Полный текст (2 732 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فصل: الاختيار أن يأتي بتشهد من الثلاثة، الأول بكماله، فلو حذف بعضه فهل يجزيه؟ فيه تفصيل.
فاعلم أن لفظ المباركات، والصلوات، والطيبات، والزاكيات، سُنةٌ ليس بشرط في التشهد، فلو حذفها كلها، واقتصر على قوله: التحيات لله السلام عليك أيها النبي ... إلى آخره، أجزأه. وهذا لا خلاف فيه عندنا.
وأما في الألفاظ من قوله: السلام عليك أيها النبي ... إلى آخره،
ــ
غيره وهذا أدل على مزيد الاعتناء به بمروي ابن عباس فقدمناه لا يقال في تشهد جابر إنه كان يعلمه لهم كما يعلمهم السورة لأنا نقول لا يرد علينا من وجه آخر هو أنه ليس في مرتبة حديث ابن عباس في الصحة ولا قريبًا منه فإنما رواه النسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وذهب جماعة منهم ابن خزيمة إلى عدم الترجيح بين التشهدات.
فصل
قوله: (فاعلم أَن لفْظ المبَاركاتُ إلخ) قال في المجموع قال الشافعي والأصحاب يتعين لفظ التحيات لثبوتها في جميع الروايات بخلاف المباركات وما بعدها واعترض بأن الزائد في بعض الروايات يجب قبوله لأنه زيادة ثقة يوجه إليها الأمر في قوله التحيات إلخ، ويرد بأن محل ذلك في رواية لم يقم دليل على جواز إسقاطه وهنا قام دليل على ذلك وهو حذفه فوجب الجمع بأن ذكره لبيان الأكمل وحذفه لبيان الإجزاء بدونه، واعترض أيضًا بأن حذف غير المباركات لم يرد في شيء من التشهدات نعم في الدارقطني من حديث ابن عمر إسقاط الصلوات فالأولى التعليل بأن ما بعد التحيات من الكلمات الثلاث توابع لها كما علم مما تقدم والتابع لا يحسن إيجابه إذ المعنى لا يختل بحذفه مع أن الأصل براءة الذمة وبه ضعف النظر إلى ما في الأخذ بالأكثر من الخروج عن العهدة بيقين. قوله: (سَلام علينَا وعَلَى عبَادِ الله الصالحِينَ) قال المصنف في المجموع ومن أسقط
الصالحين أو علينا فقد وهم لأن الشرع لم يرد بالسلام على العباد بل خص به الصالحين فتعين ولأن المتكلم قد لا يدخل في الصالحين فلم يجز حذفه اهـ، واعترض ما ذكره في الصالحين بأن إضافة العباد إلى الله يغني عن ذلك لقوله تعالى: (﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ويرد بأن الإضافة ليست نصًّا في ذلك لفظًا بل بمعونة قرينة المقام وهي ضعيفة تتخلف
стр. 737
فواجب لا يجوز حذف شيء منه إلا لفظ "ورحمة الله وبركاته"، ففيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: لا يجوز حذف واحدة منهما، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل لاتفاق الأحاديث عليهما. والثاني: يجوز حذفهما. والثالث: يجوز حذف "وبركاته" دون "رحمة الله".
وقال أبو العباس بن سريج من أصحابنا: يجوز أن يقتصر على قوله: التحيات لله،
ــ
كثيرًا فلم يكتف بها على أنه مع هذه الإضافة قد يستعمل مرادًا به العموم كما في الحديث القدسي يا عبادي كلكم ضال إلّا من هديته على أن المقام للإطناب وقد صح الخبر به فلا يلتفت إلى ما ذكر. قوله: (فواجب لَا يَجُوزُ حذفُه) أي ولا إبدال كلماته بغيرها ولو بمرادفها كالنبي بالرسول ومحمد بأحمد وأشهد بأعلم ولا إسقاط شدة من شداته ويؤخذ مما تقرر في التشديد إنه لو أظهر النون المدغمة في اللام من لا إله أبطل لتركه شدة منه فزعم عدم إبطاله لأنه لحن لا يغير المعنى ممنوع لأن محل ذلك حيث لم يكن فيه ترك حرف والتشديدة بمنزلة الحرف كما صرحوا به نعم لا يبعد عذر الجاهل بذلك لمزيد خفائه، ووقع لابن كثير إن فتح لام رسول الله من عارف متعمد حرام مبطل ومن جاهل حرام غير مبطل إن لم يمكنه التعلم إلا أبطل اهـ. قال في التحفة وليس في محله لأن الفتح فيه ليس فيه تغيير للمعنى فلا حرمة ولو مع العلم والتعمد فضلًا عن البطلان نعم إن نوى العالم الوصفية ولم يضمر خبرًا بطل لفساد المعنى اهـ. قال الأشخر ولا بد من إضمار الخبر لفظ رسول الله وإلَّا فلو أضمر صادق أو نحوه لم تصح الصلاة. قوله: (لاتفَاقِ الأَحادِيثِ عَلَيهِمَا) قال الحافظ قلت وقد وقع في بعضها حذف وبركاته كما تقدم قبل في حديث ابن عمر اهـ. قلت وعند الدارمي في مسنده من حديث طويل لأبي موسى الأشعري في صفة صلاته ﷺ فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام أو سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وليس فيه قول وبركاته إلخ. قوله: (يجوزُ حذفُ وَبَرَكاته) أي لإغناء السلام عنه ولأنها حذفت في بعض الروايات كما ذكر.
قوله: (وقَال أَبو العباسِ بنُ سُرَيْج) بالسين والراء المهملتين فالتحتية
стр. 738
سلام عليك أيها النبي، سلام على عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وأما لفظ السلام، فأكثر الروايات، السلام عليك أيها النبي، وكذا "السلام علينا" بالألف واللام فيهما.
وفي بعض الروايات: "سلام" بحذفهما فيهما.
قال بعض أصحابنا: كلاهما جائز، ولكن الأفضل: "السلام" بالألف واللام لكونه الأكثر، ولما فيه من الزيادة والاحتياط.
ــ
فالجيم بصيغة التصغير وقوله هذا فيه رحمة الله وبركاته وفيه تنكير السلام في الموضعين وحذف علينا من الثاني وفي الروضة عن بعضهم سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين بإسقاط سلام الثاني قال وأسقط بعضهم الصالحين واختاره الحليمي اهـ.
قوله: (وفي بَعض الرواياتِ سَلامٌ علَيْكَ إلخ) تقدم بيانها ومن روى ذلك في حديثي ابن عباس ومسعود وبكونه واردًا في التشهد فجاز فارق عدم إجزائه في السلام على المعتمد لعدم وروده والتنوين وإن قام مقام أل في التكميل لا يقوم مقامه في التعريف والتعميم وغيرهما. قوله: (كلاهُما جائزٌ إلخ) سئل الأشخر اليمني هل من شرط التنكير الإتيان بالتنوين فيهما فأجاب بأن للمتشهد حالين أحدهما أن يقف عليه سواء حسن الوقف علينا كأن قال علينا وعلى عباد الله الصالحين سلام وذلك جائز لعدم وجوب الترتيب في التشهد بشرطه وكأنه احتاج للوقف لنحو انقطاع نفسه، أم لم يحسن كأن وقف بلا سبب على سلام ثم قال عليك أيها النبي مثلًا فترك تنوينه مطلوب بل ترك الحركة على ما هو المقرر في القواعد النحوية في الوقف على غير المنصوب، الثاني ألا يقف فتنوينه حينئذٍ مطلوب من القواعد النحوية ومع ذلك لو تركه لم يضر إذ غايته أنه لحن لا يغير المعنى، فإن قلت بترك التنوين يسقط النون الظاهرة في اللفظ وفيه إخلال بحرف من التشهد وذلك فيه وفي سائر الأركان القولية ضار كما يصرح به قول الأنوار وأقروه التشهد كالفاتحة في وجوب الولاء ومراعاة الكلمات والحروف والتشديدات والإعراب المخل تركه، قلت لا يضر سقوط تلك النون لعدم ثبوتها أصالة بل كما تثبت تارة تسقط أخرى كما مر وهذا نظير قول ابن عبد السلام لو أسقط الهمزة من الله فقال
стр. 739
وأما التسمية قبل التحيات، فقد روينا حديث مرفوعًا في "سنن النسائي" والبيهقي وغيرهما بإثباتها، وتقدم إثباتها في تشهد ابن عمر، لكن قال البخاري والنسائي وغيرهما من أئمة الحديث: إن زيادة التسمية غير صحيحة عن رسول الله ﷺ ، فلهذا قال جمهور أصحابنا:
لا تستحب التسمية، وقال بعض أصحابنا: تستحب، والمختار أنه لا يأتي بها، لأن جمهور الصحابة الذين رووا التشهد لم يرووها.
ــ
مأمومًا الله أكبر انعقدت الصلاة وإن كان الأفضل أن ينطق بالهمزة وعلله بأن همزة الوصل تسقط في الدرج فليست ثابتة أصالة اهـ.
قوله: (وأَما التَّسمِيةُ قَبْل التَّحياتُ إلخ) أخرج الحافظ في أماليه على الأذكار عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة بسم الله وبالله التحيات لله وذكر مثل حديث ابن مسعود وزاد في آخره أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار وقال بعد تخريجه من طريقين عن أيمن بن نابل بنون فموحدة عن أبي الزبير عن جابر ما لفظه حديث حسن أخرجه النسائي والطحاوي والبيهقي وأخرجه أحمد عن أيمن مختصرًا وأبهم الصحابي وأخرجه ابن ماجة أيضًا عن أيمن قال النسائي لا نعلم أحدًا تابع أيمن وأيمن لا بأس به لكنه أخطأ وقال الترمذي بعد أن ساق حديث الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رواه أيمن عن أبي الزبير عن جابر فسألت محمدًا فقال المحفوظ عن أبي الزبير ما رواه الليث وجرى الحاكم على ظاهر الإسناد فأخرجه في مستدركه عن أيمن كما ذكر وقال صحيح فقد احتج البخاري بأيمن ومسلم بأبي الزبير قال الحافظ وهو الذي يجري على طريقة الفقهاء إذا كان الكل ثقات لاحتمال أن يكون عند أبي الزبير على الوجهين لا سيما مع اختلاف السياقين وقبولهم زيادة الثقة مطلقًا اهـ.
قوله: (إِنَّ الجمْهورَ لَمْ يذكروها) قال الحافظ هذا ليس كافيًا في تركها وجاء ذكر التسمية في التشهد في حديث ابن الزبير قال إن تشهد رسول الله بسم الله خير الأسماء فذكر مثل حديث ابن عباس لكن زاد فيه وحده لا شريك له بعد كلمة التشهد وقدمها على قوله السلام عليك أيها النبي وزاد بعد قوله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة أخرجه البزار في مسنده والطبراني
стр. 740
فصل: اعلم أن الترتيب في التشهد مستحب ليس بواجب، فلو قدم بعضه على بعض جاز على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الجمهور، ونص عليه الشافعي ﵀ في "الأم". وقيل: لا يجوز كألفاظ الفاتحة، ويدل للجواز تقديم "السلام" على لفظ الشهادة في بعض الروايات، وتأخيره في بعضها كما قدمناه.
وأما الفاتحة، فألفاظها وترتيبها معجز، فلا يجوز تغييره، ولا يجوز التشهد بالعجمية لمن قدر على العربية، ومن لم يقدر، يتشهد بلسانه ويتعلم كما ذكرنا في تكبيرة الإحرام.
فصل: السُّنَّة في التشهد الإسرار لإجماع المسلمين على ذلك، ويدل عليه من الحديث:
ما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "من السنة أن يخفي التشهد". قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح.
ــ
في الكبير وفي سندهما ابن لهيعة ووقع ذكر التسمية في حديث عمر أخرجه البيهقي وفي حديث علي أخرجه البيهقي وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف قال وقد جاء ذكرها في إحدى الروايتين عن ابن عمر وعن عائشة وجاء عنهما مرفوعًا بسند ضعيف اهـ.
فصل
قوله: (فَلو قَدّمَ إلخ) أي بشرط السلامة من تغيير المعنى.
قوله: (-في الفصل الأخير- مَا رَوَيناهُ في سُنَنِ أَبِي دَاودَ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن وأخرجه المعمري في عمل اليوم والليلة وعنده في لفظ ليس الجهر بالتشهد من السنة وأخرجه المعمري أيضًا بلفظ كان عبد الله يعلمنا التشهد قال وكانوا يخفون التشهد وأخرجه ابن حبان في كتاب الصلاة المفرد باللفظ المذكور في الكتاب عن ابن خزيمة وأخرجه الحاكم فأخرجه البيهقي عن الحاكم قال الترمذي حديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم قال الحافظ لم يخرج مسلم لمحمد بن إسحاق إلَّا شيئًا يسيرًا في المتابعات ولم أره في شيء من هذه الطرق عن محمد
стр. 741
وإذا قال الصحابي: من السنة كذا كان بمعنى قوله: قال رسول الله، هذا هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء والمحدثين، وأصحاب الأصول، والمتكلمين ﵏، فلو جهر به كره، ولم تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو.
باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد
اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ
ــ
بن إسحاق إلَّا بالعنعنة وقد اتفق الحفاظ على عدم الحكم لمعنعنه بالاتصال لكن أخرجه الحاكم والبيهقي عن الحسن بن عبد الله النخعي عن عبد الرحمن بن الأسود أي النخعي عن أبيه عن ابن مسعود ولفظه من سنة الصلاة أن يخفى التشهد وهذه متابعة قوية لمحمد بن إسحاق فإنه يرويه عن عبد الرحمن المذكور وأخرج الحاكم للحديث شاهدا من حديث عائشة قالت لما نزلت (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا
تُخَافِت بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] هذا حديث صحيح السند غريب المتن أخرجه المعمري وأبو جعفر الطبري في التفسير كلهم عن حفص بن غياث وهو من رجال الصحيح وكذا من قوله إلى منتهى السند لكن أخرجه البخاري في التفسير من طريق زائدة والدعوات من طريق مالك بن سعير وكلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عنها بلفظ نزلت في الدعاء فإن كان حفص حفظه فهو أخص ما ورد وقد أخرج البخاري أيضًا من حديث ابن عباس أنها نزلت في القراءة في الصلاة وذكر قصة لسبب النزول ورجحه الطبري ثم النووي ويمكن الجمع اهـ.
قلت وقد تقدم في الفصول أوائل الكتاب بسط في هذه الآية ونقل الأقوال وتحريرها فليراجعه من أراده. قوله: (وإذَا قَال الصحابيُّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا إلخ) فيكون موقوفًا لفظًا مرفوعًا حكمًا بخلاف قوله قال رسول الله ﷺ فمرفوع لفظًا وحكمًا وبه يعلم أن التشبيه في كون كل منهما مرفوعًا وإن تفاوتت رتبتهما فيه. قوله: (ولا يَسجدُ للسهو) لأنه من الهيئات.
باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد
قيل الصلاة من الله ثناؤه عليه عند ملائكته والصلاة من الملائكة
стр. 742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمؤمنين دعاؤهم له أي طلبهم له ذلك من الله أي طلب زيادته لوجود أصله بنص القرآن وعلى هذا يحمل قول ابن عباس معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة أي الزيادة وهذا معنى صلاتنا أيضًا كما تقرر ورجح بأن فيه استعمال لفظ الصلاة في حقه تعالى وحق الملائكة والمؤمنين بمعنى واحد وبه يتضح قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فصلاته تعالى رحمنه وصلاتهم سؤالهم إياها لعباده وقيل الصلاة منه تعالى مغفرة ومن الملائكة استغفار ويمكن رجوعه لما قبله بجعل المغفرة نوعًا من أنواع ذلك التعظيم والاستغفار نوعًا من أنواع ذلك الدعاء واقتصر عليهما للاهتمام بهما وقيل الصلاة منه تعالى الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء طلب الرحمة والثاني يرجع لما مر أنها منهم الدعاء، والأول إن أريد بالرحمة فيه المقرونة بالتعظيم لما مر أيضًا أنها من الله ثناؤه عليه وإن أريد مطلق الرحمة توجه الاعتراض عليه بأن الله تعالى غاير بينهما في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، والملائكة فهموا المغايرة بسؤالهم عن معنى الصلاة في الآية مع أنهم علموا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فلو اتحدتا لما سألوا عن الصلاة ولقال لهم النبي ﷺ قد علمتم الصلاة بعلمكم الدعاء بالرحمة وأيضًا فقد أجمعوا على جواز الترحم على غير الأنبياء فهذا صريح في مغايرتهما وسيأتي في أول كتاب الصلاة على النبي ﷺ لهذا المقام مزيد تحقيق والله ولي التوفيق.
نعم قد تأتي الصلاة بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وحينئذٍ فالصلاة على الأنبياء تختص بالرحمة المقرونة بالتعظيم وعلى غيرهم لا تختص بذلك بل قد يكون فيها ما هو مقرون بنوع تعظيم وقد لا يحسب مراتب المؤمنين ومما يؤيد ذلك أن من المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من الرحمة أرفع مما يليق بغيره وقد أجمع المسلمون على ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إلخ، من تعظيم شأنه والتنويه بشرفه ما ليس في غيرها، وشرح الحلبي أنواعًا من ذلك التعظيم فقال معنى قولنا اللهم صل على محمد عظم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيته بالمقام المحمود وكونها لنحو هذا التعظيم في حقه ﷺ لا يستلزم كونها كذلك بالنسبة إلى نحو آله وأصحابه المذكورين معه لما مر أنها على كل إنسان بحسب ما يليق به من الرحمة العامة أو المقرونة بنوع تعظيم
стр. 743
واجبة عند الشافعي ﵀ بعد التشهد الأخير، فلو تركها لم تصح صلاته، ولا تجب الصلاة على آل النبي ﷺ
ــ
قال العز بن عبد السلام ليس صلاتنا عليه شفاعة له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله تعالى أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإن عجزنا عنها
كافأنا بالدعاء فأرشدنا العظيم لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا ﷺ إلى الصلاة عليه ﷺ وتقدمه لذلك الحليمي ووافقهم ابن العربي المالكي وقال بعضهم فيها فائدة أخرى لما تقدم أن معنى صلاتنا عليه طلب للزيادة له من ثناء الله تعالى عليه وتعظيمه وتشريفه بين ملائكته ففيها الزيادات الحاصلة بالصلاة التي أمرنا بها عليه المرقيات إلى مراتب درجات تليق بكماله لا يعلم كنهها إلّا المتنفل بها عليه ففي الصلاة عليه فوائد له وللمصلين عليه صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (واجبةٌ عِنْدَ الشافعي ﵀ بَعدَ التشهدِ الأخير) قال ابن حجر في شرح المشكاة تجب فيه أي حتى على النبي ﷺ على نفسه ويدل للوجوب أحاديث صحيحة كحديث ابن مسعود البدري أنهم قالوا يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذ نحن صلينا في صلاتنا قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الحديث صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم ومرادهم بالسلام الذي عرفوه سلام التشهد وفي الأم للشافعي فرض الله الصلاة على رسوله بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ولم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة ووجدنا الدلالة عن النبي ﷺ بذلك ثم ساق بسنده حديث أبي هريرة إنه قال يا رسول الله كيف نصلي عليك يعني في الصلاة قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وحديث كعب بن عجرة إنه قال يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قال الشافعي فلما جاء إنه كان يعلمهم التشهد في الصلاة وأنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة لم يجز أن يقول التشهد واجب والصلاة عليه فيه أي بعده غير واجب.
واعترض عليه بأن الحديثين من رواية شيخه إبراهيم وهو ضعيف وبفرض صحته لم يصرح بالقائل يعني، وبأن الثاني وإن كان ظاهره إن المراد من الصلاة ذات الركوع لكنه محتمل أن يراد بها فيه الصلاة عليه أي كان يقول ذلك في صفة الصلاة عليه
стр. 744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويؤيده إن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة تدل على أن السؤال وقع في صفة الصلاة لا محلها وبأنه ليس في الحديث ما يعين إن محلها بعد التشهد وقبل السلام وبأنه تفرد بذلك إذ الإجماع وعمل السلف الصالح على خلافه وبأن جماعة من أهل مذهبه شنعوا عليه وبأنها لو وجبت لكان في تعليمهم التشهد دونها تأخير للبيان عن وقت الحاجة على أنه لما علمهم إياه قال فليتخير من الدعاء ما شاء ولم يذكر الصلاة عليه وبأنه اختار تشهد ابن مسعود وليس فيه ذكرها.
هذا حاصل ما اعترض به عليه وهو ساقط بالمرة، أما ما يتعلق بالحديثين فجوابه أن الشافعي يوثق شيخه المذكور فكفى توثيقه لو لم يخبره فكيف وقد خبره وأحاط من شأنه بما لم يحط به غيره على أن حديثيه المذكورين ورد بل صح أحاديث أخر تعضدها منها خبرًا أبي مسعود البدري السابق رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابنا خزيمة وحبان والحاكم والدارقطني والبيهقي ولا يضر أن ابن إسحاق فيه لأنه صرح بالتحديث في روايته فصار حديثه مقبلًا صحيحًا على شرط مسلم كما ذكره الحاكم، ومنها خبر أبي داود والنسائي والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال إنه على شرط مسلم عن فضالة بن عبيد ﵁ سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته ولم يحمد الله
ولم يصل على النبي ﷺ فقال عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء، ومما يعني أنه في تشهد الصلاة الروايات الصحيحة عن فضالة نفسه إذ فيها سمع رجلًا يدعو في صلاته إذ لا يصح حمله على غير ذات الأركان إذ يدعو في دعائه بما شاء وحمله على غير ذات الأركان ركيك بعيد فلا يحمل الحديث عليه وفيها أيضًا عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فأحمد الله بما هو أهله ثم صل علي ثم ادعه، ففي قوله فقعدت بعد صليت أوضح دلالة على أن المراد قعود التشهد الأخير، ومنها ما رواه الحاكم وصححه لكن تعقب عن ابن مسعود مرفوعًا إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلخ، وهذا من أوضح الأدلة وأصرحها وسيأتي عند رواته اصرح من هذه في أواخر هذه القولة، ومنها ما روى الشافعي في الأم عن كعب بن عجرة كان ﷺ يقول في الصلاة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وظاهره وجوبها عليه ﷺ ، وروى أبو عوانة أنه ﷺ فعلها في التشهد الأخير وهو أولى المحال بها لكونه
стр. 745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة الأمر وقد سبق خبر صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يخرجها شيء عن الوجوب إذ لم يثبت أنه تركها في التشهد الأخير بخلاف التشهد الأول فقد ثبت جبر تركها بسجود والواجب يتدارك ولا يترك، وأما زعم تفرده بذلك وما يتعلق به فهو قصور من قائليه وإن كثروا كيف وقد نقل أصحابنا الحفاظ والفقهاء القول بالوجوب عن جمع من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله وعمر وابنه عبد الله وجماعة من التابعين كالشعبي والباقر وأبيه وابنه وناهيك بهم ومحمد بن كعب القرظي ومقاتل بن حبان، وظاهر كلام الشعبي وهو من كبار التابعين أن ذلك إجماع أو قريب منه حيث قال كما رواه البيهقي عنه بسند قوي كنا نعلم التشهد فإذا قال وأشهد أن محمدًا رسول الله يحمد ربه ثم يثني عليه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل حاجته، بل قال خاتمة الحفاظ شيخ الإسلام ابن حجر لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلّا ما نقل عن إبراهيم النخعي ومع ذلك فلفظ المنقول عنه يشعر بأن غيره كان قائلا بالوجوب اهـ. وحينئذٍ فكيف يدعي أن الإجماع أو عمل السلف الصالح على خلاف قول الشافعي وممن وافقه من فقهاء الأمة أحمد في القول الأخير وعليه أكثر أصحابه ومالك واعتمده ابن المواز من أصحابه وصححه ابن الحاجب في مختصره وابن العربي في سراج المريدين وقول الخطابي لا أعلم له فيها قدوة فيه نوع عذر له لأنه إنما نفى علمه الدال على غفلته مع كونه إمام السنة في وقته عما ذكرناه من الأحاديث الصريحة فيه وسبق القول بها عمن مر من الصحابة وغيرهم وقوله عمل السلف الصالح وإجماعهم على خلافه زلة منه بعد معرفة ما تقرر فإن أراد بالعمل الاعتقاد فزلة أعظم لأنه يتوقف على نقل صريح صحيح عنهم أنها ليست بواجبة ولن يجد ذلك مع ما قدمناه من إن ذلك لم يحفظ عن صحابي أو تابعي إلا النخعي، ومن ثم قال بعض الحفاظ إن استدللتم بعمل الناس فهو من أقوى أدلتنا فإنه لم يزل عملهم مستمرا عليها آخر صلاتهم إمامهم ومأمومهم مفترضهم ومتنفلهم وهذا مما لا يمكن إنكاره وإن استدللتم بالإجماع فباطل وساق ما تقدم ولم يخالف الشافعي من أصحابه إلَّا من شذ واستروح كالخطابي وابن المنذر وابن جرير وكأنه لم يقف على هذه الأحاديث أو لم تصح عنده،
وقد عد القول بإيجابها في التشهد الأخير من محاسن مذهب إمامنا الشافعي بل قال بعض المحققين لو سلم تفرده بذلك لكان جيد التفرد وزعم القاضي عياض إن الناس شنعوا عليه جوابه
стр. 746
فيه على المذهب الصحيح المشهور، لكن تستحب.
ــ
إنه لم يشنع عليه إلّا من غفل أو سها عما قدمناه ومثل ذلك لا يعول عليه ولا يلتفت إليه وأي شناعة في إثبات حكم دل عليه الكتاب إذ فيه صلوا عليه وهي لا تجب في غير الصلاة إجماعًا وقول جماعة بوجوبها خارجها رد بأنه خرق للإجماع والسنة للأحاديث المصرحة بوجوبها في الصلاة بل بعد التشهد والقياس الجلي والمصلحة الراجحة لأن السلام إذا وجب فيها على نفس المصلي وعباد الله الصالحين فأولى إن تجب الصلاة التي اختص بها الأنبياء وصارت شعار التعظيم على سيد المرسلين ﷺ ولكونها صارت الشعار الأعظم في حقهم يكف عنها وجوب السلام قال الأئمة ولا ريب أن القائل بجواز ترك هذا الشعار الأعظم على أعظم خلق الله وأفضلهم في أعظم عبادات البدن وأفضلها وهو الصلاة هو الأولى بالتشنيع والأحق بالتفريط والتضييع، ومن ثم قال ابن الضحاك المالكي فيما نقله عنه ابن صعد التلمساني في كتابه مفاخر الإسلام ردًّا على القاضي عياض وعجبي ممن شنع على الشافعي مذهبه السديد ويرضى لنفسه بدلا من الاجتهاد بحضيض التقليد والشافعي ما قال ذلك إلّا عن أوضح حجة وأهدى دليل مع ما فيه من عموم التعظيم للنبي الكريم عليه الصلاة والتسليم قال ابن صعد وما زعمه عياض من الإجماع على عدم الوجوب مردود، وقال بعض حفاظ الحنابلة وأما التشنيع عليه فقل للمشنع أما تستحي من شناعتك وهل إيجابها إلَّا من محاسن مذهبه وهل خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا أو مصلحة راجحة فمن أي وجه يشنع عليه اهـ. قيل وكان الأنسب بغرض شفائه من مزيد إظهار شرفه ﷺ اختيار وجوبها لو فرض صحة ما زعمه رعاية لذلك الغرض كما خالف الجمهور في اختياره طهارة فضلاته ﷺ رعاية لذلك، وأما قولهم لو وجبت إلخ، فجوابه أن ذلك التلازم لا يقال إلَّا إن ادعى الخصم أن الصلاة فرضت مع التشهد أما إذا لم يتحقق فلا يتحقق ذلك التلازم لاحتمال تأخر فرضها مع التشهد عن فرضه على أن الذي في الصحيح ثم ليتخير وثم وضعها للتراخي يدل على أنه كان بين التشهد والدعاء شيء وأما قول عياض إن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود فهو سهو منه وهو قبيح لكونه في محل الاستدلال والإلزام والذي مر عن الشافعي فيه قولان الجديد اختيار تشهد ابن عباس والقديم تشهد عمر وقوله وليس فيه ذكرها يرده ما أخرجه الحاكم
стр. 747
وقال بعض أصحابنا: تجب.
ــ
بسند قوي عن ابن مسعود قال يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه فتأمل هذا التصريح من هذا الخبر يعني ما قاله الشافعي وأشار إليه فيما مر أنه ﷺ علمهم التشهد في الصلاة فإنه قال ثم ليختبر كما علمت وجهه آنفًا فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه بالتشهد وقبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء والدفع حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي وقول الخطابي إن في آخر حديث ابن مسعود إذا قلت هذا أي التشهد فقد قضيت صلاتك مردود بأن هذه زيادة مدرجة فلا دليل فيها فعلم دفع ما وقع فيه المعترضون من الغلط والإفراط أو التفريط والشطط غفر الله لنا ولهم ولجميع المسلمين آمين.
ويحصل واجب الصلاة باللهم صل على محمد أو رسوله أو النبي أو صلى الله على محمد، لأنه دعاء بلفظ الخبر فيكون أولى لأنه آكد وفارق الصلاة على محمد أنه ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله فلم يكن في معنى الوارد ومن ثم اتفقوا على عدم إجزائه وألحق به صليت على محمد وهو واضح أو على رسوله أو على نبيه أو النبي ولا يكفي على أحمد ولا عليه وفارق أحمد محمدًا بأن الأول لم يغلب استعماله والنبي الرسول بأنه يطلق شائعًا على غير رسول الله بخلاف النبي ولذا كره الشافعي أن يقال قال الرسول أو زرنا الرسول أو نحو ذلك بخلاف قال النبي ولا يكفي إبدال لفظ الصلاة بالسلام أو بالرحمة لأنهما لا يؤديان معناها كما عرف مما تقدم. قوله: (وقَال بَعْضُ أَصْحابِنا تَجِبُ) قال ابن حجر في شرح المشكاة ووجهه ظاهر لأن الحديث صريح فيه وهو قوله عطفًا على المأمور به وعلى آل محمد وأجاب كثيرون إلى أن هذا القول مخالفًا للإجماع قبل قائله على أنها لا تجب على الآل كما في المجموع وقضية عبارة المصنف أنه ليس قولًا للشافعي وبمثله عبر في المنهاج لكن صريح قول الروضة فيه قولان خلافه وبه يتضح قول الأوزاعي في ثبوت الإجماع نظر وأجاب آخرون بأنهم أسقطوا في رواية للبخاري في حديث أبي سعيد لكنه أثبتها في البركة مع أنهم لم يسألوه عن البركة ولا أمر بها في الآية فحديث أبي حميد المتفق عليه ليس فيه الصلاة على الآل ولا فيه ذكر البركة عليهم أيضًا، وجواب ثالث وهو أن المعتمد في الوجوب الأمر في الآية فذكر الآل في جواب طلبهم له بأن ذلك المأمور من باب إجابة السائل بأكثر مما سأل لمصلحة هي هنا التنبيه على الأكمل وما يلزم عليه من
стр. 748
والأفضل أن يقول: "اللهُم صَل على مُحَمدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النبي الأمّي،
ــ
استعمال الأمر في حقيقته ومجازه لا يرد علينا لأنا قائلون بجوازه كما حقق في الأصول. قوله: (والأَفضلُ أَن يقولَ إلخ) هو ما جرى عليه المصنف في التحقيق والفتاوى كما نقله الأذرعي عن التحقيق ولم ينظر لقول الأسنوي إلّا إنه لم يأت بالنبي الأمي في المرة الثانية التي هق عقب وبارك على محمد وكأن نسخه مختلفة قلت ونقل ابن حجر في الدر المنضود حذف النبي الأمي عقب وبارك عن الفتاوى ولعل نسخها مختلفة أيضًا والذي في الروضة والأكمل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ونقله في المجموع عن الشافعي والأصحاب كذلك إلَّا إنه أسقط على الداخلة على آل إبراهيم في الموضعين قال الأسنوي مع أنه قد ورد إثباتهما في سنن البيهقي وصححه ابن حبان والحاكم وإن كان بلفظ آخر قال ابن حجر في شرح العباب واعترض كون هذا هو الأكمل بأن ذلك خرج جوابًا لسؤال والظاهر اتحاده وأنه ﷺ أجاب بجميع الثابت من ذلك غير أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر وطريق الإتيان بالمشروع من ذلك استيفاء الجميع قال وقد فات النووي أشياء لعلها توازي ما ذكره أو تزيد عليه استوفيتها في الدر المنضود في الصلاة على صاحب المقام المحمود ومحل ندب هذا الأكمل لمنفرد وأمام من مر وإلّا اقتصر على الأقل كما صرح الجويني وغيره وبحث الأذرعي في منع الزيادة على الواجب إن خشي خروج وقت الجمعة وتردد في غيرها والأرجح في غيرها إنه إن شرع والوقت متسع يسعها جاز له التطويل ما شاء وإلّا فلا اهـ. وفي الدر المنضود بعد ذكر ما ذكره الشيخ واعترض عليه بأنه.
قوله: (النبي الأميِّ) بالتشديد نسبة إلى الأم أي الذي لا بكتب ولا يقرأ أي المكتوب لقوله ﷺ نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب كأنه على حالته حين ولدته أمه بالنسبة إلى الكتابة ونسب إليها لأنه على وصفها الغالب في جنسها وهو عدم الكتابة أو إلى أم القرى لأنها بلده وخلقت من طينته أو إلى أمته الغالب عليهم عدم الكتابة وهم العرب أو إلى جميع أمته لاهتمامه بشأنهم وبذله أقصى ما يمكنه
стр. 749
وعلى آلِ مُحَمَد وأزواجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ،
ــ
في صلاحهم وهدايتهم أو إلى أم القرآن الفاتحة لأنها لم تنزل على غيره أي باعتبار ما اشتملت عليه من جميع معاني القرآن الكلية ومقاصده العلية أو إلى الأمة أي القينة بالنسبة لسداجتها قبل أن تعرف قال ابن حجر في شرح المشكاة وفي أكثر هذه الأقوال نظر وعلى كل ففيه تمدح أي تمدح وتشرف أي تشرف بعدم الكتابة ومن ثم كان عدمها من معجزاته ليتم قهر من ناواه وعاداه بما أبهر الفصحاء وأعجز البلغاء مما أوتيه من الآيات وأتحفه من المعارف والعلوم التي ليس لها غايات قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﷺ : (وعَلَى أَلِ محمدٍ) وهم مؤمنو بني هاشم والمطلب وقال بعضهم مؤمنو بني هاشم فقط ويطلق الآل على سائر الاتباع قيل وينبغي تفسيره به هنا واختاره مالك كما ذكره ابن العربي والأزهري والمصنف في شرح مسلم وقيده القاضي حسين بالأتقياء وحمل غيره كلام المطلقين عليه وقيل يبقى على إطلاقه بأن يراد بالصلاة الرحمة المطلقة وروي تمام في فوائده والديلمي عن أنس قال سئل رسول الله ﷺ من آل محمد قال كل تقي من آل محمد زاد الديلمي ثم قرأ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وإسنادهما ضعيف بل واهٍ جدًّا ولولا ذلك لتعين الجمع بأن الآل في الدعاء المتقون من الأمة وفي منع الزكاة مؤمنو بني هاشم والمطلب لأن الدعاء كلما كان أعم كان أتم "وأزواجه" جمع زوج يطلق في الأفصح على الرجل والمرأة قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وأما الزوجة فجمعها زوجات قيل والأظهر أنه يشمل سائر أزواجه ولو غير مدخول بها لأنها محرمة على غيره ﷺ وفي رواية مسلم التقييد بأمهات المؤمنين فعليها يخرج غير المدخول بها لأنها ليست من أمهات المؤمنين وعدتهن اثنتا عشرة خديجة فسودة فعائشة فحفصة فزينب الهلالية وتكنى أم المساكين فأم سلمة فزينب بنت جحش فجويرية المصطلقية فريحانة النضرية فأم حبيبة الأموية فصفية الإسرائيلية فميمونة الهلالية وعقد على سبع ولم يدخل بهن. قوله: (وذُرِّيّتهِ) بضم المعجمة ويجوز كسرها من الذر أي الخلق وسقط الهمزة تخفيفًا من ذرأ أي فرق أو من الذر وهو النمل الصغار لخلقهم أولًا على صورته فعليهما لا همزة فيه
стр. 750
كما صَلَّيْتَ عَلى إبرَاهِيمَ وعلى آلِ إبرَاهِيمَ
ــ
وهو نسل الإنسان من ذكر أو أنثى وعند أبي حنيفة لا يدخل فيها أولاد البنات إلَّا أولاد بناته ﷺ لأنهم ينسبون إليه في الكفاءة وغيرها فهم هنا أولاد فاطمة وكذا غيرها من بناته رضي الله تعالى عنهن أجمعين لكن بعضهن لم يعقب وبعضهن انقطع عقبه والعقب إنما للسيدة فاطمة ﵂. قوله: (كمَا صلَّيتَ عَلَى إِبْراهِيمَ إلخ) آل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وأولادهما وإن ثبت لإبراهيم أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة والمراد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والصديقون والشهداء والصالحون
منهم دون غيرهم منهم وجميع أنبياء بني إسرائيل من إسحاق وليس في ذرية إسماعيل غير نبينا ﷺ قالوا ففيه إشارة إلى أنه يعدل سائر الأنبياء الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام وخص إبراهيم بالذكر لأنه الذي سأل في بعث محمد ﷺ لهذه الأمة ولسؤاله أن يجعل له لسان صدق أي ثناء في الآخرين قيل ولأنه رأى في النوم اسم محمد مكتوبًا بأعلى أشجار الجنة فسأل الله أن يجري ذكره على ألسنتهم ولأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لآل نبي غيره قال تعالى: (﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] فالتشبيه في الحديث لذلك أو ليطلب له ولآله وليسوا أنبياء منازل إبراهيم وآله الأنبياء فالتشبيه للمجموع بالمجموع ومعظم الأنبياء آل إبراهيم فإذا قوبلت الجملة بالجملة وتعذر أن يكون لآله ﷺ ما لآل إبراهيم كان ما توفر من ذلك وهو آثار الرحمة والرضوان حاصلا لنبينا محمد ﷺ فيزيد الحاصل له على الحاصل لإبراهيم ومن كان ذلك في حقه أكثر كان أفضل، واعترض بأن غالب طرق الحديث اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم من غير ذكر الآل، ويرد بأن ذلك وإن سلم أنه الغالب لا يمنع الأخذ بغيره إذا صح سنده وما نحن فيه كذلك فلا فرق إذا بين أن يكون غالبًا أو مغلوبًا وقيل إنه لا يطلب لآله وليسوا أنبياء منازل إبراهيم وآله الأنبياء والتشبيه عائد لقوله وآل محمد وهذا نقله الشيخ أبو حامد عن الشافعي وقال إنه مخالف لقاعدته الأصولية في رجوع المتعلقات لجميع الجمل وما ينظر به فيه مجيء التشبيه مع حذف الأول في رواية البخاري ووجود التشبيه لمحمد بآل إبراهيم وبأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووهم فكيف يطلب وقوع ما لا يمكن وقوعه قال ابن القيم وهو ركيك بعيد من كلام
стр. 751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العرب، وأجيب بأن محل رجوع المتعلق للكل حيث لم يمنع منه مانع كما هنا إذ فيه خوف محذور وهو أنه يوهم أفضلية إبراهيم عملا بقاعدة إن المشبه به أفضل من المشبه غالبًا وعن رواية البخاري بأنها مؤولة بأن آل فيها مقحمة كخبر لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود إذ لم يكن حسن الصوت إلّا داود نفسه قال ابن حجر في شرح المشكاة ولا يحتاج إلى ذلك لأن المضاف إليه آل إذا لم يذكر المضاف إليه معه مفرد أيضًا يدخل فيه ولا يخرج عنه إلَّا بقرينة كما ذكر آنفًا ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ويدل له ما في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن أباه أتى النبي ﷺ بصدقة فقال اللهم صل على آل أبي أوفى ومن المعلوم أن أبا أوفى هو المقصود بالذات بهذا الدعاء فيكون دخول إبراهيم فيما ذكر من هذه الرواية دخولا أوليا أصليًّا لأنه الأصل المستتبع لسائر آله وزعم أن تقدير الشافعي المذكور بعيد من كلام العرب ليس في محله وأي مانع من تعلق الجار والمجرور بالمعطوف فقط لداع إليه هو هنا خوف محذور إيهام أفضلية إبراهيم عملا بالقاعدة السابقة فما قاله الشافعي ظاهر لا غبار عليه، وأما أن غير الأنبياء لا يساويهم فأجيب عنه بأنه تبعوا نبينا لم يبعد أن يسأل لهم الرحمة المقرونة بالتعظيم التي هي نظير ما للأنبياء والاستحالة المذكورة إن سلمت إنما هي في غير من لم تكن له تبعًا وقصد المماثلة في الصفات التي هي أسباب للثواب لا الثواب فحسب ومما يصرح بهذا أن الصلاة خاصة بالأنبياء ومع ذلك يستعمل في تابعيهم تشريفًا لهم، وأجيب أيضًا بأنه لا يمتنع طلب الثواب الحاصل لهم بالصلاة لا جميع الصفات وما ذكره ابن القيم من أنه ركيك بعيد من كلام العرب موجود
بأنه ليس ركيكًا إذا التقدير اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلخ، فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية وفيه نظر لما ذكر من القاعدة الأصولية إلَّا أن يقال بما تقدم إن محلها حيث صلح رجوع المتعلق إلى الجميع وهنا لم يصلح إلا للأخير فيتعين أو يقال التشبيه لأصل الصلاة دون رتبتها ومقدارها كما قالوا في (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] إنه تشبيه في أصل الصوم دون قدره وكما في ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] وهذا
стр. 752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منسوب للشافعي أيضًا ورجحه القرطبي في المفهم وضعفه ابن دقيق العيد، قال المصنف في شرح مسلم المختار أحد هذه الأقوال الثلاثة أو يقال التشبيه لنبينا بإبراهيم ولا محذور فيه والتوهم السابق مندفع بالأدلة الخارجية المصرحة بأفضلية نبينا ﷺ على إبراهيم وغيره وبالإجماع على ذلك أو يقال إنما يلزم ذلك لو لم يكن الثابت للرسول ﷺ صلاة مساوية لصلاة إبراهيم أو زائدة عليها أما إذا كان كذلك فالمسؤول من الصلاة إذا انضم إلى الثابت المتقرر للنبي ﷺ كان المجموع زائدًا في المقدار على القدر المسؤول وقربه ابن دقيق العيد برجلين ملك أحدهما أربعة آلاف درهم والآخر ألفين فسئل لصاحب الأربعة آلاف أن يعطي ألفين نظير ما للآخر فإذا انضمت الألفان إلى الأربعة صار له ستة وهو أكثر مما لصاحب الألفين وسيأتي ما يقاربه في كلام القرافي أو يقال الكاف تعليلية والمراد كما سبق منك صلاة على إبراهيم وآله فسألها منك على محمد وآله بالأولى إذ ما ثبت للفاضل ثبت للأفضل بطريق الأولى والتشبيه ليس من إلحاق كامل بأكمل منه كما هو شأنه بل من باب التهييج ونحوه أو من بيان حال ما لا يعرف بما يعرف لأنه فيما يستقبل والذي حصل لنبينا ﷺ من ذلك أقوى وأكمل أو من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر وإن كان أدون كما في مثل نوره كمشكاة مع بون ما بين النورين لما كان المراد من المشبه به أن يكون ظاهرًا واضحًا للسامع حسن تشبيه النور بها وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآله بالصلاة عليهم مشهورًا واضحًا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآله بالصلاة عليهم ما حصل لإبراهيم وآله ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله في العالمين في خبر مسلم وغيره أي كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وآله في العالمين ولذا لم يقع ذكر العالمين إلّا في ذكر إبراهيم وآله دون محمد وآله، وهذا الجواب بدأ به الكرماني وحاصله أن هذا ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل بل من إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر أو يقال المقصود من الصلاة الدعاء بأن الله يتم البركة على محمد وآله كما أتمها على أبيه إبراهيم وآله فذكر التشبيه لذلك قال القاضي عياض وهذا أظهر الأقوال أو يقال قال ذلك للتواضع بإظهار قدر أبيه إبراهيم لأمته رعاية لخلته وسابق أبوته وذلك التوهم مدفوع بما تقدم وبقوله ﷺ آدم فمن دون تحت لوائي وبحديث البخاري أنا سيد الناس يوم القيامة
стр. 753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبحديث الشفاعة العظمى وغير ذلك قال ابن حجر في شرح المشكاة ولعل هذا أحسن الأجوبة وأبعدها عن التكلف فأعرفه ولا يبعد أن يكون منه خبر مسلم أن رجلًا قال له يا خير البرية قال ذلك إبراهيم وخبر لا تفضلوني على يونس بن متى وإن ذكرت له حكمة أخرى ثم قال ولعلك إن تأملت هذا وجدته أحسن من قول النووي أحسن الأجوبة ما مرت نسبته للشافعي إن التشبيه للأصل بالأصل أو للمجموع بالمجموع ومن قول غيره أي كابن الجزري هو ﷺ
من آل إبراهيم كما صح عن ابن عباس ﵄ فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وآله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآله عمومًا فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وإن المطلوب بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بلفظ غيره وقال الحليمي سبب التشبيه أن الملائكة دعوا لأهل بيت إبراهيم بالرحمة والبركة ومحمد وآله منهم فكان المطلوب استجابة دعائهم في محمد وآله كما استجيب عندما قالوا في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ اهـ. وقيل قوله كما صليت إلخ، قاله قبل علمه بأفضليته على إبراهيم وتعقب بأنه لو كان كذلك لعين ﷺ بعد علمه بأفضلية نفسه ذلك أي كان يأمر أمته بسؤال الزيادة على ذلك وبأن أفضليته على غيره كانت معلومة من قبل أن يولد بل من لدن آدم وبأن الصلاة التي أمر بها إنما هي بوحي فلا يقال في مثله لم يكن يعلم حين أمرهم بذلك.
وبقيت أجوبة متكلفة كأكثر هذه المذكورات. في قواعد القرافي المسمى "بأنواء البروق في أضواء الفروق" كلام نفيس حاصله إن التشبيه في الخبر يصح في الأزمنة الثلاثة ولا يقع التشبيه في الدعاء إلا في المستقبل خاصة إذ لا يدعي إلا بمعدوم مستقبل فإذا وقع التشبهيه في الدعاء أو الأمر أو النهي إنما يقع في أمرين معدومين مستقبلين لم يوجدا بعد وباعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين يندفع الإشكال في قوله اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إلخ، لأن الإشكال مبني على جعل التشبيه في الدعاء كالتشبيه في الخبر وليس كذلك بل إنما وقع التشبيه بين عطية تحصل لرسول الله ﷺ وعطية تحصل لإبراهيم لم تكن حصلت قبل الدعاء فإن الدعاء إنما يتعلق بالمعدوم المستقبل وحينئذٍ يكون الذي حصل لرسول الله ﷺ قبل الدعاء لم يدخل في التشبيه وهو
стр. 754
وبارِكْ عَلى محمدٍ النبي الأميّ، وعلى آلِ مُحَمدٍ وأزواجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على إبراهِيمَ، وعلى آلِ إبراهِيمَ في العالمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
ــ
الذي فضل به إبراهيم ﵇ فهما صلوات الله وسلامه عليهما كرجلين أعطى لأحدهما ألف وللآخر ألفان ثم سئل لصاحب الألفين مثل ما أعطي لصاحب الألف فيحصل له ثلاثة آلاف وللآخر ألف فقط فلا يرد السؤال من أصله لأن التشبيه وقع في دعاء لا في خبر نعم لو قيل إن العطية التي حصلت له ﷺ كالتي حصلت لإبراهيم لزم الإشكال لحصول التشبيه في الخبر لكن التشبيه إنما وقع في الدعاء لا في الخبر فتأمل الفرق بين ذلك فيندفع لك به أسئلة كثيرة وإشكالات عظيمة والله أعلم، أو التشبيه لقوله وعلى آل محمد دون المعطوف عليه كما نقل عن الجلال الدواني أو المراد التشبيه في وصول ذلك لمن وصل إليه بمحض الفضل وصوله لإبراهيم كذلك فهو توسل إلى الفضل بالفضل، ومن لطيف ما يحكى أن ممتنحًا أنعم عليه كريم ثم جاءه لفضلنا بعد فقال له المانح من أنت فقال أنا الذي أنعمت عليه سابقًا فقال مرحبا بمن توسل لفضلنا بفضلنا. قوله: (وبَارك على مُحمدٍ النَّبي إلخ) أي اثبت دوام ما أعطيته من التشريف والكرامة كذا في النهاية ولم يصرح أحد بوجوب وبارك إلخ، إلَّا إيهاما وقع في بعض العبارات والظاهر أنه غير مراد لقائلها نعم قال بعضهم بوجوب كما صليت على إبراهيم لأنه لم يسقط في رواية ورد بأنه سقط في رواية عند النسائي سندها قوي واحتمال إن الإسقاط من بعض رواة النسائي بعيد لا يلتفت إليه. قوله: (في العالمينَ) هكذا صح عند مسلم وغيره زيادة في
العالمين هنا وفيما قبله وهي متعلقة بمحذوف دل عليه السياق أي أظهر الصلاة والبركة على محمد وآله في العالمين كما أظهرتها على إبراهيم وآله في العالمين. قوله: (إِنكَ حَميد مجيد) جملة كالتعليل لما قبله وحكمة الختم بهما أن المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب أو هما كالتذييل له والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم والإحسان "والحميد" فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها ذاتًا وصفات وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد أفعال عباده الصالحين ويجازيهم على عبادتهم له تفضلًا وتكرمًا "والمجيد" فعيل من المجد مبالغة من
стр. 755
وروينا هذه الكيفية في صحيح البخاري ومسلم، عن كعب بن عجرة، عن رسول الله ﷺ
ــ
ماجد وهو صفة الكامل في الشرف والكرم يقال مجد الرجل بضم الجيم وفتحها يمجد بالضم مجدًا ومجادة وقد منع بعضهم المبالغة في صفات الله تعالى لأنها لا تختلف وقال بعض المتأخرين إنه ألحق باعتباره في نفسها لا فيمن تعلقت به لاختلاف مراتبهم.
خاتمة
قال الأسنوي اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد وفي كونه أفضل نظر وفي حفظي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بناه على أن الأفضل سلوك الأدب أو امتثال الأمر فعلى الأول يستحب دون الثاني اهـ، وبتأمل تأخر الصديق ﵁ لما ائتم به ﷺ مع قوله مكانك وكذا إقراره على ذلك وامتناع علي ﵁ في وقعة الحديبية من محوه لاسمه ﷺ مع أمره له بمحوه فقال والله لا أمحوه يعلم أن الأولى سلوك الأدب وهو متجه وإن قال بعضهم الأشبه الاتباع ولا يعرف إسناد ذلك إلى أحد من السلف اهـ، وإنكاره ﷺ على من خاطبه بذلك إنما هو لكونه ضم إليه ألفاظًا من ألفاظ الجاهلية وتحياتهم كما يعرف ذلك بمراجعة الحديث وقد صح حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر وجاء عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا وهو أصح أحسنوا الصلاة على نبيكم وذكر كيفية منها اللهم صل على سيد المرسلين، وحديث لا تسيدوني في الصلاة موضوع، وقول بعض الشافعية إن ذلك مبطل غلط فلا يقال ينبغي مراعاته، وفي شرح مسلم للأبي اتفق أن طالبًا قال لا يزاد في الصلاة لفظ سيدنا لأنه لم يرد وإنما يقال اللهم صل على محمد فنقمها عليه الطلبة وبلغ الأمر إلى القاضي ابن عبد السلام فأرسل وراءه الأعوان فاختفى مدة حتى شفع فيه حاجب الخليفة فخلى عنه وكأنه رأى أن تغييبه تلك المدة عقوبته اهـ. قال بعض الأئمة المحققين من المتأخرين قول المصلي اللهم صل على سيدنا محمد فيه الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب فهو أفضل من تركه فيما يظهر من الحديث السابق وإن تردد في أفضليته الأسنوي اهـ، وبه يرد ما وقع لصاحب القاموس ميلًا إلى ما أطال به ابن تيمية وغيره في ذلك.
قوله: (رَوَينَا هذِهِ الكيفيةَ إلخ) المراد أن أصل الكيفية في الصحيحين من حديث كعب وحديثهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة رضي الله
стр. 756
إلا
ــ
عنه فقال ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ قلت بلى فاهدها لي فقال سألنا رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله علمنا كيف نسلم قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة قال في المشكاة إلّا أن مسلمًا لم يذكر على إبراهيم في الموضعين أي في حديث كعب وإلَّا فقد اتففا عليه في غير حديثه كما يعلم مما سيأتي وفي رواية لمسلم وبارك على محمد ولم يقل اللهم كذا في السلاح وفي شرح العمدة للقلقشندي وذكر المزي في الأطراف أن البخاري أخرج هذا الحديث في كتاب الصلاة وليس كذلك إنما أخرجه في أحاديث الأنبياء وفي تفسير سورة الأحزاب وفي الدعوات وقد اغتر بذلك مغلطاي وابن الملقن فلم يذكرا هذا الحديث في شرحيهما على البخاري وذكرا في أحاديث الأنبياء أنهما أسلفا الكلام عليه في الصلاة ظنًّا منهما أنه فيها وأنهما تكلما عليه ووقع عند الطبري تعيين المكان الذي لقي فيه عبد الرحمن كعبًا ولفظه أن كعبًا قال له وهو يطوف اهـ.
وكعب بن عجرة بضم العين المهملة وإسكان الجيم ثم راء مهملة مفتوحة ابن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بالتخفيف البلوي المدي حليف الأنصار وقال الواقدي ليس حليفًا لهم وإنما هو من أنفسهم وتعقبه ابن سعد كاتبه بأن المشهور إنه بلوى حالف الأنصار ولم يجده في نسب الأنصار وهو الصحابي الجليل تأخر إسلامه وكان له صنم في بيته فجاءه صديقه عبادة بن الصامت يومًا فلم يجده فدخل البيت فكسر الصنم بالقدوم فلما جاء كعب ورآه خرج مغضبًا يريد الإنتقام من عبادة ثم فكر في نفسه فقال لو كان هذا الصنم ينفع لنفع نفسه فسلم وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فيما قيل سبعة وأربعون حديثًا منها في الصحيحين أربعة اتفقا منها على حديثين وانفرد مسلم بآخرين وسكن الكوفة مدة ومات بها سنة إحدى وخمسين وقال ابن عبد البر إحدى أو اثنتين وقيل سنة اثنتين جزمًا وقيل سنة ثلاث وله سبع وسبعون سنة وقيل خمس وسبعون ﵁. قوله: (إلا
стр. 757
بعضها، فهو صحيح من رواية غير كعب، وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة على محمد ﵌ إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
والواجب منه: اللهم صل على النبي، وإن شاء قال: صلى الله على محمد، وإن شاء قال: صلى الله على رسوله، أو صلى الله على النبي. ولنا وجه أنه لا يجوز إلا قوله: اللهم صل على محمد. ولنا وجه أنه يجوز أن يقول: وصلى الله على أحمد. ووجه أنه يقول: صلى الله عليه، والله أعلم.
وأما التشهد الأول، فلا تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ بلا خلاف، وهل تستحب؟ فيه قولان: أصحهما: تستحب، ولا تستحب الصلاة على الآل على الصحيح، وقيل: تستحب، ولا يستحب الدعاء في التشهد الأول عندنا، بل قال أصحابنا: يكره لأنه مبني على التخفيف، بخلاف التشهد الأخير، والله أعلم.
ــ
بَعضَها إلخ) قال الحافظ والبعض المستثنى أربعة أشياء عبدك ورسولك ثانيها النبي الأمي ثالثها أزواجه وذريته رابعها في العالمين وحديث كعب متفق عليه أخرجه الأئمة وأما الزيادة الأولى فهي عند البخاري والنسائي وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري وأما الزيادة الثانية وهي النبي الأمي فهي عند أبي داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عمرو ﵁ والحديث حسن وأما الزيادة الثالثة وهي أزواجه وذريته فهي عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود وأبي عوانة وابن ماجة والقعنبي والنسائي من طرق من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان رسول الله ﷺ يقول اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال الحافظ هو حديث حسن رجاله رجال الصحيخ وإنما قلت حسن لاحتمال أن يكون الصحابي المبهم هو أبو حميد فإن يكن كذلك فقد سقط منه التابعي فزاد فيه أهل بيته قال الحافظ ووجدت للزيادة المذكورة شاهدًا من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود مرفوعًا من سره إن
стр. 758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت أن يقول اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وأخرجه النسائي من حديث علي لكن سنده وسند أبي هريرة متحد اختلف في راويه على مسنده وفيه مقال، وأما الزيادة الرابعة فهي في حديث صحيح عند أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث أبي مسعود الأنصاري قال أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد أمرنا الله يا رسول الله أن نصلي عليك الحديث وفي آخره في العالمين إنك حميد مجيد ورواه البزار من حديث أبي هريرة بسند رجاله رجال الصححيح ولفظه قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقد علمنا السلام عليك قال قولوا إلخ، ومال الدارقطني إلى ترجيح الرواية الأولى وابن المديني إلى الجمع بين الروايتين وأن نعيمًا أحد رواته رواه بالوجهين أحدهما عند مالك أي وهي الرواية الأولى والثانية عند داود بن قيس أي وهي
الرواية الثانية اهـ. وفي السلاح روى الستة إلَّا الترمذي عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وعند مسلم وعلى أزواجه في الموضعين وباقيه مثله، روى البخاري والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هذا التسليم فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم قال أبو صالح عن الليث على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم وفي رواية للبخاري كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم وفي رواية لأبي داود والنسائي من حديث أبي مسعود الأنصاري واسمه عقبة بن عيرو اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد زاد النسائي كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد وروي زيادة النبي الأمي في الموضعين الحاكم في المستدرك عن رجل من الصحابة وقال صحيح على شرط مسلم ورواه ابن حبان في صحيحه
стр. 759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وآله وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اهـ. ملخصًا قال المصنف في شرح المهذب وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة السابقة فيقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وتعقبه في المهمات بأنه ليس مستوعبا لما ثبت في الأحاديث فإنه أسقط قوله عبدك ورسولك اهـ. وأحال المصنف ﵀ ونفع به تفصيل ما أجمله في كلامه هنا مما أشرنا إلى أصوله على كتاب الصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر شيئًا بل قال وقد بينا صفة الصلاة على رسول الله ﷺ وما يتعلق بها وبيان أقلها وأكملها في كتاب أذكار الصلاة وكأنه نسي عند الكتابة في ذلك المكان ما عزم عليه من البيان ولا عيب على الإنسان في السهو والنسيان.
стр. 760
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الدعاء بعد التشهد الأخير
اعلم أن الدعاء بعد التشهد الأخير مشروع بلا خلاف.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ التشهد ثم قال في آخره: ثم يتخير [بعد] منَ الدُّعاءِ".
وفي رواية البخاري: " [ثم ليتخير من الدعاء] أعْجَبَهُ إليْهِ فيدعُو".
وفي روايات لمسلم: "ثم لَيَتَخَيَّرْ مِن المسألة ما شاءَ".
ــ
باب الدعاء بعد التشهد الأخير
في السيرة الكبرى للشامي حاصل ما ثبت عنه ﷺ من المواضع التي كان يدعو فيها داخل الصلاة ثمانية مواطن عقب تكبيرة الإحرام في حديث أبي هريرة اللهم باعد بيني وبين خطاياي الخ، وإذا مر بآية رحمة أو عذاب وفي الركوع وفي الاعتدال منه وفي السجود وفي الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأخير اهـ. قوله: (روَينا في صحيحي البُخارِي ومُسلم الخ) قال الحافظ وفي روايات لمسلم ثم ليتخير من المسألة ما شاء هذا لم يقع عند مسلم جزمًا إلَّا في رواية واحدة وله أخرى قال فيها ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء أو أحب وله ثالثة مثل البخاري لكن ينقص عنها وله رابعة صرح فيها بأن الزيادة لم تذكر فيها، وأما البخاري فله أربع روايات إحداها المذكورة والأخرى قال فيها من الكلام ما شاء وثالثة فيها من الثناء ما شاء ورابعة لم يذكر فيها الزيادة ومدار الحديث عند الصحيحين على أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود وبسط الحافظ بيان طرق الحديث عندهما. قوله: (ثُمَّ ليتخيرْ منَ الدعاءِ الخ) ترجم البخاري باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب قال ابن العز الحجازي المنفي وجوبه يحتمل أن يكون الدعاء أي لا يجب دعاء مخصوص ويحتمل أن يكون التخيير ويحمل الأمر الوارد به على الندب وقوله ثم ليتخير من الدعاء الخ. استدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي
стр. 761
واعلم أن هذا الدعاء مستحب ليس بواجب، ويستحب تطويله، إلا أن يكون إمامًا، وله أن يدعوَ بما شاء
ــ
من أمر الدنيا والآخرة وخالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة فقالوا إنه لا يدعو إلَّا بما يوجد في القرآن أو ثبت في الحديث لكن ظاهر حديث الباب يرد عليه وعلى ابن سيرين في قوله لا يدعو فيها إلّا بأمر الآخرة ولا شك أن الدعاء بالمحرمة مطلقا لا يجوز اهـ. قال في الحرز قال الشافعي يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا قال ابن عمر إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حصاري وملح داري وقال الحنفية يدعو بما شابه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة ثم بسط ذلك بكلام للحنفية حاصله بطلان الصلاة بنحو اللهم أعطني شعيرًا أو ملحًا لأنه من جنس كلام الناس وهو مبطل وأشارر في شرح عدة الحصين إلى تقوية ما نحاه الشافعي بنقلة الدعاء بأمر الدنيا وبغير المأثور عن جمع كثير ثم قال وإذا انضاف قول هؤلاء
إلى قول ابن عمر جرى مجرى الإجماع إذ لا مخالف لهم وروي عن ابن شبرمة إنه قال يجوز الدعاء في المكتوبة بأمر الآخرة لا بأمر الدنيا فقال له ابن عون أليس في القرآن اسألوا الله من فضله فسكت اهـ، ومذهب المالكية جواز الدعاء بأمر الدنيا والآخرة. قوله، : (اعلْم أَن هذَا الدعاء مستحب) قال في العباب فيكره تركه قال شارحه كما اقتضاه النص قال السبكي كأنه يريد ترك الأولى ويؤيد الكراهة أن لنا خلافًا شهيرًا في وجوب بعض الأدعية الآتية وقد صرحوا بأن الخلاف في الوجوب يقوم مقام النهي فيقتضي الكراهة. قوله: (ويستحب تطويله) في القواعد لابن عبد السلام واستحب الشافعي أن يكون دعاء التشهد دون قدر التشهد اهـ، والمراد بالتشهد هو والصلاة على النبي ﷺ بعده وعبارة المنهاج ويسن ألا يزيد يعني الإمام في الدعاء على قدر التشهد والصلاة على النبي ﷺ أي أقلها وقال الأذرعي بل المراد ما يأتي به منهما وبحث ابن الرفعة أن المراد أكملهما قال في شرح العباب الحاصل أن المنقول الأقل وإن كان لما بحثه الأذرعي وجه وهو أوجه من بحث ابن الرفعة وقضية كلام المنهاج أنه لا يسن عدم المساواة اهـ، وفي الروضة وغيرها الأفضل أن ينقص عن ذلك لأنه تابع لهما فإن ساواهما كره قال في شرح العباب وهو الأوجه إذ هو منصوص في الأم والمختصر والمأموم تابع لإمامه، والمنفرد قضية كلام الشيخين
стр. 762
من أمور الآخرة والدنيا، وله أن يدعوَ بالدعوات المأثورة، وله أن يدعوَ بدعوات يخترعها، والمأثورة أفضل. ثم المأثورة منها ما ورد في هذا الموطن، ومنها ما ورد في غيره، وأفضلها هنا ما ورد هنا.
وثبت في هذا الموضع أدعية كثيرة، منها ما رويناه في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
أنه كالإمام لكن أطال المتأخرون في أن المذهب أنه يطيل ما شاء ما لم يخف وقوعه في سهو ومثله إمام من مر وظاهر أن الخلاف فيمن لم يسن له انتظار نحو داخل. قوله: (منْ أُمورِ الدُّنيَا والآخرَةِ) أي والأخرى أولى لأن ذلك هو المقصود الأعظم ومحل جواز الدنيوي فيها أن أبيح خارجها وإلا أبطلها كما اعتمده المصنف وغيره. قوله: (والمأْثُوَرُ أْفضلُ) أي الدعاء بالمأثور بالمثلثة أي المنقول عن النبي ﷺ أفضل من غيره وظاهر كلام المصنف وغيره حصول أصل السنة بالدنيوي المباح لكن نقل الأذرعي عن الماوردي وغيره أنه مباح ويجري ذلك في سائر أذكار الصلاة وميل الجويني إلى بطلان الصلاة بنحو اللهم ارزقني جارية صفتها كذا أي بيضاء هيفاء إلى آخر الأوصاف المستحسنة خلاف الصواب كما في المجموع للأحاديث السابقة وبه يرد اعتماد الأذرعي لكلام الجويني وقوله لا أحسب أحدًا يسارع فيه. قوله: (منهَا مَا روَينَاهُ في صحيحي البخارِي ومسلم الخ) في السلاح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال رواه الجماعة إلَّا البخاري وفي رواية أخرى لمسلم إذا فرغ أحدكم من التشهد
الأخير فليستعذ بالله من أربع وساق الحديث كما ساقه المصنف اهـ، وصريحه أنه بهذا اللفظ عند مسلم فقط وقد اقتصر على عزوه إلى مسلم فقط في المشكاة وفي الحصين على عزوه إليه وإلى أصحاب السنن الأربعة وابن حبان والله أعلم وقال الحافظ وقع في بعض نسخ الأذكار روينا في صحيحي البخاري ومسلم وفي بعضها في الصحيحين وفي بعضها في صحيح مسلم والسبب في ذلك أن اللفظ الذي ذكره لمسلم وحده كاللفظ الثاني
стр. 763
"إذا فَرَغَ أحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّد الأخير فَلْيَتَعَوَّذْ باللهِ مِنْ أرْبعٍ: مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ،
ــ
أما البخاري فأخرج أصل الحديث ليس فيه التقييد بالتشهد ولا صيغة الأمر فحيث جمع بينهما أراد أصل الحديث وحيث أفرد أراد اللفظ المخصوص، وقد ذكره في شرح المهذب فقال رواه البخاري ومسلم واللفظ له اهـ. قال الحافظ ولفظ البخاري ذكره في كتاب الجنائز من حديث أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك الخ فذكر الحديث اهـ. قوله: (إِذا فَرَغَ أَحدُكْم منَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ) خرج به التشهد الأول فلا يسن فيه دعاء بل ولا صلاة على الآل كما مر لبنائه على التخفيف بخلاف الأخير فإنه يسن في جميع ما ورد هنا وفي غيره اتباعًا له ﷺ . قوله: (فليتعوذ) قال بعض رواة هذا الحديث بوجوب هذا الدعاء لما ورد في حديثه بلفظ قل أو فليقل والأصل في الأمر الوجوب وكان أمر ولده أن يعيد ما صلاه بغير هذا التعوذ والمختار عند العلماء الاستحباب والأمر مصروف إليه قال المصنف في شرح مسلم وظاهر كلام طاوس حمل الأمر به على الوجوب فأوجب إعادة الصلاة لفواته وجمهور العلماء على أنه مستحب ليس بواجب ولعل طاوسًا أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدعاء عنده لا أنه يعتقد وجوبه اهـ. وقال القلقشندي أوجبه ابن حزم الظاهري لظاهر الأمر ونقل عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة الصلاة لما ترك هذا الدعاء وحملوه على أنه أراد بذلك خشية أن يعتاد ترك السنن لا أنها فسدت بترك الواجب اهـ. قوله: (عذَاب جهنَّمَ) قدم لأنه الغاية التي لا أعظم في الهلاك منها وفي التهذيب للمصنف جهنم اسم لنار الآخرة نسأل الله الكريم العافية منها ومن كل بلاء قال الإمام أبو الحسن الواحدي قال يونس وأكثر النحويين جهنم اسم للنار التي يعاقب بها في الآخر وهي أعجمية لا تنصرف للتعريف والعجمة قال وقال آخرون جهنم اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها ولم تصرف للتعريف والتأنيث قال قطرب حكي لنا عن رؤبة أنه قال ركية جهنام يريد بعيد القعر هذا ما في سورة البقرة منه، وقال في الأعراف جهنم لا تنصرف للتعريف والتأنيث قال وقال بعض أهل اللغة اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ يقال يهم الوجه أي غليظه فسميت جهنم لغلظ أمرها في العذاب اهـ.
стр. 764
وَمِنْ عذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَمات، ومِنْ شَرِّ المَسْيحِ
ــ
وفي المطلع للبعلي قال الجوهري جهنم لا تنصرف للعلمية والتأنيث وهي من أسماء النار التي يعذب الله بها عباده ويقال هو فارسي معرف وقال ابن الجواليقي وقيل عربي اهـ. قوله: (ومنْ عذَاب القبْرِ) فيه أبلغ رد على المعتزلة في إنكارهم له ومبالغتهم في الحط على أهل السنة في إثباته حتى وَقع لسني أنه صلى على معتزلي فقال اللهم أذقه عذاب القبر فإنه كان لا يؤمن به ويبالغ في نفيه وتخطئة مثبته. قوله: (ومنْ فِتنةِ المحيَا والمماتِ) أي الحياة والموت ويحتمل أنه زمن ذلك لأنه معتل العين من الثلاثي يأتي من المصدر
والزمان والمكان بلفظ واحد والمراد الاستعاذة من جميع فتن الدارين في الحياة من كل ما يضر ببدن أو دين أو دنيا للداعي ولمن له به تعلق مع عدم الصبر وفي الموت قبيله عند الاحتضار من تسويل الشيطان الكفر حينئذٍ بطرائق جاءت في الأخبار ومن شدائد سكراته وأضيفت إلى الممات لقربها منه وبعده من سؤال الملكين مع الخوف والانزعاج وأهوال الكفر وشدائده وقد صح حديث أسماء أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال وحينئذٍ فلا يكون مكررًا مع عذاب القبر لأن عذاب القبر مرتب على فتنة الممات ومتسبب عنها والسبب غير المسبب ولكون عذاب جهنم وعذاب القبر أعظم فتن الممات وفتنة الدجال أعظم من فتن الدنيا خصت بالذكر وعطف على الأولين من عطف العام على الخاص وعكسه في قوله وفتنة المسيح الخ، والعطف بنوعيه المذكورين شائع سائغ سيما أن قارنه محسن كما ذكرناه وحكمة تقديم ذكر عذاب القبر على فتنة الدجال وغيرها أن عذابه أطول زمنًا وأبلغ مكانة وأفظع موقعًا وأخوف هلاكًا لخطره وتأخير فتنة الدجال أنه إنما يقع آخر الزمان قرب قيام الساعة.
فائدة
قال القاضي عياض الفتنة عرفًا اختيار كشف ما يكره يقال فتنت الذهب إذا أدخلته في النار لتخبره وتنظر جودته ويسمى الصائغ الفتان وماضيه فتن وحكي افتن وأنكره الأصمعي وقال الفراء أهل الحجاز يقولون ما أنتم عليه بفاتنين وأهل نجد بمفتنين كذا في غاية الأحكام. قوله: (ومنْ شَرِّ) هذا من عطف خاص كما تقدم يدل على عظيم فتنته وقوة بليته ويمكن أن يكون كناية عن الكفر في الحياة والممات لأنها نتيجة فتنته وقوة بليته ولا شك أنها أعظم الفتن فحقيقة بأن تختم الدعاء به فيحصل حسن الخاتمة بسببه. قوله: (المسِيح) هو بالحاء المهملة المخففة يطلق على عيسى بن مريم
стр. 765
الدَّجَّالِ" رواه مسلم من طرق كثيرة.
وفي رواية منها:
ــ
ﷺ ويطلق على الدجال لكن إذا أريد الدَّجَّال قيد به كما هنا وقال أبو داود المسيح مشددًا الدجال ومخففًا عيسى والأول هو المشهور وقيل بالتشديد والتخفيف واحد يقال لكليهما واختلف في تلقيب الدجال به فقيل لأنه ممسوح العين وأن إحدى عينيه ممسوحة وقيل أن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين ولا حاجب فيه وقيل لأنه ممسوح من كل خير أي مبعود ومطرود وعلى هذه فهو فعيل بمعنى مفعول وقال أبو الهيثم أنه بوزن السكيت وأنه الذي مسح خلقه أي شوه وليس بشيء وقيل هو فعيل بمعنى فاعل لأنه يمسح الأرض أي يقطعها كلها إلّا الحرمين إذا خرج في أيام معدودة وقيل هو بالخاء المعجمة بمعنى ممسوخ العين ونسب قائله إلى التصحيف وقال ابن دحية في مجمع البحرين أنه خطأ وضبطه. بعضهم بفتح الميم وإسكان السين وكسر الياء وقال أبو عبيدة أظنه بالشين المعجمة كما تنطق به اليهود ثم عرب وأما عيسى فقيل لأن الله مسحه أي خلقه مليحًا وقيل لأنه لا يمسح مريضًا إلَّا برأ وقيل لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها بسياحته وقيل لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن وقيل لأن زكريا مسحه وقيل لأن رجله كانت لا أخمص لها وقيل للبسه المسوح جمع أمسح وقيل أنه بالعبرانية ماشيح فعرب بالمسيح وقيل لأن المسيح الصديق. قوله: (الدجالِ) أي المبالغ في الكذب
بادعائه الإحياء والإماتة وغيرهما مما يقطع كل عاقل فضلًا عن مؤمن بكذبه فيه لكن لما سخر له بعض الجوامد عظمت فتنته واشتدت بليته حتى أنذر به كل نبي أمته واستعاذ ﷺ من فتنته حثًّا لنا على الاستعاذة منها فإنه لا يسلم منها إلَّا الفذ النادر أعاذنا الله منها بمنه وكرمه، قال القاضي عياض استعاذته ﷺ من هذه الأمور مع أنه عصم منها إنما هو ليلتزم خوف الله والافتقار إليه والاقتداء به ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقق الإجابة إذ فيه تحصيل الحسنات ورفع الدرجات وليبين لهم صفة الدعاء في الجملة اهـ، وأجاب بعضهم عن استعاذته من فتنة الدجال أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه لا يدركه ويدل له قوله ﷺ أن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه أو أنه أراد به تعليمنا أو أنه تعوذ منه لأمته. قوله: (ورَواهُ مسلِم منْ طرُقٍ كثيرَةٍ. وفي روَايةٍ منها) قال الحافظ
стр. 766
"إذا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أرْبعٍ، يَقُولُ: اللهُم إني أعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَاب القَبْر، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَمَاتِ، وَمِنْ شرِّ فِتْنَةِ المَسِيَح الدَّجَّالِ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللهُم إني أعُوذُ بكَ مِنْ عَذَاب القَبْرِ، وأعُوذُ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيح الدَّجَّالِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ المأثَم والمَغْرَم".
ــ
طرقه عند مسلم سوى ما تقدم ثلاثة ليس فيها شيء بقيد التشهد وليس فيها بلفظ الأمر إلا روايته عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ عوذوا بالله من عذاب القبر عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات عوذوا باللهِ من فتنة المسيح الدجال وأخرجه بهذا اللفظ النسائي اهـ. قوله: (إِذَا تشهَّدَ) أي فرغ من التشهد والمراد الأخير لما في الحديث قبله وبه يندفع قول ابن دقيق العيد أنه عام في التشهد الأول والأخير ومن خصه بالأخير لا بد له من دليل راجح وإن كان نصًّا فلا بد من صحته اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحي البخارِي ومسلم) قال في السلاح ورواه أبو داود والنسائي وقال الحافظ بعد تخريجه وزاد فيه ما سيأتي قريبًا وأخرجه أحمد. قوله: (وأَعوذُ بكَ منْ فتْنةِ المحيَا والمماتِ) هذا تعميم بعد تخصيص على طريق اللف والنشر المشوش لأن عذاب القبر دخل تحت فتنة الممات وفتنة الدجال دخلت تحت فتنة الحياة وقال ابن دقيق العيد فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات والمحن والبليات.
فإن قلت لم تقدم مع ذكر الخاص ما يتعلق بالآخرة وهو عذاب القبر ومع ذكر العام ما يتعلق بالدنيا وهو فتنتها.
قلت لأنه لا يلزم من السلامة من عذاب القبر السلامة من سائر فتن الآخرة ولا يلزم من السلامة من فتنة الدجال السلامة من سائر فتنة الدنيا فكانت فتنتها أهم بالذكر لأنه لم يسبق ما يغني عنها بخلاف فتنة القبر فقد سبق ما يغني عنها كما تقرر فافهمه. قوله: (أَعوذُ بكَ منَ المأْثم والمغرمِ) وتتمته كما قال فقال له قائل وفي رواية عثمان عن عائشة قالت قلت يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ من
المغرم فقال أن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف والمأثم هو الإثم نفسه أو الأمر الذي يأثم به الإنسان من جميع العصيان أو ما فيه الإثم ولا بدع في سؤال
стр. 767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غير النبي السلامة من ذلك لأنه وإن لم يعصم فقد يحفظ والفرق أن العصمة يستحيل معها الإثم بخلاف الحفظ فمن ثم كانت العصمة للأنبياء والحفظ لبعض الأولياء والمغرم أي غرم المال في المعاصي أو الاستدانة لمعصية أو لطاعة مع العجز عن وفائه قيل أما استدانته لحاجته مع القدرة على الوفاء فلا يستعاذ منها اهـ، ولا مانع من الإطلاق فإنه قد يكون كذلك فيموت ولا يوفي عنه ورثته فتصير نفسه محبوسة عن مقامها الكريم لما في الحديث الصحيح نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضي عنه دينه وإن قيل محله في الاستدانة للمعصية أو فيمن لم يخلف تركة أو المراد بالمغرم ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية أو معاملة ونحوه ويدل لكون المراد الدين وأنه على العموم في تتمة الحديث فقال له قائل الخ. كذا قال ابن حجر في شرح المشكاة وخالفه الجمهور في ذلك وفي شرح العمدة لا مخالفة بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن جعفر ﵁ مرفوعًا أن الله مع المدين حتى يقضى دينه لكن ما لم يكن فيما يكره الله لأن حديث النهي فيمن استدان فيما يكره الرب تعالى أو لا يريد المستدين قضاءه والإباحة في الاستدانة فيما يرضي الرب ويريد المستدين قضاءه مع قدرته على ذلك فالله يكون في عونه على قضائه فإن مات قبله يرضى غريمه من كرمه وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن القاسم مولى معاوية أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال من تداين بدين وهو يريد أن يقضيه حريص على أن يؤديه فمات ولم يقض دينه فإن الله تعالى قادر على أن يرضي غريمه بما شاء من عنده ويغفر للمتوفى ومن تداين بدين وهو لا يريد أن يقضيه فمات على ذلك ولم يقض دينه يقال له أظننت أنا لا نوفي فلانًا حقه منك فيؤخذ من حسناته فيجعل زيادة في حسنات رب الدين فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات رب الدين فجعل في سيئات المطلوب اهـ. واستعاذته ﷺ من الدين الذي لا يطيق قضاءه وإلا فقد توفي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي فعلم أن الحالة التي استعاذ منها غير التي رخص فيها وقد استدان عمر وهو خليفة وقال لما طعن انظروا كم عليّ من الدين فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا فأكثر وكان على الزبير دين كثير فما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه من استدانتهم دليل واضح على أن اختلاف الأمر في ذلك كان علامة على اختلاف حال المستدين اهـ، وأجاب ابن حجر عن
стр. 768
وروينا في "صحيح مسلم" عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهُم اغْفِرْ لي ما قدَّمْتُ ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ،
ــ
الاستدلال باستدانته ﷺ بأن محل الحبس لمن مات مدينًا في غير الأنبياء على أن كثيرين قالوا إن شرط حبس النفس فيه ألا يخلف المدين وفاء له وإلا يستدينه لطاعة ويصرفه فيها وإلا فلا حبس وبالجملة فالمأثم إشارة إلى حق الله والمغرم إلى حق العباد. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مُسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم عن علي ﵁ كذا في السلاح قال الحافط وهذا طرف من حديثه الطويل المشتمل على دعاء الافتتاح وغيره قال ووجدت لحديث علي شاهدًا من حديث أبي هريرة لكنه مطلق ولفظه قال كان رسول الله ﷺ يدعو يقول اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت فذكر مثل حديث علي سواء لكن زاد في رواية "إنك" قبل أنت المقدم وقال في رواية حديث وإسرافي بدل وما أسرفت قال
الحافظ حديث حسن أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي قال ووقع بعض هذا الدعاء في حديث ابن عباس الطويل في القول عند صلاة الليل وفي آخره فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا اله إلَّا أنت اهـ. قوله: (اللَّهم أغفر لي الخ) اختلف المحققون في سبب كثرة الاستغفار فقال بعضهم سببه فترات وغفلات عن الذكر الذي كان دأبه فكان يستغفر من تلك الغفلات وقيل كان سبب ما اطلع عليه من أحوال أمته وما يكون منها بعده فكان يستغفر لهم وقيل كان ذلك لما يشغله من النظر في أمور أمته ومصالحهم ومحاربة عدوه عن عظيم مقامه فكان يري ذلك وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال نزولًا عن علو درجته ورفعة مقامه فيستغفر ربه وقيل كان استغفاره وتضرعاته ودعواته وتعويذاته قيامًا بحق الوظيفة العبودية واعترافًا بحق الربوبية لتقتدي به أمته ﷺ فتستجاب دعوتهم وتقبل توبتهم وقيل كان ذلك لمعنى لطيف أشار إليه بعض الفضلاء وهو استدعاء محبة الله قال تعالى أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وهذه الأجوبة جارية في استغفار سائر الأنبياء وتضرعاتهم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين كذا رأيته في منسك لبعض المالكية وهو كلام نفيس. قوله: (وما أخرت) قال في الحرز أي من الأعمال
стр. 769
وَما أسْرَفْتُ، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إلَّا أنْتَ".
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
ــ
السيئة التي تبقى آثارها أو ما أخرت بأن تركت أفعالها من الأعمال الواجبة اهـ. أو ما أخرت أي ما سيقع مني في الزمن المستقبل من المخالفة قال الأسنوي في شرح المنهاج بعد أن نقل عن أبي الوليد النيسابوري أن المراد بالتأخير إنما هو بالنسبة إلى ما وقع لأن الاستغفار قبل الذنب محال ما لفظه ولقائل أن يقول المحال طلب مغفرته قبل وقوعه أما الطلب قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع فلا استحالة فيه اهـ. قال بعضهم وإذا علم أن الله تعالى مالك كل شيء له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى لم يمتنع أن يعطي من شاء ما شاء وأما ما ورد في بعض الأعمال أنها سبب لغفران ما تأخر من الذنب كقيام ليلة القدر وصيام يوم عرفة ففي المجموع نقلًا عن الحاوي ما معناه إما غفران ما يقع فيه وإما العصمة عن وقوع ذنب فيه وعن السرخسي أن هذين قولان للعلماء وقال الحافظ ابن حجر في رسالة الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة أن الأئمة تكلموا على قوله ﷺ في أهل بدران الله اطلع عليهم فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أن المراد أن كل عمل يعمله البدري لا يؤاخذ به لهذا الوعد الصادق وقيل المعنى أن أعمالهم السيئة تقع مغفورة لهم فكأنها لم تقع وقيل أن ذلك على أنهم حفظوا فلا يقع من أحدهم سيئة اهـ. وفي فتح الباري المراد غفران ذنوبهم في الآخرة وإلَّا فلو وجب على أحدهم حد مثلًا لم يسقط في الدنيا وقال في الرسالة السابقة وحديث صوم يوم عرفة وإن كان مقيدًا بسنة واحدة لكنه دال على جواز التكفير قبل الذنب فهو من شواهد صحة ذلك ثم ذكر أدلة أخرى تشهد بذلك والله أعلم. قوله: (ومَا أَسْرَفْت) أي على نفسي بارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية وهو تعميم بعد تخصيص. قوله: (أَنْتَ المقَدِّمُ) أي لمن تشاء بالتوفيق والمعونة.
قوله: (وأَنتَ المُؤخِّرُ) أي لمن تشاء بالخذلان وترك النصرة وسبق بسط ما يتعلق بهاتين الجملتين فيما يقول إذا قام للتهجد. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحي البخَاريِّ ومسلِم الخ) وكذا رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي بكر الصديق ﵁ ولفظهم واحد قال الحافظ وفي سنده لطيفة تابعيان في نسق أي هما يزيد بن أبي حبيب وشيخه
стр. 770
عن أبي بكر الصديق ﵃: أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء
ــ
في الحديث أبو الخير الراوي عن عبد الله بن عمرو قال وصحابيان في نسق أي عبد الله بن عمرو وأبو بكر عبد الله الصديق ففيه رواية الإقران في موضعين هكذا رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير الخ. وخالفه عمرو بن الحارث وابن لهيعة فجعلاه من مسند عبد الله بن عمرو ولفظهما عن يزيد عن أبي الخيرانة سمع عبد الله بن عمرو يقول إن أبا بكر الصديق قال يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي زاد يونس بن عبد الأعلى وفي بيتي قال فذكر بقية الحديث مثله سواء أخرجه البخاري ومسلم والنسائي لم يذكر البخاري ابن لهيعة ومسلم والنسائي كنيا عنه ولفظ مسلم أخبرني رجل سماه وعمرو بن الحارث ولفظ النسائي أخبرني عمرو بن الحارث وذكر آخر قبله وأخرجه أبو عوانة في صحيحه اهـ. قوله: (عَنْ أَبِي بكْرِ الصدِّيقِ) هو أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي الصديق الأكبر خليفة رسول الله ﷺ وصهره ورفيقه في الغار وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو أول من أسلم من الرجال وأول أمير أرسل على الحج وأول من جمع القرآن بين اللوحين وأول خليفة عهد بالخلافة أسلم على يده خمسة من العشرة المبشرة بالجنة هم عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وأمه أم الخير سلمى بنت صخر وأسلم أبواه وتأخر وفاة أبيه بعده ومات في خلافة عمر في المحرم سنة أربع عشرة وشهد أبو بكر المشاهد كلها وهاجر وترك ماله وأولاده وعياله ولد بعد الفيل بثلاث سنين تقريبًا وقيل بسنتين وثلاثة أشهر وروي له عن النبي ﷺ فيما قيل مائة واثنان وأربعون حديثًا اتفقا منها على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث واحد واستخلف بعد وفاة النبي ﷺ يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهو أفضل الصحابة مطلقًا وعتيق الله من النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي من حديث عائشة وفي الصحيحين سئل ﷺ أي الناس أحب إليك قال عائشة فقيل من الرجال قال أبوها وفيهما أيضًا قصة الغار فيها يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وفيهما أيضًا لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي وفي البخاري
стр. 771
أدعو به في صلاتي، قال: "قُلْ: اللهُم إني
ــ
القصة التي فيها أنه كان بينه وبين عمر شيء وأنه أتى إلى عمر وسأله أن يغفر له فأبى عليه فأقبل إلى النبي ﷺ فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا وأخرج أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي وأمره النبي ﷺ حين مرض أن يصلي بالناس وفي الغيلانيات من طريق مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن علي خيرنا بعد نبينا أبو بكر ثم عمر وأخرج الترمذي والطبراني عن ابن عمر مرفوعًا أنا أول من تنشق الأرض عنه ثم أبو بكر ثم عمر وفي الحلية لأبي نعيم عن أنس مرفوعًا اللهم
اجعل أبا بكر يوم القيامة معي في درجتي الحديث في قصة الغار وفضائله كثيرة جدًّا ويكفيه من الفضائل أن عمر حسنة من حسناته كما أخرجه يعلى عن عمار بن ياسر مرفوعًا وأفردت ترجمته في مجلدة ومات ﵁ شهيدًا من سم أكله أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عن عقيل بن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله أن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد قال فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة اهـ. وقيل مات كمدًا على فراقه ﷺ يوم الاثنين وقيل يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة على الصحيح وصلى عليه عمر ودفن في الحجرة الشريفة ﵁. قوله: (أَدْعُو بِهِ في صلاتي) أي في الموضع اللائق بالدعاء شرعًا وهو السجود لقوله ﷺ وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء وبعد التشهد لقوله ﷺ ثم ليتخير من المسألة ما شاء قال ابن دقيق العيد لم يبين في الحديث محل الدعاء ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين إما في السجود وإما بعد التشهد ولعله يترجح الثاني بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل وقال الفاكهاني في هذا الترجيح نظر والأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين قال ابن الملقن ويؤيد ما قاله ابن دقيق العيد احتجاج البخاري والنسائي والبيهقي وغيرهم بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة كما قال المصنف كما سيأتي وهو استدلال
стр. 772
ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
ــ
صحيح فإن قوله في صلاتي يعم جميعها ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن اهـ. ووجه الكرماني أيضًا بأن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة وتعقبه في فتح الباهري بأن البخاري بوب عليه بأن الدعاء قبل السلام وهو يصدق على جميع أركان الصلاة كما جزم به ابن المنير فيطالب بدليل اختصاص الدعاء بهذا المحل وقال ابن الجوزي في كشف المشكل أولى المواضع به بعد التشهد ورجح بعضهم السجود عليه لشرفه وللإجماع على ركنيته وفي هذا اللفظ إشعار بأن أمور الصلاة توقيفية فيترجح به مقالة الحنفية من أنه لا يدعى في الصلاة بغير الوارد وما أشبهه وأجيب بأنه على سبيل الأولوية إلّا الوجوب لحديث ابن مسعود ثم ليتخير من المسألة ما شاء. قوله: (ظَلمْتُ نَفْسي) أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حظها وأصل الظلم وضع الشيء في غير محله وهو على مراتب أعلاها الشرك والنفس يذكر ويؤنث واختلف هل النفس هي الروح أم لا قال ابن الملقن الظاهر أن المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح أي ظلمتها بوضع المعاصي موضع الطاعات وجزم به البرماوي. قوله: (ظلمًا كَثِيرًا) أكد بالمصدر ووصفه تحقيقًا لدفع المجاز وفي شرح العمدة لابن جمعان في الحديث دليل على تكذيب مقالة من زعم أنه لا يستحق اسم الإيمان إلَّا من كان لا خطيئة له ولا جرم وزعموا أن أهل الإجرام غير مؤمنين وإن سائر الذنوب كبائر وذلك أن الصديق أفضل الصديقين من أهل الإيمان وقد أمره الشارع أن يقول ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا الخ. وفيه دليل على أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربه في كل أحواله وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية إذ كان الصديق مع موضعه في الدين لم يسلم مما يحتاج إلى
استغفار ربه تعالى منه اهـ. قوله: (ولا يَغفِرُ) من الغفر وهو الستر والمعنى أنه سأل أن يجعل ساتر بينه وبين الذنب أن لم يوجد وبينه وبين ما يترتب عليه من العقاب واللوم أن وجد قال القلقشندي وبهذا التقرير يندفع الإشكال في دعاء النبي ﷺ بالمغفرة مع عصمته وفيه نظر بالنسبة للشق الأخير لأن فيه إثبات الذنب وطلب الستر في العقاب المرتب عليه والأحسن ما تقدم قريبًا من الأجوبة عن ذلك. قوله: (الذُّنُوبَ) هو جمع ذنب وهو الجرم مثل فلس
стр. 773
إلّا أنْتَ، فاغفِرْ لي مَغْفِرةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحِيمُ"
ــ
وفلوس يقال أذنب يذنب والذنب اسم مصدر والأذناب مصدر لكنه لا يستعمل. قوله: (إلا أَنْتَ) فيه إقرار بالوحدانية له تعالى واستجلاب المغفرة وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وفي الآية الحث على الاستغفار قيل كل شيء أثنى الله على فاعله فهو أمر به وكل شيء ذم فاعله فهو نهي عنه.
قوله: (فاغْفرْ لي) قال القلقشندي قال بعضهم هو أرجح في الاستغفار من قوله استغفرك لأنه إذا قال ذلك ولم يكن متصفًا به كان كاذبًا وضعف بأن السين فيه للطلب فكأنه قال اطلب مغفرتك وليس المراد الإخبار بل الإنشاء للطلب فكأنه قال اغفر لي سيما وقد ورد في الشرع صيغة استغفر أمرًا وفعلًا فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول اهـ. وسيأتي لهذا المقام مزيد في كتاب الاستغفار آخر الكتاب. قوله: (مغْفرَةً منْ عنْدِكَ) قال ابن الجوزي معناه هب لي المغفرة تفضلًا وإن لم أكن أهلًا لها بعملي وذكره ابن دقيق العيد وقال أنه أحسن مما بعده أعني كونه إشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال لا يفعل هذا إلّا أنت فافعله لي أنت اهـ. قيل وظهر من هذا أن تقييد المغفرة بكونها من عنده تعالى وهي لا تكون إلا كذلك للتأكيد وقال الطيبي دل التنكير في قوله مغفرة على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرى كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه لأنه الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف وتبعه الكرماني وحاصله أنه طلب مغفرة خاصة في غاية الجلالة والعظمة ترفعه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب من حضرة الحق ولذا عقبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس واتبعه بقوله وارحمني الخ. قوله: (إِنكَ أَنْتَ الغَفورُ الرحِيمُ) بكسر همز إن على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله ويجوز الفتح وسبق بيان وجهيهما في بيان ما يقول إذا استيقظ في الليل وأنت لتأكيد الكاف ويجوز أن يكون للفصل والاسمان وصفان للمبالغة ذكرًا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم فالغفور لقوله اغفر لي والرحيم لقوله ارحمني قال ابن حجر في شرح المشكاة يؤخذ منه أن من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب والتوسل بما يوجب تعجيل إجابته وحصول طلبته اهـ، وفي الحرز هذا الدعاء من الجوامع لأنه في الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية
стр. 774
هكذا ضبطناه: "ظُلْمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كَبِيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: "ظُلْمًا كَثيرًا كَبِيرًا".
وقد احتج البخاري في "صحيحه"، والبيهقي، وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث على الدعاء في آخر الصلاة، وهو استدلال صحيح، فإن قوله: في صلاتي، يعم جميعها، ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن.
ــ
الإنعام فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها والرحمة إيصال الخيرات ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم اهـ. قوله: (هكذَا ضبطنَاهُ الخ) قال الحافظ بين مسلم أن رواية كبيرًا بالموحدة عنده من رواية محمد بن رمح عن الليث قال الحافظ ولم يقع عنده ولا عند غيره ممن ذكرنا إلَّا بالمثلثة نعم أخرجه أحمد من وجه عن ابن لهيعة
وصرح أنه عنده بالموحدة اهـ. قوله: (فينبغِي أَن يْجمَعَ بَينَهمَا الخ) اعترضه العز بن جماعة وتبعه الزركشي وغيره بأنه ﷺ لم ينطق بهما كذلك وإنما يجمع بين الروايتين بأن يقال هذا مرة وهذا أخرى والاتباع إنما يحصل بذلك لا بالجمع اهـ. ويرد بأن أحدهما نطق به ﷺ يقينًا أو ظنًّا والآخر يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى وإن فرض أنه بعيد فلرعاية هذا الاحتمال ندب الجمع بينهما في كل مرة ليتحقق النطق بما نطق به ﷺ وإنما ذكر هذا مرة وهذا مرة فيلزم عليه أنه في إحدى المرتين نطق بغير ما نطق به ﷺ فظهر أن الجمع في كل مرة أولى لسلامته من ذلك الاحتمال.
فإن قلت لا يحتاج إلى ذلك ويحمل اختلاف الروايتين على أنه ﷺ نطق بكل منهما فالنطق بكل منهما سنة وإن لم ينطق بالأخرى فلا يحتاج للجمع ولا أن يقول هذا مرة وهذا مرة. قلت هو محتمل لكن ما ذكره أحوط فقط لاحتمال أن إحدى الروايتين بالمعنى وإن كان بعيدًا كيف وقد قال المصنف في شرح مسلم في قول ابن الصلاح في رواية تقديم الحج على الصوم في خبر بني الإسلام على خمس يحتمل أنها رواية بالمعنى وهذا ضعيف إذ لو فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات فإنه لو فتح ذلك لم يبق لنا وثوق بشيء من الروايات إلَّا القليل ولا يخفى بطلان هذا
стр. 775
وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل: "كيْفَ تَقُول في الصَّلاةِ؟ " قال: أتشهَّد وأقول: اللهُم إني أسألكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أما إني لا أحسن دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ معاذ، فقال النبي ﷺ :
ــ
وما يترتب عليه من المفاسد وتعلق من يتعلق به ممن في قلبه مرض ولأن الروايتين قد ثبتتا في الصحيحين وهما صحيحتا المعنى لا تنافي بينهما اهـ. ملخصًا وبتأمله يعلم قوة ما ذكر من أن النطق بكل منهما سنة وأنه لا يحتاج إلى الجمع المذكور لا لمجرد الاحتياط قاله بعض المحققين وهو مؤيد لابن مالك فيما سبق من إثبات القواعد النحوية بالأحاديث النبوية والله أعلم. قوله: (وَرَوَينَا بإسنَادٍ صحيحٍ في سُننِ أَبي دَاوُدَ) وفي السلاح رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وأبو صالح اسمه ذكوان وقال الحافظ هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره قال الحافظ وقد رواه جرير عن الأعمش فعين الصحابي ثم أخرج الحافظ من طريقه فقال بسنده إلى جابر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكر مثل الرواية المذكورة سواء إلّا أنه قال أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار قال الحافظ وهكذا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وابن ماجة وعجبت للشيخ كيف أغفل التنبيه على ذلك مع كثرة نقله عن ابن ماجة وحرصه على تبيين المبهم وقد ذكر الدارقطني في العلل الاختلاف فيه على الأعمش ورجح رواية
زائدة أي التي فيها إبهام الصحابي قال الحافظ والعلم عند الله اهـ. قوله: (أَصْحابِ النبِي ﷺ ) هو أبو هريرة كما رواه عنه ابن ماجة وخرجه الحافظ. قوله، : (قَال لرَجلٍ) قال في السلاح قال الخطيب هو سليم الأنصاري السلمي اهـ. قال في أسد الغابة سليم الأنصاري السلمي من بني سلمة شهد بدرًا وقتل يوم أحد قاله ابن منده وأبو نعيم ونسباه فقالا سليم بن الحارث بن ثعلبة السلمي ثم أسند إلى معاذ أن رجلًا من بني رفاعة بن سلمة يقال له سليم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن معاذًا يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار
следующие страницы →