Полный текст (2 732 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أدعو به في صلاتي، قال: "قُلْ: اللهُم إني
ــ
القصة التي فيها أنه كان بينه وبين عمر شيء وأنه أتى إلى عمر وسأله أن يغفر له فأبى عليه فأقبل إلى النبي ﷺ فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا وأخرج أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي وأمره النبي ﷺ حين مرض أن يصلي بالناس وفي الغيلانيات من طريق مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن علي خيرنا بعد نبينا أبو بكر ثم عمر وأخرج الترمذي والطبراني عن ابن عمر مرفوعًا أنا أول من تنشق الأرض عنه ثم أبو بكر ثم عمر وفي الحلية لأبي نعيم عن أنس مرفوعًا اللهم
اجعل أبا بكر يوم القيامة معي في درجتي الحديث في قصة الغار وفضائله كثيرة جدًّا ويكفيه من الفضائل أن عمر حسنة من حسناته كما أخرجه يعلى عن عمار بن ياسر مرفوعًا وأفردت ترجمته في مجلدة ومات ﵁ شهيدًا من سم أكله أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عن عقيل بن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله أن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد قال فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة اهـ. وقيل مات كمدًا على فراقه ﷺ يوم الاثنين وقيل يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة على الصحيح وصلى عليه عمر ودفن في الحجرة الشريفة ﵁. قوله: (أَدْعُو بِهِ في صلاتي) أي في الموضع اللائق بالدعاء شرعًا وهو السجود لقوله ﷺ وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء وبعد التشهد لقوله ﷺ ثم ليتخير من المسألة ما شاء قال ابن دقيق العيد لم يبين في الحديث محل الدعاء ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين إما في السجود وإما بعد التشهد ولعله يترجح الثاني بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل وقال الفاكهاني في هذا الترجيح نظر والأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين قال ابن الملقن ويؤيد ما قاله ابن دقيق العيد احتجاج البخاري والنسائي والبيهقي وغيرهم بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة كما قال المصنف كما سيأتي وهو استدلال
стр. 772
ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
ــ
صحيح فإن قوله في صلاتي يعم جميعها ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن اهـ. ووجه الكرماني أيضًا بأن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة وتعقبه في فتح الباهري بأن البخاري بوب عليه بأن الدعاء قبل السلام وهو يصدق على جميع أركان الصلاة كما جزم به ابن المنير فيطالب بدليل اختصاص الدعاء بهذا المحل وقال ابن الجوزي في كشف المشكل أولى المواضع به بعد التشهد ورجح بعضهم السجود عليه لشرفه وللإجماع على ركنيته وفي هذا اللفظ إشعار بأن أمور الصلاة توقيفية فيترجح به مقالة الحنفية من أنه لا يدعى في الصلاة بغير الوارد وما أشبهه وأجيب بأنه على سبيل الأولوية إلّا الوجوب لحديث ابن مسعود ثم ليتخير من المسألة ما شاء. قوله: (ظَلمْتُ نَفْسي) أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حظها وأصل الظلم وضع الشيء في غير محله وهو على مراتب أعلاها الشرك والنفس يذكر ويؤنث واختلف هل النفس هي الروح أم لا قال ابن الملقن الظاهر أن المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح أي ظلمتها بوضع المعاصي موضع الطاعات وجزم به البرماوي. قوله: (ظلمًا كَثِيرًا) أكد بالمصدر ووصفه تحقيقًا لدفع المجاز وفي شرح العمدة لابن جمعان في الحديث دليل على تكذيب مقالة من زعم أنه لا يستحق اسم الإيمان إلَّا من كان لا خطيئة له ولا جرم وزعموا أن أهل الإجرام غير مؤمنين وإن سائر الذنوب كبائر وذلك أن الصديق أفضل الصديقين من أهل الإيمان وقد أمره الشارع أن يقول ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا الخ. وفيه دليل على أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربه في كل أحواله وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية إذ كان الصديق مع موضعه في الدين لم يسلم مما يحتاج إلى
استغفار ربه تعالى منه اهـ. قوله: (ولا يَغفِرُ) من الغفر وهو الستر والمعنى أنه سأل أن يجعل ساتر بينه وبين الذنب أن لم يوجد وبينه وبين ما يترتب عليه من العقاب واللوم أن وجد قال القلقشندي وبهذا التقرير يندفع الإشكال في دعاء النبي ﷺ بالمغفرة مع عصمته وفيه نظر بالنسبة للشق الأخير لأن فيه إثبات الذنب وطلب الستر في العقاب المرتب عليه والأحسن ما تقدم قريبًا من الأجوبة عن ذلك. قوله: (الذُّنُوبَ) هو جمع ذنب وهو الجرم مثل فلس
стр. 773
إلّا أنْتَ، فاغفِرْ لي مَغْفِرةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحِيمُ"
ــ
وفلوس يقال أذنب يذنب والذنب اسم مصدر والأذناب مصدر لكنه لا يستعمل. قوله: (إلا أَنْتَ) فيه إقرار بالوحدانية له تعالى واستجلاب المغفرة وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وفي الآية الحث على الاستغفار قيل كل شيء أثنى الله على فاعله فهو أمر به وكل شيء ذم فاعله فهو نهي عنه.
قوله: (فاغْفرْ لي) قال القلقشندي قال بعضهم هو أرجح في الاستغفار من قوله استغفرك لأنه إذا قال ذلك ولم يكن متصفًا به كان كاذبًا وضعف بأن السين فيه للطلب فكأنه قال اطلب مغفرتك وليس المراد الإخبار بل الإنشاء للطلب فكأنه قال اغفر لي سيما وقد ورد في الشرع صيغة استغفر أمرًا وفعلًا فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول اهـ. وسيأتي لهذا المقام مزيد في كتاب الاستغفار آخر الكتاب. قوله: (مغْفرَةً منْ عنْدِكَ) قال ابن الجوزي معناه هب لي المغفرة تفضلًا وإن لم أكن أهلًا لها بعملي وذكره ابن دقيق العيد وقال أنه أحسن مما بعده أعني كونه إشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال لا يفعل هذا إلّا أنت فافعله لي أنت اهـ. قيل وظهر من هذا أن تقييد المغفرة بكونها من عنده تعالى وهي لا تكون إلا كذلك للتأكيد وقال الطيبي دل التنكير في قوله مغفرة على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرى كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه لأنه الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف وتبعه الكرماني وحاصله أنه طلب مغفرة خاصة في غاية الجلالة والعظمة ترفعه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب من حضرة الحق ولذا عقبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس واتبعه بقوله وارحمني الخ. قوله: (إِنكَ أَنْتَ الغَفورُ الرحِيمُ) بكسر همز إن على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله ويجوز الفتح وسبق بيان وجهيهما في بيان ما يقول إذا استيقظ في الليل وأنت لتأكيد الكاف ويجوز أن يكون للفصل والاسمان وصفان للمبالغة ذكرًا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم فالغفور لقوله اغفر لي والرحيم لقوله ارحمني قال ابن حجر في شرح المشكاة يؤخذ منه أن من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب والتوسل بما يوجب تعجيل إجابته وحصول طلبته اهـ، وفي الحرز هذا الدعاء من الجوامع لأنه في الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية
стр. 774
هكذا ضبطناه: "ظُلْمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كَبِيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: "ظُلْمًا كَثيرًا كَبِيرًا".
وقد احتج البخاري في "صحيحه"، والبيهقي، وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث على الدعاء في آخر الصلاة، وهو استدلال صحيح، فإن قوله: في صلاتي، يعم جميعها، ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن.
ــ
الإنعام فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها والرحمة إيصال الخيرات ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم اهـ. قوله: (هكذَا ضبطنَاهُ الخ) قال الحافظ بين مسلم أن رواية كبيرًا بالموحدة عنده من رواية محمد بن رمح عن الليث قال الحافظ ولم يقع عنده ولا عند غيره ممن ذكرنا إلَّا بالمثلثة نعم أخرجه أحمد من وجه عن ابن لهيعة
وصرح أنه عنده بالموحدة اهـ. قوله: (فينبغِي أَن يْجمَعَ بَينَهمَا الخ) اعترضه العز بن جماعة وتبعه الزركشي وغيره بأنه ﷺ لم ينطق بهما كذلك وإنما يجمع بين الروايتين بأن يقال هذا مرة وهذا أخرى والاتباع إنما يحصل بذلك لا بالجمع اهـ. ويرد بأن أحدهما نطق به ﷺ يقينًا أو ظنًّا والآخر يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى وإن فرض أنه بعيد فلرعاية هذا الاحتمال ندب الجمع بينهما في كل مرة ليتحقق النطق بما نطق به ﷺ وإنما ذكر هذا مرة وهذا مرة فيلزم عليه أنه في إحدى المرتين نطق بغير ما نطق به ﷺ فظهر أن الجمع في كل مرة أولى لسلامته من ذلك الاحتمال.
فإن قلت لا يحتاج إلى ذلك ويحمل اختلاف الروايتين على أنه ﷺ نطق بكل منهما فالنطق بكل منهما سنة وإن لم ينطق بالأخرى فلا يحتاج للجمع ولا أن يقول هذا مرة وهذا مرة. قلت هو محتمل لكن ما ذكره أحوط فقط لاحتمال أن إحدى الروايتين بالمعنى وإن كان بعيدًا كيف وقد قال المصنف في شرح مسلم في قول ابن الصلاح في رواية تقديم الحج على الصوم في خبر بني الإسلام على خمس يحتمل أنها رواية بالمعنى وهذا ضعيف إذ لو فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات فإنه لو فتح ذلك لم يبق لنا وثوق بشيء من الروايات إلَّا القليل ولا يخفى بطلان هذا
стр. 775
وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل: "كيْفَ تَقُول في الصَّلاةِ؟ " قال: أتشهَّد وأقول: اللهُم إني أسألكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أما إني لا أحسن دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ معاذ، فقال النبي ﷺ :
ــ
وما يترتب عليه من المفاسد وتعلق من يتعلق به ممن في قلبه مرض ولأن الروايتين قد ثبتتا في الصحيحين وهما صحيحتا المعنى لا تنافي بينهما اهـ. ملخصًا وبتأمله يعلم قوة ما ذكر من أن النطق بكل منهما سنة وأنه لا يحتاج إلى الجمع المذكور لا لمجرد الاحتياط قاله بعض المحققين وهو مؤيد لابن مالك فيما سبق من إثبات القواعد النحوية بالأحاديث النبوية والله أعلم. قوله: (وَرَوَينَا بإسنَادٍ صحيحٍ في سُننِ أَبي دَاوُدَ) وفي السلاح رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وأبو صالح اسمه ذكوان وقال الحافظ هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره قال الحافظ وقد رواه جرير عن الأعمش فعين الصحابي ثم أخرج الحافظ من طريقه فقال بسنده إلى جابر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكر مثل الرواية المذكورة سواء إلّا أنه قال أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار قال الحافظ وهكذا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وابن ماجة وعجبت للشيخ كيف أغفل التنبيه على ذلك مع كثرة نقله عن ابن ماجة وحرصه على تبيين المبهم وقد ذكر الدارقطني في العلل الاختلاف فيه على الأعمش ورجح رواية
زائدة أي التي فيها إبهام الصحابي قال الحافظ والعلم عند الله اهـ. قوله: (أَصْحابِ النبِي ﷺ ) هو أبو هريرة كما رواه عنه ابن ماجة وخرجه الحافظ. قوله، : (قَال لرَجلٍ) قال في السلاح قال الخطيب هو سليم الأنصاري السلمي اهـ. قال في أسد الغابة سليم الأنصاري السلمي من بني سلمة شهد بدرًا وقتل يوم أحد قاله ابن منده وأبو نعيم ونسباه فقالا سليم بن الحارث بن ثعلبة السلمي ثم أسند إلى معاذ أن رجلًا من بني رفاعة بن سلمة يقال له سليم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن معاذًا يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار
стр. 776
"حَوْلَها نُدندن".
الدندنة: كلام لا يفهم معناه، ومعنى: "حولها ندندن" أي: حول الجنة
ــ
لينادي بالصلاة فنخرج إليه فيطول علينا في الصلاة فقال ﷺ يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي واما أن تخفف على قومك ثم قال يا سليم ماذا معك من القرآن قال معي أني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال رسول الله ﷺ وهل دندنتي ودندنة معاذ إلَّا أنا نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار قال سليم سترون غدًا إذا لقينا القوم إن شاء الله تعالى والناس يتجهزون إلى أحد فخرج فكان في الشهداء ذكر هذا الثلاثة يعني ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر وزاد ابن منده عليهما أنه روي عن ابن إسحاق في هذه الترجمة فيمن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ من بني دينار بن النجار ثم من بني مسعود بن عبد الأشهل سليم بن الحارث بن ثعلبة وروي أيضًا فيها عن ابن إسحاق فيمن قتل يوم أحد من بني النجار سليم بن الحارث وأفاد أن الذي قال للنبي ﷺ عن صلاة معاذ هو الذي ذكر عن ابن أبي إسحاق أنه شهد بدرًا وقتل يوم أحد وظنهما ابن عبد البر اثنين فجعلهما ترجمتين هذه إحداهما والثانية قال فيها سليم الأنصاري ونسب الثاني إلى دينار بن النجار وذكر في هذه الترجمة حديث معاذ وفي الثانية أنه قتل يوم أحد وأظن أن الحق معه فإن ابن منده قضى على نفسه بالغلط فإنه قال في صلاته مع معاذ إن رجلًا من بني سلمة يقال له سليم وذكر عن المقتول بأحد والذي شهد بدرًا أنه من بني دينار بن النجار فليس الشامي للعراقي برفيق فإن بني سلمة لا يجتمعون مع بني دينار بن النجار إلّا في الخزرج الأكبر فإن بني سلمة من ولد جشم بن الخزرج والنجار هو ثعلبة بن مالك بن الخزرج ومما يقوي أن المصلي من بني سلمة أن رسول الله ﷺ كان يجعل في كل قبيلة رجلًا منهم يصلي بهم ومعاذ بن جبل ينسب في بني سلمة وكان يصلي بهم وهذا سليم أحدهم اهـ. قوله: (حَوْلها) الضمير فيه ضمير الواحدة الغائبة وهو ما في السنن عائد للجنة أي في طلبها ندندن ومنه دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد مجيئًا وذهابًا وظاهر قول المصنف في بعض النسخ حولهما ندندن أي حول الجنة والنار الخ، أن الضمير فيه ضمير الاثنين. قوله: (الدَّندَنةُ الخ) قال في النهاية الدندنة أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم وهو أرفع من الهينمة قليلًا وفي السلاح نقلًا عن الهروي عن أبي عبيد
стр. 777
والنار، أو حول مسألتهما، إحداهما سؤال طلب، والثانية سؤال استعاذة، والله أعلم.
ومما يستحبُّ الدعاء به في كل موطن: اللهم إني أسألك العفو والعافية، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، والله أعلم.
ــ
كذلك قال وهو مثل الهينمة
والهتملة إلَّا أنها أرفع قليلًا منهما اهـ. قوله: (اللَّهم إِنِّي أَسأَلُكَ العفْوَ والعافيةَ) قال الحافظ هو من حديث أنس والذي بعده من حديث ابن مسعود وقد ذكرهما الشيخ آخر الكتاب في باب جامع الدعوات مفرقين وسيأتي الأول قريبًا من حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره أولًا أما لفظه الذي ذكره في جامع الدعوات فبصيغة الأمر قال ﷺ لرجل سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة اهـ. قوله: (اللَّهم إِني أَسأَلُكَ الخ) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود وسيأتي عزوه في كتاب جامع الدعوات إلى صحيح مسلم قال الترمذي يعني بالهدى الهداية إلى الصراط المستقيم والتقى يعني به الخوف من الله والحذر من مخالفته ويعني بالعفاف الصيانة عن مطالع الدنيا وبالغنى غنى النفس وقال المصنف العفة والعفاف هو التنزه عما لا يباح والكف عنه والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم وقال الطيبي أطلق الهدى والتقي ليتناول كل ما يتقى من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب التوقي منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم وقال غيره العفاف التنزه والكف عما لا يباح والغنى غنى النفس والاستغناء عما في أيديهم وقال زين العرب الهدى الرشاد والدلالة والعفاف هنا قيل الكفاف والغنى غنى النفس اهـ. نقله عنه العلقمي في شرح الجامع الصغير ثم يستفاد من هذه الأحاديث وغيرها أنه يتأكد على كل مصلٍّ إلَّا الإمام حيث لم يرضوا بتطويله نظير ما مر الدعاء سرًّا بعد الصلاة عليه ﷺ وقبل السلام لنفسه قال بعض أئمتنا وللمؤمنين والمؤمنات بما أحب والمتعلق بالآخرة أولى لأنه المقصود الأعظم وإنما يباح الدينوي أن أبيح وإلا حرم وأبطل الصلاة، واعترض قول أئمتنا يسن الجمع بين الأدعية المأثورة أي ما لي يخف وقوعه في سهو على خلاف فيه بأن الجمع لم يرد بل ينبغي أن يقال هذا مرة، وهذا مرة وتقدم آخر أذكار الركوع
стр. 778
باب السلام للتحلل من الصلاة
اعلم أن السلام للتحلل من الصلاة ركن من أركان الصلاة وفرض من فروضها لا تصح
إلا به، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير السلف والخلف، والأحاديث الصحيحة المشهورة مصرَّحة بذلك.
ــ
ما يرد ذلك وينبغي أن يجتهد في الدعاء في صلاة الصبح لقوله ﷺ سلوا الله حوائجكم في صلاة الصبح رواه أبو يعلى في مسنده.
باب السلام للتحلل من الصلاة
قيل معنى السلام عليكم التعويذ بالله والتخصيص به سبحانه فإن السلام من أسمائه وتقديره الله حفيظ عليكم وقيل معناه السلامة والنجاة لك فيكون مصدرًا كاللداد واللداذة كما قال تعالى ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] أي سلامة لكل يا محمد فلا تهتم فإنهم سلموا من عذاب الله وأنت ترى فيهم ما تحب من السلام. قوله: (أعلم أَن السَّلامَ الخ) من الأحاديث حديث عامر بن سعد عن أبيه قال كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خديه وحديث ابن مسعود كان ﷺ يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره
السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر ومن هذا مع قوله ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي وخبر مسلم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم أخذ الشافعي وأكثر العلماء أن السلام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلّا به كذا في شرح المشكاة لابن حجر والمعروف في حديث تحريمها التكبير الخ. وهو من حديث علي ﵁ أنه رواه أبو داود والترمذي والشافعي وغيرهم بإسناد صحيح ورواه الحاكم على شرط مسلم ولم يذكروا فيمن خرجه مسلم ولعله سبق القلم من الشيخ المذكور في عزوه لمسلم والله أعلم، وأما قول ابن مسعود أنه ﷺ لما علمه التشهد قال له إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد
стр. 779
واعلم أن الأكمل في السلام أن يقول عن يمينه: "السلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله" وعَنْ يَسارِهِ: "السلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ"، ولا يستحبُّ أن يقول معه: وبركاته، لأنه خلاف المشهور عن رسول الله ﷺ ، وإن كان
ــ
رواه أبو داود فابن مسعود هو القائل إن شئت الخ، باتفاق الحفاظ وإن سلم أنه من الحديث فمعنى قضيت قاربت أو قضيت معظمها وأما خبر إذا رفع الإمام رأسه من آخر ركعة وقعد ثم أحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته فضعيف وإن صح حمل على ما بعد التسليمة الأولى جمعًا بينه وبين خبر وتحليلها التسليم السابق وأما خبر عمرو بن العاص إذا أحدث وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته رواه أبو داود والترمذي والبيهقي فقد اتفق الحفاظ على ضعفه لأنه مضطرب أو منقطع ومن رواية عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف بالاتفاق كذا في الخلاصة للمصنف وخبر على موقوفًا عليه إذا جلس قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته فقد اتفقوا على ضعفه كما في الخلاصة.
والمعنى في السلام أنه كان مشغولًا عن الناس ثم أقبل عليهم. قوله: (والأَكْملَ أَنْ يقولَ الخ) يبدأ بالسلام فيهما مستقبل القبلة بوجهه ندبًا وبصدره وجوبًا في الأولى وندبًا في الثانية وينهي السلام مع تمام الالتفات بوجهه حتى يرى خده الذي يلي جهة التفاته لا خداه خلافًا لمن زعم أنه كلام الشافعي وذلك للاتباع ويسن أن يدرج سلامه ليتم بتمام التفاته للخبر الصحيح حذف السلام سنة وقد يجب الاقتصار على تسليمة واحدة كأن أحدث أو خرج وقت الجمعة أو انقضت مدة مسح الخف بعد التسليمة الأولى مع تمام الالتفات. قوله: (ورحْمةُ الله) قال في شرح المشكاة يؤخذ من خبر ابن مسعود زيادة ورحمة الله. قوله: (ولا يتُسْحَبُّ أَنْ يَقولَ مَعهُ وبَركاتُهُ) قال في شرح المشكاة هذا هو الصحيح بل الصواب عند الشافعي وأصحابه إلَّا طائفة منهم استحبوا وبركاته أيضًا، ورد عليهم ابن الصلاح بأن ما قالوه شاذ نقلًا ودليلًا رد عليه جمع بأن زيادة وبركاته ثبتت في عدة طرق قالوا فالمختار دليلًا ندبها اهـ. قال الأذرعي في شرح المنهاج صح فيه حديثان أشرت إليهما في
стр. 780
قد جاء في رواية لأبي داود، وقد قال به جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين
ــ
القنية وغيرها إذ لا يحسن قول المجموع أن الصحيح والصواب خلافه اهـ، وقال في موضع آخر من شرح المشكاة وأما وبركاته فالظاهر أن الشافعي لم يطلع على حديثها ومن ثم اختار جماعة من أصحابنا زيادتها عملًا بالحديث اهـ، وفي التحفة دون وبركاته إلَّا في الجنازة واعترض بأن فيه أحاديث صحيحة اهـ، وحكى
السبكي في زيادتها ثلاثة أوجه أشهرها لا ومختاره نعم وثالثها استحبابها في الأولى دون الثانية. قوله: (قدْ جاءَ في رِوَايةٍ الخ) قال في الخلاصة وعن وائل بن حجر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رواه أبو داود بإسناد صحيح وأشار بعضهم إلى تضعيفه اهـ. لكن قال الحافظ وأخرجه السراد ولم أر عندهم وبركاته وجاء في رواية أخرجها ابن حبان من طريق سفيان الثوري عن ابن مسعود كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخرجه من تلك الطريق أبو داود لكن لم يذكر فيه وبركاته وكذا أخرجه الترمذي والنسائي من رواية ابن مهدي عن سفيان وأخرجه ابن ماجة عن عبد الله بن نمير وفيه وبركاته قال الحافظ وزادها أبو العباس السراد كابن حبان كلاهما من طريق سفيان الثوري وأخرجه السراد كذلك من طريق أخرى كل هؤلاء في حديث ابن مسعود قال الحافظ فهذه عدة طرق ثبت فيها وبركاته خلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها فردة اهـ. قال الحافظ والأحاديث المشهورة إنما هي في مطلق التسليمتين وقد اجتمع لنا من ذلك نحو العشرين من الصحابة منها في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن مسعود وسائرها في السنن والمسند وغيرها أما على الكيفية التي هي أكمل أي التي أشار الشيخ إليها بقوله واعلم أن الأكمل الخ، فعن ابن مسعود قال كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده منها حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وأخرجه ابن حبان وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو العباس السراد
стр. 781
وزاهر السرخسي والروياني في "الحلية". ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمناه والله أعلم.
وسواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا في جماعة، قليلة أو كثيرة، في فريضة أو نافلة، ففي كل ذلك يسلِّم تسليمتين كما ذكرنا،
ــ
وأخرجه ابن ماجة وله طرق متعددة بينها الحافظ قال وزاد ابن حبان والسراد في روايتهما وبركاته اهـ، باختصار. قوله: (زَاخرٌ السرَخْسِيُّ) بالزاي ثم الهاء المكسورة فالراء المهملة والسرخسي بفتح أوليه وإسكان خائه المعجمة بعدها سين مهملة نسبة إلى مدينة سرخس من بلاد خراسان قال في لب اللباب اشتهر بالنسبة إليها كثير. قوله: (الرُّويَانِيُّ) بضم الراء وسكون الواو بغير همز بعدها تحتية وبعد الألف نون ثم ياء نسبة إلى رويان البلدة المعروفة وهي بنواحي طبرستان. قوله: (يُسلم تَسْليمَتَيْن الخ) ورد من طرق الاقتصار على تسليمة واحدة ومن طرق أخرى الإتيان بتسليمة عن اليمين وبتسليمة عن اليسار وحمل أئمتنا الأولى على الجواز والثانية على الأكمل وفي الهدى لابن القيم كان ﷺ يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك هذا كان فعله الراتب رواه عنه خمسة عشرة صحابيًّا وعدهم وقد روي أنه كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه الكريم لكن لم يثبت ذلك عنه من وجه صحيح وأجود ما فيه حديث عائشة أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا وهو حديث معلول وهو في السنن لكنه
في قيام الليل والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة يوقظهم بها ولم تنف الأخرى بل سكتت عنها وليس سكوتها مقدمًا على رواية من حفظ وضبط وهم أكثر عددًا وكثير من أحاديثهم صحاح وباقيها حسان قال ابن عبد البر روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقاص وعائشة وأنس إلَّا أنها معلولة ولا يصححها إلَّا أهل العلم بالحديث ثم بين علة كل حديث
стр. 782
ويلتفت بهما إلى الجانبين، والواجب تسليمة
واحدة، وأما الثانية، فسُنَّة لو تركها لم يضره، ثم الواجب من لفظ السلام أن يقول: السلام عليكم، ولو قال: سلام عليكم، لم يجزه على الأصح: ولو قال: عليكم السلام، أجزأه على الأصح، فلو قال: السلام عليك، أو سلامي عليك، أو سلام عليكم، أو سلام الله عليكم، أو سلامُ عليكم بغير تنوين، أو قال: السلام عليهم، لم يجزه شيء من هذا بلا خلاف، وتبطل صلاته إن قاله عامدًا عالمًا في كل ذلك، إلا في قوله: السلام عليهم، فإنه لا تبطل صلاته به
ــ
قال في الهدى وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة وقد خالف في الاحتجاج بها سائر الفقهاء والصواب معهم السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ لا ترد ولا تدفع لعمل أحد كائنًا من كان فالسنة تحكم بين الناس لا عمل أحد بعد رسول الله ﷺ وخلفائه اهـ، وتقدم صور يجب فيها عندنا الاقتصار على تسليمة واحدة وضابطها أن يعرض بعد التسليمة الأولى ما ينافي الصلاة. قوله (ويَلْتَفِتُ بِهما الخ) صرف الالتفات عن الوجوب المستفاد من قوله ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي خبر عائشة فإن فيه الاقتصار على تسليمة واحدة تلقاء وجهه وممن صححه ابن حبان والحاكم وضعفه جماعة اخرون كما تقدم نقله. قوله: (ثُم الوَاجِبُ منْ لَفْظِ السلامِ أَنْ يقولَ السّلامُ عَليكمْ) ويشترط الموالاة بين السلام وعليكم وأن يسمع نفسه وألّا يزيد أو ينقص ما يغير المعنى ويجب إيقاعه إلى ميم عليكم حال القعود أو بدله وصدره للقبلة. قوله: (ولوْ قال سَلام عَليكمْ لم يُجزئْهُ) قال في الإمداد وقضية كلام النووي أنه يبطل الصلاة أن علم وتعمد وهو متجه خلافًا لمن نظر فيه وذلك لأنه لم ينقل بخلاف سلام التشهد لوروده والتنوين لا يقوم مقام أل في التعريف والعموم وغيرهما. قوله: (ولوْ قال عليكمْ السلامُ أَجْزأَهُ) أي لأنه يسمى سلامًا بخلاف أكبر
стр. 783
لأنه دعاء، وإن كان ساهيًا لم تبطل، ولا يحصل التحلل من الصلاة بل يحتاج إلى استئناف سلام صحيح، ولو اقتصر الإمام على تسليمة واحدة، أتى المأموم بالتسليمتين.
قال القاضي أبو الطيب الطبري من أصحابنا وغيره: إذا سلَّم الإمام فالمأموم بالخيار، إن شاء سلَّم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للدعاء وأطال ما شاء، والله أعلم.
باب ما يقول الرجل إذا كلمه إنسان وهو في الصلاة
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
ــ
لأنه لا يسمى تكبيرًا لكن يكره لأنه تغيير للوارد بلا فائدة. قوله: (لأنهُ دُعاءٌ) أي لا خطاب فيه لآدمي ولا يرد أن ما قبله أيضًا دعاء لوجود الخطاب فيه. قوله: (ولوْ اقْتَصَرَ الإِمامُ عَلَى تَسليمَةٍ واحِدَةٍ أَتَى المأْمومُ بالتسْليمَتَيْنِ) أي تحصيلًا لفضيلتهما لما تقرر في محله من أنه صار منفردًا. قوله: (إِذَا سلَّمَ الإِمامُ) أي التسليمة الأولى لخروجه بها نعم يسن للمأموم أن يؤخرها إلى فراغ إمامه من تسليمته جميعًا. قوله: (وإنْ شاءَ اسْتَدَامَ الجلوسَ للدُّعاءِ) أي إذا كان في التشهد الأخير أما غيره فإن كان جلوسه مع إمامه في غير محل تشهده
الأول لزمه القيام عقب تسليمته فورًا وإلَّا بطلت صلاته إن علم وتعمد وظاهر أن محله إن طوله كجلسة الاستراحة وفيه كره له للتطويل، وسن له هنا القيام مكبرًا مع رفع يديه لأنه سنة في القيام من التشهد الأول.
باب ما يقول الرجل إذا كلمه إنسان وهو في الصلاة
لا يضر كون الترجمة ناقصة عما في الباب من ذكر التصفيق للنساء لأن المعيب عكس ذلك أما ما فعله المصنف فلا لأن فيه زيادة فائدة. قوله: (رَوَينَا في صحيحَي البخَاري ومسلم الخ) قال الحافظ أخرجاه مطولًا ومختصرًا فلفظه مختصرًا عن سهل بن سعد قَال قال ﷺ من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال ولفظه مطولًا قال وقع بين الأوس والخزرج كلام فأتى النبي ﷺ من
стр. 784
"مَنْ نابَهُ شَيءٌ في صلاتهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله".
وفي رواية في الصحيح: "إذا نابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرجالُ،
ــ
مكانه فتخلل الناس حتى انتهى إلى الصف الذي يلي أبا بكر فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت فلما أكثروا التصفيق التفت فنكص فأشار إليه ﷺ أن أثبت مكانك فحمد الله وتقدم رسول الله ﷺ فصلى بهم فلما فرغ قال يا أبا بكر ما منعك أن تثبت مكانك قال ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال للناس ما بالكم أكثرتم التصفيق إنما هذا للنساء من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله حديث صحيح أخرجاه مطولًا من رواية مالك وغيره وأخرجه النسائي بطوله وكذا أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة وأخرجه أبو عوانة مختصرًا وأخرجه ابن ماجة كذلك اهـ. قوله: (منْ نابهُ) أي من الرجال، ونابه من النوب وهو رجوع الشيء المرة بعد الأخرى ثم كثر حتى استعمل في كل ما يصيب الإنسان وشيء في الخبر عام لكونه نكرة في سياق الشرط وبه أخذ أصحابنا أنه إذا ناب المصلى أمر من تنبيه مصل آخر إمامًا أو غيره على سهو وإنذار مشرف على هلاك كأعمى قرب من الوقوع في بئر وأذن لداخل سبح الذكر، والتنبيه فيما ذكر مندوب إن كان لمندوب كما إذا هم الإمام بترك سنة كالتشهد الأول ومباح أن كان لمباح كإذنه للداخل وواجب لواجب كإنذاره لمشرف على الهلاك تعين على المصلي إنقاذه فإن لم يحصل الإنذار إلَّا بالكلام وجب وإن بطلت صلاته فالمنقسم لذلك هو التنبيه نفسه وأما آلته أي التسبيح والتصفيق فالأول للرجل والثاني لغيره سنة في كل من الأقسام المذكورة ولو عكس بأن صفق الرجل وسبح غيره فخلاف الأولى وقيل مكروه. قوله: (فليقلْ سبحانَ الله) تتمته في خبر لهما فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلّا التفت واعلم أنه لو نوى بالتسبيح التنبيه وحده أو أطلق بطلت صلاته ومثله فيما ذكر قول المبلغ الله أكبر إمامًا كان أو غيره وقول المصلي للمستأذن ادخلوها بسلام آمنين. قوله: (وفي روايةٍ في الصحيح) قال الحافظ أخرجه البخاري في كتاب الدعوات عن سهل بن سعد الساعدي قال رسول الله ﷺ إذا نابكم
أمر في صلاتكم فليسبح الرجال وليصفح النساء قال الحافظ وأخرجه النسائي وابن خزيمة وأبو
стр. 785
ولْتُصَفِّقِ النساء".
وفي رواية: "التَّسْبيحُ للرجالِ والتَّصْفيقُ للنساءِ".
باب الأذكار بعد الصلاة
أجمع العلماء على استحباب الذِّكْر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة، فنذكر طرفًا من أهمها.
روينا في كتاب الترمذي، عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : "أي الدعاء
ــ
داود. قوله: (ولْيصفِّحِ) التصفيح والتصفيق بمعنى واحد صرح به الخطابي والجوهري وقال القاضي عياض أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى وبالقاف ببطانها على باطن الأخرى وقيل بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه بالقاف بجميعها للهو واللعب قال أئمتنا والأولى في التصفيق كونه ببطن كف على ظهر أخرى وعكسه لا ببطنهما بل يبطل الصلاة أن قصد اللعب ولو تكرر تمض المرأة ثلاثًا متوالية أبطل الصلاة. قوله: (وفي روايةٍ فيه) أي في الصحيح وقد تقدمت بلفظ إنما في أوله أخرجها البخاري في الرواية السابقة مختصرًا وجاء بدونها عن أبي هريرة أخرجها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وأبو عوانة والطحاوي من نحو عشر طرق تنتهي إلى سفيان الثوري وهو يرويه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضًا من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة بمثله لكن قال القوم بدل الرجال وزاد في آخره الصلاة كذا يتلخص من كلام الحافظ.
باب الأذكار بعد الصلاة
قال ابن القيم في الهدى أما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء المنفرد وغيره فلم يكن من مديه ﷺ أصلًا ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن وخصص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده ولا أرشد إليه أمته إنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا عن السنة قال وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها قال وهذا هو الأليق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه فإذا سلم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه
стр. 786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقربه فكيف يترك سؤاله حال قربه ومناجاته والقرب معه وهو مقبل عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه اهـ. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود فقد ثبت عن معاذ أن النبي ﷺ قال له يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني الخ. رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وذكر حديث أبي بكر في قوله اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر كان ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم وحديث زيد بن أرقم سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء وخالق كل شيء ويا من بيده ملكوت كل شيء اغفر لي حتى لا تسألني عن شيء الحديث رواه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك ثم قال: فإن قيل المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة والمراد به بعد السلام إجماعًا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالف وقد أخرج الترمذي وقال حسن حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله أي الدعاء اسمع قال الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة
لفضل المكتوبة على النافلة وأخرج الطبري عن جعفر الصادق قال الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفى الدعاء بعد الصلاة مطلقًا وليس كذلك فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استقبال المصلي القبلة وإيراده عقب السلام أما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذٍ اهـ، والمراد من الصلاة المطلوب بعدها ما يأتي من الأذكار الفريضة وإن كان في بعض الأحاديث ما يقتضي التعميم للنافلة أيضًا قال الحافظ في الفتح وقد جاء في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة وكأنهم حملوا المطلقات عليها اهـ. قال أئمتنا ويسن للإمام أن يقوم عقب سلامه ثم يجلس بمجلس آخر للذكر والدعاء فإن لم يرد هذا الأكمل وجلس فليكن يسيرًا بقدر اللهم أنت السلام الخ. فإن لم يرد هذا أيضًا جعل يمينه إليهم ويساره للمحراب وانصرافه لا ينافي ندب الذكر له عقبها لأنه يأتي به في محله الذي ينصرف إليه على أنه يؤخذ من قوله بعد الصلاة أنه لا يفوت بفعل الراتبة وإنما يفوت به كماله لا غير كذا في التحفة والحاصل أن الأفضل عندنا تقديم أذكار الصلاة
стр. 787
أسمع؟ " قال: "جَوْفُ الليل الآخِرُ، وَدُبُرَ الصّلَوَات المَكْتوبات".
ــ
على الرواتب وأنه لو قدمها على الذكر لم يفت سوى كماله وسيأتي له مزيد قريبًا. قوله: (أسمَعُ) أي أسرع إجابة قيل والمعنى أي أوقات الدعاء يكون فيها أسرع للإجابة بدليل قوله جوف الليل وقيل التقدير أي الدعاء أسرع وأقرب إجابة قال جوف الليل أي دعاء جوف الليل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وروي بنصب جوف أي الدعاء جوف الليل. قوله: (الآخِر) نعت لجوف ففيه النصب والرفع وإنما كان ذلك الوقت أنفع والدعاء فيه أسمع لأن فيه التجلي أكثر كما ورد في الأخبار الصحيحة. قوله: (ودبُرُ الصلَوَاتِ المكتُوباتِ) برفع ونصب دبر عطفًا على جوف قال المصنف في شرح مسلم دبر بضم الدال هذا هو المشهور والمعروف في الروايات وقال أبو عمر المطرز في كتابه اليواقيت دبر كل شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة أو غيرها قال هذا هو المعروف في اللغة وأما الجارحة فبالضم وقال الداودي عن ابن الأعرابي دبر الشيء ودبره بالضم والفتح آخر أوقاته والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره اهـ، وفي القاموس الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل ومن كل شيء عقبه ومؤخره اهـ، وإنما كان ذلك لما يحصل بواسطة الصلاة من القرب إلى حضرة الحق المتكفل بالإجابة وفي حاشية شرح المنهج للشيخ نور الدين الزيادي قوله دبر كل صلاة يقتضي أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فإن كان الفاضل يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما ورد كآية الكرسي فلا يضر وهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبات والذكر المذكور أو لا محل نظر شرح البخاري لابن حجر بل وجه النظر أنه إن طال الفصل ضر وإلَّا فلا وعلى هذا التفصيل ينبغي حمل ما تقدم من أن الفائت بتأخيرها عن الراتبة الكمال والله أعلم، وذكر في الحرز أن الأفضل عندهم الفصل بين المكتوبة والراتبة بنحو اللهم أنت السلام
الخ، وباقي الأذكار يأتي بها بعد الراتبة وأطال في بيان ذلك ناقلًا له عن ابن الهمام شارح الهداية وسيأتي له مزيد في حديث المغيرة وظاهر الخبر ككلام الأكثرين استحباب الدعاء مطلقًا ويؤيده حديث الدعاء هو العبادة وفي رواية مخ العبادة وفي أخرى من لم يسأل الله يغضب عليه ومن ثم قال الغزالي وغيره الدعاء أفضل العبادات وأنجح القربات وأسنى الطاعات وقيل السكوت عن الدعاء أفضل رضا بما قضى به القدر وقبل يدعو بلسانه ويرضى بجنانه فيأتي بالأمرين
стр. 788
قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عباس ﵄ قال: "كنت أعرف انقضاءَ صلاةِ رسول الله ﷺ بالتكبير".
ــ
جميعًا وقال القشيري الأولى أن يقال الأوقات مختلفة ففي بعض الدعاء أفضل بأن يجد في قلبه إشارة إليه وهو الأدب وفي بعض السكوت أفضل بأن يجد ذلك وهو الأدب أيضًا قال ويصح أن يقال ما للمسلمين فيه نصيب أو لله فيه حق فالدعاء به أولى لكونه عبادة وإن كان لنفس الداعي فيه حظ فالسكوت أتم اهـ، ويتجه أن محله أن كان الباعث عليه غرض النفس وإلا فالدعاء أفضل للأحاديث السابقة وإن كان الاشتغال بالذكر أفضل منه للحديث الصحيح من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وسيأتي بسط هذا في آداب الدعاء. قوله: (رَوَاه الترْمذي الخ) قال في السلاح ورواه النسائي واللفظ للترمذي وقال هذا حديث حسن وقال قد روي عن أبي ذر وابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال جوف الليل الأخير الدعاء فيه أفضل أو أرجى أو نحو هذا. قوله: (حدِيث حسن) قال الحافظ قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وفيما قاله نظر لأن له عللًا منها الانقطاع بين ابن سابط وأبي أمامة قال ابن معين لم يسمع عبد الرحمن بن سابط من أبي أمامة ومنها عنعنة ابن جريج عن ابن سابط ومنها الشذوذ فإنه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أمامة صاحب النبي ﷺ عن عمرو بن عبسة واقتصروا كلهم على الشق الأول قال وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة قال قلت يا رسول الله هل من ساعة أقرب من الأخرى يعني الإجابة وهل من ساعة يبتغي ذكرها قال نعم أن أقرب ما يكون العبد من الدعاء جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى تلك الساعة فافعل حديث صحيح أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وغيرهم وأخرجه أحمد مختصرًا كلهم عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة بلفظ جوف الليل الآخر أجوبه دعوة وفي لفظ أوجبه بتأخير الجيم عن الواو اهـ، وبما ذكر من كلام الحافظ يعلم ما في قول شرح المشكاة وسنده صحيح. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحي البخارِي ومسلم الخ) قال الحافظ لفظ الحديث للبخاري ولفظ مسلم عن ابن عباس كنا نعرف الخ، كما أشار إليه الشيخ. قوله: (بالتكبيرِ) المراد به هنا مطلق الذكر
стр. 789
وفي رواية مسلم: "كنا" وفي رواية في "صحيحيهما".
عن ابن عباس ﵄: "أن رفع الصوت بالذِّكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ "، وقال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه".
ــ
بدليل روايته الآتية وعبر به لأنه ينتجه سلب النقائص بالتسبيح وإثبات الكمالات بالتحميد والتهليل إذ من سلب عنه كل نقص وثبت له كل كمال هو المستحق لنهاية الكبرياء والعظمة ولأن رفع الصوت عنده أعلى منه عند البقية ولأنه آلة الإعلام بأفعال الإمام فليكن آلة الإعلام بالفراغ منها وفي شرح البخاري لابن العز الحجازي اختلف في كون ابن عباس قال هذا أي في سبب ذلك فقال عياض الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة لأنه
كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك ولا يلزم به وقال غيره يحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف. قوله: (وفي روَايةِ في صحيحَيْهمَا) وأخرجه كذلك أحمد وأبو داود وفي قوله كنت أعرف إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظن الغالب قيل وفي هذا الحمل نظر لإشعار كان بالمداومة والكثرة وأجيب بأنها تستعمل في الشيء النادر أيضًا. قوله: (أَن رَفْعَ الصَّوتِ بالذكرِ الخ) حمل الشافعي جهره ﷺ بالأذكار والدعاء عقب الصلاة على أنه كان لأجل تعليم المأمومين فمن ثم قال ويجهر لتعليمهم فإذا تعلموا أسر لقوله تعالى: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، الآية نزلت في الدعاء كما في الصحيحين قيل وفي هذا الحمل نظر لإشعار كان بالمداومة والكثرة وأجيب بأنها تستعمل للشيء النادر أيضًا كما تقدم نظيره في اللفظ السابق، واستدل البيهقي وغيره لطلب الإسرار بخبر الصحيحين أنه ﷺ أمرهم بترك ما كانوا عليه من رفع الصوت بالتكبير والتهليل وقال إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا أنه معكم سميع قريب اهـ، وبه يرد على بعض المتأخرين في منازعته في ذلك بأن ظاهر الحديث ندب الجهر بالذكر دائمًا وليس كما قال لأنه ﷺ كان لا يخلو ممن يرد عليه فيسلم أو يكون قريب الإسلام فكان جهره لتعليمهم فمن أين للمنازع أنه جهر لا للتعليم وجهره من الوقائع الفعلية وقد تطرق إليها ذلك الاحتمال الظاهر فتعين الأخذ به ذكره في شرح المشكاة.
فائدة
يسن الإسرار في سائر الأذكار أيضًا إلَّا في القنوت للإمام والتلبية وتكبير ليلتي العيد وعند رؤية الأنعام في عشر ذي الحجة وبين كل سورتين من الضحى إلى آخر القرآن وذكر السوق
стр. 790
وروينا في "صحيح مسلم"، عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: "اللهُم
ــ
الوارد وعند صعود الهضبات والنزول من الشرفات. قوله: (وَرَوينَا في صحيحِ مسلم الخ) وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة والطبراني وابن السني عن ثوبان كذا في الحرز. قوله: (إِذَا انصرَفَ) هذا لفظ رواية مسلم وعند جماعة آخرين بسند حديث مسلم كان إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال اللهم أنت السلام الخ. أخرجه هكذا أحمد والترمذي وأبو داود وابن خزيمة وأبو عوانة كلهم بهذا اللفظ وأخرجه ابن خزيمة أيضًا بلفظ كان يقول قبل السلام قال ابن خزيمة أن كان عمرو بن هشام الراوي له عن الأوزاعي حفظه فمحل هذا الذكر قبل السلام ورواية إذا أراد أن ينصرف موافقة لهذه ويمكن رد رواية إذا انصرف إليها لكن المعروف أن هذا الذكر بعد السلام قال الحافظ ويؤيده حديث عائشة قالت إن رسول الله ﷺ ما كان يجلس بعد الصلاة إلَّا قدر ما يقول وفي رواية عنها كان إذا سلم لم يقعد إلَّا
بمقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام أخرجه مسلم وابن ماجة قال الحافظ ويمكن الجمع بأنه كان يقول ذلك في الموضعين وظاهر حديث عائشة أنه كان لا يقول الأذكار الواردة في هذا المحل غير ما ذكر إلَّا حال قيامه ويعارضه حديث جابر بن سمرة كان ﷺ إذ صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس أخرجه مسلم، ويمكن الجمع الصبح، وأولى منه أن يحمل النفي على الهيئة المخصوصة بأن يترك الاستقبال والتورك ويقبل على أصحابه كما ثبت ذلك في خبر آخر قال وقد ورد التصريح بأنه ﷺ كان يقول ذلك إذا سلم ثم أخرج من حديث عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته قال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وقال حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. قوله: (أستغفر الله ثلاثًا) حكمته منه ﷺ إظهار هضم النفس وأنها لم تقم بحق الصلاة ولم تأت بما ينبغي لها فكانت في غاية التقصير والمقصر يستغفر لعله أن يتجاوز عنه تقصيره وكأن هذا سبب قول المصنف ينبغي تقديم الاستغفار على سائر أنواع الذكر الوارد عقب السلام قال غيره ثم يقول اللهم أنت السلام إلى الإكرام ثم (لا إله إلَّا الله) إلى (قدير) ثم رتب كثيرًا كذلك وقد أشار إلى ذلك بحرق في مختصره وابن حجر في شرح العباب
стр. 791
أنتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السلامُ، تَبَارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإكْرَام".
قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أسْتَغْفِرُ الله، أسْتَغْفِرُ الله.
ــ
وأطال فيه. قوله: (أَنتَ السلامُ) أي السالم من التغيرات والآفات أو معطي السلامة لمن تشاء. قوله: (ومِنْكَ السلامُ) أي يرجى ويستوهب ويتوقع وقال السيوطي في حاشية سنن النسائي السلام الأول من أسماء الله تعالى والثاني السلامة ومعناه أن السلامة من المهالك إنما تحصل لمن سلمه الله قال ابن الجوزي في التصحيح وأما ما يزاد بعد قوله ومنك السلام من نحو وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام فلا أصل له بل هو مختلق اهـ، وقال ابن حجر في شرح المشكاة على أن قوله وإليك الخ، معناه كالذي قبله بيان لأنت السلام أي ليست سلامتك من النقائص والحوادث والغير ناشئة عن غيرك بل ذلك ثبت لك لذاتك من حيث الذات لا بواسطة أحد كيف وأنت الذي تسلم الغير من المخاوف وإليك يرجع جميع سلام المسلمين إذ ليس منهم إلّا صورته أما حقيقته فصادرة منك وراجعة إليك. قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) هذه إحدى روايات مسلم وفي رواية أخرى له ذا الجلال بحذف حرف النداء ذو بمعنى صاحب وهو لكونه كناية أبلغ منه وفي حاشية شرح التفتازاني للعقائد النسفية للعلامة ابن أبي شريف ما لفظه ومعنى الجلال كما دل عليه كلام القشيري في التخيير استحقاق أوصاف العلو وهي الأوصاف الثبوتية والسلبية وعليه فالإكرام المقابل له اكرام العباد بالإنعام عليهم وعلى هذا جرى الغزالي في المقصد الأسنى وفسر بعضهم الجلال بالصفات السلبية لأنه يقال فيها جل عن كذا وعن كذا والإكرام بالصفات الثبوتية وممن جرى على ذلك البيضاوي في شرح الأسماء الحسنى والكرماني في شرح البخاري وفسر بعضهم الجلال بالصفات الثبوتية والإكرام بالسلبية عكس التفسير السابق ويعبر هؤلاء عن الصفات السلبية بالنعوت فيقولون صفات الجلال ونعوت الإكرام اهـ. قوله: (قيل للأوزاعي) القائل له أبو الوليد كما في مسلم وذكره الحافظ كذلك والأوزاعي نسبة إلى الأوزاع قال في لب اللباب وهي قرى متفرقة فيما أظنه
بالشام منها أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي والأوزاع التي ينسب إليها قرية خارج باب الفراديس مات سنة سبع وخمسين ومائة وقال الشيخ عز الدين الصواب أنه الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل بطن من همدان
стр. 792
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
نزلوا الشام فنسبت القرى التي سكنوها إليها اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحَي البخارِي ومُسلم الخ) وفي شرح العمدة للقلقشندي أخرجه أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي في شرح السنة وغيرهم اهـ. وزاد في الحرز وأخرجه ابن السني قال وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن عباس.
قلت قال الحافظ بعد تخريجه من حديث ابن عباس قال كان ﷺ إذا انصرف من الصلاة قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هذا حديث غريب أخرجه البزار وقال تفرد به يحيى بن عمر وهو ضعيف وخالفه أبان بن أبي عياش وهو أضعف منه عن أبي الجوزاء أي بفتح الجيم والزاي عن عائشة فقال في المتن بيده الخير بدل قوله يحيي ويميت الذي وقع في رواية البزار المذكورة وكذا أخرجه جعفر الغرياني في كتاب الذكر اهـ.
فائدة نفيسة
قال الحافظ وقع لنا في بعض طرق هذا الحديث لفظة اشتهرت في هذا الذكر ولم تقع في الطرق المشهورة ثم أخرج من طريق عبد بن حميد وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اللهم لا مانع لما أعطيت ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ثم أخرجه الحافظ من وجه آخر عن عبد الملك بالسند المذكور إلَّا أنه من طريق أبي نعيم عن مسعر عن عبد الملك عن وراد كاتب المغيرة قال كتب معاوية بن أبي سفيان إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء من حديث رسول الله ﷺ فكتب إليه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول اللهم لا مانع لما أعطيت ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال الحافظ وسمعت شيخنا يقول هذا حديث صحيح رواته ثقات ثم أشار إلى رواية معمر السابقة وذكر أنها في الكنجروديات للبيهقي بالزيادة المذكورة قال الحافظ وقد راجعت الكنجروديات فلم أر فيها إلا كالجادة فلعلها سقطت من نسختي وأما رواية مسعر فوقع في نسخة شيخنا كالجادة وزيادة ولا راد لما قضيت قال الحافظ
стр. 793
عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان
ــ
بعد كلام ساقه فغلب على الظن أن رواية مسعر كرواية معمر فلذلك سقته نظير رواية معمر قال الحافظ وحديث المغيرة رواه عن عبد الملك جماعة من الحفاظ الأثبات منهم شعبة وسفيان الثوري وأبو عوانة وهشيم وابن عيينة وأحاديثهم في الصحيحين ومنهم زائدة بن قدامة وعمرو بن قيس والأعمش وزيد بن أبي أنيسة وأسباط بن محمد وأحاديثهم عند الطبراني وغيره كاللفظ المشهور بغير هذه الزيادة اهـ قوله: (عن المغيرَةِ) هو أبو عبد الله وقيل أبو عيسى وفي أبي داود عنه كناني النبي ﷺ أبا عيسى وقيل أبو محمد المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف،
الثقفي الكوفي الصحابي الجليل ابن أخي عروة بن مسعود أسلم عام الخندق سنة خمس من الهجرة وقدم مهاجرًا وقيل أول مشاهده الحديبية وكان رجلًا طوالًا موصوفًا بالفضل والكرم من دهاة العرب كثير التزوج قال الذهبي تزوج سبعين امرأة قال ابن الأثير قيل أنه أحصن ثلثمائة امرأة في الإسلام وقيل ألف امرأة روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وثلاثون حديثًا اتفقا منها على تسعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين ولاه عمر البصرة ثم عزله إلى الكوفة فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر فأقره عثمان عليها ثم عزله فلما كان أمر الحكمين لحق بمعاوية فولاه الكوفة واستمر بها حتى مات ويقال أنه أول من وضع ديوان البصرة وقال عبد الله بن عباس بن معبد بن عباس أنه أول من خضب بالسواد وشهد اليمامة وفتح الشام والقادسية والأهواز وهمدان ونهاوند وذهبت عينه يوم اليرموك ويقال أنه ﷺ قص له شاربه وهي منقبة عظيمة وكان يقال له مغيرة الرأي لكمال عقله ودهائه قال الشعبي دهاة العرب أربع معاوية بن أبي سفيان وعمر بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد ابن أبيه وحج بالناس سنة أربعين ومات بالطاعون في شعبان سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وقيل سنة تسع وأربعين وله سبعون سنة ﵁ والمغيرة بضم الميم وحكى جماعة منهم ابن قتيبة والزمخشري كسرها قال الزمخشري كسرت الميم إتباعًا كما يقال منتن ومنتن لأن مفعلًا ليس من
стр. 794
إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحْدَهُ لَا شَريكَ له، لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ وَهُو على كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللهُم لا مانِعَ لِمَا أعْطَيتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ".
ــ
الأبنية اهـ، والهاء فيه للمبالغة كعلامة قاله السهيلي. قوله: (إِذا فرغَ منَ الصلاةِ) ظاهره شامل للمكتوبة والنافلة لكن في عمدة الأحكام للمقدسي في هذا الحديث كان ﷺ يقول في دبر كل صلاة مكتوبة، قال القلقشندي فهي مقيدة للرواية الأخرى اهـ، ورواية الكتاب مبينة للمراد بدبر الصلاة في رواية الصحيحين المذكورة في العمدة أي بعد السلام منها قال القلقشندي والمراد بدبر الصلاة عقب السلام لما وقع في بعض طرقه عند مسلم كان إذا فرغ من الصلاة والسلام الخ، وبه يعلم أن لفظ رواية المصنف هذه إنما هي لمسلم وعزوه للبخاري بمعنى أن الحديث مروي فيه لا بخصوص هذه العبارة والله أعلم. قوله: (لَا إله إلَّا الله ألخ) تقدم الكلام عليه إلى قوله قدير في باب فضل الذكر وعلى باقيه في ذكر الاعتدال، هذا وظاهره أنه كان يأتي بالأذكار عقب الفراغ من غير فصل قال الحافظ الزين العراقي وفي قوله ﷺ إذا صليتم فقولوا ما يدل على أن الشرع في الذكر يكون عقب التسليم، فإن فصله يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا عن الإتيان به أو كثيرًا ناسيًا فالظاهر أنه لا يضر بخلاف ما إذا تعمد فإنه لا يحصل له السنة المشروعة وإن أثيب عليه من حيث الذكر، ثم قال ولا يضر طول الفصل بين التسبيح ونحوه بغيره من الواردات والمراد بالتكلم فيما ورد أنه يقوله قبل التكلم وهو ثان رجليه قبل التكلم بأجنبي لا تعلق به بالمشروع اهـ.
قال القلقشندي في الحديث مشروعية هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتملت عليه من معاني التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله تعالى والمنع والإعطاء وتمام القدرة فيكون الاعتراف به عقب الصلوات أدعى لقبولها وأرجى لحصول المقصود وعظم ثواب هذا الذكر القليل مع خفته على اللسان لأجل مدلولاته فإنها راجعة إلى الإيمان الذي هو أعظم الأمور اهـ. قال والسلاح وفي رواية للبخاري
والنسائي أن النبي ﷺ كان يقول هذا التهليل وحده ثلاث مرات قال القلقشندي تكرار الذكر أي جميعه إلى
стр. 795
وروينا في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن الزبير ﵄، أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمْدُ وهُو على كل شَيءٍ قديرٌ، لا حَولَ ولا قُوةَ إلا بالله، لا إله إلا اللهُ
ــ
قوله الجد كما هو ظاهر كلامه ثلاثًا ففي بعض طرقه عند أحمد والنسائي وابن خزيمة أنه كان يقوله ثلاثًا. قوله: (وَرَوَينَا في صحيحِ مسلِمٍ) رواه أبو داود والنسائي وابن أبي شيبة كلهم عن عبد الله بن الزبير وأخرجه الحافظ من طريق الإمام أحمد بن حنبل ومن طريق أبي نعيم عن ابن الزبير قلت وأخرجه أبو نعيم وابن السني كلاهما في عمل اليوم والليلة. قوله: (عنْ عبْدِ الله بْنِ الزُّبير) هو أبو خبيب عبد الله بن الزبير ﵄ ابن العوام القرشي الأسدي أمير المؤمنين أول مولود من المهاجرين بعد الهجرة بالمدينة ولما ولد فرح المسلمون بولادته لأنه قيل لهم أن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم ولد حي، أتي النبي ﷺ به فحنكه بريقه فكان أول شيء دخل جوفه ريق النبي ﷺ وسماه باسم جده أبي بكر وكناه بكنيته ودعا له وبرك عليه وقال له أيضًا كبش بين ذئاب وذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه وجاء في رواية في البخاري ومسلم أنه جاء إلى النبي ﷺ وهو ابن سبع أو ثمان سنين ليبايعه وكان الزبير أمره بذلك فلما رآه النبي ﷺ مقبلًا ضحك في وجهه ثم بايعه وكان عبد الله غاية في العبادة نهاية في الشجاعة وشدة البأس وشهد فتح إفريقية وكان العزم والفتح على يديه وشهد مع أبيه وخالته يوم الجمل حيث استشهد وكان أطلس لا لحية له ولا شعر بوجهه وكان كثير الصوم والصلاة كريم الجدات والأمهات والخالات قال ابن كيسان ما رأيت ابن الزبير يعطي كلمة قط لرغبة ولا لرهبة سلطان أو غيره روي أنه شرب حجامة دم النبي ﷺ فقال له ويل لك من الناس وويل للناس منك لا تمسك النار إلَّا تحلة القسم بويع له بالخلافة سنة أربع وستين بعد موت معاوية واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق والخراسان وبنى البيت على قواعد إبراهيم وتخلف عن بيعته ابن عباس وابن الحنفية وحج ثمان حجج ثم حصره الحجاج بمكة في أول ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ونصب عليه المنجنيق وألح عليه بالقتال من كل جهة وحبس عنهم الميرة من كل جهة ثم قتل يوم الثلاث النصف من شهر جمادى الأولى
стр. 796
ولا نَعْبُدُ إلا إياهُ لهُ النعْمَةُ ولهُ الفَضْلُ، ولهُ الثناءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إلا اللهُ مُخْلِصِينَ لهُ الدين
ــ
سنة ثلاث وسبعين وعمره ثلاث وسبعون سنة وكانت مدة الحصر ستة أشهر وسبع عشرة ليلة روي أنه لما اشتد عليه الحصر شاور أمه في الاستسلام فقالت يا بني لأن تموت كلما أحب إليّ أن تموت سلمًا فقال أخشى المثلة فقالت إن الشاة لا تألم بالسلخ، روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثًا اتفقا منها على تسعة وانفرد البخاري بستة ومسلم بحديثين وخرج عنه الأربعة وغيرهم ﵁ وهو أحد العبادلة الأربعة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن عمر قاله أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين قيل لابن حنبل فابن مسعود قال ليس هو منهم قال البيهقي لأنه تقدمت وفاته وهؤلاء عاشوا طويلًا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اتفقوا على شيء قيل هذا قول العبادلة أو فعلهم ويلحق بابن مسعود فيما ذكر سائر المسمين بعبد الله من الصحابة وهم نحو من مائتين وعشرين وقول الجوهري منهم ابن مسعود وأخرج
ابن عمرو بن العاص غلط نبه عليه المصنف في التهذيب وغيره. قوله: (ولا نعبدُ إلا إِياهُ) الظاهر أنه عطف على قوله لا إله إلَّا الله وقيل حال من فاعل محذوف أي نقول لا إله إلا الله حال كوننا غير عابدين إلَّا إياه. قوله: (له النعمة) هي كل مستلذ ملائم محمود العاقبة ومن ثم قيل لا نعمة لله على كافر إنما ملاذه استدراج وتقديم الظرف يؤذن بالحصر وأل للجنس والاستغراق أي ما من نعمة دقيقة ولا جليلة إلَّا وهي من الله تعالى وإن كانت على يد وسائط لأنهم ليس لهم إلَّا الصورة والائم فقط وأما الحقيقة فهي لله تعالى وسيأتي حديث من قال إذا أصبح اللهم ما أصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فقد أدى حق ذلك اليوم وفي رواية لمسلم أهل النعمة والفضل. قوله: (ولهُ الفضلُ) على عباده بما لا يستحقونه. قوله: (ولهُ الثنَاءُ الحسَنُ) أي النعت المستحسن فهو يستحقه على عباده بطريق الذات لا بواسطة نعمة ولا غيرها بل وإن انتقم. قوله (مُخلِصينَ لهُ الدينَ) قيل هو حال من فاعل نقول الدال عليه ولو كره أي قولنا الكافرون أي نقولها حال كوننا مخلصين وقيل الأولى جعله حالًا من فاعل نعجد المذكور أي لا نعبد إلَّا إياه معتقدين اتصافه بهذه الأوصاف ومخلصين، والدين مفعول به لمخلصين والمراد به العبادة، وله ظرف قدم للاهتمام والمعنى لا نقصد بالعبادة إلّا ذاته ثم
стр. 797
ولَو كَرِهَ الكافِرونَ".
قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دُبُرَ كل صلاة.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثُور بالدرجات العلى
ــ
أن أثاب فبمحض فضله وإن عاقب فبعدله. قوله: (ولوْ كرهَ الكافرُونَ) هو غاية للقول المقدر أي نقول قولنا وإن كره الكافرون فمفعول كره القول وقدر المظهري المفعول بقوله أي كوننا مخلصين الدين لله وكوننا عابدين له غير مشركين به شيئًا وقال ابن حجر هو غاية لمحذوف دل عليه السياق أي تظهر ذلك ونعتقده وندين به وإن كره الكافرون ذلك منا لأنه الحق الذي ستروه بعنادهم والصدق الذي لم يذعنوا له لضلالهم وفسادهم اهـ. قوله: (وكَانَ رَسُولُ الله ﷺ الخ) وفي لفظ آخر لمسلم أورده في المشكاة عنه كان ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى لا إله إلَّا الله الخ. قال العاقولي ففيه دليل على استحباب رفعه بالذكر خلف الصلاة وقال ابن حجر رفع الصوت لتعليم أصحابه ﷺ وقد تقدم ما يتعلق بذلك. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح البخَاري ومُسلِم الخ) رواه النسائي كما في السلاح وقال القلقشندي أخرج أصله مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني والجوزقي وأبو نعيم والبيهقي والبغوي وغيرهم اهـ. قوله: (أَنَّ فقَرَاءَ المهَاجرِينَ) قال ابن العز الحجازي سمي منهم في رواية محمد ابن أبي عائشة عن أبي هريرة أبو ذر أخرجه أبو داود وسمي منهم أبو الدرداء عند النسائي اهـ. وإضافة
الفقراء للمهاجرين من إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى وأصله أن الفقراء المهاجرين وقال البرماوي يحتمل أن تكون من إضافة الصفة إلى موصوفها كجرد قطيفة ويكون التقدير المهاجرين ولعله أقرب وأحسن. قوله: (بالدَّرجاتِ العلا) بضم العين جمع عليا تأنيث الأعلى والباء فيه للمصاحبة ثم يجوز أن تكون الدرجات حسية وهي درج الجنان ويجوز أن يكون معنوية أي في ارتفاع قدرهم وقربهم من الله تعالى والمراد ذهب أهل الأموال الباذلين لها في الطاعات لسد الخلاف والحاجات مصاحبين وفائزين بدرجات الجنة
стр. 798
والنعيم المقيم، يصلون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون، فقال: "ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِه مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَكُونُ أَحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال:
ــ
ونعيمها الخاص بمن آتى المال على حبه وأنفقه في وجوه قربه أو بالقرب من الرضوان بما غرسوا من الإحسان وما ذكر من الصحابة على سبيل الغبطة وهو طلب مثل نعمة المغبوط وهي في أمر العقبى محمودة لا الحسد أي تمني زوال نعمة المحسود. قوله: (والنعِيم المُقِيمِ) أي الدائم ووصفه بذلك إشارة إلى أنهم لا يغبطون على ضده وهو النعيم الزائل فإنه قلما يصفو عن شوائب الأكدار فإن فرض صفاؤه بطريق الندرة أو فرض وقوع المحال فهو معرض لسرعة الانفصال والزوال. قوله: (يصلونَ الخ) جملة استئناف بياني جوابًا لسؤال مقدر قيل لم ذلك فقالوا لأنهم يصلون الخ، وقد جاء مصرحًا بالسؤال والجواب في رواية في الصحيح عند مسلم ولفظها فقال وما ذاك فقالوا: (يصلون الخ) في أفراد مسلم زيادة ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق وفي بعض طرقه زيادة وجاهدوا كما جاهدنا. قوله: (تُدْركونَ بهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وتَسبقُونَ بهِ مَنْ بعْدَكم) أي من أهل الأموال الذين يمتازون بالصدقة وغيرها والسبقية والبعدية يحتمل أن يرَاد بهما الأمر الحسن باعتبار الزمان المخصوص بهذه الأمة فإن فضيلتهم ثابتة على غيرهم من الأمم ويحتمل أن يراد بهما الأمر المعنوي وقال ابن دقيق العيد أنه أقرب. قوله: (ولا يكُون أَحَدٌ أَفضلَ منْكُم إلَّا منْ صَنَعَ مثْلَ مَا صنعْتمْ) قال في شرح المشكاة أي لا يكون لأحد من الأغنياء وغيرهم في زَمن أفضل منكم ولا مساو ما كم إلَّا من صنع مثل ما صنعتم فإنه يساويكم في ثواب ذلك العمل واحتيج إليه لبيان أن من عمل من غير الصحابة مثل عملهم أثيب مثل ثوابهم وإن امتازوا على غيرهم بفضيلة الصحبة والمشاهدة له ﷺ التي لا يوازيها عمل آخر فلولا ذلك الاستثناء فلربما يوهم أن بقية أعمالهم لا تلحق أيضًا وإنما قدرت المستثنى منه محذوفًا لتعذر صحة الاستثناء من المذكور إلا بتكلف اهـ، وما ذكره من أن من عمل من غير الصحابة كعملهم يساويهم في قدر الثواب يمنعه ويرده قوله ﷺ فإن أحدكم لو
стр. 799
تُسَبِّحُونَ وتحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خَلْفَ كل صلاةٍ
ــ
أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه ولا مانع من كون أعمالهم ثوابها أكثر من عمل غيرهم لمثل ذلك العمل زيادة في تشريفهم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ثم قال بعضهم ظاهر هذا يخالف ما سبق لأن الإدراك ظاهره المساواة وهذا ظاهر الأفضلية، وأجيب بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة فقد يدرك ثم يفوق وعلى هذا فيكون التقرب بهذا الذكر
أرجح من التقرب بالمال ويحتمل أن يقال معنى قوله إلا من صنع مثل ما صنعتم للمجموع أي من الفقراء فقال هذا الذكر ومن الأغنياء فتصدق أو إن الخطاب للفقراء خاصة لكن يشاركهم الأغنياء في الأفضلية المذكورة فيكون كل من الصنفين أفضل ممن لا يتقرب بالذكر ولا بالصدقة ويؤيده ما وقع عند البزار من حديث ابن عمر أدركتم مثل فضلهم.
واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال والجهاد ونحوهما مع شدة المشقة فيه.
وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل الأمور ألا ترى أن في كلمة الشهادة مع سهولتها من الثواب ما ليس في كثير من العبادات المشقة.
واستشكل أيضًا ثبوت الأفضلية مع تساوي العمل.
وأجيب بأن من ليست في موضع العموم بل المراد به من أهل الدثور فانهم المحدث عنهم وإن تساووا في الذكر لكن أهل الدثور يزيدون بالعبادات المالية فيكونون أفضل بهذا الاعتبار وتقدم في باب فضل الذكر في حديث ألا أخبركم بخير أعمالكم ما له تعلق تام بهذا المقام ثم ظاهره أنه فضل الأغنياء ولا شك في فضلهم حينئذٍ لزيادتهم بالعبادة المالية إنما محل الخلاف إذا تساووا في أداء الواجب فقط وانفرد كل بمصلحة ما هو فيه كذا في القواعد لابن عبد السلام وفيه أن فضيلة الفقراء اختص بها الفقراء عن غيرهم ولذا جرى الخلاف فقيل بفضل الفقير الصابر على الغني الشاكر والمذكور في الحديث ما يخالفه كما هو ظاهر لأن الذي فيه فضلهم للإتيان بهذا الذكر مع العبادات المالية وأما فضل الفقراء بفضيلة الفقر المحمودة فمسكوت عنه في الحديث. قوله: (تُسَبحُونَ وتُحمدُونَ وتُكَبِّروُنَ خَلفَ كل صلاةٍ الخ) هذه الأفعال الثلاثة تنازعت خلف وهو الظرف وثلاثًا وثلاثين وهو منتصب انتصاب المصدر
стр. 800
ثلاثًا وثلاثينَ".
قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة: لما سُئل عن كيفية ذِكْره؟ يقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن
ــ
وأطلق عليه بعضهم أنه مصدر توسعًا ووقع في بعض الروايات تقديم التكبير على التحميد وفي بعضها البداءة بالتكبير فدل ذلك على عدم اشتراط الترتيب فيها ويستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات لا يضرك بأيهن بدأت لكن يمكن أن يقال الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال ثم التأكيد إذ لا يلزم من نفي ذلك أن يكون هناك كبير آخر وليعلم أن ذات الشريف أكبر من أن يدركه وهم أو يعرفه فهم وينبغي أن يختم بالتهليل كما دل عليه أخبار آخر الدال على انفراده سبحانه بجميع ذلك ولا يخالفه قول أبي صالح يقول سبحان الله الخ، لما يأتي فيه. قوله: (ثلاثًا وثلاثينَ) يحتمل أن يكون المجموع هذا المقدار بحيث يكون كل واحد منها أحد عشر ويحتمل أن يكون كل منها يبلغ هذا العدد وتمام الحديث يبين أن المقصود الثاني قاله الكرماني قال ابن العز الحجازي وعلى هذا يتنازع ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر والتقدير تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبرون خلفها كذلك وبه يقيد ما تقدم قريبًا وقال المصنف في شرح مسلم ظاهر الأحاديث وطرق هذا الحديث غير رواية أبي صالح أن كل واحد منها يكون ثلاثًا وثلاثين وأما قول سهل يعني ابن أبي صالح إن كل واحد منها أحد عشر فلا ينافي رواية الأكثرين فإن معهم زيادة يجب
قبولها وفي رواية تمام المائة لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له الخ. قلت وسيأتي هذا في حديث لأبي هريرة وفي رواية أن التكبير أربعًا وثلاثين وسيأتي من حديث كعب قال وكلها زيادات ثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة وكذلك تحميدة وأربع وثلاثين تكبيرة ويأتي بعد ذلك بالتهليل للجمع بين الروايات اهـ، وقيل الجمع بين الروايات أن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة لا إله إلَّا الله وتقدم ما فيه وسيأتي لهذا المقام مزيد في حديث ابن عمر. قوله: (قَال أَبُو صالح) واسمه ذكوان وهو الزيات ويقال السمان مدني تابعي ثقة عالم مات سنة إحدى ومائة بالمدينة. قوله: (لما سُئِلَ الخ) في مسلم قال
стр. 801
ثلاث وثلاثون. الدثور: جمع دثر بفتح الدال، وإسكان الثاء المثلثة: وهو المال الكثير.
وروينا في "صحيح مسلم"، عن كعب بن عُجرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال:
ــ
سمي فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث فقال لي وهمت إنما قال لك تسبح الله ثلاثًا وثلاثين وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين قال سمي فرجعت إلى أبي صالح فذكرت له ذلك فقال تقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين وفي رواية في الصحيح عند البخاري قال فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثًا وثلاثين ونحمد ثلاثًا وثلاثين ونحبر أربعًا وثلاثين فرجعنا إليه فقال تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى تكون منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين قال الحافظ وقد تعين الراجع والمرجوع إليه من رواية مسلم اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة الظاهر أن السنة الإتيان بكل نوع من التسبيح والتحميد والتكبير على حدة وأما ما وقع في الصحيح عن أبي صالح قال تقول سبحان الله الخ. فإن الرواية الثانية عن أبي صالح ظاهرها أنه يأتي بالعدد من كل نوع على حدة اهـ. أي وظاهرها تفديم التسبيح ثم التحميد ثم التكبير وحكمته ما سبق، وأفتى السبكي بأن الأولى أن يستحضر معنى التسبيح وما بعده إجمالا ولا يحتاج لتفصيل الصفات التي يسبح عنها ويحمد عليها ويكبر عنها لورود ذلك مطلقًا في الكتاب والسنة وليتناول الجميع إلَّا في نحو عما يشركون عما يصلون لأن ذلك أحقر من أن يستحضر مع الرب وإنما يستحضر مع وجه كلي لضرورة صدور التسبيح عنه اهـ. قوله: (الدثورُ) أي بضم أوليه المهملة ثم المثلثة. قوله: (وسكونِ المثَلثَةِ) قلت وحكي تحريكها. قول، : (المالُ الكثِيرُ) ويطلق عليه الدثر بكسر المهملة وسكون المثلثة وقال الجوهري تبعًا لابن سيده الدثر بالمثلثة لا يثنى ولا يجمع قال الهروي يقال مال دثر ومالان دثر وأموال دثر وحكى المطرز وغيره أنه يثنى ويجمع قال الداودي الدثر من الأضداد يطلق على الغنى وعلى الإندراس. قوله: (وَرَوَينا في صحيح مسلم الخ) ورواه الترمذي والنسائي عن كعب بن عجرة قال الحافظ أخرجه كلهم عن أسباط بن محمد عن عمرو بن قيس عن الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب مرفوعًا قال الترمذي حديث حسن وقال شعبة وقد رواه شعبة عن الحكم فلم يرفعه ورفعه منصور
стр. 802
"مُعَقباتٌ لا يخِيبُ قائِلُهُن أو فاعِلُهُن
ــ
عن الحكم قال الحافظ هكذا اقتصر الترمذي في ذكر من رفعه على منصور وقد أخرجه مسلم من رواية أسباط بن محمد ومالك بن مغول كلهم عن
الحكم مرفوعًا أيضًا ورواه زيد بن أبي أنيسة عن الحكم مرفوعًا أيضًا وأما رواية شعبة فقد وقعت موقوفة كما قال الترمذي ومرفوعة عنه أيضًا ثم خرجه الحافظ عن شعبة عن كعب موقوفًا عليه بإسناد قال أنه على شرط مسلم وأخرجه عن شعبة عن كعب أيضًا مرفوعًا وقال وأخرجه ابن منده من رواية يزيد بن هارون عن شعبة مرفوعًا ورواه يحيى بن بكير عن شعبة مرفوعًا قال الحافظ وأخرجه ابن حبان في أوائل صحيحه من طريق شعيب بن حرب عن شعبة وحمزة الزيات ومالك بن مغول ثلاثتهم عن الحكم به مرفوعًا وأما رواية منصور التي أشار إليها الترمذي فأخرجها النسائي في اليوم والليلة من رواية سفيان الثوري ومن رواية أبي الأحوص كلاهما عن منصور رفع ووقفه عن أبي الأحوص اهـ. قلت وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على كتاب ابن السني في اليوم والليلة من حديث سفيان عن ابن عمير وعبدة بن أبي لبابة سمعا واردًا كاتب المغيرة وذكر الحديث مرفوعًا. قوله: (مُعَقِّبَات) بكسر القاف المشددة أي كلمات يأتي بعضها عقب بعض مأخوذ من العقب وفي النهاية سميت معقبات لأنها عادت مرة بعد أخرى أو لأنها تقال عقب الصلوات أو معقبات للثواب اهـ، وفي السلاح معقبات من التعقيب في الصلاة وهي الجلوس بعد انقضائها للدعاء ونحوه وفي الحديث من عقب في صلاة فهو في صلاة وعاقبه جاء بعقبه فهو معاقب وعقيب أيضًا ويجوز أن يكون من العود مرة بعد أخرى يقال النعامة تعقب في مرعى بعد مرعى وقوله تعالى: (معقبات هم ملائكة الليل وملائكة النهار يتعاقبون أي يعقب بعضهم بعضًا قال الجوهري وإنما أنث لكثرة ذلك منهم كتبيانة وعلامة اهـ، ومعقبات صفة مبتدأ أقيمت مقامه أي كلمات معقبات وجاز الابتداء به لوصفه وجملة لا يخيب الخ. خبر أو صفة. قوله: (لَا يخِيبُ قَائِلُهنَّ أَوْ فَاعلهنَّ) شك من الراوي لا تخيير كما توهمه الحنفي في شرح الحصين وجاء في رواية لمسلم والترمذي والنسائي وأبي عوانة لا يخيب قائلهن من غير شك والمراد لا يخسر ولا يحرم من الثواب الذي أعده الله لقائلها قال الرداد في موجبات الرحمة في قوله
стр. 803
دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ مَكْتُوَبةٍ، ثلاثًا وثلاثينَ تَسْبِيحَةً، وثَلاثًا وثَلاثينَ تَحْمِيدَةً، وأرْبَعًا وَثَلاثِينَ تكْبِيرَةً".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سَبحَ اللهَ في دُبُرِ كل
ــ
لا يخيب الخ. من إطلاق عموم الفضل ما لا يعبر عنه لسان ولا يضبطه فهم إنسان فإن ما يقول فيه النبي ﷺ لا يخيب لا تدري نفس ما أخفي لهم من قرة أعين في الدنيا والآخرة وما بينهما اهـ. قوله: (دبُرَ) تقدم ضبط هيئته ومعناه وأما إعرابه فقيل ظرف لقائل أو فاعل وقيل صفة بعد صفة وقيل خبر بعد خبر. قوله: (ثلاثًا وثلاثينَ) بالنصب كذا في نسخ الأذكار وهو الذي وقفت عليه في صحيح مسلم في طريقه والذي في نسخ المشكاة والسلاح والحصن بالرفع وخرجه ابن الجوزي على أنه خبر عن قوله معقبات وأو للشك وربما يقال للقائل فاعل إذ القول فعل من الأفعال وقال ابن حجر في شرح المشكاة خبر أول أو ثالث أو خبر مبتدأ محذوف والجملة للبيان اهـ، وكأن النصب بفعل محذوف أي يسبح تسبيحًا ثلاثًا وثلاثين الخ، ويحمد ويكبر الخ. أو يذكر ذكرًا ثلاثًا وثلاثين الخ. فثلاثَا وثلاثين منصوب لكونه صفة للمصدر أو بدلًا منه كما تقدم نظيره والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا أتي بها للبيان والله أعلم. قوله: (وأَربعًا وثلاثِينَ) هكذا هو بالنصب في إحدى روايتي مسلم ووجهه العطف على ما قبله وفي رواية
أخرى هو بالرفع مع نصب ما قبله ولعله على الاستئناف فأربع مبتدأ خبره محذوف أي يكمل بها المائة ولهذه المخالفة صلة مما قبله والله أعلم.
قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مسلِم) وكذا رواه أبو داود والنسائي أيضًا عن أبي هريرة وفي بعض طرق النسائي من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مائة وكبر مائة وهلل مائة وحمد مائة غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر كذا في السلاح وأخرج الحافظ الحديث من طريق أبي نعيم في المستخرج وابن خزيمة والطبراني كلهم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ فذكره قال الحافظ وقدم ابن خزيمة في روايته التكبير على التحميد وزاد فذلك تسع وتسعون وقال غفرت خطاياه وقال الحافظ أخرج الحديث الغرياني في كتاب الذكر وأخرج نحوه الطبراني وكذا هو عند أحمد وأخرجه أبو عوانة ومالك في الموطأ عن أبي عبيد شيخ سهيل فلم يرفعه واختلف على سهيل في إسناده وسياق
стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متنه فرواه الأئمة هكذا عن سهيل عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة مرفوعًا وخالفهم روح بن القاسم فرواه عن سهيل أي ابن أبي صالح المذكور عن أبيه عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور فذكر الحديث وفيه تسبحون وتحمدون وتكبرون إحدى عشرة واحدى عشرة واحدى عشرة فذلك كله ثلاثة وثلاثون أخرجه مسلم وأبو عوانة وصنيع مسلم يقتضي أنه كان عند سهيل حديثان متغايران وقد قيل أن التفسير من قبل سهيل فإنه لم يتابع عليه وسبق التصريح عن أبي هريرة بأن كل كلمة تقال ثلاثًا وثلاثين قال الحافظ وجاء عنه من وجه آخر كذلك وفيه زيادة فائدة تسمية قائل ذهب أهل الدثور ثم أخرجه من طريق أبي عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه حدثنا الوليد هو ابن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة أن أبا ذر ﵁ قال يا رسول الله ذهب أهل الأموال بالأجور يصلون كما نصلي الحديث وفيه تسبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين وتحمد ثلاثًا وثلاثين وتكبر ثلاثًا وثلاثين ثم تختمها بلا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه وله شاهد عند النسائي عن أبي الدرداء وفيه أيضًا أنه سأل عن ذلك وآخر عن أبي ذر نفسه أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة ولحديث كعب في أن التكبير أربع وثلاثون شاهد من حديث أبي الدرداء وفيه أنه قال قلت يا رسول الله ذهب الأغنياء بالدنيا والآخرة يصلون كما نصلي فذكر الحديث وفيه في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تسبيحة وثلاثًا وثلاثين تحميدة وأربعًا وثلاثبن تكبيرة قال الحافظ حديث حسن أخرجه النسائي وقال بعد تخريجه من طريق أخرى أعلى من الطريق الأولى بنحوه أخرجه أحمد والنسائي ثم أشار الحافظ إلى اختلاف على أبي عمرو راوي الحديث عن أبي ذر فرواه عنه كذلك الحكم وعبد العزيز بن رفيع وأبو الأحوص ومعمر وغيرهم وخالفهم شريك فزاد في سنده أم الدرداء لم أخرجه الحافظ من طريق الطبراني عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي عمرو عن أم الدرداء فذكره بنحوه قال الحافظ أخرجه كذلك النسائي وأخرج الحافظ شاهدًا آخر للحديث من حديث زيد بن ثابت قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ونحمد ثلاثًا
стр. 805
صلاة ثلاثًا وثلاثينَ، وحَمِدَ اللَّهَ ثلاثًا وثَلاثينَ، وكَبرَ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثينَ، وقال تمَامَ المِائَةِ: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمْدُ وهُوَ على كل شيء قدِيرْ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وإن كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ".
ــ
وثلاثين ونكبر أربعًا وثلاثين فرأى رجل في منامه أن رجلًا قال لو جعلتموها خمسًا وعشرين وزدتم فيها التهليل فذكر ذلك الرجل للنبي ﷺ فقال كذلك فافعلوا قال الحافظ حديث صحيح أخرجه أحمد وابن حبان عن ابن خزيمة وأخرجه النسائي من وجه آخر ورجاله رجال الصحيح الأكثير بن أفلح وقد وثقه النسائي والعجلي ولم أر لغيرهما فيه كلامًا وله شاهد حسن من حديث ابن عمر بمثله وفيه أن الراوي رجل من الأنصار أخرجه أبو العباس السراج اهـ. قوله: (صَلاةٍ) أي مكتوبة. قوله: (وحَمدَ الله) أي في دبر كل صلاة وحذف فيه وفيما بعده للعلم به مما قبله. قوله: (تَمَامَ المائةِ) بالنصب على أنه ظرف لقال وروي بالرفع على أنه مبتدأ خبره قوله لا إله إلَّا الله الخ، وحذف المصنف قوله في الحديث فتلك تسعة وتسعون من ثم قال تمام المائة الخ. لأنه لا يحصل للسامع بها فائدة جديدة لأن مضمونها معلوم مما قبلها وإن كان لذكرها في الخبر حكمتان التوطئة لقوله ثم قال تمام المائة الخ، وعلم الجملة كما علم التفصيل ليحاط به من جهتين فيتأكد واحد للعلم به إذ علمان خير من علم. قوله: (غفرَتْ خطَاياهُ) جزاء أو خبر لقوله من سبح والمكفر الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى لما تقدم. قوله: (مثل زَبدِ البحْرِ) أي في الكثرة قال الحافظ ابن حجر هو كناية عن المبالغة في الكثرة وقد تقدم له بيان في باب فضل الذكر واعلم أن في كل من الكلمات الثلاث روايات مختلفة ذكر المصنف بعضها ونذكر بعضا من باقيها فنقول. ورد التسبيح عشرًا وثلاثًا ومرة واحدة وسبعين ومائة وورد التحميد عشرًا ومائة وورد التكبير عشرًا ومائة وورد التهليل عشرًا ومائة ذكر هذه الروايات ابن حجر في شرح المشكاة ولم يبين من خرج كلا منها قال الحافظ الزين العراقي وكل ذلك حسن وما زاد فهو أحب إلى الله تعالى وجمع البغوي في شرح السنة باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة وأن يكون على سبيل التخيير أو يفترق
стр. 806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بافتراق الأحوال وظاهر كلام العراقي السابق ترجيح الثاني ونقل عن بعض مشايخه أن هذه الأعداد وغيرها مما ورد له عدد مخصوص مع ثواب مخصوص لا يحصل ذلك الثواب لمن زاد في أعدادها عمدًا ولعله لحكمة تفوت بمجاوزتها وفي التحفة لابن حجر لم يعثر العراقي على سر هذا العدد المخصوص يعني الثلاث والثلاثين في التكبير في الأولين والأربع والثلاثين في التكبير وهو أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون وهي إما ذاتية كالله أو جلالية كالكبرياء أو جمالية كالمحسن فجعل للأول التسبيح لأنه تنزيه للذات وللثاني التكبير وللثالث التحميد لانه يستدعي النعم وزيد في الثانية التكبير أو لا إله إلَّا الله لأنه قيل أن تمام المائة في الاسم الأعظم وهو داخل في أسماء الجلال وقال القرافي في القواعد تكره الزيادة ولا ثواب عند الزيادة أو النقص لأن فيها سوء أدب قال ومن البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا لأن شأن العظماء إذا حدوا حدًّا أن يوقف عنده ويعد الخارج عنه سيئًا للأدب اهـ.
وفي قواعد الصوفية للشيخ زروق المالكي ما خرج مخرج التعليم وقف به على جهته من غير زيادة ولا نقص وقد روي أن رجلًا كان يذكر في دبر الصلاة سبحان الله والحمد لله الخ، مائة من كل واحدة فرأى في منامه كأن قائلًا يقول أين الذاكرون أدبار الصلوات فقام فقيل له ارجع إنما هذه المزية لمن اقتصر على الثلاث والثلاثين فكل ما ورد فيه عدد قصر عليه وكذا اللفظ اهـ، وكأن الآتي به مائة لم يرد العمل بالرواية الأخرى إنما زاد هكذا فلم يحصل له الفضل فلا ينافي ما تقدم من كون ذلك ورد عند النسائي وأيد ما ذكر بأنه دواء إذا زيد فيه على قانونه يصير داء وبأنه مفتاح وهو إذا زيد على أسنانه لا يفتح وقال غيره يحصل الثواب مع الزيادة ومقتضى كلام الزين العراقي ترجيحه لأنه نظر فيما نقله عن بعض أشياخه بأنه بالإتيان بالأصل قد حصل له ثوابها فلا تكون الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله، ورد بعض أئمتنا كلام القرافي السابق وبالغ في تزييفه وأنه لا يحل اعتقاده ثم ساق أحاديث وقال أنها تدل على الثواب مطلقًا وإن القصد الإتيان بهذه الأنواع الثلاثة من الذكر، وجمع بعضهم بأن من أثبت الثواب أراد من حيث كونه مطلق ذكر لا من حيث كونه عقب الصلاة ومن نفى أراد الثواب من حيث كونه عقب الصلاة قال الخلاف إلى ذلك فحسب فلا اعتراض على القرافي وبحث
стр. 807
وروينا في "صحيح البخاري" في أوائل "كتاب الجهاد" عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات: "اللهُم إني أعُوذ بكَ منَ الجُبْنِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وأعُوذُ بِكَ
ــ
الحافظ في الفتح التفرقة بين أن ينوي عند الانتهاء إلى الحد المخصوص الامتثال ثم يزيد فيثاب وبين أن يزيد بغير نية بأن يكون الثواب على عشرة فيرتبه هو مائة فيتجه عدم الثواب ومثله بالدواء فيما سبقه اهـ، وفي التحفة لابن حجر وأوجه منه تفصيل آخر هو أنه أن زاد لنحو شك عذر أو لتعبد فلا لأنه مستدرك على الشارع وهو ممتنع.
قوله: (وَرَوَينَا في صحِيح البخَاري الخ) ورواه النسائي والترمذي والنسائي أيضًا عن سعد ولفظ صحيح البخاري عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد يعني ابن أبي وقاص يعلم بنته هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول إن رسول الله ﷺ يتعوذ بهن دبر كل صلاة اللهم إني أعوذ بك من الجبن الخ. قال عبد الملك فحدثت به مصعب بن سعد فصدقه أخرجه البخاري في باب التعوذ من الجبن في كتاب الجهاد وأخرجه في أواخر صفة الصلاة وفي الدعوات عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه وليس فيه ذكر عمرو بن ميمون ولا التقييد بدبر الصلاة وقد أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون ومصعب بن سعد جميعًا عن سعد وزاد فيه دبر الصلاة وكذا أخرجه ابن خزيمة قاله الحافظ. قوله: (منَ الجُبنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة وبفتحتين على ما في القاموس يقال جبان كسحاب وشداد قال ميرك وقد ورد في هذا الحديث عند البخاري زيادة هي وأعوذ بك من البخل فقيل الجود اما بالنفس وهو الشجاعة ومقابله الجبن أو بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلَّا في نفس كاملة ولا ينعدمان إلّا في متناه في النقص إذ البخل يقطع عن الوصول إلى
الحضرة الإلهية ويوجب لها الحرمان عن الظفر بشيء من معارفها الربانية. قوله: (وأَعُوذُ بكَ منَ أَن أرَدَّ) هو بالبناء للمجهول أي من الرجوع إلى أرذل العمر بضمتين وقد تسكن الميم أي إلى آخر العمر، هو أرذله لاستلزامه العجز والهرم والخرف والعود إلى حال الطفولية المنافي لما خلق له الإنسان من العلم والمعرفة وأداء العبادات الباطنة
стр. 808
مِنْ فِتْنَةِ الدنْيا وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبرِ".
وروينا في "سنن أبي داود والترمذي والنسائي" عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "خَصْلَتانِ أو خَلَّتانِ لا يُحافِظُ عَلَيْهما عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلا دَخَلَ الجنةَ، هُمَا يَسِيرٌ، ومَنْ يَعْمَلُ بِهِما قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ اللهَ تَعالى دُبُرَ كل صلاةِ عَشْرًا وَيحْمَدُ عَشْرًا، ويُكَبِّر عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ ومائَة باللِّسَانِ، وألفٌ وخَمْسمُائَةٍ في المِيزانِ، وَيُكَبرُ أربعًا وَثَلاثينَ إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيحْمَدُ ثَلاثًا وثلا ثينَ، ويُسبح ثلاثًا وثلاثين فذَلِكَ مِائَةٌ باللسانِ، وألف بالميزَانِ"، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ
ــ
والظاهرة على وجهها الأكمل والتفكر في الآية الموجب للشكر وإدامة المراقبة والشهود، ولإضاعة أرذل العمر هذه الكمالات كانت الاستعاذة لا سيما في آكد أوقات الإجابة. قوله: (منَ فِتنَةِ الدُّنيا) التي من شأنها أن تلهي عن الله تعالى وتقطع عبادته وتطمس القلب عن التطلع إلى شهود آلائه ومصنوعاته.
قوله: (وَرَوَينَا في سُنَن أَبِي دَاوُدَ) واللفظ له ورواه ابن حبان في صحيحه. قوله: (والترْمذِي) أي وقال حديث حسن صحيح قال الحافظ بعد تخريج الحديث حديث صحيح أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه كلهم عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو اهـ. قوله: (خَصلتَان أَوْ خَلَّتان لَا يحَافِظُ علَيهِمَا الخ) هذا الشك في رواية لأبي داود ورواية الترمذي والنسائي خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة والخلة بفتح الخاء بمعنى الخصلة قال في المشارق في حديث البخاري أربع خلال من كن فيه أي أربع خصال والخلة بالفتح الخصلة ومثله في الصحاح ولم يذكره في النهاية. قوله: (هُمَا يسِيرٌ) أي كل منهما يسير لسهولة النطق به والجملة وما عطف عليها اعتراض أكد بها التخصيص والتحريض على الإتيان بهما. قوله: (ومَنْ يعْمَلُ) أي يأت. قوله: (قلِيلٌ) أي لقلة الذاكرين بالنسبة لغيرهم. قوله: (يسئحُ الله الخ) هو إلى قوله يكبر عشرًا بيان لإحدى الخصلتين. قوله: (فذلِكَ) أي المذكور من التسبيح وما بعده وأشير إليه بما يشار به للبعيد لأنه لكونه غير مرئي كالبعيد وفي المشكاة فتلك أي التسبيحات وما معها. قوله: (خمْسُونَ ومائة) أي لأنها ثلاثون عقب كل من الخمس. قوله: (فذلِكَ مِائة باللسَانِ الخ) زاد النسائي في الحديث بعد ذلك قوله فأيكم يعمل في اليوم
стр. 809
يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليلِ؟ قال: "يأتي أحَدَكُمْ -يعني الشيطانُ- في مَنامِهِ، فَيُنَوّمُهُ قَبْلَ أنْه يَقُولَهُ، ويأتِيهِ في صَلاتهِ، فَيُذكرَهُ حاجَةً قَبْلَ أن يَقُولَهَا"، إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب، وفيه اختلاف بسبب اختلاطه.
وقد أشار أيوب
ــ
والليلة ألفين وخمسمائة سيئة ووجه التفريع أنه يحصل من مجموع ثواب الخصلتين الفان وخمسمائة حسنة وقد تقرر أن كل حسنة من التضعيف كالأصل تمحو سيئة فإذا تقرر ذلك عندكم فأيكم يعمل الخ. أي هذا بعيد وبفرضه فيكفرها ما ذكر من الحسنات وهذا مما يقتضي الدوام على هذا الذكر لعظم فضله فالفاء فيه جواب شرط مقدر كما علم من الكلام السابق والاستفهام فيه نوع إنكار عليهم أي فأيكم يأتي بهذا العدد حتى يكفر بهذا فما لكم لا تأتون بهذا وأي مانع لكم منه.
قوله: (يعْقِدهَا بيَدِهِ) ورد الأمر بالعقد بالأنامل في حديث فيحتمل أنه مخير ويحتمل أن المراد هنا
الأنامل أو بالعكس. قوله: (يأتِي أَحدَكمْ الخ) أوضح منه ما أورده في المشكاة قال يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول له اذكر كذا اذكر كذا حتى ينتقل فلعله ألا يفعل ويأتيه في مضجعه فلا يزال ينومه حتى ينام رواه الترمذي والنسائي وأبو داود. قوله: (إِلا أن فيه عطَاءَ بْنَ السائبِ الخ) قال الذهبي في الكاشف عطاء بن السائب الثقفي الكوفي أحد الأعلام على لين فيه، عن أبيه وابن أبي أوفى وأبي عبد الرحمن السلمي، وعنه شعبة والحمادان والسفيانان وأمم، ثقة ساء حفظه بآخرة قال أبو حاتم سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير وقال أحمد ثقة رجل صالح يختم القرآن كل ليلة روى عنه أصحاب السنن الأربعة والبخاري مات سنة ست وثلاثين ومائة اهـ. قال الحافظ وقول الشيخ إلَّا أن فيه عطاء بن السائب الخ. لا أثر لذلك فإن شعبة والثوري وحماد بن زيد سمعوا من عطاء قبل الاختلاط وقد اتفقوا على أن الثقة إذا يتميز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قبل وهذا من ذلك ويؤيده قوله وأشار أيوب الخ. قال الحافظ وكأنه أشار به إلى ما رويناه عن حماد بن زيد قال أنه لما قدم عطاء بن السائب البصرة قال لنا أيوب يعني السختياني اذهبوا فاسألوه عن حديث التسبيح يعني هذا الحديث قال الحافظ وأصرح منه عن حماد قال كان أيوب حدثنا بهذا الحديث عن عطاء فذكره قال فلما قدم علينا عطاء البصرة قال
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لنا أيوب اذهبوا فأسمعوه أي هذا الحديث من عطاء قال الحافظ فدل على أن عطاء حدث به قديمًا بحيث حدث به عنه أيوب في حياته وهو من أقرانه أو أكبر منه لكن في كون هذا حكمًا من أيوب بصحة الحديث نظر لأن الظاهر أنه قصد علو الإسناد لهم قال الحافظ ووالد عطاء الذي تفرد بهذا الحديث لم يخرج له الشيخان لكنه ثقة ولحديثه شاهد قوي بسند قوي فلذلك صححت الحديث وشاهده ما أخرجه الحافظ عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ أيمنع أحدكم أن يكبر في دبر كل صلاة عشرًا ولسبح عشرًا كذا في خمس صلوات خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان فإذا أوى إلى فراشه يكبر الله أربعًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين فذلك مائة باللسان والف في الميزان قال وأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة وقال الحافظ حديث حسن من هذا الوجه أخرجه النسائي في اليوم والليلة عن الحسن بن عرفة قال النسائي خالفه شعبة وغيره في لفظه قال الحافظ وأشار إلى حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو عوانة وغيرهم، ولحديث عبد الله بن عمر وشاهد من حديث عطاء عن أبيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له ولفاطمة تسبحان دبر كل صلاة عشرًا وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا فإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثًا وثلاثين وتحمدان ثلاثًا وثلاثين وتكبران أربعًا وثلاثين وفي الحديث قصة، فالحديث رواه عطاء عن أبيه وقال عن علي بدل عبد الله بن عمرو فمنهم من أعله به ومنهم من
جعله حديثين محفوظين وهو الظاهر لاختلاف سياقهما وإن اشتركا في بعض ولأنه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء وسماعه من قبل الاختلاط وقد روى عنه حماد الحديث الآخر كما تقدم وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم مالك الأنصارية أن النبي ﷺ علمها أن تقول في دبر كل صلاة سبحان الله عشرًا والحمد لله عشرًا والله أكبر عشرًا وهو من رواية عطاء بن السائب أيضًا لكن قال عن يحيى بن جعدة عن رجل حدثه عن أم مالك والراوي له عن عطاء إنما سمع بعد الاختلاط وأخرج البزار وأبو يعلى عن أنس أن النبي ﷺ علم أم سليم وهي والدة أنس نحو
следующие страницы →