← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يقتل بسبب ذلك جماعة الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كانت فرضا قبل الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «لا وصية لوارث» «١» وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل: معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأوّل أشهر كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي: فرض، والقصد بقوله: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وبقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ تسهيل الصيام على المسلمين، وملاطفة جميلة، والذي كتب على الذين من قبلنا الصيام مطلقا، وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدلوه أَيَّاماً منصوب بالصيام وهو مصدر أو بمحذوف، ويبعد انتصابه بتتقون فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً الآية: إباحة للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدّة من أيام أخر، ولم يفعل الظاهرية «٢» بهذا المحذوف فرأوا أنّ صيام المسافر والمريض لا يصح، وأوجبوا عليه عدّة من أيام أخر، وإن صام في رمضان، وهذا منهم جهل بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، وبذلك قال الظاهرية، وحدّه في مشهور مذهب مالك: أربعة برد «٣» وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ قيل: يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ويكفرون. ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، وقيل: يطيقونه بمشقة كالشيخ الهرم، فيجوز له الفطر فلا نسخ على هذا، فَمَنْ تَطَوَّعَ أي صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة، وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ. شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلّى الله عليه واله وسلّم بطول عشرين سنة، وقيل: المعنى أنزل في

стр. 107

شأنه القرآن: كقولك أنزل القرآن في فلان، وقيل: المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى أي: أن القرآن هدى للناس، ثم هو مع ذلك من مبينات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف بالبينات، فالهدى الأوّل هنا على الإطلاق، وقوله من البينات والهدى أي: وهو من الهدى المبين، فهو من عطف الصفات كقولك: فلان عالم وجليل من العلماء فَمَنْ شَهِدَ أي كان حاضرا غير مسافر، والشهر منصوب على الظرفية، واليسر والعسر على الإطلاق، وقيل: اليسر الفطر في السفر، والعسر الصوم فيه وَلِتُكْمِلُوا متعلق بمحذوف تقديره شرع، أو عطف على اليسر الْعِدَّةَ الأيام التي أفطر فيها وَلِتُكَبِّرُوا التكبير يوم العيد أو مطلقا أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ مقيد بمشيئة الله، وموافقة القدر، وهذا جواب من قال: كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة أُحِلَّ لَكُمْ الآية: كان الأكل والجماع محرّما بعد النوم في ليل رمضان، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب ﵁ ولصرمة بن مالك «١» ، فأحلهما الله تخفيفا على عباده الرَّفَثُ هنا الجماع، وإنما تعدّى بإلى لأنه في معنى الإفضاء هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ تشبيه بالثياب، لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليل للإباحة تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ أي غفر ما وقعتم فيه من ذلك، وقيل: رفع عنكم ذلك الحكم بَاشِرُوهُنَّ إباحة ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قيل: الولد يبتغى بالجماع، وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض لا للأسود لأنّ الفجر ليس له سواد، والخيط هنا استعارة: يراد بالخيط الأبيض بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل، وروي أن قوله من الفجر: نزل بعد ذلك بيانا لهذا المعنى، لأنّ بعضهم جعل خيطا أبيض وخيطا أسود تحت وسادته، وأكل حتى تبين له، فقال له النبي صلّى الله عليه واله وسلّم: إنما هو بياض النهار وسواد الليل إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس. فمن أفطر قبل ذلك

стр. 108

فعليه القضاء والكفارة، ومن شك هل غربت أم لا فأفطر، فعليه القضاء والكفارة وأيضا وقيل القضاء فقط، وقالت عائشة ﵂: «إلى الليل» يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ تحريم للمباشرة حين الاعتكاف، قال الجمهور: المباشرة هنا الجماع فما دونه. وقيل الجماع فقط، فِي الْمَساجِدِ دليل على جواز الاعتكاف في كل مسجد خلافا لمن قال: لا اعتكاف إلّا في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس: وفيه أيضا دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلّا في المساجد، لا في غيرها خلافا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية حُدُودُ اللَّهِ أحكامه التي أمر بالوقوف عندها فَلا تَقْرَبُوها أي لا تقربوا مخالفتها، واستدل بعضهم به على سدّ الذرائع لأنّ المقصود النهي عن المخالفة للحدود لقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة: ٢٢٩] ، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدّا للذريعة وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بِالْباطِلِ كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق وغير ذلك وَتُدْلُوا عطف على: لا تأكلوا، أو نصب بإضمار أن وهو من: أدلى الرجل بحجته إذا قام بها، والمعنى: نهى عن أن يحتج بحجة باطلة، ليصل بها إلى أكل مال الناس، وقيل: نهى عن رشوة الحكام بأموال للوصول إلى أكل أموال الناس، فالباء على الأوّل سببية، وعلى الثاني للإلصاق بِالْإِثْمِ الباء سببية أو للمصاحبة، والإثم على القول الأوّل في تدلوا: إقامة الحجة الباطلة كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة، وعلى القول الثاني: الرشوة. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ سببها أنهم سألوا عن الهلال، وما فائدته ومخالفته لحال الشمس، والهلال ليلتان من أوّل الشهر، وقيل: ثلاث، ثم يقال له قمر مَواقِيتُ جمع ميقات لمحل الديون والأكرية «١» والقضاء والعدد وغير ذلك. ثم ذكر الحج اهتماما بذكره، وإن كان قد دخل في المواقيت للناس وَلَيْسَ الْبِرُّ الآية: كان قوم إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحول بيننا وبين السماء شيء فنزلت الآية: إعلاما بأنّ ذلك ليس من البر، وإنما ذكر ذلك بعد ذكر الحج لأنه كان عندهم من تمام الحج، وقيل: المعنى ليس البر أن تسألوا عن الأهلة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه، فتأتون الأمور على غير ما يجب، فعلى هذا البيوت وأبوابها وظهورها استعارة: يراد بالبيوت المسائل، وبظهورها السؤال عما لا يفيد، وأبوابها السؤال عما يحتاج إليه الْبِرَّ مَنِ اتَّقى تأويله مثل البر من آمن.

стр. 109

الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فهذه الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأنّ المعنى: قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر وَلا تَعْتَدُوا أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكة، لأن قريشا أخرجوا منها المسلمين وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ. وإنما يغفر للكافر إذا أسلم لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي لا يبقى دين كفر الشَّهْرُ الْحَرامُ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلّى الله عليه واله وسلّم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال أبو أيوب الأنصاري: المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي: أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما، قال ابن عباس: إتمامهما إكمال المناسك. وقال عليّ: إتمامهما أن تحرم بهما من دارك، ولا حجة فيه لمن أوجب العمرة لأن الأمر إنما هو بالإتمام لا بالابتداء فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ المشهور في اللغة: أحصره المرض، بالألف، وحصره العدوّ. وقيل: بالعكس، وقيل: هما بمعنى واحد، فقال

стр. 110

مالك: أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدي «١» ولم يوجبه على من حصره العدوّ، وقال الشافعي وأشهب: «٢» يجب الهدي على من حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدلا بنحر النبي صلّى الله عليه واله وسلّم الهدي بالحديبية، وقال أبو حنيفة: يجب الهدي على المحصر بعدوّ وبمرض فَمَا اسْتَيْسَرَ أي فعليكم ما استيسر من الهدي وذلك شاة، وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ خطابا للمحصر وغيره فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً الآية: نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي صلّى الله عليه واله وسلّم فقال له: لعلك يؤذيك هوامّ رأسك: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة «٣» ، فمعنى الآية: أن من كان في الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم النحر جاز له حلقه وعليه صيام أو صدقة أو نسك حسبما تفسر في الحديث، وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج منها إلّا الصيد، والوطء، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بدّ في الآية من مضمر لا ينتقل الكلام عنه، وهو المسمى فحوى الخطاب، وتقديرها: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق رأسه فعليه فدية فَإِذا أَمِنْتُمْ أي من المرض على قول مالك، ومن العدوّ على قول غيره، والمعنى: إذا كنتم بحال أمن سواء تقدم مرض أو خوف عدوّ أو لم يتقدم فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ التمتع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة، وقال عبد الله بن الزبير: التمتع هو أن يحصر عن الحج بعدوّ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرة يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل قضاء لحجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات من الحج، في وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل، وقيل: التمتع هو قران الحج والعمرة فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وقتها من إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق إِذا رَجَعْتُمْ إلى بلادكم أو في الطريق تِلْكَ عَشَرَةٌ فائدته أن السبع تصام بعد الثلاثة فتكون عشرة، ورفع لئلا يتوهم أن السبعة بدل من الثلاثة، وقيل: هو مثل الفذلكة وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا، وقيل: كاملة في الثواب لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني غير أهل مكة وذي طوى بإجماع، وقيل: أهل الحرم كله، وقيل: من كان دون الميقات، وقوله ذلك. إشارة إلى الهدي أو الصيام: أي إنما يجب

стр. 111

الهدي أو الصيام بدلا منه على الغرباء، لا على أهل مكة، وقيل: ذلك إشارة إلى التمتع. الْحَجُّ أَشْهُرٌ التقدير: أشهر الحج أشهر، أو الحج في أشهر وهي: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، وقيل: العشر الأول منه، وينبني على ذلك أن من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة: فعليه دم على القول بالعشر الأول، ولا دم عليه على قول بجميع الشهر، واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر، فأجازه مالك على كراهة. ولم يجزه الشافعي وداود لتعيين هذا الاسم كذلك فكأنها كوقت الصلاة فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي ألزم بالحج نفسه فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ الرفث: الجماع، وقيل الفحش من الكلام، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء مطلقا، وقيل: المجادلة في مواقيت الحج، وقيل: النسيء الذي كانت العرب تفعله وَتَزَوَّدُوا قيل: احملوا زادا في السفر، وقيل: تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح لما بعده فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي التجارة في أيام الحج أباحها الله تعالى، وقرأ ابن عباس: فضلا من ربكم في مواسم الحج أَفَضْتُمْ اندفعتم جملة واحدة مِنْ عَرَفاتٍ اسم علم للموقف، والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر لا تنوين صرف، فإن فيه التعريف والتأنيث الْمَشْعَرِ الْحَرامِ أي المزدلفة، والوقوف بها سنة كَما هَداكُمْ الكاف للتعليل وَإِنْ كُنْتُمْ إن مخففة من الثقيلة، ولذلك جاء اللام في خبرها مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل الهدى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر للجنس وهم قريش ومن تبعهم كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرم، ولا يقفون بعرفة مع سائر الناس لأنها حلّ، ويقولون: نحن أهل الحرم لا نقف إلّا بالحرم، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفة مع الناس ويفيضوا منها، وقد كان النبي صلى الله عليه واله وسلّم قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة توفيقا من الله تعالى له، والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس، ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى، فثم: على هذا القول على بابها من الترتيب، وأما على القول الأوّل فليست للترتيب، بل للعطف خاصة، قال الزمخشري: هي كقولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإن معناها التفاوت بين ما قبلها وما بعدها وأن ما بعدها أوكد قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فرغتم من أعمال الحج كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ لأن الإنسان كثيرا ما يذكر آباءه، وقيل: كانت العرب يذكرون

стр. 112

آباءهم مفاخرة عند الجمرة، فأمروا بذكر الله عوضا من ذلك آتِنا فِي الدُّنْيا كان الكفار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة حَسَنَةً قيل: العمل الصالح وقيل: المرأة الصالحة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الجنة نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا يحتمل أن تكون من سببية أي لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب على هذا الثواب سَرِيعُ الْحِسابِ فيه وجهان: أحدهما أن يراد به سرعة مجيء يوم القيامة، لأن الله لا يحتاج إلى عدّة ولا فكرة وقيل لعليّ ﵁: كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم؟ قال كما يرزقهم على كثرتهم فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، والذكر فيها: التكبير في أدبار الصلوات، وعند الجمار وغير ذلك فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي انصرف في اليوم الثاني من أيام التشريق وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى اليوم الثالث فرمى فيه بقية الجمار، وأما المتعجل فقيل: يترك رمي الجمار اليوم «١» ، وقيل: يقدّمها في اليوم الثاني فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في الموضعين، قيل إنه إباحة للتعجل والتأخر، وقيل: إنه إخبار عن غفران الإثم وهو الذنب للحاج، سواء تعجل أو تأخر لِمَنِ اتَّقى أما على القول بأن معنى: فلا إثم عليه الإباحة، فالمعنى أن الإباحة في التعجيل والتأخر لمن اتقى أن يأثم فيهما، فقد أبيح له ذلك من غير إثم، وأمّا على القول: بأن معنى فلا إثم عليه إخبار بغفران الذنوب، فالمعنى أن الغفران إنما هو لمن اتقى الله في حجه، كقوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» «٢» فاللام متعلقة إمّا بالغفران أو بالإباحة المفهومين من الآية مَنْ يُعْجِبُكَ الآية قيل نزلت في الأخنس بن شريق، فإنه أظهر الإسلام، ثم خرج فقتل دواب المسلمين وأحرق لهم زرعا، وقيل: في المنافقين، وقيل: عامة في كل من كان على هذه الصفة فِي الْحَياةِ متعلق بقوله: يعجبك: أي يعجبك ما يقول أي يعجبك ما يقول في أمر الدنيا ويحتمل أن يتعلق بيعجبك وَيُشْهِدُ اللَّهَ أي يقول: الله أعلم أنّه لصادق. أَلَدُّ الْخِصامِ شديد الخصومة تَوَلَّى أدبر بجسده أو أعرض بقلبه، وقيل: صار واليا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ على القول بأنها في الأخنس، فإهلاك الحرث حرقه الزرع، وإهلاك النسل قتله الدواب، وعلى القول

стр. 113

بالعموم: فالمعنى مبالغته في الفساد، وعبّر عن ذلك بإهلاك الحرث والنسل لأنهما قوام معيشة ابن آدم، فإنّ الحرث هو الزرع والفواكه وغير ذلك من النبات، والنسل هو الإبل والبقر والغنم وغير ذلك مما يتناسل أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ المعنى: أنه لا يطيع من أمره بالتقوى تكبرا والباء يحتمل أن تكون سببية أو بمعنى مع. وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناس بكذا أي ألزمهم إياه، فالمعنى حملته العزة على الإثم مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي يبيعها، قيل: نزلت في صهيب. وقيل: على العموم، وبيع النفس في الهجرة أو الجهاد، وقيل: في تغيير المنكر، وأنّ الذي قبلها فيمن غيّر عليه فلم ينزجر السِّلْمِ بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمة بالجزية، والأمر على هذا لأهل الكتاب، وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة، وقيل: هو الإسلام، وكذلك هو بكسر السين «١» ، فيكون الخطاب لأهل الكتاب، وعلى معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام، وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين على معنى الأمر بالثبوت عليه، والدخول في جميع شرائعه من الأوامر والنواهي كَافَّةً عموم في المخاطبين، في شرائع الإسلام فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تهديد لمن زل بعد البيان هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ تأويله عند المتأوّلين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا، وهي عند السلف الصالح من المتشابه يجب الإيمان بها من غير تكييف ويحتمل أن لا تكون من المتشابه لأنّ قوله: ينظرون بمعنى يطلبون بجهلهم كقولهم: لولا يكلمنا الله فِي ظُلَلٍ جمع ظلة وهي: ما علاك من فوق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إشكال وإن كان لله فهو من المتشابه الْغَمامِ السحاب وَقُضِيَ الْأَمْرُ فرغ منه، وذلك كناية عن وقوع العذاب. سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ: على وجه التوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم مِنْ آيَةٍ معجزات موسى، أو الدلالات على نبوّة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم وَمَنْ يُبَدِّلْ وعيد وَيَسْخَرُونَ كفار قريش سخروا من فقراء المسلمين كبلال وصهيب وَالَّذِينَ اتَّقَوْا

стр. 114

هم المؤمنون الذين سخر الكفار منهم فَوْقَهُمْ أي أحسن حالا منهم، ويحتمل فوقية المكان، لأنّ الجنة في السماء يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ إن أراد في الآخرة، ف مِنَ كناية عن المؤمنين، والمعنى ردّ على الكفار أي إن رزق الله الكفار في الدنيا، فإن المؤمنين يرزقون في الآخرة، وإن أراد في الدنيا فيحتمل أن يكون مِنَ كناية عن المؤمنين أي سيرزقهم، ففيه وعد لهم، وأن تكون كناية عن الكافرين أي أنّ رزقهم في الدنيا بمشيئة الله، لا على وجه الكرامة لهم بِغَيْرِ حِسابٍ إن كان للمؤمنين فيحتمل أن يريد بغير تضييق ومن حيث لا يحتسبون، أو لا يحاسبون عليه، وإن كان للكفار فمن غير تضييق أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين في الدين، وقيل: كفارا في زمن نوح ﵇، وقيل: مؤمنين ما بين آدم ونوح، أو من كان مع نوح في السفينة وعلى ذلك يقدر: فاختلفوا بعد اتفاقهم، ويدل عليه أمّة واحدة فاختلفوا الْكِتابَ هنا: جنس أو في كل نبيّ وكتابه وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ الضمير المجرور يعود على الكتاب، أو على الضمير المجرور المتقدم، وقال الزمخشري: يعود على الحق، وأما الضمير في أوتوه، فيعود على الكتاب، المعنى: تقبيح الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءتهم البينات بَغْياً أي حسدا أو عدوانا، وهو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني أمّة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي للحق لما اختلفوا فيه فما بمعنى الذي وقبلها مضاف محذوف، والضمير في اختلفوا لجميع الناس، يريد اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين الحق، وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس من الحق، ومن في قوله من الحق لبيان الجنس أي جنس ما وقع فيه الخلاف بِإِذْنِهِ قيل: بعلمه، وقيل بأمره. أَمْ حَسِبْتُمْ: خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد وَلَمَّا يَأْتِكُمْ أي لا تدخلوا الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم مَثَلُ الَّذِينَ أي حالهم وعبّر عنه بالمثل لأنه في شدته يضرب به المثل وَزُلْزِلُوا بالتخويف والشدائد ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ يحتمل أن يكون جوابا للذين قالوا: متى نصر الله؟ وأن يكون إخبارا مستأنفا، وقيل: إن الرسول قال ذلك لما قال الذين معه: متى نصر الله فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إن أريد بالنفقة الزكاة، فذلك منسوخ والصواب أن المراد التطوّع

стр. 115

فلا نسخ، وقدم في الترتيب الأهم فالأهم، وورد السؤال على المنفق، والجواب عن مصرفه لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد حصل الجواب عن المنفق في قوله: من خير. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ: إن كان فرضا على الأعيان فنسخه وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢] فصار القتال فرض كفاية، وإن كان على الكفاية فلا نسخ كُرْهٌ مصدر ذكر للمبالغة، أو اسم مفعول كالخبز بمعنى المخبوز وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا حض على القتال. الشَّهْرِ الْحَرامِ: جنس وهو أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة وذو الحجة، والمحرم قتال فيه بدل من الشهر وهو مقصود السؤال قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ «١» أي ممنوع ثم نسخه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وذلك بعيد فإن حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ عموم في الأمكنة لا في الأزمنة، ويظهر أن ناسخه وقاتلوا المشركين كافة بعد ذكر الأشهر الحرم، فكان التقدير: قاتلوا فيها، ويدل عليه: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦] ، ويحتمل أن يكون المراد وقوع القتال في الشهر الحرام: أي إباحته حسبما استقر في الشرع، فلا تكون الآية منسوخة، بل ناسخة لما كان في أوّل الإسلام، ومن تحريم القتال في الأشهر الحرم وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ابتداء، وما بعده معطوف عليه، وأكبر عند الله خبر الجميع، أي أن هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار: أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عيّر به الكفار المسلمين سرية عبد الله بن جحش، حين قاتل في أوّل يوم من رجب، وقد قيل: إنه ظن أنه آخر يوم من جمادى وَالْمَسْجِدِ عطف على سبيل الله حَتَّى يَرُدُّوكُمْ قال الزمخشري: حتى هنا للتعليل فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ذهب مالك على أن المرتد يحبط عمله بنفس الارتداد، سواء رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد. ومن ذلك انتقاض وضوئه، وبطلان صومه، وذهب الشافعي إلى أنه: لا يحبط إلّا إن مات كافرا لقوله: فيمت وهو كافر، وأجاب المالكية بقوله حبطت أعمالهم جزاء على الردة، وقوله: أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ جزاء على الموت على الكفر، وفي ذلك نظر إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 116

الآية: نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه الْخَمْرِ كل مسكر من العنب وغيره وَالْمَيْسِرِ القمار، وكان ميسر العرب بالقداح في لحم الجزور، ثم يدخل في ذلك النرد والشطرنج وغيرهما، وروي أن السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب ﵁ إِثْمٌ كَبِيرٌ نص في التحريم وأنهما من الكبائر «١» ، لأن الإثم حرام لقوله: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [الأعراف: ٣٣] خلافا لمن قال: إنما حرمتها آية المائدة لا هذه الآية وَمَنافِعُ في الخمر التلذذ والطرب، وفي القمار: الاكتساب به. ولا يدل ذكر المنافع على الإباحة قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ تغليبا للإثم على المنفعة، وذلك أيضا بيان للتحريم قُلِ الْعَفْوَ أي السهل من غير مشقة، وقراءة الجماعة بالنصب بإضمار فعل مشاكلة للسؤال، على أن يكون ما مبتدأ، وذا خبره تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي في أمرهما وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى كانوا قد تجنبوا اليتامى تورّعا، فنزلت إباحة مخالطتهم بالإصلاح لهم، فإن قيل: لم جاء ويسألونك بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟ فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأولى وقع في أوقات مفترقة فلم يأت بحرف عطف وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو لأنها كانتا متناسقة وَاللَّهُ يَعْلَمُ تحذير من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى لَأَعْنَتَكُمْ لضيّق عليكم بالمنع من مخالطتهم، قال ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم لأموال اليتامى وَلا تَنْكِحُوا أي لا تتزوّجوا، والنكاح مشترك بين الوطء والعقد الْمُشْرِكاتِ عبّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المباح نكاحهن في المائدة، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ، خلافا لمن قال: آية المائدة نسخت هذه، ولمن قال: هذه نسخت آية المائدة فمنع نكاح الكتابيات، ونزول الآية بسبب مرثد الغنوي أراد أن يتزوّج امرأة مشركة وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ أي أمة لله، حرّة كانت أو مملوكة وقيل: أمة مملوكة خير من حرّة مشركة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ في الجمال والمال وغير ذلك وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ أي لا تزوّجوهم نساءكم. وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوّج مسلمة، سواء كان كتابيا أو غيره، واستدل المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ولا

стр. 117

تنكحوا المشركين لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال وَلَعَبْدٌ أي عبد لله، وقيل: مملوك أُولئِكَ المشركات والمشركون يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ إلى الكفر الموجب إلى النار بِإِذْنِهِ أي بإرادته أو علمه. وَيَسْئَلُونَكَ سأل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال لرسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم ألا نجامع النساء في المحيض، خلافا لليهود هُوَ أَذىً مستقذر، وهذا تعليل لتحريم الجماع في المحيض فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ اجتنبوا جماعهن وقد فسر ذلك الحديث بقوله لتشدّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها حَتَّى يَطْهُرْنَ أي ينقطع عنهن الدم فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن بالماء، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند مالك والشافعي، فلا يجوز عندهما وطء حتى تغتسل، وبالغاية الأولى عند أبي حنيفة فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل، وقرئ حتى يطّهرن بالتشديد، ومعنى هذه الآية بالماء، فتكون الغايتان بمعنى واحد، وذلك حجة لمالك مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قبل المرأة التَّوَّابِينَ من الذنوب الْمُتَطَهِّرِينَ بالماء أو من الذنوب حَرْثٌ لَكُمْ أي موضع حرث، وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلقاء البذر وانتظار الزرع أَنَّى شِئْتُمْ أي: كيف شئتم من الهيئات أو من شئتم، لا أين شئتم لأنه يوهم الإتيان في الدبر، وقد افترى من نسب جوازه إلى مالك، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع وقدموا لِأَنْفُسِكُمْ أي الأعمال الصالحة عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تكثروا الحلف بالله فتبدلوا اسمه، وأن تبروا على هذا علة للنهي، فهو مفعول من أجله: أي نهيتم عن كثرة الحلف كي تبروا، وقيل المعنى: لا تحلفوا على أن تبرّوا وتتقوا، وافعلوا البرّ والتقوى دون يمين، فأن تبروا على هذا هو المحلوف عليه، والعرضة على هذين القولين كقولك: فلان عرضة لفلان إذا أكثر التعرّض له، وقيل: عرضة ما منع، من قولك: عرض له أمر حال بينه وبين كذا، أي لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البر والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق أن لا ينفق على مسطح، فأن تبروا على هذا: علة لامتناعهم فهو مفعول من أجله، أو مفعول بعرضة، لأنها بمعنى مانع بِاللَّغْوِ الساقط وهو عند مالك قولك نعم والله، ولا والله، الجاري على اللسان من غير قصد، وفاقا للشافعي، وقيل أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه وفاقا لأبي حنيفة وقال ابن عباس: اللغو الحلف حين الغضب، وقيل: اللغو اليمين على المعصية، والمؤاخذة العقاب أو وجوب الكفارة

стр. 118

بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدت، فهو على خلاف اللغو، وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس، وذلك أن يحلف على الكذب متعمدا، وهو حرام إجماعا، وليس فيه كفارة عند مالك خلافا للشافعي يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ يحلفون على ترك وطئهن وإنما تعدى بمن. لأنه تضمن معنى البعد منهن، ويدخل في عموم قوله الذين: كل حالف حرّا كان أو عبدا، إلّا أنّ مالك جعل مدّة إيلاء العبد شهرين، خلافا للشافعي، ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين بكل ما يلزم عنه حكم، خلافا للشافعي في قصر الإيلاء على الحلف بالله، ووجهه أنها اليمين الشرعية، ولا يكون موليا عند مالك والشافعي، إلّا إذا حلف على مدّة أكثر من أربعة أشهر، وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعدا، فإذا انقضت الأربعة الأشهر: وقف المولي عند مالك والشافعي، فإما فاء وإلّا طلّق، فإن أبى الطلاق: طلق عليه الحاكم، وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق دون توقيف، ولفظ الآية يحتمل القولين فَإِنْ فاؤُ رجعوا إلى الوطء وكفّروا عن اليمين غَفُورٌ رَحِيمٌ أي يغفر ما في الأيمان من إضرار المرأة عَزَمُوا الطَّلاقَ العزيمة على قول مالك: التطليق أو الإباية فيطلق عليه الحاكم، وعند أبي حنيفة: ترك الفيء حتى تنقضي الأربعة الأشهر، والطلاق في الإيلاء رجعيّ عند مالك، بائن عند الشافعي وأبي حنيفة وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بيان للعدة، وهو عموم مخصوص خرجت منه الحامل بقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] . واليائسة والصغيرة بقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الآية [الأحزاب: ٤٩] . والتي لم يدخل بها بقوله: فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] فيبقى حكمها في المدخول بها، وهي سن من تحيض وقد خص مالك منها الأمة، فجعل عدّتها قرءين ويتربصن خبر بمعنى الأمر ثَلاثَةَ قُرُوءٍ انتصب ثلاثة على أنه مفعول به هكذا قال الزمخشري، وقروء: جمع قرء وهو مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فحمله مالك والشافعي على الطهر لقول عائشة: الأقراء هي الأطهار، وحمله أبو حنيفة على الحيض لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلك مقصود العدّة، ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ يعني الحمل والحيض، وبعولتهن جمع بعل، وهو هنا الزوج فِي ذلِكَ أي في زمان العدّة وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ من الاستمتاع وحسن المعاشرة دَرَجَةٌ في الكرامة وقيل: الإنفاق وقيل: كون الطلاق بيده الطَّلاقُ مَرَّتانِ بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه

стр. 119

دون زوج آخر، وقيل: بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السنة فَإِمْساكٌ ارتجاع، وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر بِمَعْرُوفٍ حسن المعاشرة وتوفية الحقوق أَوْ تَسْرِيحٌ هو تركها حتى تنقضي العدّة فتبين منه بِإِحْسانٍ المتعة «١» ، وقيل: التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد لأنّ قوله تعالى بعد ذلك فَإِنْ طَلَّقَها هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكرارا، والطلقة الرابعة لا معنى لها وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الآية: نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم فقال لها أتردّين عليه حديقته، قالت: نعم فدعاه فطلقها على ذلك. وحكمها على العموم. وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلّا إذا خاف الزوجان أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما. ثم إنّ المخالعة على أربعة أحوال: الأوّل: أن تكون من غير ضرر من الزوج ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ الآية [النساء: ٤] ومنعها قوم لقوله تعالى: إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعا فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩] وأجازه الشافعي لقوله تعالى إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ والثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصة، فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ الآية [النساء: ٢٠] وأجازه أبو حنيفة مطلقا، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة فَإِنْ خِفْتُمْ خطاب للحكام والمتوسطين في هذا الأمر فَإِنْ طَلَّقَها هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: الطلاق مرتان حتى تنكح زوجا غيره أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطء، لقوله صلّى الله عليه واله وسلّم للمطلقة ثلاثا حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك «٢» وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يحلها دون وطء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحل عند مالك إذا كان النكاح صحيحا لا شبهة فيه، والوطء مباحا في غير حيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافا لابن الماجشون في الوطء غير المباح، وأما نكاح المحلل فحرام، ولا يحل

стр. 120

الزوجة لزوجها عند مالك، خلافا لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة، ولا المحلل له، وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد فَإِنْ طَلَّقَها يعني هذا الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي على الزوجة والزوج الأوّل أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الآية خطاب للأزواج، وهي نهي عن أن يطول الرجل العدّة على المرأة مضارة منه لها، بل يرتجع قرب انقضاء العدّة، ثم يطلق بعد ذلك، ومعنى فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذ، ومعنى أمسكوهنّ راجعوهنّ بمعروف هنا قبل: هو الإشهاد وقيل: النفقة وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الآية: هذه الأخرى خطاب للأولياء، وبلوغ الأجل هنا: انقضاء العدّة فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي لا تمنعوهن أن ينكحن أزواجهن أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهن، قال السهيلي: نزلت في معقل بن يسار كان له أخت، فطلقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله وذلك أنّ رجلا طلق أخته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد مراجعتها فمنعها جابر وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زوّجتكها أبدا، فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل: الإشهاد، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في نكاح وليته خلافا لأبي حنيفة ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ خطابا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحد ضمير الخطاب ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ خطابا للمؤمنين والإشارة إلى ترك العضل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين والعرض وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ خبر بمعنى الأمر، وتقتضي الآية حكمين: الحكم الأوّل: من يرضع الولد؟ المرأة يجب عليها إرضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، وإن كان والده قد مات وليس للولد مال: لزمها رضاعه في المشهور، وقيل أجرة رضاعه على بيت المال، وإن كانت مطلقة طلاقا بائنا: لم يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: ٦] إلّا أن تشاء هي فهي أحق به بأجرة المثل، فإن لم يقبل الطفل غيرها وجب عليها إرضاعه، وقال أبو ثور: يلزمها على الإطلاق لظاهر الآية وحملها على الوجوب، الحكم الثاني: مدة الرضاع وقد ذكرها في قوله: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ وإنما وصفهما

стр. 121

بكاملين لأنه يجوز أن يقال في حول وبعض آخر: حولين، فرفع ذلك الاحتمال، وأباح الفطام قبل تمام الحولين بقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ واشترط أن يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: فَإِنْ أَرادا فِصالًا الآية، فإن لم يكن على الولد ضرر في الفطام فلا جناح عليهما، ومن دعا منهما إلى تمام الحولين: فذلك له، وأما بعد الحولين فمن دعا منهما إلى الفطام فذلك له، وقال ابن العباس: إنما يرضع حولين من مكث في البطن ستة أشهر، فمن مكث سبعة فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، وإن مكث تسعة فرضاعه إحدى وعشرون، لقوله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ في هذه النفقة والكسوة: قولان: أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد، أوجبها الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري وابن العربي، الثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، وقال منذر بن سعيد البلوطي: هذه الآية نص في وجوب نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفرس بِالْمَعْرُوفِ أي: على قدر حال الزوج في ماله، والزوجة في منصبها، وقد بين ذلك بقوله لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الانعام: ١٥٢] لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها قرئ بفتح الراء لالتقاء الساكنين على النهي، وبرفعهما على الخبر، ومعناها النهي، ويحتمل على كل واحد من الوجهين أن يكون الفعل مسندا إلى الفاعل، فيكون ما قبل الآخر مكسورا قبل الإدغام، أو يكون مسندا إلى المفعول، فيكون مفتوحا، والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، ويدخل في عموم النهي: وجوه الضرر كلها والباء في قوله بولدها وبولده: سببية، والمراد بقوله ولا مولود له الوالد، وإنما ذكره بهذا اللفظ إعلاما بأنّ الولد ينسب له لا للأم وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ اختلف في الوارث فقيل: وارث المولود له، وقيل: وارث الصبي لو مات، وقيل: هو الصبي نفسه، وقيل: من بقي من أبويه، واختلف في المراد بقوله: مثل ذلك فقال مالك وأصحابه: عدم المضارة، وذلك يجري مع كل قول في الوارث لأن ترك الضرر واجب على كل أحد وقيل المراد أجرة الرضاع في النفقة والكسوة ويختلف هذا القول بحسب الإختلاف في الوارث، فأما على القول بأنّ الوارث هو الصبي فلا إشكال لأن أجرة رضاعه في ماله، وأما على سائر الأقوال، فقيل: إن الآية منسوخة فلا تجب أجرة الرضاع على أحد غير الوالد، وقيل: إنها محكمة فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا إباحة لاتخاذ الغير إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي دفعتم أجرة الرضاع وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً الآية: عموم في كل متوفى

стр. 122

عنها، سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده، إلّا الحامل فعدتها وضع حملها، سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشر أو بعدها عند مالك والشافعي وجمهور العلماء، وقال عليّ بن أبي طالب: عدتها أبعد الأجلين، وخص مالك من ذلك الأمة فعدّتها في الوفاة شهران وخمس ليال، ويتربصن: معناه عن التزويج، وقيل: عن الزينة فيكون أمرا بالإحداد، وإعراب الذين مبتدأ، وخبره: يتربصن على تقدير أزواجهم يتربصن، وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، وقال الكوفيون: الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزويج والزينة بِالْمَعْرُوفِ هنا إذا كان غير منكر وقيل معناه الإشهاد وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ الآية: إباحة التعريض بخطبة المرأة المعتدّة، ويقتضي ذلك النهي عن التصريح، ثم أباح ما يضمر في النفس بقوله: أو أكننتم في أنفسكم عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أي تذكروهنّ في أنفسكم وبألسنتكم لم يخف عليكم وقيل: أي ستخطبونهنّ إن لم تنتهوا عن ذلك لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي لا تواعدوهنّ في العدة خفية بأن تتزوّجوهنّ بعد العدة، وقال مالك فيمن يخطب في العدّة ثم يتزوّج بعدها: فراقها أحب إليّ، ثم يكون خاطبا من الخطاب، وقال ابن القاسم: يجب فراقها إلّا أن تقولوا قولا معروفا استثناء منقطع، والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض: كقوله: إنكم لأكفاء كرام، وقوله: إنّ الله سيفعل معك خيرا، وشبه ذلك وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ الآية: نهي عن عقد النكاح قبل تمام العدّة، والكتاب هنا: القدر الذي شرع فيه من المدّة، ومن تزوّج امرأة في عدّتها يفرق بينهما اتفاقا، فإن دخل بها حرمت عليه على التأبيد عند مالك خلافا للشافعي وأبي حنيفة. لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ الآية: قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول، ولما نهي عن التزويج بمعنى الذوق، وأمر بالتزويج طلبا للعصمة ودوام الصحبة ظنّ قوم أنّ من طلق قبل البناء وقع في المنهي عنه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول، وذلك أنّ من طلق قبل الدخول فإن كان لم يفرض لها صداقا وذلك في نكاح التفويض: فلا شيء عليه من الصداق لقوله: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الآية، والمعنى: لا طلب عليكم بشيء من الصداق، ويؤمر بالمتعة لقوله تعالى: ومتعوهنّ وإن كان قد فرض لها: فعليه نصف الصداق لقوله تعالى: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ولا متعة عليه، لأنّ المتعة إنما ذكرت فيما لم يفرض لها بقوله: أو تفرضوا أو فيه بمعنى الواو وَمَتِّعُوهُنَّ أي أحسنوا إليهنّ، وأعطوهنّ شيئا عند الطلاق، والأمر بالمتعة

стр. 123

مندوب عند مالك، وواجب عند الشافعي عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ أي يمتع كل واحد على قدر ما يجد، والموسع الغني، الْمُقْتِرِ الضّيق الحال، وقرئ بإسكان دال قدره وفتحها، وهما بمعنى واحد وبالمعروف هنا: أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ تعلق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: حقا، وتعلق مالك بالندب في قوله: على المحسنين لأنّ الإحسان تطوّع بما لا يلزم وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ بيان أن المطلقة قبل البناء لها نصف الصداق إذا كان فرض لها صداق مسمى، بخلاف نكاح التفويض إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ النون فيه نون جماعة النسوة: يريد المطلقات، والعفو هنا بمعنى الإسقاط، أي للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، إلّا أن يسقطنه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوالي الذي تكون المرأة في حجره كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أمته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب لها بالطلاق قبل الدخول، وأجاز شريح إسقاط غير الأب من الأولياء، وقال علي بن أبي طالب والشافعي: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وعفوه أن يعطي النصف الذي سقط عنه من الصداق، ولا يجوز عندهما أن يسقط الأب النصف الواجب لابنته، وحجة مالك أن قوله الذي بيده عقدة النكاح في الحال والزوج ليس بيده بعد الطلاق عقدة النكاح وحجة الشافعي قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فإن الزوج إذا تطوّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضل، وأما إسقاط الأب لحق ابنته فليس فيه تقوى لأنه إسقاط حق الغير وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قيل إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها أو دفع الرجل النصف الساقط عنه، واللفظ أعم من ذلك وَالصَّلاةِ الْوُسْطى جدّد ذكرها بعد دخولها في الصلاة اعتناء بها وهي الصبح عند مالك وأهل المدينة، والعصر عند عليّ بن أبي طالب لقوله: صلى الله عليه واله وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر «١» ، وقيل: هي الظهر وقيل المغرب، وقيل هي: العشاء الآخرة، وقيل: الجمعة، وسميت وسطى لتوسطها في عدد الركعات، وعلى القول بأنها المغرب لأنها بين الركعتين والأربع، أو لتوسط وقتها، وعلى القول بأنها الصبح لأنها متوسطة بين الليل والنهار، وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة لأنها في وسط النهار، أو لفضلها من الوسط: وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال فيها وَقُومُوا لِلَّهِ معناه في صلاتكم قانِتِينَ هنا ساكتين وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت، قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وقيل: خاشعين، وقيل: طول القيام

стр. 124

فَإِنْ خِفْتُمْ أي من عدوّ أو سبع أو غير ذلك مما يخاف منه على النفس فَرِجالًا جمع راجل أي على رجليه أَوْ رُكْباناً جمع راكب: أي: صلوا كيف ما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المسايفة «١» ، ولا تنقص منها عن ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ الآية: قيل المعنى: إذا زال الخوف فصلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة، وقيل إذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم هذه الصلاة التي تجزئكم في حال الخوف، فالذكر على القول الأوّل في حال الصلاة، وعلى الثاني بمعنى الشكر وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ هذه الآية منسوخة ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها ثم نسخ إقامتها سنة بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع أو الثمن الذي لها في الميراث حسبما ذكر في سورة النساء، وإعراب وصية مبتدأ، وأزواجهم خبر، أو مضمر تقديره: فعليهم وصية، وقرئت بالنصب على المصدر، تقديره: ليوصوا وصية، ومتاعا نصب على المصدر غَيْرَ إِخْراجٍ أي ليس لأولياء الميت إخراج المرأة فإن خرجت معناه إذا كان الخروج من قبل المرأة فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوّج وزينة وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ عام في إمتاع كل مطلقة، وبعمومه أخذ أبو ثور، واستثنى الجمهور المطلقة قبل الدخول، وقد فرض لها بالآية المتقدمة منه، واستثنى مالك المختلعة والملاعنة حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يدل على وجوب المتعة وهي الإحسان للمطلقات. لأن التقوى واجبة ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكدة للمتعة لأنه نزل قبلها حقا على المحسنين، فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: حقا على المتقين. أَلَمْ تَرَ رؤية قلب إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، وقيل: بل فرّوا من الطاعون وَهُمْ أُلُوفٌ جمع ألف، قيل ثمانون ألفا، وقيل: ثلاثون ألفا، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: هو من الألفة، وهو ضعيف فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا عبارة عن إماتتهم، وقيل: إن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا ثم

стр. 125

أحياهم ليستوفوا آجالهم وَقاتِلُوا خطاب لهذه الأمّة، وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ استفهام يراد به الطلب والحض على الإنفاق، وذكر لفظ القرض تقريبا للأفهام لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف ردّ ما أسلف، وروي أن الآية نزلت في أبي الدحداح حين تصدّق بحائط لم يكن له غيره قَرْضاً حَسَناً أي خالصا طيبا من حلال من غير منّ ولا أذى فَيُضاعِفَهُ قرئ بالتشديد والتخفيف، وبالرفع على الاستئناف أو عطفا على يقرض، وبالنصب في جواب الاستفهام أَضْعافاً كَثِيرَةً عشرة فما فوقها إلى سبعمائة يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ إخبار يراد به الترغيب في الإنفاق. أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ رؤية قلب، وكانوا قوما نالهم الذلة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال فلما أمروا به كرهوه لِنَبِيٍّ لَهُمُ قيل اسمه شمويل، وقيل شمعون هَلْ عَسَيْتُمْ أي: قاربتم، وأراد النبي المذكور أن يتوثق منهم، ويجوز في السين من عسيتم الكسر والفتح، وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر، وأما إذا لم يتصل بعسى ضمير فلا يجوز فيها إلّا الفتح طالُوتَ مَلِكاً قال وهب بن منبه أوحى الله إلى نبيهم إذا دخل عليك رجل فنشّ «١» الدهن الذي في القرن فهو ملكهم، وقال السدّي: أرسل الله إلى نبيهم عصا، وقال له إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم فكان ذلك طالوت وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ روي أنه كان دباغا ولم يكن من بيت الملك، والواو في قوله ونحن واو الحال والواو في قوله: ولم يؤت لعطف الجملة على الأخرى بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ كان عالما بالعلوم وقيل: بالحروب وكان أطول رجل يصل إلى منكبه وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ رد عليهم في اعتقادهم أن الملك يستحق بالبيت أو المال أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ كان هذا التابوت قد تركه موسى عند يوشع فجعله يوشع في البرية، فبعث الله ملائكة حملته

стр. 126

فجعلته في دار طالوت، وفيه قصص كثيرة غير ثابتة فِيهِ سَكِينَةٌ قيل رمح فيه رأس ووجه كوجه الإنسان، وقيل طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء وقيل رحمة، وقيل وقار وبقية قال ابن عباس: هي عصا موسى ورضاض الألواح، وقيل: العصا والنعلان وقيل: ألواح من التوراة آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ يعني: أقاربهما، قال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل، ويحتمل أن يريد موسى وهارون، وأقحم الأهل فَصَلَ طالُوتُ أي خرج من موضعه إلى الجهاد بِنَهَرٍ قيل هو نهر في فلسطين فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب باليد إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً رخص لهم في الغرفة باليد، وقرئ بفتح الغين وهو المصدر، وبضمها هو الاسم فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا قيل: كانوا ثمانين ألفا فشربوا منه كلهم إلّا ثلاثمائة وبضعة عشر: عدد أصحاب بدر، فأما من شرب فاشتد عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ كان كافرا عدوّا لهم وهو ملك العمالقة، يظنون أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة وَالْحِكْمَةَ هنا النبوّة والزبور، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ذلك وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ الآية: منه على العباد بدفع بعضهم ببعض، وقرئ دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متفق. تِلْكَ الرُّسُلُ الإشارة إلى جماعتهم فَضَّلْنا نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول: كقوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «لا تخيروا بين الأنبياء» «١» ، «ولا تفضلوني على يونس بن متى» «٢» : فإنّ معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه تنقيص له،

стр. 127

وذلك غيبة ممنوعة، وقد صرح صلّى الله عليه واله وسلّم بفضله على جميع الأنبياء بقوله «أنا سيد ولد آدم» «١» لا بفضله على واحد بعينه، فلا تعارض بين الحديثين مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ موسى ﵇ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ قيل: هو محمد صلّى الله عليه واله وسلّم لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة، وقيل: هو إدريس لقوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] فالرفعة على هذا في المسافة وقيل: هو مطلق في كل من فضله الله منهم مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد الأنبياء، والمعنى: بعد كل نبيّ لا بعد الجميع وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره تأكيدا وليبنى عليه ما بعده أَنْفِقُوا يعم الزكاة والتطوّع لا بَيْعٌ فِيهِ أي: لا يتصرف أحد في ماله، والمراد: لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق في الدنيا ويدخل فيه نفي الفدية لأنه بشراء الإنسان نفسه وَلا خُلَّةٌ أي مودّة نافعة لأن كل أحد يومئذ مشغول بنفسه وَلا شَفاعَةٌ أي ليس في يوم القيامة شفاعة إلّا بإذن الله فهو في الحقيقة رحمة من الله للمشفوع فيه، وكرامة للشافع ليس فيها تحكم على الله، وعلى هذا يحمل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن أعني أن لا تقع إلّا بإذن الله فلا تعارض بينه وبين إثباتها، وحيث ما كان سياق الكلام في أهوال يوم القيامة، والتخويف بها نفيت الشفاعة على الإطلاق، ومبالغة في التهويل. وحيث ما كان سياق الكلام تعظيم الله نفيت الشفاعة إلّا بإذنه وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال هكذا، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ هذه آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث، وجاء فيها فضل كبير في الحديث الصحيح وفي غيره لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ تنزيه لله تعالى عن الآفات البشرية، والفرق بين السنة والنوم: أن السنة هي ابتداء النوم لا نفسه: كقول القائل: في عينه سنة وليس بنائم مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ استفهام مراد به نفي الشفاعة إلّا بإذن الله، فهي في الحقيقة راجعة إليه يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ الضمير عائد على من يعقل ممن

стр. 128

تضمنه قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم، وقال مجاهد: ما بين أيديهم الدنيا وما خلفهم الآخرة مِنْ عِلْمِهِ من معلوماته أي لا يعلم عباده من معلوماته إلّا ما شاء هو أن يعلموه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، وهو أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء، وقيل: كرسيه علمه. وقيل: كرسيه ملكه وَلا يَؤُدُهُ أي لا يشغله ولا يشق عليه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه ويدل على ذلك قوله: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه، وقيل: معناها الموادعة، وأن لا يكره أحد بالقتال على الدخول في الإسلام ثم نسخت بالقتال، وهذا ضعيف لأنها مدنية وإنما آية المسالمة وترك القتال بمكة بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى العروة في الأجرام هي: موضع الإمساك وشدّ الأيدي، وهي هنا تشبيه واستعارة في الإيمان لَا انْفِصامَ لَها لا انكسار لها ولا انفصال يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ جمع الطاغوت هنا وأفرد في غير هذا الموضع فكأنه اسم جنس لما عبد من دون الله، ولمن يضل الناس من الشياطين وبني آدم الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ هو نمروذ الملك وكان يدّعي الربوبية فقال لإبراهيم: من ربك؟ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فقال نمروذ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وأحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فقال قد أحييت هذا وأمت هذا، فقال له إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ أي انقطع وقامت عليه الحجة، فإن قيل: لم انتقل إبراهيم عن دليله الأوّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟ فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لما ذكر الدليل الأوّل وهو الإحياء والإماتة كان له حقيقة، وهو فعل الله ومجازا وهو فعل غيره فتعلق نمروذ بالمجاز غلطا منه أو مغالطة، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافر عدول عنه أصلا أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ تقديره: أو رأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه لأنّ كلتيهما كلمتا تعجب،

стр. 129

ويجوز أن يحمل على المعنى كأنه يقول: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مرّ على قرية وهذا المارّ قيل إنه عزير، وقيل الخضر، فقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ ليس إنكارا للبعث ولا استبعادا ولكنه استعظام لقدرة الذي يحيي الموتى، أو سؤال عن كيفية الإحياء وصورته، لا شك في وقوعه، وذلك مقتضى كلمة أنّى فأراه الله ذلك عيانا ليزداد بصيرة، وقيل: بل كان كافرا وقالها إنكارا للبعث واستبعادا، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي خالية من الناس، وقال السدّي: سقطت سقوفها وهي العروش، ثم سقطت الحيطان على السقف أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب، ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم لأنّ هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر، وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف كَمْ لَبِثْتَ سؤال على وجه التقرير قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقل مدّة موته، قيل: أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام فظنّ أنه يوم واحد، ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: يوما فقال: أو بعض يوم فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ قيل كان طعامه تينا وعنبا وأنّ شرابه كان عصيرا ولبنا لَمْ يَتَسَنَّهْ معناه: لم يتغير، بل بقي على حاله طول مائة عام، وذلك أعجوبة إلهية، واللفظ يحتمل أن يكون مشتقا من السنة، لأنّ لامها هاء، فتكون الهاء في يتسنه أصلية. أي لم يتغير السنون ويحتمل أن يكون مشتقا من قولك تسنن الشيء إذا فسد، ومنه الحمأ المسنون، ثم قلبت النون حرف علة كقولهم: قصيت أظفاري، ثم حذف حرف العلة للجازم، والهاء على هذا هاء السكت وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ قيل: بقي حماره حيا طول المائة عام، دون علف ولا ماء، وقيل: مات ثم أحياه الله، وهو ينظر إليه وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ التقدير: فعلنا بك هذا لتكون آية للناس، وروى أنه قام شابا على حالته يوم مات فوجد أولاده وأولادهم شيوخا وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ هي عظام نفسه، وقيل: عظام الحمار على القول بأنه مات ننشرها بالراء نحييها، وقرئ بالزاي، ومعناه نرفعها للإحياء قالَ أَعْلَمُ بهمزة قطع وضم الميم أي: قال الرجل ذلك اعترافا، وقرئ بألف وصل، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الآية: قال الجمهور: لم يشك إبراهيم في إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة، لأنه رأى دابة قد أكلتها السباع والحيات

стр. 130

فسأل ذلك السؤال، ويدل على ذلك قوله: كيف، فإنها سؤال عن حال الإحياء وصورته لا عن وقوعه وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بالمعاينة أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قيل هي الديك، والطاوس، والحمام، والغراب، فقطعها وخلط أجزاءها ثم جعل من المجموع جزءا على كل جبل، وأمسك رأسها بيده، ثم قال: تعالين بإذن الله فتطايرت تلك الأجزاء حتى التأمت، وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها في رؤوسها وطارت بإذن الله فَصُرْهُنَّ أي ضمهن، وقيل: قطّعهن على كل جبل، قيل: أربعة جبال، وقيل سبعة، وقيل: الجبال التي وصل إليها حينئذ من غير حصر بعدد فِي سَبِيلِ اللَّهِ ظاهره الجهاد، وقد يحمل على جميع وجوه البر كَمَثَلِ حَبَّةٍ كل ما يزرع ويقتات وأشهره: القمح» وفي الكلام حذف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة أو يقدر في آخر الكلام كمثل صاحب حبة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ بيان أن الحسنة بسبعمائة كما جاء في الحديث أن رجلا جاء بناقة فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي يزيده على سبعمائة وقيل هو تأكيد وبيان للسبعمائة، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث ما يدل عليه الَّذِينَ يُنْفِقُونَ الآية: قيل نزلت في عثمان، وقيل في عليّ وقيل في عبد الرحمن بن عوف مَنًّا وَلا أَذىً المن. ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى السب قول معروف هو ردّ السائل بجميل من القول: كالدعاء له والتأنيس وَمَغْفِرَةٌ عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل: مغفرة من الله لسبب الردّ الجميل، والمعنى: تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ عقيدة أهل السنة أن السيئات لا تبطل الحسنات فقالوا في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي لا تقبل منه، وقيل: إنّ المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته كَالَّذِي يُنْفِقُ تمثيل لمن يمنّ ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن فَمَثَلُهُ أي مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب يظنه من يراه أرضا منبتة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا منفعة فيه، فكذلك المرائي يظن أن له أجرا، فإذا كان يوم القيامة انكشف سره ولم تنفعه نفقته صَفْوانٍ حجر كبير وابِلٌ

стр. 131

مطر كثير صَلْداً أملس لا يَقْدِرُونَ أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم وَتَثْبِيتاً أي تيقنا وتحقيقا للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذل المال، وانتصاب ابتغاء على المصدر في موضع الحال وعطف عليه وتثبيتا، ولا يصح في تثبيتا أن يكون مفعولا من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء كَمَثَلِ حَبَّةٍ تقديره: كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون بِرَبْوَةٍ لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها فَطَلٌّ الطل الرقيق الخفيف، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الآية: مثل ضرب للإنسان يعمل صالحا، حتى إذا كان عند آخر عمره ختم له بعمل السوء، أو مثل للكافر أو المنافق أو المرائي المتقدّم ذكره آنفا أو ذي المن والأذى، فإنّ كل واحد منهم يظن أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجة إليه لم يجد شيئا، فشبههم الله بمن كانت له جنة، ثم أصابتها الجائحة المهلكة، أحوج ما كان إليها لشيخوخته، وضعف ذريته، قالوا في قوله: وأصابه الكبر للحال إِعْصارٌ أي ريح فيها سموم محرقة مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ والطيبات هنا عند الجمهور: الجيد غير الرديء، فقيل: إنّ ذلك في الزكاة فيكون واجبا وقيل: في التطوع فيكون مندوبا لا واجبا لأنه كما يجوز التطوع بالقليل يجوز بالرديء وَمِمَّا أَخْرَجْنا من النبات والمعادن وغير ذلك وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ أي لا تقصدوا الرديء منه تنفقون في موضع الحال وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ الواو للحال. والمعنى: أنكم لا تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلّا أن تتسامحوا بأخذه وتغمضوا من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه: إذا لم يستوفه وإذا غض بصره الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ الآية: دفع لما يوسوس به الشيطان من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حض على الإنفاق، ثم بين عداوة الشيطان بأمره بالفحشاء، وهي المعاصي، وقيل: الفحشاء البخل، والفاحش عند العرب البخيل، قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان واثنتان من الله، والفضل هو الرزق والتوسعة يُؤْتِي الْحِكْمَةَ قيل:

стр. 132

هي المعرفة بالقرآن، وقيل: النبوة، وقيل: الإصابة في القول والعمل وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ الآية. ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان تبرعا، وما يفعله بعد إلزامه نفسه بالنذر، وفي قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وعد بالثواب، وقوله: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ وعيد لمن يمنع الزكاة أو ينفق لغير الله إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ هي التطوع عند الجمهور لأنها يحسن إخفاؤها وإبداء الواجبة كالصلوات فَنِعِمَّا هِيَ ثناء على الإظهار، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء وما من نعما في موضع نصب تفسير للمضمر والتقدير: فنعم شيء إبداؤها لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ قيل: إنّ المسلمين كانوا لا يتصدقون على أهل الذمة، فنزلت الآية مبيحة للصدقة على من ليس على دين الإسلام، وذلك في التطوع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلا، فالضمير في هداهم على هذا القول للكافر، وقيل: ليس عليك أن تهديهم لما أمروا به من الانفاق، وترك المن والأذى والرياء، والانفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلغهم والهدى بيد الله فالضمير على هذا للمسلمين وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أي إن منفعته لكم لقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت: ٤٦] وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ قيل: إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلّا ابتغاء وجه الله، ففيه تزكية لهم وشهادة بفضلهم، وقيل: ما تنفقون نفقة تقبل منكم إلّا ابتغاء وجه الله، ففي ذلك حض على الإخلاص لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف تقديره: الانفاق للفقراء وهم هنا المهاجرون أُحْصِرُوا حبسوا بالعدو، وبالمرض فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتمل الجهاد والدخول في الإسلام ضَرْباً فِي الْأَرْضِ هو التصرف في التجارة وغيرها يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ أي يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء لقلة سؤالهم. والتعفف هنا هو عن الطلب. ومن سببية، وقال ابن عطية: لبيان الجنس تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ علامة وجوههم وهي ظهور الجهد والفاقة، وقلة النعمة. وقيل: الخشوع وقيل: السجود لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً الإلحاف: هو الإلحاح في السؤال، والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطفون ولا يلحون، وقيل: هو نفي السؤال والإلحاح معا وباقي الآية وعد بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً تعميم

стр. 133

لوجوه الإنفاق وأوقاته، قال ابن عباس: نزلت في عليّ فإنه تصدق بدرهم بالليل وبدرهم بالنهار وبدرهم سرا وبدرهم علانية. وقال أبو هريرة: نزلت في علف الخيل الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي ينتفعون به، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع. وسواء من أعطاه أو من أخذه، والربا في اللغة الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة، فإنّ غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم: أتقضي أم تربي، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ثم إن الربا على نوعين: ربا النسيئة، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام. فأما النسيئة فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصرف، وفي الطعام «١» بالطعام مطلقا، وأما التفاضل: فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام، ومذهب مالك أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام، ومذهب الشافعي أنه يحرم في كل طعام، ومذهب أبي حنيفة أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلّا كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك: خبط يخبط، والمس الجنون، ومن تتعلق بيقوم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ تعليل للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا للكفار، لأن قولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا: ردّ على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد، فإن قيل: هلا قيل إنما الربا مثل البيع، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز، فالجواب: أن هذا مبالغة، فإنهم جعلوا الربا أصلا حتى شبهوا به البيع وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعا، وقد عددناها في الفقه ثمانين نوعا وَحَرَّمَ الرِّبا ردّ على الكفار وإنكار للتسوية بين البيع والربا، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه فَلَهُ ما سَلَفَ أي له ما أخذ من الربا، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: الضمير عائد على الربا، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ذلك وَمَنْ عادَ الآية: يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول: إنما البيع مثل الربا،

стр. 134

ولذلك حكم عليه بالخلود في النار، لأن ذلك القول لا يصدر إلّا من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ينقصه ويذهبه وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ينميها في الدنيا بالبركة، وفي الآخرة بمضاعفة الثواب كَفَّارٍ أَثِيمٍ أي من يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا، وهذا يدل على أن الآية في الكفار وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا سبب الآية أنه كان بين قريش وثقيف ربا في الجاهلية، فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم مكة قال في خطبته: «كل ربا كان في الجاهلية موضوع» «١» ، ثم إنّ ثقيف أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه وقالوا: قد وضع الربا. فتحاكموا إلى عتّاب بن أسيد أمير مكة، فكتب بذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم فنزلت الآية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط لمن خوطب به من قريش وغيرهم فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ أي إن لم تنتهوا عن الربا حوربتم ومعنى فأذنوا: اعلموا، وقرئ بالمد [آذنوا] أي أعلموا غيركم، ولما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ أي لا تظلمون بأخذ زيادة على رؤوس أموالكم، ولا تظلمون بالنقص منها وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان تامة بمعنى حضر ووقع، وقرئ ذا عسرة، أي إن كان الغريم ذا عسرة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه، ونظرة مصدر، معناه: التأخير، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره فالجواب: نظرة أو مبتدأ، وميسرة أيضا مصدر وقرئ بضم السين وفتحها وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدين عنه فذلك أفضل من إنظاره، وباقي الآية وعظ، وقيل إنّ آخر آية نزلت آية الربا، وقيل بل قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، الآية. وقيل آية الدين المذكورة بعد إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أي إذا عامل بعضكم بعضا بدين، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكورا في تداينتم ليعود عليه الضمير في اكتبوه وليزول الاشتراك الذي في تداينتم، إذ يقال لمعنى الجزاء إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد، لأنه

стр. 135

معروف عند الناس، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، قال ابن عباس: نزلت الآية في السلم خاصة يعني: أن سلّم أهل المدينة كان سبب نزولها، قال مالك وهذا يجمع الدين كله، يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما فَاكْتُبُوهُ ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية، وقال قوم: إنها منسوخة لقوله: فإن أمن بعضكم بعضا وقال قوم: إنها على الندب وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ قال قوم: يجب على الكاتب أن يكتب، وقال قوم نسخ ذلك بقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد، وقال آخرون: يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه، وقال قوم: إنّ الأمر بذلك على الندب، ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق بِالْعَدْلِ يتعلق عند ابن عطية بقوله: وليكتب، وعند الزمخشري بقوله: كاتب فعلى الأوّل: تكون الكتابة بالعدل، وإن كان الكاتب غير مرضيّ، وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب مرضيا في نفسه، قال مالك: لا يكتب الوثائق إلّا عارف بها، عدل في نفسه مأمون وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ نهي عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ يتعلق بقوله أن يكتب، والكاف للتشبيه أي: يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل: أي ينفع الناس بالكتابة كما علمه الله لقوله: أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] وقيل: يتعلق بقوله بعدها فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ يقال أمللت الكتاب، وأمليته، فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله تملي عليه على الأخرى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ لأنّ الشهادة إنما هي باعترافه، فإن كتب الوثيقة دون إملاله، ثم أقرّ بها جاز وَلا يَبْخَسْ أمر الله بالتقوى فيما يملي، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله، والضعيف الصغير وشبهه، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه وَلِيُّهُ أبوه، أو وصيه، والضمير عائد على الذي عليه الحق وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ نص في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ قال قوم: لا تجوز شهادة المرأتين إلّا مع الرجال، وقال معنى الآية: إن لم يكونا أي إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان، فرجل وامرأتان، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل، فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال، وعيوب النساء، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره: فليكن رجل، فهو فاعل، أو تقديره: فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله، أو بالابتداء تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ صفة للرجل والمرأتين، وهو مشترط أيضا في الرجلين الشاهدين، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو

стр. 136

العدالة، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقي الصغائر مع المحافظة على المروءة أَنْ تَضِلَّ مفعول من أجله، والعامل فيه هو المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة هو نسيانها أو نسيان بعضها، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولا من أجله، وليس هو المراد، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد، فأقيم السبب مقام المسبب، وقرئ: إن تضل: بكسر الهمزة على الشرط، وجوابه الفاء في فتذكر، ولذلك رفعه من كسر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ أي لا يمتنعون إِذا ما دُعُوا إلى أداء الشهادة، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعي إليها، وقيل: إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها. وقيل: إلى الأمرين وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي لا تملوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت، سواء كان الحق صغيرا أو كبيرا، ونصب صغيرا على الحال ذلِكُمْ إشارة إلى الكتابة أَقْسَطُ من القسط وهو العدل (وأقوم) بمعنى أشد إقامة، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي أقرب إلى عدم الشك في الشهادة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل، والمعنى: إباحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، وهو ما يباع بالنقد وغيره، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ يقتضي القبض والبينونة وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيرا أو كبيرا، وهم الظاهرية، خلافا للجمهور. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: فإن أمن بعضكم بعضا، وذهب قوم إلى أنه على الندب وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل أن يكون كاتب فاعلا على تقدير كسر الراء المدغمة من يضارّ، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضارّ صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه أو النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولا لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوي ذلك قراءة عمر بن الخطاب ﵁، «لا يضارر» بالتفكيك وفتح الراء، والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل وَإِنْ تَفْعَلُوا أي إن وقعتم في الإضرار فَإِنَّهُ فُسُوقٌ حال بكم وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ إخبار على وجه الامتنان، وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ الآية: لما

стр. 137

أمر الله تعالى بكتب الدين: جعل الرهن توثيقا للحق، عوضا عن الكتابة، حيث تتعذر الكتابة في السفر، وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلّا في السفر لظاهر الآية. وأجازه مالك وغيره في الحضر لأن النبي ﷺ رهن درعه بالمدينة فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع العلماء على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله. وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عدل، والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره، لقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ وهو عند مالك شرط كمال لا صحة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً الآية: أي إن أمن صاحب الحق المدين لحسن ظنه به، فليستغن عن الكتابة وعن الرهن، فأمر أولا بالكتابة، ثم بالرهن ثم بالائتمان، فللدين ثلاثة أحوال ثم أمر المديان بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ محمول على الوجوب فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ معناه: قد تعلق به الإثم اللاحق من المعصية في كتمان الشهادة، وارتفع آثم بأنه خبر إن، وقلبه فاعل به، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ، وآثم خبره، وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كان جملة الكاتم هي الآثمة، لأن الكتمان من فعل القلب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الآية: مقتضاها المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب، سواء أبدوه أم أخفوه، ثم المعاقبة على ذلك لمن يشاء الله أو الغفران لمن شاء الله، وفي ذلك إشكال لمعارضته لقول رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها» «١» ، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا هلكنا إن حوسبنا على خواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ﷺ : «قولوا سمعنا وأطعنا» ، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: لا يكلف الله نفسا إلّا وسعها، فكشف الله عنهم الكربة، ونسخ بذلك هذه الآية، وقيل: هي في معنى كتم الشهادة وإبدائها، وذلك محاسب به، وقيل يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين، والصحيح التأويل الأوّل لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضا عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إنّ الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر، ومعناها حكم فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ قرئ بجزمهما عطفا على يحاسبكم وبرفعهما «٢» على تقدير فهو يغفر

стр. 138

آمَنَ الرَّسُولُ الآية سببها ما تقدّم في حديث أبي هريرة: لما قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله بهذه الآية، وقدّم ذلك قبل كشف ما شق عليهم وَالْمُؤْمِنُونَ عطف على الرسول أو مبتدأ، فعلى الأوّل يوقف على المؤمنون وعلى الثاني يوقف على من ربّه والأوّل أحسن كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ إن كان المؤمنون معطوفا فكل عموم في الرسول والمؤمنون، وإن كان مبتدأ فكل عموم في المؤمنين ووحد الضمير في آمن على معنى أن كل واحد منهم آمن وَكُتُبِهِ قرئ «١» بالجمع أي كل كتاب أنزله الله، وقرئ بالتوحيد يريد القرآن أو الجنس لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ التقدير يقولون: لا نفرّق، والمعنى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وبين غيره في الإيمان بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا حكاية عن قول المؤمنين على وجه المدح لهم غُفْرانَكَ مصدر، والعامل فيه مضمر ونصبه على المصدرية تقديره اغفر غفرانك، وقيل على المفعولية تقديره: نطلب غفرانك وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ إقرار بالبعث مع تذلل وانقياد، وهنا تمت حكاية كلام المؤمنين لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إخبار من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق، وهو جائز عقلا عند الأشعرية ومحال عقلا عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقع في الشريعة لَها ما كَسَبَتْ أي من الحسنات وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي من السيئات، وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع بالعبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها يتكلف مخالفة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلف أو لأنّ السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي قولوا ذلك في دعائكم ويحتمل أن يكون ذلك من بقية حكاية قولهم كما حكى عنهم قولهم: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، والنسيان هنا هو ذهول القلب على الإنسان، والخطأ غير العمد فذلك معنى قوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» «٢» وقد كان يجوز أن يأخذ به لولا أنّ الله رفعه وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً التكاليف الصعبة، وقد كانت لمن تقدّم من الأمم كقتل أنفسهم، وقرض أبدانهم، ورفعت عن هذه الأمة. قال تعالى: ويضع عنهم إصرهم. وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير

стр. 139

وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع. ثم إنّ الشرع دفع وقوعه. وتحقيق ذلك أنّ ما لا يطاق. أربعة أنواع: الأوّل: عقلي محض: كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن. فهذا جائز وواقع بالاتفاق. والثاني: عاديّ كالطيران في الهواء. والثالث: عقلي وعادي: كالجمع بين الضدّين، فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه، والرابع تكليف ما يشق ويصعب، فهذا جائز اتفاقا، فقد كلفه الله من تقدّم من الأمم، ورفعه عن هذه الأمّة وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أنّ العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضل بالإنعام مَوْلانا ولينا وسيدنا.

стр. 140

سورة آل عمران مدنية وآياتها ٢٠٠ نزلت بعد الأنفال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة آل عمران) نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنوّرة يناظرون رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم في عيسى ﵇ الم تقدّم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري: هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج الْحَيُّ الْقَيُّومُ ردّ على النصارى في قولهم إنّ عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس بحيّ وليس بقيوم الْكِتابَ هنا هو القرآن بِالْحَقِّ أي تضمن الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق مُصَدِّقاً قد تقدّم في مصدّقا لما معكم بَيْنَ يَدَيْهِ الكتب المتقدّمة التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أعجميان فلا يصح ما ذكره النحاة من اشتقاقهما ووزنهما وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يعني القرآن وإنما كرر ذكره ليصفه بأنه الفارق بين الحق والباطل، ويحتمل أن يكون ذكره أولا على وجه الإثبات لإنزاله لقوله: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، ثم ذكره ثانيا: على وجه الامتنان بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل هدى للناس، فكأنه قال: وأنزل الفرقان هدى للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما اختلف قصد الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكرارا، وقيل: الفرقان هنا كل ما فرق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل: هو الزبور، وهذا بعيد لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك ردّ على النصارى هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ برهان على إثبات علم الله المذكور قبل، وفيه ردّ على النصارى لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصوّرا كسائر بني آدم كَيْفَ يَشاءُ من طول، وقصر، وحسن، وقبح، ولون وغير ذلك مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ المحكم من القرآن: هو البيّن المعنى، الثابت الحكم، والمتشابه: هو

стр. 141

الذي يحتاج إلى التأويل، أو يكون مستغلق المعنى: كحروف الهجاء، قال ابن عباس: المحكمات: الناسخات والحلال والحرام، والمتشابهات المنسوخات والمقدّم والمؤخر، وهو تمثيل لما قلنا هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي عمدة ما فيه ومعظمه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ نزلت في نصارى نجران فإنهم قالوا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: نعم، قالوا: فحسبنا إذا، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه، وقيل: نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حيي ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مبتدع، أو جاهل يتبع المتشابه من القرآن ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي ليفتنوا به الناس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي: يبتغون أن يتأوّلوه على ما تقتضي مذاهبهم، أو يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يصل إليه مخلوق وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ إخبار بانفراد الله بعلم تأويل المتشابه من القرآن، وذم لمن طلب علم ذلك من الناس وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مبتدأ مقطوع مما قبله، والمعنى أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه وإنما يقولون: آمنا به على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته، وقيل: إنه معطوف على ما قبله، وأن المعنى أنهم يعلمون تأويله، وكلا القولين مروي عن ابن عباس، والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح، وقال ابن عطية: المتشابه نوعان نوع انفرد الله بعلمه، ونوع يمكن وصول الخلق إليه. فيكون الراسخون ابتداء بالنظر إلى الأول، وعطفا بالنظر إلى الثاني كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي: المحكم والمتشابه من عند الله رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا حكاية عن الراسخين، ويحتمل أن يكون منقطعا على وجه التعليم والأوّل أرجح لاتصال الكلام، وأما قوله: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: فهو من كلام الله تعالى، لا حكاية قول الراسخين. إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ استدلال على البعث، ويحتمل أن يكون من تمام كلام الراسخين. أو منقطعا فهو من كلام الله كَدَأْبِ في موضع رفع أي دأب هؤلاء كدأب آلِ فِرْعَوْنَ وفي ذلك تهديد وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على آل فرعون، ويعني بهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير عائد على آل فرعون بِآياتِنا البراهين أو الكتاب سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ قرئ بتاء الخطاب ليهود المدينة، وقيل لكفار قريش، وقرئ «١» بالياء إخبارا عن

стр. 142

يهود المدينة، وقيل: عن قريش وهو صادق على كل قول، أما اليهود فغلبوا يوم قريظة والنضير وقينقاع، وأما قريش ففي بدر وغيرها. والأشهر أنها في بني قينقاع لأن رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له: لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش لا يعرفون القتال فلو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فنزلت الآية. ثم أخرجهم رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم من المدينة قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ قيل: خطاب للمؤمنين وقيل: لليهود، وقيل: لقريش والأول أرجح أنه لبني قينقاع الذين قيل لهم: ستغلبون. ففيه تهديد لهم وعبرة كما جرى لغيرهم فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ المسلمون والمشركون يوم بدر يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ قرئ: ترونهم بالتاء «١» خطابا لمن خوطب بقوله: قد كان لكم آية. والمعنى: ترون الكفار مثلي المؤمنين. ولكن الله أيد المسلمين بنصره على قدر عددهم، وقرئ بالياء. والفاعل في يرونهم المؤمنون، والمفعول به هم المشركون. والضمير في مثليهم للمؤمنين والمعنى على حسب ما تقدم. فإن قيل: إنّ الكفار كانوا يوم بدر أكثر من المسلمين فالجواب من وجهين أحدهما: أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين، لأن الكفار كانوا قريبا من ألف، والمؤمنون ثلاثمائة وثلاثة عشر. ثم إنّ الله تعالى قلّل عدد الكفار في أعين المؤمنين حتى حسبوا أنهم مثلهم مرتين، ليتجاسروا على قتالهم، إذا ظهر لهم أنهم على ما أخبروا به من قتال الواحد للإثنين من قوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦] ، وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال: ٤٤] ، والآخر أنه رجع قوم من الكفار حتى بقي منهم ستمائة وستة وعشرون رجلا، وذلك قدر عدد المسلمين مرتين، وقيل: إنّ الفاعل في يرونهم ضمير المشركين، والمفعول ضمير المؤمنين. وأن الضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمؤمنين والمفعول للمشركين. والمعنى على هذا أن الله كثر عدد المسلمين في أعين المشركين حتى حسب الكفار المؤمنين مثلي الكافرين أو مثلي المؤمنين. وهم أقل من ذلك وإنما كثرهم الله في أعينهم ليرهبوهم، ويرد هذا قوله تعالى، ويقللكم في أعينهم رَأْيَ الْعَيْنِ نصب على المصدرية، ومعناه معاينة ظاهرة لا شك فيها وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ أي أن النصر بمشيئة الله لا بالقلة ولا بالكثرة، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين مع أنهم كانوا أكثر منهم زُيِّنَ لِلنَّاسِ قيل: المزين هو الله وقيل الشيطان. ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا. وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار «٢» ، وهو ألف ومائتا أوقية، وقيل: ألف

стр. 143

ومائتا مثقال، وكلاهما مروي عن النبي ﷺ الْمُقَنْطَرَةِ مبنية من لفظ القناطير وللتأكيد كقولهم: ألوف مؤلفة، وقيل: المضروبة دنانير أو دراهم الْمُسَوَّمَةِ الراعية من قولهم: سام الفرس وغيره إذا جال في المسارح، وقيل: المعلمة في وجوهها شيات فهي من السمات بمعنى العلامات وقيل: المعدة للجهاد ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا تحقير لها ليزهد فيها الناس قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ تفضيل للآخرة على الدنيا ليرغب فيها. وتمام الكلام في قوله: من ذلكم ثم ابتدأ قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا تفسيرا لذلك، فجنات على هذا مبتدأ وخبره لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، وقيل: إن قوله لِلَّذِينَ اتَّقَوْا متعلق بما قبله. وتمام الكلام في قوله: عند ربهم، فجنات على هذا خبر مبتدأ مضمر وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ زيادة إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث «١» الَّذِينَ يَقُولُونَ نعت للذين اتقوا، ورفع بالابتداء، أو نصب بإضمار فعل الصَّادِقِينَ في الأقوال والأفعال وَالْقانِتِينَ العابدين والمطيعين وَالْمُسْتَغْفِرِينَ الاستغفار هو طلب المغفرة قيل لرسول الله ﷺ : كيف نستغفر؟ فقال: قولوا اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم بِالْأَسْحارِ جمع سحر وهو آخر الليل يقال: إنه الثلث الأخير، وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذ: «من يستغفرني فأغفر له» شَهِدَ اللَّهُ الآية: شهادة من الله سبحانه لنفسه بالوحدانية وقيل: معناها إعلامه لعباده بذلك وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ عطف على اسم الله أي هم شهداء بالوحدانية، ويعني بأولي العلم: العارفين بالله الذين يقيمون البراهين على وحدانيته قائِماً منصوب على الحال من اسم الله أو من هو أو منصوب على المدح بِالْقِسْطِ بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إنما كرر التهليل لوجهين: أحدهما: أنه ذكر أولا الشهادة بالوحدانية، ثم ذكرها ثانيا بعد ثبوتها بالشهادة المتقدمة، والآخر: أن ذلك تعليم لعباده ليكثروا من قولها إِنَّ الدِّينَ بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ الآية: إخبار أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق من أجل البغي، وهو الحسد، والآية في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل: فيهما سَرِيعُ الْحِسابِ قد تقدّم معناه في البقرة وهو هنا تهديد، ولذلك وقع في جواب من يكفر فَإِنْ حَاجُّوكَ أي جادلوك في الدين،

стр. 144

والضمير لليهود ونصارى نجران أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ أي أخلصت نفسي وجملتي لِلَّهِ وعبّر بالوجه على الجملة ومعنى الآية: إقامة الحجة عليهم لأن من أسلم وجهه لله فهو على الحق بلا شك، فسقطت حجة من خالفه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت ويجوز أن يكون مفعولا معه أَأَسْلَمْتُمْ تقرير بعد إقامة الحجة عليهم أي: قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تسلموا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة ربك، فإذا أبلغتها فقد فعلت ما عليك، وقيل: إن فيها موادعة نسختها آية السيف إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ الآية: نزلت في اليهود والنصارى توبيخا لهم، ووعيدا على قبح أفعالهم، وأفعال أسلافهم الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ هم اليهود، والكتاب هنا التوراة، أو جنس يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ قال ابن عباس: دخل رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم على جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد، فقالوا له على أي دين أنت؟ فقال لهم: على دين إبراهيم، فقالوا: إنّ إبراهيم كان يهوديا، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم: فهلمّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه فنزلت الآية، فكتاب الله على هذا التوراة، وقيل: هو القرآن: كان النبي صلّى الله عليه واله وسلّم يدعوهم إليه فيعرضون عنه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ الإشارة إلى إعراضهم عن كتاب الله والباء سببية: والمعنى أن كفرهم بسبب اعتراضهم وأكاذيبهم، والأيام المعدودات قد ذكرت في البقرة فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة، والمعنى: تهويل واستعظام لما أعدّ لهم اللَّهُمَّ منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين، ولذلك لا يجتمعان، وقال الكوفيون: أصله يا الله أمّنا بخير فالميم عندهم من أمّنا مالِكَ الْمُلْكِ منادى عند سيبويه، وأجاز الزجاج أن يكون صفة لاسم الله وقيل إنّ الآية نزلت ردّا على النصارى في قولهم: إنّ عيسى هو الله «لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى، وقيل: لما أخبر النبي ﷺ أن أمته يفتحون ملك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، فنزلت الآية بِيَدِكَ الْخَيْرُ قيل: المراد بيدك الخير والشر، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقيل: إنما خص الخير بالذكر، لأنّ الآية في معنى دعاء ورغبة

стр. 145

فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظي منه تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قال عبد الله بن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة، وقال عكرمة: هي إخراج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وقيل: يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، فالحياة والموت على هذا استعارة، وفي ذكر الحي من الميت المطابقة، وهي من أدوات البيان، وفيه أيضا القلب لأنه قدم الحيّ على الميت، ثم عكس بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تضييق وقيل: بغير محاسبة لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الآية. عامة في جميع الأعصار، وسببها ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ تبرؤ ممن فعل ذلك، ووعيد على موالاة الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله في شيء، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن تُقاةً وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين. وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في تتقوا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ تخويف يَوْمَ تَجِدُ منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: أذكروا أو خافوا وقيل: العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف أَمَداً أي مسافة وَاللَّهُ رَؤُفٌ ذكر بعد التحذير تأنيسا لئلا يفرط [في] الخوف، أو لأن التحذير والتنبيه رأفة فَاتَّبِعُونِي جعل اتباع النبي ﷺ علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، وقيل إنّ الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى ﵇، وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح ﵉ تكميلا للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجا إلى ذكر عمران والد مريم أم عيسى ﵇، وقيل: إنّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك
следующие страницы →