← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرا، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره وإذا كان في ذلك فائدة. وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به، وروي أن الملك ولاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلب على أمره وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلى، ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى تملكهم جميعا ثم أعتقهم وردّ عليهم أملاكهم نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ الرحمة هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأجر في قوله: ولا نضيع أجر المحسنين بدليل قوله بعد ذلك: ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لا بدّ له من أجره في الدنيا، فالأوّل: في المشيئة، والثاني: واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتقون، وفي الآية إشارة إلى أن يوسف ﵇ جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة. وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادخره يوسف فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغيير سنه أو لأنه كان متلثما، روى أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من الملك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخا لهم، فحينئذ قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا الطعام الذي باع منهم خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي المضيفين وَإِنَّا لَفاعِلُونَ أي نفعل ذلك لا محالة.

стр. 387

وَقالَ لِفِتْيانِهِ جمع فتى وهو الخادم سواء كان حرا أو عبدا اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد برد البضاعة إليهم مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ إشارة إلى قوله: وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي فهو خوف من المنع في المستقبل نَكْتَلْ وزنه نفتعل من الكيل ما نَبْغِي ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي شيء نطلبه بعد هذه الكرامة وهي ردّ البضاعة مع الطعام، ويحتمل أن تكون ما نافية ونبغي من البغي: أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك وَنَمِيرُ أَهْلَنا أي نسوق لهم الطعام وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطي إلا كيل بعير من الطعام لكل إنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي. والبعير الجمل ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي قليل عنده أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أراد أن يحلفوا له ولتأتنني به جواب اليمين إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقون الإتيان به. يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله إِلَّا حاجَةً استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي ضمه قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك فَلا تَبْتَئِسْ أي لا تحزن فهو من البؤس بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف

стр. 388

وأخيه، ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق له. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي نادى مناد أَيَّتُهَا الْعِيرُ أي أيتها الرفقة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ أي لمن وجده ورده حمل بعير من طعام على وجه الجعل وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي ضامن لحمل البعير لمن ردّ الصواع، وهذا من كلام المنادي قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ أي استشهدوا بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم حتى كانوا يجعلون الأكمّة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي قال فتيان يوسف: ما جزاء آخذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين، فالضمير في قوله جزاؤه يعود على الأخذ المفهوم من الكلام قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ المعنى أن إخوة يوسف أفتوا فيما سئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يستعبد، ويؤخذ في السرقة، وأما الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأوّل مبتدأ ومن مبتدأ ثان وهي شرطية أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: أن يكون من خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزاؤه أخذ من وجد في رحله وتم الكلام. ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ من كلام إخوة يوسف أي هذا حكمنا في السراق، وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ هذا تمكين للحيلة ورفع للتهمة ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ليصح له بذلك إمساكه معه، وإنما أنث الصواع في هذا الموضع لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث. كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي صنعنا له هذا الصنع ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ أي في شرعه أو عادته، لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يضرب ويضاعف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية آل يعقوب نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني الرفعة بالعلم

стр. 389

بدليل ما بعده وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه من البشر، أو الله قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ الضمير في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لا منّا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول أن عمته ربته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها إلى أن ماتت، والثاني أنه أخذ صنما لجدّه والد أمه فكسره، والثالث أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شرّ مكانا، والمعنى قال في قوله: أنتم شر مكانا وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر مكانا أي لسوء أفعالكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة. إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً استعطافا وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ على وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على الإطلاق اسْتَيْأَسُوا أي يئسوا خَلَصُوا نَجِيًّا أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدرا قالَ كَبِيرُهُمْ قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي وهو: شمعون، وقيل: يهوذا وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ تحتمل «ما» وجوها: الأول أن تكون زائدة، والثاني أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث أن تكون موصولة ومحلها أيضا الرفع كذلك، والأول أظهر فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يريد الموضع الذي وقعت فيه القصة ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف وهو بعيد إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع في رحله من غير علمه.

стр. 390

وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ تقديره واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية بِهِمْ جَمِيعاً وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ لما لم يصدقهم، أعرض عنهم ورجع إلى التأسف وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ تأسف على يوسف دون أخيه الثاني والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشدّ لإفراط محبته ولأن مصيبته كانت السابقة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عمي، وقيل إنه كان يدرك إدراكا ضعيفا، وروي عن النبي ﷺ أن يعقوب حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط فَهُوَ كَظِيمٌ قيل إنه فعيل بمعنى فاعل أي كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلا لله وقيل: بمعنى مفعول كقوله إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم: ٤٨] أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: الشديد الحزن تَاللَّهِ تَفْتَؤُا أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات: لأنه لو كان إثباتا لكان مؤكدا باللام والنون حَرَضاً أي مشرفا على الهلاك الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ردّ عليهم في تفنيدهم له: أي إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا إلى غيركم، والبث: أشدّ الحزن أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنّي به وقوة رجائي فيه. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختيارا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أي من رحمة الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ إنما

стр. 391

جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلا بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى مصر الضُّرُّ يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ يعنون الدراهم التي جاءوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت عروضا فلذلك قالوا هذا وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهمهم [من فوق] وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالا للأنبياء قبل محمد ﷺ ، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قال النقاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظا يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ لما شكوا إليه رقّ لهم وعرّفهم بنفسه، وروي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما في الصغر، ومضرتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل بقبح ما فعلوه أو جهل الشباب قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرئ بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه والاستفهام على أنهم توهموا أنه هو ولم يحققوه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ قيل إنه أراد من يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن، واللفظ أعم من ذلك آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا أي فضلك لَخاطِئِينَ أي عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ عفو جميل، والتثريب التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدر في عليكم من معنى الاستقرار وقيل: إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكم على الله وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقه. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي روي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله له حين أخرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به، والظاهر أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص كل أحد

стр. 392

يَأْتِ بَصِيراً الظاهر أنه علم ذلك بوحي من الله فَصَلَتِ الْعِيرُ أي خرجت من مصر متوجهة إلى يعقوب قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ كان يعقوب ببيت المقدس، ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ أي تلومونني أو تردّون عليّ قولي، وقيل: معناه تقولون: ذهب عقلك، لأن الفند هو الخرف لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي ذهابك عن الصواب، بإفراط محبتك في يوسف قديما فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ روي أن البشير يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص القرحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي وعدهم بالاستغفار لهم، فقيل سوّفهم إلى السّحر لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل إلى ليلة الجمعة فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ هنا محذوفات يدل عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أي ضمهما، وأراد بالأبوين أباه وأمه، وقيل أباه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت، وسمى الخالة على هذا أمّا إِنْ شاءَ اللَّهُ راجع إلى الأمن الذي في قوله آمنين. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ أي على سرير الملك وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يعني حين رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عاما، وقيل أربعون أَحْسَنَ بِي يقال أحسن إليه وبه أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ إنما لم يقل أخرجني من الجب لوجهين: أحدهما أن في ذكر الجب خزي لإخوته، وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره توقيرا لهم. والآخر أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أي من البادية وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدّ من النعم مجيئهم للحاضرة نَزَغَ الشَّيْطانُ أي أفسد وأغوى لَطِيفٌ لِما يَشاءُ أي لطيف التدبير لما يشاء من الأمور مِنَ الْمُلْكِ من للتبعيض، لأنه لم يعطه إلا بعض ملك الدنيا بل بعض ملك مصر تَوَفَّنِي مُسْلِماً لما عدّد النعم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء

стр. 393

ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت. وقيل ليس ذلك دعاء بالموت، وإنما دعا أن الله يتم عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله. ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ احتجاج على صحة نبوة محمد ﵌ بإخباره بالغيوب وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ الخطاب للنبي ﵌ تأكيدا لحجته والضمير لأخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أي عزموا وَهُمْ يَمْكُرُونَ يعني فعلهم بيوسف وَما أَكْثَرُ النَّاسِ عموم لأن الكفار أكثر من المؤمنين، وقيل أراد أهل مكة وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ اعتراض أي لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي لست تسألهم أجرا على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك، وهكذا معناه حيث وقع وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ يعني المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ نزلت في كفار العرب الذين يقرون بالله ويعبدون معه غيره، وقيل: في أهل الكتاب لقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله غاشِيَةٌ هي ما يغشى ويعم. قُلْ هذِهِ سَبِيلِي إشارة إلى شريعة الإسلام أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أي أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على بصيرة من أمري وحجة واضحة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أنا تأكيد للضمير في أدعو، ومن اتبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع الحال وقيل: أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره، فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا ضعيف وَسُبْحانَ اللَّهِ تقديره وأقول سبحان الله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا ردّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولا من النساء مِنْ أَهْلِ الْقُرى أي من أهل المدن، لا من أهل البوادي، فإن الله لم يبعث رسولا من أهل البادية لجفائهم حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا إلى قوله عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن يكون من إيمان قومهم أو من النصر، والأول أحسن وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قرئ بتشديد الذال وتخفيفها «١» ، فأما التشديد فالضمير في ظنوا

стр. 394

وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين: أي علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه للقوم المرسل إليهم، أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم فِي قَصَصِهِمْ الضمير للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى يعني القرآن وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ تقدم معناه في البقرة.

стр. 395

سورة الرعد مدنية وآياتها ٤٣ نزلت بعد سورة محمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الرعد) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ أي آيات هذه السورة ويحتمل أن يريد آيات الكتب على الإطلاق، ويحتمل أن يريد القرآن على الإطلاق، وهذا بعيد لتكرار القرآن بعد ذلك وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن وإعرابه مبتدأ وخبره الحق بِغَيْرِ عَمَدٍ أي بغير شيء تقف إلا قدرة الله تَرَوْنَها قيل: الضمير للسموات، وترونها على هذا في موضع الحال أو استئنافا، وقيل: الضمير للعمد أي ليس لها عمد مرئية فيقتضي المفهوم من أن لها عمدا لا ترى، وقال الجمهور: لا عمد لها البتة، فالمراد نفي العمد ونفي رؤيتها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر، فإن العرش كان قبل خلق السموات، وتقدّم الكلام على الاستواء في [الأعراف: ٥٣] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يعني أمر الملكوت يُفَصِّلُ الْآياتِ يعني آيات كتبه مَدَّ الْأَرْضَ يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمدّ مع التكوير لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض رَواسِيَ يعني الجبال الثابتة زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني صنفين من الثمر: كالأسود والأبيض، والحلو والحامض، فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصناف كثيرة، والجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين، لأن دلالة غيرهما من باب أولى، وقيل: إن الكلام تم في قوله: من كل الثمرات ثم ابتدأ بقوله: جعل فيها زوجين يعني الذكر والأنثى والأول أحسن يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يلبسه إياه فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيه. قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ يعني قطع متلاصقة ومع تلاصقها، فإن أرضها تتنوع إلى طيب

стр. 396

ورديء وصلب ورخو، وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الصانع المختار المريد القادر صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ الصنوان هي النخلات الكثيرة، ويكون أصلها واحد وغير الصنوان المفترق فردا فردا، وواحد الصنوان صنو يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ حجة وبرهان على أنه تعالى قدير ومريد، لأن اختلاف مذاقها وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء الذي تسقى به: دليل على القدرة والإرادة، وفي ذلك ردّ على القائلين بالطبيعة. وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أي إن تعجب يا محمد فإن إنكارهم للبعث حقيق أن يتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السموات والأرض والثمار قادر على إنشاء الخلق بعد موتهم، أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هذا هو قول الكفار المنكرين للبعث، واختلف القراء في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي فيها استفهامان، وهي أحد عشر موضعا، أولها هذا، وفي الإسراء موضعان، وفي المؤمنين موضع، وفي النمل موضع، وفي العنكبوت موضع، وفي ألم السجدة موضع، وفي الصافات موضعان وفي الواقعة موضع، وفي النازعات موضع، فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول والثاني ومنهم من قرأ بالاستفهام في الأول فقط وهو نافع ومنهم من قرأ بالاستفهام في الثاني فقط، وأصل الاستفهام في المعنى، وإنما هو عن الثاني في مثل هذا الموضع، فإن همزة الاستفهام معناها الإنكار، وإنما أنكروا أن يكونوا خلقا جديدا ولم ينكروا أن يكونوا ترابا، فمن قرأ بالاستفهام في الثاني فقط هو على الأصل ومن قرأ بالاستفهام في الأول، فالقصد بالاستفهام الثاني، ومن قرأ بالاستفهام فيهما فذلك للتأكيد وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ يحتمل أن يريد الأغلال في الآخرة فيكون حقيقة، أو يريد أنهم ممنوعون من الإيمان كقولك: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [يس: ٨] ، فيكون مجازا يجري مجرى الطبع والختم على القلوب وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي بالنقمة قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ جمع مثلة على وزن تمرة وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مثلا، والمعنى كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوبات الأمم الذين كانوا قبلهم أفلا يخافون مثل ذلك؟ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة، وقيل: يريد مغفرته لمن تاب، والأول أظهر هنا. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية: اقترحوا نزول آية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

стр. 397

من نزول ملك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندة إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي إنما عليك إنذارهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية إنما ذلك إلى الله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن يراد بالهادي الله تعالى، فالمعنى إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء، والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي ﷺ ، فالمعنى إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هاد من الأنبياء ينذرهم فليس أمرك ببدع ولا مستنكر. الثالث: روي أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ : أنا المنذر وأنت يا عليّ الهادي «١» . اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى كقوله: يعلم ما في الأرحام، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو خداج، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ معنى تغيض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، وقيل: إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل: للولد فالغيض السقط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل أن تكون ما في قوله: ما تَحْمِلُ وما تَغِيضُ وما تَزْدادُ: موصولة أو مصدرية سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ المعنى إن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء. وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من أدوات البيان، فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضا مطابقة وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ المعنى سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء مع السارب بالنهار، وهو في غاية الظهور ومعنى السارب: المتصرف في سربه بالفتح: أي في طريقه ووجهه، والسارب والمستخفي اثنان قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف بينهما في اطلاع الله عليهما مع تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف واحد يستخفي بالليل ويظهر بالنهار، ويعضد هذا كونه قال: وسارب، فعطفه عطف الصفات ولم يقل ومن هو سارب بتكرار من كما قال، مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، إلا أنّ جعلهما اثنين أرجح ليقابل من أسر القول ومن جهر به، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: وَسارِبٌ عطف على الجملة وهو قوله: ومن هو مستخف لا على مستخف وحده لَهُ مُعَقِّباتٌ المعقبات هنا جماعة الملائكة، وسميت معقبات لأن بعضهم يعقب بعضا، والضمير في له يعود على من المتقدّمة، كأنه قال: لمن أسر ومن جهر، ولمن استخفى ومن ظهر له معقبات، وقيل: يعود على الله وهو قول ضعيف لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق يَحْفَظُونَهُ صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد

стр. 398

به حفظ أعماله أو حفظه وحراسته من الآفات مِنْ أَمْرِ اللَّهِ صفة للمعقبات أي معقبات من أجل أمر الله أي أمرهم بحفظه، وقرئ بأمر الله، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلق من أمر الله على هذا ليحفظونه، وقيل: يتعلق به على أنهم يحفظونه من عقوبة الله إذا أذنب بدعائهم له واستغفارهم إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من العافية والنعم حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ بالمعاصي، فيقتضي ذلك أن الله لا يسلب النعم، ولا يترك النقم إلا بالذنوب يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً الخوف يكون مع البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه السَّحابَ الثِّقالَ وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح، وقد جاء في الأثر: أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ قيل: إنه إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أربد [بن ربيعة] الكافر، وقتلته حين هم بقتل النبي صلّى الله عليه واله وسلّم هو وأخوه [لأمه] عامر بن الطفيل [العامري] «١» واللفظ أعم من ذلك وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني الكفار، والواو للاستئناف أو للحال شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد القوة، والمحال مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل: معناه شديد المكر من قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه فعال وتأويل المكر على هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في القرآن. لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى أن دعوة العباد بالحق لله ودعوتهم بالباطل لغيره وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يعني بالذين: ما عبدوا من دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في يدعون للكفار، والمعنى أن المعبودين لا يستجيبون لمن عبدهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ شبّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فمه على هذا أبدا لأن الماء جماد لا يعقل المراد، فكذلك الأصنام، والضمير في قوله: وما هو الماء، وفي ببالغه للفم. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً من لا تقع إلا على من يعقل، فهي هنا يراد بها الملائكة والإنس والجن، فإذا جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله

стр. 399

وقضائه فهو عام في الجميع: من شاء منهم ومن أبى، ويكون طوعا لمن أسلم وكرها لمن كره وسخط، وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون لسجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن طوعا، وأما الكره فهو سجود المنافق وسجود ظل الكافر وَظِلالُهُمْ معطوف على من والمعنى أن الظلال تسجد غدوة وعشية، وسجودها انقيادها للتصرف بمشيئة الله قُلِ اللَّهُ جواب عن السؤال المتقدم، وهو من رب السموات والأرض، وإنما جاء الجواب والسؤال من جهة واحدة، لأنه أمر واضح لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله: أفاتخذتم من دونه أولياء. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الأعمى تمثيل للكافر، والبصير تمثيل للمؤمن الظُّلُماتُ الكفر وَالنُّورُ الإيمان، وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أم هنا بمعنى بل والهمزة، وخلقوا صفة لشركاء والمعنى: أن الله وقفهم [سألهم] هل خلق شركاؤهم خلقا كخلق الله، فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلها غير الله؟ ثم أبطل ذلك بقوله: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فحصل الردّ عليهم أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الآية: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وينتفع به أهل الأرض، وبالذهب والفضة والحديد والصفر [النحاس] وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله بالزبد الذي يربى به السيل ويريد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد منفعة، وليس له دوام بِقَدَرِها يحتمل أن يريد ما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها زَبَداً رابِياً الزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، والرابي المنتفخ الذي ربا ومنه الربوة وَمِمَّا يُوقِدُونَ المجرور في موضع خبر المقدم، والمبتدأ زبد مثله: أي ينشأ من الأشياء التي يوقد عليها زبد السيل ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ الذي يوقد عليه ابتغاء الحلي: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والرصاص والنحاس والصفر وشبه ذلك، والمتاع ما يستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي يضرب أمثال الحق والباطل جُفاءً يجفاه السيل، أي يرمي به وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى الذين استجابوا هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام،

стр. 400

والحسنى: الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها: للذين استجابوا، والذين استجابوا مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل: للذين استجابوا يتعلق بيضرب، والحسنى مصدر من معنى استجابوا: أي استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: والذين لم يستجيبوا له سُوءُ الْحِسابِ أي المناقشة والاستقصاء. أَفَمَنْ يَعْلَمُ تقرير. والمعنى أسواء من آمن ومن لم يؤمن، والأعمى هنا من لم يؤمن بالنبي ﷺ «وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁، وأبي جهل لعنه الله يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ القرابات وغيرها وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قيل يدفعون الشرك بقول لا إله إلا الله، وقيل: يدفعون من أساء إليهم بالتي هي أحسن، والأظهر يفعلون الحسنات فيدرءون بها السيئات كقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] ، وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن اتصف بهذه الصفات عُقْبَى الدَّارِ يعني الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار: الآخرة وأضاف العقبى إليها لأنها فيها، ويحتمل أن يريد بالدار الدنيا، وأضاف العقبى إليها لأنها عاقبتها جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عقبى الدار، أو خبر ابتداء مضمر تفسيرا لعقبى الدار وَمَنْ صَلَحَ أي من كان صالحا سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي يقولون لهم: سلام عليكم بِما صَبَرْتُمْ يتعلق بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم ويجوز أن يتعلق بسلام أي ليسلم عليكم بما صبرتم وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ إلى آخر الآية أوصاف مضافة كما تقدم وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر أنها في الكفار سُوءُ الدَّارِ يحتمل أن يراد بها الدنيا والآخرة اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يوسع على ما من يشاء، ويضيق على من يشاء، وهذا تفسيره حيث وقع وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا، لذلك حقرها بقوله: وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع أي: قليل بالنظر إلى الآخرة قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ خرج به مخرج

стр. 401

التعجب منهم لما طلبوا آية، أي قد جاءكم محمد ﷺ بالقرآن وآيات كثيرة فعميتم عنها، وطلبتم غيرها وتماديتم على الكفر، لأنّ الله يضل من يشاء مع ظهور الآيات، وقد يهدي من يشاء دون ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ بدل من من أناب، أو خبر ابتداء مضمر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بدل ثان، أو مبتدأ طُوبى مصدر من طاب كبشرى ومعناها أصابت خيرا وطيبا، وقيل: هي شجرة في الجنة، وإعرابها مبتدأ. كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: يضل من يشاء ويهدي من يشاء وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قيل: إنها نزلت في أبي جهل، وقيل نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله ﷺ عام الحديبية، فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن، وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت قبل ذلك ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها التسمية فقط، ومعنى الآية: أنهم يكفرون بالله مع تلاوة القرآن عليهم مَتابِ مفعل من التوبة وهو اسم مصدر وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الآية: جواب لو محذوف تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وقيل تقديره: ولو أن قرآنا على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً [الحشر: ٢١] ، وقيل هو متعلق بما قبله والمعنى، وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أَفَلَمْ يَيْأَسِ معناه أفلم يعلم وهي لغة هوازن وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار قريش قارِعَةٌ يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم أَوْ تَحُلُّ الفاعل ضمير القارعة. والمعنى إما إن تصيبهم، وإما أن تقرب منهم، وقيل التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي ﷺ ، والأول أظهر حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ هو فتح مكة، وقيل قيام الساعة. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ الآية مقصدها تأنيس وتسلية النبي ﷺ ، وهكذا حيث وقع فَأَمْلَيْتُ أي أمهلتهم أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ هو الله تعالى أي حفيظ رقيب على عمل كل أحد، والخبر محذوف تقديره: أفمن هو قائم على كل نفس بما

стр. 402

كسبت أحق أن يعبد أم غيره؟ ويدل على ذلك قوله: وجعلوا لله شركاء قُلْ سَمُّوهُمْ أي اذكروا أسماءهم أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم، وتعبدون الباطل، وذلك كقولك: قل لي من زيد؟ أم هو أقل من أن يعرف فهو كالعدم أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ المعنى أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ [النجم: ٢٣] لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك. مَثَلُ الْجَنَّةِ هنا وفي القتال [محمد: ١٥] صفتها، وليس بضرب مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار أُكُلُها دائِمٌ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل: بضم الهمزة المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن وَمِنَ الْأَحْزابِ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، وقيل: هم اليهود والنصارى لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وجه اتصاله بما قبله أنه جواب المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا مَآبِ مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو مرجعي بالتوبة وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ردّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر أو يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من النساء والذرية، فالمعنى لست ببدع في ذلك، بل أنت كمن تقدم من الرسل. وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ردّ على الذين اقترحوا الآيات لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ قال الفراء لكل كتاب أجل بالعكس. وهذا لا يلزم، بل المعنى صحيح من

стр. 403

غير عكس، أي لكل أجل كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ. يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ «١» قيل: يعني ينسخ ما يشاء من القرآن والأحكام، ويثبت منها ما يشاء، وقيل: هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى قدر في ليلة القدر، وقيل: في ليلة النصف من شعبان بكتب أجل من يموت في ذلك العام، فيمحوه من ديوان الأحياء، ويثبت من لا يموت في ذلك العام، وقيل: إن المحو والإثبات على العموم في جميع الأشياء، وهذا تردّه القاعدة المتقررة أن القضاء لا يبدل، وأن علم الله لا يتغير، فقال بعضهم: المحو والإثبات في كل شيء إلا في السعادة والشقاوة الأخروية، والآجال وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الأشياء كلها. وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها: فَإِنَّما أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها الإتيان هنا بالقدرة والأمر، والأرض أرض الكفار ونقصها هو بما يفتح الله على المسلمين منها، والمعنى أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكنك منهم، وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات وخراب البلاد «٢» وشبه ذلك لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ المعقب الذي يكر على الشيء فيبطله فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً تسمية للعقوبة باسم الذنب وسيعلم الكافر «٣» تهديد، والمراد بالكافر الجنس بدليل قراءة الْكُفَّارُ بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته وشهادة الله له هي: علمه بذلك وإظهاره الآيات الدالة على ذلك وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ معطوف على اسم الله على وجه الاستشهاد به، وقيل: المراد عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون صفته ﷺ من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوّة، وقيل: المراد الله تعالى، فهو الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف، ويقويه قراءة: ومن عنده بمن الجارة وخفض عنده.

стр. 404

سورة إبراهيم مكية إلا آيتي ٢٨ و ٢٩ فمدنيتان وآياتها ٥٢ نزلت بعد سورة نوح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة إبراهيم ﵇ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ الخطاب للنبي ﷺ ، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بأمره وهو إرساله إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بدل من إلى النور اللَّهِ قرئ بالرفع «١» وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وبالخفض بدل يَسْتَحِبُّونَ أي يؤثرون وَيَبْغُونَها قد ذكر بِلِسانِ قَوْمِهِ أي بلغتهم وكلامهم أَنْ أَخْرِجْ أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي عقوباته للأمم المتقدمة، وقيل: إنعامه على بني إسرائيل، واللفظ يعم النعم والنقم، وعبر عنها بالأيام لأنها كانت في أيام، وفي ذلك تعظيم لها كقولهم يوم كذا ويوم كذا وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ذكر هنا بالواو، ليدل على أن سوء العذاب غير الذبح أو أعم من ذلك ثم جر الذبح كقوله وملائكته وجبريل وميكال، ذكر في البقرة بغير واو تفسير للعذاب وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ من كلام موسى، وتأذن بمعنى أذن أي: أعلم كقولك: توعد وأوعد وإعلام الله مقترن بإنفاذ ما أعلم به لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ هذا معمول تأذن لأنه يتضمن معنى قال،

стр. 405

ويحتمل أن تكون الزيادة من خير الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ يحتمل أن يريد كفر النعم أو الكفر بالإيمان والأول أرجح لمقابلته بالشكر لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عبارة عن كثرتهم كقوله: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: ٣٨] فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم غيظا من الرسل كقوله: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، أو استهزاء وضحكا: كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه، والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، والثالث: أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتا لهم، وردا لقولهم أَفِي اللَّهِ شَكٌّ المعنى أفي وجود الله شك أو أفي إلهيته شك، وقيل: في وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة، ولذلك وصفه بعد بقوله: فاطر السموات والأرض مِنْ ذُنُوبِكُمْ قيل: إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدم من ذنبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة في البعض ولم يأت في القرآن غفران بعض الذنوب إلا للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم، قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يحتمل أن يكون قولهم استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم: فأتونا بسلطان مبين ولقول الرسل: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: بالتفضيل بالنبوة وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ والمعنى أي شيء يمنعنا من التوكل على الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ إن قيل لم كرر الأمر؟ فالجواب عندي أن

стр. 406

قوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار بسلطان مبين أي حجة ظاهره، فتوكل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله: فليتوكل المتوكلون فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم. وقال الزمخشري: إن هذا الثاني في معنى الثبوت على التوكل أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أو هنا بمعنى إلا أن، أو على أصلها، لوقوع أحد الشيئين، والعود هنا بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب ولا يقتضي أن الرسل، كانوا في ملة الكفار قبل ذلك خافَ مَقامِي فيه ثلاثة أوجه: هنا وفي ولمن خاف مقام ربه في [الرحمن: ٤٦] فالأول أن معناه مقام الحساب في القيامة والثاني: أن معناه قيام الله على عباده بأعمالهم والثالث: أن معناه خافني وخاف ربه، على إقحام المقام أو على التعبير به عن الذات وَاسْتَفْتَحُوا الضمير للرسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح وهو الحكم جَبَّارٍ أي قاهر أو متكبر عَنِيدٍ مخالف للانقياد مِنْ وَرائِهِ في الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان، وقيل: معناه هنا أمامه وهو بعيد وَيُسْقى معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السقي تجريدا بعد ذكر جهنم، لأنه من أشد عذابها يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي يتكلف جرعه وتصعب عليه إساغته، ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد، ومعنى يسيغه يبتلعه وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي يجد الماء مثل ألم الموت وكربته من جميع الجهات وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي لا يراح بالموت. مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: مثل الجنة التي في الرعد والقتال، والخبر عند سيبويه محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ تشبيها بالرماد في ذهابها وتلاشيها فِي يَوْمٍ عاصِفٍ أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ أي لا يرون له منفعة وَبَرَزُوا لِلَّهِ أي ظهروا، ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور، وقيل: معناه صاروا بالبراز «١» ، وهي الأرض المتسعة تَبَعاً جمع

стр. 407

تابع أو مصدر وصف به بالغة، أو على حذف مضاف مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معا قاله الزمخشري، والأظهر أن الأولى للبيان، والثانية زائدة، والمعنى: هل أنتم دافعون أو متحملون عنا شيئا من عذاب الله مَحِيصٍ أي مهرب حيث وقع، ويحتمل أن يكون مصدرا أو اسم مكان وَقالَ الشَّيْطانُ يعني إبليس الأقدم، [كذا!] روي أنه يقوم خطيبا بهذا الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إن كان كلام إبليس في القيامة بمعنى قضي الأمر تعيّن قوم للنار وقوم للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ استثناء منقطع ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم مغيثين لي بِما أَشْرَكْتُمُونِ ما مصدرية: أي بإشراككم لي مع الله في الطاعة مِنْ قَبْلُ يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، والأول أظهر وأرجح إِنَّ الظَّالِمِينَ استئناف من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يتعلق بأدخل أو بخالدين، والأول أحسن. كَلِمَةً طَيِّبَةً [قال] ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: كل حسنة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل: غير ذلك وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية غير معينة اجْتُثَّتْ أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ هو لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي إذا فتنوا لم يزلوا وَفِي الْآخِرَةِ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً نعمة الله هنا هو محمد ﷺ ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها،

стр. 408

والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ أي من أطاعهم واتبعهم دارَ الْبَوارِ فسرها بقوله جَهَنَّمَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار لام الأمر تقديره ليقيموا وَلا خِلالٌ من الخلة وهي المودة إِنَّ الْإِنْسانَ يريد الجنس. الْبَلَدَ آمِناً ذكر في [البقرة: ١٢٥] وَاجْنُبْنِي أي امنعني، والماضي منه جنب، يقال جنب وجنب بالتشديد، وأجنب بمعنى واحد وَبَنِيَّ يعني بنيّ من صلبي وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام وَمَنْ عَصانِي يعني من عصاه بغير الكفر وبالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة ولكنه ذكر اللّفظ بالعموم لما كان ﵇ من الرحمة للخلق وحسن الخلق أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي يعني ابنه إسماعيل ﵇، لما ولدته أمه هاجر غارت منها سارة زوجة إبراهيم فحمله مع أمه من الشام إلى مكة بِوادٍ يعني مكة، والوادي ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ يعني الكعبة، فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات، وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبني هناك بيتا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام يحتمل أن تكون لام الأمر بمعنى الدعاء، أو لام كي وتتعلق بأسكنت وجمع الضمير يدل على أنه كان علم أن ابنه يعقوب هناك نسلا «١» تَهْوِي إِلَيْهِمْ أي تسير بجد وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال من الناس بالتبعيض، قال بعضهم: لو قال أفئدة الناس لحجته فارس والروم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ أي ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ الآية: يحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم

стр. 409

وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ روي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبع عشر عاما، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسن من إسحاق رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ إن أراد بالدعاء الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة، وإن أراد بالدعاء العبادة، فالقبول على حقيقته رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قيل إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما، والصحيح أنه دعا لهما قبل أن يتبين له أن أباه عدوّ لله حسبما ورد في براءة وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا هذا وعيد للظالمين وهم الكفار على الأظهر، فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي قوله: ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم أو لغيره، فإن كان لغيره فلا إشكال، وإن كان له فهو مشكل لأن النبي ﷺ لا يحسب أن الله غافلا، وتأويل ذلك بوجهين: أحدهما أن المراد الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده، والآخر أن المراد إعلامه بعقوبة الظالمين فمقصد الكلام الوعيد لهم تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي تحد النظر من الخوف مُهْطِعِينَ قيل: الإهطاع الإسراع، وقيل: شدّة النظر من غير أن يطرف مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ قيل: الإقناع هو رفع الرأس، وقيل خفضه من الذلة لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا يطرفون بعيونهم من الحذر والجزع. وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي منحرفة لا تعي شيئا من شدّة الجزع فشبهها بالهواء في تعريفه من الأشياء، ويحتمل أن يريد مضطربة في صدورهم يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ يعني يوم القيامة، وانتصاب يوم على أنه مفعول ثان لأنذر، ولا يجوز أن يكون ظرفا أَوَلَمْ تَكُونُوا تقديره: يقال لهم أو لم تكونوا الآية ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ هو المقسم عليه، ومعنى من زوال، أي من الأرض بعد الموت أي حلفتم أنكم لا تبعثون وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي جزاء مكرهم وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ إن هنا نافية، واللام لام الجحود، والجبال يراد بها الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام ورفع تزول، وإن على هذه القراءة مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، والمعنى تعظيم مكرهم أي أن مكرهم من شدته تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ووقى منه فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ يعني

стр. 410

وعد النصر على الكفار، فإن قيل: هلا قال: مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟ فالجواب أنه قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: رسله، ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ العامل في الظرف ذوا انتقام أو محذوف، وتبديل الأرض بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقرصة النقي هكذا ورد في الحديث الصحيح «١» وَالسَّماواتُ تبديلها بانشقاقها وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها وقيل: تبدل أرضا من فضة، وسماه من ذهب وهذا ضعيف. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يعني الكفار مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ أي مربوطين في الأغلال سَرابِيلُهُمْ أي قمصهم والسربال القميص مِنْ قَطِرانٍ متعلق بمحذوف أي جعل الله فيه ذلك وهو الذي تهنأ [تطلى] به الإبل وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه لِيَجْزِيَ يتعلق بمحذوف أي فعل الله ذلك ليجزي هذا بَلاغٌ إشارة إلى القرآن أو إلى ما تضمنته هذه السورة وَلِيُنْذَرُوا معطوف على محذوف تقديره لينصحوا به ولينذروا وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي هذا الذكر لأولي العقول، وهم أهل العلم ﵃.

стр. 411

سورة الحجر مكية إلا ٨٧ فمدنية وآياتها ٩٩ نزلت بعد سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الحجر) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ يحتمل أن يريد بالكتاب الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات رُبَما قرئ بالتخفيف «١» والتشديد وهما لغتان. وما حرف كافة لرب، ومعنى رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل: إن هذه منه، وقيل: إنما عبر عن التكثير بأداة التقليل كقوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] ، وقَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: ٦٤] ، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مرارا كثيرة، ولا تدخل إلا على الماضي يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قيل: إن ذلك عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك ذَرْهُمْ وما بعده تهديد كِتابٌ مَعْلُومٌ أي وقت محدود. وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الضمير في قالوا لكفار قريش، وقولهم: نزل عليه الذكر يعنون على وجه الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ لو ما عرض وتحضيض، والمعنى أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم بالملائكة معه ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ رد عليهم فيما اقترحوا، والمعنى أن الملائكة لا تنزل إلا بالحق من الوحي والمصالح، التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح واختيار كافر، وقيل: الحق هنا العذاب وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إذا حرف جواب وجزاء، والمعنى لو أنزل الملائكة لم يؤخر عذاب هؤلاء الكفار، الذين اقترحوا نزولهم، لأن من عادة الله أن من

стр. 412

اقترح آية فرآها ولم يؤمن أنه يعجل له العذاب، وقد علم الله، أن هؤلاء القوم يؤمن كثير منهم، ويؤمن أعقابهم فلم يفعل بهم ذلك إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الذكر هنا هو القرآن وفي قوله: إنا نحن نزلنا الذكر ردا لإنكارهم واستخفافهم في قولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر ولذلك أكده بنحن واحتج عليه بحفظه، ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان منه، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [المائدة: ٤٤] فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الشيع: جمع شيعة وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ معنى نسلكه ندخله، والضمير في نسلكه يحتمل أن يكون للاستهزاء، الذي دل عليه قوله: به يستهزؤن، أو يكون للقرآن أي نسلكه في قلوبهم فيستهزءوا به، ويكون قوله: كذلك تشبيها للاستهزاء المتقدم، ولا يؤمنون به تفسيرا لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في به للقرآن وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر وقيل: الضمير في ظلوا وفي يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفار، ومعنى: يعرجون يصعدون، والمعنى أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر، وقرئ سكّرت بالتشديد «١» والتخفيف، ويحتمل أن يكون مشتقا من السكر، فيكون معناه: أجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السّكر وهو السد فيكون معناه منعت أبصارنا من النظر بُرُوجاً يعني المنازل الاثني عشر إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ استثناء من حفظ السموات فهو في موضع نصب مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي: مقدر بقدر، فالوزن على هذا استعارة وقيل: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والأطعمة، والأول أعم وأحسن وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ يعني: البهائم والحيوانات ومن معطوف على معايش وقيل: على

стр. 413

الضمير في لكم، وهذا ضعيف في النحو لأنه عطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهو قوي في المعنى أي جعلنا في الأرض معايش لكم وللحيوانات وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ قيل: يعني المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت، وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى وإن من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي بمقدار محدود وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت فهي لاقحة، وألقحت الريح الشجر فهي ملقحة ولواقح جمع لاقحة، لأنها تحمل الماء أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ الآية: يعني الأولين والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذكر بعد ذلك في قوله: وإن ربك هو يحشرهم لأنه إذا أحاط بهم علما لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم، وقيل: يعني من استقدم ولادة وموتا ومن تأخر، وقيل: من تقدم إلى الإسلام ومن تأخر عنه وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ الإنسان هنا هو: آدم ﵇، والصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحمأ: الطين الأسود، والمسنون المتغير المنتن، وقيل: إنه من أسن الماء إذا تغير، والتصريف يردّ هذا القول، وموضع من حمأ صفة لصلصال: أي صلصال كائن من حمأ وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ يراد به جنس الشياطين، وقيل إبليس الأول، وهذا أرجح لقوله: من قبل وتناسلت الجن من إبليس وهو للجن كآدم للناس السَّمُومِ شدّة الحر خالِقٌ بَشَراً يعني آدم ﵇ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك أي: من الروح الذي هو لي وخلق من خلق، وتقدّم الكلام على سجود الملائكة في البقرة. فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو من السماء قالَ رَبِّ يقتضي إقراره بالربوبية وأن كفره كان بوجه غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ اليوم الذي طلب إبليس أن ينظر إليه هو يوم القيامة، وقيل: الوقت

стр. 414

المعلوم الذي أنظر إليه هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى حين يموت من في السموات ومن في الأرض. وكان سؤال إبليس الانتظار إلى يوم القيامة جهلا منه ومغالطة إذ سأل ما لا سبيل إليه. لأنه لو أعطى ما سأل لم يمت أبدا، لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل مالا سبيل إليه: أعرض الله عنه، وأعطاه الانتظار إلى النفخة الأولى. بِما أَغْوَيْتَنِي الباء للسببية أي لأغوينهم بسبب إغوائك لي، وقيل: للقسم كأنه قال: بقدرتك على إغوائي لأغوينهم، والضمير لذرية آدم قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بهذا إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم أو إلى تقسيم الناس إلى غويّ ومخلص إِلَّا عِبادَكَ يحتم أن يريد بالعباد جميع الناس، فيكون قوله: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ استثناء متصل أو يريد بالعباد المخلصين فيكون الاستثناء منقطعا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ الضمير للغاوين لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ روي أنها سبعة أطباق في كل طبقة باب، فأعلاها للمذنبين من المسلمين والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين ادخلوها تقديره يقال لهم: ادخلوها والسلام يحتمل أن يكون التحية أو السلامة إِخْواناً يعني أخوّة المودّة والإيمان مُتَقابِلِينَ أي يقابل بعضهم بعضا على الأسرة نَصَبٌ أي تعب. نَبِّئْ عِبادِي الآية: أعلمهم والآية آية ترجية وتخويف وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ضيف هنا واقع على جماعة وهم الملائكة الذين جاءوا إلى إبراهيم بالبشرى وَجِلُونَ أي خائفون، والوجل الخوف لا تَوْجَلْ أي لا تخف إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ هو إسحاق قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كبر سني، وكان حينئذ ابن مائة سنة، وقيل: أكثر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كبره أو على وجه الاستبعاد، ولذلك قرئ تبشرون «١» ، بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وبالكسر والتخفيف على حذف إحدى

стр. 415

النونين، وبالفتح وهو نون الجمع قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تشك فيه وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ دليل على تحريم القنوط، وقرئ يقنط بفتح النون وكسرها «١» وهما لغتان قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي ما شأنكم وبأي شي جئتم إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعنون قوم لوط إِلَّا آلَ لُوطٍ أن يكون استثناء من قوم لوط فيكون منقطعا لوصف القوم بالاجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في المجرمين، فيكون متصلا كأنه قال إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط فلم يجرموا إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله لمنجوهم، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الغابر يقال: بمعنى الباقي، وبمعنى الذاهب، وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم، وهو لله وحده لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لا سيما في هذه القضية، كما تقول خاصة الملك للملك: دبرنا كذا ويحتمل أن يكون حكاية عن الله قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي لا نعرفهم قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي جئناك بالعذاب لقومك ومعنى يمترون يشكون فيه وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي: كن خلفهم أي في ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد وليكونوا قدّامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا وراءه لخوفه عليهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ تقدم في هود وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ قيل: هي مصر وقيل: حيث هنا للزمان إذ لم يذكر مكانا وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ هو من القضاء والقدر، وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى أوحينا وقيل: معناه أعلمناه بذلك الأمر أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ هذا تفسير لذلك الأمر، ودابر القوم أصلهم، والإشارة إلى قوم لوط مُصْبِحِينَ في الموضعين أي إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ المدينة هي سدوم، واستبشار أهلها بالأضياف، طمعا أن ينالوا منهم الفاحشة قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ كانوا قد نهوه أن يضيف أحدا قالَ هؤُلاءِ بَناتِي دعاهم إلى تزويج بناته ليقي بذلك

стр. 416

أضيافه لَعَمْرُكَ قسم والعمر الحياة، ففي ذلك كرامة للنبي ﷺ ، أن الله أقسم بحياته، أو قيل: هو من قول الملائكة للوط، وارتفاعه بالابتداء وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي واللام للتوطئة إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ الضمير لقوم لوط، وسكرتهم: ضلالهم وجهلهم، ويعمهون: أي يتحيرون فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل وهي أخذه لهم مُشْرِقِينَ أي داخلين في الشروق وهو وقت بزوغ الشمس، وقد تقدم تفسير ما بعد هذا من قصتهم في [هود: ٧٦] لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي للمتفرسين، ومنه فراسة المؤمن، وقيل: للمعتبرين، وحقيقة التوسم النظر إلى السيمة وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي بطريق ثابت يراه الناس والضمير للمدينة المهلكة وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ أصحاب الأيكة قوم شعيب والأيكة الغيضة من الشجر لما كفروا أضرمها الله عليهم نارا وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ الضمير في إنهما قيل: إنه لمدينة قوم لوط وقوم شعيب، فالإمام على هذا: الطريق أي إنهما بطريق واضح يراه الناس، وقيل: الضمير للوط وشعيب، أي إنهما على طريق من الشرع واضح والأول أظهر أَصْحابُ الْحِجْرِ هم ثمود قوم صالح، الحجر واديهم هو بين المدينة والشام الْمُرْسَلِينَ ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحدا منهم، وفي ذلك تأويلان أحدهما أن من كذب واحدا من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع لأنهم جاءوا بأمر متفق من التوحيد، والثاني: أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلا فرسا واحدا وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني الناقة، وما كان فيها من العجائب وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً النحت: النقر بالمعاويل وشبهها من الحجر والعود وشبه ذلك وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال آمِنِينَ يعني آمنين من تهدم بيوتهم لوثاقتها، وقيل: آمنين من عذاب الله إِلَّا بِالْحَقِّ يعني أنها لم تخلق عبثا. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ قيل: إن الصفح الجميل هو الذي ليس معه عقاب ولا عتاب، وفي الآية مهادنة للكفار منسوخة بالسيف وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي يعني: أم القرآن لأنها سبع آيات، وقيل: يعني السور السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة، والأول أرجح لوروده في

стр. 417

الحديث، والمثاني: مشتق من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تكرر فيها القصص وغيرها، وقيل: هي مشتقة من الثناء، لأن فيها ثناء على الله، ومن يحتمل أن تكون للتبعيض أو لبيان الجنس، وعطف القرآن على السبع المثاني لأنه يعني ما سواها من القرآن فهو عموم بعد الخصوص لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها أَزْواجاً مِنْهُمْ يعني أصنافا من الكفار وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لا تتأسف لكفرهم وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي تواضع ولن لِلْمُؤْمِنِينَ والجناح هنا استعارة كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الكاف من كما متعلقة بقوله: أنا النذير أي أنذر قريشا عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وقيل: متعلق بقوله: ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك كتابا كما أنزلنا على المقتسمين، واختلف في المقتسمين فقيل: هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين، وقيل: هم قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم: هو شاعر، ويقول الآخر: هو ساحر، وغير ذلك الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي أجزاء، وقالوا فيه أقوالا مختلفة وواحد عضين عضة وقيل: هو من العضه وهو السحر، والعاضه الساحر، والمعنى على هذا أنه سحر، والكلمة محذوفة اللام ولامها على القول الأول واو وعلى الثاني هاء فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان؟ فالجواب أن السؤال المثبت هو على: وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو: على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي صرح به وأنفذه إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ يعني قوما من أهل مكة أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعى النبي ﷺ ، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن قيس، وقصة هلاكهم مذكورة في السير، وقيل: الذين قتلوا ببدر كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، والأول أرجح، لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ تسلية للنبي ﷺ وتأنيس حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت.

стр. 418

سورة النحل مكية إلا الآيات الثلاث الأخيرة فمدنية وآياتها ١٢٨ نزلت بعد الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة النحل) أَتى أَمْرُ اللَّهِ قيل: النصر على الكفار، وقيل: عذاب الكفار في الدنيا، ووضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوع الأمر ولقربه، وروي أنها لما نزلت وثب رسول الله ﷺ قائما فلما قال: فلا تستعجلوه سكن يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ أي بالنبوة وقيل بالوحي خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أي من نطفة المني، والمراد جنس الإنسان فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فيه وجهان أحدهما: أن معناه متكلم يخاصم عن نفسه، والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في الكفار، والأول أعم لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي ما يتدفأ به، يعني ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، ويحتمل أن يكون قوله: لكم متعلقا بما قبله أو بما بعده ويختلف الوقوف باختلاف ذلك وَمَنافِعُ يعني شرب ألبانها، والحرث بها وغير ذلك وَمِنْها تَأْكُلُونَ يحتمل أن يريد بالمنافع ما عدا الأكل فيكون الأكل أمرا زائدا عليها، أو يريد بالمنافع الأكل وغيره، ثم جرد ذكر الأكل لأنه أعظم المنافع وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ الجمال حسن المنظر، وحين تريحون يعني حين تردونها بالعشي إلى المنازل، وحين تسرحون حين تردونها بالغداة إلى الرعي، وإنما قدم تريحون على تسرحون، لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر لأنها ترجع وبطونها ملأى وضروعها حافلة وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ يعني الأمتعة وغيرها وقيل: أجساد بني آدم إِلى بَلَدٍ أي إلى أي بلد توجهتم، وقيل: يعني مكة بِشِقِّ الْأَنْفُسِ أي بمشقة لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً استدل بعض الناس به على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير، لكونه علّل خلقتها بالركوب والزينة دون الأكل، ونصب زينة على أنه

стр. 419

مفعول من أجله، وهو معطوف على موضع لتركبوها وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ «١» عبارة على العموم أي أن مخلوقات الله لا يحيط البشر بعلمها، وكل ما ذكر في هذه الآية شيئا مخصوصا فهو على وجه المثال وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف وَمِنْها جائِرٌ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ماءً لَكُمْ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء وَمِنْهُ شَجَرٌ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون أنعامكم وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي أصنافه وأشكاله لَحْماً طَرِيًّا يعني الحوت «٢» حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني الجواهر والمرجان مَواخِرَ فِيهِ جمع ماخرة يقال: مخرت السفينة، والمخر: شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك بالرياح لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا. وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ الرواسي الجبال، واللفظ مشتق من رسا إذا ثبت، وأن تميد في موضع مفعول من أجله، والمعنى أنه ألقى الجبال في الأرضي لئلا تميد الأرض وروي أنه لما خلق الله الأرض جعلت تميد فقالت الملائكة: لا يستقر على ظهر هذه أحد، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال وَأَنْهاراً قال ابن عطية: أنهارا منصوب بفعل مضمر تقديره: وجعل أو خلق أنهارا قال: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على أن ألقى أخص من جعل وخلق: ولو كانت ألقى بمعنى خلق: لم يحتج إلى هذا الإضمار وَسُبُلًا يعني الطرق وَعَلاماتٍ يعني ما يستدل به على الطرق من الجبال والمناهل وغير ذلك، وهو معطوف على أنهارا وسبلا قال ابن عطية: هو نصب على المصدر أي لعلكم تعتبرون، وعلامات أي عبرة وأعلاما وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ يعني الاهتداء بالليل في الطرق، والنجم

стр. 420

هنا جنس، وقيل: المراد الثريا والفرقدان، فإن قيل: قوله وبالنجم هم يهتدون مخرج عن سنن الخطاب وقدم فيه النجم كأنه يقول: بالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون فمن المراد بهم؟ فالجواب أنه أراد قريشا لأنهم كان لهم في الاهتداء بالنجم في سيرهم علم لم يكن لغيرهم، وكان الإعتبار ألزم لهم فخصصوا، قال ذلك الزمخشري. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ تقرير يقتضي الردّ على من عبد غير الله، وإنما عبّر عنهم بمن لأن فيهم من يعقل ومن لا يعقل، أو مشاكلة لقوله: أفمن يخلق وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ذكر من أول السورة إلى هنا أنواعا من مخلوقاته تعالى على وجه الاستدلال بها على وحدانيته، ولذلك أعقبها بقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ، وفيها أيضا تعداد لنعمه على خلقه، ولذلك أعقبها بقوله: وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، ثم أعقب ذلك بقوله: إن الله لغفور رحيم: أي يغفر لكم التقصير في شكر نعمه. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ نفى عن الأصنام صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين بوقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده فقال: إلهكم إله واحد أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ أي لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدّمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ الضمير في يشعرون: للأصنام وفي: يبعثون للكفار الذين عبدوهم، وقيل: إن الضميرين للكفار قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي تنكر وحدانية الله لا جَرَمَ أي لا بد ولا شك، وقيل إن لا نفي لما تقدم، وجرم معناه وجب، أو حق، وأن فاعلة بجرم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما سطره الأولون، وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتاب تواريخ، وكان يقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه، وماذا يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا من ما وذا، ويكون منصوبا بأنزل، أو أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي، وفي أنزل ضمير محذوف لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ اللام لام العاقبة والصيرورة: أي قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، ويحتمل أن تكون للأمر بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من المفعول في يضلونهم، أو من الفاعل فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ الآية: قيل المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحا ليصعد

стр. 421

فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه هدمه الله وخر سقفه عليه، وقيل: المراد بالذين من قبلهم كل من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ توبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكم بهم الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي تعادون من أجلهم فمن قرأ بكسر النون «١» فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله ، ومن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف تقديره تعادون المؤمنين من أجلهم قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل: يعني الملائكة واللفظ أعم من ذلك ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ حال من الضمير المفعول في تتوفاهم فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي استسلموا للموت ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ أي قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك أن يكونوا قصدوا الكذب اعتصاما به كقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر بَلى من قول الملائكة للكفار: أي قد كنتم تعملون السوء. وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك بمقالة المؤمنين، فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم: خيرا، رفع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟ فالجواب: أن قولهم خيرا منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيرا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير الأولين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبا لكان الكلام متناقضا لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل، فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم، فالجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خبره، والجملة بدل من خيرا، وتفسيره للخير الذي قالوا، وقيل: هي استئناف كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خيرا جَنَّاتُ عَدْنٍ يحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بنعم، فيكون مبتدأ وخبره فيما قبله أو خبر

стр. 422

ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره يدخلونها أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن. ْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون، والضمير للكفار وإنما أن تأتيهم الملائكة يعني لقبض أرواحهم وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني قيام الساعة أو العذاب في الدنيا فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي أصابهم جزاء سيئات ما عملوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤن، وهذا تفسيره حيث وقع وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والإحتجاج على صحة فعلهم أي أن فعلنا هو بمشيئة الله فهو صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه، والرّد عليهم بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضي على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمني فإن «لو» تكون للتمني والمعنى هذا أنهم لما رأوا العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره، ولم يحرموا ما أحل الله من البحيرة وغيرها فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ قرئ بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول أي لا يهدي غير الله من يضله الله، وقرئ «١» يهدي بفتح الياء وكسر الدال، والمعنى على هذا: لا يهدي الله من قضي بإضلاله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ الضمير عائد على من يضل، لأنه في معنى الجمع. بَلى ردّ على الذين أقسموا لا يبعث الله من يموت أي أنه يبعثه لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ اللام تتعلق بما دل عليه أي يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان أيضا على البعث، فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ الآية: برهان أيضا على البعث، لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ يعني الذين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة، لأن الهجرة إلى

стр. 423

المدينة كانت بعدها، وقيل: نزلت في أبي جندل بن سهيل وخبره مذكور في السير في قصة الحديبية، وهذا بعيد لأن السورة نزلت قبل ذلك لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وعد أن ينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل: إن حسنة صفة لمصدر أي نبوئنهم تبوئة حسنة وقرئ لنثوبنهم بالثاء من الثواب الَّذِينَ صَبَرُوا وصف للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكون نعتا أو على تقدير: هم الذين أو مدح الذين إِلَّا رِجالًا ردّ على من استبعد أن يكون الرسول من البشر فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أحبار اليهود والنصارى، أي لأن جميعهم يشهدون أن الرسول من البشر بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية على التقديم والتأخير في الكلام، أو بأرسلنا مضمرا وبيوحي أو بتعلمون. أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يحتمل أن يريد لتبين القرآن بسردك نصه وتعليمه للناس، أو لتبين معانيه بتفسير مشكله، فيدخل في هذا ما بينته السنة من الشريعة أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ يعني: كفار قريش عند جمهور المفسرين، والسيئات تحتمل وجهين: أحدهما: يريد به الأعمال السيئات أي المعاصي فيكون: مكروا يتضمن معنى عملوا، والآخر أن يريد بالمكرات السيئات مكرهم بالنبي صلى الله تعالى عليه واله وسلّم فيكون المكر على بابه أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ يعني في أسفارهم فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي بمفلتين حيث وقع أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فيه وجهان أحدهما: أن معناه على تنقص أي ينتقص أموالهم وأنفسهم شيئا بعد شيء، حتى يهلكوا من غير أن يهلكهم جملة واحدة، ولهذا أشار بقوله: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، لأن الأخذ هكذا أخف من غيره، وقد كان عمر بن الخطاب أشكل عليه معنى التخوف في الآية، حتى قال له رجل من هذيل: التخوف التنقص في لغتنا، والوجه الثاني: أنه من الخوف أي يهلك قوما قبلهم فيتخوّفوا هم ذلك، فيأخذهم بعد أن توقعوا العذاب وخافوه، ذلك خلاف قوله: وهم لا يشعرون أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ معنى الآية اعتبار بانتقال الظل، ويعني بقوله: ما خلق الله من شيء: الأجرام التي لها ظلال من الجبال والشجر والحيوان وغير ذلك، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلها إلى جهة، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة أخرى، ثم يمتدّ الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس، وقوله: يتفيأ من الفيء وهو الظل الذي يرجع، بعكس ما كان

стр. 424

غدوة، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ظل، ففي لفظة: يتفيأ هنا تجوز ما لوقوع الخصوص في موضع العموم، لأن المقصود الإعتبار من أول النهار إلى آخره، فوضع يتفيأ موضع ينتقل أو يميل، والضمير في ظلاله يعود على ما أو على شيء عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ يعني عن الجانبين أي يرجع الظل من جانب إلى جانب، واليمين بمعنى الأيمان، واستعار هنا الأيمان والشمائل للأجرام، فإن اليمين والشمائل إنما هما في الحقيقة للإنسان سُجَّداً لِلَّهِ حال من الظلال، وقال الزمخشري حال من الضمير في ظلاله، إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله: من شيء، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام، واختلف في معنى هذا السجود فقيل عبر به عن الخضوع والانقياد، وقيل هو سجود حقيقة وَهُمْ داخِرُونَ أي صاغرون وجمع بالواو [والنون] لأن الدخور من أوصاف العقلاء. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ يحتمل أن يكون من دابة بيان لما في السموات وما في الأرض معا، لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانا لما في الأرض خاصة وإنما قال: ما في السموات وما في الأرض ليعم العقلاء وغيرهم، ولو قال. من في السموات لم يدخل في ذلك غير العقلاء قاله الزمخشري وَالْمَلائِكَةُ إن كان قوله من دابة بيانا لما في السموات والأرض، فقد دخل الملائكة في ذلك، وكرر ذكرهم تخصيصا لهم بالذكر وتشريفا، وإن كان من دابة لما في الأرض خاصة فلم تدخل الملائكة في ذلك فعطفهم على ما قبلهم يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ هذا إخبار عن الملائكة، وهو بيان نفي الاستكبار، ويحتمل أن يريد فوقية القدرة والعظمة أو يكون من المشكلات التي يمسك عن تأويلها، وقيل: معناه يخافون أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ وصف الإلهين باثنين تأكيدا وبيانا للمعنى وقيل: إن إثنين مفعول أول وإلهين مفعول ثاني، فلا يكون في الكلام تأكيد فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ خرج من الغيبية إلى التكلم، لأن الغائب هو المتكلم، وإياي مفعول بفعل مضمر، ولا يعمل فيه فارهبون لأنه قد أخذ معموله وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي واجبا وثابتا، وقيل: دائما، وانتصابه على الحال من الدين وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يحتمل أن تكون الواو للاستئناف أو الحال، فيكون الكلام متصلا بما قبله: أي كيف تتقون غير الله، وما بكم من نعمة فمنه وحده فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والتضرع لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام لام الأمر

стр. 425

على وجه التهديد لقوله بعد: فتمتعوا فسوف تعلمون، فعلى هذا يبتدئ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصل بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وذلك بعيد في المعنى، والكفر هنا يحتمل أن يريد به كفر النعم لقوله: بما آتيناهم، أو كفر الجحود والشرك لقوله: بربهم يشركون فَتَمَتَّعُوا يريد التمتع في الدنيا، وذلك أمر على وجه التهديد وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ الضمير في يجعلون لكفار العرب فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيبا من ذبائحهم وغيرها، والمراد بقوله لما لا يعلمون الأصنام، والضمير في لا يعلمون للكفار أي لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجة، وقيل: الضمير في لا يعلمون للأصنام أي الأشياء غير عالمة وهذا بعيد وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ إشارة إلى قول الكفار: إن الملائكة بنات الله، ثم نزه تعالى نفسه عن ذلك بقوله سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ المعنى أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني بذلك الذكور من الأولاد، وأما الإعراب فيجوز أن يكون ما يشتهون مبتدأ وخبره المجرور قبله، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر تقديره: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات على أن هذا يمنعه البصريون، لأنه من باب ضربتني وكان يلزم عندهم أن يقال لأنفسهم. وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ إخبار عن حال العرب في كراهتهم البنات، وظل هنا يحتمل أن تكون على بابها، أو بمعنى صار، والسواد عبارة عن العبوس والغم، وقد يكون معه سواد حقيقة، وكظيم قد ذكر في [يوسف: ٨٤] يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ أي يستخفي من أجل سوء ما بشر به أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ المعنى يدبر وينظر هل يمسك الأنثى التي بشر بها على هوان وذل لها، أو يدفنها في التراب حية، وهي الموؤدة، وهذا معنى يدسه في التراب مَثَلُ السَّوْءِ أي صفة السوء من الحاجة إلى الأولاد وغير ذلك من الافتقار والنقص وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي الوصف الأعلى من الغنى عن كل شيء، والنزاهة عن صفات المخلوقين وَلَوْ يُؤاخِذُ يعني لو يعاقبهم في الدنيا بِظُلْمِهِمْ أي بكفرهم ومعاصيهم ما تَرَكَ عَلَيْها الضمير للأرض مِنْ دَابَّةٍ يعم بني آدم وغيرهم وهذا يقتضي أن تهلك الحيوانات بذنوب بني آدم، وقد ورد ذلك في الأثر، وقيل: يعني بني آدم خاصة وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ يعني البنات أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أن بدل من الكذب، والحسنى هنا قيل: هي الجنة، وقيل: ذكور الأولاد وَأَنَّهُمْ
следующие страницы →