← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بافتراق الأحوال وظاهر كلام العراقي السابق ترجيح الثاني ونقل عن بعض مشايخه أن هذه الأعداد وغيرها مما ورد له عدد مخصوص مع ثواب مخصوص لا يحصل ذلك الثواب لمن زاد في أعدادها عمدًا ولعله لحكمة تفوت بمجاوزتها وفي التحفة لابن حجر لم يعثر العراقي على سر هذا العدد المخصوص يعني الثلاث والثلاثين في التكبير في الأولين والأربع والثلاثين في التكبير وهو أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون وهي إما ذاتية كالله أو جلالية كالكبرياء أو جمالية كالمحسن فجعل للأول التسبيح لأنه تنزيه للذات وللثاني التكبير وللثالث التحميد لانه يستدعي النعم وزيد في الثانية التكبير أو لا إله إلَّا الله لأنه قيل أن تمام المائة في الاسم الأعظم وهو داخل في أسماء الجلال وقال القرافي في القواعد تكره الزيادة ولا ثواب عند الزيادة أو النقص لأن فيها سوء أدب قال ومن البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا لأن شأن العظماء إذا حدوا حدًّا أن يوقف عنده ويعد الخارج عنه سيئًا للأدب اهـ. وفي قواعد الصوفية للشيخ زروق المالكي ما خرج مخرج التعليم وقف به على جهته من غير زيادة ولا نقص وقد روي أن رجلًا كان يذكر في دبر الصلاة سبحان الله والحمد لله الخ، مائة من كل واحدة فرأى في منامه كأن قائلًا يقول أين الذاكرون أدبار الصلوات فقام فقيل له ارجع إنما هذه المزية لمن اقتصر على الثلاث والثلاثين فكل ما ورد فيه عدد قصر عليه وكذا اللفظ اهـ، وكأن الآتي به مائة لم يرد العمل بالرواية الأخرى إنما زاد هكذا فلم يحصل له الفضل فلا ينافي ما تقدم من كون ذلك ورد عند النسائي وأيد ما ذكر بأنه دواء إذا زيد فيه على قانونه يصير داء وبأنه مفتاح وهو إذا زيد على أسنانه لا يفتح وقال غيره يحصل الثواب مع الزيادة ومقتضى كلام الزين العراقي ترجيحه لأنه نظر فيما نقله عن بعض أشياخه بأنه بالإتيان بالأصل قد حصل له ثوابها فلا تكون الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله، ورد بعض أئمتنا كلام القرافي السابق وبالغ في تزييفه وأنه لا يحل اعتقاده ثم ساق أحاديث وقال أنها تدل على الثواب مطلقًا وإن القصد الإتيان بهذه الأنواع الثلاثة من الذكر، وجمع بعضهم بأن من أثبت الثواب أراد من حيث كونه مطلق ذكر لا من حيث كونه عقب الصلاة ومن نفى أراد الثواب من حيث كونه عقب الصلاة قال الخلاف إلى ذلك فحسب فلا اعتراض على القرافي وبحث

стр. 807

وروينا في "صحيح البخاري" في أوائل "كتاب الجهاد" عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات: "اللهُم إني أعُوذ بكَ منَ الجُبْنِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وأعُوذُ بِكَ ــ الحافظ في الفتح التفرقة بين أن ينوي عند الانتهاء إلى الحد المخصوص الامتثال ثم يزيد فيثاب وبين أن يزيد بغير نية بأن يكون الثواب على عشرة فيرتبه هو مائة فيتجه عدم الثواب ومثله بالدواء فيما سبقه اهـ، وفي التحفة لابن حجر وأوجه منه تفصيل آخر هو أنه أن زاد لنحو شك عذر أو لتعبد فلا لأنه مستدرك على الشارع وهو ممتنع. قوله: (وَرَوَينَا في صحِيح البخَاري الخ) ورواه النسائي والترمذي والنسائي أيضًا عن سعد ولفظ صحيح البخاري عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد يعني ابن أبي وقاص يعلم بنته هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول إن رسول الله ﷺ يتعوذ بهن دبر كل صلاة اللهم إني أعوذ بك من الجبن الخ. قال عبد الملك فحدثت به مصعب بن سعد فصدقه أخرجه البخاري في باب التعوذ من الجبن في كتاب الجهاد وأخرجه في أواخر صفة الصلاة وفي الدعوات عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه وليس فيه ذكر عمرو بن ميمون ولا التقييد بدبر الصلاة وقد أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون ومصعب بن سعد جميعًا عن سعد وزاد فيه دبر الصلاة وكذا أخرجه ابن خزيمة قاله الحافظ. قوله: (منَ الجُبنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة وبفتحتين على ما في القاموس يقال جبان كسحاب وشداد قال ميرك وقد ورد في هذا الحديث عند البخاري زيادة هي وأعوذ بك من البخل فقيل الجود اما بالنفس وهو الشجاعة ومقابله الجبن أو بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلَّا في نفس كاملة ولا ينعدمان إلّا في متناه في النقص إذ البخل يقطع عن الوصول إلى الحضرة الإلهية ويوجب لها الحرمان عن الظفر بشيء من معارفها الربانية. قوله: (وأَعُوذُ بكَ منَ أَن أرَدَّ) هو بالبناء للمجهول أي من الرجوع إلى أرذل العمر بضمتين وقد تسكن الميم أي إلى آخر العمر، هو أرذله لاستلزامه العجز والهرم والخرف والعود إلى حال الطفولية المنافي لما خلق له الإنسان من العلم والمعرفة وأداء العبادات الباطنة

стр. 808

مِنْ فِتْنَةِ الدنْيا وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبرِ". وروينا في "سنن أبي داود والترمذي والنسائي" عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "خَصْلَتانِ أو خَلَّتانِ لا يُحافِظُ عَلَيْهما عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلا دَخَلَ الجنةَ، هُمَا يَسِيرٌ، ومَنْ يَعْمَلُ بِهِما قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ اللهَ تَعالى دُبُرَ كل صلاةِ عَشْرًا وَيحْمَدُ عَشْرًا، ويُكَبِّر عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ ومائَة باللِّسَانِ، وألفٌ وخَمْسمُائَةٍ في المِيزانِ، وَيُكَبرُ أربعًا وَثَلاثينَ إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيحْمَدُ ثَلاثًا وثلا ثينَ، ويُسبح ثلاثًا وثلاثين فذَلِكَ مِائَةٌ باللسانِ، وألف بالميزَانِ"، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ــ والظاهرة على وجهها الأكمل والتفكر في الآية الموجب للشكر وإدامة المراقبة والشهود، ولإضاعة أرذل العمر هذه الكمالات كانت الاستعاذة لا سيما في آكد أوقات الإجابة. قوله: (منَ فِتنَةِ الدُّنيا) التي من شأنها أن تلهي عن الله تعالى وتقطع عبادته وتطمس القلب عن التطلع إلى شهود آلائه ومصنوعاته. قوله: (وَرَوَينَا في سُنَن أَبِي دَاوُدَ) واللفظ له ورواه ابن حبان في صحيحه. قوله: (والترْمذِي) أي وقال حديث حسن صحيح قال الحافظ بعد تخريج الحديث حديث صحيح أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه كلهم عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو اهـ. قوله: (خَصلتَان أَوْ خَلَّتان لَا يحَافِظُ علَيهِمَا الخ) هذا الشك في رواية لأبي داود ورواية الترمذي والنسائي خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة والخلة بفتح الخاء بمعنى الخصلة قال في المشارق في حديث البخاري أربع خلال من كن فيه أي أربع خصال والخلة بالفتح الخصلة ومثله في الصحاح ولم يذكره في النهاية. قوله: (هُمَا يسِيرٌ) أي كل منهما يسير لسهولة النطق به والجملة وما عطف عليها اعتراض أكد بها التخصيص والتحريض على الإتيان بهما. قوله: (ومَنْ يعْمَلُ) أي يأت. قوله: (قلِيلٌ) أي لقلة الذاكرين بالنسبة لغيرهم. قوله: (يسئحُ الله الخ) هو إلى قوله يكبر عشرًا بيان لإحدى الخصلتين. قوله: (فذلِكَ) أي المذكور من التسبيح وما بعده وأشير إليه بما يشار به للبعيد لأنه لكونه غير مرئي كالبعيد وفي المشكاة فتلك أي التسبيحات وما معها. قوله: (خمْسُونَ ومائة) أي لأنها ثلاثون عقب كل من الخمس. قوله: (فذلِكَ مِائة باللسَانِ الخ) زاد النسائي في الحديث بعد ذلك قوله فأيكم يعمل في اليوم

стр. 809

يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليلِ؟ قال: "يأتي أحَدَكُمْ -يعني الشيطانُ- في مَنامِهِ، فَيُنَوّمُهُ قَبْلَ أنْه يَقُولَهُ، ويأتِيهِ في صَلاتهِ، فَيُذكرَهُ حاجَةً قَبْلَ أن يَقُولَهَا"، إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب، وفيه اختلاف بسبب اختلاطه. وقد أشار أيوب ــ والليلة ألفين وخمسمائة سيئة ووجه التفريع أنه يحصل من مجموع ثواب الخصلتين الفان وخمسمائة حسنة وقد تقرر أن كل حسنة من التضعيف كالأصل تمحو سيئة فإذا تقرر ذلك عندكم فأيكم يعمل الخ. أي هذا بعيد وبفرضه فيكفرها ما ذكر من الحسنات وهذا مما يقتضي الدوام على هذا الذكر لعظم فضله فالفاء فيه جواب شرط مقدر كما علم من الكلام السابق والاستفهام فيه نوع إنكار عليهم أي فأيكم يأتي بهذا العدد حتى يكفر بهذا فما لكم لا تأتون بهذا وأي مانع لكم منه. قوله: (يعْقِدهَا بيَدِهِ) ورد الأمر بالعقد بالأنامل في حديث فيحتمل أنه مخير ويحتمل أن المراد هنا الأنامل أو بالعكس. قوله: (يأتِي أَحدَكمْ الخ) أوضح منه ما أورده في المشكاة قال يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول له اذكر كذا اذكر كذا حتى ينتقل فلعله ألا يفعل ويأتيه في مضجعه فلا يزال ينومه حتى ينام رواه الترمذي والنسائي وأبو داود. قوله: (إِلا أن فيه عطَاءَ بْنَ السائبِ الخ) قال الذهبي في الكاشف عطاء بن السائب الثقفي الكوفي أحد الأعلام على لين فيه، عن أبيه وابن أبي أوفى وأبي عبد الرحمن السلمي، وعنه شعبة والحمادان والسفيانان وأمم، ثقة ساء حفظه بآخرة قال أبو حاتم سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير وقال أحمد ثقة رجل صالح يختم القرآن كل ليلة روى عنه أصحاب السنن الأربعة والبخاري مات سنة ست وثلاثين ومائة اهـ. قال الحافظ وقول الشيخ إلَّا أن فيه عطاء بن السائب الخ. لا أثر لذلك فإن شعبة والثوري وحماد بن زيد سمعوا من عطاء قبل الاختلاط وقد اتفقوا على أن الثقة إذا يتميز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قبل وهذا من ذلك ويؤيده قوله وأشار أيوب الخ. قال الحافظ وكأنه أشار به إلى ما رويناه عن حماد بن زيد قال أنه لما قدم عطاء بن السائب البصرة قال لنا أيوب يعني السختياني اذهبوا فاسألوه عن حديث التسبيح يعني هذا الحديث قال الحافظ وأصرح منه عن حماد قال كان أيوب حدثنا بهذا الحديث عن عطاء فذكره قال فلما قدم علينا عطاء البصرة قال

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لنا أيوب اذهبوا فأسمعوه أي هذا الحديث من عطاء قال الحافظ فدل على أن عطاء حدث به قديمًا بحيث حدث به عنه أيوب في حياته وهو من أقرانه أو أكبر منه لكن في كون هذا حكمًا من أيوب بصحة الحديث نظر لأن الظاهر أنه قصد علو الإسناد لهم قال الحافظ ووالد عطاء الذي تفرد بهذا الحديث لم يخرج له الشيخان لكنه ثقة ولحديثه شاهد قوي بسند قوي فلذلك صححت الحديث وشاهده ما أخرجه الحافظ عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ أيمنع أحدكم أن يكبر في دبر كل صلاة عشرًا ولسبح عشرًا كذا في خمس صلوات خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان فإذا أوى إلى فراشه يكبر الله أربعًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين فذلك مائة باللسان والف في الميزان قال وأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة وقال الحافظ حديث حسن من هذا الوجه أخرجه النسائي في اليوم والليلة عن الحسن بن عرفة قال النسائي خالفه شعبة وغيره في لفظه قال الحافظ وأشار إلى حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو عوانة وغيرهم، ولحديث عبد الله بن عمر وشاهد من حديث عطاء عن أبيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له ولفاطمة تسبحان دبر كل صلاة عشرًا وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا فإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثًا وثلاثين وتحمدان ثلاثًا وثلاثين وتكبران أربعًا وثلاثين وفي الحديث قصة، فالحديث رواه عطاء عن أبيه وقال عن علي بدل عبد الله بن عمرو فمنهم من أعله به ومنهم من جعله حديثين محفوظين وهو الظاهر لاختلاف سياقهما وإن اشتركا في بعض ولأنه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء وسماعه من قبل الاختلاط وقد روى عنه حماد الحديث الآخر كما تقدم وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم مالك الأنصارية أن النبي ﷺ علمها أن تقول في دبر كل صلاة سبحان الله عشرًا والحمد لله عشرًا والله أكبر عشرًا وهو من رواية عطاء بن السائب أيضًا لكن قال عن يحيى بن جعدة عن رجل حدثه عن أم مالك والراوي له عن عطاء إنما سمع بعد الاختلاط وأخرج البزار وأبو يعلى عن أنس أن النبي ﷺ علم أم سليم وهي والدة أنس نحو

стр. 811

السختياني إلى صحة حديثه هذا. وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁، قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة". وفي رواية أبي داود: "بالمعوذات"، ــ ذلك وأصله عند الترمذي والنسائي من وجه آخر عن أنس وسنده قوي. قلت وقد سبق فيما يقول إذا قام إلى الصلاة وأخرج الترمذي عن ابن عباس حديثًا فيه التهليل دبر كل صلاة عشر مرات وقال حسن اهـ. كلام الحافظ. قوله: (السختِيَانِي) نسبة إلى عمل السختيان وبيعه وهو الجلود الضانية ليست بأدام قال في لب اللباب اشتهر بهذه النسبة أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري وأبو إسحاق عمران بن موسى بن مجاشع محدث جرجان وغيرهما وبه يعلم أن ما يوجد في بعض نسخ الأذكار من قوله السختياني من تحريف الكتاب. قوله: (وغيْرهِمْ) أي كأحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك وابن السني كلهم عن عقبة إلَّا انهم قالوا المعوذات بصيغة الجمع والحديث صحيح كما قاله الحافظ. قوله: (عنْ عقْبَةَ بْنِ عامرٍ) هو أبو حماد وقيل أبو عامر وقيل أبو أسد وقيل أبو لبيد وقيل أبو سعاد وقيل أبو عمر وقيل غير ذلك عقبة بن عامر بن عبس بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ثم سين مهملة ابن عمر بن عدي بن عمرو بن رفاعة الجهني القضاعي الصحابي الجليل قال الحافظ الذهبي فيه صحابي كبير أمير شريف فصيح مقرئ فرضي شاعر ولي غزو البحر قال ابن حجر العسقلاني واختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد وكان عقبة من فضلاء الصحابة ونبلائهم فباشر فتوح الشام فحزم وعزم وكان البشير إلى عمر بفتح دمشق ووصل إلى المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى دمشق في يومين ونصف ببركة دعائه عند قبر النبي ﷺ أن يقرب عليه مسافته وكان سكن دمشق ثم انتقل إلى مصر بعد موت أخيه واليًا لمعاوية سنة أربع وأربعين ومات بها سنة ثمان وخمسين وقيل توفي بالشام آخر خلافة معاوية وقيل قبل النهروان سنة ثمان وثلاثين وهو غلط وقيل أن قبره بالبصرة روي له خمسة وخمسون حديثًا اتفقا منها على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بتسعة ﵁. قوله: (بالمعَوذَتيْنِ هما بكسر الواو ويجوز فتحها. قوله: (وفي رَوايةِ أَبِي دَاوُدَ بالمعَوذَاتِ) أي بصيغة الجمع وهي كذلك عند النسائي والبيهقي قال الحافظ

стр. 812

فينبغي أن يقرأ: "قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس". ــ بعد أن أخرج المتن من طريق الطبراني في كتاب الدعاء وقال فيه بالمعوذات وأخرجه أحمد أيضًا وأبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن وهب وأخرجه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان ووقع في رواية جميعهم بالمعوذات قال ففي اقتصار الشيخ على عزوها لأبي داود إيهام انفراد وليس كذلك اهـ. قوأله: (قَال المصنف فَينْبغي أَنْ يقْرأَ (قُل هُوَ اللهُ أَحَد) [الإخلاص: ١]) هو مرتب على رواية المعوذات لأنه جمع وأقل الجمع ثلاث فجعل سورة الإخلاص منها تغليبًا قال الحافظ وفيه احتمال أن يراد بالمعوذات آيات السورتين ثم قال ويؤيده ما جاء في بعض طرق حديث عقبة هذا لقد أنزلت علي آيات لم أر مثلهن المعوذات اهـ، وقال ابن حجر الهيتمي المعوذات (فُلْ هوَ اللهُ أَحَد) والمعوذتان وغلبهما عليها لكونهما أكثر وفي الحرز يحتمل أن يكون رواية الجمع بناء على أن أقل الجمع اثنان فتتفق الروايتان وإما أن تدخل سورة الإخلاص أو الكافرون في المعوذات لأن كلتيهما براءة من الشرك والتجاء إلى الله تعالى اهـ، وظاهر كلام الحافظ أن قول المصنف فينبغي الخ. مخصوص برواية الجمع والظاهر أنه مطلوب حتى على رواية التثنية ووجهه حينئذٍ أن تلك الرواية سكتت عما جاء مزيدًا عند ثقة آخر وما كان هذا سبيله عمل بالجميع والله أعلم، اهـ. قال الحافظ وجاء الأمر بالتعوذ بالإخلاص والمعوذتين في حديث أخرجه البزار وسنذكره في الباب الذي بعده في الكلام على حديث عبد الله بن خبيب قال الحافظ وهو يؤيد تأويل الشيخ ﵀ وورد الترغيب في قراءة سورة الإخلاص عقب الصلاة المكتوبة صريحًا في حديث جابر بن عبد الله وهو حديث غريب أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء ولفظه ثلاث من جاء بهن مع الإيمان أدخل من أي أبواب الجنة شاء من عفا عن قاتله وأدى دينًا خفيًّا وقرأ قل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة فقال أبو بكر وواحدة يا رسول الله فقال وواحدة وجاء حديث في قراءتها مع آية الكرسي في حديث أبي أمامة الباهلي وهو حديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى والدارقطني في الأفراد وقد غفل ابن الجوزي فأورده في الموضوعات من طريق الدارقطني ولم يستدل لمدعاه إلَّا بالتكلم في واحد من رواته بجرح غير مفسر وهو لا يقبل وبفرض قبوله فلا يلزم مته وضع الحديث ومن ثم أنكر الحافظ الضياء ذلك على ابن الجوزي وأخرجه في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين وقال ابن عبد الهادي لم يصب ابن الجوزي والحديث صحيح

стр. 813

وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، والنسائي، عن معاذ ﵁، أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا مُعاذُ ــ قال الحافظ لم أجد للمتقدمين تصريحًا بتصحيحه وقد أخرجه ابن حبان في كتاب الصلاة المفرد ولم يخرجه في كتاب الصحيح اهـ. تنبيه ذكر الشيخ في المجموع أن الطبراني روى في معجمه أحاديث في فضل آية الكرسي عقب الصلاة ولكنها ضعيفة كذا أطلق وحديث أبي أمامة الذي ذكرناه حسن أو صحيح كما تقدم اهـ، وفي المشكاة عن عقبة بن عامر ﵁ قال بينا أنا أسير مع النبي ﷺ بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله ﷺ يقرأب (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) [الفلق: ١] (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] ويقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما رواه أبو داود قال ابن حجر في شرحها ومن ثم لما سحر النبي ﷺ مكث مسحورًا سنة حتى أنزل الله عليه ملكين فعلماه أن يتعوذ بهما ففعل فزال عنه ما كان يجده من السحر وبه علم أنه لا أبلغ في إزالة السحر وعدم تأثيره من المداومة عليهما لا سيما عقب كل صلاة كما جرب اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في إِسنَادٍ صَحِيح في سُننِ أَبِي دَاوُدَ والنسائِي) وكذا رواه أحمد وإسحاق في مسنديهما والطبراني في الدعاء وابن حبان في موضعين من صحيحه وقال صحيح على شرطهما قال الحافظ أما قوله صحيح فصحيح وأما الشرط ففيه نظر فلم يخرجا لبعض رواته في المستدرك ورواه ابن السني كلهم عن معاذ قال الحافظ وهو حديث صحيح. قوله: (عَنْ معاذٍ) وهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بتحتية فمعجمة ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بضم الهمزة وتخفيف الدال المهملة المفتوحة ثم تحتية ثقيلة ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بمهملات ابن تزيد بمثناة فوقية بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي المدني الصحابي الجليل الفقيه المفتي الصالح أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار ثم شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها آخى رسول الله ﷺ بينه وبين ابن مسعود ﵄ وقال ابن إسحاق آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب وفي الصحيحين مرفوعًا خذوا القرآن من أربعة ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس مرفوعًا ارحم أمتي

стр. 814

واللهِ إني لأحُبُّكَ" ثم قال: "أوصِيكَ يا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كل صلاةٍ تقُولُ: اللهم أَعِني ــ بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأشدهم حياء لله عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأخرج الترمذي والنسائي عن أبي هريرة مرفوعًا نعم الرجل أبو بكر الحديث وفيه ونعم الرجل معاذ بن جبل وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام وشرائعه وهو أحد الأربعة الأنصار الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ والثلاثة الباقية أبي وزيد بن ثابت وأبو زيد وسيأتي ذكرهم نظمًا بزيادة على هذا وأحد الثلاثة الذين كانوا يفتون على عهده ﷺ من الأنصار والآخران أبي وزيد بن ثابت وروي أنه ﷺ قال معاذ أمام العلماء يوم القيامة بربوة أو ربوتين والربوة الرمية بالحجر وقال ابن مسعود كان معاذ أمه قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين فقيل له إنما قال الله هذا في إبراهيم فأعاد قوله ثم قال الأمة الذي يعلم الناس الخير ويؤتم به والقانت المطيع لله تعالى وكذلك كان معاذ معلمًا للخير مطيعًا لله ولرسوله وكان عبد الله بن عمر يقول حدثونا عن العاقلين العالمين قيل من هما قال معاذ وأبو الدرداء كان معاذ شابًا جميلًا حسن الوجه والخلق طوالًا أبيض الثنايا عظيم العينين سمحًا روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وتسعة وخمسون حديثًا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بواحد باع النبيِ ﷺ ماله كله في دينه ثم بعثه عام الفتح إلى طائفة من اليمن أميرًا وهو أول من اتجر في مال الله واستعمله عمر بالشام بعد موت أبي عبيدة بن الجراح فمات من عامه في طاعون عمواس وهي قرية بين الرملة وبين المقدس بناحية الأردن بالشام سنة ثمان عشرة وقيل سبع عشرة وله ثلاث وثلاثون سنة وقيل أربع وثلاثون سنة وقيل ثمان وثلاثون ولما حضرته الوفاة قال مرحبًا بالموت مرحبًا بزائر حبيب جاء على فاقة اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر ﵁. قوت له: (والله إِني لأُحِبُّكَ) فيه مزيد التشريف لمعاذ والإيماء إلى كمال استقامته وعلو رتبته في القيام بالأوامر التكليفية وحصول الفيوض الإلهية وذكره توطئة وبعثًا له على امتثال ما يأمره به زاد أحمد والنسائي فقال معاذ وأنا أحبك قال العلماء لما صدقت

стр. 815

على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ". وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده اليمنى، ثم قال: "أشْهَدُ أن لا إله إلا الله الرحمَنُ الرحِيم، اللهم أذْهِبْ عَني الهَم والحَزَنَ". ــ محبة معاذ للنبي ﷺ جاراه بأعلى من محبته كما هو عادة الكرام ولا أكرم منه ولذلك أكد النبي ﷺ باللام وإن لم يؤكد معاذ كذلك. قوله: (عَلَى ذكركَ) أي الشامل للقرآن وسائر الأذكار قاله ابن حجر في شرح المشكاة. قوله: (وشكْرِكَ) أي شكر نعمك الظاهرة والباطنة الدنيوية والأخروية التي لا يمكن إحصاؤها. قوله: (وَحُسْنِ عبادَتِكَ) أي القيام بشرائطها وأركانها وسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وحصول الإخلاص فيها والاستغراق والتوجه التام. قوله: (وَرَوَينْا في كتابِ ابْنِ السني) وكذا رواه البزار والطبراني في الأوسط وابن عدي كلهم عن أنس قال ميرك وإسناده ضعيف ولفظ روايتهما كان ﷺ إذا صلى وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه وقال باسم الله الذي لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم الخ، وفي بعض طرق الحديث سبحان الله الذي لا إله إلَّا هو الرحمن الرحيم الخ، كذا في الحرز قال الحافظ بعد تخريجه الحديث باللفظين من طريق الطبراني في الدعاء وغيره قال أبو نعيم الحديث غريب من حديث معاوية بن عمرو عن أنس تفرد به عنه زيد العمي وفيه لين قال الحافظ اتفقوا على ضعفه من جهة حفظه وسلام الطويل الراوي عن زيد العمي أضعف من زيد بكثير وهو بتشديد اللام ويقال له المدائني كما وقع في رواية ابن السني والحديث ضعيف جدًّا بسببه ثم أخرج الحافظ الحديث من طرق أخرى بلفظ سبحان الله الذي لا إله غيره الخ، وقال أخرجه ابن عدي عن كثير بن سليم عن أنس قال الحافظ وكثير في الضعف يكاد أن يكون مثل ابن سلام أو أشد اهـ. قوله: (جَبهتَه) أي ما اكتنفه الجبينان من الوجه. قوله: (أَذْهِبْ) بصيغة الأمر من الذهاب للسؤال منه سبحانه أن يزيل الهم وما بعده. قو له: (بالهم) الباء فيه زائدة للتأكيد وقد حذفت في روايتهما والهم الغم المذيب للبدن. قوله: (والحَزَنَ) بضم فسكون أو بفتحتين وقرئ بهما في القرآن وهو تعميم بعد تخصيص أو الهم لما يلحقه من الخوف لما يصيبه من خوف الفوت فكأنه قال اللهم اجعلني من الذين لا خوف عليهم أي من لحوق العقاب ولا هم يحزنون أي

стр. 816

وروينا فيه عن أبي أمامة ﵁ قال: ما دنوت من رسول الله ﷺ في دبر مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: "اللهُم اغْفِرْ لي ذُنُوبي وخَطايايَ كُلها، اللهُم أَنْعِشْني واجْبُرني، وَاهْدِني لصَالِح الأعمَالِ وَالأخلاقِ، إئهُ لَا يَهْدِي لصَالِحها ولا يَصْرِف سَيئَها إلا أنْتَ". ــ من فوت الثواب وقد أخبر الله تعالى عن لسان أهل الجنة فيها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وإلَّا فما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار اللهم لا عيش إلَّا عيش الآخرة. قوله: (وَرَوَينَا فيهِ) أي في كتاب ابن السني وكذا رواه الطبراني في المعجم الكبير كلاهما عن أبي أمامة الباهلي وهو حديث غريب كما قاله الحافظ روياه من طريق عبيد الله بن زحر بفتح الزاي وسكون المهملة عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ورواه الحافظ من طريق خالد بن أبي يزيد عن علي الألهاني قال وابن أبي يزيد متفق على توثيقه وعبيد الله بن زحر اتفق أكثر على تضعيفه وشيخهما علي بن يزيد الألهاني متفق على تضعيفه ومدار هذا الحديث عليه اهـ، ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي برزة الأنصاري كذا في الحرز ولم يذكره الحافظ قال الحافظ ووجدت لحديث أبي أمامة شاهدًا من حديث ابن عمر عن أبي أيوب قال ما صليت خلف نبيكم ﷺ إلا سمعته يقول اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي فذكر الباقي مثله سواء أخرجه الحافظ من طريق الطبراني وقال قال يعني الطبراني لا يروى عن أيوب إلَّا بهذا الإسناد تفرد به محمد بن الصلت وأشار الحافظ إلى توثيق رواية إلا عمر بن مسكين فقال ذكره ابن عدي في الكامل ونقل عن البخاري أنه قال لا يتابع في حديثه اهـ. قوله: (ذُنوبِي وخَطايايَ) قيل المراد بالذنوب الكبائر وبالخطايا الصغائر وسبق إعلال خطاياي في دعاء الافتتاح. وقوله: (كلهَا) توكيد أتي به للتعميم ليشمل جميع المخالفات. قوله: (أنْعشني) بفتح العين وسكون المعجمة بعدها نون وقاية أي ارفعني. قوله: (وَأجبُرْني) بضم الموحدة أي أصلح شأني ورواه الحاكم وأحيني من الحياة أي حياة طيبة مقرونة بالقناعة والكفاف والطاعة والعافية والعفاف وزاد وارزقني رزقًا طيبًا وعلمًا نافعًا ولفظ الطبراني مثل لفظ ابن السني. قوله: (إِنهُ) أي بالكسر ويجوز الفتح كما سبق بيانه وتقدم الكلام على مضمون هذه الجملة في دعاء

стр. 817

وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من صلاته، لا أدري قبل أن يُسلم أو بعدَ أن يُسلم يقول: "سُبحانَ رَبكَ رَب العِزَّةِ عَمَا يَصِفُون، ــ الافتتاح أيضًا. قوله: (وَرَوَينْا فيهِ) أي في كتاب ابن السني ورواه أيضًا أبو يعلى الموصلي كلاهما عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا ولفظه من قال دبر كل صلاة سبحان ربك الخ. فقد اكتال بالجريب الأوفى وإسناده ضعيف وقال الحافظ بعد تخريجه لحديث الكتاب حديث غريب أخرجه ابن السني ورواه الغرياني عن الثوري بلفظ كان يقول إذا انصرف من صلاته وأخرجه الحافظ من طريق الطبراني عن محمد بن يوسف الغرياني عن سفيان كذلك وقال أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ومدار الحديث على أبي هارون واسمه عمارة بن جوين بجيم ونون مصغر وهو ضعيف جدًّا اتفقوا على تضعيفه وكذبه بعضهم وجاء نحو ما جاء عن ابن عباس بلفظ كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بقوله سبحان ربك الخ. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وفي سنده محمد بن عبد الله بن عبيد المكي وهو أشد ضعفًا من أبي هارون. وجاء عن معاذ بن جبل فيما رويناه في الجزء العاشر من فوائد أبي بكر المخلص قال كان النبي ﷺ إذا جلس في صلاته يقول التحيات لله فذكر التشهد وفي آخره ثم قال سبحان ربك الخ. ثم يسلم عن يمينه وعن شماله وفي سنده الخصيب بن جحدر وهو كذاب وجاء عن عبد الله بن أرقم عن أبيه رواه الطبراني أيضًا قال قال رسول الله ﷺ من قال دبر كل صلاة سبحان ربك الخ. فقد اكتال بالجريب الأوفى وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم من مرسل الشعبي بسند صحيح إليه قال قال رسول الله ﷺ من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل حين يريد أن يقوم سبحان ربك الخ اهـ. قوله: (سبحانَ ربكَ) الخطاب لسيد الأحباب ﷺ وقيل المراد به الخطاب العام. قوله: (رَب العزَّةِ) بدل أو صفة لربك وأضيف إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذي العزة بل ولا من عزة لأحد صورة إلَّا وهي له ملكًا حقيقة والمراد أنه سبحانه لعزته وغلبته منزه عما يصفه الزنادقة والملاحدة أي يذكرونه من الولد والصاحبة والشريك وينعتونه بما لا يليق بذاته

стр. 818

وسَلام على المُرسَلِينَ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ". وروينا فيه عن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهُم اجْعَلْ خيرَ عُمُري آخِرَهُ، وخَيرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، واجعَلْ خَيرَ أيامي يومَ ألقاكَ". وروينا فيه ــ وصفاته وما مصدرية أو موصولة أو موصوفة والعائد في الصلة أو الرابط في الصفة محذوف. قوله: (وَسلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ) أي بحسب الأصالة وآلهم بالتجعية. قوله: (والحمد لله رَبِّ العالمِين) أي على جميع نعمائه وفي تفسير الواحدي الوسيط عن علي بن أبي طالب ﵁ من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. قوله: (وَرَوَينا فيهِ عَنْ أَنس) قال الحافظ بعد أن أخرجه من طريق الطبراني وبين من تفرد بروايته وإنهم لثقات إلَّا أبا مالك النخعي فضعيف بالاتفاق وقد اختلف عليه في شيخه في هذا الحديث فعند أبي النضر أن شيخه في هذا الحديث ابن أخي أنس وأخرجه كذلك الحافظ من طريق الطبراني. قلت وأخرجه من تلك الطريق أبو نعيم في مستخرجه على عمل اليوم والليلة لابن السني وقال بدل قوله وخير عملي خواتمه اللهم اجعل خواتم عملي رضوانك وأخرجه ابن السني عن صالح عن أبي مالك عن ابن جدعان عن أنس، قال الحافظ ورواية أبي النضر أولى لأنه ثقة وصالح ليس بثقة وفي سند الحديث عند الطبراني وأخرجه من طريقه الحافظ ابن أخي أنس عن أنس قال الحافظ واسم ابن أخي أنس حفص قيل هو ابن عبد الله بن أبي طلحة أخي أنس لأمه وقيل ابن عمر بن عبد الله المذكور فعلى هذا يكون نسب لجده وقد روى البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عدة أحاديث عن رواية خلف بن خليفة عن ابن أخي أنس هكذا على الإبهام وسمي في بعضها عند أحمد حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة وهو موثق اهـ. ض له: (وَاجعَلْ خير أَيامي الخ) أعاده مع أنه بمعنى قوله اجعل خير عمري اهتمامًا بشأنه وتحريضًا على السؤال لحسن الخاتمة فإنه بها يكمل المرام. قوله: (وَرَوَينَا فيهِ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي وابن أبي شيبة وأخرجه ابن السني عن النسائي بإسناده

стр. 819

عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر الصلاة: "اللهُم إني أعُوذُ بكَ مِنَ الكُفْرِ والفَقْرِ وعَذابِ القَبْرِ". ــ وعجيب للشيخ في اقتصاره على ابن السني والحديث في أحد السنن المشهورة وفي سند الحديث عثمان الشحام مختلف فيه قواه أحمد وابن عدي ولينه القطان والنسائي وجاء هذا الحديث عن ابن أبي بكرة بسياق أتم من هذا يذكر إن شاء الله تعالى في باب ما يقال عند الصباح وعند المساء اهـ. قوله: (عَنْ أَبي بكرة) واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمر بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثقفي وقيل هو نفيع بن مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة بعدها راء وحاء مهملنان بينهما واو ساكنة مولى الحارث بن كلدة كني بأبي بكرة لأنه تدلى إلى النبي ﷺ على بكرة وهي التي يستقى بها على البئر وفي كافها الفتح والسكون حين حاصر أهل الطائف ثالث ثلاثة وعشرين من عبيد أهل الطائف وكان قد أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلَّا على تلك الهيئة وله يومئذٍ ثماني عشرة سنة فاشتراه النبي ﷺ وأعتقه وهو معدود من مواليه وكان من ذوي المزايا من أصحاب رسول الله ﷺ نزل البصرة وشهد الجمل ولم يقاتل فيها واجتنب حروب الصحابة كلها قال ابن قتيبة في المعارف ثلاثة من أهل البصرة لم يمت أحدهم حتى رأى مائة ذكر من صلبه أنس بن مالك وأبو بكرة نفيع بن الحارث وخليفة بن بدر نقله الحافظ نجم الدين بن فهد في تذكرته توفي له في طاعون الجارف أربعون ولدًا روي له عن النبي ﷺ مائة حديث واثنان وثلاثون حديثًا اتفقا منها على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد روى عنه أولاده والحسن وعدة توفي بالبصرة سنة إحدى وقيل ثنتين وخمسين وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي قال الحسن لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن حصين وأبو بكرة أخرجه ابن عبد البر. قوله: (منَ الْكفرِ الخ) استعاذ من هذه الأمور لشدة مضرتها أما الكفر فلأنه سبب للسخط الدائم والبعد عن رحمة الله تعالى وأما الفقر خصوضا مع عدم الصبر فإنه متعب للبدن مانع له من طيب طعم الوسن هذا بناء على أن المراد به مقابل الغنى وقيل المراد فقر القلب ولذا قرنه

стр. 820

وروينا فيه بإسناد ضعيف، ــ بالكفر في خبر كاد الفقر أن يكون كفرًا وهو حيث لا يرضى بالقضاء أو يعرض له الاعتراض على رب السماء وقيل المراد من الفقر الاحتياج إلى الخلق على وجه المذلة وقلة المال مع عدم القناعة وقلة الصبر وكثرة الحرص وبالكفر الكفران، وأما عذاب القبر فلأنه عنوان الآخرة فإن عذب فيه كان علامة من أهل العذاب في تلك الدار وتقدم أن هذه الاستعاذات منه ﷺ إما خضوعًا لحق ربه وأداء لمقام العبودية وإن كان آمنًا من ذلك أو تشريعًا لأمته وإعلامًا لهم بأنه ينبغي أن يكونوا على مقام الخوف في هذه الدار لينالوا الأمن في دار القرار والله أعلم. وعلم من الحديث أنه لم يكن فقيرًا بل كان سيد الأغنياء وأما ما يروى من خبر الفقر فخري وبه افتخر فموضوع ولو صح حمل على أن المراد منه الافتقار إلى الكريم الجبار وإلّا فحاله الشريف وعطاياه التي عمت القوي والضعيف تدل على كمال غناه ومن ثم قال العلاء من قال أنه ﷺ كان فقيرًا أدب ما لم يقصد الامتهان فيكفر والعياذ بالله. قال ابن الجوزي في كشف المشكل فإن قيل إذا كان الفقر أفضل فكيف استعاذ منه ﷺ فالجواب أن قومًا يقولون استعاذ من فقر النفس والصواب أن يقال الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعيم من نعيمها فوزانهما المرض والعافية فكون المرض فيه ثواب لا يمنع سؤال الله العافية اهـ. قوله: (وروَينَا فيهِ) أي في كتاب ابن السني وفي الجامع الصغير للسيوطي من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن فضالة بن عبيد اهـ، وزاد الحافظ وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما وابن خزيمة ورويا في الحديث قصة أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي يدعو لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال عجل هذا ثم قال له أو لغيره إذا صلى أحدكم الخ وأخرج ابن السني الحديث دون القصة. قوله: (بإِسنَادٍ ضَعيفٍ) هذا بالنسبة لسند ابن السني وإلا فقد أخرج الخبر أبو داود وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال هو على شرط مسلم وفي موضع هو على شرطهما أي الشيخين ولا أعرف له علة وقال الحافظ بعد تخريجه من طريقين هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وللحديث قصة رواها من ذكر هي قول فضالة إن النبي ﷺ -

стр. 821

عن فضالة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحَدُكمْ فَليَبْدأ بِتَحميدِ اللهِ تعالى والثناءِ عَليهِ، ثم يُصَلي على النبِي ﷺ ، ثم يَدعُو بِمَا شاءَ". باب الحث علي ذكر االله تعالى بعد صلاة الصبح اعلم أن أشرف أوقات الذِّكْر في النهار، الذِّكْر بعد صلاة الصبح. روينا عن أنس ﵁ ــ رأى رجلًا الخ، وأخرجه ابن السني مقتصرًا على الحديث دون القصة قال الحافظ وليس في سنده من يوصف بالضعف إلَّا ابن لهيعة وكأن المصنف ضعفه بسببه وابن لهيعة لم ينفرد به بل رواه غيره كما ترى وعجيب من اقتصاره على تضعيف هذا السند دون غيره من الأحاديث التي أوردها قبل من كتاب ابن السني مع أن أكثرها ضعيف وهذا صحيح المتن رواته ثقات مخرج لهم في الصحيح إلَّا واحدًا فاتفقوا على ضعفه وقد ذكر المصنف في المجموع الحديث وقال رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم قال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم فكأنه لم يستحضر ذلك هنا اهـ. قوله: (عَنْ فضالة بنِ عُبيْدٍ) وهو فضالة بن الفاتح بن عبيد بن ناقد الأنصاري الأوسي العمري شهدا أحدًا وما بعدها مع رسول الله ﷺ وشهد فتح مصر زمن عمرو وسكن دمشق وولي قضاءها لمعاوية وأمره على غزو الروم في البحر مات سنة ثمان وخمسين وقيل قبلها بدمشق وذكر أن معاوية حمل نعشه وقال لا يحمل بعده مثله روي له فيما قيل. انفرد مسلم منها بحديثين وخرج عن الأربعة وغيرهم. قوله: (صلى أحدُكمْ) أجدكم الصلاة ذات الركوع وهذا الحديث من جملة أدلة إمامنا الشافعي على وجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد وسبق بسطه. قوله: (وليثنَ علَيهِ بمَا هو أَهلهُ) عطف تفسير على قوله ليحمد الله أي ليثن عليه والثناء ما علمه النبي ﷺ لأصحابه منَ التشهد ففيه أعظم الثناء وأفضله ويحتمل أن يقال صلى أحدكم أي فرغ من صلاته وهو ظاهر صنيع المصنف وفيه تنبيه على بعض آداب الدعاء وسبب استجابته والله أعلم. باب الحث علي ذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح قوله: (اعلْم أَن أشْرَفَ أَوقاتِ الذكرِ في النهارِ) خرج به الليل والدعاء فيه أفضل منه في النهار

стр. 822

في كتاب الترمذي وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى الفَجرَ في جَماعة ثم قَعَدَ ــ لأنه وقت التجليات الإلهية وفيه ساعات الإجابة ولهذا كان نفل الليل المطلق أفضل من نفل النهار وإنما فضل الذكر ذلك الوقت لكونه تشهده الملائكة قال تعالى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] ورأيت أصلًا مقروءًا على ابن العماد ضرب فيه على قوله في النهار ويقتضي أن الذكر بعد صلاة الصبح أفضل منه في جوف الليل. قوله: (في كِتاب الترمذِي وغيْرهِ الخ) فرواه كالطبراني لكن عن أبي أمامة بلفظ انقلب بأجر حجة وعمرة ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس وقال الحافظ بعد تخريج الحديث باللفظ الذي أورده المصنف هذا حديث غريب أخرجه المعمري عن عمر بن موسى بن عبد العزيز بن مسلم عن أبي ظلال عن أنس وقد خولف أبو ظلال في لفظ هذا الحديث فأخرجه أبو داود والطبراني في الدعاء من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس بلفظ لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس أحب إلي من أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل قال الحافظ وهذا أصح من حديث أبي ظلال يعني الحديث الذي رواه المصنف عن الترمذي قال وله شاهد من حديث أبي هريرة بنحوه أخرجه الطبراني في الدعاء وشاهد آخر من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني قال الحافظ وأخرج يعني الطبراني من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مثله لكن قال ثمانية من ولد إسماعيل ويزيد ضعيف وجاء عن أنس مرفوعًا بلفظ لأن أجلس بعد صلاة الغداة أذكر الله حتى تطلع الشمس أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس أخرجه الحافظ من طريق أبي يعلى الموصلي قال الحافظ ووجدت لحديث أبي ظلال شاهدًا من حديث ابن عمر قال قال ﷺ من صلى الصبح ثم جلس في مسجده حتى يصلي الضحي ركعتين كتب له حجة وعمرة متقبلتين حديث حسن أخرجه الطبراني من وجهين سند أحدهما ضعيف ورجال الآخر ثقات إلَّا أن في سماع خالد الراوي عن ابن عمر من ابن عمر نظرًا وله شاهد آخر أخرجه الطبراني أيضًا من حديث أبي أمامة وعتبة بن عبد جمعًا ولفظه حتى يسبح سبحة الضحي والباقي بنحوه اهـ. قوله: (ثم قعدَ) قال في الحرز أي استمر على حال ذكره سواء كان قائمًا أو

стр. 823

يَذكُرُ اللَّهَ تعالى حتى تَطْلُعَ الشمْسُ ثم صَلى رَكعَتَيْنِ كانَتْ كأجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في كتاب الترمذي ــ قاعدًا أو مضطجعًا والجلوس أفضل إلَّا إذا عارضه أمر كالقيام لطواف أو صلاة جنازة أو لحضور درس ونحوها اهـ. وما ذكره في القيام للطواف جرى على مثله المحقق الشهاب الرملي وفي التحفة لابن حجر وأفتى بعضهم بأن الطواف بعد الصبح أفضل من الجلوس ذاكرًا إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين وفيه نظر ظاهر بل الصواب أن الثاني أفضل لأنه صح في الأخبار الصحيحة ما يقارب ذلك ولأن بعض الأئمة كره الطواف بعد الصبيح ولم يكره أحد تلك الجلسة بل أجمعوا على ندبها وعظيم فضلها اهـ. قوله: (يذْكرُ الله) جملة حالية. قوله: (تطْلُعَ) بضم اللام. قوله (صلى ركعتَيْن) قال ابن حجر في شرح المشكاة أي ثم بعد طلوعها وإن لم ترتفع كرمح يصلي ركعتين صلاة الإشراق وهي غير صلاة الضحي خلافًا لمن وهم فيه أو من صلاة الضحي بناء على دخول وقتها بطلوع الشمس وعليه جماعة من أئمتنا أما على الأصح أن وقت الضحي إلَّا بعد ارتفاعها كرمح فلا يصليهما من الضحي إلَّا بعد ارتفاعها كذلك والحديث لا ينافي هذا لأن العطف فيه بثم المقتضية لتراخي صلاة الركعتين عن الطلوع وليس فيه تعرض لصلاة الاشراق إلَّا لو كان العطف بالفاء ومشينا على الأصح أن وقت الضحي لا يدخل إلَّا بالارتفاع بل لو ورد ذلك لم يصح دلالته عليها أيضًا لأن التعقيب في كل شيء بحسبه كتزوج فولد له والارتفاع قريب من الطلوع فلا يؤخذ من الحديث ندب صلاة الإشراق أصلًا اهـ. قوله: (كانتْ) أي مثوبة هذا الفعل أو هذه الحالة المركبة من تلك الأوصاف كلها. قوله: (كأَجرِ حَجةٍ وعُمرَةٍ تامَّةٍ تامةٍ تَامةٍ) في المشكاة قال النبي ﷺ تامة الخ. قال ابن حجر أعاده لئلا يتوهم أن الوصف بالتمام وتكريره من قول أنس وتكريرها ثلاثًا للمبالغة في تأكيد وصف كل منهما بأنه تام في مرتبته غير ناقص وقال ابن الجزري تكريره تأكيد لتحقق ذلك وفي شرح المشكاة لابن جمر شبه ذلك بالنسكين ثم كرر الوصف بالتمام مبالغة وترغيبا للعاملين في المحافظة على هذا العمل سيما وفيه ما سيأتي من تطهير النفس من مساويها الناشئة عن أخلاطها وطبائعها

стр. 824

وغيره، عن أبي ذر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَن قال في دُبُرِ صلاةِ الصُّبْحِ ــ فاستحق أن يلحق حثًّا عليه بما هو أكمل منه إيهامًا لتسوية بره وفضله عليه من النسكين التامين اهـ، وقال الطيبي التشبيه في هذا الحديث وأمثاله ليس للتسوية بل من الحادق الناقص بالكامل ترغيبًا وقوله تامة وصف لكل منهما، وفي الحرز ولا يبعد أن تكون الثلاثة وصفًا لعمرة حيث وقعت في مقابلة ثلاث سنن من الجماعة والاستمرار وصلاة ركعتين اهـ، وينبغي حمل السنن في كلامه على معنى الطريقة لموافقة مذهبنا القائل بأن الجماعة فرض كفاية ومذهب أحمد القائل بأنه فرض عين قال ابن الجزري في مفتاح الحصين وهذا وأشباهه ورد كثيرًا في الحديث مثل قوله من صام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنما صام الدهر وفيمن قرأ (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، تعدل ثلث القرآن يريد الأجر بغير مضاعفة بخلاف من فعل فإن له الأجر بالمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة اهـ. قوله: (وغيْرهِ) أي كالنسائي فإنه رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر وزاد فيه بيده الخير وزاد فيه وكان بكل واحدة قالها عتق رقبة ورواه أيضًا من حديث معاذ وليس فيه يحيي ويميت وقال فيه وكان له عدل عشر نسمات ولم يلحقه في ذلك اليوم ذنب ومن قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أعطى مثل ذلك في ليلته كذا في السلاح وكالطبراني في الأوسط وابن السني عن أبي أمامة وفيه من قال ذلك مائة مرة كما في الحصين وكأحمد من حديث عبد الرحمن بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون وفي رواية تقديم قوله وبيده الخير على قوله يحيي ويميت وفيه ولا يحل لذنب أن يدركه إلَّا الشرك وكان من أفضل الناس عملًا إلَّا رجلًا يقول أفضل مما قال قال الحافظ هكذا أرسله همام ولم يذكر أبا ذر ولا معاذًا وأخرجه أحمد هكذا وعبد الرحمن لا تثبت صحبته قال الحافظ بعد تخريج الحديث من طريق الترمذي ومن طريق ابن أبي الضياء المقدسي باللفظ المذكور في الكتاب هذا حديث حسن غريب وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر ومن أخرى عن عبد الرحمن عن معاذ بن جبل بدل أبي ذر وزاد في المتن من الطريقين بعد يحيي ويميت بيده الخير وقال بعد تخريجه شهر ضعيف وأخرجه الحافظ من حديث معاذ بن جبل

стр. 825

وهْوَ ثاني رِجْلَيهِ قبلَ أن يَتكَلَّمَ: لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهُوَ على كل شَيءٍ قَديرٌ عَشْرَ مَرات كُتِبَ لهُ عَشْرُ حَسناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سيئَات، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَات، وكانَ يَومَهُ ذلكَ في حِرْز من كل مَكْرُوه وحُرِسَ مِنَ الشَّيطَانِ ــ قال والحديث كما ذكر في رواية أبي ذر لكن ليس فيه وهو ثانٍ رجليه وزاد فيه وذكر فيه قدر عشر نسمات وزاد في آخره ومن قال ذلك حين ينصرف من صلاة المغرب أعطى مثل ذلك ليلته وقال الحافظ أخرجه النسائي في اليوم والليلة والمعمري في اليوم والليلة أيضًا وأخرجه الطبراني في الدعاء لكن قال عن أبي هريرة بدل عن معاذ وأخرجه جعفر الغريابي في الذكر فخالف الجميع فقال عن عبد الله بن عبد الرحمن بن حسين عن شهر قال حدثني أبو أمامة وذكر الحافظ لحديث أبي أمامة طريقًا أخرى وفي المتن بعض مخالفة وللحديث شاهد من حديث أبي عياش الأنصاري سيأتي ذكره في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى وللحديث شاهد أيضًا عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن ولفظه كالترمذي وفيه يحيي ويميت بيده الخير وزاد في آخره وكان له بكل كلمة عتق رقبة من ولد إسماعيل ثمن كل رقبة اثنا عشر ألفًا ومن قالها بعد صلاة المغرب كان له مثل ذلك ووقع الحديث في الصحيحين والموطأ من حديث أبي هريرة لكن ليس فيه التقييد بصلاة الصبح ولا الزيادة التي في الذكر اهـ. قوله: (وهُو ثاني رجْليْهِ) أي عاطفهما كما كان في التشهد قبل أن ينهض. قوله: (قبلَ أَنْ يَتكلَمَ) أي بأجنبي كما سبق. قوله: (وَرُفِعَ لهُ عشْرُ دَرجاتٍ) أن قلت ما الفرف بينها وبين العشر حسنات قلت يمكن الفرف بان الحسنات هذه تكتب له في صحائف حسناته وتوزن معها وتؤخذ فيما عليه من الحقوق كسائر حسناته بخلاف العشر الدرجات فإنها معدة له بعد دخول الجنة ولا وزن قيها ولا أخذ منها فهما نوعان متغايران بتغاير أحكامهما التي ذكرتها كذا في شرح المشكاة لابن حجر. قوله: (وحُرِسَ مِنَ الشَّيْطانِ) أفرده مع أنه أشد المكروهات لبيان أن الحذر منه ينبغي أن يكون أقوى من

стр. 826

ولمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليَومِ إلا الشركَ باللَّهِ تعالى" قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح. وروينا في "سنن أبي داود" ــ سائرها. قوله: (ولْم ينبَغِ) في رواية أحمد ولم يحل على معنى ينبغ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. قوله: (أَنْ يدْركهُ) أي يلحقه ويستأصله بالإحاطة به من سائر جوانبه حتى يهلكه بالعقاب الدائم عليه لحلوله بما قاله في حرمة التوحيد الآمن حرمها ودخوله في ساحة الذكر المنيع سورها. قوله: (إلا الشركَ بالله تعالى) أي فإنه إن وقع منه لكونه لا يغفر ولا يكفر بدليل إن الله لا يغفر أن يشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يحيط به ويستأصله بالعقاب الدائم عليه لخروجه من ذلك الحصين الحصين ورضاه بموالاة الشيطان الرجيم اللعن فحشر معه في الدرك الأسفل من النار. قوله: (وفي بعْضِ النسخِ الخ) قال الحافظ وهي رواية أبي يعلى السنجي عن المحبوبي وهو غلط لأن سنده مضطرب وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه وسقط في سنده راو بين زيد بن أبي أنيسة وبين شهر بن حوشب وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن حسين وهو عند غير الترمذي من باقي الروايات ثابت هكذا زيد عن عبد الله عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم وفي سنده اختلاف آخر بينه الحافظ وقد عزاه في المشكاة إلى الترمذي كما في بعض النسخ التي أشار إليها المصنف وزاد غريب ويحتمل أن يكون ساقطًا من أصل المؤلف أو ثابتًا فيه وسكت عنه لعدم تعلق غرضه به أو لعدم منافاة تلك الغرابة عنده لقبوله. قوله: (وَرَوينا في سُننِ أَبِي دَاوُدَ الخ) وكذا رواه النسائي أي في الكبرى وابن حبان في صحيحه لكن قالا عن الحارث بن مسلم التميمي قال في السلاح وعند أبي داود عن الحارث بن مسلم عن أبيه مسلم بن الحارث قال أبو عمر بن عبد البر وهو الصواب إن شاء الله تعالى وسئل أبو زرعة الرازي عن مسلم بن الحارث أو الحارث بن مسلم فقال الصحيح الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه وقال أبو حاتم الحارث بن مسلم تابعي اهـ، وليس للحارث ولا لأبيه في الكتب الستة سوى هذا الحديث اهـ. كلام السلاح قال الحافظ وهو حديث حسن قال ورجح أبو زرعة وأبو حاتم رواية الحارث بن مسلم عن أبيه مسلم بن الحارث وصنيع ابن حبان يقتضي خلاف ذلك فإنه أخرج الحديث

стр. 827

عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه أسر إليه فقال: "إذا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاةِ المَغْرِبِ فَقُلِ: اللهُم أجرني مِنَ النارِ سَبعَ مَراتٍ، فإنكَ إذا قُلْتَ ذلكَ ثم مُتَّ مِنْ لَيلَتِكَ كُتِبَ لكَ جِوارٌ مِنها، وإذا صَلَّيْتَ الصبْحَ فَقُلْ كذَلكَ، فإنكَ إن مُتَّ مِن يَومِكَ كُتِبَ لَكَ جوارٌ مِنها". ــ في صحيحه عن مسلم بن الحارث عن أبيه الحارث بن مسلم فكأنه ترجح عنده أن الصحابي في هذا الحديث هو الحارث بن مسلم اهـ. قوله: (عنْ مسلمِ بْنِ الحَارثِ) قال في أسد الغابة مسلم بن الحارث بدل التميمي روى عنه ابنه الحارث بن مسلم قال بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فلما هجمنا على القوم تقدمت أصحابي على فرسي فاستقبلنا النساء والصبيان يصيحون فقلت لهم تريدون أن تحرزوا قالوا نعم قلت قولوا أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله فقالوها فلامني أصحابي وقالوا أشرفنا على الغنيمة فمنعتنا ثم انصرفنا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال لقد كتب له من الأجر من كل إنسان كذا وكذا ثم قال لي إذا صليت المغرب فقل اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إذا قلت ذلك ثم من من ليلتك كتب لك جوار منها وإذا صليت الصبح فقل مثل ذلك فإنك أن من من يومك كتب لك جوار منها ثم أسنده وقال أخرجه الثلاثة يعني ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم اهـ، وقد أخرج الحديث بطوله ابن حبان إلَّا أنه سماه الحارث وسمى ولده مسلمًا كما تقدم وزاد فيه أن النبي ﷺ قال له أما إني سأكتب لك كتابًا لأئمة المسلمين من بعدي أوصي بك قال فكتب لي كتابًا وختمه ودفعه إلي قال ثم أتيت أبا بكر بالكتاب ففضه وقرأه وأمر لي بعطاء ثم ختم عليه ثم أتيت عمر ففعل مثل ذلك ثم عثمان ففعل مثل ذلك قال يعني ولد الحارث ومات الحارث في خلافة عثمان فلم يزل الكتاب عندنا حتى بعث إلى عمر بن عبد العزيز فقرأه وأمر لي بعطاء وأخرجه الحافظ وغيره. قوله (أَجرْني) من الإجارة أي احفظني. قوله: (سبع مراتٍ) ظرف لقل أي كرر ذلك سبع مرات ولعل النكتة في هذا العدد مراعاة سبعة أبواب النار أو طبقاتها أو سبعة أعضاء المتكلم بها. قوله: (جِوَارٌ) أي خلوص منها أي من النار أي دخولها أو خلوده فيها إشارة لحسن

стр. 828

وروينا في مسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، وكتاب ابن السني، عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال: "اللهُم إنَّي أسألُكَ عِلمًا نافِعًا، وعَمَلًا مُتَقَبَّلًا؛ ورِزقاً طيبًا". وروينا فيه عن صُهيب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء، فقلت: يا رسول الله! ما هذا الذي تقول؟ قال: "اللهُم بِكَ أحَاولُ، وبِكَ أصَاولُ، وبكَ ــ الخاتمة والجوار في الأصل البراءة تكون مع الرجل في الطريق حتى لا يدفعه أحد من المرور وحينئذٍ فلا يدفعه إلا تحلة القسم وذكر الصديق الأهدل فيه جواز بالزاي أيضًا. قوله: (وَرَوَينا في مُسنَدِ أَحْمد الخ) ورواه النسائي في الكبرى وابن ماجة وقال في روايته إذا صلى أو حين سلم بالشك وأبو يعلى وأخرجه الدارقطني في الأفراد والطبراني في الصغير كما في الحصين وهو حديث حسن لشاهده كما قال الحافظ وخرجه من طرق. قوله: (أَسأَلُكَ عِلمًا نافِعًا) أي شرعيًّا أعمل به وقدم على ما بعده لأنه طريق إلى معرفة الحلال وأسباب القبول وفي رواية الحصين تقديم سؤال الرزق عليهما قال شارحه وقدم على ما بعده لأنه أساس لهما ولا يعتد بهما دونه كما قال تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا. قوله: (وعمَلًا مُتقبلًا) بفتح الباء أي مقبولًا بأن يكون مقرونًا بالإخلاص. قوله: (ورِزْقا طيبًا) أي حلالًا ملائمًا للقوة معينًا على الطاعة والعبادة. قوله: (فيهِ) أي في كتاب ابن السني كما في الحصين ولم يبال بإيهام عود الضمير لغيره من أحمد ومن بعده لأن القاعدة أن الضمير يعود لأقرب مذكرر إلَّا لقرينة قاله الحافظ. قوله: (عنْ صُهَيْب) لم ينسبه هنا ولا في كتاب ابن السني والمسمى بصهيب من الصحابة اثنان صهيب بن سنان المشهور بالرومي أحد المعذبين في الله وصهيب بن النعمان في أسد الغابة. قوله: (بعْدَ صلاةِ الفَجْرِ) في الحصين بعد صلاة الضحي وكذا هو في أصل مصحح من كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني وفي نسخة منه بعد صلاة الصبح والله أعلم. قوله: (بكَ أحاولُ) أي بحولك وقوتك وعونك وحولك أحاول أي أعالج أموري وقال البيهقي أي أطالب. قوله: (أُصاولُ)

стр. 829

أقاتِلُ" والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة، وسيأتي في الباب الآتي من بيان الأذكار التي تقال في أول النهار، ما تقرُّ به العيون إن شاء الله تعالى. وروينا عن أبي محمد البغوي في "شرح السنة" قال: قال علقمة بن قيس: بلغنا أن الأرض ــ أي أدافع من الصيال وقال ابن الجزري أي أسطو وأقهر. قوله: (أُقاتِل) أي أخاصم وأجاهد ولا يخفى ما اشتمل عليه هذا الذكر من التبري من الحول والقوة ورد الأمر إليه تعالى. قوله: (والأَحادِيثُ في معْنَى مَا ذَكرْتهُ كَثِيرة) قال الحافظ منها حديث صهيب أيضًا ومنها ما جاء أن كعب الأحبار قال أن داود ﵇ كان أول ما فرغ من صلاته قال اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي جعلت فيها معادي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك الخ. قال كعب وحدثني صهيب أن النبي ﷺ كان يصرف بهذا الدعاء من صلاته قال الحافظ حديث حسن أخرجه النسائي مختصرًا وابن خزيمة وذكر النسائي فيه اختلافًا وقال أبو مروان يعني الراوي عن كعب لهذا الحديث لا يعرف وذكر غيره أنه صحابي وعد هذا الحديث من رواية الصحابي عن التابعي ويقال أن اسمه مغيث بمعجمة ومثلثة وقيل أبوه وبكونه تابعيًّا فقد توالى في سنده أربعة تابعيون على نسق هم موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب اهـ، ومن الأحاديث ما أخرجه الطبراني في الدعاء من حديث أنس قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا نبي الله أفدني فإني شيخ نسي فلا تكثر عليّ قال أعلمك دعاء تدعو به كلما صليت الغداة ثلاثة مرار يفتح لك أبواب الجنة تقول اللهم اهدني من عندك وأفض علي من فضلك وأسبغ علي رحمتك وأنزل علي بركتك هذا حديث غريب رجاله ثقات إلَّا عباد بن عبد الصمد أي الراوي عن أنس فضعيف لكن له شاهد من حديث قبيصة بن مخارق صاحب القصة قال أتيت رسول الله ﷺ فقال يا قبيصة ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلَّا استغفر لك

стр. 830

تعجُّ إلى الله تعالى من نومة العالِم بعد صلاة الصبح، والله أعلم. ــ إذا صليت الفجر فقل ثلاثًا سبحان الله العظيم وبحمده فذكر الحديث وفيه قل اللهم إني أسألك مما عندك افض علي من فضلك وانشر علي من رحمتك حديث غريب أخرجه أحمد وقال الحافظ بعد أن ذكر أحوال سنده ولولا الرجل المبهم لكان السند حسنًا اهـ. قوله: (تعِجُّ) كأن المراد ترفع شكواها إلى الله من ذلك الفعل والعج في اللغة رفع الصوت وفي الحديث أفضل الحج العج والثج قال في النهاية العج رفع الصوت بالتلبية. قوله: (العالِم) بكسر اللام. قوله: (بعْدَ صلاة الصبحِ) أي لأنه أشرف النهار ومفتتحه فهو حري بأن يعمر بالطاعات وفي النوم ترك ذلك وأيضًا فهو وقت قسمة الأرزاق والنائم محرض عن أثر ذلك وقد بينت في جزيل الغنائم فيما يسن فيه إيقاظ النائم أنه يسن إيقاظ من نام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس لما روي أنه ﷺ قال الصبحة تذهب الرزق وعن بعضهم قال ابن العماد وأظنه عمر بن عبد العزيز أنه رأى ابنًا له نائمًا في هذا الوقت فأيقظه وقال الأرزاق تقسم وأنت نائم وساق التلمساني في شرح الشفاء مثل هذه القصة عن العباس رضي الله تعالى عنه وزاد فإنما النوم على ثلاثة أقسام حمق وهو بعد صلاة العصر لا ينامه إلّا سكران أو شيطان وخلق وهو القائلة وخرق وهو بعد الصبح اهـ، ومحله إن كان لغير عذر إلَّا بأن غلبه النوم ولم يقدر على دفعه فلا بأس. وفي الأحكام السلطانية للماوردي لما أراد ابن الزبير هدم الكعبة أرسل إلى عبيد بن نمير فقيل هو نائم فأرسل إليه وأيقظه وقال أما بلغك أن النبي ﷺ قال إن الأرض تضج إلى الله من نومة العلماء اهـ. فأفاد أنه مرفوع وفي غريب أبي عبيد في حديث عمر إياكم ونومة الغداة فإنها منجرة مجفرة مجعرة قال أبو العباس المجفرة يبس الطبيعة والمجعرة مقطعة النكاح اهـ، وفي شرح الشفاء للتلمساني قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ النوم على ثلاثة أوجه نوم خرق ونوم خلق ونوم حمق فأما نوم الخرق فنوم الضحي تقضى الناس حوائجهم وهو نائم وأما نوم الخلق فنوم القائلة إلى نصف النهار وأما نوم الحمق فالنوم حين

стр. 831

باب ما يقال عند الصباح وعند المساء اعلم أن هذا الباب واسع جدًّا، ليس في الكتاب باب أوسع منه، وأنا أذكر إن شاء الله تعالى فيه جملًا من مختصراته، فمن وُفق للعمل بأكلها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له، ــ تحضر الصلاة والنوم بين العشاءين يحرم الرزق اهـ. قال الحافظ في الفتح وأخرج سفيان ابن عيينة في جامعه عن خوات ﵁ قال نوم أول النهار خرق وأوسلطه خلق وآخره حمق وسنده صحيح اهـ، وفي الأدب المفرد للبخاري عن خوات بن جبير قال نوم أول النهار خرق وأوسطه خلق وآخره حمق وفي نزهة العيون لنجم الدين بن فهد النوم في أول النهار عيلولة وهي الفقر وعند الضحي فيلولة وهي الفتور وقبل الزوال قيلولة هي الزيادة في العقل وبعد الزوال حيلولة أي حيل بينه وبين الصلاة وفي آخر النهار غيلولة أي تورث الهلاك اهـ. باب ما يقال عند الصباح وعند المساء في القاموس الصباح الفجر وأول النهار والمساء ضده اهـ. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير قال شيخنا يعني السيوطي فائدة وهي عزيزة النقل، فرع، أول المساء من الزوال ذكره الفقهاء عند كلامهم على كراهة السواك للصائم بعد الزوال أما الصباح فقل من تعرض له وطالما فحصت عنه إلى أن وقفت عليه في ذيل فصيح ثعلب للعلامة موفق الدين البغدادي قال الصباح عند العرب من نصف الليل الأخير إلى الزوال ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول اهـ. ما نقله قلت ومن فوائده أنه يشرع ذكر الألفاظ الواردة بالأذكار المتعلقة بالصباح والمساء وهذا واضح في الأذكار التي فيها ذكر المساء والصباح أما التي فيها ذكر اليوم والليلة فلا يتأتى فيها ذلك إذ أول اليوم شرعًا من طلوع الفجر والليل من غرب الشمس اهـ، وقال ابن حجر في شرح المشكاة بعد كلام الموفق والظاهر أن المراد في الأحاديث بالمساء أوائل الليل وبالصباح أوائل النهار ثم رأيتني في شرح سيد الاستغفار ذكرت لذلك زيادة وهي قوله ومن

стр. 832

ومن عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذِكْرًا واحدًا. والأصل في هذا الباب من القرآن العزيز قول الله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] وقال تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ ــ إطلاقه المساء على ما ذكر أي من غروب شمس اليوم والصباح على ما يأتي أي طلوع الفجر يؤخذ ما قررناه سابقًا أن الأذكار المقيدة بالصباح والمساء ليس المراد فيها حقيقتهما من نصف الليل إلى الزوال في الأول ومنه إلى نصف الليل في الثاني كما نقل عن ثعلب وإنما المراد بهما العرف من أوائل النهار في الأول وآخره في الثاني ويؤيده أن ابن أم مكتوم الأعمى مؤذن رسول الله ﷺ كان لا يؤذن الأذان الثاني الذي هو علامة على الفجر الصادق حتى يقال له أصبحت أصبحت والصباح ابتداؤه من هذا الوقت وما قرب منه لا من نصف الليل وشروع الأذان منه عندنا لا يدل على أنه من حينئذ لا يسمى صباحًا اهـ، وسبقه لذلك ابن الجزري فقال من قال إن ذكر المساء يدخل بالزوال فكيف يعمل في قوله أسألك خير هذه الليلة وما بعدها وهل تدخل الليلة إلَّا بالغروب اهـ، وسبقه أيضًا لذلك العلامة الرداد وزاد بيان آخر الوقت في كل منهما فقال في موجبات الرحمة وعزائم المغفرة وقت أذكار الصباح من طلوع الفجر إلى الضحي وما بقي وقتها فحكم الصباح منسحب عليه والمختار منه من طلوع الفجر إلى أن تكون الشمس من ناحية المشرف كهيئتها من ناحية المغرب عند العصر ووقت أذكار المساء من بعد صلاة العصر إلى المغرب إلى أن يمضي ثلث الليل أو نصفه والله أعلم، وقال ابن حجر في شرح المشكاة في الكلام على حديث عثمان الآتي في الباب ثم ظاهر في الصباح والمساء وحين يصبح وحين يمسي أنه لو قال أثناء النهار أو الليل لا تحصل تلك الفائدة وعظيم بركة الذكر يقتضي الحصول وسيأتي في الكلام على ذلك الحديث لهذا المقام مزيد. قوله: (عجزَ) بفتح الجيم على الأفصح. قوله: (وسبح، بحمد ربكَ) قال في الكشاف بحمد ربك في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه والمراد بالتسبيح الصلاة أو على ظاهره. قوله: (قبْلَ طُلوع الشَمسِ) قال الواحدي يريد الفجر. قوله: (وقبْلَ غرُوبهَا) يعني العصر.

стр. 833

وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أهل اللغة: الآصال جمع أصيل: وهو ما بين العصر والمغرب. وقال تعالى: ــ قوله: (وَالإبكارِ) قال في زاد المسير الإبكار ما بين طلوع الفجر إلى صلاة الضحي قال الزجاج أبكر الرجل يبكر إبكارًا وبكر يذكر في كل شيء تقدم فيه اهـ. قوله: (وَاذْكر ربكَ) قال أبو حيان في النهر لما أمرهم الله تعالى بالاستماع والإنصات إذا قرأ أي بقوله: (﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية ارتقى من أمرهم إلى أمر رسوله ﷺ يذكر الله تعالى في نفسه أي بحيث يراقبه ويذكره في الحالة التي لا يشعر بها أحد وهي الحالة العليا وقوله "ربك" أي مالك أمرك "في نفسك" متعلق باذكر و "تضرعًا وخيفة ودون الجهر" معطوف على قوله في نفسك أي اذكر في نفسك وذكرًا دون الجهر أي يذكره بالقول الخفي الذي يشعر بالتذلل والخضوع من غير صياح ولا تصويت كما يناجي الملوك ويستجلب منه الرغائب وكما قال ﷺ للصحابة وقد جهروا بالدعاء إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا اربعوا على أنفسكم اهـ. قوله: (بالغدو) قال في النهر إن كان جمعًا لغداة فهو مقابل للجمع وهو بالآصال وإن كان مصدرًا لغدًا فهو على حذف تقديره بأوقات الغدو والظاهر اقتصار الأمر بالذكر على هذين الوقتين وقيل المراد بهما الأوقات أي سائرها واقتصر عليهما لأنهما ظرفان للأوقات اهـ. مع يسير تغيير. قوله: (جمع أصيل) مثله في النهر لأبي حيان والسلاح لابن همام وغيرهما لكن قال الواحدي الآصال واحدها أصل وواحد الأصل أصيل قال الزجاج الآصال العشايا جمع الجمع اهـ، وهو مخالف لكلام المصنف وفي مفردات الراغب ما يؤيد كلام المصنف وهو قوله الآصال العشايا يقال للعشية أصل وأصيلة فجمع الأصيل أصل وآصال وجمع الأصيلة أصائل اهـ، فهو مصرح بأن آصال جمع لأصيل كأصل لا أنه جمع لجمعه. قوله: (وهُو ما بيِّن والمَغرب الخ) قال الرداد في موجبات الرحمة وهو المساء في اعتبار معنى الأحاديث الواردة في أذكاره وأدعيته

стр. 834

﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] ــ فهو محل الذكر المقيد بالعشاء والمساء فيأتي العبد فيه بما أتى به من بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس من الذكر إلا ما اختص به الصباح وإن عرض عارض وشغل شاغل عن الإتيان بما ذكر في هذا الوقت أتى به بعد صلاة المغرب فإن حكم المساء باقٍ عليه إلى وقت العشاء مقدمة ومؤخرة اهـ. قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) [الأنعام: ٥٢] الخ) في النهر قال سعد بن أبي وقاص نزلت فينا ستة في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال قالت قريش إنا لا نرضى أن نكون لهؤلاء أتباعًا فاطردهم عنك فنزلت ولما أمر تعالى بإنذار غير المتقين لعلهم يتقون أردف ذلك بتقريب المتقين وإكرامهم ونهاه عن طردهم ووصفهم بموافقة ظاهرهم لباطنهم من دعاء ربهم وخلوص نياتهم والظاهر في قوله يدعون ربهم يسألونه ويلجؤون إليه ويقصدونه بالدعاء والرغبة وذكر في زاد المسير خمسة أقول في المراد بذلك باقيها الصلاة العبادة تعلم القرآن دعاء الله بالتوحيد والإخلاص له وعبادته اهـ. قوله: (بالغداةِ وَالعَشي) كناية عن الزمان الدائم ولا يردا بهما خصوص زمانهما كما يقول الحمد لله بكرة وأصيلًا يريد على كل حال فكنى بالغداة عن النهار وبالعشي عن الليل أو خصمها بالذكر لأن الشغل فيهما غالب على الناس ومن كان في هذين الوقتين يغلب عليه ذكر الله تعالى ودعاؤه فكان في وقت الفراغ أغلب عليه اهـ. قوله: (يُريدُونَ وجْههُ) جملة حالية وذو الحال الواو في يدعون وهي الفاعل ويدعون هو العامل قال الواحدية قال ابن عباس يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضات الله والمعنى يريدون الله بطاعتهم ويذكر لفظ الوجه للتعظيم كما يقال هذا وجه الرأي وفي الحديث عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله في صحف مختتمة فيقول الله تعالى اقبلوا هذا ودعوا هذا فتقول الملائكة ما علمنا إلا خيرًا فيقول الله هذا ما أريد به وجهي وهذا لم يرد به وجهي ولا أقبل إلَّا ما أريد به وجهي اهـ، وفي النهر وجهه هو كناية عن الله سبحانه إذ الجسمانية تستحيل بالنسبة إليه تعالى وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في تأويل الآيات والأحاديث المتشابهة اعلم أنه إذا اطلق

стр. 835

الآية قال أهل اللغة: العشي: ما بين زوال الشمس وغروبها. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [النور: ٣٦، ٣٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ــ الوجه في الآية الكريمة فالمراد به الذات المقدس وعبر عنه بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغاتهم يقول أحدهم فعلت ذلك لوجهك أي لك وكنى عن الذات بأوجه لأنه المرئي من الإنسان غالبًا وبه يتميز الإنسان عن غيره ولأن الرأس والوجه موضع الفهم والعقل والحسن المقصود من الذات ولأن الوجه مخصوص بمزيد الحسن والجمال ويظهر عليه ما في القلب من رضا وغضب فأطلق على الذات مجازًا وقد يعبر بالوجه عن الرضا وسبب الكناية عنه أن الإنسان إذا رضي بالشيء أقبل عليه بوجهه وإذا كرهه أعرض بوجهه عنه ويطلق الوجه ويراد به القصد ومنه قول الشاعر. رب العباد إليه الوجه والعمل اهـ، وهذا كله بناء على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وهو أحكم ومذهب السلف في ذلك وأمثاله تنزيهه تعالى عن ظاهره وتفويض المراد منه إلى الله تعالى وهو أسلم وسيأتي لهذا المقام مزيد. قوله: (الآيةَ) بحركات الإعراب الثلاثة كما تقدم فيما يقال في المسجد والمراد إلى قوله فتطردهم فتكون من الظالمين. قال الواحدي قال ابن الأنباري عظم الأمر في هذا على النبي ﷺ وخوف بالدخول في جملة الظالمين لأنه قد هم بتقديم الرؤساء وأولي الأموال على الضعفاء ذوي المسكنة فأعلمه الله أن ذلك غير جائز ونقله أيضًا ابن الجوزي في زاد المسير. قوله: (قَال أَهلُ اللغةِ الخ) حكاه في النهاية ثم قال وقيل أنه من زوال الشمس إلى الصباح وحكى المصنف في باب ما يقول بعد زوال الشمس عن أبي منصور الأزهري أن العشي ما بين أن تزول الشمس إلى أن تغرب اهـ، وفي المهذب العشي من المغرب إلى العتمة أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر والعشي والعشية آخر النهار اهـ، وفي المغرب المشهور أنه آخر النهار. قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] قال الواحدي في تفسير سورة سبأ كان إذا سبح داود

стр. 836

بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [ص: ١٨]. وروينا في "صحيح البخاري" ــ سبحت الجبال معه وقال في سورة سبحان في قوله تعالى (﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي يخضع له ويخضع فصرف التسبيح إلى لازمه وقال السيوطي في الجلالين يسبح متلبسًا بحمده أي يقول سبحان الله وبحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم لأنه ليس بلغتكم اهـ، وهذا ظاهر التنزيل والتلفظ لا يتوقف على جارحة اللسان كما هو الصحيح عند المتكلمين لأن الذي أقدر اللسان على النطق يوجده بغيره وقال ابن حجر في شرح المشكاة والظاهر أنه بلسان المقال لأن الأصح حمل النصوص على ظاهرها ما أمكن. قوله: (بالعَشي وَالإشراق) قال الواحدي يروى عن ابن عباس بطرق أنه فسر التسبيح بالإشراق في هذه الآية بصلاة الضحا ثم ساق بسنده حديثًا مرفوعًا عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحي وقال يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح البخاري) عطف على "من القرآن قوله" الخ. إلَّا أن في الكلام محذوفًا يبينه السياق أي ومن السنة ما روينا الخ. قال الحافظ ورواه أحمد والنسائي عن شداد في الاستعاذة وعمل اليوم والليلة وابن عدي قال في السلاح وليس لشداد في الصحيحين سوى حديثين أحدهما هذا والآخر في مسلم أن الله كتب الإحسان على كل شيء اهـ، وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري والنسائي عن شداد اهـ، وأخرج الحافظ الحديث من طريق الطبراني في كتاب الدعاء من حديث بريدة ﵁ أخرجه عن الوليد بن ثعلبة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ من قال حين يصبح وحين يمسي فذكر بمثله إلّا أنه قال فاغفر لي ذنوبي جميعًا وقال في آخره فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة وقال بعد تخريجه هو حديث حسن صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من غير الوليد بن ثعلبة وقد وثقه يحيى بن معين وكنت أظن أن روايته هذه شاذة وأنه سلك عن العبادة حتى رأيت الحديث من رواية سليمان بن بريدة عن أبيه أخرجها ابن السني فبان أن للحديث عن بريدة أصلًا

стр. 837

عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سَيدُ الاسْتِغْفَارِ: ــ وقد أخرجه البزار من حديث بريدة كما قاله في الحصين قال الحافظ وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة ومن حديث جابر وغيرهما أخرجهما الطبراني وغيره قاله الحافظ. قوله: (عَنْ شدادِ بْنِ أَوْس) هو أبو يعلى وقيل أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي ابن أخي حسان بن ثابت قيل هو بدري وغلط قائله إنما البدري أبوه قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء كان شداد من أولي العلم والحكمة سكن بيت المقدس وأعقب بها توفي سنة ثمان وخمسين أو إحدى وأربعين أو أربع وستين عقب خمس وسبعين سنة ودفن بها وقبره بظاهر باب الرحمة باقٍ إلى الآن روي له خمسون حديثًا انفرد البخاري منها بواحد وهو حديث الباب ومسلم بآخر وهو حديث الإحسان. قوله: (سيدُ الاستغْفارِ) أي سيد ألفاظه قال الطيبي استعير لفظ السيد من الرئيس المقدم الذي يصمد إليه في الحوائج لهذا الدعاء الذي هو جامع التوبة لمن تأملها إذ هي غاية الاعتذار قال في فتح الإله وهذا الذكر كذلك وتعقب بأنه يفيد أن المراد بالاستغفار التوبة والظاهر من الحديث الإطلاق وبالمنع من جامعيته لمعنى التوبة إذ ليس فيه إلّا الاعتراف بالذنب الناشئ عن الندامة أما العزم على ألا يعود أو أداء الحقوق لله أو العباد فلا يفهم منه أصلًا ويمكن أن يقال أن الظاهر من استعاذته من سوء صنعه العزم على عدم عوده وأما أداء الحقوق فيسأل من الله غفرانها وبالغفران يحصل المقصود والله أعلم قال الكرماني. أن قلت ما الحكمة في كون هذا الذكر أفضل الاستغفارات. قلت هو وأمثاله من التعبدات والله أعلم بذلك لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلَّا هو، أما الأول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال والاعتراف بالصفات السبع التي هي الصفات الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي القدرة اللازمة للخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر اللازمان من المغفرة إذ المغفرة للمسموع وللمبصر لا يتصور إلَّا بعد السماع والإبصار، وأما الثاني فلما فيه أيضًا من الاعئراف

стр. 838

اللهُم أنْتَ رَبي لا إله إلا أنْتَ، خَلَقْتَني وأنا عَبْدُكَ وأنا على عَهْدِكَ ووعْدِكَ ما استَطَعْتُ، ــ بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي يقتضي نقيضها وهو الشكر اهـ. قال شارح عدة الحصين. أن قلت أين لفظ الاستغفار في هذا الدعاء وقد سماه الشارع سيد الاستغفار. قلت الاستغفار في لسان العرب طلب المغفرة من الله تعالى وسؤاله غفران الذنوب السالفة والاعتراف بها وكل دعاء كان فيه هذا المعنى فهو استغفار مع أن الحديث فيه لفظ الاستغفار وهو قوله فاغفر لي الخ. قوله: (أَنت رَبي) أي ورب كل شيء فقد رببت الوجود وأهله بالإيجاد ثم بالإمداد فوجب علي وعلى سائر العباد العود إلى ساحتك العلية بلسان الاعتذار والقيام في حال الذل والانكسار. قوله: (لَا إِلهَ إلا أَنْتَ) أي فلا يطلب من غيرك شيء لأنه مقهور لا ينفع نفسه ولا يدفع الضر عنها وما أحسن قول العارف الكبير أبي الحسن الشاذلي: آيست من نفع نفسي لنفسي ... فكيف لا آيس من نفع غيري لنفس ورجوت الله لغيري ... فكيف لا أرجوه لنفسي قوله: (خلَقْتني) شرح لبيان التربية المدلول عليها بقوله أنت ربي. قوله: (وأَنا عَبدُكَ) أي مخلوقك ومملوكك جملة حالية محققة أو معطوفة وكذا جملة وأنا على عهدك الخ. قوله، (على عَهدِكَ وَوَعْدِكَ) قيل عهدك أي ما عاهدتني بالإيمان المأخوذ يوم ألست بربك أي أنا مقيم على ما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك وقيل عهدك أي على ما عاهدتني أي أمرتني به في كتابك وبلسان نبيك من القيام بالتكاليف ووعدك أي مستنجز وعدك في المثوبة والأجر في العقبى على هذه العهود وأنا موقن بما وعدت به من البعث والنشور وأحوال القيامة فالمصدر مضاف لفاعله وقيل ما عاهدتك عليه في الأزل من الإقرار بالوحدانية المأخوذ يوم ألست بربكم ووعدك أي ما وعدتك به من الوفاء بذلك فالمصدر مضاف للمفعول قيل ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر وغير ذلك مما يخطر ببال. قوله: (ما استطعت) أي قدر استطاعتي فما مصدرية واشتراط ظرفية الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى أي لا أقدر أن أقوم بعهدك حق القيام به لكن أجتهد قدر طاقتي قال صاحب النهاية استثنى بقوله ما استطعت موقع القدر السابق لأمره

стр. 839

أبُوءُ لكَ بِنِعْمتِكَ عَلي، وأبوءُ بِذَنبي فاغْفِرْ لي فإنه لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ، ــ أي إن كان قد جرى القضاء على أن أنقض العهد يومًا فإني أميل عند ذلك إلى الاعتذار بدفع الاستطاعة في رفع ما قضيت. قوله: (أَبُوءُ) قال المصنف معناه أقر وأعترف قال في السلاح وأصله من بؤت بكذا إذا احتملته ومنه قوله تعالى فباءوا بغضب على غضب قال بعض المفسرين معناه احتملوه ورجعوا به اهـ، وفي شرح المشكاة أصله التزم والأنسب هنا أقر وأعترف ثم هو بهمزة مفتوحة فموحدة مضمومة وبعد الواو همزة وقال ابن الجزري أي ألتزم وأرجع وأقر وأعترف بالنعمة التي أنعمت بها علي. قوله: (وأَبُوءُ لَك بذَنْبي) معناه الإقرار بالذنب والاعتراف به أيضًا لكن فيه معنى ليس في الأول لأن العرب تقول باء فلان بذنبه إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه ولذا ورد في بعض الروايات الصحيحة أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي بإثبات لك مع النعمة وبحذفها في ذنبي وهو أدب حسن قال الشيخ ابن حجر في شرح المشكاة وأبوء بذنبي أي الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسع عفوك وهامع فضلك اهـ، وتعقبه في المرقاة بأنه ذهول وغفلة منه أن هذا لفظ النبوة وهو معصوم عن الزلة اهـ، ولك أن تقول ليس في هذا إثبات وقوع الذنب منه ﷺ حتى ينافي العصمة إنما المقصود أنه لكمال فضله وخضوعه لربه يرى ذلك وكلما كمل الإنسان زاد اتهامه لنفسه ومثاله في الشاهد أن البريء من الذنب المقرب مثلًا إذا قال للملك أنا مسيء في حقك ونحو ذلك عد منه تواضعًا وسببًا لترقيه عنذ ذلك الملك وليس فيه إثبات للذنب والله أعلم. وقد تقدم لهذا نظير في أماكن كثيرة منها في دعاء الافتتاح وقال الطيبي اعترف أولًا بأنه تعالى أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل الأنعام ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يفم بأداء شكرها وعد ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس اهـ، وتعقبه ابن حجر بأنه لا يتفرع عليه ما قرنه بفاء التفريع المفرع ما بعدها عما قبلها في قوله فاغفر لي وفيه أن الاعتراف المقتضي لعفو الاقتراف موجود في كلام الطيبي فيناسب تفريع سؤال الغفران عليه ولذا قال في المرقاة إن كلام الطيبي في كمال الحسن. قوله: (فإنهُ لَا يغْفرُ الذنوبَ) أي جميعها وظاهر خروج الكفر منها فلا يغفر أو حتى الكفر إذا كان الغفران بالتوبة

стр. 840

أعوذُ بك من شر ما صنعت، إذا قال ذلك حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال ذلك حين يصبح فمات من يومه ... مثله" معنى أبوء: أقر وأعترف. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسي: سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِهِ. مائَةَ مَرة ــ من العصيان. قوله: (أَعوذ بكَ الخ) ما فيه مصدرية أو موصولة أي أعوذ بك من صنعي أو مما صنعته مما لم أستطع على كف نفسي عنه من الأعمال التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي قال في الحرز والمراد به غفران الأوزار وعدم الإصرار ولذا كان سيد الاستغفار. قوله: (فماتَ) أي في ليلته كما جاء في رواية أخرى للصحيح. قوله: (دَخَلَ الجَنة) أي ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن المؤمن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصى الله تعالى أو لأنه تعالى يتفضل فيعفو عنه ببركة هذا الاستغفار أشار إليه الكرماني جوابًا عما يقال المؤمن يدخل الجنة وإن لم يقل هذا الذكر والله أعلم. قوله: (وَرَوَينَا في صحيح مُسلم) في المشكاة متفق عليه وأقره ابن حجر والقاري لكن في الحصين رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان وأبو عوانة كلهم عن أبي هريرة ولم يذكر في رواته البخاري وكذا لم يذكره صاحب السلاح وقال أن اللفظ لمسلم وعند أبو داود سبحان الله العظيم وبحمده ولفظ الحاكم من قال إذا أصبح مائة مرة وإذا أمسى مائة مرة سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر ورواية ابن حبان في صحيحه بمعنى رواية الحاكم اهـ، وكذا لم يذكر الحافظ فيمن خرجه البخاري بل زاد فذكر في مخرجيه مالك لكن قال غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وابن السني قال من عدة طرق إلَّا أنه خالف باقي الرواة فإنه قال عن سهل بن صالح عن أبيه وكذا أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من عدة طرق عن سهل عن أبيه بإسقاط سمي وقال مالك ومسلم وأبو داود عن سهل عن سمي وهو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح والصواب إثبات سمي والله أعلم. قوله: (مَنْ قال حينَ يصبحُ الخ) الظاهر من قال حين يصبح سبحان الله وبحمده

стр. 841

لم يأتِ أحَد يومَ القِيامَةِ بأفْضَلَ مِما جاءَ بِهِ إلا أحَد قال مثلَ ما قال أو زادَ عليْهِ". وفي رواية أبي داود: "سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وبِحَمْدِهِ". وروينا في سنن أبي داود والترمذي، والنسائي وغيرها بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن خُبيب -بضم الخاء المعجمة- ﵁، قال: "خرجنا في ليلة مَطيرة وظلمة شديدة نطلب النبي ﷺ ليصليَ لنا، فأدركناه فقال: ــ مائة مرة وحين يمسي كذلك ويحتمل الحديث أن المراد أنه يأتي بالمائة في الوقتين لكن وقع في كلام للمؤلف ما يصرح بالثاني قاله الرداد في موجبات الرحمة وينبغي أن يسبح هذا التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لما ورد في ذلك من الآيات الكريمة ليكون جامعًا في عمله هذا بين ما جاء في الكتاب والسنة ولذا ينبغي الجمع بين الروايتين فيقول سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة اهـ. قوله: (مما جاءَ بهِ) أي قول سبحان الله وبحمده مائة مرة. قوله: (إِلا رَجل قَال مثْل مَا قَال الخ) استشكل بأنه يقتضي أن من قال مثل قوله أو زاد عليه يكون أفضل منه ولا إشكال في الزيادة إذ الثواب بقدر العمل إنما الاستشكال مع المماثلة فإنها تقتضي المساواة لا الأفضلية، وأجيب بأن الاستثناء بالنسبة إليه منقطع والتقدير لم يأت رجل بأفضل مما جاء به لكن رجل قال مثل ما قاله فإنه يأتي بمساو له لتعذر الاتصال فيه إلَّا أن يقدر لم يأت أحد يمثل ما جاء به ولا بأفضل منه إلّا أحد الخ. أو أن أو فيه بمعنى الواو وقال ميرك الجواب الصحيح أن يقال الاستثناء وإن كان في الظاهر من النفي لكن في الحقيقة من الإثبات والمعنى أن من قال ذلك أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلَّا أحد قال مثل ذلك فإنه مساو له أو زاد عليه فإنه أفضل منه قال والمراد بالأفضل منه جنس أذكاره لأنه أفضل الأدعية لا أنه أفضل من جميع الأعمال فإن الإيمان وكثيرًا من الطاعات أفضل منه اهـ. قال المصنف وفي قوله أو زاد دليل واضح على أن هذا مما يجوز فيه الزيادة وليس من التحديد الذي نهى عن اعتدائه ومجاوزة عدده وإن زيادته لا فضل فيها أو تبطل كالزيادة في أعداد الوضوء والصلاة اهـ، وتقدم في باب الذكر له مزيد قيل ولعل الفرق بين القسمين أن الأول للتشريع والثاني للتحديد. قوله: (وَرَوَينَا في سنَنِ أَبِي دَاوُدَ) أي واللفظ له. قوله: (والترْمذِي) أي وقال حسن صحيح غريب من هذا الوجه. قوله: (وغيْرهَا) فرواه الطبراني أيضًا بالأسانيد

стр. 842

قُلْ، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قُلْ، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: قُلْ هُوَ الله أحَد والمُعَوِّذتينِ حِينَ تُمْسِي وحِينَ تُصْبِحُ ثلاثَ مَراتٍ ــ الصحيحة قال الحافظ مدار هذا الحديث على أسيد بن أبي أسيد البراد أي الراوي له عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني عن أبيه ﵁ وليس من رجال الصحيح وقال الدارقطني يعتبر به وقد أخرج له النسائي متابعًا في هذا الحديث من رواية زيد بن أسلم عن معاذ بنحوه وليس فيه قصة الظلمة والمطر ولا ذكر (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدُ) [الإخلاص: ١] أخرجه النسائي من طريق حفص بن ميسرة عن زيد وأخرجه أيضًا من طريق عبد الله بن سليمان الأسلمي عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني فذكره بنحو رواية زيد بن أسلم والحديث معروف بعقبة بن عامر الجهني جاء عنه بألفاظ مختلفة. قلت وقد بين بعضها الحافظ في تخريج الأذكار التي تقال بعد الصلاة وتقدم ذكر خلاصته ثمة قال وذكر النسائي له طرقًا منها ما أخرجه هو والبزار عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر المعروف بغندر عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن يزيد بن رومان عن عامر بن عقبة وفي رواية السلمي عن عقبة بن عامر ثم اتفقا عن عبد الله الأسلمي أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره وقال قل فلم أدر ما أقول فذكر نحو الحديث المتقدم وقال فيه هكذا فتعوذ فما تعوذ المتعوذون بمثلهن قال النسائي بعد تخريجه هذا خطأ اهـ. قال الحافظ وبسبب هذا الاختلاف قلت الحديث حسن وتوقفت في تصحيحه واتضح مما سقته أنه ليس في الكتب الثلاثة وغيرها عن عبد الله بن خبيب قال في السلاح ليس لعبد الله بن خبيب عند الستة سوى هذا الحديث وقال البرقي له عن النبي ﷺ حديثان وقال أبو الفرج بن الجوزي له ثلاثة أحاديث وخبيب قال المصنف بضم الخاء المعجمة زاد في الحرز وموحدتين مصغر وهو كما في أسد الغابة عبد الله بن خبيب الجهني حليف الأنصار عداده في أهل المدينة له ولأبيه صحبة ثم أسند الحديث المذكور وقال أخرجه الثلاثة يعني ابن منده وأبا نعيم وابن عبد البر. قوله: (قلْ) أي اقرأ. قوله: (قلْ هُو الله أَحدٌ) أي اقرأ هذه السور الثلاث الملقبة بهو الله أحد والمعوذتين قيل وكأن قراءة الإخلاص بمنزلة الثناء قبل الدعاء لتفيد سرعة الإخلاص. قوله: (ثلاثَ مراتٍ) أي

стр. 843

تكْفِيكَ مِنْ كُل شَيء" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرها ــ فإن من أدب الدعاء الإلحاح وأقله التثليث. قوله: (تكفيكَ) أي هذه السور أي تدفع عنك. قوله: (منْ كل شَيْءٍ) قيل من فيه زائدة في الإثبات على مذهب جماعة بل وعلى مذهب الجمهور لأن يكفيك متضمنة للنفي كما علم من تفسيرها بيدفع ويصح أن تكون لابتداء الغاية أي تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها أو تبعيضه أي بعض كل نوع من أنواع السوء قيل ويحتمل أن يكون المعنى تغنيك عن كل ما عداها ولعل وجهه أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن وورد لن يقرأ سورة أبلغ عند الله من (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق) الفلق: رواه أحمد والنسائي والدارمي من حديث .. واعترض بأنه إذا فسر يكفي بما سبق وأبلغ بمعنى أبلغ في التعويذ من كل سورة فما وجه ذكر الثلاثة في الحديث المذكور، وأجيب بأنه ﷺ كان يخبر بالقليل أولًا ثم بالكثير إعلامًا بمنة الله تعالى عليه وعلى أمته إذ لم يعطوا ذلك إلّا بسببه فأخبر أن الثلاثة تكفي من كل سوء ثم عظمت عليه المنة فأخبر بأن وسطاها وخلاصتها في ذلك تحصل الكفاية بها وحدها ويمكن الجمع أيضًا بأن يجعل من كل سوء خاصا بالثلاث وهو ما في حديث الباب و (قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق) أبلغ أي عند الله في كفاية شيء مخصوص من أنواع السوء وقيل ويحتمل على بعد أن يكون المراد في حديث أحمد أبلغ من (قُل أَعُوذُ برَبِّ الفَلِق) أي و (قُل هُوَ اللَّهُ أحد) [الإخلاص: ١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] بقرينة حديث ابن خبيب فيتفق الخبران. قوله: (والترمذِي) أي وقال هذا حديث حسن. قوله: (وغيْرهَا) قال في المرقاة قال ابن الجزري رواه أحمد والأربعة وابن حبان في صحيحه وأبو عوانة ولفظهم في الصباح النشور وفي المساء المصير. قلت وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد وأخرجه النسائي في الكبرى كما قاله الحافظ قال وأخرجه الترمذي وابن ماجة بصيغة الأمر إذا أصبح أحدكم فليقل وفي سند كل منهما مقال قال ابن الجزري وجاء في أبي داود فيهما النشور وفي الترمذي فيهما المصير اهـ. وبه يعلم أن ما في الكتاب لفظ أبي داود وفي الحرز نقلًا عن ابن الجزري يقال نشر ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت ولذا ناسب أن يقال في الصباح وإليه النشور

стр. 844

بالأسانيد الصحيحة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا أصبح: "اللَّهُم بكَ أصبحنا وبك أمسَينا، وَبكَ نَحْيا، وبكَ نَمُوت، وإليكَ النشُورُ" وإذا أمسى قال: "اللهُم بِكً أمْسَينا، وبِكَ نحيا، وبكَ نموتُ وإليكَ النُّشُورُ" قال الترمذي: حديث حسن. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر ــ فإنه يقع في القيام من النوم وهو كالموت وناسب أن يقال في المساء إليه المصير لأنه يصير إلى النوم وهذا هو الصحيح في الحديث ورواه أبو عوانة في صحيحه وغيره وما ورد غير ذلك فإنه وهم من الراوي اهـ، ويشير به إلى ما ذكره في تصحيح المصابيح أنه جاء في أبي داود فيهما النشور وفي الترمذي فيهما المصير اهـ، ولا يخفى أنه بمجرد تحسين المناسبة المعنوية ولا يجوز الطعن بالوهم وغيره فيما ثبت من الروايات لا سيما ورواية أبي داود والترمذي أكثر اعتبارًا من رواية أبي عوانة مع أن مؤدي النشور والمصير واحد وهو الرجوع إلى الله تعالى بعد الموت نعم المغايرة بينهما أتم على أن قوله بك نحيا يناسبه النشور وبك نموت يناسبه المصير ففيه نوع لف ونشر اهـ. وأيضًا فإن النهار محل الكسب فيناسب الانتشار والليل محل السكون فيناسبه المصير اهـ. قوله: (بالأَسانيدِ الصحيحةِ). قال الحافظ بعد تخريجه الحديث أنه حديث صحيح غريب. قوله: (إِذَا أَصبَحَ) أي دخل في الصباح. قوله: (بكَ أَصْبحنَا) أي بسبب نعمة إيجادك وإمدادك أصبحنا والظرف خبر مقدم على حذف مضاف. قوله: (وبكَ نحيَا الخ) حكاية الحال الآتية يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال ومثله حديث حذيفة السابق في باب ما يقول إذا استيقظ من نومه اللهم باسمك أحيا وأموت أي لا أنفك عنه وتقدم في ذلك الباب الكلام على هذا الخبر بما يغني عن الإعادة والمقصود من ذلك التبري من الحول والقوة. قوله: (النشورُ) أي البعث بعد الموت والتفرق بعد الجمع. قوله: (وَرَوَينْا في صحيح مُسلم الخ) وكذا رواه أبو داود كما في الحصين والسلاح زاد الأخير ورواه الحاكم وزاد فيه بعد قوله لك ثلاث مرات ويرفع بها صوته زاد الحافظ وأخرجه النسائي وابن خزيمة والحديث صحيح غريب قال وقد وجد له شاهد

стр. 845

وأسحر يقول: "سَمَّعَ سامِع بِحَمْدِ اللهِ وحُسْنِ بلائهِ عَلَينا، رَبنا صاحِبْنا، وأفضِلْ علَيْنا عائِذا باللهِ مِنَ النارِ". قال القاضي عياض وصاحب "المطالع" وغيرهما: سمَّع ــ عن ابن عمر لكنه غير مرفوع فأخرجه الحافظ عن مجاهد عن ابن عمر أنه كان إذا غشيه الصبح وهو مسافر نادى سمع سامع بحمد الله فذكر مثله لكن زاد يقولها ثلاث مرات. أخرجه أيضًا عنه لكنه بلفظ أسمع سامع وباقيه سواء وزاد ولا حول ولا قوة إلَّا بالله قال وروينا في كتاب الدعاء للمحاملي من وجه آخر عن مجاهد عن نعيم بن مسعود موقوفًا أيضًا ورواية أسمع بالهمزة تؤيد ما اذهب إليه القاضي عياض من ضبط سمع بتشديد الميم اهـ. قوله: (فاسْحَرَ) أي دخل في وقت السحر وهو قبيل الصبح قال الزمخشري السدس الأخير من الليل قيل سمي بذلك لاشتباهه بالضياء ذكره صاحب العين. قوله: (بحِمدِ الله) أي بحمدنا الله فالمصدر مضاف للمفعول زاد أبو داود "ونعمته" وقيل المراد أي سار إلى السحر وعلى هذا فيختص هذا الذكر بالمسافر بخلافه على الأول. قوله: (وحسن بلائهِ) بالجر عطفًا على حمد الله وفي نسخة من الحصين بالرفع على أنه جملة من مبتدأ وخبر أي حسن نعمته أو حسن اختباره واقع علينا وثابت له بنا قال ابن الجزري قوله على نعمه وحسن بلائه أي على ما أحسن إلينا وأولانا من النعم وحسن البلاء بالنعمة الاختبار بالخير ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر، وفيه أن قوله على نعمه مشعر أن لفظ على من متن الحديث وليس موجودًا في الأصول المصححة والنسخ المعتمدة. قوله: (ربنا) أي يا ربنا. قوله: (صاحِبنْا) بسكون الباء من المصاحبة أي كن مصاحبًا لنا بالإعانة والإغاثة وفي حاشية الإيضاح لابن حجر الهيتمي في قوله أنت الصاحب في السفر يستفاد منه أن هذا من أسماء الله تعالى لكن هل هو يقيد في السفر اتباعًا للفظ الحديث إذ أسماء الله توقيفية ولم يرد إلا مقيدًا أو لا يتقيد بذلك محل نظر والأقرب الأول اهـ. ولك أن تقول أن لفظ حديث الباب مشعر بجواز اطلاف الصاحب من غير تقييد سيما على مذهب من يكتفي في الإطلاق بوروده في الفعل أو أصله والله أعلم. قوله: (وأَفْضِلْ) بصيغة الأمر من الإفضال أي نسألك الإفضال من نعمك بفضلك. قوله: (عائِذًا بالله) هو منصوب على المصدر أي أعوذ عياذًا أقيم اسم الفاعل
следующие страницы →