سورة الأنفال
مدنية إلا من آية ٣٠ إلى غاية آية ٣٦ فمكية وآياتها ٧٥ نزلت بعد البقرة (سورة الأنفال) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الخطاب للنبي ﷺ والسائلون هم الصحابة، والأنفال هي الغنائم، وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي ﷺ في العريش تحرسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية ومعناها: يسألونك عن حكم الغنيمة ومن يستحقها وقيل: الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، وقد اختلف الفقهاء هل يكون ذلك التنفيل من الخمس وهو قول مالك؟ أو من الأربعة الأخماس، أو من رأس الغنيمة، قبل إخراج الخمس قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي الحكم فيها لله والرسول لا لكم وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي اتفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا، وذات هنا بمعنى: الأحوال، قاله الزمخشري، وقال ابن عطية: يراد بها في هذا الموضع نفس الشيء وحقيقته. وقال الزبيري: إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يريد في الحكم في الغنائم، قال عبادة بن الصامت:
نزلت فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسول الله ﷺ فقسمها على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الآية: أي الكاملو الإيمان، فإنما هنا للتأكيد والمبالغة والحصر وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي خافت وقرأ أبي بن كعب: فزعت زادَتْهُمْ إِيماناً أي قوي تصديقهم ويقينهم، خلافا لمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن زيادته إنما هي بالعمل لَهُمْ دَرَجاتٌ يعني في الجنة
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ فيه ثلاث تأويلات:
стр. 317
أحدها: أن تكون الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب، والثاني أن يكون في موضع الكاف نصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدّر في قوله الأنفال لله والرسول أي: استقرت الأنفال لله والرسول استقرارا مثل استقرار خروجك، والثالث أن تتعلق الكاف بقوله يجادلونك مِنْ بَيْتِكَ يعني مسكنه بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ أي كرهوا قتال العدو، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكبا، فأخبر بذلك جبريل النبي ﷺ ، فخرج بالمسلمين فسمع بذلك أهل مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير ليمنعوا عيرهم.
فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريش، فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فقالوا: العير أحب إلينا من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امض لما شئت فإنا متبعوك وقال سعد بن معاذ: والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كان جدالهم في لقاء قريش، بإيثارهم لقاء العير إذ كانت أكثر أموالا، وأقل رجالا وتبين الحق: هو إعلام رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم بأنهم ينصرون كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ تشبيه لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ يعني قريش أو عيرهم، والعمل في إذ محذوف تقديره اذكروا أَنَّها لَكُمْ بدل من إحدى الطائفتين وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ الشوكة عبارة عن السلاح. سميت بذلك لحدّتها، والمعنى تحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ يعني يظهر الإسلام بقتل الكفار وإهلاكهم يوم بدر لِيُحِقَّ الْحَقَّ متعلق بمحذوف تقديره:
ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، وليس تكرارا للأول لأن الأول مفعول يريد، وهذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام. فيكون المعنى أن نصرهم، ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: ويبطل الباطل أي يبطل الكفر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ إذ بدل من إذ يعدكم، وقيل: يتعلق بقوله: ليحق الحق أو بفعل مضمر واستغاثتهم دعاؤهم بالغوث والنصر مُمِدُّكُمْ أي مكثركم مُرْدِفِينَ من قولك ردفه إذا تبعه، وأردفته إياه إذا أتبعته إياه. والمعنى: يتبع بعضهم بعضا، فمن قرأه «١»
стр. 318
بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل، وصح معنى القراءتين لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا، فمنهم تابعون ومتبوعون
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ الضمير عائد على الوعد، أو على الإمداد بالملائكة إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ إذ بدل من إذ يعدكم أو منصوب بالنصر، أو بما عند الله من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره: اذكر، ومن قرأ يغشيكم «١» بضم الياء والتخفيف فهو من أغشى، ومن قرأ بالضم والتشديد فهو من غشّى المشدد، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين فنصب النعاس على أنه المفعول والثاني، والمعنى يغطيكم به فهو استعارة، من الغشاء، ومن قرأ بفتح الياء والشين «٢» فهو من غشى المتعدى إلى واحد أي ينزل عليكم النعاس أَمَنَةً مِنْهُ أي أمنا، والضمير المجرور يعود على الله تعالى، وانتصاب أمنة على أنه مفعول من أجله. قال ابن مسعود: النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً تعديد لنعمة أخرى وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر، وقيل: بعد وصولهم، فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأودية لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ كان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر، وتوضأ به سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماء للطهر ولا للوضوء وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ كان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسة بسبب عدم الماء، فقالوا: نحن أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء؟ فأنزل الله المطر، وأزال عنهم وسوسة الشيطان وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ
أي يثبتها بزوال ما وسوس لها الشيطان وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ الضمير في به عائد على الماء، وذلك أنهم كانوا في رملة دعصة لا يثبت فيها قدم، فلما نزل المطر تلبدت وتدقت «٣» الطريق، وسهل المشي عليها والوقوف، وروي أن ذلك المطر بعينه صعّب الطريق على المشركين فتبين أن ذلك من لطف الله إِذْ يُوحِي يحتمل أن يكون ذلك بدلا من إذ المتقدمة كما أنها بدل من التي قبلها، أو يكون العامل فيه يثبت فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا يحتمل أن يكون التثبيت بقتال الملائكة مع المؤمنين أو بأقوال مؤنسة مقوية للقلب قالوها: إذا تصوروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في نفوس المؤمنين سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ يحتمل أن يكون
стр. 319
من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلا لتثبيت المؤمنين، أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ يحتمل أيضا أن يكون خطابا للملائكة أو للمؤمنين، ومعنى فوق الأعناق: أي على الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه مذبح، والضرب فيها يطيّر الرأس، وقيل: المراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق، وقيل: المراد الأعناق وفوق زائدة كُلَّ بَنانٍ قيل: هي المفاصل، وقيل: الأصابع وهو الأشهر في اللغة، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره وقتله
ِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
الإشارة إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء للتعليل، وشاقوا من الشقاق وهو العداوة والمقاطعة ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ الخطاب هنا للكفار، وذلكم مرفوع تقديره ذلكم العقاب أو العذاب، ويحتمل أن يكون منصوبا بقوله: فذوقوه، كقولك زيدا فاضربه وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عطف على ذلك على تقدير رفعه، أو نصبه، أو مفعول معه، والواو بمعنى مع زَحْفاً حال من الذين كفروا، أو من الفاعل في لقيتم، ومعناه متقابلي الصفوف والأشخاص، وأصل الزحف الاندفاع فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ نهي عن الفرار مقيدا بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين حسبما يذكره في موضعه وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم اللقاء في أي عصر كان إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو الكر بعد الفر ليرى عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي منحازا إلى جماعة من المسلمين، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيئا من ذلك حاضرا، ويروى عن عمر بن الخطاب، أنه قال: أنا فئة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك، والفرار من الذنوب الكبائر، وانتصب قوله متحرفا على الاستثناء من قوله ومن يولهم، وقال الزمخشري: انتصب على الحال وإلا لغو، ووزن متحيز متفيعلا، ولو كان على متفعل لقال متحوز، لأنه من حاز يحوز فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أي لم يكن قتلهم في قدرتكم لأنهم أكثر منكم وأقوى، لكن الله قتلهم بتأييدكم عليهم وبالملائكة وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ كان رسول الله ﷺ قد أخذ يوم بدر قبضة من تراب وحصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا، فمعنى الآية أن ذلك من الله في الحقيقة بَلاءً حَسَناً يعني الأجر والنصر والغنيمة مُوهِنُ من الوهن وهو الضعف، وقرئ موهّن»
стр. 320
بالتشديد والتخفيف وهو بمعنى واحد
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا الآية: خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحب الطائفتين إليه، وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم، ومعنى: إن تستفتحوا: تطلبوا الفتح، ويحتمل أن يكون الفتح الذي طلبوه بمعنى النصر أو بمعنى الحكم، وقيل: إن الخطاب للمؤمنين فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إن كان الخطاب للكافر فالفتح هنا بمعنى الحكم: أي قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسر، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فالفتح هنا يحتمل أن يكون بمعنى الحكم، لأن الله حكم لهم، أو بمعنى النصر وَإِنْ تَنْتَهُوا أي ترجعوا عن الكفر وهذا يدل على أن الخطاب للكفار وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ أي إن تعودوا إلى الاستفتاح أو القتال نعد لقتالكم والنصر عليكم وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ الضمير لرسول الله صلى الله عليه واله وسلّم أو للأمر بالطاعة وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أي تسمعون القرآن والمواعظ كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ هم الكفار سمعوا بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم كلا سماع إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ أي كل من يدب، والمقصود أن الكفار شر الخلق، قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين لِما يُحْيِيكُمْ أي للطاعة، وقيل: للجهاد لأنه يحيا بالنصر يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ قيل:
يميته، وقيل: يصرّف قلبه كيف يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً أي لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينه عن الظلم. وإن كان لم يظلم.
وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت النون في تصيبن لأنه بمعنى النهي إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم بالمدينة، وأيدكم بنصره في بدر وغيرها لا تَخُونُوا اللَّهَ نزلت في قصة أبي لبابة حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله ﷺ إلا الذبح، وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم ولفظها عام وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ عطف
стр. 321
على لا تخونوا أو منصوب
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي تفرقة بين الحق والباطل، وذلك دليل على أن التقوى تنوّر القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على إذ أنتم قليل، أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي الحديث بطوله لِيُثْبِتُوكَ أي ليسجنونك قالُوا قَدْ سَمِعْنا قيل: نزلت في النضر بن الحارث كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلت مثل هذا، وقيل: هي في سائر قريش أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي أخبارهم المسطورة وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ الآية، قالها النضر بن الحارث أو سائر قريش لما كذبوا النبي ﷺ : دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري ومسلم في كتابيهما، وانتصب الحق لأنه خبر كان.
وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحود أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابا، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ إكراما للنبي ﷺ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب، قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب وهما وجود النبي ﷺ والاستغفار، فلما مات النبي ﷺ ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر، وقيل: الضمير في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ المعنى أي شيء يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال، وذلك من الموجب لعذابهم وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ الضمير للمسجد الحرام أو لله تعالى وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المكاء: التصفير بالفم، والتصدية: التصفيق باليد. وكانوا يفعلونهما إذ صلّى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الآية نزلت في إنفاق قريش في غزوة أحد وقيل: إنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، فإنه استأجر العير من الأحباش فقاتل بهم النبي ﷺ يوم أحد تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أي يتأسفون
стр. 322
على إنفاقها من غير فائدة أو يتأسفون في الآخرة ثُمَّ يُغْلَبُونَ إخبار بالغيب لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ معنى يميز: يفرق بين الخبيث والطيب، والخبيث هنا الكفار. والطيب: المؤمنون وقيل: الخبيث ما أنفقه الكفار، والطيب: ما أنفقه المؤمنون، واللام في ليميز على هذا تتعلق بيغلبون، وعلى الأول بيحشرون فَيَرْكُمَهُ أي يضمه ويجعل بعضه فوق بعضه إِنْ يَنْتَهُوا يعني عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يجبّ ما قبله، ولا تصح المغفرة إلا به وَإِنْ يَعُودُوا يعني إلى القتال فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ تهديد بما جرى لهم يوم بدر وبما جرى للأمم السالفة حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ الفتنة هنا الكفر، فالمعنى قاتلوهم، حتى لا يبقى كافر، وهو كقوله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله «١» وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ لفظه عام يراد به الخصوص، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار منها ما يخمس: وهو ما أخذ على وجه الغلبة بعد القتال، ومنها: ما لا يخمس بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدو خوف الغرق، ومنها: ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين وهي الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية: اختلف في قسم الخمس على هذه الأصناف فقال قوم: يصرف على ستة أسهم سهم لله في عمارة الكعبة، وسهم للنبي ﷺ في مصالح المسلمين، وقيل: للوالي بعده: وسهم لذوي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهما مختصا، وإنما بدأ عنده بالله، لأن الكل ملكه، وقال أبو حنيفة على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقال مالك الخمس إلى اجتهاد الإمام يأخذ منه كفايته ويصرف الباقي في المصالح إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ راجع إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذكر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسب ذلك ولا تخالفوه وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يعني النبي ﷺ والذي أنزل عليه القرآن والنصر يَوْمَ الْفُرْقانِ أي التفرقة بين الحق والباطل وهو يوم بدر الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني المسلمين والكفار
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا العامل في إذ
стр. 323
التقى والعدوة: شفير الوادي، وقرئ بالضم والكسر وهما لغتان، والدنيا القريبة من المدينة، والقصوى البعيدة وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق خوفا من النبي ﷺ ، وكان جمع قريش المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
أي يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له، وقيل: ليهلك من يكفر ويحيى من يؤمن، وقرئ من حيي «١» بالإظهار والإدغام وهما لغتان إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ الآية: كان رسول الله ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم لَفَشِلْتُمْ أي جبنتم عن اللقاء وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ الآية معناها أن الله أظهر كل طائفة قليلة في عين الأخرى ليقع التجاسر على القتال رِيحُكُمْ أي قوتكم ونشاطكم، وذلك استعارة وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني كفار قريش حين خرجوا لبدر بَطَراً أي عتوا وتكبرا وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ الآية: لما خرجت قريش إلى بدر تصور لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: إني جار لكم من قومي وكانوا قد خافوا من قومه، ووعدهم بالنصر نَكَصَ أي رجع إلى وراء إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ رأى الملائكة تقاتل يَقُولُ الْمُنافِقُونَ الذين كانوا بالمدينة، وقيل: الذين كانوا مع الكفار وهم نفر من قريش منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وعلي بن أمية بن خلف والعاصي بن أمية بن الحجاج وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ أي اغترّ
стр. 324
المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ذلك فيمن قتل يوم بدر وَأَدْبارَهُمْ أي أستاههم، وقيل: ظهورهم وَذُوقُوا هذه من قول الملائكة لهم تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا والقول المحذوف معموله معطوف على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون مستأنفا ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، والباء سببية، والمعنى: أن الله لا يغير نعمة على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي كَدَأْبِ ذكر في آل عمران الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ يريد بني قريظة فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي افعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً أي نقضا للعهد فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي ردّ العهد الذي بينك وبينهم والمفعول محذوف تقديره فانبذ إليهم عهدهم عَلى سَواءٍ أي على معادلة، وقيل: معناه أن تستوي معهم في العلم بنقض العهد وَلا يَحْسَبَنَّ «١» الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أي لا تظن أنهم فاتوا ونجوا بأنفسهم إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أي لا يفوتون في الدنيا ولا في الآخرة وَأَعِدُّوا لَهُمْ الضمير للذين ينبذ لهم العهد أو للذين لا يعجزون، وحكمه عام في جميع الكفار مِنْ قُوَّةٍ قال رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم «ألا إن القوة الرمي» «٢» ، وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ قال الزمخشري: الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.
وقال ابن عطية: رباط الخيل جمع ربط أو مصدر عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ يعني الكفار وَآخَرِينَ يعني المنافقين: وقيل: بني قريظة، وقيل: الجن لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس، والأول أرجح لقوله مردوا على النفاق لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء، لأن الله تعالى قال: لا تعلمونهم، فكيف يعلمهم
стр. 325
أحد، وهذا لا يلزم، لأن معنى قوله لا تعلمونهم: لا تعرفونهم: أي لا تعرفون آحادهم وأعيانهم وقد يعرف صنفهم من الناس، ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها السلم هنا المهادنة، والآية منسوخة بآية القتال في براءة، لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قيل: المراد، بين قلوب الأوس والخزرج إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام، واللفظ عام وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عطف على اسم الله، وقال الزمخشري مفعول معه، والواو بمعنى مع أي حسبك وحسب من اتبعك الله إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ الآية: إخبار يتضمن وعدا بشرط الصبر ووجود ثبوت الواحد للعشرة ثم نسخ بثبوت الواحد للاثنين ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي: يقاتلون على غير دين ولا بصيرة فلا يثبتون ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم. فنزلت الآية عتابا على استبقائهم حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي يبايع في القتال تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا عتاب لمن رغب في فداء الأسرى لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الكتاب ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم، وقيل: ما قضاه الله من تحليل الغنائم لهم فِيما أَخَذْتُمْ يريد به الأسرى وفداؤهم، ولما نزلت الآية قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم: لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ إباحة للغنائم ولفداء الأسارى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أي إن علم في قلوبكم إيمانا جبر عليكم ما أخذ منكم من الفدية، قال العباس: فيّ نزلت وكان قد افتدى يوم بدر، ثم أعطاه رسول الله ﷺ من المال ما لا يقدر أن يحمله، فقال: قد أعطاني الله خيرا مما أخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ الآية تهديد لهم
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخر السورة مقصدها: بيان منازل المهاجرين
стр. 326
والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا بعد الحديبية، فبدأ أولا بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار وهم الذين آووا ونصروا، وأثبت الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون ثم نسخت بقوله:
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ لما نفى الولاية بين المؤمنين والتناصر، وقيل: هي ولاية الميراث الذين هاجروا وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين: إلا إذا استنصروا على قوم بينهم وبين المؤمنين عهد فلا ينصرونهم عليهم، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ إلا هنا مركبة من إن الشرطية ولا النافية، والضمير في تفعلوه لولاية المؤمنين ومعاونتهم أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو النصر الذي في قوله: فعليكم النصر، والمعنى إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا الآية: ثناء على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم، والرزق الكريم في الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ يعني الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ قيل: هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار، قال مالك: ليست في الميراث، وقال أبو حنيفة: هي في الميراث، وأوجب بها ميراث الخال والعمة وغيرهما من ذوي الأرحام فِي كِتابِ اللَّهِ أي القرآن وقيل اللوح المحفوظ.
стр. 327
سورة التوبة
مدنية إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان وآياتها ١٢٩: نزلت بعد المائة (سورة براءة)
وتسمى سورة التوبة، وتسمى أيضا الفاضحة: لأنها كشفت أسرار المنافقين، واتفقت المصاحف والقراء على إسقاط البسملة من أولها، واختلف في سبب ذلك، فقال عثمان بن عفان: اشتبهت معانيها بمعاني الأنفال، وكانت تدعى القرينتين في زمان رسول الله ﷺ ، فلذلك قرنت بينهما فوضعتهما في السبع الطوال. وكان الصحابة قد اختلفوا هل هما سورتان أو سورة واحدة؟ فتركت البسملة بينهما لذلك وقال علي بن أبي طالب: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ المراد بالبراءة التبرؤ من المشركين، وارتفاع براءة على أنه خبر ابتداء أو مبتدأ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تقدير الكلام: براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فمن وإلى يتعلقان بمحذوف لا ببراءة، وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله عاهدتم، لأن فعل النبي ﷺ لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي ﷺ قد عاهد المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفى فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض، أو قارب النقض فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أي سيروا آمنين أربعة أشهر، وهي الأجل الذي جعل لهم، واختلف في وقتها فقيل: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، لأن السورة نزلت حينئذ وذلك عام تسعة، وقيل: هي من عيد الأضحى إلى تمام العشر الأول من ربيع الآخر، لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث تلك السنة أبا بكر الصديق يحج بالناس، ثم بعث بعده علي بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة يوم عرفة وقيل: يوم النحر غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي لا تفوتونه
وَأَذانٌ أي إعلام بتبرّي الله تعالى ورسوله من المشركين إِلَى النَّاسِ جعل البراءة مختصة بالمعاهدين من المشركين، وجعل الإعلام بالبراءة عاما لجميع الناس: من عاهد، ومن لم يعاهد، والمشركين وغيرهم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هو يوم عرفة أو يوم النحر، وقيل: أيام الموسم كلها، وعبر عنها بيوم كقولك يوم
стр. 328
صفين والجمل، وكانت أياما كثيرة أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تقديره أذان بأن الله بريء، وحذفت الباء تخفيفا، وقرئ إن الله بالكسر، لأن الأذان في معنى القول وَرَسُولِهِ ارتفع بالعطف على الضمير في برىء، أو بالعطف على موضع اسم إن، أو بالابتداء وخبره محذوف وقرئ بالنصب عطف على اسم إن، وأما الخفض فلا يجوز فيه العطف على المشركين لأنه معنى فاسد ويجوز على الجوار أو القسم، وهو مع ذلك بعيد والقراءة به شاذة فَإِنْ تُبْتُمْ يعني التوبة من الكفر إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ يريد الذين لم ينقضوا العهد فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يعني الأشهر الأربعة التي جعلت لهم، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فهي الحرم المعروفة زاد فيها شوال ونقص رجب، وسميت حرما تغليبا للأكثر ومن قال: إنها إلى ربيع الثاني: فسميت حرما لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ناسخة لكل موادعة في القرآن، وقيل: إنها نسخت أيضا فإمّا منّا بعد وإما فداء، وقيل: بل نسختها هي فيجوز المنّ والفداء وَخُذُوهُمْ معناه الأسر، والأخيذ هو الأسير كُلَّ مَرْصَدٍ كل طريق ونصبه على الظرفية فَإِنْ تابُوا يريد من الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة، فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁، والآية في معنى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» «١» فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ تأمين لهم وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ هو من الجوار أي استأمنك فأمنه حتى يسمع القرآن ليرى هل يسلم أم لا ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي إن لم يسلم فردّه إلى موضعه، وهذا الحكم ثابت عند قوم، وقال قوم: نسخ بالقتال كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ لفظ استفهام، ومعناه استنكار واستبعاد إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر فَمَا اسْتَقامُوا ما ظرفية
стр. 329
كَيْفَ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون لهم عهد؟
لا يَرْقُبُوا أي لا يراعوا إِلًّا وَلا ذِمَّةً الإلّ القرابة، وقيل: الحلف، والذمة العهد وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ استثنى من قضي له بالإيمان أَئِمَّةَ الْكُفْرِ «١» أي رؤساء أهله قيل:
إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم لا أَيْمانَ لَهُمْ أي لا أيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان «٢» بكسر الهمزة لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ يتعلق بقاتلوا وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ قيل: يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: إذايتهم للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم والمسلمين بمكة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ يريد بالقتل والأسر وفي ذلك وعد للمسلمين بالظفر قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قيل: إنهم خزاعة والإطلاق أحسن وَيَتُوبُ اللَّهُ استئناف إخبار فإن الله يتوب على بعض هؤلاء الكفار فيسلم أَمْ حَسِبْتُمْ الآية:
معناها أن الله لا يتركهم دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث، وأم هنا بمعنى بل والهمزة، يَعْلَمِ اللَّهُ أي: يعلم ذلك موجبا لتقوم به الحجة وَلِيجَةً أي بطانة
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليبا وظلما «٣» ، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ «٤» بالتوحيد أراد المسجد الحرام شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكا هو
стр. 330
لك أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الآية: سببها أن قوما من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.
وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ الآية قيل: نزلت فيمن ثبط عن الهجرة ولفظها عام وكذلك حكمها فَتَرَبَّصُوا وعيد لمن آثر أهله أو ماله أو مسكنه على الهجرة والجهاد بِأَمْرِهِ قيل: يعني فتح مكة، وقيل: هو إشارة إلى عذاب أو عقاب وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عطف على مواطن أو منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن لوجهين: أحدهما أن قوله: إذ أعجبتكم كثرتكم مختص بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن فيضعف عطف يوم حنين على المواطن للاختلاف الذي بينهما في ذلك، والآخر أن مواطن ظرف مكان، ويوم حنين ظرف زمان، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات، وحنين: اسم علم لموضع عرف برجل اسمه حنين وانصرف لأنه مذكر إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ كانوا يومئذ اثنا عشر ألفا، فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فأراد الله إظهار عجزهم ففرّ الناس عن رسول الله ﷺ ، حتى بقي على بغلته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار وقال: شاهت الوجوه، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار وقصة حنين مذكورة في السير بِما رَحُبَتْ أي ضاقت على كثرة اتساعها وما هنا مصدرية وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها يعني: الملائكة ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ إشارة إلى إسلام هوازن الذين قاتلوا المسلمين بحنين.
стр. 331
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قيل: إن نجاستهم بكفرهم وقيل: بالجنابة فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ نص على منع المشركين، وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك، وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام سائر المساجد، فمنع جميع الكفار من جميع المساجد، وجعلها الشافعي عامة في الكفار خاصة بالمسجد الحرام، فمنع جميع الكفار دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول غيره. وقصرها أبو حنيفة على موضع النص فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول سائر المساجد وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره بَعْدَ عامِهِمْ هذا يريد عام تسعة من الهجرة حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ عليهم عليّ سورة براءة وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي فقرا، كان المشركون يجلبون الأطعمة إلى مكة، فخاف الناس قلة القوت بها إذ منع المشركون منها، فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها وتمادى جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله سائر الأمصار قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أمر بقتال أهل الكتاب، ونفى عنهم الإيمان بالله لقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، ونفى عنهم الإيمان باليوم الآخر لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد والحساب وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لأنهم يستحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي لا يدخلون في الإسلام مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بيان للذين أمر بقتالهم وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم إلى غزوة تبوك لقتال النصارى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ اتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس، لقوله ﷺ : سنوا بهم سنة أهل الكتاب «١» ، واختلفوا في قبولها من عبدة الأوثان والصابئين ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين، وقدرها عند مالك أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق، ويؤخذ ذلك من كل رأس عَنْ يَدٍ فيه تأويلان: أحدهما دفع الذميّ لها بيده لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها كقولك يدا بيد، الثاني عن استسلام وانقياد كقولك: ألقى فلان بيده وَهُمْ صاغِرُونَ أذلاء
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ قال ابن
стр. 332
عباس: إن هذه المقالة قالها أربعة من اليهود، وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، وقيل: لم يقلها إلا فنحاص، ونسب ذلك إلى جميعهم لأنهم متبعون لمن قالها، والظاهر أن جماعتهم قالوها إذ لم ينكروها حين نسبت إليهم، وكان سبب قولهم ذلك أنهم فقدوا التوراة، فحفظها عزير وحده، فعلّمها لهم فقالوا: ما علم الله عزير التوراة إلا أنه ابنه، وعزير مبتدأ، وابن الله خبره، ومنع عزير «١» التنوين لأنه أعجمي لا ينصرف وقيل: بل هو منصرف وحذف التنوين لالتقاء الساكنين وهذا ضعيف، وأما من نونه فجعله عربيا وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله وذلك كفر شنيع بِأَفْواهِهِمْ يتضمن معنيين أحدهما: إلزامهم هذه المقالة والتأكيد في ذلك، والثاني: أنهم لا حجة لهم في ذلك، وإنما هو مجرد دعوى كقولك لمن تكذبه: هذا قول بلسانك يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ معنى يضاهئون يشابهون، فإن كان الضمير لليهود والنصارى، فالإشارة بقوله الذين كفروا من قبل للمشركين من العرب إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر. أو للصابئين أو لأمم متقدمة وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي ﷺ من اليهود والنصارى، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم، وقيل: معناه لعنهم الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ تعجب كيف يصرفون عن الحق والصواب اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً أي أطاعوهم كما يطاع الرب وإن كانوا لم يعبدوهم وَالْمَسِيحَ معطوف على الأحبار والرهبان وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً أي أمرهم بذلك عيسى ومحمد صلّى الله عليه واله وسلم يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ أي يريدون أن يطفئوا نبوة محمد صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم وما جاء به من عبادة الله وتوحيده بِأَفْواهِهِمْ إشارة إلى أقوالهم كقولهم ساحر وشاعر، وفيه أيضا إشارة إلي ضعف حيلتهم فيما أرادوا لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ الضمير للرسول صلّى الله عليه واله وسلّم، أو للدين، وإظهاره جعله أعلى الأديان وأقواها حتى يعم المشارق والمغارب، وقيل: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم حتى لا يبقى إلا دين الإسلام
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ هو الرشا
стр. 333
[جمع رشوة] على الأحكام وغير ذلك وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ورد في الحديث أن: «كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز» ، وقال أبو ذرّ وجماعة من الزهاد: كلما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز «١» وَلا يُنْفِقُونَها الضمير للأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، وقيل: هي الفضة، واكتفى في ذلك عن الذهب إذا الحكم فيهما واحد يَوْمَ يُحْمى العامل في الظرف أليم أو محذوف عَلَيْها الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير ينفقونها.
اثْنا عَشَرَ شَهْراً هي الأشهر المعروفة أولها المحرم وآخرها ذو الحجة، وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب ﵁ فِي كِتابِ اللَّهِ أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن والأوّل أرجح لقوله: يوم خلق السموات والأرض مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيّره بعضهم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ الضمير في قوله: فيهن للأشهر الحرم، تعظيما لأمرها وتغليظ للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعا في غيرها، وقيل:
الضمير للاثني عشر شهرا، أو الزمان كله، والأوّل أظهر وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي قاتلوهم في الأشهر الحرم، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها، وكافة حال من الفاعل أو المفعول إِنَّمَا النَّسِيءُ وهو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرّمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشق عليهم تركها فيجعلونها في شهر حرام ويحرمون شهرا آخر بدلا منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى تكمل في العام أربعة أشهر محرمة يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً أي تارة يحلون وتارة يحرمون، ولم يرد العام حقيقة لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا عدد الأشهر الحرم وهي أربعة فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم
ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ عبارة عن
стр. 334
تخلفهم، وأصل اثاقلتم تثاقلتم إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ شرط وجزاء وهو العذاب في الدنيا والآخرة إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ شرط وجواب، والضمير لرسول الله ﷺ ، فإن قيل:
ارتبط هذا الشرط مع جوابه، فالجواب: أن المعنى إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدل بقوله نصره الله على نصره في المستقبل إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار، لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه ثانِيَ اثْنَيْنِ هو أبو بكر الصديق إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ يعني أبا بكر إِنَّ اللَّهَ مَعَنا يعني بالنصر واللطف فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الضمير للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم، وقيل: لأبي بكر، لأن النبي ﷺ نزل معه السكينة، ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول ﵇ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة يوم بدر وغيره وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى يريد إذلالها ودحضها.
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا قيل هي: لا إله إلا الله، وقيل: الدين كله.
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا أمر بالنفير إلى الغزو، والخفة استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل من يمكنه بصعوبة، وقال بعض العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل:
الفقير، وقيل: الخفيف الشاب، والثقيل الشيخ، وقيل: الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان، وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً الآية: نزلت هي وكثير مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة وكانت في شدّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي الطريق والمسافة وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إخبار بغيب وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذبة، أو تخلفهم عن الغزو
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الآية: كان بعض المنافقين قد استأذن النبي ﷺ في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم، وقدم العفو على العتاب إكراما له
стр. 335
صلّى الله عليه وسلّم وقيل: إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب، ولكنه استفتاح كلام كما يقول:
أصلحك الله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ كانوا قد قالوا: استأذنوه في القعود، فإن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا، وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم، فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق ويسافر المطيع لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآية: لا يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر من يؤمن بالله واليوم الآخر وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ أي شكت، ونزلت الآية في عبد الله بن أبيّ بن سلول والجد بن قيس وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ الآية. أي لو كانت لهم نية في الغزو والاستعداد له قبل أوانه:
انْبِعاثَهُمْ أي خروجهم فَثَبَّطَهُمْ أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل وَقِيلَ اقْعُدُوا يحتمل أن يكون القائل لهم اقعدوا هو الله تعالى، وذلك عبارة عن قضائه عليهم بالقعود، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض مَعَ الْقاعِدِينَ أي مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذم لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا أي شرا وفسادا وَلَأَوْضَعُوا أي أسرعوا السير، والإيضاع سرعة السير، والمعنى أنهم يسرعون للفساد والنميمة خِلالَكُمْ أي بينكم يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي يحاولون أن يفتنوكم سَمَّاعُونَ لَهُمْ وقيل: يسمعون أخبارهم وينقلونها إليهم لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أي طلبوا الفساد، وروى أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي لما دعا النبي صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس وكان من المنافقين: ائذن لي في القعود ولا تفتني برؤية بني الأصفر فإني لا أصبر عن النساء أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي وقعوا في الفتنة التي فروا منها إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ الحسنة هنا النصر والغنيمة وشبه ذلك يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا أي ما قدر
стр. 336
وقضى، وهذا رد على المنافقين
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي هل تنتظرون بنا إلا إحدى أمرين: إما الظفر والنصر، وإما الموت في سبيل الله وكل واحد من الخصلتين حسن بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ المصائب وما ينزل من السماء أو عذاب الآخرة أَوْ بِأَيْدِينا يعني القتل فَتَرَبَّصُوا تهديد قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ تضمن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب، والمعنى: لن يتقبل منكم سواء أنفقتم طوعا أو كرها، والطوع والكره عموم في الإنفاق أي: لن يتقبل على كل حال وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم، ويحتمل أن يكون إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل الله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها قيل: العذاب في الدنيا بالمصائب، وقيل: ما ألزموا من أداء الزكاة وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ إخبار بأنهم يموتون على الكفر وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي من المؤمنين يَفْرَقُونَ يخافون لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي ما يلجأ إليه من المواضع أَوْ مَغاراتٍ هي الغيران في الجبال أَوْ مُدَّخَلًا وزنه مفتعل من الدخول ومعناه نفق أو سرب في الأرض يَجْمَحُونَ أي يسارعون وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ أي يعيبك على قسمتها، والآية في المنافقين كالتي قبلها وبعدها وقيل: في ذي الخويصرة الذي قال:
اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم:
«ويلك إن لم أعدل فمن يعدل «١» الحديث» وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا الآية: ترغيب لهم فيما هو خير لهم، وجواب لو محذوف تقديره: لكان ذلك خيرا لهم.
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ الآية: إنما هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم، ومذهب مالك أن تفريقها
стр. 337
في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام، فله أن يجعلها في بعض دون بعض، ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسواء، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين أو بالعكس؟ فقيل: هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله، والمسكين ليس كذلك وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي الذين يقبضونها ويفرقونها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم وَفِي الرِّقابِ يعني العبيد يشترون ويعتقون وَالْغارِمِينَ يعني من عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب، واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل؟ وَابْنِ السَّبِيلِ هو الغريب المحتاج فَرِيضَةً أي حقا محمودا: ونصبه على المصدر، فإن قيل. لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين؟ فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ يعني من المنافقين وإذايتهم للنبي ﷺ بالأقوال والأفعال وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ أي يسمع كل ما يقال له ويصدّقه، ويقال: إنّ قائل هذه المقالة هو نبيل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وقيل: عتاب بن قيس قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي يسمع الخير والحق وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي يصدقهم يقال: آمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدّى هذا الفعل بإلى وتعدّى يؤمن بالله بالباء وَرَحْمَةٌ بالرفع عطف على أذن، وبالخفض على خير يَحْلِفُونَ يعني المنافقين وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فهما جملتان حذف الضمير من الثانية لدلالة الأولى عليها، وقيل: إنما وحد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحد مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ يعني من يعادي ويخالف فَأَنَّ لَهُ إن هنا مكررة تأكيدا للأولى، وقيل: بدل منها، وقيل:
التقدير فواجب أن له، فهي في موضع خبر مبتدأ محذوف يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ يعني في شأنهم سورة على النبي ﷺ ، والضمائر في عليهم وتنبئهم وقلوبهم تعود على المنافقين، وقال الزمخشري: إن الضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر قُلِ اسْتَهْزِؤُا تهديد إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ صنع ذلك بهم
стр. 338
في هذه السورة، لأنها فضحتهم
إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ نزلت في وديعة بن ثابت بلغ النبي ﷺ أنه قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام هيهات هيهات، فسأله عن ذلك فقال:
إنما كنا نخوض ونلعب إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ كان رجل منهم اسمه مخشن تاب ومات شهيدا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ نفي لأن يكونوا من المؤمنين وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ كناية عن البخل نَسُوا اللَّهَ أي غفلوا عن ذكره فَنَسِيَهُمْ تركهم من رحمته وفضله وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر وَالْكُفَّارَ يعني المجاهرين بالكفر كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ خطاب للمنافقين، والكاف في موضع نصب، والتقدير، فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، أو في موضع خبر مبتدأ تقديره: أنتم كالذين من قبلكم وَخُضْتُمْ أي خلطتم وهو مستعار من الخوض في الماء، ولا يقال إلا في الباطل من الكلام كَالَّذِي خاضُوا تقديره كالخوض الذي خاضوا، وقيل: كالذين خاضوا، فالذي هنا على هذا بمعنى الجميع أَلَمْ يَأْتِهِمْ الآية: تهديد لهم بما أصاب الأمم المتقدمة وَالْمُؤْتَفِكاتِ يعني مدائن قوم لوط بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في مقابلة قوله: المنافقون بعضهم من بعض، ولكنه خص المؤمنين بالوصف بالولاية جَنَّاتِ عَدْنٍ قيل: عدن هي مدينة الجنة وأعظمها، وقال الزمخشري هو اسم علم وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي رضوان من الله أكبر من كل ما ذكر، وذلك معنى ما ذكر في الحديث: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة أتريدون شيئا أزيدكم، فيقولون
стр. 339
يا ربنا أي شيء تزيدنا؟ فيقول رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» «١» .
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق، وقد اختلف هل يقتل أم لا وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الغلظة ضد الرحمة والرأفة، وقد تكون بالقول والفعل وغير ذلك يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا نزلت في الجلاس بن سويد، فإنه قال: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك النبي صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم، فقرأه عليه فحلف أنه ما قاله وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ يعني ما تقدم من قول الجلاس لأن ذلك يقتضى التكذيب وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ لم يقل بعد إيمانهم، لأنهم كانوا يقولون بألسنتهم آمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا هم الجلاس بقتل من بلغ تلك الكلمة عنه، وقيل: هم بقتل النبي ﷺ وقيل: الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكلمة الكفر التي قالها قوله: سمن كلبك يأكلك، وهمه بما لم يناله قوله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ أي ما عابوا إلا الغني الذي كان حقه أن يشكروا عليه، وذلك في الجلاس أو في عبد الله بن أبيّ فَإِنْ يَتُوبُوا فتح الله لهم باب التوبة فتاب الجلاس وحسن حاله.
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية: نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال يا رسول الله:
ادع الله أن يكثر مالي. فقال له رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فأعاد عليه حتى دعا له فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية فجاء بزكاته إلى النبي ﷺ ، فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان بَخِلُوا بِهِ إشارة إلى منعه الزكاة فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً عقوبة على العصيان بما هو أشد منه إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ حكم بوفاته على النفاق
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ نزلت في المنافقين حين تصدق
стр. 340
عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقالوا: ما هذا إلا رياء. وأصل المطوعين المتطوعين، والمراد به هنا من تصدق بكثير وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ هم الذين لا يقدرون إلا على القليل فيتصدقون به، نزلت في أبي عقيل تصدق بصاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله غنى عن صدقة هذا فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ أي يستخفون بهم سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ تسمية للعقوبة باسم الذنب اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ يحتمل معنيين. أحدهما: أن يكون لفظه أمر، ومعناه الشرط، ومعناه: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة المنافقين، والآخر: أن يكون تخييرا، كأنه قال إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح لقول رسول الله ﷺ : إن الله خيرني فاخترت، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبيّ وقد نهاك الله عن الصلاة عليه سَبْعِينَ مَرَّةً ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ أي الذين خلفهم الله عن بدر وأقعدهم عنه، وفي هذا تحقير وذم لهم، ولذلك لم يقل المتخلفون بِمَقْعَدِهِمْ أي بقعودهم خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي بعده حين خرج إلى تبوك، فخلاف على هذا ظرف، وقيل: هو مصدر من خلف فهو على هذا مفعول من أجله وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قائل هذه المقالة رجل من بني سلمة ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً أمر بمعنى الخبر فضحكهم القليل في الدنيا مدة بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير في الآخرة وقيل: هو بمعنى الأمر أي يجب أن يكونوا: يضحكون قليلا ويبكون كثيرا في الدنيا لما وقعوا فيه إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ إنما لم يقل إليهم، لأن منهم من تاب من النفاق وندم على التخلف لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً عقوبة لهم فيها خزي وتوبيخ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني في غزوة تبوك فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي مع القاعدين وهم النساء والصبيان وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، وصلاة رسول الله ﷺ عليه حين مات، وروى أنه صلّى عليه فنزلت الآية، وروي أنه ﷺ لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه، وتلا عليه: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية، فانصرف رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم ولم يصل
стр. 341
عليه
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ قيل: يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق أَنْ آمِنُوا أن هنا مفسرة اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ أي أولو الغنى والمال الكثير لكِنِ الرَّسُولُ الآية أي إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه الْخَيْراتُ تعم منافع الدارين وقيل: هو الحور العين لقوله: خيرات حسان وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ هم المعتذرون ثم أدغمت التاء في الذال ونقلت حركتها إلى العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين وقيل:
هم المقصرون من عذر في الأمر إذا قصّر فيه ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون وروي أنها نزلت في قوم من غفار وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم فكذبوا في دعواهم الإيمان سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي من المعذرين.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى هذا رفع للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو. وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء والصبيان وهذا بعيد وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ قيل: نزلت في بني مقرن وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلّى الله عليه وعلى اله وسلّم وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ يعني: بنياتهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قيل: هم بنو مقرن وقيل ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتى وهم البكاؤون ومعنى لتحملهم على الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ أو تولوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك
لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ لن نصدقكم مِنْ أَخْبارِكُمْ نعت لمحذوف وهو المفعول الثاني تقديره: قد نبأنا الله جملة من
стр. 342
أخباركم الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً هم أهل البوادي من العرب وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني أنهم أحق أن لا يعلموا الشرائع لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقل المغرم الذي ليس بحق عليه وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر بكم مصائب الدنيا عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ خبر أو دعاء وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أي دعواته لهم وهو عطف على قربات أي يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى الله واغتنام دعاء الرسول لهم وقيل: نزلت في بني مقرن وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ قيل: هم من صلّى للقبلتين وقيل: من شهد بدرا، وقيل:
من حضر بيعة الرضوان وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ سائر الصحابة ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة بشرط الإحسان مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي اجترءوا عليه وقيل: أقاموا عليه سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل:
بفضيحتهم بالنفاق وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيئ تخلفهم عن تبوك، وروى أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم. وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول
стр. 343
الله إنا نريد أن نتصدق بأموالنا. فنزلت هذه الآية. وأخذ ثلث أموالهم. وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها خطاب للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي ادع لهم سَكَنٌ لَهُمْ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذا علموا أن الله تاب عليهم أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف. وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل:
عام. وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: يقبلها من عباده وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ قيل: هم الثلاثة الذين خلفوا قبل أن يتوب الله عليهم. وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز «١» وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً قرئ الذين بغير واو «٢» صفة لقوله وآخرون مرجون أو على تقديرهم الذين وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجون لأمر الله هم أهل مسجد الضرار، وقرئ والذين بالواو عطف على آخرون مرجون وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجئين أنهم الثلاثة الذين خلفوا ضِراراً وَكُفْراً كانوا بنو عمرو بن عوف من الأنصار قد بنوا مسجد قباء، وكان رسول الله ﷺ يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف فبنوا مسجدا آخر مجاورا له ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء، وذلك هو الضرار الذي قصدوا وسألوا من رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم أن يأتيه، ويصلي لهم فيه فنزلت عليه فيه هذه الآية وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أرادوا أن يتفرّق المؤمنون عن مسجد قباء وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أي انتظارا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول الله ﷺ جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزّب الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام، ليستنصر بقيصر فهلك هناك. وكان أهل مسجد الضرار يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد. والإشارة بقوله من قبل إلى ما فعل معه الأحزاب وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى
стр. 344
أي الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله فأكذبهم الله في ذلك
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله ﷺ لا يمر بطريقه لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى قيل: هو مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي ﷺ بالمدينة، وقد روي ذلك عن رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا كانوا يستنجون بالماء ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ الآية: استفهام بمعنى التقرير، والذي أسس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أسس على شفا جرف هار: هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع، ومعنى شفا جرف: طرفه، ومعنى هار: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على السقوط، وأصل هار: هائر، فهو من المقلوب، لأن لامه جعلت في موضع العين فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ أي طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاز، فإنه لما شبه بالجرف وصف بالانهيار الذي هو من شأن الجرف، وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم أمر بهدمه فهدم لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بنيانه: أي شك في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم: أو غيظ بسبب هدمه إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ أي إلا أن يموتوا.
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ قيل: إنها نزلت في بيعة العقبة، وحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة. قال بعضهم: ما أكرم الله، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جملة في موضع الحال بيان للشراء فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ قال بعضهم: ناهيك عن بيع البائع فيه رب العلا والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى ﷺ
التَّائِبُونَ وما بعده: أوصاف للمؤمنين الذين
стр. 345
اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم تقديره: هم التائبون السَّائِحُونَ قيل معناه الصائمون، ويقال ساح في الأرض: أي ذهب ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ نزلت في شأن أبي طالب فإنه لما امتنع أن يقول: لا إله إلا الله عند موته، قال له رسول الله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم: والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية، وقيل: إن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية، وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين فنزلت الآية وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ المعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا لوعد تقدم، وهو قوله سأستغفر لك ربي فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على الكفر، وقيل: لأنه نهي عن الاستغفار له لَأَوَّاهٌ قيل: كثير الدعاء، وقيل: موقن، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوّه من خوف الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً الآية: نزلت من قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تأنيسا لهم أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكن المنع من ذلك فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ يعني: حين محاولة غزوة تبوك، والساعة هنا بمعنى الحين والوقت، وإن كان مدة، والعسرة: الشدة وضيق الحال مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يعني: تزيغ عن الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغزوة لما رأوا من الضيق والمشقة، وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع بها القلوب ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يعني: على هذا الفريق أي رجع بهم عما كادوا يقعون فيه
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك، من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله ﷺ عتب عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك مدّة إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد روي حديثهم في البخاري ومسلم والسير، ومعنى خلّفوا هنا: أي عن الغزوة.
стр. 346
وقال كعب بن مالك معناه: خلفوا عن قبول الضر [كذا] وليس بالتخلف عن الغزو.
يقوّي ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلف ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ عبارة عما أصابهم من الغم والخوف من الله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا أي رجع بهم ليستقيموا على التوبة وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يحتمل أن يريد صدق اللسان إذا كانوا هؤلاء الثلاثة قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعم من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم، والمراد بالصادقين: المهاجرون لقول الله في الحشر:
للفقراء المهاجرين، إلى قوله: هم الصادقون وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا.
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الآية: عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ تعليل لما يجب من عدم التخلف ظَمَأٌ أي عطش وَلا نَصَبٌ أي تعب وَلا مَخْمَصَةٌ أي جوع وَلا يَطَؤُنَ أي بأرجلهم أو بدوابّهم وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا عموم في كل ما يصيب الكفار.
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. قال ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا: أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى في الخروج معه ﷺ ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها، وقيل: هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وقيل: هي في طلب العلم، ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض لأنه فرض كفاية فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ تحضيض على نفر بعض المؤمنين للجهاد أو لطلب العلم لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ إن قلنا إن الآية في الخروج إلى طلب العلم، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تنفر أي ترحل، وكذلك الضمير في ينذروا وفي رجعوا: أي ليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم من الرحلة، وإن قلنا: إن الآية في السرايا، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وأما الضمير في رجعوا فهو
стр. 347
للفرقة التي خرجت مع السرايا لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ الضمير للقوم قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أمر بقتال الأقرب فالأقرب على تدريج، وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام، لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدة وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً أي من المنافقين من يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه إيمانا على وجه الاستخفاف بالقرآن: كأنهم يقولون أي عجب في هذا؟ وأي دليل في هذا؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وذلك لما يتجدد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ المرض: عبارة عن الشك والنفاق والمعنى: زادتهم رجسا إلى رجسهم أو زادتهم كفرا ونفاقا إلى كفرهم ونفاقهم يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ قيل: يفتنون أي يختبرون بالأمراض والجوع، وقيل:
بالأمر بالجهاد، واختار ابن عطية أن يكون المعنى يفضحون بما يكشف من سرائرهم نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ كأن سبب خوفهم أن ينقل عنهم ذلك. وقيل: معنى نظر بعضهم إلى بعض على وجه التعجب مما ينزل في القرآن من كشف أسرارهم ثم قال بعضهم لبعض هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي هل رأى أحوالكم فنقلها عنكم أو علمت من غير نقل فهذا أيضا على وجه التعجب ثُمَّ انْصَرَفُوا يحتمل أن يراد الانصراف بالأبدان، أو الانصراف بالقلوب عن الهدى صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ دعاء أو خبر بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ تعليل لصرف قلوبهم لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني النبي ﷺ ، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم: أي من جنسكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي يشق عليه عنتكم، والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزيز صفة للرسول، وما عنتم فاعل بعزيز، وما مصدرية أو ما عنتم مصدر، وعزيز خبر مقدّم والجملة في موضع الصفة حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي حريص على إيمانكم وسعادتكم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ سماه الله هنا باسمين من أسمائه فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي إن أعرضوا عن الإيمان، فاستعن بالله وتوكل عليه وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.
стр. 348
سورة يونس
يونس مكية إلا الآيات ٤٠ و ٩٥ و ٩٦ فمدنية وآياتها ١٠٩ نزلت بعد الإسراء (سورة يونس) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء التي في أوائل السور تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والكتاب هنا القرآن الْحَكِيمِ من الحكمة أو من الحكم أو من الأحكام للأمر أي أحكمه الله أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ الهمزة للإنكار، وعجبا خبر كان، وأن أوحينا اسمها، وأن أنذر: تفسير للوحي، والمراد بالناس هنا كفار قريش وغيرهم، وإلى رجل هنا رسول الله ﷺ ، ومعنى الآية: الرد على من استبعد النبوة أو تعجب من أن يبعث الله رجلا.
قَدَمَ صِدْقٍ أي عمل صالح قدّموه. وقال ابن عباس: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ يعنون ما جاء به من القرآن، وقرئ «١» لساحر يعنون به النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، ويحتمل أن يكون كلامهم هذا تفسير لما ذكر قبل من تعجبهم من النبوّة، ويكون خبرا مستأنفا إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ تعريف بالله وصفاته ليعبدوه ولا يشركوا به، وفيه ردّ على من أنكر النبوة كأنه يقول: إنما أدعوكم إلى عبادة ربكم الذي خلق السموات والأرض فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي ما يشفع إليه أحد إلا بعد أن يأذن هو له في الشفاعة، وفي هذا ردّ على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفع لهم
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا نصب وعد على المصدر المذكور المؤكد للرجوع إلى الله، ونصب حقا على المصدر المؤكد لوعد الله
стр. 349
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي يبدؤه في الدنيا ويعيده بعد الموت في الآخرة، والبداءة دليل على العودة لِيَجْزِيَ تعليل للعودة وهي البعثة بِالْقِسْطِ أي بعدله في جزائهم أو بقسطهم في أعمالهم الصالحة هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وصف أفعال الله وقدرته وحكمته والضياء أعظم من النور وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ الضمير للقمر والمعنى قدر سيره في منازل وَالْحِسابَ يعني حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي ما خلقه عبثا، والإشارة بذلك إلى ما تقدم من المخلوقات إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا قيل: معنى يرجون هنا يخافون، وقيل: لا يرجون حسن لقاءنا، فالرجاء على أصله، وقيل: لا يرجون: لا يتوقعون أصلا، ولا يخطر ببالهم وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي قنعوا أن تكون حظهم ونصيبهم وَاطْمَأَنُّوا بِها أي سكنت أنفسهم عن ذكر الانتقال عنها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ يحتمل أن تكون هي الفرقة الأولى، فيكون من عطف الصفات، أو تكون غيرها.
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أي يسددهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو أرجح لما بعده دَعْواهُمْ فِيها أي دعاؤهم وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعا، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: ٣٢] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا عتاب في ضمنه نهي لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية لِجَنْبِهِ أي مضطجعا، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ إخبار ضمنه وعيد للكفار لِنَنْظُرَ معناه
стр. 350
ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني على قريش قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي ولا أعلمكم به فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً تنصل من الافتراء على الله، وبيان لبراءته صلّى الله عليه واله وسلّم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ الضمير في يعبدون لكفار العرب، وما لا يضرهم ولا ينفعهم هي الأصنام وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هو عالم بما في السموات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم لله فهو عدم محض، ليس بشيء فقوله: أتنبئون الله تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكم أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم؟ وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً تقدم في [البقرة: ٢١٣] في قوله: كان الناس أمة واحدة وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ يعني القضاء وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ كانوا يطلبون آية من الآيات التي اقترحوها، ولقد نزل عليه آيات عظام فما اعتدوا بها لعنادهم وشدة ضلالهم فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ إن شاء فعل «١» وإن شاء لم يفعل لا يطلع على ذلك أحد فَانْتَظِرُوا أي انتظروا نزول ما اقترحتموه إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أي منتظر لعقابكم على كفركم وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ هذه الآية من الكفار وتضمنت النهي لمن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا الطعن في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم سماه مكرا مشاكلة
стр. 351
لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب
وَجَرَيْنَ بِهِمْ الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله.
قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا رفع على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر: إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ كالزرع والفواكه وَالْأَنْعامُ يعني:
المرعى التي ترعاها من العشب وغيره أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب قادِرُونَ عَلَيْها أي متمكنون من الانتفاع بها أَتاها أَمْرُنا أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك فَجَعَلْناها حَصِيداً أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد كَأَنْ لَمْ تَغْنَ كأن لم تنعم. [أي لم توجد. انظر الطبري] .
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به قَتَرٌ أي غبار بغير الوجه وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ مبتدأ على حذف مضاف تقديره:
جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، أو معطوفا على الذين أحسنوا، ويكون: جزاء سيئة مبتدأ وخبره بمثلها ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي لا يعصمهم أحد من عذاب الله قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً من قرأ بفتح الطاء فهو
стр. 352
جمع قطعة وإعراب مظلما على هذه القراءة: حال من الليل، ومن قرأ قطعا بإسكان الطاء «١» ، فمظلما صفة له أو حال من الليل
مَكانَكُمْ تقديره الزموا مكانكم أي لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أي فرقنا تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي تختبر بما قدمت من الأعمال، وقرئ تتلو «٢» بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في المصاحف قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ الآية: احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا محيص لهم عن الإقرار بها يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ مذكور في [آل عمران: ٢٧] رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي الثابت الربوبية بخلاف ما تعبدون من دونه فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي عبادة غير الله ضلال بعد وضوح الحق، وتدل الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا المعنى: كما حق الحق في الاعتقادات كذلك حقت كلمة ربك على الذين عتوا وتمردوا في كفرهم أنهم لا يؤمنون، والكلمات يراد بها القدر والقضاء قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟ فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضا فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها أَمَّنْ لا يَهِدِّي «٣» بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج فَما لَكُمْ ما استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا أي غير
стр. 353
تحقيق، لأنه لا يستند إلى برهان إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ذلك في الاعتقادات إذ المطلوب فيها اليقين بخلاف الفروع تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مذكور في البقرة أَمْ يَقُولُونَ أم هنا بمعنى بل والهمزة فَأْتُوا بِسُورَةٍ تعجيز لهم وإقامة حجة عليهم مَنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني من شركائكم وغيرهم من الجنّ والإنس مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي علم تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ الآية فيها. قولان: أحدهما إخبار بما يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر أنها إخبار عن حالهم أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو مكذب فَقُلْ لِي عَمَلِي الآية: موادعة، منسوخة بالقتال مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على معنى من أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ المعنى أتريد أن تسمع الصم وذلك لا يكون. لا سيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ المعنى أتريد أن تهدى العمي، وذلك لا يكون ولا سيما إذا انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة، والصمم والعمى عبارة عن قلة فهمهم لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً تقليل لمدّة بقائهم في الدنيا أو في القبور يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يعني يوم الحشر فهو على هذا حال من الضمير في يلبثوا وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ شرط جوابه وإلينا مرجعهم. والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.
стр. 354
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ كلام فيه استبعاد واستخفاف بَياتاً أي بالليل ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذبين به وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟ والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد قُلْ إِي أي نعم ظَلَمَتْ صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي يشفي ما فيها من الجهل والشك قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيدا، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ الآية: مخاطبة لكفار العرب الذي حرّموا البحيرة والسائبة وغير ذلك قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك وَما ظَنُّ وعيد للذين يفترون يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ الشأن الأمر، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء
стр. 355
وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئا من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح، لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجدّ وَما يَعْزُبُ ما يغيب [وقرأ الكسائي يعزب] . مِثْقالِ ذَرَّةٍ وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟ فالجواب: أن السماء تقدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ من قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع «١» ، فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء.
أولياء الله اختلف الناس في معنى الولي اختلافا كثيرا، والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: الذين آمنوا وكانوا يتقون، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب الذي آمنوا صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفا لئلا ينقطع مما قبله هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقا، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له «٢» ، روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقيل: محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشّر به في القرآن من الثواب تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله. وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يعني ما يقوله الكفار من التكذيب إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ إخبار في ضمنه وعد للنبي ﷺ بالنصر، وتسلية له وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن وكرر إن يتبعون توكيدا، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله