← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والثانية: بالقصر والتخفيف، والثالثة: بالإمالة، والرابعة: بالمد والتشديد. فالأوليان مشهورتان، والثالثة والرابعة حكاهما الواحدي في أول "البسيط"، والمختار الأولى، وقد بسطت القول في بيان هذه اللغات وشرحها وبيان معناها ودلائلها وما يتعلق بها في كتاب "تهذيب الأسماء واللغات". ويستحب التأمين في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد، ــ شاذة. قوله: (والثانيَةُ بالقَصْرِ والتخفيفِ) قال في شرح العباب أنكر جمع القصر وقالوا إنما جاء في ضرورة الشعر قال في المجموع وهو فاسد لأن الشعر الذي جاء فيه ليس من ضرورته القصر وفيه نظر إذ المختار إنه لا يشترط في الضرورة عدم إمكان غيرها فالأولى أن يجاب بأن الأصل عدمها فعيل من ادعاها البيان قال الرافعي والأصل القصر لأنه فعيل والمد فاعيل وهو عجمي من أبنية العجم كقابيل اهـ، ويؤيده ما قيل أنها غير عربية وفيه نظر بل هي عربية إذ وزنها فعيل والألف إنما جاءت من إشباع فتحة الهمزة اهـ، وما ذكره في المجموع من انتفاء الضرورة مبني على مختار شيخه ابن مالك إن الضرورة ما لا مندوحة للشاعر عنه وعليه فلا ضرورة لا مكان. فآمين زاد الله ما بيننا بعدا كما روي به وسيأتي إيضاحه في كلام التهذيب. قوله: (وقدْ بَسطتُ القَوْلَ في بيَانِ هَذهِ اللغَاتِ وشَرحِها وبيَانِ معناها ودَلائِلهَا ومَا يتَعلقُ بهَا في كتَاب تهذِيب الأَسماءِ واللغَاتِ) هكذا في بعض النسخ وهو ساقط في بعضها وحاصل ما نقله عن الجوهري وجمهور أهل اللغة أن آمين في اللغة تمد وتقصر وهو مبني على الفتح كأين لاجتماع الساكنين قال الواحدي ولم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء اهـ. وفي المجموع يسكن للوقف لأنها كالأصوات وفي أول الوسيط للواحدي في آمين لغات المد وهو المستحسن لحديث على السابق عند الحاكم وغيره والقصر كما قال: آمين فزاد الله ما بيننا بعدا والإمالة مع المد روي ذلك عن حمزة والكسائي والتشديد أي مع المد وروي ذلك عن الحسن والحسين بن الفضل وتحقيق ذلك ما روي عن جعفر الصادق ﵁ إنه قال تأويله قاصدين نحوك وأنت أكرم من يجيب قاصدًا هـ، وفيه فوائد من أحسنها إثبات لغة

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التشديد في آمين التي لم يذكرها الجمهور بل أنكروها وجعلوها من قول العامة وفي الإكمال للقاضي عياض وحكى ثعلب فيها القصر وأنكره غيره وقال إنما جاء مقصورًا في ضرورة الشعر وقال ابن قرقول بقافين مضمومتين بوزن عصفور صاحب المطالع آمين مطولة ومقصورة وأنكر العلماء تشديد الميم وأنكر ثعلب قصر الهمزة إلَّا في الشعر وصححه يعقوب في الشعر وغيره والنون مفتوحة أبدًا هذا ما يتعلق بلغاتها. وأما شرحها فسبق معناه بالتشديد عن جعفر الصادق وأما باقي اللغات فهي فيه اسم فعل بمعنى استجب على الأصح عند الجمهور كما في المجموع وغيره لا ليكن الأمر كذلك خلافًا لما في العزيز وفي التهذيب قال الثعلبي قال ابن عباس سألت النبي ﷺ عن معنى آمين فقال افعل وقال ابن عباس وقتادة كذلك يكون وقال هلال بن يسار ومجاهد اسم من أسمائه تعالى وضعفه صاحب المطالع بأنه ليس في أسمائه تعالى مبني ولا غير معرب مع إن أسماءه تعالى لا تثبت إلا بتوقيف من كتاب أو سنة مقبولة وقد عدما وفي الإيعاب ورد الأول بتضمنه ضميرًا عائدًا عليه تعالى فلذا عد من أسمائه اهـ، وقيل كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلَّا الله وقيل قوة الدعاء واستنزال الرحمة وقيل إنه أربعة أحرف متقطعة من أسمائه تعالى وهي خاتم رب العالمين يختم به براءة أهل الجنة وأهل النار دليله حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ آمين خاتم رب العالمين على عباد المؤمنين وقيل أنها دعاء وقيل اللهم استجب وقيل درجة في الجنة تجب لقائلها وقيل طابع الله على عباد يدفع عنهم الآفات وقيل معناه اللهم أمنا بخير، وأما ما يتعلق بها من الفضائل فعن عطاء أن النبي ﷺ قال ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على آمين وتسليم بعضكم. قلت معنى هذا الحديث جاء من طرق ففي حديث لعائشة أن النبي ﷺ قال أنهم أي اليهود لم يحسدونا على شيء كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين قال الحافظ بعد تخريجه غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلَّا من هذا الطريق لكن لبعضه متابع حسن في التأمين أخرجه ابن ماجة وصححه عن ابن خزيمة كلاهما

стр. 633

ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح: أن المأموم يجهر به أيضًا، سواء كان الجمع قليلًا أو كثيرًا. ــ من حديث عائشة مرفوعًا ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا على السلام والتأمين وله شاهد من حديث معاذ مرفوعًا إن اليهود قوم حسدة ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث على رد السلام وعلى إقامة الصف وعلى قولهم خلف إمامهم آمين قال الطبراني لا يروي عن معاذ إلّا واحدًا فضعيف أو مجهول وللتأمين شاهد آخر أخرجه ابن ماجة بسند فيه ضعفاء عن ابن عباس إن النبي ﷺ قال ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين وفي الإيعاب من رواية أخرجها جمع أعطيت ثلاث خصال أعطيت صلاة في الصفوف وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجنة وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلَّا أن يكون الله أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون وفي أخرى لابن عدي حسدوكم على إفشاء السلام وإقامة الصف وآمين وأخرج الطبراني عن وائل بن حجر إنه قال رأيت رسول الله ﷺ دخل في الصلاة فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال آمين ثلاث مرات ويؤخذ منه إنه يندب تكرار آمين ثلاثًا حتى في الصلاة ولم أر أحدًا صرح بذلك من أصحابنا وفي تفسير البغوي يسن لمن صلي بآخر البقرة إن يقول آمين اهـ، ويأخذ منه إن المصلي متى قرأ بآية فيها دعاء يسن له أن يقول آمين اهـ. ما في الإيعاب. قوله: (ويجهرُ بهِ الإمِامُ) قال الحافظ لحديث وائل بن حجر قال صليت خلف النبي ﷺ فلما قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال آمين يجهر بها حديث حسن أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني وعند الترمذي في رواية أخرى يخفض بها صوته ورجح الحفاظ رواية يرفع بها صوته وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود وابن ماجة وآخر من حديث ابن عمر عند الدارقطني اهـ. قوله: (أَن المَأْمُومَ أَيْضا يجهرُ بهِ) هذا هو القول القديم المعتمد فيؤمن جهرًا لقراءة إمامه لا لقراءة نفسه بل يسر بها ومحل الخلاف في الجهر في الأولى إن أمن الإمام وإلا سن للمأموم الجهر بلا خلاف ويسن أن يكون جهر الإمام وجهر الأنثى

стр. 634

ويستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده، ــ والخنثى به كالجهر بالقراءة ولو أسر به الإمام في موضع الجهر به فهل يجهر به المأموم تبعًا أو أسر كل منهما بالقراءة في موضع الجهر أو جهر في موضع الإسرار مخالفًا للسنة فهل يأتي بالتأمين كذلك تبعًا لهما فيه نظر كذا قال بعضهم وفي الإيعاب الذي يتجه إنه يأتي فيه ما ذكروه فيما لو أسر الإمام في جهرية أو عكس من إنه هل العبرة بالمفعول أو بالمشروع أي والراجح الأول كما في الروضة وهو موافق لما في المجموع. قوله: (ويستحب إلخ) أي للأخبار الدالة عليه في الصحيحين وغيرهما فمنها قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وقوله ﷺ إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر ما تقدم من ذنبه ولفظ مسلم في الثاني إذا قال أحدكم في الصلاة آمين وعند أحمد وصححه ابن خزيمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قال القارئ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقال من خلفه آمين فوافق قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه وظاهره الأمر بالمقارنة بأن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة ولأن المأموم لا يؤمن لتأمين إمامه بل لقراءته وقد فرغت فمعنى إذا أمن الإمام أراد التأمين ويوضحه قوله ﷺ إذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا آمين رواه الشيخان ولمعارضته لما روياه أولًا جمعوا بينهما بما قررناه وروى البيهقي مرفوعًا حسدنا اليهود على القبلة التي هدينا إليها وضلوا عنها وعلى الجمعة وعلى قولنا خلف الإمام آمين وفي رواية للطبراني وأنهم لم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث رد السلام وإقامة الصفوف وقولهم خلف الإمام آمين ومعنى موافقة الإمام في خبر مسلم السابق قبل موافقتهم في الزمن أي كما يدل عليه خبر الصحيحين للتعيين فيه فقال وقالت ثم قال فوافقت أي في القول المذكور وقيل في الصفات كالإخلاص وغيره ثم هؤلاء الملائكة قيل الحفظة وقيل غيرهم لخبر فوافق قوله أهل السماء وأجاب الأول بأنه إذا قالها الحفظة قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء اهـ. وهذا الجواب يحتاج إلى سند يشهد له كما في الإيعاب وقال الحافظ ابن حجر يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في أرض أو في سماء ومعنى تأمينهم استغفارهم للمؤمنين واختار السبكي إن لتأمين الملائكة وقتًا مخصوصًا والإمام والمأموم محثوثون على إن يقارنوا

стр. 635

وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإمام إلا في قوله: آمين، وأما باقي الأقوال، فيتأخر قول المأموم. فصل: يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ به من النار، أو من العذاب، أو من الشر، أو من المكروه، أو يقول: اللهُم إني أسألك العافية أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه وتعالى، نزَّه فقال: ، أو: تبارك الله رب العالمين، أو جلت عظمة ربنا، أو نحو ذلك. روينا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، ــ تأمين الملائكة فمن حصل له ذلك غفر له إمامًا كان أو مأمومًا اهـ، ثم قضية ما سبق من كون التأمين لقراءة الإمام إنه لو لم يسمعها لا يسن له التأمين وإن سمع تأمين المأمومين وهو كذلك في الإيعاب قال الحافظ وجاء طلبها من المنفرد في عموم الأحاديث وكذا المأموم أما الإمام فجاء صريحًا في خبر أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] قولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين حديث صحيح أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وأصله في الصحيحين والسنن الثلاثة لكن في آخره قال الزهري وكان ﷺ يقول آمين اهـ. قوله: (وليسَ في الصَّلاةِ إلخ) قيل يرد عليه ما في الأنوار من علم أن إمامه لا يقرأ السورة أو إلا سورة قصيرة ولا يتمكن من إتمام الفاتحة فعليه إن يقرأ بها معه ويجاب بأن هذه حالة عذر فلا ترد. فصل قوله: (يُسنُّ لكل مَنْ قَرأَ في الصَّلاةَ أَوْ غيرِها أَنْ يسأَلَ الله تعالى منْ فَضلهِ إلخ) عبارة العباب يسن للقارئ آية رحمة أي نحو (وَيغفِر لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيم) [الأنفال: ٧٠] إن يسألها قال شارحه كان يقول ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون: ١١٨]، يقصد به الدعاء لا التلاوة. قوله: (وإِذَا مَر بآيَة عذابٍ) كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر: ٧١]. قوله: (أَنْ يستعيذَ بِهِا إلخ) بنحو رب أعوذ بك من العذاب أو الشر أو المكروه. قوله: (بآيَة تنزِيهٍ) نحو: (ليسَ كَمثله شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيُر﴾ [الشورى: ١١]. قوله: (ذَاتَ لَيلةٍ) أي في ليلة فذات مقحمة للتأكيد أو ليست مقحمة والمعنى في ساعة ذات مرة من ليل فحذف ذلك لوضوح المراد منه على

стр. 636

فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوّذ، رواه مسلم في "صحيحه". قال أصحابنا: يستحب هذا التسبيح والسؤال والاستعاذة للقارئ في الصلاة وغيرها، وللإمام والمأموم والمنفرد لأنه دعاء، فاستَووْا فيه كالتأمين. ١٢٧ - ويستحب لكل من قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٤٠]، قال: بلى أشهد، وإذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥] قال: ــ حد قول: تضوع المسك منها نسيم الصبا أي تضوعًا مثل تضوع نسيم الصبا. قوله: (فافْتتحَ البقرَةَ) ظاهر هذه الرواية إنه ﷺ قرأ جمع السور المذكورة في ركعة واحدة وأنه قدم النساء على آل عمران وإن كانت الواو لا تقتضي ترتيبًا فهي إما لبيان الجواز وإما على ترتبب مصحف ابن مسعود وإلا فالأفضل فضل القراءة على ترتيب المصحف العثماني لأنه المعروف المستقر من أحواله أما على ترتيب الآي فواجبة فيحرم بعكس الآية لأن الترتيب فيها توقيفي قطعًا وبين السور فيه خلاف فإن قرأ بعكس الآي وقصد بما أتى به من الآي مجرد الذكر فلا بأس واتباع السنة أولى وهذه القراءة كانت في صلاة الليل. قوله: (رَوَاه مُسلم) ورواه أصحاب السنن الأربعة أيضًا كما في السلاح. قوله: (في الصَّلاةِ) سواء كانت فرضًا أم نفلًا خلافًا للمالكية والحنفية. قوله: (وإذَا قَرأَ أَليْسَ ذَلِكَ إلخ) في العباب أو قرأ كآخر التين أن يقول عند سماعه بلى وأنا على ذلك من الشاهدين اهـ، والحديث الآتي عند قوله وقد بينت أدلته إلخ، عن أبي داود والترمذي يشهد لما قاله المصنف مما يقال عند كل من آخر والتين ومن آخر سورة

стр. 637

آمنت باللهِ، وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال: سبحان ربي الأعلى، ويقول هذا كله في الصلاة وغيرها، وقد بينت أدلته في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن". ــ القيامة والله أعلم ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] قوله: (آمنتُ بالله) في الإيعاب أو يقول لا إله إلَّا الله لأمره ﷺ بهذا والذي قبله كما رواه جماعة لكنه ضعيف لأن فيه مجهولًا وعنم أنه لا يتعين للسؤال والتعوذ لفظ خاص بل الشرط أن يأتي بما يناسب اللفظ المتلو كان يقول في (وَسئلوُا اللهَ مِن فَضَله) [النساء: ٣٢] اللهم إني أسألك من فضلك أو اللهم أعطني من فضلك وفي (﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون: ١١٨] رب اغفر إلخ، وفي قل ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧] الآية رب أعوذ بك إلخ، لا بقصد التلاوة وعلى ذا المنهاج مما يناسب التلاوة أو يتضمن امتثال ما أمر به منها أو ندب إليه واستحسن من قابله قاله ابن رزين ومن ثم قال ولا يكفي ذكر الآية التي فيها ذكر الاستغفار إلَّا أن يكون لفظها صالحًا لأن يكون استغفارًا نحو واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم فيكفي إعادتها على قصد الاستغفار وذكر الزركشي نحوه فقال والأحسن أن يأتي بموافقة التلاوة ويقصد به الدعاء لا التلاوة وذكر أيضًا كصاحب الأنوار والجواهر إنه يسن عند ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠] الله رب العالمين، ويسن للمستمع أيضًا ولو غير مأموم ونقل عن الشيخ أبي محمد أنه يسن رفع اليدين هنا ومسح الوجه بهما عند ختم الدعاء واستغربه والاستغراب واضح بالنسبة لمن في الصلاة فقط وفي المجموع إنه يسن الجهر بما ذكر في الجهرية للإمام وكذا للمأموم أن أهمله الإمام وصح إنه ﷺ خرج على الصحابة فقرأ عليهم بسورة الرحمن فسكتوا فقال ما لي أراكم سكوتًا لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردًا منكم كنت كلما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ذلك الحمد قال ابن عبد السلام والقرآن يشتمل على فاضل كآية الكرسي إذ هو كلامه فيه ومفضول كتبت إذ هو في عدوه ولا ينبغي له المداومة على الفاضل فقط لأنه ﷺ لم يفعله ولأنه يؤدي إلى نسيانه اهـ. قوله: (وقَدْ بينْت أَدِلتَهُ في كِتاب التبْيانِ إلخ) قال في التبيان يستحب أن يقول ما رواه أبو هريرة

стр. 638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن النبي ﷺ قال من قرأ والتين والزيتون فقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن رجل أعرابي وعن أبي هريرة قال الترمذي وإنما يروى هذا الحديث عن الأعرابي ولا يسمى قال المصنف وقد روى ابن أبي داود وغيره زيادة على رواية أبي داود والترمذي في هذا الحديث ومن قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥] فليقل آمنت بالله ومن قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٤٠] فليقل بلى أشهد قال وعن ابن عباس وابن الزبير وأبي موسى الأشعري أنهم كانوا إذا قرأ أحدكم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال سبحان ربي الأعلى، قال الحافظ مقتضى كلامه أن الزيادة المتعلقة بالمرسلات ولا أقسم ليست عند أبي داود والترمذي وإن الزيادة المتعلقة بسيح ليست مرفوعة عن ابن عباس ولا من ذكر معه ومقتضى تقرير كلام الترمذي أن هذا الحديث لم يرد إلّا بهذا الإسناد وإن راويه عن أبي هريرة لم يرد مسمى والأمر بخلاف ذلك في الأمور الأربعة: أما الأول فإن الحديث بجملته عن أبي داود وإنما اقتصر على التين منه الترمذي وكأن الشيخ راجع الترمذي فظن أن أبا داود مِثله والعجب إن ابن أبي داود الذي نسب الزيادة إليه أخرجه عن شيخ والده ثم ساقه الحافظ عن أبي هريرة بجملته وفي آخره ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] فإني على آخرها (﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٤٠] فليقل بلى قال الحافظ هذا حديث حسن يتقوى بكثرة طرقه أخرجه أبو داود وأخرجه ولده أبو بكر في كتاب الشريعة عن شيخ أبيه في هذا الحديث عبد الله بن محمد الزهري لكن قال لم أجد في روايته ذكر أبي هريرة وكأنه سقط من كتابه والمعتمد إثباته كما في رواية أبيه وأخرجه من طريق أخرى بتمامه وفي آخره بلى وأشهد وأخرجه إسحاق بن راهويه وابن مردويه، وجاء تسمية التابعي المبهم عند ابن عيينة ووافقه شعبة الراوي عن أبي هريرة عند إسماعيل ابن علية لكن لم يرفع الحديث فسماه عبد الرحمن بن القاسم قال ابن المديني حدثني به ابن علية فذكرته لابن عيينة فقال لم يحفظ قال ابن المديني وعبد الرحمن بن القاسم مكي والمحفوظ رواية ابن عيينة وتابعه شعبة قال الدارقطني في العلل وعبد الرحمن بن القاسم المذكور لم يسمع من أبي هريرة قال الحافظ تضمنت هذه الطريق تسمية الأعرابي وهو الأمر الثاني خلافًا لمن نفى ذلك، وجاء مسمى من وجه ثانٍ أخرجه ابن

стр. 639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مردويه فسمى فيه محمد بن عبد الرحمن بن سعد عن أبي هريرة -قلت كذا في الأصل والظاهر إنه عبد الرحمن بن سعد كما يومئ إليه كلامه آخرًا والله أعلم- فذكر الحديث مفرقًا في السور الثلاث وعليه بعض الرواة فجعله سعد بن عبد الرحمن قاله الدارقطني وجاء مكنيًا عند الحاكم بأبي اليسع وأخرجه كذلك ابن مردويه فقال عن أبي اليسع وهو عبد الرحمن بن سعد ولم يصرح بمن سماه قال الحافظ وجميع هذه الطرق لا تثبت لأن مدارها على نصر بن طريف وهو شديد الضعف وكذا ابن أبي يحيى ويزيد بن عياض وعجب للحاكم كيف خفي عليه حاله حتى صححه، الأمر الثالث ذكر المصنف في المجموع حديث أبي هريرة بتمامه وقال رواه أبو داود والترمذي وهذا يخالف صنيعه في الأذكار لتصريحه فيه إن المرسلات والقيامة ليسا في رواية الترمذي وهو كما قال بالنسبة للترمذي خلافًا لما أطلق في المجموع ثم قال وهو حديث ضعيف وإن احتج به أصحابنا وكذا ذكره في الخلاصة في فصل الضعيف واقتصر في الروضة تبعًا لأصلها على المرسلات والتين، قال الحافظ وإطلاق الضعف على هذا الحديث متعقب فإنه قد جاء عن غير أبي هريرة فجاء من حديث البراء بن عازب أخرجه عنه ابن مردويه وحديثه قال قال ﷺ لما نزلت (﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٤٠] سبحان ربي وبلى، قال الحافظ حديث غريب وفي سنده من فيه مقال وقد رواه مسلم بن قتيبة أحد الثقات عن شعبة فلم يسم الصحابي ومن حديث جابر أخرجه ابن المنذر في تفسيره وابن أبي داود في كتاب الشريعة وابن مردويه كلهم عن ابن المنكدر عن جابر فذكر فيه القيامة والتين ورجاله رجال المحيح إلَّا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة فضعيف عندهم لكن تابعه أبو بكر الهذلي عن ابن المنكدر أخرجه الدارقطني في الأفراد وهو ضعيف أيضًا ومن حديث ابن عباس إنه ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال سبحان ربي الأعلى قال الحافظ بعد تخريجه من طريق عبد الله بن حنبل عن أبيه بسنده حديث حسن أخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما قال الحافظ لكن وقع اختلاف بين رواته في رفعه ووقفه ولهذا الاختلاف ينحط عن درجة الصحيح وإن كان رجاله مخرجًا لهم فيهما ومن حديث صحابي لم يسم أخرجه

стр. 640

باب أذكار الركوع ــ أبو داود عنه إنه كان يقرأ فوق بيته يرفع صوته فقال ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ فقال سبحانك أو بلى فقال سمعته من رسول الله ﷺ وأخرجه الحافظ بسند فيه بعد شعبة مبهمان قبل الصحابي المبهم أيضًا وقال فيه مبهمان لا يعرف حالهما ولا عينهما وسقطا من رواية أبي داود وعجبت من سكوته ولعله تسهل فيه لوجود شاهده ولكونه في فضائل الأعمال ولكون شعبة لا يسند غالبًا إلّا عند الثقات اهـ، وورد مرسلًا عن قتادة قال ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال إذا قرأ أحدكم فذكر الحديث في القيامة وسبح والتين مفرقًا أخرجه الطبري وغيره قال الحافظ سنده صحيح إن كان الذاكر له صحابيًّا وإلَّا فحسن لشواهده وأخرج عبد بن حميد أيضًا من طريق صالح أبي الخليل عن النبي ﷺ نحوه ورجاله ثقات لكنه مرسل أو معضل ومع تعدد هذه الطرق يتضح أن إطلاق كون هذا الحديث ضعيفًا ليس بمتجه والله أعلم، اهـ. وقول الحافظ وهذا يخالف صنيعه في الأذكار إلخ، سبق قلم من الناسخ إذ ليس في الأذكار تعرض لذلك والظاهر في التبيان والله أعلم. خاتمة وجب القيام للقراءة والقعود للتشهد بخلاف الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين لالتباس الأولين بالعادة فوجب تمييزهما عنها وهو حاصل بذلك بخلاف الركوع والسجود فهما ممتازان عنها بذاتهما فلم يحتاجا إلى مميز آخر والاعتدال والجلوس بين السجدتين غير مقصودين لذاتهما بل للفصل ومن ثم كانا قصيرين فلم يناسبهما إيجاب شيء منهما إعلامًا بذلك. باب أذكار الركوع الركوع لغة الانحناء وقد يراد به الخضوع قيل وهو من خصائصنا لقول بعض المفسرين في قوله تعالى (﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣] إنما قال ذلك لأن صلاتهم لا ركوع فيها والراكعون محمد ﷺ وأمته ومعنى اركعي مع الراكعين صلي مع المصلين وهل هو واجب لنفسه أو لغيره الصواب الأول قيل الحكمة في إفراده دون السجود أن في السجود الخضوع الأعظم لما فيه من مباشرة أشرف ما في الإنسان لمواطئ الأقدام فناسب تكريره لأنه

стр. 641

قد تظاهرت الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه كان يكثر للركوع وهو سُنَّة، ــ المتكفل بالمقصود ونيل المأمول والركوع وسيلة ومقدمة فأفرد. قوله: (قد تظَاهرتِ الأَخبارُ الصحيحَةُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنهُ كَانَ يكبرُ للركوعِ) قال الحافظ فمن ذلك حديث ابن مسعود رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع ووضع ويسلم عن يمينه ويساره ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أحمد والطحاوي والترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح قال وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مالك الأشعري وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين ووائل بن حجر وابن عباس قال الحافظ وفيه عن علي وأبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن أبزى وغيرهم فحديث أبي هريرة أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وحديث أنس أخرجه أحمد والنسائي وحديث ابن عمر أخرجه أحمد والنسائي وحديث أبي مالك الأشعري أخرجه أحمد وحديث أبي موسى أخرجه ابن ماجة وأسانيد هذه الطرف حسان وحديث عمران بن حصين أخرجه الشيخان وحديث وائل أخرجه أحمد وهو حديث حسن وحديث اين عباس أخرجه البخاري وحديث علي أخرجه الدارقطني في غرائب مالك ورواته ثقات لكن في سنده انقطاع وقال الحافظ بعد تخريجه إنه حديث غريب وأخرجه مالك في الموطأ عن علي بن الحسين مرسلًا وقال الدارقطني إن الصواب ما في الموطأ وحديث أبي سعيد صحيح أخرجه أحمد والبيهقي وفي البخاري بعضه وحديث جابر أخرجه البزار بسند فيه ضعف وهو في الموطأ من وجه آخر صحيح إلَّا أنه موقوف عليه وحديث ابن أبزى حديث غريب أخرجه أحمد والترمذي اهـ. باختصار قال ولفظ حديث ابن أبزى صليت خلف النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير قال الحافظ ويمكن حمل النفي فيه على الجهر فقد جاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يكبرون في كل رفع وخفض ومنهم من خصه بالرفع ومنهم من خصه بالجهر وأغفل إنه شرع للإعلام فيكتفي في الجهر به بحالة الرفع من السجود ونحوه فإنه قد يخفى وقد جاء في حديث آخر عن جماعة من الصحابة منهم من لم يسم وذلك عن عباس بن سهل بن سعد إنه كان في مجلس فيه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبوه

стр. 642

ولو تركه كان مكروهًا كراهة تنزيه، ولا تبطل صلاته ولا يسجد للسهو، وكذلك جميع التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمها، إلا تكبيرة الإحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، وقد قدمنا عدّ تكبيرات الصلاة في أول أبواب الدخول في الصلاة. وعن الإمام أحمد رواية: أن جميع هذه التكبيرات واجبة. وهل يستحب مدُّ هذا التكبير؟ فيه قولان للشافعي ﵀، أصحهما وهو الجديد: يستحب مده إلى أن يصل إلى حد الراكعين، فيشتغل بتسبيح الركوع لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذِكْر، بخلاف تكبيرة الإحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المد فيها لأنه يحتاج إلى بسط النية عليها، فإذا مدها شقَّ عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، ــ وأبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد فقال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه إنه كبر حين افتتح وحين ركع وحين سجد وحين رفع وفيه أنهم وافقوه على ذلك قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أصله في البخاري بغير سياقه قوله: (لوْ تَركهُ) أي السنة التي هي التكبير للركوع وفي نسخة (تركه) أي التكبير (كان مكروهًا) قال في المجموع يكره تعمد ترك التسبيح وسائر أذكار الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد وتكبير غير التحرم للخلاف في البطلان بذلك اهـ، ولما فيه من مخالفة الإجماع قوله: (وَعَنْ أحمَد روَايةٌ إلخ) وكذا قال بوجوب نحو التسبيح كما سيأتي حكايته عنه آخر الباب. وأجيب عنه بأنه ﷺ لم يذكر للمسيء صلاته غير تكبيرة الإحرام وكان ذلك أولى بالتعليم لأنه أخفى ولأنه إذا جهل الركوع والسجود جهل هذا بالأولى وبه يندفع اختيار الرازي الوجوب قال لقيام الدليل عليه من خارج وهو أمره بها في قوله اجعلوها في ركوعكم كذا في الإيعاب ثم (رواية) يقرأ بالرفع منونًا مبتدأ مؤخر قوله: (أَن جميعَ هَذِه التكبيرَاتِ إلخ) في تأويل مصدر بدل منه والتقدير وعن الإمام رواية وجوب التكبيرات المذكورة قوله: (وهَلْ يُسْتَحبُّ مد هذَا التكبيرِ إلخ) السنة أن يبدأ في التكبير حال قيامه ويرفع يديه كالإحرام مع ابتداء التكبير فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى كما في المجموع نقلًا عن الأصحاب وفي البيان وغيره نحوه

стр. 643

وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاح هذا في "باب تكبيرة الإحرام"، والله أعلم. فصل: فإذا وصل إلى حد الراكعين، اشتغل بأذكار الركوع فيقول: "سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبِّي العَظِيمِ". ــ ونص عليه في المختصر وصوبه في المهمات والرفع هنا كالرفع عند تكبيرة الإحرام أي حذو المنكبين ولو لم يرفع حتى فرغ التكبير لم يتداركه كما نص عليه في الأم أو قبل أن رفع ويمد التكبير إلى انتهاء هويه لئلا يخلو جزء منه عن الذكر ولا ينظر إلى طول المد ولا فرق في استحباب مد التكبير في محاله بين السر والجهر قوله: (وهذَا حُكمُ باقي التكبيرَاتِ) المشار إليه هو أن الأصح استحباب المد في التكبيرات كما يدل عليه قوله: (وقَدْ تقدَّمَ إِيضَاحُ هَذَا إلخ) وليس المشار إليه ترك المد لأنه إنما ذكر على سبيل التبعية لبيان الفرق فافهم وبه يندفع ما كتبه الأهدل بناء على ما فهمه مما ذكر آخرًا الذي سبق في تكبيرة الإحرام استحباب مد ما عداها إلى أن يصل إلى انتهاء الركن اهـ. فصل قوله: (إِذَا وصَلَ إلى حدِّ الرَّاكعين) وهو بالنسبة للقائم أن ينحني انحناءً خالصًا إلى أن يصير بحيث تصل راحته إلى ركبته وللقاعد أن يحاذي جبهته ما بين ركبتيه. قوله: (سبحانَ ربي العظيمِ) تكراره ثلاث مرات كما ذكره المصنف هو الأكمل ثم هو بفتح الياء التحتية وتسكن وعن عقبة بن عامر ﵁ لما نزلت (﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] قال ﷺ اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال اجعلوها في سجودكم رواه أبو داود وابن حبان والدارمي وفي شرح العباب أن إسناد خبر أبي داود وابن ماجة حسن زاد أبو داود في رواية أخرى فكان ﷺ إذا ركع قال سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا وفي سندها مجهول صرح به الحاكم ووثقه ابن حبان فكانت حسنة ووجه التخصيص إن الأعلى أبلغ من العظيم فجعل في الأبلغ في التواضع وهو السجود الأفضل وسيأتي حديث أقرب ما يكون

стр. 644

فقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في ركوعه الطويل الذي كان قريبًا من قراءة (البقرة) و (النساء) و (آل عمران): "سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ" ومعناه: كرَّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبينًا في "سنن أبي داود" وغيره. وجاء في كتب السنن: أنه ﷺ قال: "إذا قال أحَدُكُمْ: سُبْحانَ رَبي العَظِيمِ ثلاثًا فَقَدْ تم رُكُوعُهُ". ــ العبد من ربه وهو ساجد فربما يتوهم قرب المسافة فندب سبحان ربي الأعلى أي عن قرب المسافة دفعًا لذلك الوهم وهذا التخصيص باعتبار الأفضل فلو عكس فجعل تسبيح الركوع في السجود أو عكسه حصل أصل السنة وسبحان منصوب على المصدر عند الخليل والفراء كالتسبيح على أنه اسم صدر عن سيبويه والعظيم قال الرازي معناه الكامل في ذاته وصفاته ومعنى الجليل الكامل في صفاته ومعنى الكبير الكامل في ذاته. قوله: (فقدْ ثَبتَ في صحيح مُسلم إلخ) قضية هذا الحديث إنه لا يتقيد التسبيح في الركوع وكذا السجود بعدد واختاره السبكي وتبعه الأذرعي. قوله: (كَمَا جاءَ مبينًا في سُننِ أَبِي دَاودَ) قال الحافظ بعد تخريجه عن حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ فلما كبّر قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه قريبًا من قيامه يقول سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم الحديث هذا حديث حسن فإن صح ظن شعبة أن الرجل المبهم في سنده هو أصله من زفر فالحديث صحيح والحديث عند الترمذي والنسائي ولعله مراد الشيخ من قوله "وغيره". قوله: (وجاءَ في كتبِ السننِ أَنهُ ﷺ قَال إِذَا قَال أحدكم سبحانَ ربي العظيم ثَلاثًا فقدْ تَم ركوعهُ) في المشكاة عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا ركع أحَدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تمّ ركوعه وذلك أدناه ومن قال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وقال الترمذي إسناده

стр. 645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ليس بمتصل لأن عونًا لم يلق ابن مسعود اهـ قال الحافظ وكذا قال البيهقي لكن عبر بقوله لم يدرك ثم ساق له شاهدًا عن أبي جعفر محمد وعلي بن الحسين عن أبيه عن النبي ﷺ قال سبحوا ثلاث تسبيحات ركوعًا وثلاث تسبيحات سجودًا هذا حديث مرسل أو معضل لأن أبا جعفر محمدًا هذا من صغار التابعين وجل روايته عن التابعين اهـ. وفي البدر المنير لابن الملقن بعد ذكر كلام الترمذي ولذا قال الشافعي في الأم بعد إن رواه مرفوعًا إن كان الحديث ثابتًا فإنما يعني بقوله تم ركوعه وذلك أدناه أي أدنى ما ينسب إلى كمال الفرض والاختيار معًا لإكمال الفرض وحده قال البيهقي إنما قال إن كان ثابتًا لأن الحديث منقطع اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة ولا يضر ذلك لأن المنقطع يعمل به في الفضائل إجماعًا ومن ثم عمل به فقالوا يسن للمصلي أن يسبح سرًّا في ركوعه وسجوده اهـ. قال الحافظ بعد تخريجه حديث ابن مسعود هذا حديث غريب وقال قال الطبراني ولا يروى هذه اللفظة وذلك أدناه إلَّا في هذا الحديث تفرد به ابن أبي ذئب قال الحافظ وقع في رواية الشافعي في المرسل الذي أخرجه البيهقي شاهدًا لحديث ابن مسعود ما يشعر بهذه الزيادة ولفظه عن جعفر بن محمد عن أبيه جاءت الحطابة إلى رسول الله ﷺ فقالوا إنا لا نزال سفرًا فكيف نصنع بالصلاة قال سبحوا ثلاث تسبيحات ركوعًا وثلاث تسبيحات سجودًا وورد التثليث في عدة أخبار بدون زيادة وذلك أدناه أخرجه ابن خزيمة من حديث حذيفة كان ﷺ يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا حديث حسن وأخرجه أيضًا العمري والدارقطني زاد في روايته وبحمده في الموضعين وأخرج البزار من حديث أبي بكر كذلك ولم يقل وبحمده وأخرج الدارقطني مثله من حديث جبير بن مطعم وعبد الله بن أقدام والطبراني في الكبير من حديث أبي مالك الأشعري بنحوه وفي سند كل منهما ضعف وعند الطبراني كان ابن مسعود إذا ركع قال سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وكان يذكر أن النبي ﷺ كان يقوله وفيه ضعف وفي سنده انقطاع وله شاهد من

стр. 646

وثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللهُم رَبنا وبِحَمْدِكَ، اللهُم اغْفِرْ لي". ــ حديث عقبة بن عامر أخرجه أبو داود بمثل هذا اللفظ وزاد وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا وفي سنده مبهم وأخرج أبو داود عن السعدي عن أبيه أو عمه قال رقبت النبي ﷺ فكان يمكث في ركوعه وسجوده بقدر ما يقول سبحان الله وبحمده ثلاثًا والسعدي لا يعرف اسمه ولا اسم أبيه ولا عمه اهـ، ولعل ذكر وبحمده في هذه الروايات مراد الشيخ بقوله في بعض النسخ المصححة: "وجاء في كتب السنن أنه ﷺ قال إذا قال أحدكم سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا فقد تم ركوعه" والذي خرج عليه الحافظ بإسقاط قوله وبحمده قال في شرح المشكاة ويحصل أصل السنة بنحو سبحان الله وسبحان ربي الأعلى مرة كما في المجموع وأدنى كمال العدد المطلوب فيها سبحان ربي العظيم أو الأعلى ثلاثًا وأعلاه لكن لمنفرد وإمام محصورين راضين لم يتعلق بعينهم حق أحد عشر فتسع فسبع فخمس أما إمام غير محصورين فتكره له الزيادة والأفضل أن يأتي بعد التسبيح بما يأتي من اللهم لك ركعت إلخ. وإن اقتصر على التسبيح أو الذكر المذكور فالتسبيح أفضل لما فيه من الأحاديث الكثيرة وثلاث تسبيحات معه أفضل من حذفه وزيادة التسبيح على الثلاث اهـ. قوله: (وثَبتَ في الصَّحِيحيْنِ عَنْ عائشَة ﵂ قال الحافظ بعد تخريجه عنها بهذا اللفظ وفي رواية كان يكثر أن يقول إلخ. حديث صحيح وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وفي آخره يتأول القرآن وفي رواية لمسلم ما رأيت رسول الله ﷺ منذ نزل عليه إذا جاء نصر الله والفتح يصلي صلاة إلا دعا وقال سبحانك ربي وبحمدك اللهم اغفر لي وفي الأم للشافعي كل ما قاله رسول الله ﷺ في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه ثم قال فمن ذلك عن عائشة إلخ. اهـ، فيسن جميع ما ورد فيه كما سيأتي وصح عن ابن مسعود ﵁ قال لما نزل على رسول الله ﷺ إذا جاء نصر الله كان يكثر إذا قرأها ويركع إن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم وأخذ منه الأسنوي إنه يسن الدعاء في الركوع وتبعه الزركشي وزاد عن الأم أنه إن دعا فيه فلا شيء عليه إلَّا أن يريد به

стр. 647

وثبت في "صحيح مسلم" عن علي ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا ركع يقول: "اللهُمَّ ــ القنوت فيسجد للسهو قال وذكر الأصحاب في الكسوف إنه يسبح فيه ويسجد أي فهذا شاهد لما بحثه الأسنوي وترجم في البخاري باب الدعاء في الركوع قال الحافظ في الفتح قصد الإشارة إلى الرد على من كره الدعاء فيه كمالك واحتج بحديث وأما الركوع فعظموا فيه الرب لكنه لا مفهوم له فلا يمتنع في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود وظاهر حديث عائشة إنه كان يقول هذا الدعاء كله في الركوع وكذا في السجود اهـ. قال المصنف في شرح مسلم في قوله في الحديث يتأول القرآن أي يعمل ما أمر به في قوله سبحانه ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] إلخ، فكان ﷺ يقول هذا الكلام البديع في الجزالة ليستوفي ما أمر به في الآية وكان يأتي به في الركوع والسجود لأنه حالة الصلاة أفضل فاختار هذا الواجب للذي أمر به ليكون أكمل قال الحافظ معنى يتأوله يخص عمومه ببعض الأحوال وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على التخصيص بحال الصلاة أخرج أبو نعيم في المستخرج عن عائشة قالت كان ﷺ يكثر قبل موته من قول سبحان ربي وبحمده أستغفر الله فيسأل فقال أخبرني ربي إني سأرى علامة في أمتي فقد رأيتها قال الحافظ أخرجه مسلم اهـ. ثم الباء في وبحمدك قيل متعلقة بسبحان أي وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى وإن كل الإفضال له اهـ، والحكمة في الإتيان بضمير المتكلم ومعه غيره في قوله ربنا وفي إفراده في قوله اللهم اغفر لي إنه لما أضيف إلى الله ذي الكمال الحائز لصنوف الجمال والجلال أتى بضمير "نا" لأنه دال على التفخيم ولما كان مقام العبد مقام الافتقار والتذلل والانكسار أتى بضمير الواحد الفقير الذليل لعز مولاه الجليل. قوله: (وثَبتَ في صحيح مُسلم عَنْ عَلي) هو حديث طويل فيه دعاء الافتتاح وجهت وجهي إلى قوله والشر ليس إليك وما يقال في الركوع والسجود وبعد التشهد والمصنف ذكر بعضه مفرقًا في أماكن وهو جائز ويفعله كثيرًا البخاري في صحيحه وقد تقدم ذكر من

стр. 648

لكَ رَكعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، ومُخِّي، وعَظْمِي، وعَصَبي". وجاء في كتب السنن: "خَشَعَ سَمْعِي وبَصَرِي، ومُخِّي وعَظْمِي وما اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رب العالمين. ــ خرجه وإيضاح ما يتعلق به في باب دعاء الافتتاح وأخرجه الحافظ مختصرًا فقال عن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله ﷺ إذا ركع قال اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ثم قال هذا حديث صحيح أخرجه أحمد قال وأخرجه مسلم من وجه آخر في الحديث الطويل الذي فيه دعاء الافتتاح اهـ، وفي وجبات الرحمة اللهم لك ركعت إلى قوله وعصبي رواه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني من حديث علي وفي رواية للنسائي، وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي ومخي وعصبي لله رب العالمين ورواه يعني النسائي من حديث جابر بن عبد الله إن النبي ﷺ كان إذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين ورواه الطبراني وقال وعظامي اهـ، بتلخيص. قوله: (لكَ ركَعْتُ) أي لك لا لغيرك لتقديمه على العامل وهو ركعت أي خضعت وأنت أولى المتفضلين على الأذلاء المنكسرين ومثله في إفادة الحصر ما بعده. قوله: (وبكَ آمنْتُ) أي بك وجودًا وكمالًا وإنعامًا وإفضالًا آمنت. قوله: (ولكَ أسْلمْتُ) أي انقدت لأمرك وقضائك فافعل ما تريد فإنه لا يستحق عليك أحد شيئًا من النعيم بل الكل من فضلك وإحسانك وإن أطنب العباد في مقام الحمد. قوله: (خَشعَ لَكَ سَمعي إلخ) أي خضع وتواضع وسكن وانقاد لك وإسناد الخشوع إلى هذه الأمور التي ليس من شأنها الإدراك والتأثر كناية عن كمال الخشوع والخضوع لله حتى كان تمام أعضائه خاشعة خاضعة لربها وقيل خشع سمعي فلا يسمع إلّا منك وبصري فلا يبصر إلَّا بك وإليك ومخي فلا يعي إلّا عنك وعظمي وعصبي بفتحتين فلا يقومان ولا يتحركان إلّا في طاعتك وليحذر أن يكون حال قوله هذا الذكر غير متلبس بما دل عليه مما أشرف إليه وإلا كان كاذبًا بين يدي الحق فيخشى عليه المقت والطرد إلَّا أن يريد أن تلك الأعضاء بصورة الخاشعة قال التاج السبكي وهذا خير من جريان الألفاظ على اللسان اعتيادًا من غير حضور البتة اهـ. قوله: (وجاءَ في كتُب السنَنِ خَشعَ سمعي) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر وفي

стр. 649

وثبت في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَة والرُّوحِ" قال أهل اللغة: سُبُّوح قُدُوس: بضم أولهما ــ رواية للنسائي من حديثه خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعصبي لله رب العالمين قال الحافظ ما رأيته هكذا إلَّا في رواية للنسائي من غير حديث علي ووقع لي من حديث علي من طريق الطبراني كذلك إلَّا إنه قال وعظامي ولم يقل لك بعد خشع وزاد وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ورواة هذا الإسناد لا بأس بهم بل هم من رجال الصحيح إلّا واحدًا منهم اهـ، وقوله: (وَمَا استقلَّتْ بهِ قَدَمِي) بإسكان الياء وكسر الميم مفرد مضاف إذ لو كان مثنى لوجبت الألف المراد به جملته فهو تعميم بعد تخصيص لمزيد المبالغة بذكر الشيء مرتين. قوله: (وثَبتَ في صحيح مُسلم عَنْ عائِشةَ ﵂ ورواه أبو داود والنسائي أيضًا وأخرجه الحافظ من طريق أحمد وأشار إلى أن الطبراني أخرجه في كتاب الدعاء له. قوله: (في رُكوعهِ وسُجودِه) قال الحافظ بعد تخريجه كذلك هكذا أخرجه مسلم وأبو داود من رواية هشام الدستوائي ورواه شعبة مقتصرًا على الركوع وأشار إلى رواية هشام بزيادة السجود ورواه معمر عن قتادة بالشك وقد تابع هشامًا على الجمع بينهما سعيد بن أبي عروبة ثم أخرج الحافظ حديث معمر عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه أو سجوده فذكر مثله وقال الحافظ أخرجه أحمد ورويناه في مسند أبي العباس السراج حدثنا إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن مطرف عن عائشة ولم يسق لفظه بل قال مثله يعني رواية سعيد بن أبي عروبة فما أدرى أوقع كذلك في رواية إسحاق أو تجوز السراج اهـ. قوله: (رَبُّ الملائِكةِ) أضيفت التربية إليهم بخصوصهم لكونهم أعظم العوالم وأطوعهم لله وأدومهم عليها فلا يلزم منها فضلهم على البشر. قوله: (والروح) هو جبريل لقوله تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] أو ملك من أعظم الملائكة خلقًا كما أخرجه جمع عن ابن عباس أو حاجب لله يقوم بين يديه يوم القيامة وهو أعظم الملائكة لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة والخلق إليه ينظرون فمن مخافته لا يرفعون طرفهم إلى من فوقه أخرجه أبو الشيخ عن الضحاك أو ملك له سبعون

стр. 650

وبالفتح أيضًا: لغتان، أجودهما وأشهرهما وأكثرهما: الضم. ــ ألف وجه ولكل وجه سبعون لسان ولكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات لها يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة أخرجه جمع أئمة عن علي ﵁ لكن سنده ضعيف أو ملك له عشرة آلاف جناح جناحين منها ما بين المشرق والمغرب له ألف وجه في كل وجه ألف لسان وعينان وشفتان يسبحان الله تعالى إلى يوم القيامة أخرجه جمع عن ابن عباس أو ملك أشرف الملائكة وأقربهم من الرب وهو صاحب الوحي أخرجه ابن المنذر وغيره عن مقاتل بن حبان أو ملك في السماء الرابعة أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكًا من الملائكة يجيء صفًّا وحده أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود أو خلق على صور بني آدم أخرجه جمع أئمة عن ابن عباس وعن مجاهد وأخرج جمع عن الروح أنهم يأكلون ولهم أيدٍ وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة وجمع عن ابن عباس ما نزل من السماء ملك إلَّا ومعه واحد من الروح وأخرج جمع حفاظ عن ابن عباس عن النبي ﷺ إنه قال الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيدٍ وأرجل ثم قرأ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال هؤلاء جند وهؤلاء جند وأخرج جمع عن عبد الله بن بريدة قال ما يبلغ الإنس والجن والملائكة والشياطين عشر الروح وأخرج أبو الشيخ عن سليمان إن الإنس عشر الجن والجن عشر الملائكة وهم عشر الروح وهم عشر الكروبيين وعن أبي نجيح الروح حفظة على الملائكة وعن مجاهدهم منهم لكنهم لا يرونهم. قوله: (وبفتْحِ) وهو الأقيس قال ثعلب كل اسم على وزن فعول فهو مفتوح الفاء إلا السبوح والقدوس فالضم فيهما أكثر وهما اسمان وضعا للمبالغة في النزاهة والطهارة عن كل ما لا يليق بجلال الحق وجماله وكبريائه وعظمته وإفضاله وهما خبران عن مبتدأ محذوف أي ركوعي وسجودي لمن هو البالغ في النزاهة والطهارة المبلغ الأعلى وقيل منصوبان

стр. 651

وروينا عن عوف بن مالك ﵁ قال: "قمت مع رسول الله ﷺ فقام، فقرأ (سورة البقرة) لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه "سُبْحانَ ذِي الجَبَرُوتِ والمَلَكوتِ والكبرِياءِ والعَظَمَةِ"، ثم قال في سجوده مثل ذلك، هذا ــ بتقدير أسبح مثلًا. قوله: (ورَوينا عَنْ عَوفِ بْنِ مالكٍ) وأبي مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني أول مشاهده الفتح وكان حامل راية قومه يومئذٍ سكن دمشق وكان داره بها عند سوق الغزل العتيق وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأما قول الشيخ أبي إسحاق في مهذبه إن عوف بن مالك رجع عليه سيفه يوم خيبر فقتله فغلط صريح إنما ذلك عامر بن الأكوع نبه عليه المصنف في التهذيب روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديث أخرجا له في الصحيحين منها ستة أحاديث انفرد البخاري بواحد ومسلم بالباقي وخرج عنه الأربعة روى عنه جبير بن نفير والشعبي وعدة. قوله: (قُمتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ) يحتمل أنه كان في نقل لا يسن فيه الجماعة فائتم به على خلاف السنة وأقره ﷺ لبيان الجواز أو في نفل تسن فيه أو فرض والتطويل لعلمه برضاهم أو لبيان الجواز أو لتمكنهم من المفارقة لأنها إنما تكره وتمنع فضل الجماعة حيث لا عذر كتطويل الإمام. قوله: (يقولُ في ركوعِهِ) استئناف جواب عما يقوله في الركوع ويصح كون الجملة في محل الحال. قوله: (ذِي الجبَروتِ إلخ) الجبروت الجبر والجبار الذي يقهر غيره على ما أراده والملكوت الملك والعزة وهما بفتح أولهما والتاء فيهما زائدة والكبرياء بالمد الترفع والتنزه عن كل نقص وقيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بها إلّا الله تعالى والعظمة تجاوز القدر عن الإحاطة وناسبت هذه الصفات الأربع الركوع والسجود لأن القصد فيهما التعظيم والثلاثة قبل العظمة أعظم مظاهرها. قوله: (رَوَاهُ أَبُو داودَ) قال في السلاح واللفظ لأبي داود قال الحافظ والحديث حسن أخرجه أحمد وأورده الحافظ من طريق الطبراني في كتاب الدعاء لكن اختصر واقتصر فيه على الذكر المذكور وأشار إلى أنه عند الإمام أحمد قال إنما لم أخرجه من طريقه لأنه لم يقع مع جميع

стр. 652

حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائي في "سننهما"، والترمذي في كتاب "الشمائل" بأسانيد صحيحة. وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "فأمّا الركوعُ فعَظِّمُوا فِيهِ الرب". واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصود الفصل، وهو تعظيم الرب في الركوع بأي لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمع بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشق على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصار ــ مسند عوف بن مالك من مسند أحمد في رواية ابن المذهب. قوله: (حدِيث صحيح إلخ) قال الحافظ فيه نظر من وجهين أحدهما الحكم بالصحة وفي سنده عاصم بن حميد ليس من رجال الصحيح وهو صدوق مقل الثاني إن الحديث ليس له في الكتب المذكورة طريق إلى هذه ومداره عندهم على معاوية بن صالح وهو يرويه عن عمرو بن قيس قال سمعت عاصم بن حميد قال سمعت عوفًا إلخ. فليس ثم أسانيد صحيحة بل ولا دونها ومعاوية وإن كان من رجال مسلم مختلف فيه فغاية ما يوصف به أن يعد ما يوصف به حسنًا وتعدد الطرق إليه لا يستلزم مع تفرده تعدد الأسانيد للحديث بغير تقييد والعلم عند الله والله أعلم، اهـ. قوله: (فأَما الرُّكوعُ فعظِّمُوا فيهِ الرب) أول الحديث إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع إلخ، وسيأتي ما يتعلق بتخريجه ومرتبته في الفصل بعده وقوله وأما الركوع فعظموا فيه الرب بالذكر دون القراءة لأنكم منهيون عنها كما سيأتي في حديث علي ﵁ ونكتة قوله فأما الركوع إلخ، إنه لما كان قوله نهيت إلخ، ربما يوهم تخصيص مقتضى ذلك الخبر به أشار إلى دفعه والإعلام بعموم ذلك بقوله وأما الركوع إلخ. قوله: (يجمعَ بينَ هذهِ الأَذكارِ إِنْ تمكن) أي وكان منفردًا أو إمام من مر وظاهر أن الركوع فيما ذكر كل ما ورد فيه أذكار متعددة بروايات متنوعة من الاعتدال والسجود والصلاة على النبي ﷺ والتشهد وقول بعض الشافعية والحنابلة إن التلفيق يستلزم إحداث صفة لم ترد مجموعة

стр. 653

فيستحب التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرة كان فاعلًا لأصل التسبيح. ويستحب إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضًا آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلا لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب. واعلم أن الذِّكْر في الركوع سُنَّةٌ عندنا، وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمدًا أو سهوًا لا تبطل صلاته، ولا يأثم، ولا يسجد للسهو. وذهب الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به كحديث ابن عباس ﵄: "أما الركوع فعظموا فيه الرب"، وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء ﵏، والله أعلم. ــ في حديث واحد فالأولى الإتيان بكل ما ثبت هذا مرة وهذا مرة وهكذا يرده جمع الأئمة لأذكار السجود والتشهد وقولهم إن الإتيان بها كذلك هو الأفضل إلَّا لإمام يكره له التطويل ولا نسلم إن استلزام الجمع لذلك ينافي أفضليته كيف وهو كله من كلامه ﷺ الذي أمرنا بالتأسي به واختلاف الروايات فيه محمول على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ. غيره وممن جمع ذلك المصنف لكن اختلف كلامه في كتبه ولم يستوعب كل ما ثبت. قوله: (يستحَبُّ التسبيحُ) لأن الوارد فيه أكثر ويكره الجهر بالتسبيح فيه وكذا باقي الأذكار فيه وفي السجود وغيرهما والله أعلم. قوله: (ويُستحب إِذَا اقتصرَ عَلَى البعضِ) أي إما لعدم تمكنه من الجميع أو لعدم إرادته ذلك. قوله: (أَنْ يفعلَ في بعضِ الأَوقاتِ بعضَها) يحتمل أن يكون مع الإتيان بالتسبيح ويحتمل الاقتصار على ذلك البعض والعبارة للأخير أقرب وفعل ذلك لئلا يهجر باقي الأذكار نظير ما تقدم في اعتياد سورة معينة في القرآن والله أعلم. قوله: (فينبغِي للمصلي أَنْ يُحافظَ عليْهِ) في المجموع يكره تعمد ترك التسبيح وسائر أذكار الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد وتكبير غير التحرم للخلاف في البطلان اهـ.

стр. 654

فصل: يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاته، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصح، وقال بعض أصحابنا: تبطل. ــ فصل: يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود وكذا في باقي الأذكار غير القيام قياسًا عليها كما في المجموع ناقلًا فيه اتفاق العلماء والكراهة تنزيهية عند الأكثر وقيل تحريمية قيل وهو القياس إذ هو الأصل في النهي إلّا أن يصرف عنه صارف وكأن حكمة ذلك أن أفضل الصلاة القيام وأفضل الأذكار القرآن فجعل الأفضل للأفضل ونهى عن جعله في غيره لئلا يوهم استواءه مع غيره من الأذكار ويوافقه قول الخطابي لما كان الركوع والسجود غاية الذل والخضوع وخصا بالذكر والتسبيح نهى ﷺ عن القراءة فيهما كأنه كره أن يجمع بين كلام الله وكلام الخلق في موضع لئلا يظن استواؤهما اهـ. ملخصًا وفي قراءة الفاتحة في غير القيام قول لبعض أصحابنا ببطلان الصلاة لأنه ركن قولي وهو كالفعل وإليه أشار بقوله: (وَقَال بعضُ أَصحابنَا تبطلُ) وظاهر الحديث النهي عن القراءة في غير القيام ولو بغير قصدها كالدعاء وهو ظاهر كلام أصحابنا فقول بعض المتأخرين لا كراهة إن قصد الدعاء والثناء ضعيف، ويفرق بين ما هنا وما يأتي من أن القصد من القنوت الدعاء وهو لا يتعين له لفظ فكانت قراءة الآية المتضمنة للدعاء محصلة للمقصود ومانعة لحرج الترك المقتضي لسجود السهو تسهيلًا على المكلف وأما غير القنوت فليس القصد فيه ذلك فكان القصد ما يصرح به كلامهم من كراهة القراءة فيه مطلقًا ثم كلامه متنافٍ في حالة الإطلاق والوجه فيه الكراهة بناء على اعتماد تقييده وعليه أيضًا فمحله أخذًا مما يأتي في آية فيها نحو ثناء أو دعاء أما نحو آية الدين فالظاهر أنها تكره قراءتها مطلقًا كذا في الإيعاب، والقراءة مطلقًا أي سواء كانت في الله أو في غيره خلافًا لابن عبد السلام أفضل من ذكر من لم يخص بخلاف ما خص بنحو محل فإنه فيه أفضل منها كما تقدم قال ابن عبد السلام في القواعد وذلك لأن لكل

стр. 655

روينا في "صحيح مسلم" عن علي ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا". وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا: عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا وإني نُهِيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ راكعًا أوْ ساجدًا". باب ما يقول في رفع رأسه من الركوع وفي اعتداله والسنة أن يقول حال رفع رأسه: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدهُ، ــ مقام مقالًا يليق به ولا يتعداه ولا يشتغل عن معنى ذكر من الأذكار بمعنى غيره من الأذكار وإن كان أفضل منه لأنه سوء أدب. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحِ مسلم إلخ) لفظه نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القسي وعن القراءة في الركوع والسجود قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ولمسلم في رواية أخرى عن علي نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا قال الحافظ أخرجه مسلم وابن حبان. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مسلم أَيضا) هو من حديث لفظه قال أي ابن عباس كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلّا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أر ترى له ألا وأني نهيت أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن إن يستجاب لكم قال الحافظ بعد تخريجه أخرجه أحمد وهذا لفظه وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي اهـ، وذكر الحافظ في باب أذكار السجود شاهدًا لحديث ابن عباس من حديث علي ﵁ مرفوعًا إذا ركعتم فعظموا الرب وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فقمن إن يستجاب لكم وقال الحافظ بعد تخريجه من طرق هذا حديث غريب أخرجه البزار في مسنده قال البزار لا نعلمه عن علي مرفوعًا إلَّا بهذا الإسناد قال الحافظ المنفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف اهـ. باب ما يقول في رفع رأسه من الركوع وفي اعتداله قوله: (السنةُ أَنْ يقولَ حال رفع رَأْسهِ) أي مع رفع يديه كما في التحرم ويكون مع بدو رفع رأسه. قوله: (سَمعَ الله لمَنْ حمدَهُ) أيَ تقبل الله منه حمده وجازاه عليه وقال المصنف معنى سمع أجاب

стр. 656

ولو قال: من حمد الله سمع له، جاز، نص عليه الشافعي في "الأم" فإذا استوى قائمًا قال: "رَبنا لكَ الحَمْدُ ــ أي من حمد الله متعرضًا لثوابه استجاب له وأعطاه ما تعرض له وفي البدر المنير لابن الملقن وضع سمع موضع أجاب لأن ما لا يجاب كأنه غير مسموع وجاء في بعض الأحاديث ودعاء لا يسمع أي لا يعتد به ولا يجاب فكأنه غير مسموع قاله ابن الأنباري. قوله: (وَلَو قَال مَنْ حمِدَ الله سمعَ الله لَه جازَ) أي لكن الأول أفضل لورود السنة به وكذا يجوز من حمد الله سمعه، إنما أجزأ غير الوارد مما ذكر لتضمنه لفظ الوارد ومعناه وبه فارق الله أكبر. قوله: (قَال ربَّنا لكَ الحمدُ إلخ) أو ربنا ولك الحمد وعن المصنف والرافعي إن ما في المتن أولى وفي المجموع عن الشافعي والأصحاب الثاني أولى لصحة الحديث بكل منهما مع زيادة الثاني فإنه يجمع معنيين الدعاء والاعتراف أي ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك إيانا وعلى إن الواو عاطفة لا زائدة خلافًا للأصمعي. فإن قلت يلزم على ما ذكر عطف الخبر على الإنشاء وهو ممتنع. قلت أجازه جمع نحويون وغيرهم وبتقدير اعتماد ما عليه الأكثر من امتناعه فالخبر هنا بمعنى إنشاء الحمد وإيجاده لا الإخبار بأنه موجود إذ ليس فيه كبير فائدة وقال المصنف في شرح المهذب ربنا أطعنا وحمدنا لك الحمد وهو أولى مما قبله لسلامته مما ذكر هو وقال الحافظ اختلف في تخريج الواو فقيل هي عاطفة على شيء محذوف وعليه اقتصر ابن دقيق العيد وقيل حالية وجزم به في النهاية وقيل زائدة ومقتضى قول المصنف إن كلا منهما حسن ويحتمل إنه لا يرى زيادتها والعلم عند الله اهـ. قال الأذرعي وغيره وروايات إثباتها أصح وأكثر وعبارة المجموع وثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة ربنا ولك الحمد بالواو وفي روايات اللهم ربنا ولك الحمد وكله في الصحيح انتهت وبها يرد على من زعم إن اللهم ربنا إلخ. لم يصح على أنه في البخاري من رواية الأصيلي عن أبي هريرة مرفوعًا إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد اهـ، وقد يؤخذ منها مع ما مر من التعليل بالزيادة إن اللهم ربنا ولك الحمد أفضل من الثاني إلا أن يجاب بأن زيادة هذا لا تقتضي زيادة في المعنى ولو قال لك الحمد ربنا أو الحمد لربنا حصل أصل

стр. 657

حمْدًا كَئِيرًا طَيبًا مُبارَكًا فيهِ، مِلْءَ السماوَاتِ، ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما بَيْنَهُما، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ، أهْلَ الثنَاءِ والمَجْدِ، أحَق ما قال العَبْدُ، ــ السنة لأنه أتى باللفظ والمعنى كما تقدم في التسميع. قوله: (حمدا كثيرًا طَيبًا مبارَكًا فيهِ) ذكره كذلك في التحقيق، والمجموع قيل وهو غريب أي من حيث النقل وإلّا فقد صح دليله كما يأتي وزيد في بعض الروايات مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى قال الحافظ ابن حجر أما قوله مباركًا عليه فيحتمل أن يكون تأكيدًا وهو الظاهر وقيل الأول بمعنى الزيادة والثاني بمعنى البقاء ولما كان الحمد يناسب المعنيين جمعهما كذا قرره بعضهم وأما قوله كما يحب ربنا ويرضى ففيه من جنس التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد ذكره ميرك. قوله: (مِلْءَ السموَاتِ إلخ) قال الخطابي هو تمثيل وتقريب والمراد تكثير العدد حتى لو قدر ذلك أجسامًا ملأ ذلك كله ولحتمل أن يكون المراد بذلك أجرها وقال غيره المراد بذلك التعظيم لقدرها لا كثرة عددها كما يقال هذه كلمة تملأ طباق الأرض وكان ابن خالويه يرجح فتح الهمزة من ملء والزجاج يرى الرفع فيها أيضًا وكلاهما جائز فالأول على الحال أي مالًا بتقدير جسمه السموات إلخ، وهو المعروف في روايات الحديث كما قاله المصنف في شرح المهذب وعزاه إلى الجمهور والثاني على أنه صفة أو خبر مبتدأ محذوف. قوله: (ومَا بينَهُما) هذه الجملة في رواية لمسلم ولعل تركها لإرادة العلويات والسفليات منهما وهي شاملة لما بينهما لأنه لا يخلو عنهما. قوله: (ومِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شيْءٍ بعدُ) قال القرطبي بعد ظرف قطع عن الإضافة مع إرادة المضاف إليه وهو السموات والأرض مبني على الضم لأنه أشبه حرف الغاية الذي هو منذ والمراد بقوله من شيء بعد العرش والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى ويخلق ما لا تعلمون. قوله: (أَهلَ الثنَاءِ) بالنصب على الاختصاص أو منادى حذف حرف ندائه أو على المدح أو على أنه وصف المنادى وجوز رفعه على كونه خبر مبتدأ محذوف أو عكسه أي أنت أهل الثناء عليك وأطلق الثناء لاختصاصه عند الجمهور بالحسن وضده يقال فيه ثناء بتقديم النون والمجد غاية الشرف وكثرته وروي الحمد حكاها عياض وليست بمعروفة. قوله: (أَحق مَا قَال العَبدُ إلخ) أحق مبتدأ خبره قوله لا مانع إلخ، وما بينهما اعتراض والواو الداخلة عليه واو الاعتراض

стр. 658

وكُلنا لكَ عَبْد، لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ــ ويحتمل كما في المجموع عن ابن الصلاح أن يكون أحق خبر ربنا لك الحمد أي هذا الكلام أحق قول أو خبر لمبتدأ محذوف أي أنت أحق بما قال لك العبد من المدح فيكون جملة لا مانع إلخ، دعاء آخر ورجحان الأول أولى لما فيه من كمال التفويض وجوز الحنفي في أحق النصب أيضًا وهو مخالف للرواية والدراية وهو بالهمزة في أحق وقال ابن الملقن في تخريج أحاديث الشرح الكبير وقع في المهذب إسقاط ألف أحق وواو وكلنا وهو كذلك في رواية النسائي وهو يدفع قول شرح المهذب الذي رواه سائر المحدثين بإثباتهما والواقع في كتب الفقه بإسقاطهما وقد تعرض القاضي حسين في تعليقه للروايتين اهـ، وذكر مثله الزركشي ثم "ما" يحتمل أن تكون موصولة وإن تكون موصوفة وإن تكون مصدرية وأل في العبد للجنس أو للعهد والمراد رسول الله ﷺ . قوله: (وكلنا لَكَ عبدٌ) الجملة معترضة أي على إثبات الواو نافية لتوهم إن أل في العبد عهدية ومثبتة أنها استغراقية كذا قيل وأقول يجوز كون أل فيما سبق عهدية وأتى بهذه الجملة تنبيهًا على إنه تعالى مالك لجميع العباد فإليه يرجع الأمر كله وحكم أمته في العبادات اتباعه ما لم يرد ما يدل على التخصيص وعلى حذف الواو فالظاهر أنها خبر عن قوله أحق قال السبكي ولم يقل عبيد مع عود الضمير على جمع لأن القصد أن يكون الخلق أجمعون بمنزلة عبد واحد وقلب واحد اهـ، وقال غيره يحتمل إنه قال ذلك موافقة لقوله تعالى (﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] كما أنه قال لا أحصي ثناء عليك موافقة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقال: وابعثه (مَقَامًا محمُوَدًا) [الإسراء: ٧٩] على إحدى الروايتين موافقة لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] ويحتمل إنه للمح الأصل وهو آدم أو البشر إذ يجوز أن يطلق على الأشياء لفظ واحد وإن كثرت إذا كان أصلها واحدًا كأنه قال إنا وإن كثرت قبائلنا كعبد واحد لأنا اجتمعنا في صلب واحد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأنعام: ٩٨] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وخلق منها زوجها. قوله: (لَا مانع) ووقع في رواية النسائي بلفظ لا نازع لما أعطيت وهذا وما بعده على وفق قوله تعالى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ولكن قوله لا مانع أحسن لحسن

стр. 659

ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجَد مِنْكَ الجَدُّ". ــ المقابلة اللغوية المسماة بالطباق لا سيما مع قرينته المقلوبة وقال القلقشندي لا مانع لما أعطيت أي أردت إعطاءه فإن من أعطى شيئًا لا مانع له إذ الواقع لا يرتفع. قوله: (وَلَا مُعطِيَ لمَا منعتَ) بفتح الياء وكذا العين في قوله لا مانع واستشكل بأن اسم لا إذا كان شبيهًا بالمضاف لا يعرب ولا يبنى لكن حكى الفارسي في الحجة أن أهل بغداد يجرون المطلول مجرى المفرد فيبنونه فيتخرج عليه الحديث وجوز عليه الزمخشري في (لَا تثريبَ عَلَيكمُ) [يوسف: ٩٢] إن يتعلق عليكم بلا تثريب ورده أبو حيان بأنه مطول وهذا جوابه وجوز ابن كيسان في المطول التنوين وعدمه قال وتركه أحسن قال الزمخشري في الفائق وروي انطيت ولا منطي بالنون فيهما والإنطاء الإعطاء بلغة بني سعد وقال في موضع آخر أنها لغة أهل اليمن اهـ. قوله: (وَلَا ينفَعُ ذا الجَد منْكَ الجَدُّ) قال القرطبي رواه الجمهور بفتح الجيم باللفظين وهو بمعنى الحظ والبخت وقال ابن الجزري في التصحيح كذا ضبطه المتقدمون والمتأخرون ومن بمعنى عند أي لا ينفع ذا الغني عندك غناه وحظه فلا يعيذه من العذاب ولا يفيده شيئًا من الثواب وإنما النافع ما تعلقت به إرادتك فحسب أو سلوك سبيل رضاك والكف عما يسخطك وأيد بما ورد في الحديث عند ابن ماجة في سننه من حديث أبي جحيفة إن جمعًا من المسلمين في زمن النبي ﷺ تذاكروا فيما بينهم الجدود فقال بعضهم جدك في النخل وقال الآخر جدك في الإبل وقال الآخر جدك في كذا فسمع به النبي ﷺ فلما قضي صلاته ورفع رأسه من آخر الركعة قال هذا الذكر اللهم ربنا لك الحمد إلى قوله منك الجد وطول ﷺ صوته بالجد ليعلموا أنه ليس كما يقولون قيل فإن صح فهو الوجه لا معدل عنه إلَّا أن فيه مقالًا ولو صح فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقيل من بمعنى بدل على حد ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] الآية أي بدلكم أي لا تنفع الحظوظ بدل طاعتك أو توفيقك إنما النافع طاعتك وثوابها لا غير قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] أي من الشرك أو مما سوى الله وقيل إنه على حذف مضاف أي لا ينفعه من قضائك أو سطوتك أو عذابك قال ابن دقيق العيد ينبغي أن يعلق قوله منك بقوله ينفع ويضمن معنى يمنع وما قاربه أي كيدفع اهـ، وقيل المراد يالجد الأصل أي لا ينفع أحدًا نسبه لقوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ

стр. 660

وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: "رَبنا لكَ الحَمْدُ". ــ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وفي الحديث ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه وقيل المراد إن صاحب الحظ العظيم لا ينفعه حظ بدون عناية مولاه وإسعافه إذ نفع الحظ خيره وناسب ما قبله المفهوم منه أن معطي الحظ ومانعه هو الله تعالى إعلامًا بأن الحظ المعطى لا ينتفع به المعطى إلَّا إن جعل الله فيه نفعًا وإلَّا فكم من ذي حظ عظيم مالًا وعلمًا لا ينفعه ماله ولا علمه لإرادته تعالى حرمانه وخذلانه ومن ثم كان الاعتزاز بالأحوال فضلًا عن الأموال موجبًا للانحطاط عن معالي الكمال وللخسارة والبوار والنكال أعاذنا الله من ذلك وقيل لا ينفع معطوف على ما قبله أي لا ينفع عطاؤه وذا الجد منادى أي يا ذا الغني والعظمة منك الجد لا من غيرك ويحتمل أن يكون المعنى لا يسلم من عذابك الجد أي الغنى فيكون على حذف مضاف وحكى الشيباني في الحرفين كسر الجيم وقال معناه لا ينفع ذا الاجتهاد والعمل منك اجتهاده وعمله وأنكره الطبري قال القرطبي هذا خلاف ما عرفه أهل النقل ولا نعلم من قاله غيره وضعفه وقال غيره المعنى الذي أشار إليه الشيباني صحيح ومراده أن العمل لا ينجي صاحبه إنما النجاة بفضل الله ورحمته كما جاء في الحديث لن ينجي أحدًا منكم عمله وهذا أولى مما قيل لعل مراده الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع الآخرة لبعده عن المقام وفي الخلاصة للمصنف وروي بكسرها أي الهرب وفي السلاح وروي بكسر الجيم من الاجتهاد في الرزق أي لا ينفعه ذلك مما كتب له اهـ. قوله: (روينا في صحيح البخَاري ومُسلْم إلخ) كذا في نسخة مصححة روينا بحذف الواو وفي أخرى بإثباتها قال الحافظ هو طرف من حديث وهو كان النبي ﷺ يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد أخرجه مسلم بطريقين وأخرجه البخاري بمثله لكن قال لك الحمد بغير واو. قوله: (صُلْبهُ) هذا لفظ الحديث في الصحيحين ووقع في نسخة شامية "رأسه" بدل صلبه والظاهر أنها من الكتاب.

стр. 661

وفي روايات: "ولَكَ الحَمْدُ" بالواو، وكلاهما حسن. وروينا مثله في "الصحيحين" عن جماعة من الصحابة. وروينا في "صحيح مسلم" عن علي وابن أبي أوفى ﵃: أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبنا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السماوَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ ومِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ". ــ قوله: (وفي روَاياتِ إلخ) قال الحافظ علقها البخاري لعبد الله بن صالح عن الليث عقب روايته الحديث الأول عن يحيى بن بكير ووصلها من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري وهي عند أحمد من رواية معمر عن الزهري. قوله: (وروينَا مثلَهُ في الصحيحينِ عَنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ) قال الحافظ لم أره في الصحيحين بالواو إلَّا فيما ذكرت من حديث أبي هريرة مع الاختلاف ووقع فيهما في حديث أنس قال سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأجن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا فلما فرغ قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كثر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد الحديث قال الحافظ بعد تخريجه هكذا لك الحمد بغير واو أخرجه الشيخان وأخرجه النسائي وابن ماجة ووقع في رواية أكثرهم بغير واو كما ذكرت وفي رواية الصحيحين بالواو وكذا أحمد ووقع بالواو أيضًا في حديث رفاعة بن رافع عند البخاري لكنه ليس من لفظ النبي ﷺ ووقع من لفظه بغير واو في حديث أبي سعيد وعلي وابن أبي أوفى وابن عباس وكلها في مسلم كما ذكره المصنف بعد ثم ذكر الحافظ إنه أورد زيادة الواو في ولك الحمد من طريق علي وأبي هريرة وأنس قال ثم وجدته كذلك في صحيح مسلم في حديث عائشة الطويل في صلاة الكسوف وفي البخاري من حديث ابن عمر في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه فكمل عدة من روى زيادة الواو في الصحيح خمسة اهـ. قوله: (وروينَا في صحيحِ مسلم عَنْ عليّ وابنِ أَبِي أَوفَى ﵃ واللفظ الذي أورده لابن أبي أوفى كما في الخلاصة وزاد بعد قوله من بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الوسخ ورواه كذلك عنه كما في السلاح أبو داود والترمذي وابن ماجة وفي رواية لمسلم من الدرن وفي أخرى من الدنس وعند

стр. 662

وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع من الركوع قال: "اللهم رَبنا لكَ الحَمدُ، مِلْءَ السماواتِ والأرضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيء بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ والمَجْدِ، أحَق ما قال العَبْدُ، وكلُّنا لكَ عَبْد، اللهُم لا مانِعَ لِمَا أعْطَيتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". ــ أبي داود وابن ماجة كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول فذكره ولفظ رواية علي كزم الله وجهه وإذا رفع رأسه قال ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وقال الحافظ بعد تخريجه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ونبه الحافظ على اختلاف وقع في الحديث عن ابن أبي أوفى فأخرج مسلم وغيره من طريق شعبة أنه ﷺ كان يدعو فذكره من غير ذكر المحل وأخرجه مسلم أيضًا عنه من طريق شعبة بزيادة في ألفاظ الذكر من غير تعيين المحل وأخرجه مسلم وأبو داود من طريق الأعمش بتعيين محله وأنه في الاعتدال والأعمش ثقة حافظ فزيادته معتمدة. وابن أبي أوفى اسمه عبد الله واسم أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي وأسلم هو ابن أفصى بالفاء ابن حارثة وأبو أوفى هو الذي صلى عليه النبي ﷺ لما جاء صدقته، غزا عبد الله مع النبي ﷺ ست غزوات وكان من أصحاب الشجرة وأصابته ضربة يوم حنين في درعه خرج عنه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وتسعون حديثًا أخرج الشيخان منها ستة عشر حديثًا اتفقا منها على عشرة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد سكن الكوفة وكف بصره في آخر عمره وتوفي سنة ست وثمانين وهو آخر الصحابة موتًا بالكوفة وأيضًا هو آخر أهل بيعة الرضوان ﵁. قوله: (وَرَوينَا في صحيح مسلم) ورواه أبو داود والنسائي كذا في السلاح قال الحافظ أخرجه أحمد وابن خزيمة ووقع عند بَعض رواة الحديث اللهم ربنا وذكر أبو داود أن في رواية عبد الله بن يوسف ربنا ولك الحمد بزيادة واو قال الحافظ ووقع لنا كذلك من وجه آخر عن سعيد بن عبد العزيز ثم أخرجه كذلك من طريق أبي نعيم في المستخرج وأخرجه أيضًا من طريق أخرى بمثله لكن قال لا نازع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وقال عقبها هكذا أخرجه البيهقي وعبد

стр. 663

وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا: من رواية ابن عباس ﵄: "رَبنَا لكَ الحَمْدُ مِلْءَ السماواتِ ومِلْءَ الأرضِ وما بَينَهُما ومِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ". وروينا في "صحيح البخاري" عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، ــ الله بن يوسف أحد الرواة له عن سعيد بن عبد العزيز. قوله: (وَرَوينَا في صحيح مسلم أيضًا إلخ) أخرجه الحافظ عن عطاء عنه بلفظ كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد إلخ، وزاد بعد قوله اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ثم أخرجه من طريق روح بن عبادة عن عطاء أيضًا عن ابن عباس وينتهي حديثه إلى قوله بعد، قال الحافظ حديث صحيح أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، قلت وكذا ينتهي حديث مسلم عن ابن عباس إلى قوله بعد وزاد النسائي عليه في روايته حق ما قال العبد كلنا لك عبد لا نازع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد كما ذكره الرداد في موجبات الرحمة له. قوله: (ورَوينَا في صحيح البخاري) ورواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا كما في موجبات الرحمة قال وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بلفظ آخر قال فيه صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى وفيه إنه ﷺ سأل ثلاثًا عن المتكلم بذلك فأجاب رفاعة بقوله أنا والباقي سواء وقال الحافظ بعد تخريجه باللفظ الذي أورده المصنف حديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان. قوله: (رِفاعةَ بِنْ رافع الزُّرقي) هو ابن مالك بن العجلان الأنصاري الخزرجي الزرقي المزني وقد ينسب إلى جده فيقال رافع بن مالك أمه أخت عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق شهد رفاعة العقبة وبدرًا وما بعدها وشهد أيضًا معه أخواه خلاد ومالك واختلفوا في شهود أبيهم لها مع الاتفاق إنه شهد العقبتين وكان أحد النقباء الاثني عشر نقيب بني زريق وكان هو ومعاذ أول خزريين أسلما وكان أول من قدم المدينة بسورة يوسف قيل إنه هاجر إلى النبي

стр. 664

فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، فقال رجل وراءه: رَبنا ولكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيبًا مُبارَكًا فِيهِ، فلما انصرف قال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ " قال: أنا، قال: "رأيتُ بِضْعَةً وثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها ــ ﷺ إلى مكة واستشهد يوم أحد ولم يحفظ عنه رواية سوى ما ثبت في صحيح البخاري إنه كان يقول لابنه رفاعة ما يسرني إني شهدت بدرًا بالعقبة وظاهره إنه لم يشهد بدرًا أما رفاعة فشهد العقبة ورفاعة وشهد المشاهد كله مع رسول الله ﷺ وشهد مع علي الجمل وصفين انفرد به البخاري عن مسلم فروي له ثلاثة أحاديث وروى عنه أصحاب السنن الأربعة خلا ابن ماجة روى عنه ابناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى بن خلاد توفي أول سنة معاوية ﵁ قوله: (فَلمَّا رفعَ رأْسهُ) أي شرع في رفعه كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة منها حديث أبي هريرة السابق. قوله: (فَقَال رجلٌ) زاد الكشميهني وراءه قال ابن بشكوال هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، قلت ويدل له الرواية الثانية عند أبي داود ومن معه قال الحافظ ابن حجر وكثيرًا ما يقع في الأحاديث إبهام اسم وهو الراوي وذلك إما منه لقصد إخفاء عمله أو من غيره تصرفًا أو نسيانًا. قوله: (مبارَكًا فيِهِ) زاد النسائي وغيره مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى. قوله: (من المتكلمُ) زاد النسائي أي ومن معه في الرواية السابقة في الصلاة فلم يتكلم أحد ثم قالها الثانية فلم يتكلم أحد ثم قالها الثالثة فقال رفاعة بن رافع أنا فقال والذي نفسي بيده الحديث وللطبراني فسكت الرجل ورأى إنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء كرهه فقال من القائل فإنه لم يقل إلا صوابًا فقال الرجل أنا قلتها وأرجو بها الخير ولأبي داود من القائل فإن لم يقل بأسًا فقال إني قلتها لم أرد بها إلَّا خيرًا كذا في التوشيح للسيوطي. قوله: (رأَيتُ بضعةً وثلاثينَ مَلَكًا) وفي رواية لمسلم اثني عشر ملكًا وللطبراني ثلاثة عشر ملكًا قال في السلاح البضع والبضعة في العدد بكسر الباء وهو من الثلاث إلى التسع وقيل إلى العشرة وقيل ما بين الواحد والعشرة قال ابن العز الحجازي في شرح البخاري وفيه رد على من زعم أن البضع يختص بما دون العشرين والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة ويؤيده خبر الصحيحين إن لله ملائكة يطوفون بالأرض يلتمسون أهل الذكر

стр. 665

أيُّهُمْ يَكْتبُهَا أوَّلُ". فصل: اعلم أنه يستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدمناه في أذكار الركوع، فإن اقتصر على بعضها، فليقتصر على "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد"، فإن بالغ في الاقتصار اقتصر على "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، فلا أقل من ذلك. واعلم أن هذه الأذكار كُلها مستحبة للإمام والمأموم والمنفرد، ــ الحديث وبه استدل على إن بعض الطاعات قد يبهتجها غير الحفظة والحكمة في اختصاص العدد المذكور إن عدد حروفه مطابق للعدد المذكور فإن البضع من الثلاث إلى التسع وعدد الذكر المذكور ثلاثة وثلاثون حرفًا ويعكر عليه الزيادة المتقدمة وهي قوله مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى بناء على إن القضية واحدة ويمكن أن يقال المتبادر هو الثناء الزائد على المعتاد وهو من قوله حمدًا كثيرًا إلخ، دون قوله مباركًا عليه فإنها كما تقدم للتأكيد وعدد ذلك سبعة وثلاثون حرفًا وأما ما وقع عند مسلم والطبراني فهو مطابق لعدد الكلمات في سياق رفاعة ولعددها في سياق الباب لكن على اصطلاح النحاة اهـ. قوله: (أَيهم يكتبُها أَوَّلُ) أما أيهم فرويناه بالرفع وهو مبتدأ خبره يكتبها قاله الطيبي وغيره متبعًا لأبي البقاء في إعراب قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] قال وهو في موضع نصب والعامل فيه ما دل عليه يلقون وأي استفهامية والتقدير مقول فيه أيهم يكتبها ويجوز في أيهم النصب بأن يقدر ذلك المحذوف ينظرون أيهم وعند سيبويه أي موصولة ولتقدير يبتدرون الذي يكتبها أول وأنكر جماعة من البصريين ذلك اهـ، وأول بالبناء على الضم لأنه ظرف قطع عن الإضافة وبالنصب على الحال، وتسارع كل منهم إلى كتابتها قبل الآخرين ليصل لحضرة الحق قبلهم بشيء نفيس يرجى عود أثر من آثاره الصالحة عليه. فصل قوله: (وملءَ مَا شئتَ منْ شيْءٍ بعدُ) هذا ما في التحقيق والروضة وأصلها وفي المجموع عن الأصحاب محل إتيان الإمام بذلك إذا رضي به المأمومون وإلَّا اقتصر على ربنا لك الحمد، ومنازعة الأذرعي في ذلك بأن هذا احتمال للإمام لم أره لغيره ردت بأنه ليس كما قال كما يصرح به سياق القمولي وكفى به مطلعًا

стр. 666

إلا أن الإمام لا يأتي بجميعها، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثِرون التطويل. واعلم أن هذا الذكر سُنة ليس بواجب، فلو تركه كره له كراهة تنزيه، ولا يسجد للسهو، ويكره قراءة القرآن في هذا الاعتدال كما يكره في الركوع والسجود، والله أعلم. باب أذكار السجود فإذا فرغ من أذكار الاعتدال كَبَّر وهو ساجد ومد التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض. وقد قدَّمنا حكم هذه التكبيرة، وأنها سُنة لو تركها لم تبطل صلاته ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة. ــ كذا في الإيعاب لكن جرى في شرح المنهاج على كلام الأذرعي. قوله: (إلا أَن الإِمَامَ لَا يأْتي بجمِيعهَا إلا أنْ يَعلمَ) أي وإلا فتكره الزيادة على قوله من شيء بعد وقيل على قوله لك الحمد وإذا علم رضاهم بالإتيان بذلك يكره له وكذا للمنفرد ترك شيء من ذلك لغيره من التسبيح ونحوه كما يشير إليه قول المصنف "واعلم إن هذا الذكر سنة فلو تركه كره" وفي المجموع التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد أي وما معه من الذكر حيث سن وتكبير غير التحرم سنة لكن يكره تركه عمدًا هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء اهـ، ملخصًا ومحل اعتبار إيثار المأمومين التطويل ما لم يتعلق بعينهم حق وإلا نحو أجير عين ورقيق وزوجة اعتبر صاحب الحق كما تقدمت الإشارة إليه. باب أذكار السجود السجود لغة الميل وشرعًا وضع الأعضاء السبعة مع رفع الأسافل على الأعالي بالطمأنينة ولكونه أبلغ من الركوع في التواضع خص بالتكرار كما تقدم ولأنه لما ترقى مما قبله إليه وأتى بنهاية الخدمة أذن له في الجلوس وأمر بإعادته شكرا على استخلاصه إياه ولأن الشارع لما أمرنا بالدعاء فيه وأخبر بأنه حقيق بالإجابة سجدنا ثانيًا شكرًا على ذلك كما هو المعتاد فيمن سأل ملكًا شيئًا فأجابه قاله القفال من أئمتنا. قوله: (كبَّر) أي من غير رفع يد كما رواه البخاري ورواية إثبات الرفع عند الهوي ضعيفة وإن أخذ بها جمع (وهوي) بكسر

стр. 667

فمنها ما رويناه في "صحيح مسلم" من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ ، حين قرأ (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) في الركعة الواحدة، لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: "سُبحَانَ رَبِّي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂ قالت. كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللَهُمَّ رَبنا وبِحَمْدِكَ، اللَهُمَّ اغْفِر لي". وروينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ ما قدمناه في الركوع: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد قال: "اللَّهُم لَكَ سَجَدْتُ، وبكَ آمَنْتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ، ــ الواو مصدره هوى بضم أوله وتشديد ثالثه أي إلى السجود فإن أخر التكبير عن ابتداء الهوي أو كبر معتدلًا أو ترك التكبير كره كما في الأم. قوله: (فَمنها ما روينَاهُ في صحيح مُسْلمٍ إلخ) سبق تخريجه وكذا تخريج حديثي عائشة الذين بعده في أذكار الركوع. قوله: (فَقَال سبحانَ رَبي الأَعْلَى) قضية هذا إنه لا يتقيد التسبيح بعد نظير ما سبق في الركوع وتقدم عن المجموع إنه يحصل أصل سنة التسبيح فيه بنحو سبحان ربي الأعلى وقضيته هنا إنه يحصل أصل السنة بنحو سبحان ربي العظيم كما في الإيعاب وقد جاء في رواية فإذا سجد قال سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وحينئذٍ فسبحان ربي الأعلى فيه للأفضلية فقط وقد ورد في رواية هنا وفي الركوع زيادة وبحمده ورواه الطبراني أيضًا كما تقدم بسطه. قوله: (وَروَينا في صحيح مُسْلم أَيْضا عَنْ علي) وفي السلاح ورواه أبو داود والنسائي وفي رواية أبي داود والنسائي وإحدى روايات مسلم وصوره فأحسن صوره وأشار الحافظ إلى أن الطبراني أخرجه في كتاب الدعاء له. قوله: (سجد وجهي) بسكون الياء وفتحها أي ذاتي كما مر في وجهت وجهي أو المراد به الحقيقة أي خضع وذل وباشر بأشرف ما فيه مواطئ الأقدام والنعال وخص لأنه أشرف الأعضاء فإذا خضع فغيره

стр. 668

وَشق سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، تبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقينَ". وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدَّمناه في فصل الركوع، أن رسول الله ﷺ ركع ركوعَه الطويل يقول فيه: "سُبْحانَ ذِي الجَبرُوتِ وَالمَلَكُوتِ والكِبْرِياءِ ــ أولى. قوله: (وشَق سمعه وبصَرهُ) أي منفذهما إذ السمع ليس في الأذنين بل في مقعر الصماخ وفيه دليل على أن الأذنين من الوجه وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي هما عضوان مستقلان والمراد بالوجه في الخبر الذات ومنه ما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أو على حقيقته والإضافة فيه لأدنى ملابسة وهي المشارفة والمقاربة. قوله: (أحسَنُ الخالقينَ) أي المصورين والمقدرين أو حسن الخالقية وإلَّا فلا خالق أي موجد غيره قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وفي كتاب "روضة التحقيق في قصة يوسف الصديق"، قوله تعالى: (﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤] إن الخلق الذي يضاف إليه تعالى من ثلاثة أوجه بمعنى الإبداع والاختراع من العدم إلى الوجود ويكون شيء من لا شيء وبمعنى التغيير والتحويل من حال إلى آخر قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] إلخ، أي حولناها من حالة إلى حالة وبمعنى التصوير فالخلق بمعنى الإحداث والاختراع هو الذي انفرد به قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] أما الخلق الذي يدخل في باب المبالغة فبمعنى التحويز والتصوير نحو ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ أي المحوزين والمصورين اهـ. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه هذا ونحو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مشكل لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلَّا إلى جنسه وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان والرحمة إن حملت على الإرادة صح المعنى لأنه يصير أعظم إرادة من سائر المريدين وإن جعلت من مجاز التشبيه وهو أن معاملته تشبه معاملة الراحم صح المعنى أيضًا لأن ذلك مشترك بينه وبين عباده وإن أراد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلًا إذ لا موجد إلّا الله تعالى وأجاب السيف الآمدي إن معناه أنه أعظم من تسمى بهذا الاسم قال الشيخ وهذا مشكل لأنه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهذا يساعد المعتزلة ويصح على مذهبهم لأن الفاعلين عندهم كثيرون اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في الحدِيث الصحيح إلخ) تقدم تخريجه في أذكار الركوع وما في قول الشيخ إنه

стр. 669

والعَظَمَةِ، ثم قال في سجوده مثل ذلك". وروينا في كتب السنن، أن النبي ﷺ قال: "وإذا سَجَدَ -أي أحدكم- فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبي الأعلى ثلاثًا" وذلك أدناه. وروينا في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ قالت: افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلة فتحَسَّسْتُ، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إلا أنتَ". ــ صحيح وبيان أن الحديث منقطع مع ذكر ما له من شاهد وكذا تقدم فيه تخريج الحديث الذي بعده المذكور في قوله وروينا في كتب السنن وهو حديث ابن مسعود. قوله: (وذلكَ أَدناهُ) أي أدنى الكمال أما أدنى السنة فيحصل بذلك مرة واحدة وأقصى الكمال إحدى عشرة مرة وأكمل صيغة سبحان ربي الأعلى وبحمده ويحصل بسبحان ربي العظيم كما تقدم عن الإيعاب وفي فتح الجواد في باب سجود السهو قال شيخنا ويحصل أصل السنة بسبحان ربي العظيم في السجود وسبحان ربي الأعلى في الركوع كما في المجموع هذا وقياسه الأول بل جاء في رواية اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحِ مسلمٍ) وكذا رواه النسائي كما في السلاح وأخرجه الحافظ من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه ومن طريق أبي نعيم في المستخرج ومدار سندهما عن عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء فما تقول أنت يعني في الركوع والسجود فقال أما سبحانك وبحمدك فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة قالت افتقدت النبي ﷺ ليلة فظننت إنه ذهب إلى بعض نسائه فتجسسته ثم رجعت فإذا هو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا إله إلَّا أنت فقلت بأبي وأمي إنك لفي شأن وإني لفي شأن وفي السند لطيفة رواية تابعي عن مثله عطاء عن أبي مليكة. قوله: (ذَاتَ ليلةٍ) كتب الطاهر الأهدل بهامش أصله ليلة النصف من شعبان وهذا التخصيص يحتاج إلى توقيف والله أعلم. قوله: (فتجسستُ) في النهاية التجسس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس صاحب سر الشر والناموس صاحب سر الخير وقيل التجسس بالجيم أن يطلبه لغيره وبالحاء المهملة إن يطلبه لنفسه. قلت وعليه اقتصر الأهدل في حاشية نسخته هنا لأنه المطلوب في هذا المقام والله أعلم، وقيل بالجيم البحث عن العورات وبالحاء الاستماع وقيل معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار اهـ. وفي المشارق للقاضي عياض بعد نقل الأخير عن الحربي

стр. 670

وفي رواية في مسلم: "فوقعت يدي على بطن قدميه ــ إلَّا أنه قال معناهما متقارب ما لفظه وقيل التجسس بالجيم إذا تجسس بالخبر والقول والسؤال عن عورات الناس وأسرارهم وما يعتقدونه أو يقولونه فيه أو في غيره وبالحاء إذا تولى ذلك بنفسه وسمعه بإذنه وهذا قول ابن وهب وقال ثعلب بالحاء طلب ذلك لنفسه وبالجيم طلبه لغيره وقيل اشتق الحسس من الحواس لطلب ذلك منها وهذا كله ممنوع في الشرع اهـ. وفي المفهم للقرطبي هو بالحاء البحث عما يدرك بالحس بالعين أو بالأذن. قوله: (وفي روايةٍ في مُسلم إلخ) قال الحافظ هو حديث آخر عن عائشة أيضًا ثم أخرجه الحافظ وقال بالسند إلى أحمد حدثنا حماد بن أسامة هو أبو أسامة عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد الحديث هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وفي السند لطيفة رواية صحابي عن مثله أبو هريرة عن عائشة اهـ، ولهذا الحديث طرق أخرى منها عند ابن خزيمة من رواية أبي النضر عن عروة عنها نحو حديث أبي هريرة وزاد في آخره أثني عليك ولا أبلغ كل ما فيك وسنده صحيح ومنها ما في جامع ابن وهب ووقع لنا في تعليق الخلعيات من طريق علي بن الحسين عنها وقال في آخره لا أحصي أسماءك ولا ثناء عليك وسنده ضعيف ومنها عند أبي يعلى من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنها وزاد فيه سجد لك خيالي وسوادي وآمن بك فؤادي وسنده ضعيف فيه لا يعرف وعطاء هو الخراساني لم يدرك عائشة وجاء عن عائشة في نحو هذا ألفاظ آخر منها فقدت رسول الله ﷺ أين مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإمام أحمد هكذا أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلَّا صالح بن سعيد فلم أجد له ذكرًا إلَّا في ثقات ابن حبان ومنها قالت فقدت النبي ﷺ في مضجعه فجعلت التمسه وظننت إنه أتى بعض جواريه فوقعت يدي عليه وهو ساجد يقول اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت أخرجه الحافظ من طريق ابن السني سنده صحيح وقد أخرجه أحمد اهـ. قوله: (فوقعَتْ يدِي على بطنِ قدمَهِ) استدل به من لم ير النقض باللمس وأجيب بمنعه لأن وقائع
следующие страницы →