← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب وَجَرَيْنَ بِهِمْ الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله. قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا رفع على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر: إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ كالزرع والفواكه وَالْأَنْعامُ يعني: المرعى التي ترعاها من العشب وغيره أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب قادِرُونَ عَلَيْها أي متمكنون من الانتفاع بها أَتاها أَمْرُنا أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك فَجَعَلْناها حَصِيداً أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد كَأَنْ لَمْ تَغْنَ كأن لم تنعم. [أي لم توجد. انظر الطبري] . وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به قَتَرٌ أي غبار بغير الوجه وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ مبتدأ على حذف مضاف تقديره: جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، أو معطوفا على الذين أحسنوا، ويكون: جزاء سيئة مبتدأ وخبره بمثلها ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي لا يعصمهم أحد من عذاب الله قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً من قرأ بفتح الطاء فهو

стр. 352

جمع قطعة وإعراب مظلما على هذه القراءة: حال من الليل، ومن قرأ قطعا بإسكان الطاء «١» ، فمظلما صفة له أو حال من الليل مَكانَكُمْ تقديره الزموا مكانكم أي لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أي فرقنا تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي تختبر بما قدمت من الأعمال، وقرئ تتلو «٢» بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في المصاحف قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ الآية: احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا محيص لهم عن الإقرار بها يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ مذكور في [آل عمران: ٢٧] رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي الثابت الربوبية بخلاف ما تعبدون من دونه فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي عبادة غير الله ضلال بعد وضوح الحق، وتدل الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا المعنى: كما حق الحق في الاعتقادات كذلك حقت كلمة ربك على الذين عتوا وتمردوا في كفرهم أنهم لا يؤمنون، والكلمات يراد بها القدر والقضاء قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟ فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضا فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها أَمَّنْ لا يَهِدِّي «٣» بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج فَما لَكُمْ ما استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا أي غير

стр. 353

تحقيق، لأنه لا يستند إلى برهان إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ذلك في الاعتقادات إذ المطلوب فيها اليقين بخلاف الفروع تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مذكور في البقرة أَمْ يَقُولُونَ أم هنا بمعنى بل والهمزة فَأْتُوا بِسُورَةٍ تعجيز لهم وإقامة حجة عليهم مَنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني من شركائكم وغيرهم من الجنّ والإنس مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي علم تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ الآية فيها. قولان: أحدهما إخبار بما يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر أنها إخبار عن حالهم أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو مكذب فَقُلْ لِي عَمَلِي الآية: موادعة، منسوخة بالقتال مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على معنى من أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ المعنى أتريد أن تسمع الصم وذلك لا يكون. لا سيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ المعنى أتريد أن تهدى العمي، وذلك لا يكون ولا سيما إذا انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة، والصمم والعمى عبارة عن قلة فهمهم لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً تقليل لمدّة بقائهم في الدنيا أو في القبور يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يعني يوم الحشر فهو على هذا حال من الضمير في يلبثوا وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ شرط جوابه وإلينا مرجعهم. والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.

стр. 354

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ كلام فيه استبعاد واستخفاف بَياتاً أي بالليل ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذبين به وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟ والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد قُلْ إِي أي نعم ظَلَمَتْ صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي يشفي ما فيها من الجهل والشك قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيدا، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ الآية: مخاطبة لكفار العرب الذي حرّموا البحيرة والسائبة وغير ذلك قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك وَما ظَنُّ وعيد للذين يفترون يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ الشأن الأمر، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء

стр. 355

وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئا من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح، لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجدّ وَما يَعْزُبُ ما يغيب [وقرأ الكسائي يعزب] . مِثْقالِ ذَرَّةٍ وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟ فالجواب: أن السماء تقدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ من قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع «١» ، فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء. أولياء الله اختلف الناس في معنى الولي اختلافا كثيرا، والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: الذين آمنوا وكانوا يتقون، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب الذي آمنوا صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفا لئلا ينقطع مما قبله هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقا، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له «٢» ، روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقيل: محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشّر به في القرآن من الثواب تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله. وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يعني ما يقوله الكفار من التكذيب إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ إخبار في ضمنه وعد للنبي ﷺ بالنصر، وتسلية له وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن وكرر إن يتبعون توكيدا، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله

стр. 356

إن يتبعون إلا الظن، والعامل في شركاء على الوجهين يدعون لِتَسْكُنُوا فِيهِ من السكون وهو ضدّ الحركة وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي مضيئا تبصرون فيه الأشياء قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله هُوَ الْغَنِيُّ وصف يقتضي نفي الولد والردّ على من نسبه إليه، لأن الغني المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم مَتاعٌ فِي الدُّنْيا تقديره: لهم متاع في الدنيا نُوحٍ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله كَبُرَ عَلَيْكُمْ أي صعب وشق مَقامِي أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان فَأَجْمِعُوا بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع شُرَكاءَكُمْ أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعوا شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستورا ولكن مكشوفا تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح ﵇، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحا ﵇ قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ أي يخلفون من هلك بالغرق ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا يعني: هودا وصالحا وإبراهيم وغيرهم أَسِحْرٌ هذا قيل إنه معمول أتقولون،

стр. 357

فهو من كلام قوم فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: إن هذا لسحر مبين، فكيف يستفهمون عنه؟ وقيل: إنه من كلام موسى تقريرا أو توبيخا فيوقف على قوله: أتقولون للحق لما جاءكم، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون؟ وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير ﵀ لِتَلْفِتَنا أي لتصرفنا وتردّنا عن دين آبائنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ أي الملك، والخطاب لموسى وأخيه ﵉ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر وقرئ آلسحر بالاستفهام «١» فما على هذا استفهامية، والسحر خبر ابتداء مضمر وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ يحتمل أن يكون من كلام موسى أو إخبار من الله تعالى فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من فرعون، وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ الضمير يعود على الذرية أي آمنت الذرية من بني إسرائيل، على خوف من فرعون وملإ من بني إسرائيل، لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفا من فرعون، وقيل: يعود على فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له أَنْ يَفْتِنَهُمْ بدل من فرعون لَعالٍ فِي الْأَرْضِ أي متكبر قاهر رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي لا تمكنهم من عذابنا فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم فيفتنون بذلك أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً أي اتخذ لهم بيوتا للصلاة والعبادة، وقيل: إنه أراد

стр. 358

الإسكندرية وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي مساجد وقيل: موجهة إلى جهة القبلة، فإن قيل: لم خص موسى وهارون بالخطاب في قوله أن تبوّءا. ثم خاطب معهما بنو إسرائيل في قوله: واجعلوا، فالجواب: أن قوله تبوّءا من الأمور التي يختص بها الأنبياء وأولوا الأمر وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أمر لموسى ﵇، وقيل: لمحمد ﷺ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ دعاء بلفظ الأمر، وقيل: اللام لام كي وتتعلق بقوله: آتيت اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي أهلكها وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اجعلها شديدة القسوة فَلا يُؤْمِنُوا جواب للدعاء الذي هو اشدد، ودعاء بلفظ النفي قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما الخطاب لموسى وهارون على أنه لم يذكر الدعاء إلا عن موسى وحده، لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على دعائه، فَاسْتَقِيما أي أثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ أي لحقهم يقال: تبعه حتى أتبعه، هكذا قال الزمخشري. وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع وأما اتبع بالتشديد فهو: طلب الأثر، سواء أدرك أو لم يدرك لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ يعني الله ، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنت لأنه لم يصرح باسم الله آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي قيل له: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار، وذلك لا يقبل منك نُنَجِّيكَ أي نبعدك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض أي على موضع مرتفع «١» بِبَدَنِكَ أي بجسدك جسدا بدون روح، وقيل بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها والمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ منزلا حسنا وهو مصر والشام فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ قيل: يريد اختلافهم في دينهم وقيل: اختلافهم في أمر محمد ﷺ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ قيل: الخطاب للنبي صلّى الله عليه واله وسلم، والمراد غيره، وقيل: ذلك كقول

стр. 359

القائل لابنه: إن كنت ابني فبرّني مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس: لم يشك النبي ﷺ ولم يسأل، وقال الزمخشري: إن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي إن فرضت أن تقعد في شك فاسأل مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ قيل: يعني القرآن أو الشرع بجملته، وهذا أظهر، وقيل: يعني ما تقدم من أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم الحق فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ يعني: الذين يقرءون التوراة والإنجيل، قال السهيلي: هم عبد الله بن سلام ومخيريق ومن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، لأن الآية مكية، وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة، فحمل الآية على الإطلاق أولى فَلا تَكُونَنَّ خطاب للنبي ﷺ والمراد غيره حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي قضى أنهم لا يؤمنون فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وقرئ في الشاذ هلا، والمعنى: هلا كانت قرية من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى لفرعون إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ويجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلا قوم يونس، وروي في قصصهم أن يونس ﵇ أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم فتابوا وتضرعوا إلى الله تعالى فرفعه عنهم وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يريد إلى آجالهم المكتوبة في الأزل أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الهمزة للإنكار أي أتريد أنت أن تكره الناس في إدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك، وليس ذلك إليك إنما هو بيد الله، وقيل: المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يؤمنوا أو كان هذا في صدر الإسلام قبل الأمر بالجهاد ثم نسخت بالسيف انْظُرُوا أمر بالاعتبار والنظر في آيات الله وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ الآية: تهديد حَقًّا عَلَيْنا اعتراض بين العامل ومعموله وهما كذلك، وننج

стр. 360

المؤمنين وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ الوجه هنا بمعنى القصد والدين وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وعد بالنصر والظهور على الكفار.

стр. 361

سورة هود مكية إلا الآيات ١٢ و ١٧ و ١١٤ فمدنية وآياتها ١٢٣ نزلت بعد سورة يونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة هود ﵇ الر كِتابٌ يعني القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر أُحْكِمَتْ أي أتقنت فهو من الإحكام للشيء ثُمَّ فُصِّلَتْ قيل معناه بينت وقيل قطعت سورة سورة، وثم هنا ليست للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب الأحوال: كقولك فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أن مفسرة وقيل مصدرية في موضع مفعول من أجله، أو بدل من الآيات، أو يكون كلاما مستأنفا منقطعا عما قبله، على لسان رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم، ويدل على ذلك قوله: إنني لكم منه نذير وبشير وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي استغفروه مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة عليها يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً أي ينفعكم في الدنيا بالأرزاق، والنعم، والخيرات، وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه، لأنه الكافر قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى الموت وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ أي يعطي في الآخرة كل ذي عمل جزاء عمله، والضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذي فضل وَإِنْ تَوَلَّوْا خطاب للناس، وهو فعل مستقبل حذفت منه إحدى التاءين عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يعني يوم القيامة أو غيره كيوم بدر أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ قيل: كان الكفار إذا لقيهم رسول الله ﷺ يردون إليه ظهورهم، لئلا يرونه من شدة البغض والعداوة، والضمير في منه على هذا يعود إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: إن ذلك عبارة عما تنطوى عليه صدورهم من البغض والغل، وقيل: هو عبارة عن إعراضهم لأن من أعرض عن شيء انثنى عنه وانحرف، والضمير في منه على هذا يعود على الله تعالى أي يريدون أن يستخفوا من الله تعالى فلا يطلع رسوله ولا المؤمنون على ما في قلوبهم أَلا حِينَ

стр. 362

يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ أي يجعلونها أغشية وأغطية، كراهية لاستماع القرآن، والعامل في حين يعلم ما يسرون، وقيل: المعنى يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على هذا، ويكون يعلم استئنافا وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وعد وضمان صادق، فإن قيل: كيف قال: على الله بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضل، لأن الله لا يجب عليه شيء؟ فالجواب: أنه ذكره كذلك تأكيدا في الضمان، لأنه لما وعد به صار واقعا لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها المستودع صلب الأب والمستقر بطن المرأة وقيل: المستقر المكان في الدنيا والمستودع القبر وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض لِيَبْلُوَكُمْ أي ليختبركم اختبارا تقوم به الحجة عليكم، لأنه كان عالما بأعمالكم قبل خلقكم ويتعلق ليبلوكم بخلق سِحْرٌ مُبِينٌ يحتمل أن يشيروا إلى القرآن، أو إلى القول بالبعث يعنون أنه باطل كبطلان السحر وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ يحتمل أن يريد عذاب الدنيا أو الآخرة إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ أي إلى وقت محدود لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أي أي شيء يمنع هذا العذاب الموعود به، وقولهم ذلك على وجه التكذيب والاستخفاف وَلَئِنْ أَذَقْنَا الآية: ذم لمن يقنط عند الشدائد، ولمن يفتخر ويتكبر عند النعم، والرحمة هنا والنعماء يراد بهما الخيرات الدنيوية، والإنسان عام يراد به الجنس والاستثناء على هذا متصل، وقيل: المراد بالإنسان الكافر فالاستثناء منقطع فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ الآية: كان الكفار يقترحون على رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزؤن بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك تارك أن تلقى إليهم بعض ما أنزل إليك ويثقل عليك تبليغهم من أجل استهزائهم، أو لعلك يضيق صدرك من أجل أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، والمقصود بالآية تسلية النبي ﷺ عن قولهم حتى يبلغ الرسالة، ولا يبالي بهم، وإنما قال ضائق، ولم يقل ضيق ليدل على اتساع صدره ﵇ وقلة ضيقه إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ أي ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ والله هو الوكيل، الذي يقضي

стр. 363

بما شاء من إيمانهم أو كفرهم أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير في افتراه لما يوحي إليه قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ تحدّاهم أوّلا بعشر سور فلما بان عجزهم تحدّاهم بسورة واحدة فقال: فأتوا بسورة من مثله، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه مُفْتَرَياتٍ صفة لعشر سور، وذلك مقابلة لقولهم: افتراه، وليست المماثلة في الافتراء وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أي استعينوا بمن شئتم فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ فيها وجهان: أحدهما أن تكون مخاطبة من الله للنبي ﵌ وللمؤمنين. أي: إن لم يستجب الكفار إلى ما دعوتموهم إليه من معارضة القرآن فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على علمكم بذلك أو زيدوا يقينا به، والثاني أن يكون خطابا من النبي ﵌ للكفار أي إن لم يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليه فاعلموا أنه من عند الله، وهذا أقوى من الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون؟ ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب وقوله: فهل أنتم مسلمون لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى الإسلام وإلزام للكفار أن يسلموا، لما قام الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإتيان بمثل القرآن مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها الآية: نزلت في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة إذ هم لا يصدّقون بها، وقيل: نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يريدون بأعمالهم الدنيا، حسبما ورد في الحديث في القارئ، والمنفق، والمجاهد، الذين أرادوا أن يقال لهم ذلك إنهم أول من تسعر بهم النار، والأول أرجح لتقدّم ذكر الكفار المناقضين للقرآن، فإنما قصد بهذه الآية أولئك نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها نوف إليهم أجور أعمالهم بما يغبطهم فيها من الصحة والرزق، والضمير في فيها يعود على الدنيا والمجرور متعلق بقوله نوف أو بأعمالهم وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها الضمير في فيها هنا يعود على الآخرة إن تعلق المجرور بحبط ويعود على الدنيا إن تعلق بصنعوا أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ الآية معادلة لما تقدم، والمعنى أفمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه، والمراد بمن كان على بينة من ربه: النبي ﷺ والمؤمنون لقوله بعد ذلك: أولئك يؤمنون به، ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر الجلي وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ الضمير في يتلوه للبرهان وهو البينة ولمن كان على بينة من ربه، والضمير في منه

стр. 364

للرب تعالى، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه، والشاهد: يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل: إن الشاهد المذكور هنا هو عليّ بن أبي طالب وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى أي ومن قبل ذلك الكتاب الشاهد كتاب موسى، وهو أيضا دليل آخر متقدم، وقد قيل: أقوال كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما ذكرنا وَمِنَ الْأَحْزابِ أي من أهل مكة وَيَقُولُ الْأَشْهادُ جمع شاهد كأصحاب، ويحتمل أن يكون من الشهادة فيراد به الملائكة والأنبياء أو من الشهود بمعنى الحضور، فيراد به كل من حضر الموقف وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبون اعوجاجها أو يصفونها بالاعوجاج، لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ أي لا يفلتون يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ إخبار عن تشديد عذابهم وليس بصفة لأولياء ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ الآية: ما نافية والضمير للكفار، والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون كقوله: ختم الله على قلوبهم الآية، وقيل غير ذلك، وهو بعيد لا جَرَمَ أي لا بد ولا شك أَخْبَتُوا أي: خشعوا وقيل: أنابوا مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ يعني المؤمنين والكافرين كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ شبّه الكفار بالأعمى والأصم، وشبّه المؤمنين بالبصير والسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل: التقدير كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، فالواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع بين العمى والصمم عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ وصف اليوم بالأليم على وجه المجاز لوقوع الألم فيه أَراذِلُنا جمع أرذل وهم سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم، جهلا منهم واعتقادا أن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنون كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا، وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجّامين، واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم

стр. 365

أراذل في أفعالهم لقول نوح: وما علمي بما كانوا يعملون بادِيَ الرَّأْيِ أي أول الرأي من غير نظر ولا تدبير، وبادي منصوب على الظرفية: أصله وقت حدوث أول رأيهم، والعامل فيه اتبعوك على أصح الأقوال، والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبت، وقيل: هو صفة لبشرا مثلنا: أي غير مثبت في الرأي وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي من مزية وشرف، والخطاب لنوح ﵇ ومن معه عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على برهان وأمر جليّ، وكذلك في قصة صالح وشعيب وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ يعني النبوّة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ «١» أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البينة أو الرحمة أَنُلْزِمُكُمُوها أي أنكرهكم على قبولها قهرا؟ وهذا هو جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحا ﵇ قال لقومه: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا الضمير في عليه عائد على التبليغ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ المعنى أنه يجازيهم على إيمانهم مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أي: من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الآية: أي لا أدعى ما ليس لي فتنكرون قولي تَزْدَرِي أي تحتقر من قولك: زريت الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم: ضعفاء المؤمنين إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إن قلت للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرا، والخير هنا يحتمل أن يريد به خير الدنيا والآخرة جادَلْتَنا الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي بالعذاب وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي الآية: جزاء قوله: إن أردت أن أنصح لكم، هو ما دل عليه قوله: نصحي وجزاء قوله: إن كان الله يريد أن يغويكم: هو ما دل عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، فتقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحى إن نصحت لكم، ثم استأنف

стр. 366

قوله هو ربكم، ولا يجوز أن يكون ربكم هو جواب الشرط أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ الآية: الضمير في يقولون لكفار قريش، وفي افتراه لمحمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وهذا قول جميع المفسرين، واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح ﵇، فيكون الضمير في يقولون لقوم نوح، وفي افتراه لنوح لئلا يعترض ما بين قصة نوح بغيرها وهو بعيد إِجْرامِي أي ذنبي فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تحزن وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا أي تحت نظرنا وحفظنا وَوَحْيِنا أي وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق كُلَّما يحتمل أن يكون جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تهديد، ومن يأتيه منصوب بتعلمون عَذابٌ يُخْزِيهِ هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا غاية لقوله: ويصنع الفلك وَفارَ التَّنُّورُ أي فار بالماء وجعل الله تلك العلامة لنوح ليركب حينئذ في السفينة، والمراد بالتنور: الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره، وروي أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح، وقيل: التنور وجه الأرض قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان، وقرئ من كل بغير تنوين فعمل احمل في اثنين ومن قرأ بالتنوين «١» عمل احمل في زوجين، وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد وَأَهْلَكَ أي قرابتك، وهو معطوف على ما عمل فيه احمل إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته وَمَنْ آمَنَ معطوف على أهلك، أي احمل أهلك ومن آمن من غيرهم وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قيل: كانوا ثمانين وقيل عشرة وقيل ثمانية وَقالَ ارْكَبُوا فِيها الضمير في قال لنوح، والخطاب لمن كان معه، والضمير في فيها للسفينة، وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرت على الجودي يوم عاشوراء بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها «٢» وَمُرْساها اشتقاق مجراها من الجري، واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو الثبوت. أو من وقوف السفينة،

стр. 367

ويمكن أن يكونا ظرفين للزمان أو المكان، أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما أن يكون اسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت إجرائها وإرسائها أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله من معنى الفعل في موضع خبر ويكون قوله: بسم الله متصلا مع ما قبله، والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون كلامين فيوقف على اركبوا فيها ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر أي إجراؤها وإرساؤها ويكون بسم الله على هذا مستأنفا غير متصل بما قبله ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحا كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال بسم الله فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، فصار الكل كالبحر، قاله ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا، وصوّبه الزمخشري، وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل التطبيق [كذا] ، وقبل أن يغمر الماء الجبال وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كان اسمه كنعان، وقيل: يام وكان له ثلاث بنون سواه وهم: سام وحام ويافث، ومنهم تناسل الخلق فِي مَعْزِلٍ أي في ناحية لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ يحتمل أربعة أوجه: أحدها أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم كذلك بمعنى الراحم فالمعنى: لا عاصم إلا الراحم وهو الله تعالى، والثاني: أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ومن رحم: بمعنى مفعول أي من رحم الله، فالمعنى لا معصوم إلا من ﵀ والاستثناء على هذين الوجهين متصل، والثالث أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من ﵀ فهو المعصوم، والرابع عكسه والاستثناء على هذين منقطع ابْلَعِي ماءَكِ عبارة عن جفوف الأرض من الماء أَقْلِعِي أي أمسكي عن المطر وروي أنها أمطرت من كل موضع منها وَغِيضَ الْماءُ أي نقص وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي تمّ وكمل وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ أي استقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل وَقِيلَ بُعْداً أي هلاكا، وانتصب على المصدر وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق، فيكون العطف من غير ترتيب، أو يكون بعده فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أي: وقد وعدتني أن تنجي أهلي قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي

стр. 368

ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، لأنه كافر، ولقوله: ونادى نوح ابنه إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه، والثاني أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره: إنه ذو عمل غير صالح، والثالث: أن يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة كقولك: رجل صوم، وقرأ الكسائي «عمل» بفعل ماض «غير صالح» بالنصب، والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا تطلب مني أمرا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لم سمى نداءه سؤالا، ولا سؤال فيه؟ فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرح به إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أن في موضع مفعول من أجله تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا أي اهبط من السفينة بسلامة وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي ممن معك في السفينة، واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية من معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لابتداء الغاية، والتقدير على أمم ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ يعني نمتعهم متاع الدنيا وهم الكفار إلي يوم القيامة. تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ إشارة إلى القصة، وفي الآية دليل على أن القرآن من عند الله لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يعني في عبادتهم لغير الله يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً السماء هنا المطر ومدرارا بناء تكثير من الدرّ يقال: درّ المطر واللبن وغيره، وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار، وروي أن عادا كان حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب، لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ أي بمعجزة، وذلك كذب منهم وجحود، أو يكون معناه بآية تضطرنا إلى

стр. 369

الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية عَنْ قَوْلِكَ أي بسبب قولك إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ معناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ هذا أمر بمعنى التعجيز أي: لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم مبالاته بهم، فقال: إني توكلت على الله الآية ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي: هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل لذلك، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد أن أفعال الله جميلة وقوله صدق ووعده حق، فالاستقامة تامة فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ أصل تولوا هنا تتولوا لأنه فعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة، فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جوابا للشرط، وقد كان الإبلاغ قبل التولي؟ فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا عتب عليّ لأني قد أبلغتكم رسالة ربي وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً أي لا تنقصونه شيئا: أي إذا أهلككم واستخلف غيركم وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا إن قيل: لم قال هنا وفي قصة شعيب ولما بالواو وقال في قصة صالح ولوط: فلما بالفاء؟ فالجواب على ما قال الزمخشري أنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بعد الوعيد، فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب كما تقول وعدته فلما جاء الميعاد بخلاف قصة هود وشعيب، فإنه لم يتقدم ذلك فيهما فعطف بالواو وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ يحتمل أن يريد به عذاب الآخرة، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح، ويحتمل أن يريد بالثاني أيضا الريح، وكرره إعلاما بأنه عذاب غليظ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم وَعَصَوْا رُسُلَهُ في جميع الرسل هنا وجهان: أحدهما أن من عصى رسولا واحدا لزمه عصيان جميعهم فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى توحيده، والثاني أن يراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا واحدا أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ هذا تشنيع لكفرهم، وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد أَلا بُعْداً أي هلاكا وهذا دعاء عليهم وانتصابه بفعل مضمر، فإن قيل: كيف دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؟ فالجواب أن المراد أنهم أهل لذلك لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ بيان لأن عادا اثنان: إحداهما قوم هود، والأخرى إرم هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ لأن آدم خلق من تراب وَاسْتَعْمَرَكُمْ

стр. 370

فِيها أي جعلكم تعمرونها. فهو من العمران للأرض، وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا نرجو أن تدخل في ديننا فِي دارِكُمْ أي بلدكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ معطوف على نجينا أي نجيناهم من خزي يومئذ جاثِمِينَ ذكر في الأعراف كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب. وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا الرسل هنا الملائكة إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بشروه بالولد قالُوا سَلاماً نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلمنا عليكم سلاما قالَ سَلامٌ تقديره عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حيّاهم بأحسن مما حيّوه، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ أي ما لبث مجيئه بل عجّل وما نافية وأن جاء فاعل لبث بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي مشويّ، وفعيل هنا بمعنى مفعول نَكِرَهُمْ أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قيل: إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه، وقيل: عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما يخاف فأمنوه بقولهم: لا تخف وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ قيل: قائمة خلف الستر، وقيل: قائمة في الصلاة، وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة فَضَحِكَتْ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف واختلفوا من أي شيء ضحكت، فقيل: سرورا بالولد الذي بشرت به ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، وقيل: سرورا بالأمن بعد الخوف، وقيل: سرورا بهلاك قوم لوط فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها كانت بأمره وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أي من بعده وهو ولده، وقيل:

стр. 371

الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق قالَتْ يا وَيْلَتى الألف فيه مبدلة من ياء المتكلم، وكذلك في يا لهفي ويا أسفى ويا عجبا، ومعناه التعجب من الولادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يحتمل الدعاء والخبر أَهْلَ الْبَيْتِ أي أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى حَمِيدٌ أي محمود مَجِيدٌ من المجد وهو العلو والشرف يُجادِلُنا هو جواب لمّا على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو على تقدير ظل أو أخذ يجادلنا ويكون: يجادلنا مستأنفا والجواب محذوف، ومعنى جداله كلامه مع الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط، وقد ذكر في اللغات لَحَلِيمٌ وفي براءة أواه. يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا يعني عن المجادلة فيهم فقد نفذ القضاء بعذابهم وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وضجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه يَوْمٌ عَصِيبٌ أي شديد وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي: ما لنا فيهم أرب وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ يعنون نكاح الذكور قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ معنى آوى ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد: يعني إلى الله والملائكة قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب

стр. 372

ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي قطعة منه وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ نهوا عن الالتفات لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي إِلَّا امْرَأَتَكَ قرئ بالنصب والرفع «١» ، فالنصب استثناء من قوله فأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، وروي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أي وقت عذابهم الصبح أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن، فقالوا له: أليس الصبح بقريب جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها الضمير للمدائن روي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً أي على المدائن، والمراد أهلها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت مِنْ سِجِّيلٍ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي مَنْضُودٍ أي مضموم بعضه فوق بعض مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ معناه: معلّمة بعلامة، روي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الفرقان: ٤٠] وقيل: إن الظالمين على العموم إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته، أَصَلاتُكَ «٢» تَأْمُرُكَ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله:

стр. 373

إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عند نفسك وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً أي سالما من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أي لا يكسبنكم عداوتي أن يصيبكم مثل عذاب الأمم المتقدمة، وشقاقي فاعل، وأن يصيبكم مفعول وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ يعني في الزمان لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم، ويحتمل أن يراد ببعيد في البلاد ما نَفْقَهُ أي ما نفهم وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً أي ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نحيل البدن، وقيل: أعمى وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ الرهط: القرابة والرجم بالحجارة أو بالسب أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ هذا توبيخ لهم فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به وهو رسول الله تهاون بالله فلذلك قال: أرهطي أعزّ عليكم من الله وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا الضمير في اتخذتموه لله تعالى أو لدينه وأمره، والظهري ما يطرح وراء الظهر ولا يعبأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب. اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ تهديد ومعنى مكانتكم تمكنكم في الدنيا وعزتكم فيها مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ عذاب الدنيا والآخرة وَارْتَقِبُوا تهديد وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا

стр. 374

أي بالمعجزات وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي برهان بين يَقْدُمُ قَوْمَهُ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه وَيَوْمَ الْقِيامَةِ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي العطية المعطاة قائِمٌ وَحَصِيدٌ باق وداثر فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ حجة على التوحيد ونفي الشريك تَتْبِيبٍ أي تخسير يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع يَوْمٌ مَشْهُودٌ أي يحضره الأولون والآخرون يَوْمَ يَأْتِ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر وفاعل يأت ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا تكلم نفس زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ الزفير: إخراج النفس، والشهيق ردّه، وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبدا، والآخر أن يكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام «١» إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجبا، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول

стр. 375

الأول والثالث دون الثاني غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي غير مقطوع فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ المرية الشك والإشارة إلى عبدة الأصنام، أي لا تشك في فساد دين هؤلاء ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ أي: هم متبعون لآبائهم تقليدا من غير برهان وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ يعني من العذاب كَلِمَةٌ سَبَقَتْ يعني: القدر، وذلك أن الله قضى أن يفصل بينهم يوم القيامة فلا يفصل في الدنيا وَإِنَّ كُلًّا قرئ بتشديد إن وبتخفيفها، وإعمالها عمل الثقيلة، والتنوين في كل عوضا من المضاف إليه يعني كلهم، واللام في لما موطئة للقسم، وما زائدة، وليوفينّهم خبر إن، وقرئ لما بالتشديد على أن تكون إن نافية، ولمّا بمعنى إلا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ أي جزاء أعمالهم وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ مستأنف غير معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة وَأَقِمِ الصَّلاةَ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، روي أن رجلا قبل امرأة ثم ندم، فذكر ذلك للنبي ﷺ وصلى معه الصلاة فنزلت الآية فقال النبي ﷺ : أين السائل، فقال ها أنذا فقال قد غفر لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي ﷺ للرجل مستدلا بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ذلِكَ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد فَلَوْلا تحضيض بمعنى هلا أُولُوا بَقِيَّةٍ أي أولو خير ودين بقي لهم دون غيرهم إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ استثناء منقطع معناه: ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون ينهون عن الفساد في الأرض، وقيل: هو متصل فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي كأنه قال: ما كان فيهم من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلا، على أن الوجه في

стр. 376

مثل هذا البدل ويجوز فيه النصب الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني الذين لم ينهوا عن الفساد بِظُلْمٍ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالما لهم، تعالى الله عن ذلك وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يعني في الأديان والملل والمذاهب وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة وقيل إليهما وَكُلًّا نَقُصُّ انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ الإشارة إلى السورة اعْمَلُوا وَانْتَظِرُوا تهديد لهم وإقامة حجة عليهم.

стр. 377

سورة يوسف مكية إلا الآيات ١ و ٢ و ٣ و ٧ فمدنية وآياتها ١١١ نزلت بعد سورة هود بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة يوسف ﵇ الْكِتابِ الْمُبِينِ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البيّن، فيكون غير متعد، أو يكون متعديا بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره لَعَلَّكُمْ يتعلق بأنزلناه أو بعربيا أَحْسَنَ الْقَصَصِ يعني قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق، والقصص يكون مصدرا أو اسم مفعول بمعنى المقصوص، فإن أريد به هنا المصدر فمفعول نقصّ محذوف، لأن ذكر القرآن يدل عليه وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ الضمير في قبله للقصص أي من الغافلين عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله لكونه جاء به من غير تعليم إِذْ قالَ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص يا أَبَتِ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلم رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد يَجْتَبِيكَ يختارك وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك آلِ يَعْقُوبَ يعني ذريته آياتٌ لِلسَّائِلِينَ أي لمن سأل عنها، روي أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف أو أمروا قريشا أن يسألوه

стр. 378

عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصغيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبه ليوسف وأخيه يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي لا يشارككم غيره في محبته لكم وإقباله عليكم قَوْماً صالِحِينَ أي بالتوبة والاستقامة وقيل: هو صلاح حالهم مع أبيهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهوذا، وقيل: روبيل غَيابَتِ الْجُبِّ «١» غوره وما غاب منه السَّيَّارَةِ جمع سيار، وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي هذا هو الرأي إن فعلتموه ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ أي: لم تخاف عليه منا، وقرأ السبع تأمنا، بالإدغام والإشمام، لأن أصله بضم النون الأولى يَرْتَعْ «٢» من قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من رعي الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته، ومن قرأه بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومن قرأ: يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم إخوته، وإنما قالوا: نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من المباح للتعلم كالمسابقة بالخيل وَأَجْمَعُوا أي عزموا، وجواب لما محذوف، وقيل: إنه أجمعوا، أو وأوحينا على زيادة الواو وَأَوْحَيْنا يحتمل أن يكون هذا الوحي بواسطة ملك، أو بإلهام، والضمير في إليه ليوسف، وقيل: ليعقوب والأول هو الصحيح، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ في موضع الحال من لتنبئنهم أي: لا يشعرون حين تنبئهم فيكون خطابا ليوسف ﵇، أو من أوحينا لا يشعرون حين أوحينا إليه فيكون خطابا للنبي ﷺ نَسْتَبِقُ أي نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدّق لمقالتنا

стр. 379

وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ أي لا تصدّقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي: ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخوا قميصه بدم جدي، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك على كذبهم سَوَّلَتْ أي زينت فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدإ تقديره: شأني صبر جميل وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ روي أن هؤلاء السيارة من مدين، وقيل: هم أعراب وارِدَهُمْ الوارد هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولدا، أعقب كل واحد منهم قبيلة قالَ يا بُشْرى «١» أي نادى البشرى كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه، وقرئ يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل: على هذه القراءة نادى رجلا منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد الحبل في الجب تعلق به يوسف فحينئذ قال: يا بشراي هذا غلام وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم: دفعه لنا قوم لنبيعه لهم بمصر وَشَرَوْهُ أي باعوه، والضمير أيضا للذين أخذوه، وقيل: الضمير لإخوة يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا: للسيارة هذا عبدنا بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي ناقص عن قيمته، وقيل: البخس هنا الظلم دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ عبارة عن قلتها وَكانُوا الضمير للذين أخذوه أو لإخوته وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهيلي: اسمه قطفير مِنْ مِصْرَ هو البلد المعروف، ولذلك لم ينصرف، وكان يوسف قد سيق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا، وقيل: فضة فاشتراه العزيز تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قد تقدم وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ في عود الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشاء لا رادّ لأمره، والثاني: أنه يعود على يوسف أي يدبر الله أمره بالحفظ له والكرامة بَلَغَ أَشُدَّهُ قيل: الأشدّ البلوغ،

стр. 380

وقيل: ثماني عشرة سنة وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون حُكْماً هي الحكمة والنبوة وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ أي طلبت منه ما يكون من الرجل إلى المرأة وهي زليخا امرأة العزيز وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ روي أنها كانت سبعة أبواب هَيْتَ لَكَ «١» اسم فعل معناه تعال وأقبل، وقرئ بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركة التاء للبناء، وأما من قرأ بالهمز فهو فعل من تهيأت كقولك: جئت مَعاذَ اللَّهِ منصوب على المصدرية، والمعنى أعوذ بالله إِنَّهُ رَبِّي يحتمل أن يكون الضمير لله تعالى، أو للذي اشتراه، لأن السيد يقال له رب، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل أي الضمير وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومفرّط، وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحله التكة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من جعل أنها همت به لتضربه على امتناعه وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد، يرده قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ومنهم من جعل همها به من حيث مرادها وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضا بعيد، لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء الله: إنها همت به من حيث مرادها وهمّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذكر من حل التكة وغيرها بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهمّ بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه من همّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله همّ بها يدل عليه، وقد قيل: إن «هم بها» هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا يتقدم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل: يا يوسف أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ينهاه، وقيل: تفكر فاستبصر، وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنم لها حياء منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من الله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ الكاف في موضع نصب متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع تقديره: الأمر مثل ذلك السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ خيانة سيده والوقوع في الزنا الْمُخْلَصِينَ

стр. 381

قرئ بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبالكسر أي الذي أخلصوا دينهم لله وَاسْتَبَقَا الْبابَ معناه: سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردّه، فإن قيل: كيف قال هنا الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب فالجواب أن المراد هنا الباب البرّاني الذي هو المخرج من الدار وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لتردّه فتمزق القميص، والقدّ القطع بالطول، و [القطّ] القطع بالعرض وَأَلْفَيا سَيِّدَها أي وجدا زوجها عند الباب قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كل من فعل ذلك على العموم، ولم تصرح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها، وما جزاء يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي برّأ نفسه من دعواها وَشَهِدَ شاهِدٌ قيل: هو ابن عمها وقيل: كان طفلا في المهد فتكلم، وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم بذلك كرامة ليوسف ﵇، والتقدير شهد شاهد فقال: أو ضمنت الشهادة معنى القول إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ لأنها كانت تدافعه فتقدّ قميصه من قبل وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرّ منها فقدّت قميصه من دبر فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فاعل رأى زوجها أو الشاهد إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ الضمير للأمر أو لقولها ما جزاء يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي اكتمه ولا تحدث به، ويوسف منادى حذف منه حرف النداء لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام الشاهد مِنَ الْخاطِئِينَ جاء بلفظ التذكير، ولم يقل من الخاطئات تغليبا للذكور. وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب فَتاها أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم شَغَفَها بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي بقولهن وسماه مكرا لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها

стр. 382

وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطاؤها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحما وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها أَكْبَرْنَهُ أي عظمن شأنه وجماله. وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام حاشَ لِلَّهِ «١» معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلا وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله، وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيها، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ما هذا بَشَراً أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة مبالغة في وصف الحسن إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ توبيخ لهن على اللوم فَاسْتَعْصَمَ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك رَأَوُا الْآياتِ أي الأدلة على براءته. وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ أي شابان، وقيل: هنا محذوف لا بد منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وكذلك سأله الفتيان عن منامهما، وقيل: إنهما استعملاها ليجرباه، وقيل رأيا ذلك حقا أَعْصِرُ خَمْراً قيل فيه: سمى العنب خمرا بما يؤول إليه وقيل: هي لغة إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قيل: معناه في تأويل الرؤيا، وقيل: إحسانه إلى أهل

стр. 383

السجن قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم، ليجعل ذلك وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي روي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال: ذلكما مما علمني ربي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلا لما قبله من قوله: علمني ربي أو يكون استئنافا. يا صاحِبَيِ السِّجْنِ نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبيّ في السجن أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما الحجة رغبة في إيمانهما ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً أوقع الأسماء هنا موقع المسميات والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم عبدتموها مِنْ سُلْطانٍ أي حجة وبرهان فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً يعني الملك وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا الظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله: قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون على بابه، لأن عبارة الرؤيا ظن اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ يعني الملك فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ قيل: الضمير ليوسف، أي نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن، وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو الساقي. أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، والرب على هذا التأويل الملك بِضْعَ سِنِينَ البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة، وروي أن يوسف ﵇ سجن خمس سنين أولا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين. وَقالَ الْمَلِكُ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادما له واسمه ريّان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة، وقيل: إنه فرعون موسى عمّر أربعمائة سنة حتى أدركه موسى وهذا بعيد إِنِّي أَرى في المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ

стр. 384

أي ضعاف في غاية الهزال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ خطاب لجلسائه وأهل دولته لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرت الرؤيا بتخفيف الباء وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب، وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدم عن الفعل قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس ووسوسة شيطان بحيث لا يعبر، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، واحده ضغث، فإن قيل: لم قال أضغاث أحلام بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدة؟ فالجواب أن هذا كقولك فلان يركب الخيل وإن ركب فرسا واحدا وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ إما أن يريدوا تأويل الأحلام الباطلة، أو تأويل الأحلام على الإطلاق وهو الأظهر وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما هو ساقي الملك وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي بعد حين يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ يقدر قبله محذوف لا بد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقا لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرتها تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة دَأَباً بسكون الهمزة وفتحها «١» مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ هذا رأي أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة سَبْعٌ شِدادٌ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تخزنون وتخبئون ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن يُغاثُ النَّاسُ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث:

стр. 385

أي يفرج الله عنهم وَفِيهِ يَعْصِرُونَ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلما، فذكر طرفا من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبرا وحلما، إذ لم يجب إلى الخروج من السجن ساعة دعي إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعيا لذمام زوجها وسترا لها، بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهنّ قالَ ما خَطْبُكُنَّ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق. ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلا بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف ﵇ أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توبتها وإقرارها، وقيل: إنه من كلام يوسف ﵇، فالضمير للعزيز أي لم أخنه في زوجته في غيبته، بل تعففت عنها، والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي اختلف أيضا هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همّ به على وجه خطوره على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها ومطمئنة إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولا ائتوني به، فلما تبين له حاله قال: أستخلصه لنفسي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ أي فلما رأى

стр. 386

حسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرا، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره وإذا كان في ذلك فائدة. وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به، وروي أن الملك ولاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلب على أمره وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلى، ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى تملكهم جميعا ثم أعتقهم وردّ عليهم أملاكهم نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ الرحمة هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأجر في قوله: ولا نضيع أجر المحسنين بدليل قوله بعد ذلك: ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لا بدّ له من أجره في الدنيا، فالأوّل: في المشيئة، والثاني: واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتقون، وفي الآية إشارة إلى أن يوسف ﵇ جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة. وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادخره يوسف فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغيير سنه أو لأنه كان متلثما، روى أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من الملك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخا لهم، فحينئذ قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا الطعام الذي باع منهم خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي المضيفين وَإِنَّا لَفاعِلُونَ أي نفعل ذلك لا محالة.

стр. 387

وَقالَ لِفِتْيانِهِ جمع فتى وهو الخادم سواء كان حرا أو عبدا اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد برد البضاعة إليهم مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ إشارة إلى قوله: وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي فهو خوف من المنع في المستقبل نَكْتَلْ وزنه نفتعل من الكيل ما نَبْغِي ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي شيء نطلبه بعد هذه الكرامة وهي ردّ البضاعة مع الطعام، ويحتمل أن تكون ما نافية ونبغي من البغي: أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك وَنَمِيرُ أَهْلَنا أي نسوق لهم الطعام وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطي إلا كيل بعير من الطعام لكل إنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي. والبعير الجمل ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي قليل عنده أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أراد أن يحلفوا له ولتأتنني به جواب اليمين إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقون الإتيان به. يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله إِلَّا حاجَةً استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي ضمه قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك فَلا تَبْتَئِسْ أي لا تحزن فهو من البؤس بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف

стр. 388

وأخيه، ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق له. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي نادى مناد أَيَّتُهَا الْعِيرُ أي أيتها الرفقة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ أي لمن وجده ورده حمل بعير من طعام على وجه الجعل وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي ضامن لحمل البعير لمن ردّ الصواع، وهذا من كلام المنادي قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ أي استشهدوا بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم حتى كانوا يجعلون الأكمّة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي قال فتيان يوسف: ما جزاء آخذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين، فالضمير في قوله جزاؤه يعود على الأخذ المفهوم من الكلام قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ المعنى أن إخوة يوسف أفتوا فيما سئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يستعبد، ويؤخذ في السرقة، وأما الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأوّل مبتدأ ومن مبتدأ ثان وهي شرطية أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: أن يكون من خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزاؤه أخذ من وجد في رحله وتم الكلام. ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ من كلام إخوة يوسف أي هذا حكمنا في السراق، وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ هذا تمكين للحيلة ورفع للتهمة ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ليصح له بذلك إمساكه معه، وإنما أنث الصواع في هذا الموضع لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث. كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي صنعنا له هذا الصنع ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ أي في شرعه أو عادته، لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يضرب ويضاعف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية آل يعقوب نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني الرفعة بالعلم

стр. 389

بدليل ما بعده وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه من البشر، أو الله قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ الضمير في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لا منّا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول أن عمته ربته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها إلى أن ماتت، والثاني أنه أخذ صنما لجدّه والد أمه فكسره، والثالث أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شرّ مكانا، والمعنى قال في قوله: أنتم شر مكانا وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر مكانا أي لسوء أفعالكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة. إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً استعطافا وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ على وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على الإطلاق اسْتَيْأَسُوا أي يئسوا خَلَصُوا نَجِيًّا أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدرا قالَ كَبِيرُهُمْ قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي وهو: شمعون، وقيل: يهوذا وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ تحتمل «ما» وجوها: الأول أن تكون زائدة، والثاني أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث أن تكون موصولة ومحلها أيضا الرفع كذلك، والأول أظهر فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يريد الموضع الذي وقعت فيه القصة ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف وهو بعيد إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع في رحله من غير علمه.

стр. 390

وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ تقديره واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية بِهِمْ جَمِيعاً وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ لما لم يصدقهم، أعرض عنهم ورجع إلى التأسف وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ تأسف على يوسف دون أخيه الثاني والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشدّ لإفراط محبته ولأن مصيبته كانت السابقة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عمي، وقيل إنه كان يدرك إدراكا ضعيفا، وروي عن النبي ﷺ أن يعقوب حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط فَهُوَ كَظِيمٌ قيل إنه فعيل بمعنى فاعل أي كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلا لله وقيل: بمعنى مفعول كقوله إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم: ٤٨] أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: الشديد الحزن تَاللَّهِ تَفْتَؤُا أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات: لأنه لو كان إثباتا لكان مؤكدا باللام والنون حَرَضاً أي مشرفا على الهلاك الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ردّ عليهم في تفنيدهم له: أي إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا إلى غيركم، والبث: أشدّ الحزن أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنّي به وقوة رجائي فيه. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختيارا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أي من رحمة الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ إنما
следующие страницы →