والباء في به سببية، أو كقولك: كتبت بالقلم لأنّ الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لا ناهية أو نافية، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا، والأوّل أظهر أَنْداداً «١» يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جلّ وعلا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي: وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق، ويتعلق قوله بلا تجعلوا بما تقدّم من البراهين، ويحتمل أن يتعلق بقوله: «اعبدوا» والأوّل أظهر.
فوائد ثلاث
الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين: أحدهما: إقامة البراهين بخلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والسموات. والآخر: ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوّلا ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم، لأنّ الخالق يستحق أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشا والسماء بناء، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات، لأنّ المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: جعل لكم، ورزقا لكم: يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع.
الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها: فلا تجعلوا لله أندادا، وذلك هو الذين يترجم عنه بقولنا: لا إله إلّا الله، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول لا إله إلّا الله تكون في القرآن ذكر المخلوقات «٢» ، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار، وذلك أنها تدلّ بالعقل على عشرة أمور. وهي: أنّ الله موجود، لأنّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد لا شريك له، لأنه لا خالق إلّا هو أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] وأنه حيّ قدير عالم مريد، لأنّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع. إذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها، وأنه قديم لأنه صانع للمحدثات، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث، وأنه باق، لأنّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، وأنه حكيم، لأنّ آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت، وأنه رحيم، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما في السموات وما في الأرض. وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته، فإن قيل لم قصر الخطاب بقوله لعلكم تتقون على
стр. 72
المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟ فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع، فإن قيل: هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا؟ فالجواب أنّ التقوى غاية العبادة وكمالها، فكان قوله: لعلكم تتقون أبلغ وأوقع في النفوس
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ الآية إثبات لنبوّة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم بإقامة الدليل على أنّ القرآن جاء به من عند الله، فلما قدّم إثبات الألوهية أعقبها بإثبات النبوّة، فإن قيل: كيف قال إن كنتم في ريب، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟
فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أنّ الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى لا رَيْبَ فِيهِ عَلى عَبْدِنا هو النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، والعبودية على وجهين: عامة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصة وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد. ولله در القائل:
لا تدعني إلّا بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي
فَأْتُوا بِسُورَةٍ أمر يراد به التعجيز مِنْ مِثْلِهِ الضمير عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل يعود على النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحكم العجيبة والبراهين الواضحة شُهَداءَكُمْ آلهتكم أو أعوانكم أو من يشهد لكم مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله، وقيل: هو من الدين الحقير، فهو مقلوب اللفظ وَلَنْ تَفْعَلُوا اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير «١» مصداقه في الوجود إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى، وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين:
أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح، والثاني: أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على الوجهين، وقد بيّنا سائر وجوه إعجازه في المقدّمة فَاتَّقُوا النَّارَ أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبر باللازم عن ملازمه، لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف وَقُودُهَا حطبها الْحِجارَةُ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدّة حرها وقبح رائحتها، وقيل الحجارة المعبودة، وقيل الحجارة على الإطلاق أُعِدَّتْ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافا لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة
وَبَشِّرِ يحتمل أن تكون خطابا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم، أو خطابا لكل
стр. 73
أحد، ورجّح الزمخشري هذا لأنه أفخم الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه، خلافا لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافا للمرجئة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تحت أشجارها وتحت مبانيها، وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل وهكذا تفسيره وقع، وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً من الأولى: للغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس، ومن الثانية: لبيان الجنس، مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا، بدليل قولهم: «إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين» [الطور: ٢٦] في الدنيا، فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيرا منها في المطعم والمنظر وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أي يشبه ثمر الدنيا في جنسه، وقيل يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في المطعم، والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى مُطَهَّرَةٌ من الحيض وسائر الأقذار، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق لا يَسْتَحْيِي تأوّل قوم أن معناه لا يترك، لأنهم زعموا أنّ الحياء مستحيل على الله لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر، وليس كذلك وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب، ويردّ عليهم قوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «إنّ الله حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا» «١» أَنْ يَضْرِبَ سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت، عاب الكفار على ذلك، وقيل: المثلين المتقدّمين في المنافقين تكلموا في ذلك فنزلت الآية ردّا عليهم «٢» مَثَلًا ما بَعُوضَةً إعراب بعوضة مفعول بيضرب، ومثلا حال، أو: مثلا مفعول، وبعوضة بدل منه أو عطف بيان، أو هما مفعولان بيضرب لأنها على هذا المعنى تتعدّى إلى مفعولين، وما صفة للنكرة أو زائدة فَما فَوْقَها في الكبر، وقيل: في الصغر، والأول أصح فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة: وضرب أمثال، وبيان للناس، ولأنّ الصادق جاء بها من عند الله ماذا أَرادَ اللَّهُ لفظه الاستفهام، ومعناه الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب، وفي إعراب ماذا: وجهان أن تكون ما مبتدأ، وذا خبره وهي موصولة، وأن تكون كلمة مركبة في موضع نصب على المفعول بأراد، ومثلا منصوب على الحال أو التمييز يُضِلُّ بِهِ من كلام الله جوابا للذين قالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا، وهو أيضا تفسير لما أراد الله
стр. 74
بضرب المثل من الهدى والضلال
عَهْدَ اللَّهِ مطلق في العهود وكذلك ما بعده من القطع والفساد، ويحتمل أن يشار بنقض عهد الله إلى اليهود، لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم، ويشار بقطع ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قريش لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين لأن الفساد من أفعالهم، حسبما تقدّم في وصفهم مِيثاقِهِ الضمير للعهد أو لله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ موضعها الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أي معدومين أي: في أصلاب الآباء، أو نطفا في الأرحام فأحياكم أي أخرجكم إلى الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ الموت المعروف ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء، وقيل: الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد، وقيل: في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول الأول لتعينه في قوله: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الحج: ٦٦] .
فوائد ثلاثة
الأولى: هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم، فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله. الثانية: قوله وَكُنْتُمْ أَمْواتاً في موضع الحال، فإن قيل: كيف جاز ترك قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام. كأنه يقول: وحالهم هذه. فلذلك لم تلزم قد. الثالثة: عطف فأحياكم بالفاء لأنّ الحياة إثر العدم ولا تراخي بينهما، وعطف ثم يميتكم وثم يحييكم بثم للتراخي الذي بينهما خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ دليل على إباحة الانتفاع بما في الأرض ثُمَّ اسْتَوى أي قصد لها والسماء هنا جنس ولأجل ذلك أعاد عليها بعد ضمير الجماعة فسوّاهنّ أي أتقن خلقهن: كقوله: فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار: ٧] ، وقيل جعلهنّ سواء.
(فائدة) هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٣٠] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما: أنّ الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر: تكون ثم لترتيب الأخبار
لِلْمَلائِكَةِ جمع ملك واختلف في وزنه فقيل: فعل فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا
стр. 75
مفاعلة وقيل: هي من الألوكة وهي الرسالة، فوزنه مفعل ووزنه مألك ثم حذفت الهمزة ووزن ملائكة على هذا مفاعلة، ثم قلبت وأخرت الهمزة فصار مفاعلة وذلك بعيد خَلِيفَةً هو آدم ﵇ لأنّ الله استخلفه في الأرض، وقيل ذريته لأنّ بعضهم يخلف بعضا، والأوّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال خلفاء أَتَجْعَلُ فِيها الآية: سؤال محض لأنهم استبعدوا أن يستخلف الله من يعصيه، وليس فيه اعتراض لأنّ الملائكة منزهون عنه، وإنما علموا أنّ بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جنّ فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم. فقاس الملائكة بني آدم عليهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ اعتراف، والتزام للتسبيح لا افتخار بِحَمْدِكَ أي حامدين لك والتقدير: نسبح متلبسين بحمدك، فهو في موضع الحال وَنُقَدِّسُ لَكَ يحتمل أن تكون الكاف مفعولا، ودخلت عليها اللام كقولك. ضربت لزيدا، وأن يكون المفعول محذوفا، أي نقدسك على معنى: ننزهك أو نعظمك، وتكون اللام في ذلك للتعليل أي لأجلك، أو يكون التقدير: نقدس أنفسنا أي نطهرها لك ما لا تَعْلَمُونَ أي ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء وغير ذلك من المصالح والحكمة الْأَسْماءَ كُلَّها أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء أَنْبِئُونِي أمر على وجه التعجيز إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء لا عِلْمَ لَنا اعتراف أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء اسْجُدُوا لِآدَمَ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة فسجدوا روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكا. ومنقطع عند من قال:
كان من الجن «١» اسْتَكْبَرَ لقوله: أنا خير منه وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قيل: كفر بإباءته من السجود، وذلك بناء على أن المعصية كفر. والأظهر: أنه كفر باعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية
وَزَوْجُكَ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال زوجة، وزوج هنا أفصح الْجَنَّةَ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند
стр. 76
أهل السنة، خلافا لمن قال: هي غيرها لا تَقْرَبا النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّا للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع الشَّجَرَةَ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين «١» ، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم فَتَكُونا عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي فَأَزَلَّهُمَا متعدّ من أزل القدم، وأزالهما بالألف من الزوال عَنْها الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.
فائدة: اختلفوا في أكل آدم من الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان: لقوله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذ أكل منها، وهذا باطل لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمدا وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من جنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذبا اهْبِطُوا خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: بعضكم لبعض عدوّ مُسْتَقَرٌّ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت وَمَتاعٌ ما يتمتع به إِلى حِينٍ إلى الموت فَتَلَقَّى أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة «٢» ، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء كَلِماتٍ هي قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ، بدليل ورودها في الأعراف: ٢٣ وقيل غير ذلك اهْبِطُوا كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته فَمَنْ تَبِعَ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين
يا بَنِي إِسْرائِيلَ لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.
فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:
٤٩] ، وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: ٥٠] ، وبَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة: ٥٦] ،
стр. 77
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ [البقرة: ٥٧] ، وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [البقرة: ٥٧] ، ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ [البقرة: ٥٢] ، فَتابَ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٥٤] ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: ٥٨] ، وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: ٥٣] ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة: ٦٠] .
وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قولهم سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.
وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزا من السماء، وأخذتكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب [به] المعاصرون لمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ العاندين لمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.
نِعْمَتِيَ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعا بِعَهْدِي مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام بِعَهْدِكُمْ دخول الجنة وَإِيَّايَ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون، ولا يصح أن يعمل فيه فارهبون لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون بِما أَنْزَلْتُ يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي مصدّقا للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيرها، وتصديق محمد صلّى الله عليه واله وسلّم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلّى الله عليه واله وسلّم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهي عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال لأن هذا مفهوم معطل بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا:
стр. 78
الاشتراء هنا استعارة في الاستبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رئاستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، وغير ذلك، وقيل:
كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن
الْحَقَّ بِالْباطِلِ الحق هنا يراد به نبوّة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها. وَتَكْتُمُونَ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعلمون أنه حق الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر بالدخول في الإسلام وَارْكَعُوا خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد مَعَ الرَّاكِعِينَ مع المسلمين فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.
أَتَأْمُرُونَ تقريع وتوبيخ لليهود بِالْبِرِّ عام في أنواعه فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم تَنْسَوْنَ أي تتركون، وهذا تقريع تَتْلُونَ الْكِتابَ حجة عليهم أَفَلا تَعْقِلُونَ توبيخ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قيل:
معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» «١» ونعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء وَإِنَّها الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة لَكَبِيرَةٌ أي شاقة صعبة يَظُنُّونَ هنا: يتيقنون عَلَى الْعالَمِينَ أي أهل زمانهم، وقيل: تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك
стр. 79
لا تَجْزِي لا تغني. وشيئا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ليس نفي الشفاعة مطلقا، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد صلّى الله عليه واله وسلّم لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] ولقوله: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] ولقوله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم يستأذن في الشفاعة فيقال له: اشفع تشفع. فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقا يحمل على هذا لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة عَدْلٌ هنا فدية وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تقديره: اذكروا إذ نجيناكم أي: نجينا آباءكم، وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم منهم لأنهم ذرّيتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا من تعداد النعم، لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، ومن ذكر مساويهم لأنّ ذرّيتهم راضون بها مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ المراد من فرعون واله، وحذف لدلالة المعنى، وآل فرعون هم جنوده وأشياعه وآل دينه لا قرابته خاصة، ويقال إنّ اسمه الوليد بن مصعب، وهو من ذرّية عمليق، ويقال فرعون لكل من ولي مصر، وأصل آل: ثم هل أبدلت من الهاء همزة وأبدل من الهمزة ألف.
فائدة: كل ما ذكره في هذه الصور من الأخبار معجزات للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم لأنه أخبر بها من غير تعلم يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يلزمونهم به، وهو استعارة من السوم في البيع، وفسر سوء العذاب بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ولذلك لم يعطفه هنا، وأما حيث عطفه في سورة إبراهيم فيحتمل أن يراد بسوء العذاب غير ذلك بل فيكون عطف مغايرة، أو أراد به ذلك، وعطف لاختلاف اللفظة، وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل «١» وقيل إنّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم بأن يجعل في ذرّيته ملوكا وأنبياء فحسدوهم على ذلك، وروي أنه وكل بالنساء رجالا يحفظون من تحمل منهنّ، وقيل: بل وكّل على ذلك القوابل، ولأجل هذا قيل معنى يستحيون: يفتشون الحياة ضدّ الموت فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فصلناه وجعلناه فرقا اثنى عشر طريقا، على عدد الأسباط، والباء سببية أو للمصاحبة، والبحر المذكور هنا: هو بحر القلزم «٢»
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً هي شهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما
стр. 80
خصّ الليالي بالذكر لأنّ العام بها «١» ، والأيام تابعة لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ اتخذتموه إلها، فحذف لدلالة المعنى مِنْ بَعْدِهِ أي بعد غيبته في الطور الْكِتابَ هنا التوراة وَالْفُرْقانَ أي المفرق بين الحق والباطل، وهو صفة للتوراة، عطف عليها لاختلاف اللفظ، وقيل الفرقان هنا فرق البحر، وقيل آتينا موسى التوراة وآتينا محمدا الفرقان «وهذا بعيد لما فيه من الحذف من غير دليل عليه فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي يقتل بعضكم بعضا كقوله: «سلموا على أنفسكم» ، وروي أنّ الظلام ألقي عليهم فقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ القتلى سبعون ألفا فعفى الله عنهم. وإنما خص هنا اسم الباري لأنّ فيه توبيخا للذين عبدوا العجل كأنه يقول كيف عبدتم غير الذي برأكم، ومعنى الباري:
الخالق فَتابَ عَلَيْكُمْ قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي:
ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ تعدى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد جَهْرَةً عيانا الصَّاعِقَةُ الموت، وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء أدبهم، وجراءتهم على الله، وَظَلَّلْنا أي جعلنا الغمام فوقهم كالظلة يقيهم حرّ الشمس، وكان ذلك في التيه، وكذا أنزل عليه فيه المنّ والسلوى تقدّم في اللغات «٢» كُلُوا معمول لقول محذوف هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل قريب من بيت المقدس فَكُلُوا جاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول، وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله:
اسكنوا، لأنّ الدخول لا يتأتى معه السجود، وقيل متواضعين حِطَّةٌ تقدّم في اللغات وَسَنَزِيدُ أي نزيدهم أجرا إلى المغفرة
فَبَدَّلَ روي أنه قالوا: حنطة، وروي: حبة في شعرة الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني المذكورين، وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمّهم بالظلم،
стр. 81
وكرره زيادة في تقبيح أمرهم رِجْزاً روي أنهم أصابهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا اسْتَسْقى طلب السقيا لما عطشوا في التيه الْحَجَرَ كان مربعا ذراعا في ذراع: تفجر من كل جهة ثلاث عيون، وروي أنّ آدم كان أهبطه من الجنة، وقيل هو جنس غير معين، وذلك أبلغ في الإعجاز فَانْفَجَرَتْ قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت مَشْرَبَهُمْ أي موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سبطا لكل سبط عين كُلُوا أي من المنّ والسلوى، واشربوا من الماء المذكور فُومِها هي الثوم، وقيل: الحنطة أَدْنى من الدنيء الحقير، وقيل: أصله أدون، ثم قلب بتأخير عينه وتقديم لامه مِصْراً قيل البلد المعروف وصرف لسكون وسطه «١» . وقيل: هو غير معين فهو نكرة لما روي أنهم نزلوا بالشام. ضُرِبَتْ أي قضى عليهم بها، وألزموها. وجعله الزمخشري استعارة من ضرب القبة لأنها تعلو الإنسان وتحيط به الْمَسْكَنَةُ الفاقة، وقيل: الجزية ذلِكَ بِأَنَّهُمْ الإشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، والباء للتعليل بِآياتِ اللَّهِ الآيات المتلوات أو العلامات بِغَيْرِ الْحَقِّ معلوم أنه لا يقتل نبي إلّا بغير حق، وذلك أفصح [وقرأ نافع وحده: النبيئين] .
فائدة: قال هنا بِغَيْرِ الْحَقِّ بالتعريف باللام للعهد، لأنه قد تقررت الموجبات لقتل النفس، وقال في الموضع الآخر من آل عمران «بغير حق» بالتنكير لاستغراق النفي، لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم.
ذلِكَ بِما عَصَوْا يحتمل أن يكون تأكيدا للأول، وتكون الإشارة بذلك إلى القتل والكفر، والباء للتعليل. أي اجترءوا على الكفر وقتل الأنبياء لما انهمكوا في العصيان والعدوان
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الآية. قال ابن عباس: نسختها وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥] وقيل معناها: أن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانا صحيحا فله أجره، فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام، فلا نسخ، وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلّى الله عليه واله وسلّم فلا نسخ مَنْ آمَنَ مبتدأ، خبره: فلهم أجرهم. والجملة خبر أن، أو من آمن
стр. 82
بدل، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ خبر أن وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم بِقُوَّةٍ جدّ في العلم بالتوراة أو العمل بها اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اصطادوا فيه الحوت وكان محرما عليهم كُونُوا قِرَدَةً عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خبر ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب فَجَعَلْناها الضمير للفعلة وهي المسخ نَكالًا أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدّم ومن تأخر أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قصتها أن رجلا من بني إسرائيل قتل قريبه ليرثه، وادّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً جفاء وقلة أدب، وتكذيب فارِضٌ مسنة بِكْرٌ صغيرة عَوانٌ متوسطة بَيْنَ ذلِكَ أي بين ما ذكر، ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين: صَفْراءُ من الصفرة المفروقة، وقيل سوداء:
وهو بعيد، والظاهر صفراء كلها. وقيل: القرن والظلف فقط، وهو بعيد فاقِعٌ شديد الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ لحسن لونها، وقيل لسمنها ومنظرها كله لا ذَلُولٌ غير مذللة للعمل تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ لا يسقى عليها مُسَلَّمَةٌ من العمل أو من العيوب لا شِيَةَ لا لمعة غير الصفرة، وهو من وشى ففاؤه واو محذوفة كعدة الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ العامل في الضرب جئت بالحق، وقيل: العامل فيه مضمر تقديره الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: أتتخذنا هزوا: هكذا فهذا تصديق وإن كان غير ذلك، فالمعنى الحق المبين وَما كادُوا لعصيانهم وكثرة سؤالهم، أو لغلاء البقرة، فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها بوزنها ذهبا، أو لقلة وجود تلك الصفة، فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة أجزأت عنهم، ولكنه شدّدوا فشدّد عليهم
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هو أوّل قصة البقرة فمرتبته التقديم (إن الله
стр. 83
يأمركم) قال الزمخشري: إنما أخر لتعدّد توبيخهم لقصتين وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس ولو قدّم لكان قصة واحدة بتوبيخ واحد فَادَّارَأْتُمْ أي اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من أمر القتيل ومن قتله اضْرِبُوهُ
القتيل أو قريبه بِبَعْضِها
مطلقا، وقيل: الفخذ وقيل: اللسان، وقيل: الذنب كَذلِكَ
إشارة إلى حياة القتيل، واستدلال بها على الإحياء للبعث، وقبله محذوف لا بدّ منه تقديره: ففعلوا ذلك فقام القتيل.
فائدة: استدل المالكية بهذه القصة على قبول قول المقتول: فلان قتلني، وهو ضعيف، لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم، فلا يتأتى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، واستدلوا أيضا بها على أن: القاتل لا يرث، ولا دليل فيها على ذلك «١» قَسَتْ قُلُوبُكُمْ: خطابا لبني إسرائيل مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات أَوْ أَشَدُّ عطف على موضع الكاف أو خبر ابتداء، أي: هي أشدّ، وأو هنا إما للإبهام أو للتخيير: كأن علم حالها مخيّر بين أن يشبهها بالحجارة، أو بما هو أشدّ قسوة كالحديد، أو التفضيل أي: فهم أقسى مع أن فعل القسوة ينبني منه أفعل، لكون أشدّ أدلّ على فرط القسوة وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ الآية تفضيل الحجارة على قلوبهم يَهْبِطُ أي يتردّى من علو إلى أسفل، والخشية عبارة عن انقيادها، وقيل: حقيقة وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله أَفَتَطْمَعُونَ خطاب المؤمنين أن يُؤْمِنُوا يعني: اليهود، وتعدّى باللام لما تضمن معنى الانقياد فَرِيقٌ مِنْهُمْ السبعون الذي يسمع كلام الله على الطور ثم حرفوه، وقيل: بنو إسرائيل حرفوا التوراة مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بيان لقبح حالهم قالوا آمنا قالها رجل ادعى الإسلام من اليهود، وقيل: قالوها ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا إلى أخبارهم أَتُحَدِّثُونَهُمْ توبيخ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فيه ثلاثة أوجه بما حكم عليهم من العقوبات، وبما في كتبهم من ذكر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، وبما فتح الله عليهم من الفتح والإنعام، وكل وجه حجة عليهم، ولذلك قالوا: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ قيل: في الآخرة وقيل: أي في حكم ربكم
стр. 84
وما أنزل في كتابه، فعنده بمعنى حكمه أَفَلا تَعْقِلُونَ من بقية كلامهم توبيخا لقولهم
وَلا يَعْلَمُونَ الآية من كلام الله ردّا عليهم وفضيحة لهم وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي الذين لا يقرءون ولا يكتبون فهم لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأنّ الكلام كله عن اليهود إِلَّا أَمانِيَّ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس بِأَيْدِيهِمْ تحقيق لافترائهم ثَمَناً قَلِيلًا عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب أَيَّاماً مَعْدُودَةً أربعين يوما عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام أَتَّخَذْتُمْ الآية: تقرير يقتضي إبطال بَلى تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها وَالَّذِينَ آمَنُوا فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة في النار لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل بأن: لا تَعْبُدُونَ ثم حذفت الباء وأن وَبِالْوالِدَيْنِ يتعلق بإحسان، أو بمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحسانا وَذِي الْقُرْبى القرابة الْيَتامى جمع يتيم:
وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ لا يخرج بعضكم بعضا ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بالميثاق واعترفتم بلزومه وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بأخذ الميثاق عليكم
هؤُلاءِ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالا لازمة تم بها المعنى تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به تَظاهَرُونَ أي
стр. 85
تتعاونون تُفادُوهُمْ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد. وكذلك أسارى بالألف وحذفها «١» جمع أسير وَهُوَ مُحَرَّمٌ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرّم وإِخْراجُهُمْ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم خِزْيٌ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول الْبَيِّناتِ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل، وقيل الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ولقوله صلّى الله عليه واله وسلّم لحسان:
اللهم أيده بروح القدس «٢» تَقْتُلُونَ جاء مضارعا مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلّى الله عليه واله وسلّم لولا أنّ الله عصمه غُلْفٌ جمع أغلف: أي عليها غلاف، وهو الغشاء فلا تفقه بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ردّا عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم فَقَلِيلًا أي إيمانا قليلا ما يُؤْمِنُونَ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أو على أصلها لأن من دخل منهم في الإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو القرآن مُصَدِّقٌ تقدم أن له ثلاثة معان يَسْتَفْتِحُونَ أي ينتصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، وقيل: يستفتحون أي يعرفون الناس النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، والسين على هذا للمبالغة كما في استعجب واستسخر، وعلى الأول للطلب فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا القرآن والإسلام ومحمد صلّى الله عليه واله وسلّم، قال المبرّد: كفروا جوابا لما الأولى والثانية، وأعيدت الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد، وقال الزّجّاج: كفروا جوابا
стр. 86
لما الثانية، وحذف جواب الأولى للاستغناء عنه لذلك، وقال الفرّاء جواب لما الأولى فلما، وجواب الثانية كفر عَلَى الْكافِرِينَ أي عليهم يعني اليهود، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل أن اللعنة بسبب كفرهم، واللام للعهد أو للجنس، فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار بئسما فاعل بئس مضمر، وما مفسرة له، وأن يكفروا: هو المذموم وقال الفرّاء: بئسما مركب كحبّذا وقال الكاسي: ما مصدرية أي اشتراكهم فهي فاعلة
اشْتَرَوْا هنا بمعنى باعوا أَنْ يَكْفُرُوا في موضع خبر ابتداء، أو مبتدأ كاسم المذموم في بئس أو مفعول من أجله، أو بدل من الضمير في به بِما أَنْزَلَ اللَّهُ القرآن أو التوراة لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم أَنْ يُنَزِّلَ في موضع مفعول من أجله مِنْ فَضْلِهِ القرآن والرسالة مَنْ يَشاءُ يعني محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، والمعنى أنهم إنما كفروا حسدا لمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم لما تفضل الله عليه بالرسالة بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ لعبادتهم العجل، أو لقولهم: عزير ابن الله، أو لغير ذلك من قبائحهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ القرآن بِما وَراءَهُ أي بما بعده وهو القرآن فَلِمَ تَقْتُلُونَ ردّا عليهم فيما ادّعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيب لهم، وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارة إلى ثبوته، فكأنه دائم لما رضي هؤلاء به إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرطية بمعنى القدح في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل، أو نافية فيوقف قبلها والأوّل أظهر بِالْبَيِّناتِ يعني المعجزات: كالعصا، وفلق البحر، وغير ذلك اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ذكر هنا على وجه ألزم لهم، والإبطال بقولهم: (نؤمن بما أنزل علينا) وكذلك رفع الطور، وذكر قبل هذا على وجه تعداد النعم لقوله: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [البقرة: ٥٢] وعطفه بثم في الموضعين إشارة إلى قبح ما فعلوه من ذلك مِنْ بَعْدِهِ الضمير لموسى عليه لسلام: أي من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي:
سمعنا قولك وعصينا أمرك، ويحتمل أن يكونوا قالوه بلسان المقال، أو بلسان الحال وَأُشْرِبُوا عبارة عن تمكن حب العجل في قلوبهم، فهو مجاز، تشبيها بشرب الماء، أو بشرب الصبغ في الثوب وفي الكلام محذوف أي أشربوا حب العجل وقيل: إن موسى برد العجل بالمبرد ورمى برادته في الماء فشربوه، فالشرب على هذا حقيقة، ويردّ هذا قوله: في
стр. 87
قلوبهم بِكُفْرِهِمْ الباء سببية للتعليل، أو بمعنى المصابة يَأْمُرُكُمْ إسناد الأمر إلى إيمانهم، فهو مجاز على وجه التهكم، فهو كقولهم أصلاتك تأمرك؟ [هود: ٨٧] كذلك إضافة الإيمان إليهم إِنْ كُنْتُمْ شرط أو نفي
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ بالقلب أو اللسان أو باللسان خاصة، وهذا أمر على وجه التعجيز والتبكيت، لأنه من علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وروي أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، وقيل: إن ذلك معجزة للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم دامت طول حياته وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ إن قيل: لم قال في هذه السورة: ولن يتمنوه، وفي سورة الجمعة: ولا يتمنونه فنفى هنا بلن، وفي الجمعة بلا، فقال أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير، الجواب أنه لما كان الشرط في المغفرة مستقبلا وهو قوله إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً جاء جوابه بلن التي تخص الاستقبال ولما كان الشرط في الجمعة حالا، وهو قوله إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ جاء جوابه بلا: التي تدخل على الحال، أو تدخل على المستقبل بِما قَدَّمَتْ أي لسبب ذنوبهم وكفرهم عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تهديد لهم وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على ما قبله فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة بإفراط حبهم للحياة الدنيا. والآخر أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ فحذف الموصوف، وقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون لملوكهم عش ألف سنة، والأوّل أظهر لأنّ الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج الكلام عنهم وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ الآية: فيها وجهان أحدهما: أن يكون هو عائد على أحدهم، وأن يعمر فاعل لمزحزحه، والآخر: أن يكون هو للتعمير وأن يعمر بدل
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية: سببها أنّ اليهود قالوا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم: جبريل عدوّنا لأنه ملك الشدائد والعذاب فلذلك لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك لأنه ملك الأمطار والرحمة فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فيه وجهان: الأوّل فإنّ الله نزل جبريل، والآخر فإن جبريل نزل القرآن، وهذا أظهر، لأنّ قوله: مصدّقا لما بين يديه من أوصاف القرآن، والمعنى: الردّ على اليهود بأحد وجهين: أحدهما من كان عدوّا لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه لأنه نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله وهدى وبشرى،
стр. 88
والثاني: من كان عدوّا لجبريل فإنما عاداه لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل وَجِبْرِيلَ، وَمِيكالَ ذكرا بعد الملائكة تجديدا للتشريف والتعظيم أَوَكُلَّما الواو للعطف، قال الأخفش: زائدة نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ نزلت في مالك بن الصيف اليهودي وكان قد قال: والله ما أخذ علينا عهد أن نؤمن بمحمد رسول يعني محمدا صلّى الله عليه واله وسلّم كِتابَ اللَّهِ يعني القرآن أو التوراة لما فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم أو المتقدّمين ما تَتْلُوا هو من القراءة أو الأتباع عَلى مُلْكِ أي في ملك أو عهد ملك سليمان وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئة له مما نسبوه إليه، وذلك أنّ سليمان ﵇ دفن السحر ليذهبه فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحرا، وقيل: إنّ الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان وما كفر سليمان بتعليم السحر وبالعمل به أو بنسبته إلى سليمان ﵇ وَما أُنْزِلَ نفي أو عطف على السحر عليهما، إلّا أنّ ذلك يردّه آخر الآية، وإن كانت معطوفة بمعنى الذي فالمعنى أنهما أنزل عليهما ضرب من السحر ابتلاء من الله لعباده، أو ليعرف فيحذر، وقرئ الملكين «بكسر اللام» وقال الحسن:
هما علجان، فعلى هذا يتعين أن تكون ما غير نافية بِبابِلَ موضع معروف هارُوتَ وَمارُوتَ اسمان علمان بدل من الملكين أو عطف بيان إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي محنة، وذلك تحذير من السحر فَلا تَكْفُرْ أي بتعليم السحر، ومن هنا أخذ مالك أنّ الساحر: يقتل كفرا يُفَرِّقُونَ زوال العصمة أو المنع من الوطء يَضُرُّهُمْ أي في الآخرة عَلِمُوا أن اليهود والشياطين: أي اشتغلوا به، وذكر الشراء، لأنهم كانوا يعطون الأجرة عليه شَرَوْا هنا بمعنى باعوا
لَمَثُوبَةٌ من الثواب وهو جواب: لَوْ أَنَّهُمْ وإنما جاء جوابها بجملة اسمية وعدل عن الفعلية لما في ذلك من الدلالة على إثبات الثواب واستقراره. وقيل:
الجواب محذوف أي لأثيبوا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ في الموضعين نفي لعلمهم لا تَقُولُوا راعِنا
стр. 89
كان المسلمون يقولون للنبي ﵌: يا رسول الله راعنا، وذلك من المراعاة أي: راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها: ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي ﵌، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن يقولوا هذه الكلمة لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، فالنهي سدّا للذريعة، وأمروا أن يقولوا: انظرنا، لخلوّه عن ذلك الاحتمال المذموم، فهو من النظر والانتظار، وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير وَاسْمَعُوا عطف على قولوا، لا على معمولها. والمعنى: الأمر بالطاعة والانقياد ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا جنس يعم نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب، ولذلك فسره بهما، ومعنى الآية أنهم: لا يحبون أن ينزل الله خيرا على المسلمين مِنْ خَيْرٍ من للتبعيض، وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: ما يودّ بِرَحْمَتِهِ قيل: القرآن وقيل: النبوة وللعموم أولى، ومعنى الآية: الردّ على من كره الخير للمسلمين ما نَنْسَخْ نزل حكمه ولفظه أو أحدهما، وقرئ بضم النون أي نأمر بنسخه أَوْ نُنْسِها من النسيان، وهو ضدّ الذكر: أي ينساها النبي صلّى الله عليه واله وسلّم بإذن الله كقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦/ ٧] أو بمعنى الترك: أي نتركها غير منزلة: أي غير منسوخة، وقرئ بالهمز بمعنى التأخير: أن نؤخر إنزالها أو نسخها بِخَيْرٍ في خفة العمل، أو في الثواب قَدِيرٌ استدلال على جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافا لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوه «١» على الله. وهو جائز عقلا، وواقع شرعا فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم له أرنا الله جهرة
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي تمنوا، ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردّوهم عن الإسلام حَسَداً مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل في ما قبله، فيجب وصله معه، وقيل:
هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسدا، فعلى هذا يوقف على ما قبله،
стр. 90
والأوّل أظهر وأرجح مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يتعلق بحسدا وقيل: بيودّ فَاعْفُوا منسوخ بالسيف بِأَمْرِهِ يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ الآية: أي قالت اليهود:
لن يدخل الجنة إلّا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلّا من كان نصرانيا هُوداً يعني اليهود، وهذه الكلمة جمع هائد أو مصدر وصف به، وقال الفرّاء: حذفت منه يا هودا على غير قياس أَمانِيُّهُمْ أكاذيبهم أو ما يتمنونه هاتُوا أمر على وجه التعجيز، والردّ عليهم، وهو من: هاتي، يهاتي، ولم ينطق به، وقيل: أصله آتوا، وأبدل من الهمزة هاء بَلى إيجاب لما نفوا أي يدخلها من ليس يهوديا، ولا نصرانيا مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي دخل في الإسلام وأخلص، وذكر الوجه لشرفه والمراد جملة الإنسان وَقالَتِ الْيَهُودُ الآية: سببها: اجتماع نصارى نجران مع يهود المدينة فذمّت كل طائفة الأخرى وَهُمْ يَتْلُونَ تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب الذين لا يَعْلَمُونَ المشركون من العرب لأنهم لا كتاب لهم مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ لفظه الاستفهام ومعناه: لا أحد أظلم منه حيث وقع قريش منعت الكعبة، أو النصارى منعوا بيت المقدس أو على العموم خائِفِينَ في حق قريش لقوله ﵌: لا يحج بعد هذا العام مشرك «١» في حق النصارى حربهم عند بيت المقدس أو الجزية خِزْيٌ في حق قريش غلبتهم وفتح مكة، وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس أو الجزية فَأَيْنَما تُوَلُّوا في الحديث الصحيح أنهم صلوا ليلة في سفر إلى غير القبلة بسبب الظلمة فنزلت، وقيل: هي في نفل المسافر حيث ما توجهت به دابته، وقيل: هي راجعة إلى ما قبلها: أي إن منعتم من مساجد الله فصلوا حيث كنتم، وقيل: إنها احتجاج على من أنكر تحويل القبلة، فهي كقوله بعد هذا: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الآية والقول الأوّل هو الصحيح، ويؤخذ منه أن من أخطأ القبلة، فلا تجب عليه الإعادة، وهو مذهب مالك وَجْهُ اللَّهِ المراد به هنا رضاه كقوله: ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي رضاه، وقيل: معناه الجهة التي وجهه إليها، وأما قوله:
стр. 91
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧] فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويردّ علمه إلى الله، وقال الأصوليون: هو عبارة عن الذات أو عن الوجود، وقال بعضهم: هو صفة ثابتة بالسمع
وَقالُوا اتَّخَذَ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت الصابئون وبعض العرب:
الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ تنزيه له عن قولهم بَلْ لَهُ الآية ردّ عليهم لأنّ الكل ملكه، والعبودية تنافي النبوة قانِتُونَ أي طائعون منقادون بَدِيعُ السَّماواتِ أي مخترعها وخالقها ابتداء وإذا قضى أمرا أي قدّره وأمضاه، قال ابن عطية: يتحد في الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة: قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد، قلت: لا يكون قضى هنا بمعنى قدّر، لأن القدر قديم، وإذا: تقتضي الحدوث والاستقبال، وذلك يناقض القدم، وإنما قضى هنا بمعنى: أمضى أو فعل أو وجد كقوله: فقضاهنّ سبع سموات، وقد قيل إنه بمعنى ختم الأمر، وبمعنى حكم، والأمر هنا بمعنى الشيء، وهو واحد الأمور، وليس بمصدر أمر يأمر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قال الأصوليون: هذا عبارة عن نفوذ قدرة الله تعالى: وليس بقول حقيقي، لأنه إن كان قول:
كن خطابا للشيء في حال عدمه، لم يصح لأن المعدوم لم يخاطب، وإن كان خطابا في حال وجوده لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير مطلوب. وحمله المفسرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة: أحدها: أن الشيء الذي يقول له: كن فيكون هو موجود في علم الله وإنما يقول له: كن ليخرجه إلى العيان لنا، والثاني: أن قوله: كن لا يتقدّم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه. قاله الطبري، والثالث: أنّ ذلك خطابا لمن كان موجودا على حالة، فيأمر بأن يكون على حالة أخرى كإحياء الموتى، ومسخ الكفار، وهذا ضعيف. لأنه تخصيص من غير مخصص. والرابع: أن معنى يقول له: يقول من أجله، فلا يلزم خطابه:
والأوّل أحسن هذه الأجوبة، وقال ابن عطية: تلخيص المعتقد في هذه الآية أن الله لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، فيكون رفع على الاستثناء، قال سيبويه: معناه فهو يكون، قال غيره: يكون عطف على يقول، واختاره الطبري، وقال ابن عطية: وهو فاسد من جهة المعنى، ويقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وفي هذا نظر
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هم هنا وفي الموضع الأول كفار العرب على الأصح، وقيل: هم اليهود والنصارى لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ لولا هنا عرض، والمعنى أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلمنا الله أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي دلالة من المعجزات كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: ٩] وما بعده كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني اليهود والنصارى على القول: بأن
стр. 92
الذين لا يعلمون كفار العرب، وأما على القول بأن الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، فالذين من قبلهم هم أمم الأنبياء المتقدمين تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ الضمير للذين لا يعلمون، وللذين من قبلهم، وتشابه قلوبهم في الكفر أو في طلب ما لا يصح أن يطلب، وهو كقولهم: لولا يكلمنا الله قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ أخبر تعالى أنه قد بين الآيات لعنادهم إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ خطابا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم، والمراد بالحق التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة بَشِيراً وَنَذِيراً تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين بالنار، وهذا معناه حيث وقع وَلا تُسْئَلُ بالجزم نهي «١» ، وسببها أن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم سأل عن حال آبائه في الآخرة فنزلت، وقيل: إن ذلك على معنى التهويل كقولك: لا تسأل عن فلان لشدّة حاله، وقرأ غير نافع بضم التاء واللام: أي لا تسأل في القيامة عن ذنوبهم مِلَّتَهُمْ ذكرها مفردة وإن كانت ملتين لأنهما متفقتان في الكفر، فكأنهما ملة واحدة قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى لا ما عليه اليهود والنصارى، والمعنى: أن الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى الحقيقي لأنه هدى من عند الله بخلاف ما يدّعيه اليهود والنصارى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ جمع هوى، ويعني به ما هم عليه من الأديان الفاسدة والأقوال المضلة لأنهم اتبعوها بغير حجة بل بهوى النفوس والضمير لليهود والنصارى، والخطاب لمحمد ﷺ ، وقد علم الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك، فهو على معنى الفرض والتقدير، ويحتمل أن يكون خطابا له ﷺ ، والمراد غيره الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني المسلمين، والكتاب على هذا: القرآن، وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب على هذا التوراة، ويحتمل العموم، ويكون الكتاب اسم جنس يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرءونه كما يجب من التدبر له والعمل به، وقيل: معناه يتبعونه حق إتباعه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والأوّل أظهر، فإن التلاوة وإن كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتباع فإنه أظهر في معنى القراءة، لا سيما إذا كانت تلاوة الكتاب، ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، ويكون الخبر أولئك يؤمنون، وهذا أرجح، لأن مقصود الكلام الثناء عليهم بالإيمان، أو إقامة الحجة بإيمانهم على غيرهم ممن لم يؤمن يا بَنِي إِسْرائِيلَ الآية: تقدّم الكلام على نظيرتها
وَإِذِ ابْتَلى أي
стр. 93
اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره أذكر، وقوله بِكَلِماتٍ قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ذكرت في براءة من قوله: التائبون العابدون، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن المسلمين والمسلمات، وعشرة في المعارج من قوله: إلّا المصلين فَأَتَمَّهُنَّ أي عمل بهنّ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي استفهام أو رغبة عَهْدِي الإمامة الْبَيْتَ الكعبة مَثابَةً اسم مكان من قولك: ثاب إذا رجع، لأنّ الناس يرجعون إليه عاما بعد عام وَاتَّخِذُوا بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم ﵇، وبالكسر إخبار لهذه الأمّة «١» ، وافق قول عمر ﵁: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى «٢» ، وقيل أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: اذكروا نعمتي، وهذا بعيد مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ هو الحجر الذي صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام وَعَهِدْنا عبارة عن الأمر والوصية طَهِّرا بَيْتِيَ عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقوله: أسس على التقوى، وقيل: المعنى طهراه عن عبادة الأصنام لِلطَّائِفِينَ هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأوّل أظهر وَالْعاكِفِينَ هم المعتكفون في المسجد، وقيل: المصلون، وقيل: المجاورون من الغرباء، وقيل: أهل مكة، والعكوف في اللغة: اللزوم بَلَداً يعني مكة آمِناً أي مما يصيب غيره من الخسف والعذاب، وقيل: آمنا من إغارة الناس على أهله، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرضون لأهل مكة، وهذا أرجح لقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [القصص: ٥٧] ، فإن قيل: لم قال في البقرة بَلَداً آمِناً فعرّف في إبراهيم [٣٥] ونكّر في البقرة؟ أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة الجواب الأوّل: قاله أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير، وهو أنه تقدّم في البقرة ذكر البيت في قوله: القواعد من البيت «٣» ، وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه، فلم يحتج إلى تعريف، بخلاف آية إبراهيم، فإنها لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف.
стр. 94
الجواب الثاني قاله السهيلي: وهو أن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: البلد بلام التعريف التي للحضور: كقولك: هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم ﵇، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة «الجواب الثالث» قاله بعض المشارقة [وهو] أنه قال:
هذا بلدا آمنا قبل أن يكون بلدا، فكأنه قال اجعل هذا الموضع بلدا آمنا، وقال: هذا البلد بعد ما صار بلدا. وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه مرة واحدة حكي لفظه فيها على وجهين مَنْ آمَنَ بدل بعض من كل ومن كفر أي قال الله وأرزق من كفر لأنّ الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا على حذف القول أي يقولان ذلك وَأَرِنا مَناسِكَنا علمنا موضع الحج وقيل: العبادات فِيهِمْ أي في ذرّيتنا رَسُولًا مِنْهُمْ هو محمد صلّى الله عليه واله وسلّم، ولذلك قال صلّى الله عليه واله وسلّم: أنا دعوة أبي إبراهيم «١» والضمير المجرور لذرية إبراهيم وإسماعيل وهم العرب الذين من نسل عدنان، وأما الذين من قحطان فاختلف هل هم من ذرّية إسماعيل أم لا آياتِكَ هنا القرآن وَالْحِكْمَةَ هنا هي السنة وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من الكفر والذنوب سَفِهَ نَفْسَهُ منصوب على التشبيه بالمفعول به، وقيل: الأصل في نفسه ثم حذف الجار فانتصب وقيل: تمييز وَوَصَّى بِها أي بالكلمة والملة ويعقوب بالرفع عطف على إبراهيم، فهو موصي، وقرئ بالنصب عطفا على نبيه فهو موصى أَمْ كُنْتُمْ أم هنا منقطعة معناها الاستفهام والإنكار، وإسماعيل كان عمه، والعم يسمى أبا وَقالُوا كُونُوا أي قالت اليهود كونوا هودا وقالت النصارى كونوا نصارى بَلْ مِلَّةَ منصوب بإضمار فعل
لا نُفَرِّقُ أي لا نؤمن بالبعض دون
стр. 95
البعض، وهذا برهان، لأن كل من أتى بالمعجزة فهو نبيّ فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض فَسَيَكْفِيكَهُمُ وعد ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك صِبْغَةَ اللَّهِ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة إبراهيم كَتَمَ شَهادَةً من الشهادة بأن الأنبياء على الحنيفية مِنَ اللَّهِ يتعلق بكتم أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله.
سَيَقُولُ ظاهره الإعلام بقولهم قبل وقوعه، إلّا أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم السُّفَهاءُ هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون ما وَلَّاهُمْ أي ما ولى المسلمين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ردّا عليهم لأنّ الله يحكم ما يريد، ويولي عباده حيث شاء، لأنّ الجهات كلها له وَكَذلِكَ بعد ما هديناكم جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي خيارا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي بأعمالكم، قال ﵊ أقول كما قال أخي عيسى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: ١١٧] الآية، فإن قيل: لم قدّم المجرور في قوله عليكم شهيدا وأخره في قوله: شهداء على الناس؟ فالجواب: أنّ تقديم المعمولات «١» يفيد الحصر، فقدّم المجرور في قوله: عليكم شهيدا: لاختصاص شهادة النبي صلّى الله عليه واله وسلّم بأمته، ولم يقدّمه في قوله شهداء على الناس لأنه لم يقصد الحصر الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها فيها قولان: أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس.
والآخر: هو بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسدّي، وهذا مع ظاهر قوله: كنت عليها لأنّ النبي صلّى الله عليه واله وسلّم كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة،
стр. 96
وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين: الأوّل: أنّ: كنت بمعنى أنت، والثاني: قيل: إن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم صلّى إلى الكعبة قبل بيت المقدس، وإعراب الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مفعول بجعلنا، أو صفة للقبلة، ومعنى الآية على القولين: اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة، وأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى بيت المقدس فتنة للعرب، لأنهم كانوا يعظمون الكعبة، أو فتنة لمن أنكر تحويلها، وتقديره على هذا: ما جعلنا صرف القبلة، أمّا على قول ابن عباس: فإنّ الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود لأنهم يعظمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القبلة، أو فتنة لضعفاء المسلمين حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة لِنَعْلَمَ أي العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عبارة عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء وَإِنْ كانَتْ إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحوّل عن القبلة إِيمانَكُمْ قيل صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إنّ الأعمال من الإيمان، وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ كان النبي صلّى الله عليه واله وسلّم يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة شَطْرَ الْمَسْجِدِ جهة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لأنّ اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق يَعْرِفُونَهُ أي يعرفون القرآن أو النبي صلّى الله عليه واله وسلّم أو أمر القبلة كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلّى الله عليه واله وسلّم أشدّ من معرفتي بابني لأنّ ابني قد يمكن فيه الشك لِكُلٍ
أي لكل أحد أو لكل طائفةجْهَةٌ
أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس وَمُوَلِّيها
أي موليها وجهه وقرئ مولاها أي ولّاه الله إليها والمعنى أن الله جعل لكل أمة قبلةاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
أي بادروا إلى الأعمال الصالحات أْتِ بِكُمُ اللَّهُ
أي
стр. 97
يبعثكم من قبوركم
فَوَلِّ وَجْهَكَ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ الآية: معناها أنّ الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلّى الله عليه واله وسلّم يتحوّل إلى الكعبة، فلما صلّى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متصل لأنه استثناء من عموم الناس. ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة وَلِأُتِمَّ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأتمّ، أو معطوف على لئلّا يكون كَما أَرْسَلْنا متعلق بقوله لأتمّ، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.
قال: سعيد بن المسيب: معناه اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب وقيل اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك، وقد أكثر المفسرون، لا سيما المتصوّفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معاني مخصوصة، ولا دليل على التخصيص، وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم كما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ خير منهم» «١» .
والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وبهما معا، واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال: كالصلاة وغيرها فإنّ ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى.
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه الأوّل النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال، قال رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله» «٢» . وسئل رسول الله صلّى الله
стр. 98
عليه واله وسلّم: أي الأعمال أفضل؟ قال: ذكر الله، قيل الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟
فقال: لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دما: لكان الذاكر أفضل منه «١» . الوجه الثاني: أنّ الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر: اشترط فيه الكثرة، فقال: اذكروا الله ذكرا كثيرا، والذاكرين الله كثيرا، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال الوجه الثالث: أنّ للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية، فإنّ الله تعالى يقول: أنا جليس من ذكرني «٢» ، ويقول: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني» متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي رواية البيهقي: وأنا معه حين يذكرني.
وللناس في المقصد بالذكر مقامان: فمقصد العامة اكتساب الأجور، ومقصد الخاصة القرب والحضور، وما بين المقامين بون بعيد. فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب.
واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى، والصلاة على النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، والاستغفار، وغير ذلك. ولكل ذكر خاصيته وثمرته. وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاص فإنّ التوحيد العام حاصل لكل مؤمن، وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات، وهي الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة. فإنّ المحسن محبوب لا محالة. وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله: وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة. وأما الصلاة على النبي صلّى الله عليه واله وسلّم: فثمرتها شدّة المحبة فيه، والمحافظة على اتباع سنته، وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدّمة.
ثم إنّ ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا:
الله، الله. فهذا هو الغاية وإليه المنتهى
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أي بمعونته
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ قيل إنها نزلت في الشهداء المقتولين
стр. 99
في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا لما قتلوا حزن عليهم أقاربهم، فنزلت الآية مبينة لمنزلة الشهداء عند الله وتسلية لأقاربهم، ولا يخصها نزولها فيهم بل حكمها على العموم في الشهداء وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي نختبركم، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه، لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا، لأن الله يعلم ما كان وما يكون، والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين، وقيل: لكفار قريش، والأول أظهر لقوله بعد هذا وبشر الصابرين بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ من الأعداء وَالْجُوعِ بالجدب وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالخسارة وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ بالجوانح، وقيل ذلك كله بسبب الجهاد إِنَّا لِلَّهِ اللام للملك، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء راجِعُونَ تذكروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم قال: من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها أخلف الله له خيرا مما أصابه. قالت أمّ سلمة فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك فأبدلني الله به رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم [أخرجه أحمد عن أم سلمة ج ٦ ص ٣٥٨] .
فائدة: ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وذلك لعظمة موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلّا الصبر فإنه لا يحصر أجره، لقوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] . وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة: أوّلها: المحبة، قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] . والثاني: النصر قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣] . والثالث: غرفات الجنة،. قال: يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا [الفرقان: ٧٥] والرابع: الأجر الجزيل قال: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الفرقان: ٤] والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، ففيها البشارة، قال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [الزمر: ١٠] والصلاة والرحمة والهداية أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ والصابرون على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع. وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبر بها. وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها. وصبر عن المعاصي بكف النفس عنها، وفوق الصبر التسليم وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا، وترك الكراهة باطنا، وفوق التسليم: الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعل المحبوب محبوب
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلان صغيران بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي معالم دينه واحدها شعيرة أو شعارة فَلا جُناحَ عَلَيْهِ إباحة للسعي بين
стр. 100
الصفا والمروة، والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي، وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما، لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيما للصنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك، ثم إنّ السعي بينهما للسنّة، قالت عائشة ﵂، «سن رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم السعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد تركه، وقيل: إنّ الوجوب يؤخذ من قوله «شعائر الله» وهذا ضعيف لأنّ شعائر الله: منها واجبة، ومنها مندوبة، وقد قيل: إنّ السعي مندوب يَطَّوَّفَ أصله يتطوف ثم أدغمت التاء في الطاء وهذا الطواف يراد به السعي سبعة أشواط وَمَنْ تَطَوَّعَ عاما في أفعال البر، وخاصة في الوجوب من السنة أو معنى التطوّع بحج بعد حج الفريضة إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ أمر محمد صلّى الله عليه واله وسلّم في الكتاب التوراة هنا اللَّاعِنُونَ الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلّا الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق وبينوا أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأنّ المؤمنين هم الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة، وقيل في النار وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ من أنظر إذا أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: «لا ينظر إليهم» إلّا أن يتعدّى بإلى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله لا إله إلّا هو.
واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد. الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني «١» في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق، فلا يرجو إلّا الله، ولا يخاف أحدا سواه إذ ليس يرى فاعلا إلّا إياه
стр. 101
ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة ألّا يرى في الوجود إلّا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة. وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ذكر فيها ثمانية أصناف من المخلوقات تنبيها على ما فيها من العبر والاستدلال على التوحيد المذكور قبلها في قوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر، وقيل إن أحدهما يخلف الآخر بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من التجارة وغيرها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ إرسالها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع، وما بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقحة للشجر، وعقيم، وصر، وللنصر، وللهلاك.
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين: إحداهما: المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإنّ سائر مقامات الصالحين: كالخوف، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسه بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة، واعلم أنّ سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإنّ الموجب للمحبة أحد أمرين: وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال. الموجب الأوّل الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإنّ الإنسان بالضرورة يحب كل ما يستحسن، والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتهيج القلوب، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر، لا بالأبصار، وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] ، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه، وهو المستحق للمحبة وحده.
стр. 102
واعلم أنّ محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجدّ في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل من يحبه الله وإيثاره على كل من سواه، قال الحارث المحاسبي: المحبة تسليمك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه ولو ترى «١» من رؤية العين والذين ظلموا مفعول، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لو ترى الذين ظلموا لعلمت أنّ القوّة لله أو لعلموا أنّ القوّة لله، ويرى بالياء، وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب، والذين ظلموا فاعل، وأن القوّة مفعول يرى، وجواب لو محذوف والتقدير لو يرى الذين ظلموا أنّ القوّة لله لندموا، ولاستعظموا ما حل بهم
إِذْ تَبَرَّأَ بدل من إذ يرون، أو استئناف والعامل فيه محذوف وتقديره اذكر الَّذِينَ اتُّبِعُوا هم الآلهة أو الشياطين أو الرؤساء من الكفار والعموم أولى الْأَسْبابُ هنا الوصلات من الأرحام والمودّات أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ أي سيادتهم «٢» وقيل حسنتهم إذا لم تقبل منهم أو ما عملوا لآلهتهم كُلُوا أمر محمول على الإباحة حَلالًا حال مما في الأرض، أو مفعول بكلوا أو صفة لمفعول محذوف أي: شيئا حلالا طَيِّباً يحتمل أن يريد الحلال خُطُواتِ الشَّيْطانِ ما يأمر به، وأصله من خطوت الشيء. وقال المنذر بن سعيد: يحتمل أن يكون من الخطيئة ثم سهلت همزته، وقرئ بضم الطاء وإسكانها وهي لغتان بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ المعاصي وَأَنْ تَقُولُوا الإشراك وتحريم الحلال كالبحيرة وغير ذلك أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ ردّا على قولهم: بل نتبع الآية في كفار العرب. وقيل في اليهود: أنهم يتبعونهم ولو كانوا لا يَعْقِلُونَ فدخلت همزة الإنكار على واو الحال وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية: في معناها قولان: الأوّل تشبيه الذين كفروا بالبهائم لقلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، ولا بد في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المحذوف أوّل الآية والتقدير
стр. 103
مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أي يصيح بِما لا يَسْمَعُ وهي البهائم التي لا تسمع إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ولا يعقل معنى، والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مدعوّ الذي ينعق. ويكون دعاء ونداء على الوجهين مفعولا: يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى هذا القول شبه الكفار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم، وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئا، ويكون دعاء ونداء على هذا منعطف: أي أن الداعي يتعب نفسه بالدعاء أو النداء لمن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا شبه الكفار بالنعق صم وما بعده راجع إلى الكفار وذلك غير التآويل الأول ورفعوا على إضمار مبتدأ واشكروا الآية: دليل على وجوب الشكر لقوله:
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ الْمَيْتَةَ ما مات حتف أنفه، وهو عموم خص منه الحوت «١» والجراد، وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة، ومنع مالك الجراد حتى تسيب في بيوتها بقطع عضو منها أو وضعها في الماء وغير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك وَالدَّمَ يريد المسفوح لتقييده بذلك في سورة الأنعام، ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ هو حرام سواء ذكّي أو لم يذكّ، وكذلك شحمه بإجماع، وإنما خص اللحم بالذكر، لأنه الغالب في الأكل ولأن الشحم تابع له، وكذلك من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث بخلاف العكس وَما أُهِلَّ بِهِ أي: صيح لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذبح له، ثم استعمل في النية في الذبح لِغَيْرِ اللَّهِ الأصنام وشبهها اضْطُرَّ بالجوع أو بالإكراه، وهو مشتق من الضرورة ووزنه افتعل، وأبدل من التاء طاء غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قيل: باغ على المسلمين، وعاد عليهم، ولذلك لم يرخص مالك في رواية عنه للعاصي بسفره أن يأكل لحم الميتة، والمشهور عنه الترخيص له، وقيل: غير باغ باستعمالها من غير اضطرار وقيل: باغ أي متزايد على إمساك رمقه. ولهذا لم يجز الشافعي للمضطر أن يشبع من الميتة. قال مالك: بل يشبع ويتزوّد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ رفع للحرج، ويجب على المضطر أكل الميتة لئلا يقتل نفسه بالجوع وإنما تدل الآية على الإباحة لا على الوجوب، وقد اختلف هل يباح له ميتة بني آدم أم لا، فمنعه مالك وأجازه الشافعي لعموم الآية
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ اليهود ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار،
стр. 104
فوضع السبب موضع المسبب، وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عبارة عن غضبه عليهم، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثني عليهم فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من جرأتهم على ما يقودهم إلى النار أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة، وقيل: إنها استفهام، وأصبرهم بمعنى صبرهم، وهذا بعيد، وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله لأنه استعظام خفي سببه، وذلك لا يلزم فإنه في حق الله غير خفي السبب ذلِكَ إشارة إلى العذاب ورفعه بالابتداء أو بفعل مضمر بِأَنَّ اللَّهَ الباء سببية نَزَّلَ الْكِتابَ القرآن هنا بِالْحَقِّ أي بالواجب، أو بالإخبار الحق أي الصادق، والباء فيه سببية أو للمصاحبة الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اليهود والنصارى، والكتاب على هذا التوراة والإنجيل، وقيل: الذين اختلفوا العرب، والكتاب على هذا القرآن، ويحتمل جنس الكتاب في الموضعين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي بعيد من الحق والاستقامة.
لَيْسَ الْبِرَّ الآية: خطاب لأهل الكتاب لأن المغرب قبلة اليهود، والمشرق قبلة النصارى: أي إنما البر التوجه إلى الكعبة، وقيل خطاب للمؤمنين أي ليس البر الصلاة خاصة، بل البر جميع الأشياء المذكورة بعد هذا وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ لا يصح أن يكون خبرا عن البر فتأويله: لكن صاحب البر من آمن، أو لكن البرّ برّ من أمن أو يكون البر مصدرا وصف به وَآتَى الْمالَ صدقة التطوّع، وليست بالزكاة لقوله بعد ذلك: وآتى الزكاة عَلى حُبِّهِ الضمير عائد على المال لقوله وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية وهو الراجح من طريق المعنى. وعود الضمير على الأقرب وهو على هذا تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل يعود على مصدر آتى، وقيل على الله ذَوِي الْقُرْبى وما بعده ترتيب بتقديم الأهم فالأهم، والأفضل لأنّ الصدقة على القرابة صدقة وصلة بخلاف من بعدهم. ثم اليتامى لصغرهم وحاجتهم ثم المساكين للحاجة خاصة، وابن السبيل الغريب، وقيل الضعيف، والسائلين وإن كانوا غير محتاجين، وفي الرقاب عتقها وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ أي العهد مع الله ومع الناس وَالصَّابِرِينَ نصب على المدح بإضمار فعل فِي الْبَأْساءِ الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض وَحِينَ الْبَأْسِ القتال صَدَقُوا في القول والفعل والعزيمة
стр. 105
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ أي شرع لكم، وليس بمعنى فرض، لأنّ ولي المقتول مخيّر بين القصاص والدية والعفو، وقيل: بمعنى فرض أي: فرض على القاتل الانقياد للقصاص، وعلى ولي المقتول أن لا يتعداه إلى غيره كفعل الجهلة. وعلى الحاكم التمكين من القصاص الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ظاهره اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، ولا يقتل حر بعبد، ولا ذكر بأنثى إلّا أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى، وزاد قوم: أن يعطى أولياؤها حينئذ نصف الدية لأولياء الرجل المقتصّ منه خلافا لمالك وللشافعي وأبو حنيفة، وأما قتل الحرّ بالعبد فهو مذهب أبي حنيفة خلافا لمالك والشافعي، فعلى هذا لم يأخذ أبو حنيفة بشيء من ظاهر الآية لا في الذكورية ولا في الحرية لأنها عنده منسوخة، وأخذ مالك بظاهرها في الحرية كما في الذكورية، وتأويلها عنده: أن قوله: الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم تكرر قوله: والأنثى بالأنثى:
تأكيد للتجديد، لأنّ بعض العرب إذا قتل منهم أنثى قتلوا بها ذكرا تكبرا وعدوانا، وقد يتوجّه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «لا يقتل حرّ بعبد» «١» ، والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] على أن هذا ضعيف، لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل فَمَنْ عُفِيَ لَهُ الآية: فيها تأويلان: أحدهما: أن المعنى من قتل فعفي عنه فعليه أداء الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتباعه بها على وفاء، فعلى هذا: من كناية عن القاتل، وأخيه هو المقتول أو واليه، وعفي من العفو من القصاص، وأصله أن يتعدى بعن، وإنما تعدّى هنا باللام لأنه كقولك: تجاوزت لفلان عن ذنبه، وعلى الثاني: من أعطيته الدية فعليه اتباع المعروف، وعلى القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا: من كناية عن أولياء المقتول، وأخيه هو القاتل أو عاقلته، وعفي بمعنى يسّر: كقوله: خذ العفو أي ما تيسر، ولا إشكال في تعدّي عفى باللام على هذا المعنى ذلِكَ تَخْفِيفٌ إشارة إلى جواز أخذ الدية، لأن بني إسرائيل لم يكن عندهم دية. وإنما هو القصاص فَمَنِ اعْتَدى أي قتل قاتل وليه بعد أن أخذ منه الدية عَذابٌ أَلِيمٌ القصاص منه وقيل: عذاب الآخرة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بمعنى قولهم: القتل أنفى للقتل أي أن القصاص يردع الناس عن القتل، وقيل: المعنى أن القصاص أقل قتلا، لأنه قتل واحد بواحد، بخلاف ما كان في
стр. 106
الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يقتل بسبب ذلك جماعة
الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كانت فرضا قبل الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلّى الله عليه واله وسلّم: «لا وصية لوارث» «١» وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل:
معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأوّل أشهر كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي: فرض، والقصد بقوله:
كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وبقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ تسهيل الصيام على المسلمين، وملاطفة جميلة، والذي كتب على الذين من قبلنا الصيام مطلقا، وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدلوه أَيَّاماً منصوب بالصيام وهو مصدر أو بمحذوف، ويبعد انتصابه بتتقون فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً الآية: إباحة للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدّة من أيام أخر، ولم يفعل الظاهرية «٢» بهذا المحذوف فرأوا أنّ صيام المسافر والمريض لا يصح، وأوجبوا عليه عدّة من أيام أخر، وإن صام في رمضان، وهذا منهم جهل بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، وبذلك قال الظاهرية، وحدّه في مشهور مذهب مالك: أربعة برد «٣» وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ قيل: يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ويكفرون. ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، وقيل: يطيقونه بمشقة كالشيخ الهرم، فيجوز له الفطر فلا نسخ على هذا، فَمَنْ تَطَوَّعَ أي صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة، وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلّى الله عليه واله وسلّم بطول عشرين سنة، وقيل: المعنى أنزل في
стр. 107
شأنه القرآن: كقولك أنزل القرآن في فلان، وقيل: المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى أي: أن القرآن هدى للناس، ثم هو مع ذلك من مبينات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف بالبينات، فالهدى الأوّل هنا على الإطلاق، وقوله من البينات والهدى أي: وهو من الهدى المبين، فهو من عطف الصفات كقولك:
فلان عالم وجليل من العلماء فَمَنْ شَهِدَ أي كان حاضرا غير مسافر، والشهر منصوب على الظرفية، واليسر والعسر على الإطلاق، وقيل: اليسر الفطر في السفر، والعسر الصوم فيه وَلِتُكْمِلُوا متعلق بمحذوف تقديره شرع، أو عطف على اليسر الْعِدَّةَ الأيام التي أفطر فيها وَلِتُكَبِّرُوا التكبير يوم العيد أو مطلقا أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ مقيد بمشيئة الله، وموافقة القدر، وهذا جواب من قال: كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة أُحِلَّ لَكُمْ الآية: كان الأكل والجماع محرّما بعد النوم في ليل رمضان، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب ﵁ ولصرمة بن مالك «١» ، فأحلهما الله تخفيفا على عباده الرَّفَثُ هنا الجماع، وإنما تعدّى بإلى لأنه في معنى الإفضاء هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ تشبيه بالثياب، لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليل للإباحة تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ أي غفر ما وقعتم فيه من ذلك، وقيل: رفع عنكم ذلك الحكم بَاشِرُوهُنَّ إباحة ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قيل: الولد يبتغى بالجماع، وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض لا للأسود لأنّ الفجر ليس له سواد، والخيط هنا استعارة:
يراد بالخيط الأبيض بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل، وروي أن قوله من الفجر: نزل بعد ذلك بيانا لهذا المعنى، لأنّ بعضهم جعل خيطا أبيض وخيطا أسود تحت وسادته، وأكل حتى تبين له، فقال له النبي صلّى الله عليه واله وسلّم: إنما هو بياض النهار وسواد الليل إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس. فمن أفطر قبل ذلك
стр. 108
فعليه القضاء والكفارة، ومن شك هل غربت أم لا فأفطر، فعليه القضاء والكفارة وأيضا وقيل القضاء فقط، وقالت عائشة ﵂: «إلى الليل» يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ تحريم للمباشرة حين الاعتكاف، قال الجمهور:
المباشرة هنا الجماع فما دونه. وقيل الجماع فقط، فِي الْمَساجِدِ دليل على جواز الاعتكاف في كل مسجد خلافا لمن قال: لا اعتكاف إلّا في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس: وفيه أيضا دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلّا في المساجد، لا في غيرها خلافا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية حُدُودُ اللَّهِ أحكامه التي أمر بالوقوف عندها فَلا تَقْرَبُوها أي لا تقربوا مخالفتها، واستدل بعضهم به على سدّ الذرائع لأنّ المقصود النهي عن المخالفة للحدود لقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة: ٢٢٩] ، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدّا للذريعة
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بِالْباطِلِ كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق وغير ذلك وَتُدْلُوا عطف على: لا تأكلوا، أو نصب بإضمار أن وهو من: أدلى الرجل بحجته إذا قام بها، والمعنى: نهى عن أن يحتج بحجة باطلة، ليصل بها إلى أكل مال الناس، وقيل:
نهى عن رشوة الحكام بأموال للوصول إلى أكل أموال الناس، فالباء على الأوّل سببية، وعلى الثاني للإلصاق بِالْإِثْمِ الباء سببية أو للمصاحبة، والإثم على القول الأوّل في تدلوا: إقامة الحجة الباطلة كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة، وعلى القول الثاني: الرشوة.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ سببها أنهم سألوا عن الهلال، وما فائدته ومخالفته لحال الشمس، والهلال ليلتان من أوّل الشهر، وقيل: ثلاث، ثم يقال له قمر مَواقِيتُ جمع ميقات لمحل الديون والأكرية «١» والقضاء والعدد وغير ذلك. ثم ذكر الحج اهتماما بذكره، وإن كان قد دخل في المواقيت للناس وَلَيْسَ الْبِرُّ الآية: كان قوم إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحول بيننا وبين السماء شيء فنزلت الآية:
إعلاما بأنّ ذلك ليس من البر، وإنما ذكر ذلك بعد ذكر الحج لأنه كان عندهم من تمام الحج، وقيل: المعنى ليس البر أن تسألوا عن الأهلة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه، فتأتون الأمور على غير ما يجب، فعلى هذا البيوت وأبوابها وظهورها استعارة: يراد بالبيوت المسائل، وبظهورها السؤال عما لا يفيد، وأبوابها السؤال عما يحتاج إليه الْبِرَّ مَنِ اتَّقى تأويله مثل البر من آمن.
стр. 109
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فهذه الآية منسوخة، وقيل:
إنها محكمة وأنّ المعنى: قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر وَلا تَعْتَدُوا أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكة، لأن قريشا أخرجوا منها المسلمين وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ. وإنما يغفر للكافر إذا أسلم لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي لا يبقى دين كفر الشَّهْرُ الْحَرامُ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلّى الله عليه واله وسلّم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال أبو أيوب الأنصاري: المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل:
لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي: أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما، قال ابن عباس: إتمامهما إكمال المناسك. وقال عليّ: إتمامهما أن تحرم بهما من دارك، ولا حجة فيه لمن أوجب العمرة لأن الأمر إنما هو بالإتمام لا بالابتداء فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ المشهور في اللغة: أحصره المرض، بالألف، وحصره العدوّ. وقيل: بالعكس، وقيل: هما بمعنى واحد، فقال
стр. 110
مالك: أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدي «١» ولم يوجبه على من حصره العدوّ، وقال الشافعي وأشهب: «٢» يجب الهدي على من حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدلا بنحر النبي صلّى الله عليه واله وسلّم الهدي بالحديبية، وقال أبو حنيفة: يجب الهدي على المحصر بعدوّ وبمرض فَمَا اسْتَيْسَرَ أي فعليكم ما استيسر من الهدي وذلك شاة، وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ خطابا للمحصر وغيره فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً الآية: نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي صلّى الله عليه واله وسلّم فقال له:
لعلك يؤذيك هوامّ رأسك: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة «٣» ، فمعنى الآية: أن من كان في الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم النحر جاز له حلقه وعليه صيام أو صدقة أو نسك حسبما تفسر في الحديث، وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج منها إلّا الصيد، والوطء، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بدّ في الآية من مضمر لا ينتقل الكلام عنه، وهو المسمى فحوى الخطاب، وتقديرها: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق رأسه فعليه فدية فَإِذا أَمِنْتُمْ أي من المرض على قول مالك، ومن العدوّ على قول غيره، والمعنى: إذا كنتم بحال أمن سواء تقدم مرض أو خوف عدوّ أو لم يتقدم فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ التمتع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة، وقال عبد الله بن الزبير: التمتع هو أن يحصر عن الحج بعدوّ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرة يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل قضاء لحجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات من الحج، في وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل، وقيل: التمتع هو قران الحج والعمرة فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وقتها من إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق إِذا رَجَعْتُمْ إلى بلادكم أو في الطريق تِلْكَ عَشَرَةٌ فائدته أن السبع تصام بعد الثلاثة فتكون عشرة، ورفع لئلا يتوهم أن السبعة بدل من الثلاثة، وقيل: هو مثل الفذلكة وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا، وقيل: كاملة في الثواب لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني غير أهل مكة وذي طوى بإجماع، وقيل: أهل الحرم كله، وقيل: من كان دون الميقات، وقوله ذلك. إشارة إلى الهدي أو الصيام: أي إنما يجب