← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَن قال حِينَ يُصْبحُ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ــ رواه ابن السني كما في الحصين وقال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب. قوله: (فسبحانَ الله) أي نزهوه عما لا يليق به وفي خبر مرسل أنه ﷺ قال في قول العبد سبحان إنها براءة الله من السوء لا يقال النفي لا يتمدح به إلّا إذا تضمن ثبوتًا إلَّا فالنفي المحض لا مدح فيه لأنا نقول نفي السوء والنقص عنه يستلزم إثبات جميع الكمال له سبحانه وكذا كل ما جاء في الكتاب والسنة من نفي السوء والنقص عنه يتضمن إثبات ذلك له كقوله تعالى: (﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] قال في المرقاة والكمال مسلم ثبوته له تعالى عند الكل ولذا ما جاءت الرسل إلَّا للأمر بالتوحيد والعبادة على وجه التفريد اهـ. قوله: (تمسُونَ) أي تدخلون في المساء و (تصبحونَ) أي تدخلون في الصباح فالفعلان تامان وقد سبق أن المساء الشرعي من غروب الشمس والصباح الشرعي من طلوع الفجر. قوله: (ولهُ الحمدُ) أي له لا لغيره الحمد ثابت (في السمواتِ والأرضِ) أي كائن على ألسنة أهلهما وإن من شيء إلا يسبح بحمده أو ثابت في أجزائهما وقيل في للتعليل أي له الحمد في هاتين النعمتين العظيمتين لأهلهما فيجب عليهم حمده والجملة معترضة وسيأتي حكمة الفصل بهما. قوله: (وعَشيًّا) عطف على حين وسبق أن العشي ما بين زوال الشمس إلى غروبها وحكاية أقوال آخر وفي المغرب المشهور أنه آخر النهار. قوله: (تَظهرُونَ) أي تدخلون في الظهيرة. قوله: (يُخرِجُ الحي منَ الميتِ) بالتشديد والتخفيف أي الطائر من البيضة والحيوان من النطفة والنبات من الحبة والمؤمن من الكافر والذاكر من الغافل والعالم من الجاهل والصالح من الطالح روي أن النبي ﷺ رأى عكرمة بن أبي جهل فقرأ هذه الآية فهذا تفسير للنبي ﷺ أن المراد من الحي المؤمن ومن الميت الكافر وفي معناه العالم والجاهل والصالح والطالح والذاكر والغافل وبعكسه قوله "ويخرج الميت من الحي". قوله: (ويُحيي الأرضَ بعدَ مَوتها) أي بإنبات النبات بعد موتها أي يبسها أو أرض الروح بالإيمان والتوفيق بعد موتها أي فسادها

стр. 877

وَكَذَلِكَ تُخْرَجون﴾ [الروم: ١٧ - ١٩] أدْرَكَ ما فاته في يومِه ذلكَ، ومَنْ قالهُنّ حِينَ يُمسِي أدْرَكَ ما فَاتَهُ في لَيْلَتِهِ" ــ بأضداده. قوله: (وكذلك تُخرَجُونَ) أي مثل ذلك الإخراج أو الخروج اللازم منه أو مثل ذلك الإحياء تخرجون أي من قبوركم للحساب وما يترتب عليه من العذاب أو النعيم وحسن المآب وهو بالبناء للمفعول من الإخراج وفي قراءة على صيغة المعلوم من الخروج والمعنى أن الإعادة والإبداء متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت وعكسه فاعتبروا يا أولي الابصار. قوله: (أَدركَ مَا فاته) أي حصل ثواب ما فاته من ورد وخير. قوله: (ذلِكَ) أي الذي قال فيه هذا الذكر. قوله: (قالهنَّ) أي الكلمات أو هذه الآيات قال ابن حجر في شرح المشكاة وسبب إدراك ذلك أن من قال ما ذكر مستحضرًا لمعناه من أنه أمر بقوله ذلك أي فسبحوه في هذه الأوقات حمله على دوام شهود تنزيه الحق تعالى عن كل ما لا يليق به وفي ذلك الشهود من الثواب ما يخلف ما مر وبهذا يعلم أن المتبادر من هذا التسبيح أن المراد من سبحان الله الأمر بالتسبيح في تلك الأوقات ولا ينافيه ما جاء كما في معالم السنن قال نافع ابن الأزرق لابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال نعم وقرأ هاتين الآيتين وقال جمعت المواقيت الخمس اهـ. فتمسون المغرب والعشاء وتصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر لأن هذا باعتبار الحقيقة واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه سائغ عند الشافعي ﵁ وأكثر أصحابه وغيرهم يجعله من عموم المجاز ويدعون أنه التحقيق قال الطيبي: فإن قلت كان مقتضى الظاهر أن يعقب قوله وله الحمد بقوله فسبحان الله كما جاء سبحان الله وبحمده. وقوله: ﴿وعشيًّا﴾ بقوله: ﴿وَحينَ تُصبحُونَ﴾ [الروم: ١٧] فما فائدة الفصل ولم خص التسبيح بظرف الزمان والتحميد بظرف المكان، قلت قد مر أن الحمد أشمل من التسبيح فقدم وعلق به الإصباح والإمساء وأخر التحميد وعلق به السموات والأرض وإنما أدخله بين المتعاطفين ليجمع الحمد بين ظرفي الزمان والمكان إذ لافتراق الشيء بالشيء تعلق معنوي وإن لم يوجد تعلق لفظي ولو تقدم الحمد لاشتركا في الظرفين ولو أخر لخص الحمد بالمكان اهـ، وهو من

стр. 878

لم يضعفه أبو داود، وقد ضعفه البخاري في "تاريخه الكبير" وفي كتابه "كتاب الضعفاء". ــ الحسن بمكان غير أنه لم يتعرض لحكمة العدول عن مقابلة العشي بالصباح إلى مقابلته بالظهيرة ولعله لمراعاة الفواصل وحسن التقابل وفهم ابن الجزري هذه المقابلة حيث قال أبعد من قال أن المساء يدخل بالزوال فإن أراد دخول وقت العشي فقريب أو أراد المساء فبعيد فإن الله يقول فسبحان الله الخ، فقابل المساء بالصباح والظهيرة بالعشي اهـ، وقال ابن حجر وحكمة الفصل بين المتعاطفات في الآية بقوله وله الحمد الخ، إنه لما ذكر المساء والصباح المحيطين بطرفي النهار حثهم على المحافظة على إحياء هذين الطرفين المستلزم لإحياء ما بينهما أيضًا بأن أهل السموات والأرض وهم من جملتهم عليهم أن يقوموا بإحياء مقام الحمد دائمًا الذي يقابل التسبيح باعتبار دلالة الحمد على الصفات الثبوتية والتسبيح على الصفات السلبية والأولى أكمل وأفخم ومستلزمة للثانية ولا عكس وإنما لم يعقب التسبيح بالحمد كما هو في سبحان الله وبحمده المذكور في أكثر الآيات والأحاديث لأن القصد هنا الإشارة إلى مقامين متغايرين مقام التسبيح المشار به إلى الصلاة المختصة ببعض أهل الأرض ومقام الحمد الباعث عمومه لأولئك البعض على إدامة ما خصوا به فناسب حينئذٍ فصل هذا وجعله اعتراضًا بين أجزاء ذلك ليكون حاملًا عليها ومؤكدًا لطلبها ولما كان القصد من التسبيح ما ذكر من الأمر به أو بالصلاة على ما مر وذلك يقتضي التجدد. والحدوث ومن الأخبار بأن الحمد له فيما ذكر الدلالة على الدوام والثبات والاستمرار ناسب ذكر ظرف الزمان في الأول وظرف المكان في الثاني قال وهذا أولى مما قبله. قوله: (لمْ يضَغفْهُ أَبُو دَاوُدَ) أي فهو عنده صحيح أو حسن لكن قال الحافظ لعل أبا داود سكت عن تضعيفه لأنه من الفضائل. قوله: (وقَدْ ضعَفه البخارِيُّ) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف أخرج الحديث أبو داود العقيلي وابن عدي من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف وقال البخاري لا يصح اهـ، وقال الحافظ في أماليه على هذا الكتاب قوله وضعفه البخاري الخ. لفظ البخاري في الكتابين سعيد بن بشير النجاري روى عن السلماني وروى عنه الليث لم يصح حديثه وكذا نقله ابن عدي في ترجمة سعيد وأورد الحديث وقال لا أعلمه روى عنه غير الليث ولا أعلمه

стр. 879

وروينا في "سنن أبي داود" عن بعض بنات النبي ﷺ ﵅ أن النبي ﷺ كان يعلمها ــ روى إلَّا هذا الحديث ثم نقل كلام البخاري فيه وقال أنه عنى هذا الحديث قال الحافظ والحديث ضعيف بغير سعيد فإن شيخه ابن البيلماني ضعيف جدًّا قال ابن عدي كل ما يرو به ابن البيلماني فالبلاء فيه منه قال ابن حبان روى عن أبيه نسخة قدر مائتي حديث كلها موضوعة والنجاري بنون مفتوحة وجيم مشددة والبيلماني بموحدة ولام مفتوحتين وتحتية ساكنة قال الحافظ ووجدت للحديث شاهدًا بسند معضل لا بأس برواته ثم أخرجه عن زيد العمي وقال وهو بفتح المهملة وتشديد الميم نسبة إلى بني العم بطن من تميم وقيل لأنه كان يقول إذا سئل عن شيء حتى أسأل عمي وهو مختلف فيه عن محمد بن واسع من قال حين يصبح ثلاث مرات فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون لم يفته خير كان قبله من الليل ولم يدركه يومه شر ومن قالها حين يمسي مثله وكان إبراهيم خليل الرحمن يقولها ثلاث مرات إذا أصبح وثلاث مرات إذا أمسى قال الحافظ ولم أره مصرحًا برفعه لكن مثله لا يقال بالرأي ولبعض حديثه شاهد بسند ضعيف مصرح فيه برفعه عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله ﷺ قال ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون أخرجه أحمد وفي سنده ابن لهيعة وفي شيخه زبان بفتح الزاي وشدة الموحدة وآخره نون وهو ابن فايد مقال وكذا في ابن لهيعة وقد سكت عن نقل التضعيف المذكور عن البخاري صاحبا المشكاة والسلاح وكأنه لكونه غير مؤثر في العمل بمضمون الخبر لكون التضعيف إنما يمنع من العمل إذا كان شديدًا كما تقدم نحوه في كلام الحافظ في سكوت أبي داود عن بيان ضعفه. قوله: (وَرَوَينا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) وكذا رواه كما في الحصين النسائي وابن السني قال ميرك كلهم من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم عن أمه قال في السلاح وكانت تخدم بعض بنات النبي ﷺ عن بعض بنات النبي ﷺ قال الحافظ بعد تخريجه الحديث حديث غريب أخرجه أبو داود في كتاب الأدب وأخرجه النسائي في اليوم والليلة وأخرجه ابن السني عن النسائي وأبو نعيم

стр. 880

فيقول: "قولي حينَ تُصْبحِينَ: سُبْحانَ الله وَبِحَمْدِهِ، لا قوَّةَ إلَّا بالله، ما شَاءَ اللهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، اعْلَمُ أنّ الله عَلى كل شيء قَدِير، وأنّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُل شَيءٍ عِلْمًا، فإنهُ مَنْ قَالهُن حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِي ومن قالهُن حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ". وروينا في سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري رضي ــ في اليوم والليلة وتكلم في رجال السند إلى أن قال وعبد الحميد وسالم يعني الراوي للحديث عن عبد الحميد ذكرهما ابن حبان في الثقات لكن قال أبو حاتم الرازي عبد الحميد مجهول اهـ. قال الحافظ المنذري أم عبد الحميد لا أعرفها وقال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمها وكأنها صحابية وفي التخريج له أم عبد الحميد لم أعرف اسمها ولا حالها لكن يغلب على الظن أنها صحابية فإن بنات النبي ﷺ متن في حياته إلّا فاطمة فعاشت بعده ستة أشهر أو أقل وقد وصفت بأنها كانت تخدم التي روت عنها لكنها لم تسمها فإن كانت غير فاطمة قوي الاحتمال وإلَّا احتمل أنها جاءت بعد موت النبي ﷺ والعلم عند الله اهـ. قوله: (فيقولُ) هو بيان للتعليم وفي المرقاة يحتمل أن تكون الفاء تفسيرية اهـ. قوله: (سبحانَ الله وبحمدهِ) أي أنزهه عن كل سوء وابتدئ بحمده وفي المغرب سبحتك بجميع آلائك وبحمدك سبحتك وفي الحرز الأظهر في المعنى أن يقال أسبحه وأنزهه عما لا يليق به من الصفات السلبية وأقوم بحمده وثنائه الجميل من النعوت الثبوتية فالواو عاطفة للجملة على ما قبلها ويجوز أن تكون زائدة وتقدم بسط ذلك في باب فضل الذكر. قوله: (لَا قوةَ إِلَّا بالله) أي لا قدرة للعبد على حركة أو سكون إلَّا باقدار الله أي وقيل لا قوة أي لا قدرة على التسبيح والتحميد وغيرهما. قوله: (مَا شاءَ الله كانَ الخ) سواء شاء العبد أو لا وعلى هذا اتفق السلف ولا عبرة بخلف بعض الخلف وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] وفي الحديث القدسي تريد وأريد ولا يكون إلَّا ما أريد فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ويفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وقد عقد الشافعي معنى هذه الجملة في قوله: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما لم تشأ إن أشأ لم يكن قوله: (وَرَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب

стр. 881

الله عنه، قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال "يا أبا أمامَة! ما لي أراك جالسًا في المسْجِدِ في غيرِ وقتِ صَلاةٍ؟ " قال: هموم لزمتني ــ أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة وهو آخر حديث فيه ويليه كتاب الزكاة وسكت عليه في السنن وسئل عنه في أسئلة أخرى فقال غسان بن عوف شيخ بصري والحديث غريب اهـ، وغسان المذكور ذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء وقال العقيلي لا يتابع على حديثه وقد أخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب الدعاء عن عقبة بن مكرم عن الغداني عن غسان بن وهب فإن كان محفوظًا فلعل وهبًا جده أو كنيته فتصحفت الأداة ولم يذكروا له إلَّا هذا الحديث ثم أول سياق هذا الحديث ظاهر في أنه من مسند أبي سعيد وعلى ذلك اقتصر من صنف في الأطراف وفي رجالها ويستدرك عليهم أن في أثنائه ما يقتضي التصريح بأنه من مسند أبي أمامة وليس في الصحابة من الأنصار من يكنى أبا أمامة إلّا سعد بن زرارة ومات في أول الإسلام وسبطه أسيد بن سهل بن حنيف ومات النبي ﷺ وهو صغير فلعله هذا لكن أفرد ابن منده في الصحابة صاحب هذا الحديث بترجمة وتبعه أبو القاسم يعني البغوي وأما الحاكم في الكنى فلم يتعرض لهذا فيمن عرف اسمه ولا فيمن لم يعرف اهـ، ولحديث أبي سعيد شاهد من حديث أنس إلّا في القصة ثم أخرجه الحافظ عن أنس قال كان النبي ﷺ يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والهم والحزن والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال وقال بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري والنسائي وأبو عوانة قال وبعضه في الصحيحين من وجه آخر عن أنس وفيه زيادة ليست في هذا وعند مسلم من حديث زيد بن أرقم مثله لكن الزيادة غير الزيادة المذكورة وقد ذكرهما المصنف في كتاب الدعوات اهـ، وفي الحرز بعد ذكر الحديث عن أبي سعيد كما ذكره المصنف ما لفظه وفي الجامع رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس ولفظه ضلع الدين وروى صاحب الفردوس عن أنس أن النبي ﷺ قال من قال يوم الجمعة اللهم أعني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي اهـ. قوله: (هُموم لَزِمَتني) ابتدأ به لأن

стр. 882

وديون يا رسول الله، قال: "أفَلا أُعَلمُكَ كلامًا إذا قُلْتَهُ أذْهَبَ اللَّهُ هَمَكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ" قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قُلْ إذَا أصْبَحْتَ وإذَا أمْسَيْتَ: اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالحَزَنِ وأعُوذُ بكَ مِنَ ــ التنوين فيه للتكثير أو للتعظيم أي هموم كثيرة أو عظيمة لزمتني وأحاطت بي فلم أجد منها مخرجًا ولا من ضيقها فرجًا ويؤيده قوله يا رسول الله فإن الاستغاثة تدل على عظم ما وقع فيه حتى استغاث منه بهذا اللفظ الدال على سرعة الإجابة. قوله: (ودُيونٌ) أي لزمتني وحذف لدلالة الأول عليه وكأنه عطف تفسير لبيان أن تلك الهموم هي تلك الديون ويؤيده الحديث الدين هم بالليل مذلة بالنهار. قوله: (أَفلا أُعلمُك) الهمزة فيه للاستفهام والفاء عاطفة لما بعدها على جملة مقدرة دل عليها السياق ولا مزيدة للتأكيد نظير ما منعك أن لا تسجد والتقدير اتمتثل ما أمرك به فاعلمك ويدل لذلك قوله في الجواب فقلت بلى ووقع في عبارة الطيبي ما يوهم أن لا أصلية وليس مرادًا. قوله: (إِذَا قلتَه الخ) فائدة الإتيان به التحريض على الإتيان بذلك الكلام خصوصًا وفيه تعجيل البشرى بإزالة تعجيل ما طلب إزالته من الهم والدين. قوله: (الهم والحَزَنِ) بضم الحاء المهملة وإسكان الزاي وبفتحهما ضد السرور وفرق بينهما بأن الهم يختص بالمتوقع والحزن بما وقع وقيل الهم الحزن الذي يذيب الإنسان لشدة الغم الذي تلقاه مأخوذ من همني المرض أذابني والحزن أصله من الخشونة وهو يصدق بأدنى شدة وغم وقيل الحزن ما يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده والهم ما يذيب الإنسان فيكون تعوذه من الشيء الذي ينحل الجسم وقال الداودي الهم ما شغل الضمير وليس شيء أضنى على البدن منه قال والحزن أن يصاب الرجل في أهله وهما عند الفراء سواء وقال الحنفي الهم عام في أمور الدنيا والآخرة واعترض بأن هم الآخرة كالمنبوذ منه بل هو محمود ففي الحديث من جعل الهموم هما واحدًا هم الدين كفا الله هم الدنيا والآخرة وفي شرح العدة نقلًا عن الخطابي لا ينبغي للمؤمن أن يهتم بشيء من أمر الدنيا فإن الله تعالى قدر الأمور وأحكمها وقدر الأرزاق وقسمها فلا يجلب الهم للعبد خيرًا في دنياه ولا يأتيه ما لم يقدر له وكان عمر بن عبد العزيز يقول اللهم رضني بالقضاء وحبِّب إليِّ القدر حتى لا أحب تقديم ما أخرت ولا تأخير

стр. 883

العَجْزِ وَالكَسَلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ ــ ما قدمت ومن آمن بالقدر فلا ينبغي له أن يهتم على شيء فإنه من الدنيا ولا يتهم ربه ففيما قضى له الخير وإنما ينبغي للعبد الاهتمام بأمر الآخرة وعرضه على ربه وكيف ينجو من سؤاله ولذلك قال ﷺ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا فلذلك يحسن الهم والبكاء اهـ. قوله: (العجْز) بسكون الجيم هو في الأصل التأخر عن الشيء مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشيء وللزومه الضعف عن الإتيان بالشيء استعمل في مقابل القدرة فقيل هو ذهاب القدرة في وجه وكلاهما يحسن التعوذ منه واستعاذ من العجز لئلا يعجز عن القيام بمهمات العبادات الناشئ عن ارتكاب الذنوب لأنها توجب لمرتكبها توالي العوائق وتسابق الموانع إليه قال ابن بطال اختلف في معنى العجز فأهل الكلام يجعلونه ما لا استطاعة لأحد على فعله مما يعجز عنه لأنها عندهم مع الفعل وأما الفقهاء فيقولون هو ما لا يستطيع أن يعمله إذا أراد لأنهم يقولون الحج ليس على الفور ولو كان على المهلة عند أهل الكلام لم يصح معناه لأنها لا تكون إلّا مع الفعل. قوله: (والكسلِ) بفتحتين هو فترة النفس والمراد التثاقل عن صالح الأعمال مع القدرة عليه إيثارًا لراحة الأبدان على التعب ولكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه وقد ذم الله سبحانه المنافقين بأنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى إما من تثاقل منها لمرض أو ضعف أو كبر فلا يدخل في الذم والله سبحانه أعلم. قوله: (من الجُبْنِ) بضم فسكون أو فضم صفة الجبان يقال فيه جبن يجبن جبنًا وجبنًا وجمع الجبان جبن والجبانة وهو الخوف من العدو الشامل للصوري وهو الكافر والمعنوي وهو النفس والشيطان وسبب الخوف يمنعه المحاربة أو يحمله على الموافقة والجبانة هي ضد الشجاعة وإنما يكون من ضعف القلب وخشية النفس والجبان الذي يرتدع في الحرب ويضعف وذلك يؤدي إلى الفرار من الزحف وهو كبيرة واستعاذته ﷺ منه تعليم لأمته لأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قاله المهلب لأنه يفر من الزحف فيدخل تحت وعيد قوله تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وربما يفتن في دينه فيرتد لجبن أدركه وخوف على نفسه من القتل والأسر والعبودية، والجبن والكذب من الخلال المذمومة التي لا تصلح أن تكون في رؤوس الناس من إمام وخليفة وحامل

стр. 884

والبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ غلَبَةِ الديْنِ وَقَهْرِ الرجَالِ". قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله تعالى همي وغمي وقضى عني ديني. وروينا في كتاب ابن السني بإسناد صحيح، عن عبد الله بن أبزى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلام وَكلِمَةِ الإخْلاصِ، وَدِينِ نَبينَا محمد ﷺ ، وَمِلةِ أبينا إبراهِيمَ ﷺ حَنِيفًا مُسْلِمًا ومَا أنا مِنَ المُشرِكينَ" قلت كذا وقع في كتابه: "ودين نبينا محمد" وهو غير ممتَنِع، ولعله ﷺ قال ذلك جهرًا ليسمعه غيره فيتعلمه، والله أعلم. وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن أبي أوفى ــ علم إذ الكذب فجور أو يهدي إليه كما جاء في الحديث. قوله: (والبَخَلِ) بضم فسكون وفي نسخة من الحصين بفتحهما وذكرهما في شرح العدة وغيره يقال بخل يبخل بخلًا وهو أن يبخل بأداء الواجبات كمنع الزكاة وقراء الضيف وفي شرح الجامع الصغير للعلقمي البخل في الشرع منع الواجب وعند العرب منع السائل عما يفضل عنده وقيل البخيل الشحيح وقال ابن مسعود أن لا يعطي شيئًا والشح أن يشح بما في أيدي الناس أي يحب أن يكون له ما في أيديهم من الحلال والحرام وقيل البخل دون الشح اهـ، وفي الصحاح الشح البخل مع حرص واستعاذ ﷺ من البخل لقوله تعالى: (﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]، وقال ﷺ أي داء أدوى من البخل.

стр. 885

رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلكُ للهِ ، والحَمْدُ للهِ، والكِبرِياءُ والعَظَمَةُ للَّهِ، والخَلْقُ والأمرُ والليلُ والنهارُ وما سَكَنَ فِيهِمَا للهِ تعالى، اللَهُمَّ اجْعَلْ أوَّلَ هذا النهارِ صَلاحًا، وأوْسَطَهُ نجاحًا، وآخِرَهُ فَلاحًا، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". وروينا في كتابي الترمذي وابن السني بإسناد فيه ضعف، عن معقل بن يسار ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال حينَ يُصْبِحُ ثلاثَ مَراتٍ: أعُود بالله السمِيع العَليم من الشَّيطانِ الرجيمِ، وَقَرأ ثلاثَ آياتِ مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بهِ سَبْعِينَ ألفَ مَلَكٍ يُصلُّونَ عَلَيهِ حتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ ماتَ في ذلكَ اليَومِ مَاتَ شَهِيدًا، ومن قالها حينَ يُمْسِي كانَ بتِلْكَ المنزِلَةِ". وروينا في كتاب ابن السني، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه ﵁ قال: وجَّهَنا رسول الله ﷺ في سرية، فأمَرَنا أن نقرأ إذا أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فقرأنا فغنمنا وسلمنا. وروينا فيه عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى: "اللهُم إني أسألُكَ مِنْ فجأةِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 886

الخَيرِ، وأعُوذُ بِكَ مِن فَجأةِ الشَّرِّ". وروينا فيه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة ﵂: "ما يَمْنَعُكِ أن تَسْمَعِي ما أُوصيكِ بهِ؟ تَقُولينَ إذا أصْبَحْتِ وإذا أمْسَيتِ: يا حيُّ يا قيومُ بِكَ أسْتَغِيثُ فأصْلحْ لي شَأني كُلَّهُ ولا تَكِلْني إلى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ". وروينا فيه بإسناد ضعيف، عن ابن عباس ﵄، أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ أنه تصيبه الآفات، فقال له رسول الله ﷺ : "قُلْ إذا أصْبَحْتَ: بسمِ اللَّهِ على نفْسي وأهْلي ومالي، فإنه لا يَذْهَبُ لكَ شَيء"، فقالهن الرجل فذهبت عنه الآفات. وروينا في سنن ابن ماجه، وكتاب ابن السني، عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا أصبح قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ علمًا نافعًا، ورِزْقًا طَيبًا، وعملًا مُتَقَبَّلًا". وروينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال إذَا أصْبَحَ: اللهُم إنِّي أصْبَحْتُ مِنْكَ في نِعْمَةٍ وعَافِيةٍ وسِتْرٍ، فأتِمَّ نِعْمَتكَ عَليَّ وعافِيَتَكَ وسِتْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ثَلاثَ مَراتٍ إذا أصْبَحَ وإذا أمْسى، كان حَقًّا على اللهِ تعالى أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ". وروينا في كتابي الترمذي وابن السني، عن الزبير بن العوام ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ما من ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 887

صَباح يُصبِحُ العبادُ إلا مُنادٍ يُنادي: سُبْحانَ الملكِ القُدُّوسِ" وفي رواية ابن السني: "إلا صَرَخَ صارخٌ: أيها الخَلائقُ سَبِّحوا المَلكَ القُدُّوسَ". وروينا في كتاب ابن السني، عن بُريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قال إذا أصبَحَ وإذا أمْسى: رَبِّيَ اللهُ، تَوَكَّلتُ على اللهِ لا إلهَ إلا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيم، لا إلهَ إلا اللهُ العَلِي العَظِيمُ، ما شَاءَ اللهُ كَانَ، ومَا لَمْ يَشَأ لمْ يَكُنْ، أعْلَمُ أن اللهَ على كل شيءٍ قَدِيرٌ، وأن اللهَ قَدْ أحاطَ بِكُل شَيءٍ عِلمًا، ثَم ماتَ دَخَلَ الجَنَّة". وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال "أيَعْجزُ أحدُكم أنْ يكونَ كأبي ضمْضَمٍ؟ قالوا: ومَنْ أبو ضَمْضمٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: كان إذا أصبَحَ قال: اللهُمَ إني قد وهَبْتُ نَفْسِي وعِرْضي لكَ، فلا يشتِمُ مَنْ شتَمَهُ ولا بَظْلِمُ مَنْ ظَلَمَهُ، ولا يَضْرِبُ مَنْ ضرَبَهُ". وروينا فيه عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال في كل يَومٍ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي: حَسْبيَ اللهُ، لا إلهَ إلا هو، عَلَيهِ توكَّلْتُ وهو رَب العَرْشِ العَظيمِ سَبع مَراتٍ، كَفَاهُ اللهُ تعالى ما أَهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنيا والآخرة". وروينا في كتابي الترمذي وابن السني بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرأ (حم المُؤمِنَ) إلى: (إلَيهِ المَصيرُ) وآيةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حتى يُمْسِيَ، ومَنْ قَرأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتَّى يُصْبِحَ". فهذه جملة من الأحاديث التي قصدنا ذِكْرها، وفيها كفاية لمن وفقه الله تعالى، ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 888

نسأل الله العظيم التوفيق للعمل بها وسائر وجوه الخير. وروينا في كتاب ابن السني، عن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتك، فقال: ما احترق، لم يكن الله ليفعل ذلك بكلمات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسيَ، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبحَ: "اللهُم أنْتَ رَبي لا إلهَ إلا أنْتَ عَلَيْكَ توَكَّلْتُ وأنْتَ رَب العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لَمْ يَشأ لَمْ يَكُنْ، لا حَولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العَلِيِّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أن اللهَ عَلى كُل شَيءٍّ قَدِير، وأن اللهَ قد أحاطَ بِكُل شَيءٍ عِلمًا، اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، ومِنْ شَر كُل دابةٍ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِبَتِهَا، إنّ ربي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيم". ورواه من طريق آخر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ لم يقل: عن أبي الدرداء، وفيه: أنه تكرر مجيء الرجل إليه يقول: أدرك دارك فقد احترقت، وهو يقول: ما احترقت لأني سمعت النبي ﷺ يقول: "من قال حين يصبح هذه الكلمات، لم يصبه في نفسه ولا أهله ولا ما له شيء يكرهه"، وقد قلتها اليوم، ثم قال: انهضوا بنا، فقام وقاموا معه، فانتهوا إلى داره وقد احترق ما حولها ولم يصبها شيء". باب يقال في صبيحة الجمعة اعلم أن كل ما يقال في غير يوم الجمعة يقال فيه، ويزداد استحباب كثرة الذكر فيه على غيره، ويزداد كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ . وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال صَبِيحَةَ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 889

يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ الله الذي لا إلهَ إلَّا هُوَ الحَي القَيومُ وأتُوبُ إلَيهِ ثَلاثَ مَرَّات غَفَرَ الله ذنُوبَهُ وَلَوْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البَحْرِ". ويُستحب الإكثارِ من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الإجابة، فقد اختلف فيها على أقوال كثيرة، فقيل: هي بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس وقيل: بعد الزوال، وقيل: بعد العصر، وقيل غير ذلك. والصحيح بل الصواب الذي لا يجوز غيره: ما ثبت في "صحيح مسلم"، عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ ، أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن يسلِّم من الصلاة. باب ما إذا طلعت الشمس روينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طلعت الشمس قال: "الحَمْدُ للهِ الذي جلَّلنَا اليَوْمَ عافِيَتَهُ، وجاءَ بالشَّمْس مِنْ مَطْلِعِها، اللهُم أصْبَحتُ أشْهَدُ لَكَ بمَا شَهِدتَ بِهِ لِنَفْسِكَ، وَشَهِدَتْ به مَلائِكَتُكَ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ وَجَمِيعُ خَلْقِكَ أنكَ أنْتَ اللهُ لا إلهَ إلَّا أنْتَ القَائِمُ بالْقِسْطِ، لا إلهَ إلا أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، اكْتُبْ شَهَادَتي بَعْدَ شَهَادَةِ مَلائِكَتِكَ وأولي العِلْم، اللهُم أنْتَ السلامُ ومِنْكَ السلامُ وإلَيكَ السلامُ، أسألُك يا ذَا الجَلالِ والإكرَامِ أن تَستَجيبَ لَنَا دَعْوَتَنا، وأنْ تُعْطِيَنا رغْبَتَنَا، وأنْ تُغْنِيَنَا عَمَّنْ أغْنَيتَهُ عَنَّا مِنْ خَلْقِكَ، اللهُم أصْلِحْ لي دَيني الذي هُوَ عِصْمَةُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 890

أمْرِي، وأصْلِح لي دُنيَايَ التِي فِيها معِيشَتي، وأصْلِح لي آخِرَتي التي إلَيهَا مُنْقَلَبِي". وروينا فيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أنه جعل من يرقب له طلوع الشمس، فلما أخبره بطلوعها قال: الحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لَنا هَذَا اليَوْمَ وأقالنا فِيهِ عَثَراتِنَا. باب ما يقول إذا استقلت الشمس روينا في كتاب ابن السني، عن عمرو بن عبسة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ما تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقى شَيءٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالى إلَّا سَبّحَ اللهَ وَحَمِدَهُ إلا ما كانَ مِنَ الشَّيْطَانِ وأعْتى بَني آدَمَ، فَسألتُ عَنْ أعْتَى بَني آدَمَ فقال: شِرارُ الخَلْقِ". باب ما يقول إذا استقلت الشمس إلى العصر قد تقدم ما يقوله إذا لبس ثوبه، وإذا خرج من بيته، وإذا دخل الخلاء، وإذا خرج منه، وإذا توضأ، إذا قصد المسجد، وإذا وصل بابه، وإذا صار فيه، وإذا سمع المؤذن والمقيم، وما بين الأذان والإقامة، وما يقوله إذا أراد القيام للصلاة، وما يقوله في الصلاة من أوَّلها إلى آخرها، وما يقوله بعدها، وهذا كلُّه يشترك فيه جميع الصلوات. ويستحب الإكثار من الأذكار وغيرها من العبادات عقب الزوال. لما رويناه في كتاب الترمذي عن عبد الله بن السائب ﵁، "أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: إنّها ساعة تُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السماءِ فأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لي فيها عَمَلٌ صَالِحٌ" قال الترمذي: حديث حسن. ويستحب كثرة الأذكار بعد ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 891

وظيفة الظهر لعموم قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥] قال أهل اللغة: العشي من زوال الشمس إلى غروبها. قال الإمام أبو منصور الأزهري: العشي عند العرب: ما بين أن تزول الشمس إلى أن تغرب. باب ما يقوله بعد العصر إلى غروب الشمس قد تقدم ما يقوله بعد الظهر والعصر كذلك، ويستحبُّ الإكثار من الأذكار في العصر استحبابًا متأكدًا، فإنها الصلاة الوسطى على قول جماعات من السلف والخلف، وكذلك تستحبُّ زيادة الاعتناء بالأذكار في الصبح، فهاتان الصلاتان أصحّ ما قيل في الصلاة الوسطى، ويستحبُّ الإكثار من الأذكار بعد العصر، وآخر النهار أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وقد تقدم أن الآصال ما بين العصر والمغرب. وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنْ أجْلِسَ مع قَوْمٍ يذْكُرُونَ اللهَ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 892

مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أحبُّ إليّ مِنْ أنْ أعتِقَ ثمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إسمَاعِيلَ". باب ما يقوله إذا سمع أذان المغرب روينا في سنن أبي داود، والترمذي، عن أم سلمة ﵂ قالت: علمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: "اللهُم هذا إقبَالُ لَيلِكَ وَإدْبارُ نَهارِكَ وأصْوات دُعاتِك فاغفر لي". باب ما يقوله بعد صلاة المغرب قد تقدم قريبًا أنه يقول عقيب كل الصلوات الأذكارَ المتقدمة، ويستحب أن يزيد فيقول بعد أن يصلي سُنَّةَ المغرب. ما رويناه في كتاب ابن السني، عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاة المغرب يدخل فيصلي ركعتين، ثم يقول فيما يدعو: "يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّتْ قُلوبَنا على دِينِكَ". وروينا في كتاب الترمذي، عن عمارة بن شبيب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهوَ على كُل شيءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَراتٍ على أثَرِ المَغْرِب، بعثَ اللهُ تعالى له مَسْلَحَةً يتكفَّلونَه من ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 893

الشَّيطَان حتَّى يُصْبِح، وكتَبَ الله له بها عَشْر حَسناتٍ موجِباتٍ، ومَحَا عنْه عَشْرَ سَيئَاتٍ مُوبِقاتٍ، وكانَتْ له بِعَدْلِ عَشْرِ رِقابٍ مُؤمِناتٍ". قال الترمذي: لا نعرف لعمارة بن شبيب سماعًا من النبي ﷺ . قلت: وقد رواه النسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" من طريقين. أحدهما: هكذا، والثاني عن عمارة عن رجل من الأنصار. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هذا الثاني هو الصواب. قلت: قوله: "مسلحة" بفتح الميم وإسكان السين المهملة وفتح اللام وبالحاء المهملة: وهم الحرس. باب ما يقرؤه في صلاة الوتر وما يقوله بعدها السُّنَّة لمن أوتر بثلاث ركعات، أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية: (﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ، فإن نسي (سَبِّحِ) في الأولى، أتى بها مع ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ في الثانية، وكذا إن نسي في الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ أتى في الثالثة مع (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين. وروينا في سنن أبي داود، والنسائي، وغيرهما بالإسناد الصحيح، عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: "سُبْحانَ الملِكِ القُدوسِ". وفي رواية النسائي وابن السني: "سُبْحَانَ المَلِكِ القُدوس" ثلاثَ مَراتٍ. وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، عن علي ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهُم إلْي أعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِمُعَافَاتِك من عُقوبِتِكَ، وأعُوذُ بكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثناءً عَلَيْكَ أنتَ كما أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ " قال الترمذي: حديث حسن. باب ما يقول إذا أراد النوم واضطجع على فراشه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 894

لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وروينا في "صحيح البخاري" ﵀، من رواية حذيفة، وأبي ذر ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "باسْمِكَ اللَّهُم أحْيا وأموتُ". ورويناه في "صحيح مسلم" من رواية البراء بن عازب ﵄. وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال له ولفاطمة ﵄: "إذا أوَيتُما إلى فِراشِكُما، أو إذا أخَذْتُما مَضاجِعَكُما، فَكَبِّرا ثلاثًا وثلاثينَ، وسَبِّحا ثلاثًا وثلاثينَ، واحْمدا ثلاثًا وثلاثِينَ". وفي رواية: "التَّسْبِيحُ أرْبَعًا وثلاثينَ". وفي رواية: "التَّكْبِيرُ أرْبَعًا وثلاثينَ" قال عليّ: فما تركتُه منذ سمعتُه من رسول الله ﷺ قيل له: ولا ليلةَ صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أوى أحَدُكُمْ إلى فِرَاشِهِ، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بدَاخِلَةِ إزارِهِ، فإنَّهُ لَا يَدْرِي ما خَلفَهُ عَلَيهِ، ثم يَقول: باسْمِكَ رَبي وَضَعْتُ جَنْبي وبِكَ أرْفَعُهُ، إن أمْسَكْتَ نَفْسي فارْحَمْهَا، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ". وفي رواية: "يَنْفُضُهُ ثَلاثَ مَراتٍ". وروينا في "الصحيحين" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ ، كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده. وفي الصحيحين عنها، أن النبي ﷺ "كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 895

كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس: ١] ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، ــ ولا قائل به إذ لا فائدة فيه ولعله سهو من الكاتب الراوي لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة لتوصل بركة القرآن واسم الله تعالى بشرة القارئ والمقروء له اهـ، ويؤيد ما ذكرته إنا لو فتحنا باب تجويز السهو ممن ذكر لم نثق بمروي قط فوجب تأويله بما قدمته إذ به يحصل المقصود المذكور ويبقى اللفظ على حاله ثم رأيت الشيخ أغلظ في الرد عليه وجعل نفث بمعنى أراد على حد فإذا قرأت القرآن فاستعذ، المعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما ولعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن يكون مشرع كل وارد وزعم أنه جاء في صحيح البخاري بالواو كذب وإنما الذي فيه الفاء اهـ، وكلام شرح المشكاة وفي الحرز مثل ما قال الشيخ ابن حجر الأظهر أن المعنى ثم شرع في النفث فقرأها حال النفث على أن الفاء لا تفيد الترتيب عند الفراء اهـ. وفي القاموس أن الفاء تأتي بمعنى الواو. قوله: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] الخ) أي هذه السور الثلاث ويقال لها المعوذات بكسر الواو وتفتح تغليبًا قال الترمذي النفث يتفاوت أهله على قدر نور قلوبهم وعلمهم بهذه الكلمات فإذا فعل ذلك بجسده عند إيوائه إلى فراشه كان كمن اغتسل بأطهر ماء وأطيبه فما ظنك بما يغتسل بأنوار كلمات الله فكان كثوب نفض من غباره اهـ. قوله: (ثمَّ مَسحَ بهما الخ) أي ما استطاع مسحه فالعائد محذوف والمراد ما يصل إليه من بدنه وظاهر أن المسح فوق الثياب وقضية الحديث أنه جمع كفيه ونفث وقرأ ثم مسح ثم قرأ ثم مسح لقوله فيه يفعل ذلك ثلاث مرات رواه الترمذي وفي الشمائل وظاهرها أن السنة لا تحصل إلَّا بالثلاث وحملت على كمال السنة أما أصلها فيحصل بمرة والجسد كالجسم لكنه أخص منه إذ لا يقال إلا للحيوان الناطق العاقل وهو الإنسان والملائكة والجن كما في البارع وغيره. قوله: (يبدأُ بِهمَا الخ) هذا بيان للأفضل من المسح المستطاع فيبدأ بأعالي بدنه فيمسح بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده أي ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده قال في الحرز فهو كهيئة الغسل المسنون على الوجه الأصح اهـ. أي بالنسبة

стр. 896

يفعل ذلك ثلاث مرات" قال أهل اللغة: النفث: نفخ لطيف بلا ريق. وروينا في "الصحيحين" عن أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ــ إلى تقديم المقبل من البدن على المدبر منه وإلّا فالجانب اليمين والشمال يمسح عليهما معًا بخلافه في الغسل فيقدم اليمين والمراد غسل الميت أما غسل الحي فيغسل الجانب الأيمن المقبل والمدبر معًا ثم الأيسر كذلك والله أعلم. قوله: (يَفَعَلُ ذَلِكَ) أي ما ذكر من الجمع والنفث والقراءة والمسح وفي هذا الحديث رد على من زعم أنه لا يجوز استعمال الرقي والعوذ إلّا عند حلول المرض ونزول ما يتعوذ منه ألا ترى أنه ﷺ فعل ما ذكر واستعاذ من شر ما يحدث في ليلته مما يتوقعه وهذا من أكبر الرقى اهـ. قوله: (قَال أهْلُ اللغةِ النّفثُ الخ) قال أبو عبيد النفث بالفم شبيه بالنفخ وأما التفل فلا يكون إلّا ومعه شيء من الريق وكذا قال الجوهري قال وهو أقل من التفل وقال ابن الجزري في مفتاح الحصين التفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه أوله البزاق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ وفي شرح المصابيح له النفث النفخ اللطيف وفي السلاح قال الصغاني النفث أقل من التفل وقد نفث الراقي ينفث يعني بكسر الفاء وضمها وسيأتي في باب ما يقال عند الرؤيا ما له تعلق تام بهذا المقام ثم ما نقله المصنف عن أهل اللغة قال المناوي في شرح الشمائل لعله أراد بعضهم وإلّا فالخلاف محقق كما يشير إليه قول القاموس وغيره النفث الرقي والنفخ وصرح بذلك غيره ففي الأساس نفثه من فيه رقى به ونفث ريقه وفي المصباح نفثه من فيه نفثًا رقي به ونفث إذا بزق ومنهم من يقول إذا بزق ولا ريق معه نعم الذي يلوح من ظواهر الأحاديث أن المراد هنا النفخ العري عن الريق اهـ. قوله: (وَرَوَينا في الصَّحيحَيْنِ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الدارمي وغيره أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأبو عوانة في صحيحه وفي الجامع الصغير بعد إيراده كذلك لكن بإسقاط الباء من قوله قرأ بهما رواه أحمد وابن ماجة وفي السلاح رواه الجماعة يعني الستة. قوله: (عنْ أَبِي مسْعُودٍ الأَنْصارِي البدرِي عُقبَةَ بْنِ عَمْرو) وعمرو وهو ابن ثعلبة وهو الأنصاري الخزرجي البدري نسبة إليها لأنه سكنها ولم يشهدها وقيل شهدها ومشى عليه البخاري وذكره في البدريين

стр. 897

"الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَنْ قَرَأ بِهِما في لَيلَةٍ كَفَتَاهُ". اختلف العلماء في معنى كفتاه فقيل: من الآفات في ليلته: وقيل: كفتاه من قيام ليلته. قلت: ويجوز أن يراد الأمران. ــ والصحيح الأول شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد وقال ابن إسحاق كان أبو مسعود أحدث من شهد العقبة سنًّا وسكن الكوفة وكان من أصحاب علي واستخلفه على الكوفة لما سار إلى صفين روي له عن النبي ﷺ فيما قيل مائة حديث وحديثان اتفقا منها على أحد عشر حديثًا وانفرد البخاري بحديث واحد ومسلم بسبعة أحاديث ومات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة أربعين وقيل بعد الستين وقيل في خلافة معاوية ﵁. قوله: (الآيتَانِ منْ آخر سُورَةِ البقَرةِ) أي الكائنتان من آخرها وهما من آمن الرسول إلى آخرها وقد ورد الننصيص على هذا الابتداء من وجه آخر عن أبي مسعود أخرجه العسكري في كتاب ثواب القراءة عن أبي عبيد ومن وجه آخر عن جبير بن نفير نحوه مرسلًا وزاد في آخره وصلاة ودعاء ذكره الحافظ. قوله: (منْ قَرأَ بِهمَا) الباء زائدة للتأكيد أو الاستعانة وتجويز كونها للآلة بعيد إذ قراءة الحرف التلفظ به. قوله: (فقِيلَ كفتاه من الآفاتِ الخ) في شرح المشكاة وقيل يدفع عنه الإنس والجن ويشهد له حديث الحاكم أن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة ولا يقرءان في دار فيقربها شيطان ثلاث ليالٍ. قوله: (وقِيلَ كفتَاهُ منْ قيَام لَيلَتهِ) أي حتى لا يبول الشيطان في أذنه ولا يعقد على ناصيته كما علم من الأحاديث الواردة في فضل قيام الليل وأنه متكفل بمنع هذين فكذا هاتان الآيتان متكفلتان بذلك على هذا الاحتمال الذي قد يخدش فيه إذ مثل هذا بخصوصه لا يثبت بالاحتمال. قوله: (ويَجُوزُ الأَمرَانِ) أي لأن اللفظ صالح بذلك وكذا يجوز أن يعم ما قيل أن المراد به حسبه بهما فضلًا وأجرًا وفي شرح مسلم ويجوز أن تغنياه عن قيام الليل وحزب التهجد إذا قرأهما في الصلاة اهـ، وقيل معناه اجزأتاه عن فوائد قراءة سورة الكهف المشتملة على الآيات العشر آخرها التي من قرأها أمن من الدجال وعن قراءة آية الكرسي المتضمنة لقارئها عند النوم الأمن على داره قال ابن حجر في شرح المشكاة ويحتمل

стр. 898

وروينا في "الصحيحين"، عن البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضأ وُضُوءَك للصلاةِ، ــ وهو الظاهر المناسب لنظمهما أنهما كفتاه عن تجديد الإيمان لأن من تأمل أولهما أدنى تأمل حصل له من الرسوخ في الإيمان والإتقان مقام خطير وحظ كبير وعن غاية التفويض والتسليم لأقضية الله تعالى وأوامره ونواهيه لأن من تأمل قول أولئك الكمل سمعنا وأطعنا حمله ذلك على التأسي بهم في هذا المقام العلي وعن غاية التواضع وهضم النفس باعتقاد أنها ليست على شيء لأن من تأمل قول أولئك الكمل غفرانك حمله ذلك على التأسي بهم فيه أيضًا وعن غاية ذكر الموت واستحضار البعث الحامل أولهما على تكثير العمل وتقليل الأمل وثانيها على التبري من سائر حقوق الخلق لأن من تأمل رجوعه إلى الله تعالى للحساب سارع فيما يبرئه ويخلصه من ورطة المناقشة في الحساب وعما ورد من الأدعية الكثيرة لأن الدعاء بما فيهما متكفل بخير الدارين اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في الصَّحِيحَيْنِ) ورواه أصحاب السنن الأربعة كما في السلاح زاد الحافظ ورواه أحمد وأبو عوانة في صحيحه. قوله: (قَال لي رَسُولُ الله ﷺ ) أفاد صاحب السلاح أن قوله بي إنما هو عند أبي داود ولفظه قال قال رسول الله ﷺ إذا أتيت مضجعك الخ، رواه الجماعة وفي رواية أبي داود قال قال لي رسول الله ﷺ إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك ثم ذكر نحوه اهـ، وكذا ذكره بحذف الظرف، قال: وفي رواية (قَال) يعني البراء "قال رسول الله ﷺ لرجل يا فلان إذا أويت إلى فراشك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل الخ" متفق عليه قال الطيبي وتابعه ابن حجر والقاري الرجل المبهم هو أسيد بن حضير ثم راجعت صحيح البخاري نسخة صحيحة مقابلة على نسخة الحافظ ابن حجر فوجدت فيها ذلك في بعض طرقه فثبت ما ذكره المصنف نفع الله به من ذلك في الصحيحين أي في جملتهما كما بين ذلك بقوله آخرًا هذا لفظ إحدى روايات البخاري الخ، ومنها يعلم أن تصيير ذلك الرجل المبهم في بعض الطرق أسيد بن حضير يحتاج إلى توقيف وإلّا فيحتمل أن يكون هو البراء بنفسه لما تقدم في حديث رفاعة بن رافع ابن عفراء في دعاء الاعتدال أن الراوي قد يبهم نفسه إما لإخفاء عمله أو لنحو ذلك من الأغراض. قوله: (فَتوَضَّأْ) هو أمر استحباب. قوله: (وُضُوءَكَ لِلصلاةِ) أي وضوءًا

стр. 899

ثم اضْطَجِعْ على شِقكَ الأيمَنِ وَقُل: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيكَ، ــ شرعيًّا لا لغويًّا أي مطلق النظافة لأن القصد أن يكون عند النوم على أكمل الأحوال وهو الطهارة الشرعية ليكون ذكره على أكمل الأحوال وكذا نومه وإذا كان النوم كذلك حفظ فيه الإنسان من الشيطان والثقل والكسل الموجبة لقوة استيلائه عليه ودوامه معه المقتضية لتفويت مهمات أوقاته وأفاضل أعماله فيرجع الآخرة بخفي حنين ولا يظفر من الأعمال بأثر ولا عين. قوله: (ثم اضْطجِع عَلَى شِقكَ الأَيمَنِ) قال القاضي عياض. فائدة الاضطجاع على الشق الأيمن لئلا يستغرق في النوم لتعلق القلب الذي هو في جهة اليسار حينئذٍ إلى جهة اليمين وقلق النفس من ذلك بخلاف قراره في النوم على اليسار ودعة النفس إلى ذلك اهـ. أي فإنه يثقل النوم حينئذٍ ويطول زمنه والنوم على اليسار وإن أهني لكنه مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب المواد فيه هذا بالنسبة إليه فلا فرق في حقه بين الأيمن والأيسر لأن قلبه الشريف لا ينام إنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان حما التيمن في شأنه وليعلم أمته قال المحقق أبو زرعة اعتدت النوم على الأيمن فصرت إذا فعلت ذلك كنت في دعة وراحة واستغرقت وإذا نمت على الشق الأيسر حصل عندي قلق وعدم استغراق في النوم فالأولى تعليل النوم على الأيمن بتشريفه وتكريمه وإيثاره على الأيسر اهـ، وحكى المناوي شارح الشمائل عن نفسه مثل ذلك والله أعلم، وأردأ النوم على الظهر بخلاف مجرد الاستلقاء عليه من غير نوم وأردأ منه النوم مبطحًا على الوجه روى ابن ماجة أنه ﷺ لما مر بمن هو كذلك في المسجد ضربه برجله وقال قم واقعد فإنها نومة جهنمية. قوله: (أَسملتُ نَفسِي) أي ذاتي (إِليكَ) أي رضيت بأن تكون تحت مشيئتك تتصرف فيها بما شئت من إمساكها أو إرسالها وهذا أنسب من قول الطيبي هذا إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه اهـ. أي لأن المقام مقام للمنام وهو لا نكليف فيه حتى يذكر الأمر والنهي المحضين بمقامه ووجه. في المرقاة كلام الطيبي بأن التكاليف عند إرادة النوم أو بعد الاستيقاظ أن لا يتوهم أنه حال النوم وعلى الأول ففيه إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتوب إلى الله تعالى وقت النوم لينام مطيعًا قال في المرقاة ويؤيده أن الطيبي قال في قوله وفوضت أمري إليك فيه إشارة إلى أن الأمور الخارجة

стр. 900

وَفوَّضْتُ أمْرِي إلَيكَ، وألجَأتُ ظَهْري إلَيكَ، رَغبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ ــ والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها سواه اهـ، وفي رواية أسلمت وجهي إليك والمراد بالوجه فيها الذات ومنه قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]. قوله: (وفَوضْتُ أَمْرِي) أي شأني كله (إِليكَ) أي توكلت في جميع شأني عليك. قوله: (وأَلجَأتُ ظَهرِي إِليكَ) أي أسندته إلى حفظك لما علمت أنه لا مسند يتقوى به سواك ولا ينفع أحد إلَّا حماك قال الطيبي فيه إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليه وبها معاشه وعليها مدار أمره ملتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة يقال ألجأته إلى الشيء اضطررته إليه وقد يستعمل بمعنى الإسناد وهو المراد وفيه تنبيه على أنه كالمضطر في ذلك حيث لم يعلم له سند يتقوى به غير الله ولا ظهر يشد به أزره سواه وخص الظهر بالذكر لكون الاعتماد في الاستناد عليه أكثر من غيره. قوله: (رغْبةً ورهْبةً) قيل كل منهما مفعول له لألجأت وقال الطيبي منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي فوضت أمري طمعًا في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره إليك مخافة من عذابك اهـ، وتعقبه ابن حجر في شرح المشكاة بأن الأوجه في الرغبة بفوضت دون ما قبله والرهبة بالجأت فقط كالتحكم والوجه بل الصواب ما ذكرته من أن كل ما ذكر معلل بالرغبة والرهبة وفي المرقاة وما قاله الطيبي معنى صحيح بل صنعه بديع وقيل أنهما منصوبان على الحال أي راغبًا وراهبًا أو على الظرفية أي في حال الطمع والخوف واستظهرهما في المرقاة وقوله (إلَيْكَ) قال الكرماني يتعلق برغبة كقوله علفتها تبنًا وماءً باردًا اهـ، ومتعلق الرغبة محذوف أي منك وتبعه عليه ابن الجزري وفي الحرز الأظهر أن يكونا متنازعين أي رغبة إليك وهو ظاهر ورهبة إليك يعني إني حالة الخوف لا أرجع إلَّا إليك كالتعليل له بطريق الاستئناف البياني. فائدة الخوف والوجل والرهبة ألفاظ متقاربة فالأول توقع العقوبة على مجاري الأنفاس واضطراب القلب من ذكر المخوف والخشية أخص منه إذ هي خوف مقرون بمعرفة ومن ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقيل الخوف حركة والخشية سكون ألا نرى أن من يرى عدوًا له جاءه تحرك للهرب منه وهي الخوف وحالة استقراره في محل لا يصل إليه يسكن وهي الخشية وقال ابن ملك في شرح المشارق قيل الخشية تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل يكون تارة

стр. 901

لا مَلْجَأ ولا مَنْجَى مِنْك إلا إلَيكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أنْزَلْتَ، ــ بكثرة الجناية من العبد وتارة بمعرفة جلال الله تعالى وخشية الأنبياء من هذا القبيل والهيبة خوف مقرون بالحب قال الشاعر: أهابك إجلالا وما بك قدرة ... على ولكن ملء عين حبيبها والخوف للعامة والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الهيبة والخشية ومن ثم قال ﷺ أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية. قوله: (لَا ملْجأَ وَلَا منْجى مِنْكَ إلا إِليكَ) قال العسقلاني ملجأ مهموز ومنجى مقصور وقد يهمز منجا للازدواج وقد يعكس أيضًا لذلك ويجوز التنوين مع القصر اهـ، والمعنى لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلَّا برحمتك وهذا معنى ما ورد أعوذ بك منك أي أعوذ بمظاهر صفات جمالك ومعالي إكرامك من غاية صفات جلالك ومهاوي انتقامك بأن يكون تفضلك عليّ بالأولين مانعًا لي مما يصدر عن الآخرين وفي الحرز الملجأ بمعني المخلص والمفر ففيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى الله﴾ [الذاريات: ٥٠] وإلى قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة: ١١] وقال الكرماني لا ملجا مقصور وإعرابه كإعراب عصى. فإن قلت فهل يقرأ بالتنوين أو بغيره. قلت في هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلَّا بالله والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه وعند التنوين يسقط الألف قال ولا ملجأ ولا منجى أن كانا مصدرين فيتنازعان في منك وإن كانا مكانين فلا إذ اسم المكان لا يعمل وتقدير لا ملجا منك إلى أحد إلّا إليك ولا منجى إلَّا إليك. قوله: (آمَنْتُ بكتَابكَ) أي صدقت بكتابك. قوله: (الذِي أَنْزلْتَ) علي وهو القرآن الكريم الحاث على التخلق بهذه الأَخلاق البهية وسائر المقامات العلية والحالات السنية ولذا قال الطييي آمنت بكتابك تخصيص بعد تعميم وبما ذكر يندفع اعتراض ابن حجر عليه بقوله لا تعميم فيما ذكره لأن الفعل في حين الإتيان لا تعميم فيه كالنكرة التي هي كذلك. فإن قلت المفرد المضاف يفيد العموم فلم خصصه بالقرآن. قلت بقرينة المقام مع أن عمومه يختلف فيه ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للايمان بجميع الكتب المنزلة فلو حملناه على العموم لجاز أيضًا. وهنا فائدة وهي أن المعرف بالإضافة كالمعرف بأل يحتمل الجنس والاستغراق والعهد فلفظ

стр. 902

وَنَبِيكَ الذِي أرسلتَ. فإنْمِتَّ مِتَّ على الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تقولُ"، هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقي رواياته وروايات مسلم مقاربة لها ــ كتابك محتمل لجميع الكتب ولجنسها ولبعضها كالقرآن بل جميع المعارف كذلك كما يعلم من الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] وفي قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾ [البقرة: ٦] في أول البقرة. قوله: (ونَبيكَ) بحذف الباء الجارة وفي نسخة بإثباتها. قوله: (الَّذِي أَرْسَلتَ) إلى كافة الخلق بشيرًا ونذيرًا وسراجا منيرًا. قوله: (عَلَى الْفطرةِ) أي الإسلام كما قال في الحديث الآخر من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة قال القرطبي كذا في المنسوخ في هذا الحديث وفيه نظر لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المتضمنة للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم والرضا إلى أن يموت على الفطرة كما يموت من قال لا إله إلّا الله وإن لم يخطر له شيء من تلك بعد فأين تلك الكلمات العظيمة والمقامات الشريفة فالجواب أن كلا منهما وإن مات على فطرة الإسلام فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الطائفة الأولى فطرة المقربين والصديقين وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليمين اهـ. قال في السلاح وفي رواية للبخاري فانك إن من من ليلتك من على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيرًا. قوله: (واجْعلْهُن آخر مَا تَقُولُ) أي من الدعوات وفي آخر الحديث كما في السلاح قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت ورسولك قال لا ونبيك الذي أرسلت قال المصنف في شرح مسلم اختلف العلماء في سبب إنكاره عليه ورده اللفظ فقيل إنما رده لأن قوله آمنت برسولك يحتمل غير النبي ﷺ من حيث اللفظ واختار المازري وغيره أن سبب هذا الإنكار أن هذا ذكر ودعاء فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فتعين أداؤها بحروفها وهذا القول حسن ولأن قوله ونبيك الذي أرسلت من جهة صيغة الكلام وفيه جمع النبوة والرسالة فإذا قال ورسولك الذي أرسلت فات هذان الأمران مع ما فيه من تكرير لفظ رسول وأرسلت وأهل البلاغة يعيبونه وقد

стр. 903

وروينا في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁، قال: "وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام ... "، وذكر الحديث، وقال في آخره: ــ قدمنا أنه لا يلزم من الرسالة النبوة ولا عكسه واحتج بعض بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى والجمهور على جوازها من العارفين ويجيبون عن هذا الحديث بأن المعنى هنا مختلف ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى اهـ، وعلل أيضًا بأنه كان نبيًّا قبل أن كان رسولًا وقال الطييي النبي فعيل مبني للمبالغة من النبأ بمعنى الخبر لأنه أنبأ عن الله ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه وقيل مشتق من النبوة وهي الرفعة ورد النبي ﷺ على البراء حين قال ورسولك الذي أرسلت بما رد عليه ليختلف اللفظان ويجتمع الثناء بين معنى الارتفاع والإرسال ويكون تعديدًا للنعمة في الحالين وتعظيمًا للمنة على الوجهين اهـ. قوله: (وَرَوَينَا في صَحيحِ البُخَارِي) ورواه النسائي ورواه الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري أنه كان له طعام في سهوة له فكانت الغول تجيء فتأخذه فشكاها إلى النبي ﷺ وذكر الحديث وقال حسن غريب وفي بعض طرق حديث أبي أيوب قالت أرسلني وأعلمك آية من كتاب الله لا تضعها على مال أو ولد فيقربك شيطان أبدًا قلت وما هي قال لا أستطيع أن أتكلم بها آية الكرسي كذا في السلاح. قوله: (وكَّلني رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ) أي فوض إلي الأمر في حفظ ذلك فالوكالة هنا بالمعنى اللغوي وهو مطلق تفويض أمر للغير وزكاة رمضان زكاة الفطر كانوا يجبونها ثم تفرق على مستحقيها وأضيفت إليه لأن إدراك جزء من آخره شرط في إيجابها ولأنها تجبر خلل الصوم وما تمنع كماله فهي بمعنى اللام وتجويز كونها بمعنى من مردود بأن شرطها كون المضاف نوعًا من المضاف إليه والزكاة مع رمضان ليست كذلك وفي الحديث أن على الإمام جمع الزكوات وإقامة من يحفظها إلى أن تصل لمستحقها. قوله: (فَجَعَلَ) أي شرع. قوله: (وفي آخرِه) أي آخر الحديث قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت الخ، وكان ينبغي للمصنف ذكر هذه الجملة لما فيها من الحث على قراءتها قال ابن حجر في شرح المشكاة ومن ذلك النفع ما في حديث البيهقي يعني آية الكرسي حين يأخذ مضجعه آمنه الله على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله وقولي إن هذا من جملة نفعها أولى من قول الشارح

стр. 904

"إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال معك من الله تعالى حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : صَدَقَكَ وهُوَ كَذوب، ذَاك شَيطان"، أخرجه البخاري في "صحيحه" فقال: وقال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف بن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وهذا متصل، فإني عثمان بن الهيثم أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في "صحيحه"، وأما قول أبي عبد الله الحميدي في "الجمع بين الصحيحين". إن البخاري أخرجه تعليقًا، فغير مقبول؛ ــ إن ذلك النفع المطلق مقيد بهذا لأن تقيد المطلق إنما يصار إليه في الأحكام ونحوها أما باب الثواب فلا مساغ لذلك الحمل فيه بل النفع محتمل هذا وأكثر منه فذكر هذا لا ينفي غيره اهـ. قوله: (إِذَا أَوَيتَ لِفِرَاشِكَ) أي لأجل النوم. قوله: (فإِنَّكَ لَنْ يَزال الخ) تعليل للأمر بقراءتها وفي نسخة حذف فإنك وحينئذٍ فتكون الجملة استئنافًا بيانيًّا كالتعليل لما ذكر و (حَافِظ) ملك واحد فأكثر إذ هو للجنس يحفظك في بدنك ومالك ودينك وسائر ما يتعلق بك والظاهر أن مدخوله محذوف أي من أمر الله أي بأمره لدلالة المقام عليه كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي بسبب أمره تعالى لهم بحفظه وتقدير الكلام لن يزال عليك بعد قراءتها ملك أو أكثر حافظًا لك بأمر الله تعالى له بذلك. قوله: (وَلَا يَقرَبِكَ شيطَان) هو تأكيد لما قبله فإن الملك حافظه فلا يقربه الشيطان ولا يؤذيه في دينه ولا دنياه. قوله: (صَدَقكَ) أي فيما قاله في أمر تلك الكلمات لأنه إما إبليس أو من جنده وإبليس له إحاطة بالقرآن ومنافعه وفضائله بسماعه لها من جبريل أو النبي ﷺ . قوله: (وهُو كَذُوب) أي في أغلب أحواله أو بالنسبة لما طبع عليه من الشر الذي لا غاية له كترئية الحق باطلًا وعكسه وهذا على حد قد يصدق الكذوب فهو تتميم واستدراك لما أوهمه "صدقك" أنه مدح له برفعه بصيغة المبالغة المبينة لغاية ذمه وقبحه. قوله: (ذَلِكَ شَيْطَان) أي الذي يخاطبه في الليالي الثلاث شيطان وذكر في الموضعين إيذانا بتغايرهما بناء على المشهور أن النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت

стр. 905

فإن المذهب الصحيح المختار عند العلماء، والذي عليه المحققون أن قول البخاري وغيره: "وقال فلان"، محمول على سماعه منه واتصاله إذا لم يكن مدلسًا وكان قد لقيه، وهذا من ذلك. ــ غير الأولى ووجه تغايرهما أن الأول للجنس لأن القصد منه نفي قربان تلك الماهية له والثاني لفرد مبهم من أفراد ذلك الجنس لأنه في مخاطب معين ثم هو يحتمل إنه إبليس لأنه كان مع الملائكة الأولين الكثير من السنين فله خبرة بالوحي وهذا هو الظاهر ولم يعرفه إعلامًا به لئلا يوهم أنه هو الأول لما هو المشهور أيضًا أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى أو أنه غيره وعلم بذلك منه أو سماعه له من النبي ﷺ أخرجه البخاري في صحيحه وأخرجه تامًّا في كتاب الوكالة ومختصرًا في كتاب فضائل القرآن وفي كتاب الصيام وقال في المواضع الثلاثة وقال عثمان بن الهيثم وأخرجه النسائي والإسماعيلي من طرق عن عثمان وأخرجه النسائي من وجه آخر عن عثمان وسنده قوي قال الحافظ الذي ذكره الشيخ عن الحميدي ونازعه فيه لم ينفرد به الحميدي بل تبع فيه الإسماعيلي والدارقطني والحاكم وأبا نعيم وغيرهم وهو الذي عليه عمل المتأخرين والحافظ كالضياء المقدسي وابن القطان وابن دقيق العيد والمزني وقد قال الخطيب في الكفاية لفظ قال لا يحمل على السماع إلَّا ممن عرف من عادته أنه لا يقولها إلّا في موضع السماع اهـ. قوله: (فإن المذهب الصحيح المختارَ عند العلماءِ الخ) هذا ما جزم به ابن عبد السلام قال ابن عبد البر لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة يعني مع السلامة من التدليس فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعفهم عن بعض بأي لفظًا ورد محمولًا على الاتصال حتى يتبين الانقطاع ولهذا أطلق أبو بكر الصيرفي الشافعي اهـ. نعم قال السخاوي يستثنى من كلام المصنف ومن ذكر من علم من عادته أنه لا يأتي يقال إلَّا فيما لم يسمعه أو ليس له عمل مطرد عنه وفي استثناء الثانية نظر قال السخاوي وبالجملة فالمختار الذي لا محيد عنه أن حكم ما يورده البخاري عن شيخه كذلك أي معلقًا مثل غيره من التعاليق فإنه وإن قلنا أنه يفيد الصحة لجزمه به فقد يحتمل أنه لم يسمعه

стр. 906

وإنما المعلق ما أسقط البخاري منه شيخه أو أكثر، بأن يقول في مثل هذا الحديث: وقال عوف، أو قال محمد بن سيرين، وأبو هريرة، والله أعلم. وروينا في "سنن أبي داود" عن حفصة أم المؤمنين ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خذه ثم يقول: "اللهُم ــ من شيخه الذي علق عنه بدليل أنه علق عدة أحاديث عن شيوخه الذين لم يسمع منهم ثم أسندها في موضع آخر من كتابه بواسطة بينه وبينهم بل ربما صرح بأنه لم يسمعه من ذلك الشيخ أما قال لي ونحوها فقد وجد عنه في كثير مما يورده كذلك إيراده في مكان آخر بصيغة التحديث من ذلك الشيخ حقق ذلك شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة يعني بانفرادها إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يكون ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج وليس في المتابعات والشواهد اهـ. لكن في الإرشاد للمصنف بعد نقل كلام ابن عبد البر والصيرفي السابق ومن أمثلة غيره عن وإن من الحروف قال لمالك عن نافع قال ابن عمر وكذا ذكر أو فعل أو حدث أو كان يقول أو جالس ذلك فكله محمول على الاتصال وأنه تلقاه منه بلا واسطة بينهما إذا ثبت اللقاء وانتفى التدليس وهو يقتضي أن جميع ما نقله الراوي عن شيخه بأي صيغة كانت محمول على الاتصال بشرطه المذكور فينبغي أن يقيد بكلام الحافظ المذكور وتلميذه السخاوي العلم المشهور. قوله: (وإِنما المعلقُ) أي الذي في البخاري بدليل قوله ما أسقط البخاري شيخه الخ، وحكم تعاليق البخاري أن ما أورده منها بصيغة الجزم فمن الصحيح أو بصيغة التمريض فلا لكنه ليس بواهٍ لإدخاله في الكتاب الموسوم بالصحيح والتعليق حذف أول السند سواء كان واحدًا أو أكثر على التوالي قيل كأنه مأخوذ من تعليق الجدار لقطع الاتصال واستعمله بعضهم في حذف السند كله ومنه قول المصنف هنا أو أبو هريرة. قوله: (وَرَوَينَا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) وكذا رواه النسائي كذا في السلاح وابن أبي شيبة والبزار كما في الحصين قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد وأشار الحافظ إلى

стр. 907

قِني عَدابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ". ورواه الترمذي من رواية حذيفة عن النبي ﷺ وقال: حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا من رواية البراء بن عازب ولم يذكر فيها: ثلاث مرات. وروينا في "صحيح مسلم"، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: "اللهُم ربَّ السموَاتِ وَرَب ــ اختلاف في سنده بين رواته. قوله: (قِني عَذَابكَ) ذكر ذلك مع عصمته تواضعًا لله وإجلالًا له وإعلامًا لأمته إذ يندب لهم التأسي بذلك عند النوم لاحتمال أن هذا آخر أعمارهم ليكون آخر أعمالهم ذكر الله مع الاعتراف بالتقصير. قوله: (تبعَثُ عِبَادكَ) وفي رواية تجمع عبادك والمراد بهما واحد مآلًا ولا بد من تحقيقها أي تحققهم بعد إماتتهم وتجمعهم للحساب وهو يوم القيامة. قوله: (وَرَوَاهُ أَيْضًا منْ روايَةِ البَرَاءِ) قال في السلاح ورواه الترمذي بمعناه من حديث البراء بن عازب وقال حديث حسن من هذا الوجه اهـ. قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبراني في كتاب الدعاء واختلف على أبي إسحاق السبيعي رواه عن البراء فأخرجه النسائي في الكبرى والطبراني هكذا عنه عن البراء وخالفهم غيرهم فادخلوا بينه وبين البراء واسطة ثم اختلفوا فأخرجه الترمذي والنسائي من رواية أخرى عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن البراء ورواه آخرون عن أبي إسحاق عن رجل عن البراء وآخرون عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن البراء. قوله: (ولمْ يذْكر ثلاثَ) لكن في الحصين ذكر فيمن رواه ثلاث مرات الترمذي من حديث البراء ولعله من تحريف أو موجود في بعض نسخ الترمذي. قوله: (وَرَوَينَا في صَحيح مُسلم) رواه في الحصين ورواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن عائشة وفي ذخائر العقبى عن أبي هريرة جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ تسأله خادمًا فقال لها قولي اللهم رب السموات، الحديث كما في الحرز. قوله: (اللهم رب السمواتِ) وفي بعض روايات

стр. 908

الأرْض وَرَب العَرْشِ العَظِيم، رَبَّنا وربَّ كل شَيءٍ، فالِقَ الحَب والنوى، مُنْزِلَ التَّورَاةِ والإنجيلِ والقُرآنِ، أعُوذُ بكَ مِنْ شَر كُل ذِي شَرٍّ أنْت آخِذَ بناصِيَتِهِ؛ أنْتَ الأوَّل فَلَيسَ قَبْلكَ شَيء، وأنْت الآخِرُ فليسَ بَعْدَك شَيءٌ، وأنْتَ الظَّاهِرُ فلَيسَ فوْقَكَ شَيءٌ، وأنْتَ البَاطِنُ ــ مسلم السبع (والأَرْضِ) أي خالقهما أو مربي أهلهما. قوله: (العَظِيم) بالجر صفة العرش وهو أبلغ وبالنصب نعت الرب. قوله: (ربنا) هو وما بعده بالنصب كما قبلهما على النداء أو على الوصف. قوله: (ورَبَّ كُل شَيْءٍ) تعميم بعد تخصيص. قوله: (فالِقَ الحَب والنَّوى) أي يشق حب الطعام ونوى التمر للإنبات ومثله نوى غيرهما والتخصيص لفضلهما أو لكثرة وجودهما في ديار العرب. قوله: (مُنْزِلَ التَّوراةِ الخ) من الانزال ويحتمل التنزيل ولم يذكر الزبور لأنه ليس فيه أحكام إنما هو مواعظ للأنام. قوله: (من شَرِّ كلِّ ذِي شرٍّ الخ) في رواية لمسلم من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها (أَنتَ الأول) أي بلا ابتداء. قوله: (فليسَ قَبلَكَ شيء) تقرير للمعنى السابق وذلك أن قوله أنت الأول مفيد للحصر بقرينة تعريف الخبر باللام فكأنه قال أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء وعلى هذا. قوله: (وأَنتَ الآخِرُ) أي بلا انتهاء وقال ابن الجزري الباقي بعد فناء الخلق كله ناطقه وصامته. قوله: (وأَنتَ الظاهرُ) أي بالصفات وقال ابن الجزري أي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه. قوله: (فليسَ فوقَك شيء) أي فوق ظهورك شيء من الأشياء الظاهرة وقيل ليس فوقك شيء أي لا يقهرك شيء. قوله: (وأَنتَ الباطِنُ الخ). قال القرطبي تضمن هذا الدعاء من أسمائه تعالى ما تضمنه قوله تعالى: (﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ﴾ [الحديد: ٣] وقد اختلفت غبارات العلماء في ذلك وأرشق عباراتهم قول من قال الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء والظاهر بلا اقتراب والباطن بلا احتجاب وقيل الأول بلا بداء والآخر بلا فناء والظاهر بالايات والباطن عن الإدراكات وقيل الأول القديم والآخر الباقي والظاهر

стр. 909

فليسَ دُونَكَ شَيء، اقْضِ عَنا الدَّيْنَ، وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ". وفي رواية أبي داود: "اقْضِ عَني الدَّين، وأغنِني مِنَ الفَقْرِ". وروينا بالإسناد الصحيح، في سنن أبي داود، والنسائي، عن عليّ ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول عند مضجعه: "اللهُم إني أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ وكَلِماتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ ما أنْتَ آخِذٌ بنَاصِيَتِهِ، اللهُم أنْتَ تَكْشِفُ المَغْرَمَ والمأثمَ، اللَّهُم لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، ولا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ، سبْحانَكَ اللهُمَ وبِحَمْدِكَ". وروينا في "صحيح مسلم" وسنن أبي داود، والترمذي، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحَمْدُ لِلَهِ الّذِي أطْعَمَنا وسَقانا وكفانا وآوانا، ــ الغالب والباطن الخفي اللطيف الرفيق بالخلق وهذا القول يناسب الحديث وهو بمعناه. قوله: (فليسَ دونك شيء) أي لا شيء ألطف منك ولا أرفق وقال بعضهم ومع كونه يحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فليس دونه ما يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه. قوله: (الدَّينَ) يحتمل أن يراد به هنا حقوق الله أو حقوق العباد كلها من جميع الأنواع. قوله: (وأَغْننا من الفقرِ) أي الاحتياج إلى الخلق أو من فقر القلب بالاستغناء عنهم وقد قيل إن هذا الدعاء لطلب الرزق وسئل أبو علي الدقاق عن الفقر والغنى أيهما أفضل فقال الأفضل عندي أن يعطى الرجل كفايته ثم يصان فيه. قوله: (وفي روايةِ أبي دَاوُدَ) قال الحافظ وكذا في رواية الترمذي وابن ماجة اهـ. وهي عند ابن أبي شيبة كما في الحرز. قوله: (في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) قال في السلاح واللفظ له وفي الحصين ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي أيضًا وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب أذكار الصباح والمساء بما يغني عن إعادته. قوله: (وَرَوَينا في صَحِيح مُسلم الخ) وكذا رواه النسائي كما في السلاح والحصن زاد الحافظ وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي. قوله: (وكفانَا) أي دفع عنا شر المؤذيات أو كفى مهماتنا وقضى حاجاتنا فهو تعميم بعد تخصيص. قوله: (وآوانا) قال المصنف بالمد على الأفصح

стр. 910

فَكَمْ مِمن لا كافيَ لَه، ولا مُؤْويَ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ــ الأشهر وحكي فيه القصر اهـ. أي رزقنا مساكن وهيأ لنا المأوى نأوي إليه ونسكن فيه وقال ابن الجزري ردنا إلى مأوى لنا وهو المنزل ولم يجعلنا من المنتشرين كالبهائم اهـ. قوله: (فكم ممَّنْ لَا كَافي) بفتح الياء وما وقع في بعض النسخ بالهمز فهو سهو كما في المرقاة. قوله: (ومؤوي) بصيغة اسم الفاعل وكم له مقدر أي فكم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم أعداؤهم ولا يهيئ لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون بالحر والبرد قال الطيبي وذلك نادر فلا يناسب كم المقتضى للكثرة على أنه افتتح بقوله أطعمنا وسقانا وتعقب بأن عموم الأكل والشراب إشارة إلى شمول الرزق المتكفل به في قوله: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] بخلاف المسكن والمأوى فإنه تعالى خصه بمن شاء من عباده فكثير منهم ليس له مأوى إما مطلقًا أو صالحًا لأمثاله وقوله كم يقتضي الكثرة يرد بمنع قلة ما ذكر وعلى التنزل فالكثير يصدق بثلاثة فأكثر فلا يكون متروك الكفاية والمأوى قليلًا نادرًا ثم أشار الطيبي إلى الجواب عن ذلك بأنه يمكن أن ينزل على معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: ١١] فالمعنى أنا نحمد الله على أن عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون وكذلك الله تعالى مولى الخلق كلهم يعني أنه ربهم ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم فالفاء في فكم للتعليل قال مولانا عصام الدين الفاء في قوله فكم ممن لا كافي له من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا مَولى لَهُم﴾ مع أن الله تعالى مولى كل أحد أي لا يعرفون مولى لهم فكم لم يتفرع على كفانا بل على معرفة الكافي التي تستفاد من الاعتراف وإنما حمد الله تعالى على الطعام والشراب وكفاية المهمات لأن النوم فرع الشبع والري وفراغ الخاطر عن المهمات والأمن من الشرور وأشار إلى ما ذكره الطيبي فقال أي كثير من الناس ممن أراد الله اهلاكه فلم يطعمه ولم يسقه ولم يكفه إما لأنه أعدم هذه الأمور في حقه وأما لأنه لم يقدره على الانتفاع بها حتى هلك هذا ظاهره ويحتمل أن يكون معناه فكم من أهل الجهل والكفر بالله تعالى لا يعرف أن له إلهًا يطعمه

стр. 911

وروينا بالإسناد الحسن في سنن أبي داود، عن أبي الأزهر -ويقال: أبو زهير- الأنماري ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: "بِسْمِ اللهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اللهُم اغْفِر لي ذَنْبي، وأَخسِئْ شَيطاني، ــ ويسقيه ويؤويه ولا يقر بذلك فصار الإله في حقه وفي اعتقاده كأنه معدوم اهـ، وقال المصنف معنى آوانا هنا رحمنا فقوله كم ممن لا مؤوي له أي لا راحم له ولا عاطف عليه. قوله: (ورَوَينْا بالإسْنادِ الحَسنِ في سُنَنِ أَبِي دَاودَ) وكذا رواه الحاكم في مستدركه وقال فيه وثقل ميزاني واجعلني في الملأ الأعلى كذا في السلاح. قوله: (عَنْ أَبِي الأزهر الخ) في السلاح أبو الزهير النميري ويقال أبو الأزهر الأنماري ويقال التميمي قال ابن عبد البر اسمه فلان ابن شرحبيل روى عن النبي ﷺ حديثين أحدهما هذا والثاني في فضل آمين وقيل أن له حديثًا ثالثًا اهـ، والأنماري بفتح الهمزة وسكون النون. قوله: (باسمِ الله) متعلق بقوله وضعت. قوله: (وأَخسِ شيطاني) هكذا هو في نسخ الأذكار بوصل الهمزة وكسر السين وفي شرح المصابيح لابن الجزري يروى بوصل الهمزة وفتح السين وبهمزة ساكنة بعدها وبقطع الهمزة وكسر السين من غير همز أي اطرده يقال خسأ الكلب قاصرًا ومتعديًا اهـ، وتعقبه في الحرز بأنه لا بد من وجود الهمز على كل تقدير نعم قد تبدل الهمزة الساكنة من جنس حركة ما قبلها فتخفف بالحذف وهو غير مخصوص باللغة الثانية اهـ، وسكت عن روايته واخسأ بفتح الهمزة وآخره بهمزة ساكنة أي أبعده من

стр. 912

وفُكَّ رِهاني، واجْعَلْني في النَّديِّ الأعلى". الندي: بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء. وروينا عن الإمام أبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي ﵀ في تفسير هذا الحديث قال: ــ خسأ الكلب بنفسه ومنه قوله تعالى: ﴿اخسئوْا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال التوربشتي والمراد اجعله مطرودًا عني مردودًا عن إغوائي قال الطيبي أضافه إلى نفسه لأنه أراد بالشيطان قرينه من الجن أو من قصد إغواءه من شياطين الإنس والجن. قوله: (وفُكَّ رِهاني) بضم الفاء وتشديد الكاف المفتوحة ويجوز ضمها وكسرها والرهان جمع رهن ومصدر راهنه وهو ما يوضع وثيقة في الدين أراد به النفس لأنها مرهونة بعملها قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] فقوله فك أمر مخاطب من الفك وهو التخلص وفك الرهن تخليصه من يد المرتهن والمعنى خلص رقبتي من حقوق الآدميين ومن حقك يا رب ومن الذنوب بالعفو أو خلصها من ثقل التكاليف بالتوفيق للإتيان بها. قوله: (في الندِي الأَعْلى) نقل المصنف عن الخطابي وإن ضبطه أن المراد الملأ الأعلى من الملائكة ويؤيده أنه روى الحاكم في مستدركه في الملأ الأعلى بدل الندي الأعلى ويحتمل أن يراد بالمقام الأعلى الدرجة الرفيعة ومقام الوسيلة الذي قال ﷺ أنه لا يكون إلَّا لعبد وأرجو أن يكون أنا هو قال التوربشتي ويروى في النداء الأعلى وهو الأكثر والنداء مصدر ناديته ومعناه أن ينادى به للتنويه والرفعة ويحتمل أن يريد نداء أهل الجنة وهم الأعلون رتبة ومكانًا على أهل النار كما جاء ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا قال الشيخ ابن حجر في شرح المشكاة الندي القوم مطلقًا أو الذين هم أهل الندى أي الكرم ويطلق على المجلس الذي يجتمع فيه القوم للسمر ولا يسمى بعد تفرقهم نديا وعبر بقي لأنها أبلغ من من ونظيره وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين أي اجعلني مندرجًا في جملتهم مغمورًا في بركتهم بخلال اجعلني منهم فإنه يصدق بأن يكون من جملة عددهم وإن لم يكن منهم اهـ. قيل ما ذكره إنما يصح على القول بأن المراد بالندي القوم كما هنا أما إذا أريد به المجلس فيتعين وجود

стр. 913

النديُّ: القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي، وجمعه: أندية. قال: يريد بالنديّ الأعلى: الملأ الأعلى من الملائكة. وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، عن نوفل الأشجعي ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ (﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ثم نَمْ على خاتِمَتها ــ في ولعل إيراد في ليقبل الاحتمالين ونوقش في دعوى الأبلغية بالمنع لأنه إذا صار واحدًا منهم فصدق عليه أنه مندرج فيهم بل الأبلغ في تحصيل المقصود أن يقال منهم لأنه قد يكون الشخص فيهم وإن لم يكن منهم إلَّا أن المبالغة في التواضع بقي أكثر مما في التواضع بمن ونظيره قوله ﷺ واحشرني في زمرة المساكين إذ فيه من أنواع التواضع ما لا يخفى والتحقيق أن جعل متعد بنفسه لمفعولين فإيراد في لتضمين الجعل معنى الإيقاع كما في قوله: يجرح في عراقيبها نصلي. أو بتضمينه معنى الإدخال كما مثل ابن حجر بقوله نظير أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وبه يندفع قول صاحب المرقاة وبهذا أي أنه على تضمين جعل معنى أوقع يبطل قوله ونظيره قوله وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين إذ ليس مثله لفظًا ولا معنى وفي الحرز يعمل المرام في المقام أن هذا دعاء بمنزلة الحكم الذي رتب على الوصف المناسب فإنه لما جعل النوم والاستراحة يستعين بها على طاعته والتجنب عن معاصيه طلب أن يعينه تعالى على طلبه من فك الرهبان وخذلان من ذنوبه من الشيطان والنفس الأمارة ثم طلب ما هو المعنى الأسنى والمقام الزلفى والندي الأعلى والزيادة الحسنى اهـ. قوله: (النديِ القَوْمُ المُجتَمِعُونَ) قيل أصله المجلس ويقال للقوم أيضًا وقال الطيبي الندي يطلق على المجلس إذا كان فيه القوم فإذا تفرقوا لم يكن نديا ويطلق على القوم اهـ. قوله: (في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الخ) قال في الحصين ورواه النسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث نوفل ورواه الطبراني من حديث جبلة بن حارثة أخي زيد بن حارثة وله صحبة قال في السلاح وليس لنوفل في الكتب الستة غير هذا الحديث وذكره ابن الأثير في أسد الغابة وقال يكنى أبا فروة ثم ذكر حديث الباب وذكر أنه مضطرب الإسناد وكذا

стр. 914

فإنها بَرَاءٌ من الشرك". وفي مسند أبي يعلى الموصلي، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ألا أدُلُّكُمْ على كلمةٍ تُنْجيكُمْ مِنَ الإشْراكِ بالله ، تقرؤونَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ عند منامكم". وروينا في سنن أبي داود والترمذي، ــ قال ابن عبد البر حديثه في ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] مضطرب الإسناد وقال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأخرجه ابن حبان في صحيحه وفي سنده الاختلاف كثير على أبي إسحاق السبيعي فلذا اقتصرت على تحسينه اهـ. قوله: (فإِنها بَرَاءَة مِنَ الشرْكِ) أي توجب لقارئها الأمن والنجاة من الإشراك بالله تعالى لما اشتملت عليه من سلب الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها له دون غيره مع التزام ذلك والدوام عليه المستفاد من "ولي دين" إنه قد برئ من، من اعتقاد شريك لله تعالى في ذاته أو صفته أو فعله لأنه تنزه عن كل سمة من سمات النقص بل من السمات التي فيها أدنى شائبة من الشوائب التي لم تصل إلى أعلى غاياته. قوله: (وفي مُسْنِدِ أَبِي يَعْلَى المَوصلِيِّ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي نعيم في الحلية حديث غريب وجبارة أي بضم الجيم وبالموحدة متروك اتهمه ابن معين وقال ابن نمير كان لا يتعمد وشيخ جبارة في هذا الحديث الحجاج بن تميم الجزري قال فيه النسائي ليس بثقة قال الحافظ لكن يشهد للمتن حديث نوفل الذي قبله اهـ. قوله: (كلِمَةٍ تُنْجيكُمْ) إسناد مجازي إذ قراءتها تسبب الإنجاء من ذلك بمقتضى الوعد الذي لا يخلف الذي أعرب عنه الرسول ﷺ فلا ينافي حديث لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قوله: (وَرَوَينْا في سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ والترمِذِيّ) ورواه النسائي أيضًا كما في الحصين والسلاح وزاد قال الترمذي واللفظ له حديث حسن غريب وقال النسائي قال معاوية يعني ابن صالح إن بعض أهل العلم كانوا يجعلون المسبحات ستًّا سورة الحديد والحشر والحواريين وسورة الجمعة والتغابن و (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، وقال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ووقع في رواية

стр. 915

عن عرباض بن سارية ﵁، "أن النبي ﷺ كان يقرأ المسبِّحات قبل أن يرقد". قال الترمذي: حديث حسن. وروينا عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ (بني إسرائيل) و (الزمر)، ــ أحمد وأبي داود أفضل بدل خير واختلف في وصل الحديث وإرساله فوصله من ذكر وأخرجه النسائي من وجه آخر عن خالد بن معدان فلم يذكر العرباض ورواته أثبت من الذي قبله اهـ. قوله: (عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ) عرباض بكسر العين وإسكان الراء المهملة والباء الموحدة وسارية بتحتية بعد الراء وهو غير سارية الذي ناداه عمر وهو يخطب على المنبر ذاك سارية بن رتيم بن عبد الله الكناني وسارية والد عرباض هو السلمي يكنى أبا نجيح كان من أهل الصفة وهو أحد المجابين نزل بالشام وسكن حمص قال محمد بن عوف كل واحد من عمرو بن عبسة وعرباض بن سارية يقول أنا رابع الإسلام لا يدري أيهما أسلم قبل صاحبه وكان عتبة بن عبد يقول عرباض خير مني روى عنه أبو أمامة الباهلي وأبو رهم أحزاب بن أسيد السماعي ويقال السمعي الطهري قاله النمري وابنته أم حبيبة بنت العرباض وغيرهم روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قوله: (المُسَبِّحاتِ) بكسر الباء أي افتتحت بالتسبيح من سبحان أو يسبح أو سبح أو سبح كذا في الحرز وفيه زيادة سبحان على ما تقدم في البيان. قوله: (قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ) أي ينام زاد في الحديث يقول إن فيهن آية خير من ألف آية وفي رواية ويقول بالواو وهي واضحة أما على رواية حذفها فهو استئناف لبيان الحامل على قراءة تلك السور قبل أن ينام وقوله أن فيهن آية الخ، أبهمها إبهام ساعة الإجابة في يوم الجمعة وليلة القدر في عشر رمضان محافظة على قراءة الكل كما حوفظ بذينك على إحياء جميع يوم الجمعة والعشر الآخر وعن الحافظ ابن كثير تلك الآية يقال ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ﴾ إلى ﴿عليمٌ﴾ [الحديد: ٣]، فإن كان قاله توقيفًا وهو الظن به فواضح أو اجتهادًا فلا لأنه لا دخل للاجتهاد في مثل هذا وفي الحرز الظاهر أن في كل منها آية وإلا لاقتصر على ما هي فيها اهـ. ولك منعه بأنه لا عموم في لفظ الحديث وبقولنا محافظة على قراءة الكل يدفع قوله وإلا لاقتصر على ما هي فيها. قوله: (وَرَوَينْا عَنْ عائِشَةَ) قال الحافظ بعد تخريجه من
следующие страницы →