العرفان الذي لا يعبر عنه قول ولا يضبطه صفة ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من عبادته والثناء

стр. 672

لا أحْصِي ثَنَاء عَلَيْكَ، أنْتَ كما أثْنَيتَ عَلى نَفْسِكَ". ــ عليه ثم لما تم قرب شهوده الذات وحدها استحى من الإتيان في هذا المقام لولا الخوف المزعج لباطنه والمخرج لكامنه بلفظ الإعاذة فانتقل منه إلى غاية الثناء وهي الاعتراف بالعجز والقصور عن إحصاء أدنى ذرة منه فقال. قوله: (لَا أُحصي ثناءً عليْكَ) أي لا أطيق أن أعد أو أحصر وأصل الإحصاء العد بالحصى لأنهم معتمدون في عندهم عليه كاعتمادنا فيه على الأصابع، ثناء عليك أي فردًا من أفراد الثناء الذي يلزم من العجز عن إحصائه أي ضبطه العجز عن ضبط ما زاد عليه ولذا نكر ثناء ليدل على العجز عن ضبط فرد من أفراد الثناء الواجب لك عليّ في كل لحظة وذرة إذ لا يخلو لمحة قط من وصول إحسان منك إليّ في كل ذرة من تلك الذرات فلو أردت أن أحصي ما في طيها من النعم لعجزت لكثرتها جدًّا (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وروى مالك لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك وإن اجتهدت في ذلك فأنا المقصر في شكر نعمك العاجز عن القيام بشيء من حقوقك فأسأل رضاك وعفوك وقيل المراد لا أطيق الثناء عليك أي لا أنتهي إلى غايته ولا أحيط بمعرفته كما قال ﷺ في حديث الشفاعة فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي وهذا أولى للحديث المذكور ولقوله في الحديث أنت كما أثنيت على نفسِك ومعنى ذلك اعتراف بالعجز عندما ظهر له من صفات جلاله تعالى وكماله وحمديته وقدوسيته وعظمته وكبريائه وجبروته ما لا ينتهي إلى عده ولا يوصل إلى حده ولا يحمله عقل ولا يحيط به فكر وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام ولذلك قال الصديق الأكبر العجز عن درك الإدراك إدراك وقال بعض العارفين سبحان من رضي في معرفته بالعجز عن معرفته اهـ. ثم. قوله: (أَنتَ كمَا أَثنيْتَ إلخ) قيل أنت فيه تأكيد للكاف في قوله عليك لأن المقام للإطناب والتقدير لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت إلخ. قال ابن الجزري ولا يخفى ما فيه فقد روى النسائي في اليوم والليلة من حديث علي كرّم الله وجهه ولفظه لا أستطيع أن أبلغ ثناء عليك ولكن أنت كما أثنيت على نفسك فبطل ذلك التمحل اهـ، وقيل أنت مبتدأ على حذف مضاف تقديره ثناؤك المستحق كثنائك على نفسك فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل وارتفع ذكره ابن عبد السلام جوابًا عما استشكل به ظاهر الخبر من تشبيه

стр. 673

وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "فأما الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيه الرب، وأما السجُودُ، فاجْتَهِدوا فيه بالدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". يقال: ــ ذاته تعالى بثنائه وهما في غاية التباين وقيل إنه مبتدأ خبره محذوف أي أنت القادر على أن تحصي الثناء على ذاتك أو خبره متعلق الظرف بعده والكاف قيل بمعنى على وهو ما جرى عليه ابن حجر في شرح المشكاة فقال أنت الباقي الدائم المستمر كما أي على الأوصاف العلية الجليلة التي أثنيت بها على نفسك اهـ. وقال الطيبي "ما" فيه يحتمل أن تكون موصولة أو موصوفة والكاف بمعنى مثل كهي في مثل (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] أي أنت الذات الذي له صفات الجلال والإكرام والعلم الشامل والقدرة الكاملة تعلم بالعلم الشامل صفات كمالك وتقدر بقدرتك أن تحصي ثناء نفسك فنفى في قوله لا أحصي ثناء عليك عن نفسه القدرة على ذلك اعترافًا بالعجز والقصور وأثبتها لله في قوله أنت كما أثنيت على نفسك إجلالًا وإعظامًا له وذلك إن صفات الجلال والجمال لا نهاية لها فلا تدرك ولا تطاق إلّا بعلم وقدرة لا نهاية لهما وهذا الثناء أي قوله أنت كما أثنيت على نفسك يجوز أن يكون بالقول كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] وبالفعل كما في قوله تعالى: (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وحاصله أن الكاف بمعنى مثل وأنها زائدة وإن ما مع ذلك محتملة لكونها موصولة أو موصوفة قيل فيكون التركيب على الوجه الأول على حد. أنا الذي سمتني أمي حيدره ونظر فيه ابن حجر في شرح المشكاة بأن فيه بعدًا أي بعد وتكلفًا أي تكلف قال وما ذكره من تفسيره أثنيت بقوله أنت الذات إلخ. لا يطابق اللفظ كما هو ظاهر جلي اهـ، وفيه أن قوله أنت الذات إلخ، ليس تفسيرًا لأثنيت إنما هو تفسير لحاصل الكلام الحاصل مما ذكر من كون الكاف زائدة وما موصولة والمطابقة عليه جلية. قوله (وَرَوَينَا في صحيحِ مُسلم عَنِ ابْنِ عباس إلخ) تقدم تخريجه في فصل تكره القراءة في الركوع والسجود وله شاهد من حديث علي ولفظه قَال قال رسول الله ﷺ إذا ركعتم فعظموا الرب وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه البزار وقال لا نعلمه عن علي

стр. 674

قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة: قمين، ومعناه: حقيق وجدير. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ ربهِ وَهُوَ ساجِدٌ، ــ مرفوعًا إلَّا بهذا الإسناد قال الحافظ والمنفرد به ضعيف اهـ. قوله: (قمنٌ بفتحِ الميم) وهو حينئذٍ مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث (وكسرِها) أي وهو وصف يثنى ويجمع ويؤنث وكذَا القمين بالياء. قوله: (ومعناه حَقيق وجدير) وكذا يقال حرى وأهل وعسى. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مُسلم) وكذا رواه أبو داود والنسائي بهذا اللفظ وكذا روي من ذكر حديث أبي هريرة الذي بعده قاله الحافظ والدعاء الذي فيه قال في الإيعاب صرح غير واحد بأنه أفضل أدعية السجود اهـ. قوله: (أَقربُ ما يكونُ العبدُ منْ ربه) أي أقرب أكوانه من رضا ربه وعطفه وعطائه حاصل إذا كان أي وجد (وهُو ساجد) فأقرب مبتدأ وما مصدرية صلتها يكون وحاصل خبره وإذا ظرف متعلق به وكان تامة وجملة وهو ساجد سدت مسد الخبر المحذوف وجوبًا لقيام جملة الحال مقامه ولا يجوز أن تكون الجملة خبرًا لكان المحذوفة قال في المغني وهذا من أقوى الأدلة على أن انتصاب قائمًا في ضربي زيدًا قائمًا على الحال لا على الخبر لكان محذوفًا إذ لا يقترن الخبر بالواو اهـ. قال الدماميني حكى الرضي اقتران خبر الأفعال الناقصة بالواو لكنه قليل اهـ. ثم المفضل عليه محذوف وإسناد الأقربية إلى الوقت مجاز وتقديره إن للعبد حالين في العبادة كونه ساجدًا وكونه غير ساجد فهو حالة السجود أقرب إلى ربه من نفسه في غير حالة السجود وتفضيل الشيء على نفسه باعتبارين كثير شائع والقرب كما أشرنا إليه قرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة والمساحة لأنه تعالى منزه عن الزمان والمكان قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كلام له فالحديث تمثيل لقرب العبد من ربه ورحمته وإجابة دعائه ويؤيده قوله ﷺ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد اهـ، وفي حواشي سنن النسائي للحافظ السيوطي قال البدر بن الصاحب في تذكرته في الحديث إشارة إلى نفي الجهة على الله تعالى فإن العبد في انخفاضه غاية الانخفاض يكون أقرب ما يكون إلى الله تعالى اهـ. ثم الحديث على وفق قوله تعالى: (﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] قال الواحدي اسجد أي صل واقترب إليه بالطاعة ثم

стр. 675

فأكْثِرُوا الدعاءَ". وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهُم اغْفِر لي ذَنبي كُلَّهُ دِقَّهُ وجلهُ، وأوَّلهُ وآخِرَهُ، وعَلانَيَتَهُ وَسِرَّهُ" دقه وجله: بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره. واعلم أنه يستحب أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكَّن منه في وقت أتى به أوقات، كما قدمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويقدم التسبيح، وحكمه ما ذكرناه في أذكار الركوع من كراهة قراءة القرآن فيه وباقي الفروع. فصل: اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه: القيام أفضل. لقول النبي ﷺ ــ أورد الحديث المذكور قال العراقي في شرح الترمذي ذكر من حكمة ذلك أمور "أحدها" إن العبد مأمور بإكثار الدعاء في السجود كما في تتمة الحديث والله تعالى قريب من السائلين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] "الثاني" إن حالة السجود حالة خضوع وذل وانكسار لتعفير الساجد وجهه في التراب ولذا قال ابن مسعود ما حال أحب إلى الله تعالى أن يجد العبد فيه من أن يجده عافرًا وجهه رواه الطبراني في الكبير بسند حسن ومثله لا يقال من قبل الرأي "الثالث" السجود أول عبادة أمر الله بها بعد خلق آدم فكان المتقرب بها إلى الله أقرب منه في غيره "الرابع" إن فيه مخالفة لإبليس في أول ذنب عصي الله به من التكبر في السجود اهـ. قوله: (فأكثِروا الدعاءَ) أي فيه فإن ذلك القرب سبب لكل مغنم. قوله: (واعلم أَنهُ يُستحب أَنْ يجمَعَ في سجودِه إلخ) قال الحافظ لم أر ذلك صريحًا في حديث ولعله أخذه من الأحاديث المصرحة بأنه ﷺ أطال السجود ولم يكن يطيله إلَّا بالذكر فاحتمل أن يكرر واحتمل أن يجمع والثاني أقرب لكن على هذا لا يختص بما ذكره الشيخ بل يضم إلى جميع ما ورد أنه ﷺ قاله في سجوده وكذا ما ورد عنه من أدعية الصلاة فإنه منحصر في السجود وفيما بين التشهد والسلام اهـ، ولا يرد عليه ما تقدم من إنه ﷺ دعا في ركوعه بقوله رب اغفر لي لأنه فيه يسير جدًّا فلقلته لم يتعرض لذكره. فصل قوله: (فمذهبُ الشافعي إلخ) ثم الأفضل بعده إطالة السجود ثم الركوع

стр. 676

في الحديث في "صحيح مسلم": "أفضل الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ" ومعناه: القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن أفضل، فكان ما طول به أفضل. وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ ربهِ وَهُوَ ساجِدٌ". قال الإمام أبو عيسى الترمذي في كتابه: اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طول القيام في ــ لخبر أقرب ما يكون العبد إلخ، خرج منه تطويل القيام لما ذكر فيه فبقي على عمومه فيما عداه وفي التحفة والحاصل أن تطويل القيام أفضل من تكرير السجود فإذا استوى الزمان فالمصروف لطول القيام أفضل من المصروف لتكرير السجود وإطالة القيام أفضل من تكثير الركعات هذا وقد اختلف أصحابنا فيما إذا طول القيام والركوع والسجود ونحوها كوقوف عرفة هل يثاب على الجميع ثواب فرض أو نفل فقال كثير بالأول وهو أليق بسعة الفضل وقال كثيرون بالثاني وهو أرجح حيث أمكن تمييز الفرض من غيره بخلاف بعير مخرج عن خمس من الإبل. قوله: (في الحدِيثِ الصحيحِ في صحيحِ مُسْلمٍ) رواه فيه عن جابر وكذا رواه عنه أحمد والترمذي وابن ماجة ورواه الطبراني من حديث أبي موسى وعمرو بن عبسة وعمير بن قتادة الليثي كما في الجامع الصغبر للحافظ السيوطي وقد ذكر الحافظ في جملة من خرجه ابن خزيمة وقد أشار المحب الطبري إلى الاعتراض على الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب أي أفضلية طول القيام في الصلاة على كثرة السجود لأن لفظ القنوت وإن أورد بمعنى القيام قد ورد بمعنى الخشوع فليس الحمل على أحدهما بأولى من الآخر لكن ورد في خبر آخر حسن عند أحمد وأبي داود وغيرهما بلفظ القيام فترجح الحمل عليه وأولى ما فسر الحديث بالحديث اهـ. قوله: (ومعناهُ القيَامُ) أي معناه هنا القيام ويطلق القنوت على الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادات وعلى طول القيام والسكوت وينصرف لكل منهما بحسب القرينة اللائقة به. قوله: (وذَهبَ بعضُ العلمَاءِ إلى أَن السجودَ أفضَلُ)

стр. 677

الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود. وقال بعضهم: كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام. وقال أحمد بن حنبل ﵀: روي فيه حديثان عن النبي ﷺ ، ولم يقض فيه أحمد بشيء. وقال إسحاق: أما بالنهار، فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل، فطول القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود. قال الترمذي: وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصف صلاة النبي ﷺ بالليل، ووصف طول القيام، وأما بالنهار، فلم يوصف من صلاته ﷺ من طول القيام مما وصف بالليل. ــ عبارة المصنف في شرح مسلم أحدها أي الأقوال أن تطويل القيام وتكثير الركوع والسجود أفضل حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة وممن قال بتفضيل السجود ابن عمر وقال قبل ذلك وفي الخبر دليل لمن يقول السجود أفضل من القيام اهـ. وفي التحفة لابن حجر وكون المصلي أقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا إنما هو بالنسبة لاستجابة الدعاء فيه فلا ينافي أفضلية القيام اهـ. قوله: (وقَال أَحمدُ رُويَ فيِهِ حديثَانِ) قال الحافظ أشار إلى حديثي أفضل الصلاة القنوت وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ويحتمل أن يكون أراد بالثاني الحديث الوارد في الترغيب في كثرة السجود وهو حديث ثوبان مرفوعًا عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلَّا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة الحديث عند مسلم وغيره وقد ورد هذا المعنى من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة. قوله: (وقَال إسْحاقُ) يعني ابن زاهويه كما في شرح مسلم للمصنف. قوله: (قَال الترمذِي وإنمَا قَال إِسْحاقُ إلخ) قال ابن الجوزي وهذا هو الصحيح لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ طول قيام في صلاة النهار والسر في ذلك أن القيام إنما يراد للقراءة والقراءة إنما تراد للتفكر فالقلب يخلو بالليل عن الشواغل فيحصل المقصود من التلاوة بخلاف النهار اهـ. وقال

стр. 678

فصل: إذا سجد للتلاوة، استحب أن يقول في سجوده ما ذكرناه في سجود الصلاة، ويستحب أن يقول معه: "اللهُم ــ ابن القيم في الهدي النبوي وقالت طائفة طول القيام بالليل أفضل وكثرة الركوع والسجود في النهار أفضل واحتجت هذه الطائفة بأن صلاة الليل قد خصت باسم القيام كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] وقال من قام رمضان إلخ، ولذا يقال قيام الليل ولا يقال قيام النهار قالوا وكان هذا هدي النبي ﷺ فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة وكان يصلي الركعة في بعض قيامه بالبقرة والنساء وآل عمران وأما بالنهار فلم يحفظ عنه شيء من ذلك بل كان يخفف السنن اهـ. فصل قوله: (ويستَحب أَنْ يقولَ معه إلخ) قال في السلاح وعن ابن عباس ﵄ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا وضع عني بها وزرًا واجعلها لي عندك ذخرًا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇ قال الحسن قال لي ابن جريج قال لي جدك قال ابن عباس فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة رواه الترمذي واللفظ له وابن ماجة والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم هو من شرط الصحيح اهـ. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر من ذكر من مخرجيه سوى الحاكم ما لفظه كلهم رووه عن محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه وخنيس بضم المعجمة وفتح النون وسكون التحتية بعدها سين مهملة والحسن قال بعضهم لم يرو عنه غير محمد بن يزيد وقال العقيلي لا يتابع على حديثه قال الحافظ ابن حجر ومحمد بن يزيد شيخ مكي قال أبو حاتم الرازي كتبنا عنه بمكة وذكره ابن حبان في الثقات قال وربما أخطأ وأخرج مع ذلك حديثه في صحيحه ثم حديث ابن عباس هذا قال فيه الحافظ حديث حسن وعلى حديث ابن عباس اقتصر الشيخ المصنف كما سيأتي في قوله "وأما قوله اللهم اجعلها عندك ذخرًا الخ" قال الحافظ المنذري

стр. 679

اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْرًا وأعْظِمْ لي بِهَا أجْرًا، وَضَعْ عَني بِها وزرًا، وتَقَبلْها مِني كما تَقَبلْتَهَا مِنْ داوُدَ ﵇". ــ وروي الحديث أي حديث ابن عباس أبو يعلى والطبراني من حديث أبي سعيد الخدري قال رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة وكأن الشجرة تقرأ ص فلما أتت على السجدة سجدت وقالت في سجودها اللهم اغفر لي بها اللهم حط عني بها وزرًا وأحدث لي بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته فغدوت على النبي ﷺ فأخبرته فقال سجدت يا أبا سعيد قلت لا قال فأنت أحق بالسجود من الشجرة ثم قرأ سورة ص ثم أتى على السجدة فسجد وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها وفي إسناده يمان بن نصر ذكره الذهبي في الميزان وقال بيض له ابن أبي حاتم فهو مجهول. قلت كلا قد روى عنه عمرو بن علي والجراح ويعقوب بن سفيان وذكره ابن حبان في الثقات ولكن شيخه يعني عبد الله بن سعيد بن المدني ما عرفته والعلم عند الله اهـ. قلت وكذا أخرجه ابن السني من حديث أبي موسى الأشعري قال رأيت في المنام كأني في ظل شجرة ومعي دواة وقرطاس وأنا أكتب من أول ص حتى بلغت السجدة فسجدت الدواة والقرطاس والشجرة وسمعتهن يقلن في سجودهن اللهم احطط بها وزرًا وأحرز بها شكرًا وأعظم بها أجرًا الحديث ولم يذكر في آخره إن النبي ﷺ فعل ذلك اهـ. قوله: (اجعلها لي عندك ذخرًا) أي اجعل السجدة المدلول عليها بالفعل باعتبار ثوابها والذخر بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين ما يدخر والمراد ذخرا في غاية الشرف والعظمة كما أفادهما عندك وسيأتي في أذكار الصلاة في قوله فاغفر لي مغفرة من عندك ما يزيد هذا المقام وضوحا. قوله: (وأَعظمْ لِي بهَا) أي بسببها أو بدلها أو مقابلها وفي لفظ الحديث واكتب لي بها عندك أجرًا وكررت في الخبر مع أن مضمونها مرادف لمضمون اجعلها لي عندك ذخرًا لأن مقام الدعاء مقام إطناب ويصح أن يكون هذا غير ذاك لأن هذا فيه طلب كتابة الأجر وذاك فيه طلب بقائه سالما من محبط أو مبطل. قوله: (كمَا قَبلْتها منْ عَبدَكَ دَاودَ) لا يقال فيه إيماء إلى إن سجدة ص للتلاوة لأنا نقول هو مسلم لو لم يعارضه ما هو صريح في أنها سجدة شكر من قوله ﷺ في الحديث ونحن نسجدها شكرًا ثم داود يكتب بواو واحدة وما

стр. 680

ويستحب أن يقول أيضًا: "سُبْحانَ رَبنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبنا لَمَفْعُولا" نص الشافعي على هذا الأخير أيضًا. روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: "سَجَدَ وَجْهِي لِلَذي خَلَقَهُ، وَشَق سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَولِهِ وَقوَّتِهِ" قال الترمذي: حديث صحيح، ــ أحسن قول بعض الأدباء: إنما كان ضرب زيد لعمرو ... في اصطلاح النحاة قولًا ورسما أن داود قال يا زيد عمرو ... أخذ الواو من حروفي ظلما قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي عسر علي في هذا الحديث إن يقول أحد ذلك فإن طلب قبول مثل ذلك القبول وأين ذلك اللسان وأين تلك النية قال الجلال السيوطي ليس المراد المماثلة من كل وجه بل في مطلق القبول وقد ورد في دعاء الأضحية كما تقبلت من إبراهيم خليلك ومحمد نبيك وأين المقام من المقام ما أريد بهذا إلَّا مطلق قبول وفيه ايماء إلى أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء وإذا ورد الحديث بشيء اتبع ولا إشكال اهـ. قوله: (ويستَحب أَنْ يقُولَ أَيضًا سبحانَ ربنا إلخ) قال الحافظ سبق الشافعي إلى ذلك سعيد بن أبي عروبة وكان أحد فقهاء البصرة وأدرك بعض الصحابة وأخرجه ابن أبي شيبة من طريقه ولا يعترض بالنهي عن القراءة في السجود لأنه يحمل على إرادة التلاوة كما في الذي قبله يعني قوله في حديث الحاكم ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] اهـ. قوله: (رَوَينْا في سنَنِ أَبِي داوُدَ إلخ) قال في السلاح بعد أن أورده باللفظ المذكور هنا وفيه بعد وخلقه "وصوره" كما هي في بعض النسخ المصصحة ملحقة: ما لفظه رواه أبو داود والترمذي والنسائي واللفظ له والترمذي وقال حسن صحيح ولفظ أبي داود يقول في السجدة مرارًا ورواه الحاكم في المستدرك وزاد فيه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤] وقال صحيح على شرط الشيخين اهـ، وكلامه ظاهر في أن من ذكر رووا قوله وصوره لكن راجعت نسختين

стр. 681

زاد الحاكم: "فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقِينَ" قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط "الصحيحين". وأما قوله: "اللهُم اجعلها لي ذخرا ... الخ" فرواه الترمذي مرفوعًا من رواية ابن عباس ﵄ بإسناد حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح. باب ما يقول في رفع رأسه من السجود وفي الجلوس بين السجدتين ــ من سنن أبي داود وأصلًا مصححًا من الترمذي فلم أجد فيهما ذلك وعبارة الشيخ ابن حجر في شرح المشكاة زاد البيهقي بعد خلقه وصوره فرواها البيهقي وهي تؤيد ما ذكرته وقال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ وليس فيه قوله وصوره هذا حديث حسن قال ابن خزيمة بعد تخريج الحديث إنما أخرجته لئلا يغتر به بعض الطلبة فيظنه صحيحًا وليس كذلك فإن خالدًا الحذاء لم يسمعه من أبي العالية بل بينهما فيه رجل قال الحافظ كأنه يشير إلى ما رواه أحمد وغيره عن إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن رجل عن أبي العالية عن عائشة فذكره وخفيت علته هذه على الترمذي فصححه واغتر ابن حبان بظاهره فأخرجه في صحيحه عن ابن خزيمة وتبعه الحاكم في تصحيحه وكأنهما لم يستحضرا كلام إمامهما فيه وذكر الدارقطني في العلل اختلافًا فيه وقال الصواب رواية إسماعيل قال وإنما قلت حسنا لأن له شاهدا من حديث علي كما تقدم وإن كان في مطلق السجود ونبه الحافظ على إنه لم ير في النسخ المعتمدة من الأذكار في آخر الحديث بحوله وقوته وهو ثابت في الكتب الثلاثة التي نسبها إليه اهـ. قلت قد رأيت ذلك في نسخة مصححة مقروءة على حفاظ متقنين كالتقي ابن فهد وابن النجم وحفيده الغر في آخرين ألحقت في الهامش وكتب عليها (وزاد الحاكم) قال الحافظ وأخرجه البيهقي عن الحاكم وأخرجه من طريق أخرى ولم يذكر فيها هذه الزيادة اهـ. باب ما يقول في رفع رأسه من السجود وفي الجلوس بين السجدتين وفي بعض النسخ ساقط وفي الجلوس إلخ، قال ابن الجزري في تصحيح المصابيح إنما خص بين السجدتين بالدعاء لأنه حال بين حالتين مأمور بالدعاء فيهما فأعطى حكمهما فكأنه لم يعد فاصلًا بين السجدتين اهـ. قال المصنف وأي دعاء دعا به في الجلوس بين

стр. 682

السنة: أن يكبر من حين يبتدئ بالرفع ويمد التكبير إلى أن يستوي جالسًا، وقد قدمنا بيان عدد التكبيرات، والخلاف في مدها، والمد المبطِل لها، فإذا فرغ من التكبير واستوى جالسًا، فالسُّنَّة أن يدعو بما رويناه في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي وغيرها، عن حذيفة ﵁ في حديثه المتقدم في صلاة النبي ﷺ في الليل، وقيامه الطويل بـ (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال: وكان يقول بين السجدتين: "رَب اغفرْ لي، رَب اغْفِرْ لي"، وجلس بقدر سجوده. ــ السجدتين تأدت به السنة لكن المروي أفضل نقله ابن المزجد في التجريد. قوله: (السنةُ أَنْ يكَبِّرَ) أي من غير رفع يد ويرتفع منه رأسه قبل يديه. قوله: (فالسنَّةُ أَنْ يدعُوَ بمَا رَوَينَاهُ في سُننِ أَبي دَاودَ الخ) قال الحافظ وأخرجه أحمد أيضًا قال الحافظ ووقع من وجه آخر مقتصرًا على المقصود فأخرجه بسنده إلى حذيفة قال كان رسول الله ﷺ يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي قال الحافظ بعد تخريجه هكذا أخرجه ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان عن ابن خزيمة والحاكم وفي تصحيح هؤلاء لإسناد هذا الحديث نظر فإن طلحة بن يزيد هو أبو حمزة لم يسمع من حذيفة كما جزم به النسائي وقد عرف الواسطة بينهما في رواية شعبة الراوي لحديث أبي داود وغيره ممن ذكره المصنف فإنهم رووه من طريق شعبة وفيه عن أبي حمزة عن رجل من بني عبس كان شعبة يرى إنه صلة عن حذيفة اهـ. قوله: (وغيْرِها) كمسند الدارمي. قوله: (وَجَلَسَ بقدْرِ سجُودهِ) قال ابن القيم في الهدي كان هديه ﷺ إطالة هذا الركن بقدر السجود وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث وفي الصحيح عن أنس كان رسول الله ﷺ يقعد بين السجدتين حتى نقول قد نسي أو قد أوهم وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة ولهذا قال ثابت وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه يمكن بين السجدتين حتى نقول قد نسي أو قد أوهم وأما من حكم السخة ولم يلتفت إلى ما خالفها فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي وفي شرح المشكاة فيه تطويل الاعتدال والجلوس بين السجود مع انهما قصيران عندنا ومن

стр. 683

وبما رويناه في "سنن البيهقي"، عن ابن عباس في حديث مبيته عند خالته ميمونة ﵂ وصلاة النبي ﷺ في الليل، فذكره قال: وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال: "رَب اغْفِرْ لي وارْحَمْني واجْبُرْني وارْفَعْني وارْزُقْني واهْدِني" وفي رواية أبي داود: "وعافِني"، ــ ثم اختار النووي طولهما بل جزم به المذهب في بعض كتبه اهـ. قوله: (وبما رَوَينْاهُ في سُننِ البيهقي) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن السني كلهم عن ابن عباس لكن قوله وأجبرني انفرد به الترمذي والبيهقي وقال الحافظ فعد تخريج الحديث بلفظ رواية البيهقي أخرجه الطبراني في الكبير ومعنى اجبرني اغثني من جبر الله مصيبته أي رد عليه ما فات منه وذهب أو عوضه وأصله من جبر الكسر أي أصلحه كذا في النهاية وقوله وأرفعني انفرد به ابن ماجة والحاكم في المستدرك والبيهقي وكان هذا وجه الاقتصار في عزو التخريج للبيهقي فقط لكونه روى الجميع والمراد الرفعة في المقدار والرتبة. قوله: (وفي رِوايةِ أَبي دَاودَ وعافِني) وكذا هو عند البيهقي في السنن ونقل في السلاح كذلك عما عدا البيهقي لأنه لم يذكره في مخرجي الحديث والله أعلم. قال الحافظ ظاهر صنيع الشيخ يفهم أنه زادها على روابة البيهقي وهو كذلك لكنه نقص ثنتين اجبرني وارفعني وأخرج الحافظ من طريق الطبراني في كتاب الدعاء له ومن طريق غيره كلاهما عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني وقال بعد إخراجه حديث غريب أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان في الضعفاء والحاكم قال الترمذي غريب وقال الدارقطني والطبراني لم يروه عن حبيب يعني الراوي عن سعيد عن ابن عباس إلا كامل زاد الطبراني ولم يروه عن كامل إلا زيد بن الحباب ومحبيد بن إسحاق وتعقبه الحافظ بأنه قد رواه ابن ماجة من طريق إسماعيل بن صبيح عن كامل فالمنفرد به كامل وقد اختلف في توثيقه ووقع في رواية ابن حبان زيادة وانصرني وإذا ضمت إلى ما تقدم تمت الألفاظ ثمانية والله أعلم. تنبيه ذكر المصنف في مجموعه تبعًا للرافعي وغيره بلفظ رب اغفر لي واجبرني وعافني وارزقني واهدني ثم قال والأحب أن يضم إليها وارحمني وارفعني فقد ورد ذلك وذكره في الروضة بلفظ أغفر لي

стр. 684

وإسناده حسن، والله أعلم. فصل: فإذا سجد السجدة الثانية قال فيها ما ذكرناه في الأولى سواء، فإذا رفع رأسه منها، رفع مكبرًا، وجلس للاستراحة ــ وارحمني واجبرني واهدني وارزقني وهذا موافق لرواية الترمذي ورواية أبي داود مثلها لكن قال عافني بدل اجبرني فينتظم من رواية الثلاثة ما ذكره في مجموعه وجمعها ابن عدي إلا ارفعني ومثله ابن حبان لكن عنده انصرني بدل اهدني واتفقت روايات الجميع على إثبات اغفر لي وارحمني فعجب لمن حذف ارحمني كالغزالي والرافعي وقد ثبتت أيضًا في رواية البيهقي ورواية الحاكم مثلها وأثبت الغزالي في الوجيز بعد عافني واعف عني وحذفها الرافعي ووقع في رواية بريدة مثل حديث علي وزاد في آخره رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير أخرجه البزار بسند فيه ضعيف ويجتمع من جميع ما ذكر عشر كلمات قاله الحافظ. قوله: (وإسنَادُهُ) أي أبي داود وإلا فإسناد الخبر الذي فيه ذلك صحيح كما نقله في السلاح عن الحاكم لكن قال الحافظ وقول الشيخ إسناده حسن كأنه اعتمد فيه على سكوت أبي داود وأما الحاكم فصححه على قاعدته في عدم الفرق بين الصحيح والحسن، قلت وقد صرح ابن الملقن في البدر المنير بصحة حديث ابن عباس المذكور وقال أخرجه الحاكم في موضعين من مستدركه وقال في كلا الموضعين حديث صحيح الإسناد اهـ، وظاهر سياق اعتماده في تصحيحه على تصحيح الحاكم له وقد علمت ما فيه قال الحافظ وقد قال الترمذي بعد تخريجه وبه يقول علي ﵁ ثم أخرج الحافظ حديث علي إلى سليمان التيمي قال بلغني أن عليًّا كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي وارحمني وارفعني واجبرني ورواه البيهقي وقال ورواه الحارث عن علي فقال اهدني بدل وارفعني أخرجه الحافظ أيضًا من طريق الطبراني في الدعاء عن الحارث عن علي إنه كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارزقني وارفعني ورجال السندين موثقون إلَّا الواسطة بين سليمان وعلي في السند الأول وكذا في السند الثاني إلَّا الحارث وهو ابن عبد الله بن الأعور مشهور وضعه جماعة اهـ فصل قوله: (وجلَسَ للاسترَاحة) أي ولو كان قويًّا ولو

стр. 685

جلسة لطيفة بحيث تسكن حركته سكونًا بينًا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، ويمد التكبيرة التي رفع بها من السجود إلى أن ينتصب قائمًا، ويكون المد بعد اللام من "الله" هذا أصح الأوجه لأصحابنا، ولهم وجه أنه يرفع بغير تكبير، ويجلس للاستراحة، فإذا نهض كبر، ووجه ثالث: أنه يرفع من السجود مكبرًا، فإذا جلس قطع التكبير، ثم يقوم بغير تكبير. ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرين في هذا الموضع، وإنما قال أصحابنا: الوجه الأول أصح لئلا يخلو جزء من الصلاة عن ذِكْر. واعلم أن جلسة الاستراحة سُنة ثابتة صحيحة في "صحيح البخاري" وغيره من فعل رسول الله ﷺ ، ومذهبنا استحبابها ــ كانت الصلاة نقلًا وهي فاصلة ليست من الأولى ولا من الثانية. قوله: (جلُوسًا لَطيفًا) أفهم إنه لا يجوز تطويله كالجلوس بين السجدتين وهو المعتمد فإن طوله قدر أقل التشهد عامدًا عالمًا بطلت صلاته. قوله: (في صحيحِ البخَارِي وغيْرِه منْ فِعلِ النبي ﷺ ) في البدر المنير لابن الملقن عن مالك بن الحويرث إنه رأى النبي ﷺ يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا وهو معدود من أفراد البخاري ورواه بغير هذا اللفظ أيضًا وفي الهدي لابن القيم في أثناء كلام إنما ذكرت يعني جلسة الاستراحة في حديث مالك بن الحويرث وأبي حميد ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته اهـ. وقال الحافظ وأشهر الأحاديث فيه حديث مالك بن الحويرث قال إنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالسًا أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ثم ذكر له الحافظ طرقًا وأخرج البيهقي في بعض طرق حديث أبي حميد الساعدي في وصفه صلاة النبي ﷺ ما يشهد لحديث مالك بن الحويرث وأصله عند البخاري وغيره بدون الزيادة قال الحافظ بعد تخريج حديث أبي حميد الذي في إثبات هذه الجلسة حديث صحيح أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة ثم ذكر رواية

стр. 686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه ليس فيها ذكر هذه الجلسة ولا الرفع منها وجاء في حديث عنه عند أبي داود والترمذي ولم يتعرض فيه لصفة الرفع من السجدة الثانية وجاءت رواية ثالثة عنه تدل على إنه رفع من السجدة الثانية من غير جلوس قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان قال الحافظ فاختلف على أبي حميد في جلسة الاستراحة إثباتًا ونفيًا وسكوتًا وكذا وقع في قصة المسيء صلاته على الوجوه الثلاثة وقال أخرجه البخاري بالأنحاء الثلاثة من حديث أبي هريرة فأخرجه في كتاب الاستئذان من رواية عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر العمري قال بعد ذكر السجدة الثانية ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وأخرجه في كتاب الإيمان والنذور من رواية أبي أسامة عن العمري فقال بعد ذكر السجدة الثانية ثم ارفع حتى تستوي قائمًا وأخرجه في كتاب الصلاة من رواية يحيى القطان عن العمري فلم يذكر ما بعد السجدة الثانية وأخرجه مسلم من هذه الطرق الثلاثة لكن ساقه على لفظ القطان ثم ظاهر كلام الشيخ إن الحكم المذكور لم يرد من قول النبي ﷺ صحيحًا وليس كذلك لما قدمناه في حديث المسيء صلاته وكلامه في مجموعه يقتضي إنه لم يذكر في قصة المسيء صلاته وقد ورد فيها كما قدمناه ويقتضي أيضًا إن نفيه لم يقع إلّا في حديث وائل وقد تمدم عن أبي حميد وجاء أيضًا عن رفاعة في بعض طرقه وقد ذكر ابن المنذر إن الإمام أحمد احتج بحديثه للقول بترك جلسة الاستراحة ثم أخرج الحافظ من طريق الإمام أحمد بن حنبل عن يحيى بن خلاد بن رافع عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع فذكر قصة المسيء صلاته وقال فيه بعد ذكر الجلوس بين السجدتين ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم قم قال الحافظ وكذا أخرجه أصحاب السنن الأربعة والطبراني عن علي بن يحيى المذكور عن أبيه كلها ساكتة عما بعد السجدة الثانية وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وجاء أيضًا عن أبي مالك الأشعري فأخرج الحافظ عنه إنه جمع قومه فذكر الحديث في صفة الصلاة وفيه بعد ذلك الجلوس بين السجدتين ثم كتر فسجد ثم كثر فانتهض قائمًا وفي آخبره أنها صفة صلاة رسول الله ﷺ ولم يتكلم الحافظ على حال سنده ثم قال الحافظ وحديث وائل احتج به الشيخ في المهذب والرافعي وغيره ولفظه إن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجدة استوى

стр. 687

لهذه الأحاديث الصحيحة، ثم هي مستحبة عقيب السجدة الثانية من كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجوده التلاوة في الصلاة، والله أعلم. باب أذكار الركعة الثانية اعلم أن الأذكار التي ذكرناها في الركعة الأولى يفعلها كلها في الثانية على ما ذكرناه في الأولى من النفل وغير ذلك من الفروع المذكورة، إلا في أشياء. أحدها: أن الركعة الأولى فيها تكبيرة الإحرام وهي ركن، وليس كذلك الثانية فإنه لا تكبير في أولها، وإنما التكبيرة التي قبلها للرفع من السجود مع أنها سُنة. الثاني: لا يشرع دعاء الاستفتاح في الثانية بخلاف الأولى. الثالث: قدمنا أنه يتعوذ في الأولى بلا خلاف، وفي الثانية خلاف. الأصح: أنه يتعوذ. الرابع: المختار: أن القراءة في الثانية تكون أقل من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدمناه، والله أعلم. ــ قائمًا بتكبيرة وهذا الحديث بيض له الحازمي في تخريج أحاديث المهذب وكذا المنذري ولم يخرجه الشيخ في شرحه ولا من خرج أحاديث الرافعي وكنت تبعتهم ثم ظفرت به في مسند البزار في أثناء حديث طويل ذكر فيه صفة الوضوء والصلاة وفيه بعد ذكر السجدة الثانية ثم رفع رأسه بالتكبير إلى أن اعتدل في قيامه وفي سنده ضعف وانقطاع وليس صريحًا في نفي جلسة الاستراحة اهـ. قوله: (لهذه السنة الصحيحة) أي وكونها لم ترد في أكثر الأحاديث لا حجة فيه لعدم ندبها وورود ما يخالف ذلك غريب كذا في التحفة لابن حجر. قوله: (يقومُ عنْها) أي بأن لا يعقبها تشهد باعتبار إرادته وإن خالف المشروع كما أفتى به البغوي وأفهم قوله يقوم عنها أنها لا تسن لقاعد. قوله في باب أذكار الركعة الثانية: لا يشرع دعاء الافتتاح قال ابن القيم في الهدي وكان إذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت كما كان عند افتتاح

стр. 688

باب القنوت في الصبح اعلم أن القنوت في صلاة الصبح سُنة. للحديث الصحيح فيه عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا"، ــ الصلاة واختلف الفقهاء هل هذا موضع استعاذة أو لا بعد اتفاقهم إنه ليس بموضع استفتاح وفي ذلك قولان مبناهما إن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة فيكفي لها استعاذة واحدة أو قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها ولا نزاع بينهم إن الاستفتاح لمجموع الصلاة اهـ. باب القنوت في فتح الباري ذكر ابن العربي للقنوت عشرة معانٍ فنظمها شيخنا زين الدين العراقي فقال: ولفظ القنوت اذكر معانيه تجد ... مزيدًا على عشر معان مرضيه دعاء خشوع والعبادة طاعه ... أقامتها إقراره بالعبوديه سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة المتتاليه وعند أهل الشرع اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. قوله: (عَنْ أنس إلخ) في الخلاصة للمصنف عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا صحيح رواه جماعات من الحفاظ وصححوه وممن نص على صحته الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي والحاكم في المستدرك ومواضع من كتب البيهقي ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة وعن العوام بن حمزة قال سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح فقال بعد الركوع قلت عمن قال عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما رواه البيهقي وقال هذا إسناد حسن، وعن ابن معقل التابعي قال قنت في الفجر علي ﵁ قال البيهقي هذا عن علي صحيح مشهور، قال أصحابنا الذين رووا إثبات القنوت أكثر ومعهم زيادة علم فتقدم روايتهم اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة أما رواية تركه فالمراد ترك الدعاء عليهم لا ترك جميع القنوت أو ترك القنوت في غير

стр. 689

رواه الحاكم أبو عبد الله في كتاب "الأربعين"، وقال: حديث صحيح. واعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح، وهو سنة مؤكدة، لو تركه لم تبطل صلاته، ــ الصبح كما بينه خبر أنس فإنه مفصل فيقضي به على هذا المجمل اهـ، وزاد في شرح العباب ويوافقه أي خبر أنس المذكور روايتهما عن أبي هريرة ﵁ ثم ترك الدعاء عليهم لكن في الهدي لابن القيم إنه ﷺ قنت في الصلاة وترك وكان تركه أكثر من فعله ولا كراهة على من فعل ولا من ترك وأطال في الاستدلال له بما في بعضه نظر قال ابن حجر في شرح المشكاة في حديث أبي مالك الأشجعي قلت لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة نحوًا من خمسين سنة أكانوا يقنتون قال أي بني محدث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وأجاب أئمتنا بأن الذين أثبتوا معهم زيادة علم فوجب تقديمهم لا سيما وهم أكثر* قلت قال الحافظ ولعل النبي ﷺ ومن ذكر أسروه فلم يسمعه أبو مالك وكان بعيدًا أو نسي ويعكر عليه ورود نحو ذلك عن ابن مسعود اهـ. وما روي عن ابن مسعود إنه ﷺ لم يقنت في شيء من صلاته إلّا في الوتر وكان إذا حارب قنت في الصلوات كلها يدعو على المشركين ضعيف جدًّا، وكذا ما روي عن ابن عباس إنه بدعة وعن أم سلمة إنه ﷺ نهى عن القنوت في الصبح فهذه كلها ضعيفة، ومما يرد ما ذكر عن ابن عباس ما رواه البيهقي عنه من طرق إنه ﷺ يعلمهم اللهم اهدني إلخ، ليدعوا به في قنوت الصبح وقول ابن عمر ما أحفظه عن أحد من الصحابة معارض بمن حفظه وهو أسن منه وأكثر عددًا فقدم عليه سيما وهو ناف وغيره مثبت اهـ. دوله: (أَخرجهُ أَحمد في كتاب الأَربعين) قال الحافظ وأخرجه الحاكم في كتاب القنوت ولفظه ثم عن أنس قال ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا قال الحافظ حديث حسن أخرجه أحمد وفي سنده أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن ماهان مختلف فيه وكذا في شيخه وأسند الحافظ عن أنس أيضًا قنت ﷺ شهرًا ثم تركه فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وأسند أيضًا عن أبي جعفر الرازي قال كنت جالسًا عند أنس بن مالك فقيل إنما قنت ﷺ شهرًا فقال لم يزل يقنت

стр. 690

لكن يسجد للسهو سواء تركه عمدًا أو سهوًا. وأما غير الصبح من الصلوات الخمس، فهل يقنت فيها؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى، الأصح المشهور منها: أنه إن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا ــ في الصبح حتى فارق الدنيا أخرجه الحاكم هكذا وصححه على طريقته في تصحيح ما هو حسن عند غيره اهـ. قوله: (لكن يسجدُ للسهو) وكذا يسجد للسهو إذا ترك شيئًا من كلماته ومحل عدم تعين كلماته إذا لم يشرع فيه وفارق بدله لأنه لا حد له. قوله: (عَمدًا أَوْ سَهوًا) وقيل إن تركه عمدًا فلا يسجد لتقصيره فتفوت السنة على نفسه وردوه بأن خلل العمد أكثر فكان إلى الجبر أحوج. قوله: (أَما في غيْر الصبح إلخ) قال بعضهم ليس المراد بالقنوت في النازلة ما يقال في الصبح لأنه لم يرد في النازلة وإنما الوارد الدعاء برفع النازلة فهو المراد هنا ولا يجمع بينه وبين الدعاء برفعها لئلا يطول الاعتدال وهو مبطل اهـ. ورد بأن ظاهر كلامهم خلاف ذلك وقوله هو مبطل خلاف المنقول فقد قال القاضي لو طول القنوت المشروع زائدًا على العادة كره وفي البطلان احتمالان وقطع المتولي وغيره بعدمه لأن المحل محل الذكر والدعاء، إذا تقرر هذا فالذي يتجه إنه يأتي بقنوت الصبح ثم يختم بسؤال تلك النازلة فإن كانت جدبًا دعا ببعض ما ورد في أدعية الاستسقاء كذا في التحفة لابن حجر وخرج بقوله من الصلوات الخمس غيرها فيكره في الجنازة مطلقًا لبنائها على التخفيف والمنذورة والنافلة التي يسن فيها الجماعة وغيرهما فلا يسن فيها ثم إن قنت فيها لنازلة لم يكره وإلا كره وقول جمع يحرم ويبطل في النازلة ضعيف لقول بعضهم يبطل إن أطال لإطلاقهم كراهة القنوت في الفريضة وغيرها لغير النازلة. قوله: (الأَصحُّ المشهورُ إلخ) قال الحافظ دليل هذا القول حديث ابن عباس قنت ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح يدعو على رعل وذكران وعصية في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة ويؤمن من خلفه قال الحافظ بعد إخراجه حديث حسن أخرجه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه. قوله: (نازلةً) أي عامة أو خاصة في معنى العامة لعود ضررها على المسلمين على الأوجه كوباء وطاعون وقحط وجراد وكذا مطر يضر بالعمران أو زرع وخوف عدو وكأسر عالم أو شجاع للأحاديث الصحيحة إنه ﷺ قنت شهرًا

стр. 691

في ذلك لجميع الصلوات، وإلا فلا. والثاني: يقنتون مطلقًا. والثالث: لا يقنتون مطلقًا، والله أعلم. ــ يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة لدفع تمرد القاتلين لا لتدارك المقتولين لتعذره وقيس غير خوف العدو عليه. فائدة قال الجوهري النازلة الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس. قوله: (وإنْ لم تنزَل لَا يقْنتُوا) أي يكره ذلك لعدم وروده لغير النازلة وفارقت الصبح غيرها بشرفها مع اختصاصها بالتأذين قبل الوقت وبالتثويب وبكونها أقصرهن فكانت بالزيادة أليق وليعود على يومه بالبركة لما فيه من الذلة والخضوع. فائدة قال الحافظ في فتح الباري ظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة كما ثبت أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وثبوت الأمر بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة مشاركة المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين ومن ثم اتفقوا على الجهر به خلاف قنوت الصبح ففي الجهر به خلاف اهـ. قوله: (والثالثُ لَا يقْنتُ مطْلقًا) قال الحافظ دليله ما في الصحيحين عن أنس وأبي هريرة إنه ﷺ قنت شهرًا ثم ترك وحمله الأولون على انقضاء الحاجة لقول أبي هريرة في بعض طرقه إن الذي كان يدعو لهم قدموا فترك الدعاء لهم ودليل التعميم حديث البراء بن عازب كان النبي ﷺ لا يصلي صلاة مكتوبة إلَّا قنت فيها قال الحافظ بعد إخراجه رجاله موثقون إلّا محمد بن أنس فاختلف فيه وأخرج حديثه هذا الدارقطني والبيهقي وله شاهد من حديث البراء أيضًا قال كان رسول الله ﷺ يقنت في الصبح والمغرب قال الحافظ بعد إخراجه حديث صحيح أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة من طرق متعددة وله شاهد آخر أخرجه البخاري من رواية محمد بن سيرين عن أنس بلفظه وله شاهد آخر أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ فكان يقنت في الظهر والعشاء والصبح وحمل بعضهم هذه الأحاديث على قنوت النازلة ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت في الركعة الأخيرة ورواه ابن خزيمة أيضًا بلفظ كان لا يقنت إلَّا إذا دعا لأحد أو دعا على أحد ولهذا اللفظ شاهد من حديث أنس قال كان النبي ﷺ -

стр. 692

ويستحب القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر، ولنا وجه: أن يَقْنُتَ فيها في جميع شهر رمضان، ووجه ثالث: في جميع السنة، وهو مذهب أبي حنيفة، والمعروف من مذهبنا هو الأول، ــ لا يقنت إلا دعا لقوم أو دعا على قوم قال الحافظ بعد إخراجه أخرجه ابن خزيمة وله شاهد آخر من حديث ابن عباس قال قنت ﷺ دعا لقوم ودعا على قوم أخرجه الطبراني قال الحافظ وسنده حسن اهـ. قوله: (ويستحب القنُوتُ عندَنَا في النصفِ الأخيرِ منْ رمضَانَ) أي لما رواه أبو داود عن الحسن إن عمر جمع الناس على أبي فكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت بهم إلَّا في النصف الثاني الحديث قال الحافظ أخرج الحديث بسندين رجالهما ثقات أحدهما منقطع وفي الآخر راو لم يسم وأخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل وأخرجه مثله عن أبي خيثمة واسمه معاذ بن الحارث وهو الذي كان يصلي بهم إذا غاب أبي وأخرج أيضًا عن علي نحوه بسند ضعيف وعلقه عنه الترمذي لعلي والثابت عن علي خلافه. قوله: (في الركعَةِ الأَخيرَةِ) أي التي يعقبها السلام وإطلاق الأخيرة عليها باعتبار الغالب من سبق نحو ركعتين عليها فلا يخالف سنه فيما لو اقتصر على ركعة واحدة. قوله: (ووجْهٌ ثانٍ) قال الحافظ لم يثبت بعضهم هذا الوجه ونسبه الرافعي لمالك وما وقفت له على مستند لكنه في الموطأ عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال ما أدركت الناس إلّا وهم يلعنون الكفرة في رمضان وهذا يحتمل أن يخص بالنصف الأخير فيرجع إلى الأول والوجه الثالث المختار عند جماعة عقد له محمد بن نصر بابًا ذكر فيه عن عمر وعلي وابن مسعود ذلك بأسانيد صحيحة وحديث ابن مسعود وهو لم يكن النبي ﷺ يقنت في شيء من الصلوات إلَّا في الوتر الحديث وسيأتي حديث الحسن وإن كان غير صريح في التعميم أيضًا وأخرج ابن خزيمة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى سئل عن القنوت في الوتر فقال حدثنا البراء بن عازب قال هي سنة ماضية اهـ. قوله: (ووجْهٌ ثالِثٌ في جمِيعِ السنةِ إلخ) قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات في ترجمة القفال قال القاضي حسين في تعليقه في باب صلاة

стр. 693

والله أعلم. فصل: اعلم أن محل القنوت عندنا في الصبح ــ التطوع كان القفال يقول وددت أن أجد قول سلف في القنوت في الوتر في جميع السنة لكن تفحصت عنه فما وجدت أحدًا قال به قال القفال وقد اشتريت كتاب ابن المنذر في اختلاف العلماء لهذه المسألة خاصة ففحصت عنها فلم أجد أحدًا قال به إلَّا مالكًا فإنه قال بالقنوت في الوتر في جميع شهر رمضان دون غيره من المشهور قلت كان يعني بالسلف الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى زمان مالك والشافعي إلا فقد قال بالقنوت في الوتر جميع السنة من أصحابنا أربعة منهم اثنان استبعد خفاء قولهما على القفال وهما أبو الوليد النيسابوري وأبو عبد الله الزبيري وأبو منصور بن مهران وأبو الفضل بن عبدان واختاره النووي في تحقيق المذهب ولكن توقف والدي في موافقته على اختياره قال إذ ليس في الحديث تصريح به ولما رأيت فحص القفال عن أقاويل السلف في هذه المسألة فكشفت أوعب الكتب لأقاويلهم وهو مصنف ابن أبي شيبة فوجدته قال حدثنا أزهر السمان عن ابن عون عن إبراهيم إنه كان يقول القنوت في السنة كلها قال وكان ابن سيرين لا يراه إلَّا في النصف الثاني من رمضان ثم روي عن الحسن أن الإمام يقنت في النصف والمنفرد يقنت في الشهر كله ثم روي ذلك بسنده إلى إبراهيم قال كان عبد الله لا يقنت السنة كلها في الفجر ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع قال أبو بكر هذا القول عندنا قلت فهذا أبو بكر بن أبي شيبة قد نقل عن إبراهيم عن عبد الله وهو ابن مسعود إنه يقنت في الوتر في السنة كلها وبه قال إبراهيم نفسه وهو النخعي وارتضاه أبو بكر بن أبي شيبة فهؤلاء الثلاثة من السلف اهـ. قلت وقال به الإمام أبو حنيفة كما نقله المؤلف هنا وكان السبكي سكت عن ذكره لنسيانه ذلك حال الكتابة وبه يندفع ما شنع به بعض من أساء الأدب على ابن السبكي في تركه ذكر الإمام أبي حنيفة والله أعلم. وفي كلام ابن السبكي إنه لم يقل بما ذكر أحد من التابعين لكن قال الحافظ نقل القاضي حسين في التعليقة أن القفال ود أن لو قال به أحد من السلف وأقره على ذلك وهو غريب فقد نقله محمد بن نصر وقبله أبو بكر بن أبي شيبة عن جماعة من التابعين ونقله ابن المنذر عن أبي ثور صاحب الشافعي ونقله الروياني عن مشايخ طبرستان وبه قال جماعة من الشافعية اهـ. فصل قوله: (في الصُّبحِ)

стр. 694

بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية. وقال مالك ﵀: يقنت قبل الركوع. قال أصحابنا: فلو قنت الشافعي قبل الركوع لم يحسب له على الأصح، ولنا وجه أنه يحسب، وعلى الأصح، يعيده بعد الركوع ويسجد للسهو، وقيل لا يسجد. وأما لفظه، فالاختيار أن يقول فيه: ما روينا في الحديث الصحيح في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، ــ وكذا فيما يشرع فيه من وتر النصف الأخير من رمضان والمكتوبات عند النازلة فالتقييد به لكونه الغالب فيه لا مفهوم له. قوله: (بعدَ الرفع منَ الركوع) أي لما تقدم بسند حسن أن الصديق وعمر وعثمان كانوا يفعلونه بعد الركوع قال البيهقي صح إنه ﷺ قنت قبل الركوع أيضًا لكن رواة القنوت بعده أكثر وأحفظ فهو أولى وعليه درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروابات عنهم وأكثرها وفي الكنى لأبي أحمد الحاكم عن الحسن صليت خلف ثمانية وعشرين بدريًّا كلهم يقنت في الصبح بعد الركوع اهـ، وقول الباقلاني يمتنع على المجتهد عند تعارض الأدلة الترجيح بظني ككثرة الرواة أو الأدلة أو كثرة أوصافهم بخلاف القطعي كتقديم النص على القياس اختيار له والذي صرح به أئمتنا إنه لا فرق قال في التحفة ويسن يعني القنوت بعد ذكر الاعتدال وهو إلى "من شيء بعد" خلافًا لمن قال الأولى أن لا يزيد على ربنا لك الحمد ولمن قال الأولى أن يأتي بذلك الذكر كله اهـ. قوله: (وقَال مالك يقنتُ قبلَ الركوع) في رسالة ابن أبي زيد يقنت قبل الركوع وإن شئت قنت بعد الركوع بعد تمام القراءة اهـ. قوله: (فلو قنتَ شافعي إلخ) إن قلت قياس كلامنا أئمتنا في الجمع بين الروايات المتعارضة هنا حمل ما قبل الركوع على أصل السنة وما بعده على كمالها قلت إنما خرجوا عن ذلك لأنهم رأوا مرجحًا للثانية وقادحًا في الأولى وهو أن أبا هريرة ﵁ صرح ببعد وأنس تعارض عنه حديث رواية محمد وعاصم في القبل والبعد فتساقطا وبقي حديث أبي هريرة الناص على البعدية بلا معارض فأخذوا به على أن عاصمًا انفرد عن أنس بقوله قبل الركوع وخالف هشامًا عن قتادة والتيمي عن أبي مجلز وأيوب عن ابن سيرين وغير واحد كلهم عن أنس إن النبي ﷺ قنت بعد الركوع كما قاله الإمام أحمد. قوله: (ويسجدُ للسهْو) قال

стр. 695

وغيرها، بالإسناد الصحيح عن الحسن بن علي ﵄ قال: ــ الشافعي في الأم لأن القنوت عمل من عمل الصلاة فإذا عمله في غير محله أوجب سجود السهو قال في شرح الروض وصورته أن يأتي به بنية القنوت وإلَّا فلا يسجد قاله الخوارزمي وخرج بالشافعي غيره ممن يرى القنوت قبل الركوع كالمالكي فيجزئه عنده اهـ. قوله: (وغيْرِها) أخرجه الحافظ من طريق أحمد والدارمي وابن خزيمة والطبراني وقال بعد إخراجه والحديث حسن صحيح أخرجه ابن خزيمة اهـ، وأخرجه الحاكم في المستدرك وزاد في أوله علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلَّا السجود ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء فذكره كما في السلاح. قوله: (عنِ الحَسنِ) هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ كناه وسماه بذلك النبي ﷺ سبط رسول الله ﷺ وريحانته كما جاء في الأحاديث شبه لسروره به وفرحه به واقبال نفسه عليه بريحان طيب الرائحة تهش إليه النفس وترتاح له وكفاه فخرًا الحديث الصحيح إن رقي المنبر ورسول الله ﷺ يخطب فأمسكه والتفت إلى الناس ثم قال ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فكان كذلك فإنه لما توفي أبوه ﵁ بايع الناس له فصار خليفة حقًّا مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين التي أخبر النبي ﷺ أنها مدة الخلافة وبعدها تكون ملكًا عضوضًا أي يعض الناس لجور أهله وعدم استقامتهم فلما تمت تلك المدة اجتمع هو ومعاوية ﵄ كل في جيش عظيم فامتثل الحسن إشارة جده ورغب عن الخلافة لمعاوية ﵁ فسلمها طوعًا وزهدًا وصيانته لدماء المسلمين وأموالهم فإنه بايعه على الموت أكثر من أربعين ألفًا وشرط على معاوية شروطًا وفى له بمعظمها ومناقبه كثيرة وفضائله جمة ومحبة رسول الله ﷺ له ولأخيه الحسين ولأبيهما ولأمهما وثناؤه عليهم ونشره لغرر مآثرهم وباهر مناقبهم من الشهرة عند من له أدنى ممارسة بالسنة بالمحل الأسنى ولد الحسن ﵁ في منتصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة على الصحيح ومات مسمومًا من زوجته بإرشاء من يزيد بن معاوية لها على ذلك على ما قيل سنة أربع أو خمس أو تسع أو أربعين أو وخمسين أو إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين ودفن بالبقيع وقبره مشهور فيه وكان من الكرماء الأسخياء روي له عن النبي

стр. 696

علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهنَ في الوتر: "اللهُم اهْدِني فَيمَنْ هَدَيْتَ، ــ ﷺ ثلاثة عشر حديثًا روى عنه أصحاب السنن الأربعة وروت عنه عائشة وغيرها وهو أحد المشبهين به ﷺ في الخلق وقد ذكرت ذلك في كتابي تحفة الشرفا فيمن حاز بشبه المصطفى الشرفا وأحد من أردفهم النبي ﷺ معه على الدابة كما بينت ذلك أيضًا في بغية الظرفاء بمعرفة الردفاء. فائدة قال ابن الملقن في تخريج أحاديث الشرح الكبير هذا الحديث اشتهر بقنوت الحسن واستفيد إنه روي أيضًا عن الحسين أخيه ﵄ رواه الإمام أحمد في مسنده في ترجمة الحسين فقال حدثنا يزيد أنبأنا شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق عن أبي يزيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء قلت وهو بالحاء المهملة وسكون الواو وبالراء المهملة وبعدها مدة اسمه ربيعة بن شيبان كما قاله الحافظ عن الحسين ﵄ قال علمني كلمات أقولهن في الوتر فذكر الحديث اهـ. قوله: (علمني رسُولُ الله ﷺ ) هكذا هو عند بعض رواته وعند بعضهم علمني جدي رسول الله ﷺ . قوله، (اقُولهُن في الوترِ) عند أبي داود وفي رواية أخرى في قنوت الوتر. قوله: (فيمَنْ هَديْتَ) أي من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قيل في فيه وفيما بعده بمعنى مع قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية ويصح بقاؤها على حالها متعلقة بمحذوف وأوثر حذفه للمبالغة أي اجعله نصيبًا وافرًا من الاهتداء واجعلني معدودًا في جملتهم مندرجًا في زمرتهم وهكذا كما قال سليمان صلى الله على نبينا وعليه وسلم ﴿وَأدخلني بِرَحمَتِكَ في عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، ويوسف ﷺ وألحقني بالصالحين ولم يعبرا بمن كما في قوله تعالى في حق إبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر النبيين الصلاة والتسليم ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إيثارًا للتواضع والتذلل لله تعالى فشهدا تأخرهما عن الصالحين ثم سألا إن يلحقا بهم وأما الآية الأخيرة فهي إخبار من الله تعالى عن حقيقة إبراهيم فالملحظ مختلف ثم الصلاح الذي سألاه صلاح الأنبياء وهو أكمل مراتب الصلاح لا مطلق الصلاح إذ مرتبة النبوة أسنى وأشرف والله أعلم.

стр. 697

وَعافِني فِيمَنْ عافَيتَ، وَتَوَلَّني فِيمَنْ تَوليتَ، وبارِكْ لي فِيما أعْطَيتَ، وَقِنِّي شَرَّ ما قَضَيتَ، فإنكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيكَ، وإنه لَا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ــ قوله: (وعافِني) أي من كل نقص ظاهرًا وباطنًا في الدنيا والآخرة واجعلني مندرجًا فيمن عافيت ممن ذكر أولًا. قوله: (وتَولَّني) أي بحفظك لي عن كل مخالفة ونظر إلى غيرك وبإنعامك علي بمعرفتك واجعلني مندرجًا فيمن توليت كذلك وهم المذكورون أولًا. قوله: (فِيمًا أَعطَيْتَ) في للظرفية متعلقة بالفعل المذكور قبلها أي ضع بركتك العظمى لي في كل ما أعطيتني من خير الدارين وفي النهاية أي أثبت لي دوام ما أعطيتني من التشريف والكرامة وهي من برك البعير إذا ناخ في موضعه فيلزمه وتطلق البركة أيضًا بمعنى الزيادة والأصل الأول. قوله: (شَر ما قَضيتَ) أي شر الفعل الذي قضيت به عليّ وشر ما يقترن به من وسوسة الشيطان والهوى والنفس للانسان حتى يمنع ثوابه إن كان ابتلاء ويحمل على الاستمرار فيه إن كان معصية أو يمنع كماله إن كان طاعة وبما تقرر علم إن لا مخالفة بين ما ذكر وبين حديث والشر ليس إليك. قوله: (فإنكَ تَقضِي إلخ) وقع كالتعليل لسؤال ما قبله إذ لا يعطى تلك الأمور المهمة إلا من كملت فيه حقائق القدرة ولم يوجد منها شيء في غيره وإثبات الفاء في رواية الترمذي وإحدى روايات النسائي والحاكم. قوله: (وَإنهُ) أي الشأن. قوله: (لَا يذِلُّ) بفتح فكسر وكذا يعز التي زادها النسائي بقوله "ولا يعز من عاديت" وكان ذكرها فيه مع أنها مفهومة مما قبله أن المقام للإطناب، قال المصنف في الخلاصة ورواها البيهقي بسند ضعيف قال ابن الملقن ولم يظهر لي ضعف السند وتبع ابن الرفعة النووي فيما أظن قال في مطلبه لم تثبت الرواية وتبع النووي في روضته الرافعي في نقله هذه الزيادة عن العلماء لكنه أنكره عليه في شرح المهذب اهـ. وقول أصحابنا إنه غير مستحسن إنما هو لكونه لم يطلع هو ومن انتصر له على وروده على أن الأصحاب ردوه عليه بقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وورد عند ابن أبي عاصم بعد ذلك نستغفرك ونتوب إليك والذل ضد العز والموالاة ضد المعاداة والمعنى لا يطرق الذل والهوان في الدارين أحدًا واليته من عبادك وما يطرقه من الحوادث الظاهرة والأمراض الباطنة ونحوها فهو وإن عده عوام الناس ذلًّا إلَّا أنه غاية الرفعة والعزة

стр. 698

تَبَارَكْتَ رَبنَا وَتَعَاليتَ". قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ــ عند الله تعالى وعند أوليائه وما العبرة إلّا بهم ومن ثم وقع للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من الامتحان العجيب ما هو مشهور زيادة في التشريف وإعلامًا بعلو المقام المنيف. فائدة قال السيوطي لا خلاف بين العلماء من أهل اللغة والحديث والصرف أن يعز بكسر العين وفتح الياء قال وألفت فيه مؤلفًا سميته الثبوت في ضبط ألفاظ القنوت وقلت في آخره نظمًا: يا قارائًا كتب التصريف كن يقظًا ... وحرر الفرق في الأفعال تحريرا "عز" المضاعف يأتي في مضارعه ... تثليث عين بفرق جاء مشهورا فما كقل وضد الذل مع عظم ... كذا كرمت علينا جاء مكسورا وما كعز علينا الحال أي صعبت ... فافتح مضارعه إن كنت تحريرا وهذه الخمسة الأفعال لازمة ... واضمم مضارع فعل ليس مقصورا عززت زيدًا بمعنى قد غلبت كذا ... أعنته فكلا ذا جاء مأثورا وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا ... يعز يا رب من عاديت مكسورا واشكر لأهل علوم الشرع إذ شرحوا ... لك الصواب وأبدوا فيه تذكيرا وأصلحوا لك لفظًا أنت مفتقر ... إليه في كل صبح ليس منكورا لا تحسبن منطقًا يحكي وفلسفة ... ساوى لدى علماء الشرع قطميرا قلت: وقد بقي عليه عز بمعنى قوي ففي بعض حواشي شرح التحفة في الكلام على نوع العزيز يقال منه عز بمعنى قوي مضارعه يعز بفتح العين اهـ. قوله: (تباركتَ) أي تعاظمت (رَبنَا وَتعَاليتَ) قال بعض مشايخنا كأن الحكمة في الإتيان بضمير الجمع هنا دون ما تقدم من قوله اهدني إلخ، لأن ذلك مقام سؤال وهو مناسب للتذلل والانكسار وهذا مقام ثناء على المولى فناسب الإتيان فيه بضمير الجمع المذكور إما إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حق ثنائه وإما إشارة إلى أن جميع أجزائه مربوبة للباري وإما تعاظمًا بهذه الإضافة الشريفة إلى الربوبية المنيفة، وفي التحفة لابن حجر الهيثمي وزاد العلماء بعد تعاليت "ذلك الحمد على ما قضيت استغفرك وأتوب إليك" ولا بأس بهذه الزيادة بل قال جمع أنها مستحبة لورودها في رواية البيهقي اهـ. قوله: (هَذَا حدِيث حسن) إلخ قال لا نعرفه إلّا من هذا الوجه من حديث

стр. 699

ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا. وفي رواية ذكرها البيهقي: أن ــ أبي الحوراء السعدي قلت قال الحافظ هو بفتح الحاء والراء المهملتين بينهما واو ساكنة ممدود الآخر واسمه ربيعة بن شيبان وهو بصري ثقة وقال بعد تخريج الحديث من طريق الإمام أحمد بن حنبل وأبي محمد الدارمي والطبراني وغيرهم بهذا اللفظ بإسقاط الفاء في قوله فإنك تقضي وقال فيه علمني جدي والباقي سواء: حديث حسن صحيح ثم ذكر مخرجيه وما عندهم من الاختلاف فيه اهـ. ثم الحديث رواه الأربعة كما قدمه المصنف قال في السلاح واللفظ لأبي داود أي لكن ليس فيه الفاء في قوله فإنك تقضي قلت قال ابن الملقن في البدر المنير وكذا ليس فيه الواو في قوله وأنه لا يذل من واليت اهـ. قال الحافظ اللفظ الذي أورده الشيخ للترمذي وسقطت ألفًا من قوله فإنك من رواية الباقين قلت تقدم أنها في إحدى رواية النسائي أيضًا اهـ، والله أعلم. قال الحافظ ولم أر في رواية النسائي اللهم في أوله ووقع في رواية ابن ماجة اعفني بدل عافني أي وعفيت بدل عافيت وقدم فيه وأخر وزاد سبحانك قبل قوله تباركت وتعاليت وقد راجعت مصنف أبي بكر بن أبي شيبة وهو شيخه فيه فوجدته ساقه كما سقته من عند الطبراني عن شيخه عنه، واللفظ الذي أشار إليه من طريق الطبراني هو اللفظ الذي أورده الشيخ سواء إلَّا إنه أسقط الفاء من فإنك وزاد فيه ولا يعز من عاديت قال وهذه الزيادة عند النسائي في رواية له قلت وهو عند البيهقي أيضًا في رواية كما في البدر المنير قال الحافظ وأخرجه بهذه الزيادة ابن خزيمة ووقع في كلام الرافعي العلماء زادوا ولا يعز من عاديت قال الحافظ وقد ذكرتها مسندة من طرق فإن أراد العلماء من المحدثين فلا اعتراض وعجيب ممن أنكر ذلك من كبار الفقهاء اهـ. قوله: (وَلَا نعرفُ إلخ) قالما ابن الملقن في البدر المنير قالما الشيخ تقي الدين في الإلمام وهو مما النزم الشيخان تخريجه ورواه البيهقي في سننه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن أو الحُسين بن علي فالشك في ذكر نسب الحسن لا فيه وضعف أبو حاتم ابن حبان حديث الحسن بما يتسامح فيه وأخرجه في صحيحه عن غير ذكر القنوت ولا الوتر اهـ. قوله: (وفي روَايةٍ ذَكَرَهَا البيْهقي إلخ) قال الحافظ بسنده إلى

стр. 700

محمد ابن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن هذا الدعاء [هو الدعاء] الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته. ويستحب أن يقول عقيب هذا الدعاء: "اللهم صل على مُحَمدٍ، وعلى آلِ مُحَمدٍ وَسَلمْ"، ــ أبي الحوراء قال سألت الحسن ما عقلت من رسول الله ﷺ قال دعوات تقولهن اللهم اهدني إلخ، فذكرت الحديث بنحو ما تقدم وزاد قال يعني بريد بن أبي مريم أي الراوي عن أبي الحوراء فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال إنه الدعاء الذي كان يدعو به في صلاة الفجر في قنوته قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن والعلاء بن صالح أي أحد رواته وثقه ابن معين وجماعة وقال البخاري لا يتابع وقد عجبت للشيخ كيف اقتصر على هذا الموقف مع أن البيهقي أخرجه مرفوعًا من وجه آخر فأخرجه عن بريد عن ابن عباس قال ﷺ يعلمنا ندعو به في القنوت لصلاة الصبح اللهم اهدنا فيمن هديت الحديث وأخرجه الحافظ عن بريد عن ابن عباس من طريق آخر قال كان النبي ﷺ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات اللهم اهدني الحديث ثم قال حديث غريب أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل بهذا المتن والإسناد وأخرجه البيهقي في رواية زيادة ابن الحنفية إلى ابن عباس والحديث بنحوه إلَّا إنه قال في قنوت الليل وفي سند الحديث من طريقيه ابن هرمز وهو شيخ مجهول والأكثر إن اسمه عبد الرحمن وليس هو الأعرج الثقة المشهور صاحب أبي هريرة قال الحافظ وأخرج الحاكم من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الصبح يدعو بهذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت الحديث وصححه ورد عليه بأنهم اتفقوا على ضعف عبد الله بن سعيد المقبري. قوله: (محمد بْنَ الحنَفية) قال ابن حجر في شرح الشمائل الحنفية أمه لعلي حصلت له من سبي بني حنيفة قيل من سخافة عقول طائفة من الرافضة أنهم يعتقدون في محمد هذا الألوهية مع أن أبا بكر هو المعطي عليًّا أمه فلولا إعطاؤه له بحقيةكونه إمامًا أعظم لكان إلههم دعيا اهـ. وهو من كبار التابعين اسمه محمد وكنيته أبو القاسم. قوله: (إنْ هَذَا الدُّعاءَ إلخ) قال الترمذي بعد إيراد حديث الحسن السابق وفي

стр. 701

فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث ــ الباب عن علي ﵁ اهـ، ولعله أراد ذلك. قوله: (فقَدْ جاءَ في روَايَةِ النسَائي إلخ) تعقبه الحافظ بأنه ليس في الدليل مجموع ما ذكره أي فلفظ الدعوى خلاف الدليل وتزيد عليه ذكر الآل والتسليم وقد وقعت الزيادة في الرافعي فإنه بعد أن حكى الخلاف هل تسن الصلاة في القنوت ورجح أنها تسن ونسب ذلك لحديث الحسن بن علي ﵁ وحذفه النووي من الروضة وقال الروياني في الحلية وروي عن الحسن بن علي ﵄ بعد قوله تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي محمد وسلم رواه النسائي في سننه وتبعهم المحب الطبري حيث عزاه إلى النسائي بلفظ وصلى الله على النبي محمد وليس في سنن النسائي عند جميع رواته زيادة على ما ذكره الشيخ أولًا ثم ذكره الحافظ من طريق النسائي عن الحسن وقال علمني رسول الله هؤلاء الكلمات في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت فذكر مثل سياق الترمذي لكن سقط منه وعافني فيمن عافيت وزاد بعد قوله تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي ثم قال هذا حديث أصله حسن روي من طرق متعددة عن الحسن لكن هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت ثم ذكر أن سنده لا يخلو إما عن راو مجهول أو انقطاع في السند وقال بعد أن بين ذلك فتبين أن هذا السند ليس من شرط الحسن لانقطاعه أو جهالة راويه ولم ينجبر بمجيئه من وجه آخر وأيد انقطاعه بأن ابن حبان ذكر ذلك الراوي في اتباع التابعين ولو كان سمع من الحسن لذكره في التابعين وقد بالغ الشيخ في شرح المهذب فقال إنه سند صحيح أو حسن وكذا قال في الخلاصة ومع التعليل الذي ذكرناه فهو شاذ اهـ، وسيأتي فيه مزيد، ويمكن الجواب عن عبارة المصنف هنا بأن الاعتراض مبني على أن المصنف استدل بالحديث لجميع ما ذكر استحبابه من الصلاة على النبي والآل وهذا هو المتبادر من العبارة وليس ذلك مرادًا له بل مراده إثبات ذلك المدعي: البعض بالنص وباقبه بالقياس عليه والله أعلم، وعبارة الرافعي لا تجري فيها هذا الجواب لأنه قال روي في حديث عن الحسن بن علي بعد قوله تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي وآله وسلم فهي صريحة بأن الجميع مرفوع وفيه ما علمت والله أعلم، وفي تخريج أحاديث الرافعي لابن الملقن مثله وفي مفاخر أهل الإسلام لابن سعد التلمساني وهو كتاب في فضل الصلاة على النبي ﷺ في حديث الحسن

стр. 702

بإسناد حسن: "وصلي اللهُ على النبِي". قال أصحابنا: وإن قنت ــ المذكور في آخره وصلى الله على محمد النبي وقال أخرجه ابن الضحاك اهـ. وفي المهمات كلامه في الروضة شعر بأن الصلاة على الآل لا تسن لكنه جزم في الأذكار باستحبابها لكن قياس ما قالوه في التشهد حكمًا وتعليلًا أنها لا تستحب بل حكى الرافعي في الكلام على التشهد وجها إن ذكر الصلاة في القنوت مبطل لكونه نقل ركنًا إلى غير موضعه فالسلام الذي لم يثبت أولى وقال صاحب الإقليد وما وقع في بعض كتب أصحابنا من زيادة وسلم وما تعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج والأصحاب كل ذلك لا أصل له اهـ، وقال السخاوي قد يشهد لما قاله النووي حديث كيف نصلي عليك وفي التحفة لابن حجر ويظهر أن يقاس بالآل الصحب لقولهم حيث سنت الصلاة على الآل سنت على الأصحاب بالأولى ثم رأيت شارحًا صرح بذلك ولا ينافيه إطباقهم على عدم ذكرها في صلاة التشهد لأنهم ثم قد اقتصروا على الوارد وهنا لم يقتصروا عليه بل زادوا ذكر الآل بحثًا فقسنا بهم الصحب لما علمت وكأن الفرق إن مقابلة الآل بآل إبراهيم في أكثر الروايات ثم تقتضي عدم التعرض لغيرهم وهنا لا مقتضى لذلك ولم يسن ذكر الآل في التشهد الأول كالقنوت لأن القنوت محل دعاء فناسبه ختمه بالدعاء لهم بخلاف ذلك اهـ، باختصار ثم حديث الباب في قنوت الوتر وقيس به قنوت الصبح كما نقل أصل الدعاء منه إلى قنوت الفجر وخرج بقوله عقيب هذا الدعاء أوله فلا يسن فيه خلافًا لمن زعمه ولا نظر لكونها تسن أول الدعاء لأن هذا مستثنى رعاية للوارد فيه وقيس به. قوله: (بإِسنَاد حسن) وفي شرح المهذب للمصنف إنه سند صحيح أو حسن اهـ. لكن اعترض بأنه منقطع أو فيه مجهول مع ما فيه من الاختلاف على راويه وشذوذه وصح عن بعض الصحابة موقوفًا عليه إنه كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت نقله في الدر المنضود وأشار به إلى ما أخرجه الحافظ إن معاذًا أبا حليمة القارئ كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت وقال هذا موقوف صحيح أخرجه إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ وهو آخر حديث فيه وأبو حليمة معاذ بن مالك الخزرجي صحابي يقال إنه شهد الخندق وقيل بل كان صغيرًا في حياة النبي ﷺ وله رواية عن أبي بكر وعمر وعثمان وكان عمر رتبه إمامًا في التراويح

стр. 703

بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسنًا، وهو أنه قنت ــ إذا غاب أبي بن كعب فكان يؤم بهم في العشر الأخير وأخرج محمد بن نصر في قيام الليل بسند صحيح عن الزهري قال يعني في القنوت ثم يصلي على النبي ﷺ وعن أيوب بنحوه وسنده صحيح أيضًا وفيه إخبار عمن أدركه الزهري وأيوب من صغار الصحابة وكبار التابعين ويحتمل أيضًا الإرسال عمن لم يدركاه اهـ. قوله: (بِمَا جاءَ عَنْ عَمرَ إلخ) قال في السلاح رواه البيهقي في السنن الكبير له من قوله موقوفًا وقال فيه صحيح موصول وأخرجها من طرق أخرى بعضها مرفوع وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بسند رجاله رجال الصحيح من قول ابن مسعود موقوفًا في قنوت الوتر اهـ، وقال الحافظ لم يبين الشيخ من خرجه وقد خرجه البيهقي من وجهين إلى عمر أحدهما باللفظ الذي ذكره لكن ليس بتمامه وقال فيه قبل الركوع بخلاف ما قال المصنف إنه كان يقوله بعد الركوع والآخر بمغايرة في بعض ألفاظه وزيادات وتقديم وتأخير وقال فيه بعد الركوع ولفظ الرواية الثانية أن عمر قنت بعد الركوع فقال اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم العن الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل بهم الأرض وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد إليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق هذا موقوف صحيح أخرجه محمد بن نصر وزاد في بعض طرقه بيان حكمة البسملة فيه وأنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة وبسند آخر إلى أبي بن كعب إنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما وأنه كان يكتبهما في مصحفه وأخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن أبزى قال صليت خلف عمر بن الخطاب صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع اللهم إنا نستعينك فذكره كما عند المصنف لكن قدم وأخر وانتهى إلى قوله ونخلع من يكفرك وإسناده صحيح وهو محمول على أن عمر كان يقنت تارة قبل الركوع وتارة بعده وذكر البيهقي إن من روى عنه بعد الركوع أكثر عددًا قال الحافظ وقد ورد هذا الحديث المنسوب إلى عمر من

стр. 704

في الصبح بعد الركوع فقال: "اللهُم إنَّا ــ وجه آخر مرفوعًا وأخرج الحافظ عن ابن زرير الغافقي قال قال لي عبد الملك بن مروان لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جاف فقلت والله لقد جمعت القرآن من قبل إن يجمع أبواك ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله ﷺ ما علمتهما أنت ولا أبوك اللهم إنا نستعينك ونستغفرك فذكره إلى قوله ملحق اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك ويتعدون حدودك ويدعون معك الها لا إله إلَّا أنت تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا قال بعد إخراجه حديث غريب وتكلم في رجال سنده قال وأخرج محمد بن نصر بعض هذا الحديث لكن موقوفًا وجعل القصة مع عبد العزيز بن مروان قال الحافظ فإن كان الأول محفوظًا حمل على إنه جرى له مع كل منهما والثاني أشبه لأنه مصري وكان عبد العزيز أمير مصر ثم قال الحافظ وجدت لأصل الحديث شاهدًا رجاله ثقات لكنه مرسل عن خالد بن أبي عمران قال بينما رسول الله ﷺ يدعو على مضر يعني في الصلاة إذ جاء جبريل فأومأ إليه إن اسكت فسكت ثم قال يا محمد إن الله لم يبعثك لعانًا ولا سبابًا ولم يبعثك عذابًا وإنما بعثك رحمة ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم إلى قوله تعالى ظالمون ثم علمه القنوت اللهم إنا نستعينك فذكره إلى ملحق ولم يذكر ما بعده قال الحافظ بعد إخراجه هكذا أخرجه أبو داود في كتاب المراسيل وخالد من صغار التابعين وعبد القاهر بن عبد الله أي الراوي عن خالد بن أبي عمران قال الحافظ ما وجدت عنه راويا إلَّا معاوية بن صالح وقد ذكره ابن حبان في الثقات اهـ، وأخرج الحافظ عن رفاعة بن رافع الزرقي قال لما انكفأ المشركون عن أحد قال رسول الله ﷺ استووا علي أثني على ربي فصاروا خلفه صفوفًا فقال اللهم لك الحمد كله فذكر الحديث بطوله وفيه اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك واجعل عليهم رجزك وعذابك اللهم عذب الكفرة إله الحق وقال الحافظ حديث صحيح أخرجه النسائي في اليوم والليلة وزاد في آخره آمين وأخرجه الحاكم اهـ. قوله: (في الصبحِ) قال ابن المزجد في التجريد كلام الرافعي

стр. 705

نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ ونَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللهُم إياكَ نَعْبُدُ، ولكَ نصلي ونَسْجُدُ، وإلَيكَ نَسْعَى ونحْفِدُ، نَرْجُو رَحمَتَكَ ونَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجدَّ بالكُفار مُلْحقٌ. اللهُم عَذِّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ ــ يوهم أن عمر كان يقنت باللهم إنا نستعينك إلخ في الوتر والذي في البيهقي إنما هو في الصبح فاستفده ذكره ابن النحوي في صلاة التطوع اهـ، وفي الإمداد قنوت عمر الذي كان يقنت به في الصبح لا الوتر كما رواه البيهقي وغيره اهـ، وفي الحديث المذكور هنا التصريح بذلك. قوله: (نستعِينُكَ ونستَغْفِرُكَ) أي نسأل منك المعونة على الطاعة وترك المعصية والغلبة على النفس والشيطان وسائر الكفرة والفجرة والغفران للذنوب والستر للعيوب وفي النهر لأبي حيان الاستعانة طلب العون والطلب أحد معاني استفعل اهـ. وحذف المستعان فيه طلبا للتعميم ولكون المقام لطلب ذلك قدم على ضمير المفعول وقدم في الآية لقصد الاختصاص. قوله: (وَلا نكفُركَ) من الكفران نقيض الشكر والعرفان من قولهم كفرت فلانًا على حذف مضاف أي كفرت نعمه. قوله: (وَنَخلَعُ) بفتح اللام من خلع الفرس رسنه ألقاه أي نطرح به وبمعناه ما قال المؤلف أي نترك وفي السلاح والحصن في هذا الحديث من رواية البيهقي زيادة ونترك وهو على تفسير نخلع بما ذكره المصنف من عطف التفسير أتى به لكون مقام الدعاء للإطناب والفعلان تنازعًا. قوله: (من يَفجرُكَ) أي يعصيك ويخالف أمرك وقال المصنف يلحد في صفاتك. قوله: (إِياكَ نَعبد) ايا ضمير منفصل للمنصوب والياء والكاف والهاء اللواحق له لبيان التكلم والخطاب والغيبة حروف وليست بأسماء ضمائر لعدم وجود ما يعمل فيها وتقديم المفعول لقصد الاختصاص والمعنى تخصك بالعبادة قال في الكشاف وقرئ أياك بفتح الهمزة والتشديد وهياك بقلب الهمزة هاء والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج ولذا لم يستعمل إلَّا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع اهـ. قو) له: (ونَسْجدُ) تخصيص بعد تعميم. قوله: (نَسعى) قال الجوهري سعى الرجل يسعى سعيًا إذا غدا وكذا إذا عمل وكسب وقال صاحب المشارق قال بعضهم السعي إذا كان بمعنى الجري والمضي عدي بإلى وإذا كان بمعنى العمل فباللام قال تعالى: (﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] قوله: (نَحفِدُ) قال المؤلف بكسر الفاء أي وبفتح النون
следующие страницы →