مبينة أنهم لا يقدرون على شيء، فإن قيل كاشفات وممسكات بالتأنيث؟ فالجواب أنها لا تعقل فعاملها معاملة المؤنثة، وأيضا ففي تأنيثها تحقير لها وتهكم بمن عبدها اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ تهديد ومسالمة منسوخة بالسيف بِالْحَقِّ ذكر في أول السورة «١» .
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها هذه الآية اعتبار، ومعناها أن الله يتوفى النفوس على وجهين: أحدهما: وفاة كاملة حقيقية وهي الموت، والآخر: وفاة النوم، لأن النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع ومنه قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الإنعام: ٦٠] وتقديرها ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ أي يمسك الأنفس التي قضى عليها بالموت الحقيقي، ومعنى إمساكها أنه لا يردها إلى الدنيا وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي يرسل الأنفس النائمة، وإرسالها هو ردّها إلى الدنيا، والأجل المسمى هو أجل الموت الحقيقي، وقد تكلم الناس في النفس والروح وأكثروا القول في ذلك بالظن دون تحقيق، والصحيح أن هذا مما استأثر بعلمه الله لقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أم هنا بمعنى بل وهمزة الإنكار والشفعاء هم الأصنام وغيرها، لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: ١٨] قُلْ أَوَلَوْ كانُوا دخلت همزة الاستفهام على واو الحال تقديره: يشفعون وهم لا يملكون شيئا ولا يعقلون قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي هو مالكها، فلا يشفع أحد إليه إلا بإذنه، وفي هذا ردّ على الكفار في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ الآية: معناها أن الكفار يكرهون توحيد الله ويحبون الإشراك به، ومعنى إشمأزت انقبضت من شدة الكراهية، وروي أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله ﵌ سورة النجم، فألقى الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في الحج، فاستبشر الكفار بما ألقى الشيطان من تعظيم اللات والعزى، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا.
стр. 702
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي ظهر لهم يوم القيامة خلاف ما كانوا يظنون لأنهم كانوا يظنون ظنونا كاذبة. قال الزمخشري: المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم، أي ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم فهو كقوله في الوعد فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وقيل: معناها عملوا أعمالا حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات وقال الحسن: ويل لأهل الربا من هذه الآية وهذا على أنها في المسلمين والظاهر أنها في الكفار وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ معنى حاق حل ونزل وقال ابن عطية وغيره: إن هذا على حذف مضاف تقديره: حاق بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون، ويحتمل أن يكون الكلام دون حذف وهو أحسن، ومعناه حاق بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون لأنهم كانوا في الدنيا يستهزئون، إذا خوفوا بعذاب الله، ويقولون متى هذا الوعد قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ يحتمل وجهين أحدهما وهو الأظهر: أن يريد على علم مني بالمكاسب والمنافع، والآخر: على علم الله باستحقاقي لذلك، وإنما هنا تحتمل وجهين: أحدهما وهو الأظهر: أن تكون ما كافة وعلى علم في موضع الحال، والآخر أن تكون ما اسم إن وعلى علم خبرها وإنما قال: أوتيته بالضمير المذكر وهو عائد على النعمة للحمل على المعنى بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ردّ على الذي قال إنما أوتيته على علم قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني قارون وغيره.
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هذه أرجى آية في القرآن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قال: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية، واختلف في سببها فقيل: في وحشي قاتل حمزة، لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة، وقيل: نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا، ففتنوا فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم، وهذا قول عمر بن الخطاب: وقد كتب بها إلى هشام بن العاصي، لما جرى له ذلك وقيل: نزلت في قوم من أهل الجاهلية، قالوا: ما ينفعنا الإسلام لأننا قد زنينا، وقتلنا النفوس فنزلت الآية فيهم، ومعناها مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيل نذكره،
стр. 703
وذلك أن الذين أسرفوا على أنفسهم، إن أراد بهم الكفار فقد اجتمعت الأمة على أنهم إذا أسلموا غفر لهم كفرهم وجميع ذنوبهم لقوله ﵌: الإسلام يجبّ ما قبله «١» ، وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم، بل يخلدهم في النار، وإن أراد به العصاة من المسلمين فإن العاصي إذا تاب غفر له ذنوبه، وإن لم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فالمغفرة المذكورة في هذه الآية، يحتمل أن يريد بها المغفرة للكفار إذا أسلموا أو للعصاة إذا تابوا، أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضل الله عليهم بالمغفرة، والظاهر أنها نزلت في الكفار، وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا، والدليل على أنها في الكفار ما ذكر بعدها إلى قوله وقد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اتبعوا القرآن وليس أن بعض القرآن أحسن من بعض، لأنه حسن كله.
إنما المعنى أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من الأوامر. ويجتنبوا ما فيه من النواهي، فالتفضيل الذي يقتضيه أحسن إنما هو في الإتباع، قيل: يعني اتبعوا الناسخ دون المنسوخ وهذا بعيد أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهية أن تقول نفس وإنما ذكر النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفار فِي جَنْبِ اللَّهِ أي في حق الله وقيل: في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى الجانب ثم استعير لهذا المعنى السَّاخِرِينَ أي المستهزئين بَلى جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب لقوله: لو أن الله هداني لكنت من المتقين لأنه في معنى النفي، لأن لو حرف امتناع. وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب. وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: لو أن لي كرة فإن معناه يقتضي أن العمر يتسع للنظر فقيل له بلى على وجه الرد عليه، والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله: قد جاءتك آياتي تفسير لما تضمنته بلى وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون عبارة عن شدة الكرب بِمَفازَتِهِمْ «٢» أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم، وقيل معناه: بفضائلهم وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي قائم بتدبير كل شيء.
стр. 704
مَقالِيدُ مفاتيح وقيل خزائن واحدها إقليد، وقيل لا واحد لها من لفظها وأصلها كلمة فارسية، وقال عثمان بن عفان: سألت رسول الله ﵌ عن مقاليد السموات والأرض فقال: هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير فإن صح هذا الحديث فمعناه أن من قال هذه الكلمات صادقا مخلصا نال الخيرات والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك فكأنها مفاتيح له وَالَّذِينَ كَفَرُوا الآية قال الزمخشري إنها متصلة بقوله وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم وما بينهما من الكلام اعتراض أَفَغَيْرَ اللَّهِ منصوب بأعبد تَأْمُرُونِّي حذفت إحدى النونين تخفيفا «١» وقرئ بإدغام إحدى النونين في الأخرى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ دليل على إحباط عمل المرتد مطلقا خلافا للشافعي في قوله: لا يحبط عمله إلا إذا مات على الكفر، فإن قيل: الموحى إليهم جماعة والخطاب بقوله: لئن أشركت لواحد: فالجواب أنه أوحى إلى كل واحد منهم على حدته، فإن قيل: كيف خوطب الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك، فالجواب أن ذلك على وجه الفرض والتقدير: أي لو وقع منهم شرك لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم شرك بسبب العصمة، ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم وخوطبوا هم ليدل المعنى على غيرهم بالطريق الأولى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق تعظيمه ولا وصفوه بما يجب له ولا نزهوه عما لا يليق به، والضمير في قدروا لقريش وقيل: اليهود وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ المقصود بهذا تعظيم جلال الله والردّ على الكفار الذين ما قدروا الله حق قدره، ثم اختلف الناس فيها كاختلافهم في غيرها من المشكلات، فقالت المتأولة: إن القبضة واليمين عبارة عن القدرة وقال ابن الطيب إنها صفة زائدة على صفات الذات، وأما السلف الصالح فسلموا علم ذلك إلى الله، ورأوا أن هذا من المتشابه الذي لا يعلم علم حقيقته إلا الله، وقد قال ابن عباس ما معناه: إن الأرض في قبضته والسموات مطويات كل ذلك بيمينه، وقال ابن عمر ما معناه: أن الأرض في قبضة اليد الواحدة، والسموات مطويات باليمين الأخرى لأن كلتا يديه يمين
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه النفخة نفخة الصعق وهو الموت، وقد قيل: إن قبلها نفخة الفزع ولم تذكر في هذه الآية إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قيل: يعني جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت، ثم
стр. 705
يميتهم الله بعد ذلك وقيل: استثناء الأنبياء وقيل الشهداء ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى هي نفخة القيام قِيامٌ يَنْظُرُونَ إنه من النظر، وقيل: من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني صحائف الأعمال وإنما وحّدها لأنه أراد الجنس وقيل: هو اللوح المحفوظ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ليشهدوا على قومهم وَالشُّهَداءِ يحتمل أن يكون جمع شاهد أو جمع شهيد في سبيل الله، والأول أرجح لأن فيه معنى الوعيد، ولأنه أليق بذكر الأنبياء الشاهدين، والمراد على هذا أمة محمد ﷺ ، لأنهم يشهدون على الناس وقيل: يعني الملائكة الحفظة وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ الضمير لجميع الخلق زُمَراً في الموضعين جمع زمرة وهي الجماعة من الناس وقال ﵌: أول زمرة يدخلون الجنة وجوههم على مثل القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل «١» خَزَنَتُها جمع خازن حيث وقع كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني القضاء السابق بعذابهم وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٢» إنما قال في الجنة وفتحت أبوابها بالواو وقال في النار فتحت بغير واو لأن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها، والمعنى حتى إذا جاؤها وأبوابها مفتحة، فالواو واو الحال وجواب إذا على هذا محذوف، وأما أبواب النار فإنها فتحت حين جاءوها، فوقع قوله: فتحت جواب الشرط فكأنه بغير واو وقال الكوفيون: الواو في أبواب الجنة واو الثمانية، لأن أبواب الجنة ثمانية وقيل: الواو زائدة وفتحت هو الجواب وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ يعني أرض الجنة والوراثة هنا استعارة كأنهم ورثوا موضع من لم يدخل الجنة نَتَبَوَّأُ أي ننزل من الجنة حيث نشاء ونتخذه مسكنا حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي محدقين به دائرين حوله وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ الضمير لجميع الخلق كالموضع الأول، ويحتمل هنا أن يكون للملائكة والقضاء بينهم توفية أجورهم على حسب منازلهم وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يحتمل أن يكون القائل لذلك الملائكة أو جميع الخلق أو أهل الجنة:
لقوله وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
стр. 706
سورة غافر
مكية إلا آيتي ٥٦ و ٥٧ فمدنيتان وآياتها ٨٥ نزلت بعد الزمر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة غافر (المؤمن)) حم تقدم الكلام على حروف الهجاء، وتختص حم بأن معناها: حمّ الأمر، أي قضي، وقال ابن عباس: «الر» و «حم» و «ن» هي حروف الرحمن تَنْزِيلُ الْكِتابِ ذكر في الزمر ذِي الطَّوْلِ أي ذي الفضل والإنعام، وقيل: الطول: الغنى والسعة فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ جعل لا يغررك بمعنى لا يحزنك ففيه تسلية للنبي ﷺ ، ووعيد للكفار وَالْأَحْزابُ يراد بهم عاد وثمود وغيرهم لِيَأْخُذُوهُ أي ليقتلوه لِيُدْحِضُوا أي ليبطلوا به الحق حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ «١» أي وجب قضاؤه وَمَنْ حَوْلَهُ عطف على الذين يحملون وَيُؤْمِنُونَ بِهِ إن قيل: ما فائدة قوله ويؤمنون به، ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه، قال ذلك الزمخشري، وقال:
إن فيه فائدة أخرى وهي: أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال، كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله.
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً أصل الكلام وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم، وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد
стр. 707
المبالغة في وصف الله تعالى بهما كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يحتمل أن يكون المعنى قهم السيئات نفسها، بحيث لا يفعلونها، أو يكون المعنى: قهم جزاء السيئات، فلا تؤاخذهم بها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ المقت البغض الذي يوجبه ذنب أو عيب، وهذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم، أي مقت بعضهم بعضا، ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه فتناديهم الملائكة وتقول لهم: مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فقوله: لمقت الله مصدر مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة مفعول مقتكم عليه وقوله: إذ تدعون ظرف العامل فيه مقت الله عاما من طريق المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو، لأن مقت الله مصدر فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته، فيحتاج أن يقدر للظرف عامل، وعلى هذا أجاز بعضهم الوقف على قوله أنفسكم، والابتداء بالظرف وهذا ضعيف، لأن المراعى المعنى. وقد جعل الزمخشري مقت الله عاما في الظرف ولم يعتبر الفصل قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ هذه الآية كقوله: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدما، أو كونهم في الأصلاب، أو في الأرحام، والموتة الثانية الموت المعروف، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث في القيامة. وقيل: الحياة الأولى حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى الموت المعروف، والموتة الثانية بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد لأنه لا بدّ من الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاث مرات.
فإن قيل: كيف اتصال قولهم أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله؟ فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم، حينئذ فقولهم: أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين إقرار بالبعث على أكمل الوجوه، طمعا منه أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله إذ كانوا يدعون إلى الإسلام فيكفرون فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الفاء هنا رابطة معناها التسبب، فإن قيل: كيف يكون قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين سببا لاعترافهم بالذنوب؟ فالجواب أنهم كانوا كافرين بالبعث، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم، علموا أن الله قادر على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث، وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي، فإن من لم يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي. ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ الباء سببية للتعليل، والإشارة بذلكم يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه، أو إلى مقت الله لهم أو مقتهم لأنفسهم،
стр. 708
والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه سياق الكلام وذلك أنهم لما قالوا: فهل إلى خروج من سبيل، كأنهم قيل لهم: لا سبيل إلى الخروج، فالإشارة بقوله ذلكم إلى عدم خروجهم من النار
يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: العلامات الدالة عليه من مخلوقاته ومعجزات رسله وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني المطر.
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يحتمل أن يكون المعنى مرتفع الدرجات، فيكون بمعنى العالي أو رافع درجات عباده في الجنة وفي الدنيا يُلْقِي الرُّوحَ يعني الوحي مِنْ أَمْرِهِ يحتمل أن يريد الأمر الذي هو واحد الأمور، أو الأمر بالخبر، فعلى الأول تكون من للتبعيض أو لابتداء الغاية، وعلى الثاني تكون لابتداء الغاية أو بمعنى الباء يَوْمَ التَّلاقِ «١» يعني يوم القيامة، وسمي بذلك لأن الخلائق يلتقون فيه، وقيل: لأنه يلتقي فيه أهل السموات والأرض وقيل: لأنه يلتقي الخلق مع ربهم، والفاعل في ينذر ضمير يعود على من يشاء أو على الروح أو على الله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ هذا من كلام الله تعالى تقريرا للخلق يوم القيامة فيجيبونه ويقولون: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه لأن الخلق يسكتون هيبة له، وقيل: إن القائل لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ملك يَوْمَ الْآزِفَةِ يعني القيامة ومعناه القريبة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور، لشدّة الخوف حتى بلغت الحناجر، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبّر به عن شدّة الخوف.
والحناجر جمع حنجرة وهي الحلق كاظِمِينَ أي محزونين حزنا شديدا كقوله: فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف: ٨٤] وقيل: معناه يكظمون حزنهم أي يطمعون أن يخفوه، والحال تغلبهم، وانتصابه على الحال من أصحاب القلوب، لأن معناه قلوب الناس، أو من المفعول في أنذرهم أو من القلوب. وجمعها جمع المذكر لمّا وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي صديق مشفق وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ يحتمل أن يكون نفى الشفاعة وطاعة الشفيع أو نفى طاعة خاصة. كقولك: ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح، وإن كان قد جاءك رجل غير صالح، والأول أحسن لأن الكفار ليس لهم من يشفع فيهم
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ أي استراق النظر، والخائنة مصدر بمعنى الخيانة، أو وصف للنظرة وهذا الكلام
стр. 709
متصل بما تقدم من ذكر الله، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله لينذر يوم التلاق «١» وَسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة ظاهرة وهي المعجزات قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ هذا القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولا قبل ميلاد موسى.
وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ المعنى: أنه لا يبالى بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك إن قتله، ويظهر من قوله: ذروني أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك يدل على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ يعني فساد أحوالهم في الدنيا، وقرأ [عاصم وحمزة والكسائي] : أو أن يظهر وقرأ [الباقون] بالواو فقط ويظهر بفتح الياء ورفع الفساد على الفاعلية وبضم الياء ونصب الفساد على المفعولية وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ الآية لما سمع موسى ما همّ به فرعون من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه، وقال: من كل متكبر ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح.
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قيل: اسم هذا الرجل حبيب وقيل: حزقيل، وقيل: شمعون بالشين المعجمة، وروي أن هذا الرجل المؤمن كان ابن عم فرعون، فقوله:
من آل فرعون صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني إسرائيل، فقوله: من آل فرعون على هذا يتعلق بقوله يكتم إيمانه، والأول أرجح لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله:
«فمن ينصرنا من بأس الله» لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا الكلام، وأَنْ يَقُولَ في موضع المفعول من أجله تقديره: أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ أي إن كان
стр. 710
موسى كاذبا في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي شيء تقتلونه، فإن قيل: كيف قال:
وإن يك كاذبا بعد أن كان قد آمن به؟ فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير، وقصد بذلك المحاجّة لقومه، فقسم أمر موسى إلى قسمين، ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجه من القسمين وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ قيل: إن بعض هنا بمعنى كل وذلك بعيد، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، فيرتجى إجابتهم للحق وَقالَ الَّذِي آمَنَ هو المؤمن المذكور أولا، وقيل: هو موسى ﵇ وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرح هنا بالإيمان، وكان كلام المؤمن أولا غير صريح بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه، إذ كان يكتم إيمانه، والجواب: أنه كتم إيمانه أول الأمر، ثم صرح به بعد ذلك، وجاهرهم مجاهرة ظاهرة، لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله «فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ» يَوْمَ التَّنادِ التنادي يعني: يوم القيامة وسمي بذلك لأن المنادي ينادي الناس، وذلك قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ وقيل: لأن بعضهم ينادي بعضا، أي ينادي أهل الجنة أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف:
٤٤] وينادي أهل النار: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [الأعراف: ٥٠] يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي منطلقين إلى النار، وقيل: هاربين من النار.
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ قيل: هو يوسف بن يعقوب، وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، والبينات التي جاء بها يوسف لم تعيّن لنا، واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون آخر قبله لأن كل من ملك مصر يقال له فرعون قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كلامهم هذا لا يدل على أنهم مؤمنون برسالة يوسف، وإنما مرادهم: لم يأت أحد يدّعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري:
إنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته
الَّذِينَ يُجادِلُونَ بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد، لأنه في معنى الجمع، كأنه قال: كل مسرف كَبُرَ مَقْتاً فاعل كبر مصدر يجادلون، وقال الزمخشري: الفاعل ضمير من هو
стр. 711
مسرف الْأَسْبابَ هنا الطرق وقيل: الأبواب، وكررها للتفخيم وللبيان فَأَطَّلِعَ بالرفع «١» عطف على أبلغ وبالنصب بإضمار أن في جواب لعل، لأن الترجّي غير واجب، فهو كالتمني في انتصاب جوابه، ولا نقول: إن لعل أشربت معنى ليت كما قال بعض النحاة (تباب) أي خسران (متاع) أي يتمتع به قليلا، فإن قيل: لم كرر المؤمن نداء قومه مرارا؟
فالجواب: أن ذلك لقصد التنبيه لهم، وإظهار الملاطفة والنصيحة، فإن قيل: لم جاء بالواو في قوله ويا قوم في الثالث دون الثاني؟ فالجواب: أن الثاني بيان للأول وتفسير، فلم يصح عطفه عليه بخلاف الثالث، فإنه كلام آخر فصح عطفه عليه ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي ليس لي علم بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وإذا لم يكن إلها لم يصح علم ربوبيته لا جَرَمَ أي لا بد ولا شك لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال: أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له دعوة قائمة، أي لا يدعى أحد إلى عبادته فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا دليل على أن من فوض أمره إلى الله كان الله معه النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها النار بدل من سوء العذاب، أو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وعرضهم عليها من حين موتهم إلى يوم القيامة، وذلك مدّة البرزخ بدليل قوله:
ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، واستدل أهل السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر، وروي أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدو إلى النار غُدُوًّا وَعَشِيًّا قيل: معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا، وقيل: المعنى على تقدير: ما بين
стр. 712
الغدوة والعشية، لأن الآخرة لا غدوة فيها ولا عشية
لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ إن قيل: هلا قال الذين في النار لخزنتها فلم صرح باسمها؟ فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلا ليس في ذكر الضمير وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ يحتمل أن يكون من كلام خزنة جهنّم فيكون متّصلا بقوله: فَادْعُوا أو يكون من كلام الله تعالى استئنافا.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا قيل: إن هذا خاص فيمن أظهره الله على الكفار، وليس بعام لأن من الأنبياء من قتله قومه كزكريا ويحي، والصحيح أنه عام، والجواب عما ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرسل، إنما كانا من الأنبياء الذين ليسوا بمرسلين، وإنما ضمن الله نصر الرسل خاصة، لا نصر الأنبياء كلهم وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يعني يوم القيامة.
والأشهاد جمع شاهد أو شهيد، ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور. أو الشهادة على الناس أو الشهادة في سبيل الله، والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس لقوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: ٤١] يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ يحتمل أنهم لا يعتذرون أو يعتذرون، ولكن لا تنفعهم معذرتهم، والأول أرجح لقوله: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦] فنفى الاعتذار والانتفاع به إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني وعده لسيدنا محمد ﷺ بالنصر والظهور على أعدائه الكفار بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ قيل. العشي صلاة العصر والإبكار صلاة الصبح، وقيل: العشي بعد العصر إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ يعني كفار قريش إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ أي تكبر وتعاظم، يمنعهم من أن يتبعوك أن ينقادوا إليك وقيل: كبرهم أنهم أرادوا النبوة لأنفسهم، ورأوا أنهم أحق بها، والأول أظهر لأن إرادتهم النبوة لأنفسهم حسد، والأول هو الكبر ما هُمْ بِبالِغِيهِ أي لا يبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك، ومن نيل النبوة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي استعذ من شرهم لأنهم أعداء لك، واستعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد، واستعذ بالله في جميع أمورك على الإطلاق.
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ الخلق هنا مصدر مضاف إلى
стр. 713
المفعول، والمراد به الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السموات الأرض على كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها، وقيل: المراد توبيخ الكفار المتكبرين، كأنه قال: خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم، وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم، والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال بعده: إن الساعة لآتية لا ريب فيها فقدم الدليل، ثم ذكر المدلول.
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الدعاء هنا هو الطلب والرغبة، وهذا وعد مقيّد بالمشيئة، وهي موافقة القدر لمن أراد أن يستجيب له، وقيل: ادعوني هنا: اعبدوني بدليل قوله بعده: إن الذين يستكبرون عن عبادتي وقوله ﷺ : الدعاء هو العبادة «١» ثم تلا الآية أَسْتَجِبْ لَكُمْ على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم. والأول أظهر، ويكون قوله: يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي بمعنى يستكبرون عن الرغبة إليّ كما قال ﵌: «من لم يسأل الله يغضب عليه «٢» وأما قوله ﵌:
الدعاء هو العبادة فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة، لأن الدعاء يظهر فيه افتقار العبد وتضرعه إلى الله داخِرِينَ أي صاغرين لِتَسْكُنُوا فِيهِ ذكر في [يونس: ٦٧] وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني المستلذات، لأنه إذا جاء ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذات، وإذا جاء في معرض التحليل والتحريم فيراد به الحلال والحرام الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا متصل بما قبله، قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقديره:
ادعوه مخلصين قائلين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ولذلك قال ابن عباس: من قال لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين، ويحتمل أن يكون الحمد لله استئنافا
ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
стр. 714
أراد الجنس ولذلك أفرد لفظه مع أن الخطاب لجماعة ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ذكر الأشد في سورة يوسف ﵇: [يوسف: ٢٢] واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره:
ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك ليكونوا أو أما لتبلغوا أجلا مسمى فمتعلق بمحذوف آخر تقديره:
فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلا مسمى وهو الموت أو يوم القيامة.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ يعني كفار قريش، وقيل: هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: الذين كذبوا بالكتاب إلا إن جعلته منقطعا مما قبله وذلك بعيد إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ العامل في إذ يعملون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقيق الأمر يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ أي يجرون والحميم الماء الشديد الحرارة ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ هذا من قولك: سجرت التنور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار (تمرحون) من المرح وهو الأشر والبطر. وقيل: الفخر والخيلاء فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ إن قيل: قياس النظم أن يقول بئس مدخل الكافرين لأنه تقدم قبله ادخلوا. فالجواب أن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثوى فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أصل إما إن نريك ودخلت ما الزائدة بعد إن الشرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب قرّت عينك بذلك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا يرجعون، فننتقم منهم أشد الانتقام.
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ روي عن النبي ﷺ أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلاف، وفي حديث أبي ذر إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا منهم الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر «١» فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذين قص عليه ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ قال الزمخشري:
стр. 715
أمر الله: القيامة، وقال ابن عطية: المعنى إذا أراد الله إرسال رسول قضي ذلك، ويحتمل أن يريد بأمر الله إهلاك المكذبين للرسل لقوله وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ هنالك في الموضعين يراد به الوقت والزمان، وأصله ظرف مكان ثم وضع موضع ظرف الزمان (الأنعام) هي الإبل والبقر والضأن والمعز، فقوله
لِتَرْكَبُوا مِنْها يعني الإبل، ومنها تأكلون يعني اللحوم والمنافع منها اللبن والصوف وغير ذلك وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً يعني قطع المسافة البعيدة، وحمل الأثقال على الإبل، وتحملون يريد الركوب عليها وإنما كرره بعد قوله: لتركبوا منها لأنه أراد الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها، الأسفار البعيدة، قاله ابن عطية يُرِيكُمْ آياتِهِ
هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة ولذلك وبخهم بقوله: أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الضمير يعود على الأمم المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه: أحدها أنه ما كانوا يعتقدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون، والثاني أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها، والثالث أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع وقيل: الضمير يعود على الرسل، أي فرحوا بما أعطاهم الله من العلم بالله وشرائعه أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على من يكذبهم، وأما الضمير في: وحاق بهم فيعود على الكفار باتفاق، ولذلك ترجح أن يكون الضمير في فرحوا يعود عليهم ليتسق الكلام (سنة الله) انتصب على المصدرية والله سبحانه أعلم.
стр. 716
سورة فصلت
مكية وآياتها ٥٤ نزلت بعد غافر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة حم السجدة) فُصِّلَتْ أي بينت وقيل قطعت إلى سور وآيات قُرْآناً عَرَبِيًّا منصوب بفعل مضمر على التخصيص أو حال أو مصدر لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل إذا نظروا فيها، وذلك هو العلم الذي يوجب التكليف وقيل: معناه يعلمون الحق والإيمان فالأول عام وهذا خاص، والأول أولى لقوله: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ لأن الإعراض ليس من صفة المؤمنين، وقيل: يعلمون لسان العرب فيفهمون القرآن إذ هو بلغتهم، وقوله: لقوم يتعلق بتنزيل أو فصلت والأحسن أن يكون صفة لكتاب فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي لا يقبلون ولا يطيعون، وعبّر عن ذلك بعدم السماع على وجه المبالغة فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان وهو الغطاء، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ عبارة عن بعدهم عن الإسلام فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ قيل: معناه اعمل على دينك، وإننا عاملون على ديننا فهي متاركة، وقيل: اعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فهو تهديد الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ هي زكاة المال، وإنما خصها بالذكر لصعوبتها على الناس، ولأنها من أركان الإسلام، وقيل: يعني بالزكاة التوحيد، وهذا بعيد. وإنما حمله على ذلك لأن الآيات مكية. لم تفرض الزكاة إلا بالمدينة، والجواب أن المراد النفقة في طاعة الله مطلقا، وقد كانت مأمورا بها بمكة أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع من قولك، مننت الحبل إذا قطعته وقيل: غير منقوص وقيل:
غير محصور، وقيل: لا يمن عليهم به لأن المن يكدر الإحسان أَنْداداً أي أمثالا وأشباها من الأصنام وغيرها
رَواسِيَ يعني الجبال وَبارَكَ فِيها أكثر خيرها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
стр. 717
أي أرزاق أهلها ومعاشهم وقيل: يعني أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض، والأول أظهر فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يريد أن الأربعة كملت باليومين الأولين، فخلق الأرض في يومين وجعل فيها ما ذكر في يومين، فتلك أربعة أيام وخلق السموات في يومين فتلك ستة أيام حسبما ذكر في مواضع كثيرة، ولو كانت هذه الأربعة الأيام زيادة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثمانية أيام، بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة سَواءً بالنصب مصدر تقديره: استوت استواء قاله الزمخشري، وقال ابن عطية انتصب على الحال للسائلين قيل: معناه لمن سأل عن أمرها، وقيل: معناه للطالبين لها، ويعني بالطلب على هذا حاجة الخلق إليها، وحرف الجر يتعلق بمحذوف على القول الأول تقديره: يبين ذلك لمن سأل عنه ويتعلق بقدّر على القول الثاني.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد إليها، ويقتضي هذا الترتيب: أن الأرض خلقت قبل السماء، فإن قيل: كيف الجمع بين ذلك وبين قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٣٠] فالجواب لأنها خلقت قبل السماء، ثم دحيت بعد ذلك وَهِيَ دُخانٌ روي أنه كان العرش على الماء، فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضا، ثم خلق السموات من الدخان المرتفع فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً هذه عبارة عن لزوم طاعتها، كما يقول الملك لمن تحت يده: افعل كذا شئت أو أبيت، أي: لا بد لك من فعله، وقيل: تقديره ائتيا طوعا وإلا أتيتما كرها، ومعنى هذا الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله، وقوله لهما ائتيا مجاز، وهو عبارة عن تكوينه لهما وكذلك قولهما:
أتينا طائعين عبارة عن أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما، وقيل: بل ذلك حقيقة وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما: أتينا طائعين وإنما جمع طائعين جمع العقلاء لوصفهما بأوصاف العقلاء
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ أي صنعهنّ والضمير للسموات السبع، وانتصابها على التمييز تفسيرا للضمير، وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل، فهو كقولك:
الجذوع انكسرت، وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله طائعين، لأنه وصفهما بالطوع، وهو فعل العقلاء فعاملهما معاملتهم فهو كقوله في [سورة يوسف: ٤] : رأيتهم لي ساجدين وأعاد ضمير التثنية في قوله: قالتا أتينا لأنه جعل الأرض فرقة والسماء أخرى وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي أوحى إلى سكانها من الملائكة، وإليها نفسها ما شاء من الأمور، التي بها قوامها وصلاحها، وأضاف الأمر إليها لأنه فيها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني الشمس والقمر والنجوم، وهي زينة للسماء الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات وَحِفْظاً تقديره: وحفظناها حفظا ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظا.
стр. 718
فَإِنْ أَعْرَضُوا الضمير لقريش صاعِقَةً يعني واقعة واحدة شديدة، وهي مستعارة من صاعقة النار، وقرئ صعقة بإسكان العين وهي الواقعة من قولك صعق الرجل إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ معنى ما بين الأيدي المتقدم، ومعنى ما خلف المتأخر، فمعنى الآية: أن الرسل جاءوهم في الزمان المتقدم، واتصلت نذارتهم إلى زمان عاد وثمود، حتى قامت عليهم الحجة بذلك من بين أيديهم، ثم جاءتهم رسل آخرون عند اكتمال أعمارهم، فذلك من خلفهم، قاله ابن عطية وقال الزمخشري: معناه أتوهم من كل جانب، فهو عبارة عن اجتهادهم في التبليغ إليهم، وقيل: أخبروهم بما أصاب من قبلهم، فذلك ما بين أيديهم، وأنذروهم ما يجري عليهم في الزمان المستقبل وفي الآخرة فذلك من خلفهم أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية على تقدير بأن لا تعبدوا إلا الله فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ليس فيه اعتراف الكفار بالرسالة، وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودعواكم، وفيه تهكم رِيحاً صَرْصَراً قيل: إنه من الصرّ وهو شدة البرد فمعناه باردة وقيل: إنه من قولك: صرصر إذا صوت فمعناه لها صوت هائل في أيام نحسات معناه من النحس وهو ضد السعد وقيل شديدة البرد وقيل: متتابعة والأول أرجح، وروي أنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وقرئ «١» نحسات بإسكان الحاء وكسرها فأما الكسر فهو جمع نحس وهو صفة وأما الإسكان فتخفيف من الكسر على وزن فعل أو وصف بالمصدر.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أي بينا لهم فهو بمعنى البيان، لا بمعنى الإرشاد فَهُمْ يُوزَعُونَ «٢» أي يدفعون بعنف وَجُلُودُهُمْ يعني الجلود المعروفة، وقيل: هو كناية عن الفروج والأول أظهر
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ الآيات يحتمل أن تكون من كلام الجلود، أو
стр. 719
من كلام الله تعالى أو الملائكة، وفي معناه وجهان: أحدهما لم تقدروا أن تستتروا من سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنها ملازمة لكم، فلم يمكنكم احتراس من ذلك فشهدت عليكم، والآخر لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنكم لم تبالوا بشهادتها، ولم تظنوا أنها تشهد عليكم، وإنما استترتم لأنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وهذا أرجح لاتّساق ما بعده معه، ولما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: أنه قال اجتمع ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا: قال الآخر إنه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا فقال الآخر: إن كان يسمع منا شيئا فإنه يسمعه كله فنزلت الآية أَرْداكُمْ أي أهلككم من الردى بمعنى الهلاك وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ هو من العتب بمعنى الرضا أي: إن طلبوا العتبى ليس فيهم من يعطاها وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما بين أيديهم ما تقدم من أعمالهم، وما خلفهم ما هم عازمون عليه، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، والتكذيب بها وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي سبق عليهم القضاء بعذابهم فِي أُمَمٍ أي في جملة أمم، وقيل: في بمعنى مع.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ روي أن قائل هذه المقالة أبو جهل بن هشام لعنه الله وَالْغَوْا فِيهِ المعنى لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر، وشبه ذلك حتى لا يسمعه أحد، وقيل: معناه قعوا فيه وعيبوه أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر تَحْتَ أَقْدامِنا أي في أسفل طبقة من النار
ثُمَّ اسْتَقامُوا قال أبو بكر الصديق ﵁، استقاموا على قولهم: ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط،
стр. 720
وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ يعني عند الموت وَلَكُمْ فِيها
الضمير للآخرة ما تَدَّعُونَ
أي ما تطلبون وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ أي: لا أحد أحسن قولا منه، ويدخل في ذلك كل من دعا إلى عبادة الله أو طاعته على العموم، وقيل: المراد سيدنا محمد ﷺ ، وقيل المؤذنون وهذا بعيد لأنها مكية، وإنما شرع الأذان بالمدينة ولكن المؤذنين يدخلون في العموم وَما يُلَقَّاها الضمير يعود على الخلق الجميل الذي يتضمنه قوله: ادفع بالتي هي أحسن ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي حظ من العقل والفضل وقيل: حظ عظيم في الجنة وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة، ونزغ الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء الَّذِي خَلَقَهُنَّ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر، لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو كالواحدة المؤنثة، وقيل إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما لأن الإثنين جمع وهذا بعيد فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ الملائكة لا يَسْأَمُونَ أي لا يملون الْأَرْضَ خاشِعَةً عبارة عن قلة النبات اهْتَزَّتْ ذكر في [الحج: ٥] إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى تمثيل واحتجاج على صحة البعث إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي يطعنون عليها، وهذا الإلحاد هو بالتكذيب وقيل باللغو فيه حسبما تقدم في السورة أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ الآية: قيل إن المراد بالذي يلقى بالنار أبو جهل، وبالذي يأتي آمنا عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر واللفظ أعم من ذلك اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ تهديد لا إباحة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ الذكر هنا القرآن باتفاق، وخبر إن محذوف تقديره ضلوا أو هلكوا، وقيل: خبرها: أولئك ينادون من مكان بعيد، وذلك بعيد.
стр. 721
إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ أي كريم على الله، وقيل منيع من الشيطان
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ أي ليس فيما تقدمه ما يبطله، ولا يأتي بعده ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ في معناه قولان: أحدهما:
ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم، فالمراد على هذا تسلية النبي ﷺ بالتأسي، والمراد على القول الأوّل أنه ﵊ أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ يحتمل أن يكون مستأنفا، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة، وذلك على القول الأوّل، وأما على القول الثاني فهو مستأنف منقطع مما قبله.
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ الأعجمي الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه سواء كان من العرب أو من العجم، والعجمي الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح، ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه لو كان أعجميا لطعنوا فيه وقالوا: هلا كان مبينا فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ «١» هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار، والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجميا لقالوا قرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقيل: إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين وإستبرق، فقالوا أقرآن أعجمي وعربي، أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ
عبارة عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى عبارة عن قلة فهمهم له أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادى من مكان بعيد فهو لا يسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني أنه حقيقة في يوم القيامة أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني القدر
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ أي علم زمان وقوعها، فإذا سئل أحد عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها مِنْ أَكْمامِها جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها.
стр. 722
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي العامل في يوم محذوف والمراد به يوم القيامة، والضمير للمشركين وقوله: أين شركائي توبيخ لهم، وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين، كأنه قال: الشركاء الذين جعلتم لي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ المعنى: أنهم قالوا:
أعلمناك ما منا من يشهد اليوم بأن لك شريكا، لأنهم كفروا يوم القيامة بشركائهم وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ أي ضل عنهم شركاؤهم، بمعنى أنهم لا يرونهم حينئذ، فما على هذا موصولة، أو ضل عنهم قولهم الذي كانوا يقولون من الشرك، فما على هذا مصدرية وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ الظنّ هنا بمعنى اليقين، والمحيص المهرب: أي علموا أنهم لا مهرب لهم من العذاب وقيل: يوقف على ظنوا، ويكون مالهم استئنافا، وذلك ضعيف لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي لا يمل من الدعاء بالمال والعافية وشبه ذلك، ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وقيل في غيره من الكفار واللفظ أعم من ذلك لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي هذا حقي الواجب لي، وليس تفضلا من الله ولا يقول هذا إلا كافر، ويدل على ذلك قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وقوله: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى معناه إن بعثت تكون لي الجنة، وهذا تخرص وتكبر، وروي أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وَنَأى بِجانِبِهِ ذكر في الإسراء: ٨٣ دُعاءٍ عَرِيضٍ أي كثير، وذكر الله هذه الأخلاق على وجه الذم لها قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية معناها: أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به ألستم في شقاق بعيد؟ فوضع قوله من أضل موضع الخطاب لهم سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ الضمير لقريش وفيها ثلاثة أقوال: أحدها أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار للمسلمين، والآيات في أنفسهم هي فتح مكة فجمع ذلك وعدا للمسلمين بالظهور، وتهديدا للكفار، واحتجاجا عليهم بظهور الحق وخمول الباطل، والثاني أن الآيات في الآفاق هي ما أصاب الأمم المتقدمة من الهلاك وفي أنفسهم يوم بدر. الثالث أن الآيات في الآفاق: هي خلق السماء وما فيها من العبر والآيات، وفي أنفسهم خلقة بني آدم وهذا ضعيف لأنه قال: سنريهم بسين الاستقبال، وقد كانت السموات وخلقة بني آدم مرئية والأول هو الراجح أَنَّهُ الْحَقُّ الضمير للقرآن أو للإسلام مُحِيطٌ أي بعلمه وقدرته وسلطانه.
стр. 723
سورة الشورى
مكية إلا الآيات ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٧ فمدنية وآياتها ٥٣ نزلت بعد فصلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الشورى) حم عسق الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدم في سورة البقرة، وقد حكى الطبري أن رجلا سأل ابن عباس عن حم عسق فأعرض عنه، فقال حذيفة: إنما كرهها ابن عباس، لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينة على نهر من أنهار المشرق، ثم يخسف الله بها في آخر الزمان، والرجل على هذا أبو جعفر المنصور، والمدينة بغداد. وقد ورد في الحديث الصحيح أنها يخسف بها «١» كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ الكاف نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك إلى ما تضمنه القرآن أو السورة، وقيل:
الإشارة لقوله: حم عسق فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كل كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظر اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ اسم الله فاعل بيوحى، وأما على قراءة يوحي بالفتح فهو فاعل بفعل مضمر، دل عليه يوحى كأن قائلا قال: من الذي أوحى؟ فقيل: الله تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ «٢» أي يتشققن من خوف الله وعظيم جلاله، وقيل: من قول الكفار:
اتخذ الله ولدا، فهي كالآية التي في مريم قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه: مردود لأن الله تعالى لا يوصف به مِنْ فَوْقِهِنَّ الضمير للسموات والمعنى يتشققن من أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل، وقيل: الضمير للأرضين وهذا بعيد، وقيل: الضمير للكفار كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السموات يتفطرن، وهذا أيضا بعيد وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ عموم يراد به الخصوص لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله:
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] . وقيل: إنّ يستغفرون للذين آمنوا نسخ هذه الآية،
стр. 724
وهذا باطل، لأن النسخ لا يدخل في الأخبار، ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يعاجلوا بالعقوبة فيكون عاما، فإن قيل: ما وجه اتصال قوله: والملائكة يسبحون الآية: بما قبلها؟ فالجواب أنا إن فسرنا تفطر السموات بأنه من عظمة الله فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضا تعظيما له، فينتظم الكلام، وإن فسرنا تفطرها بأنه من كفر بني آدم فيكون تسبيح الملائكة تنزيها لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة.
أُمَّ الْقُرى هي مكة، والمراد أهلها، ولذلك عطف عليه من حولها يعني من الناس يَوْمَ الْجَمْعِ يعني يوم القيامة وسمي بذلك لأن الخلائق يجتمعون فيه أَمِ اتَّخَذُوا أم منقطعة، والأولياء هنا المعبودون من دون الله فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي ما اختلفتم فيه أنتم والكفار من أمر الدين فحكمه إلى الله بأن يعاقب المبطل ويثيب المحق أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكموا فيه إلى النبي ﵌، كقوله: فردّوه إلى الله والرسول مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني الإناث وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ معنى يذرؤكم يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن، وقيل:
يكثركم، والضمير المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله: جعل لكم، وهذا كما تقول كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه، وقيل: الضمير للتزويج الذي دل عليه قوله أزواجا، وقال الزمخشري: تقديره يذرؤكم في هذا التدبير. وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا، والضمير في يذرؤكم خطاب للناس والأنعام غلّب فيه العقلاء على غيرهم، فإن قيل: لم قال يذرؤكم فيه وهلا قال يذرؤكم به؟ فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير قاله الزمخشري لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين، قال كثير من الناس:
الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى ليس مثله شيء، وقال الطبري وغيره ليست بزائدة، ولكن وضع مثله موضع هو، والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري: وهذا كما تقول: مثلك لا يبخل، والمراد: أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته.
مَقالِيدُ قد ذكر في [الزمر: ٦٣]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً اتفق
стр. 725
دين سيدنا محمد ﵌ مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات، وذلك هو المراد هنا، ولذلك فسره بقوله: أن أقيموا الدين يعني إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبالدار الآخرة، وأما الأحكام الفروعية، فاختلفت فيها الشرائع فليست تراد هنا أَنْ أَقِيمُوا يحتمل أن تكون أن في موضع نصب بدلا من قوله:
ما وصى أو في موضع خفض بدلا من به، أو في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أو تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي صعب الإسلام على المشركين اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ الضمير في إليه يعود على الله تعالى، وقيل على الدين وَما تَفَرَّقُوا يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم وَلَوْلا كَلِمَةٌ يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في الدنيا وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعني المعاصرين لسيدنا محمد ﷺ من اليهود والنصارى، وقيل: يعني العرب، والكتاب على هذا القرآن لَفِي شَكٍّ مِنْهُ الضمير للكتاب، أو للدين أو لسيدنا محمد ﷺ فَلِذلِكَ فَادْعُ أي إلى ذلك الذي شرع الله، فادع الناس فاللام بمعنى إلى، والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله: ما تدعوهم إليه وقيل: إن اللام بمعنى أجل، والإشارة إلى التفرق والاختلاف، أي لأجل ما حدث من التفرق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله: واستقم معطوفا، وعلى الأول يكون مستأنفا فيوقف على فادع واستقم كَما أُمِرْتَ أي دم على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الضمير للكفار، وأهواؤهم ما كانوا يحبون من الكفر والباطل كله وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قيل: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه، ويحتمل أن يريد العدل في دعائهم إلى دين الإسلام، أي أمرت أن أحملكم على الحق لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي لا جدال ولا مناظرة، فإن الحق قد ظهر وأنتم تعاندون.
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ أي يجادلون المؤمنين في دين الإسلام، ويعني كفار قريش، وقيل: اليهود مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه، وقيل: يعود على الدين وقيل: على محمد ﷺ ، والأول أظهر وأحسن حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ أي زاهقة باطلة
أَنْزَلَ الْكِتابَ يعني جنس
стр. 726
الكتاب بِالْحَقِّ أي بالواجب أو متضمنا الحق وَالْمِيزانَ قال ابن عباس وغيره يعني:
العدل، ومعنى إنزال العدل، إنزال الأمر به في الكتب المنزلة، وقيل: يعني الميزان المعروف، فإن قيل: ما وجه اتصال ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟ فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: اعدلوا وافعلوا الصواب قبل اليوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ جاء قريب، بالتذكير، لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقت الساعة يَسْتَعْجِلُ بِهَا أي يطلبون تعجيلها استهزاء بها، وتعجيزا للمؤمنين يُمارُونَ أي يجادلون ويخالفون يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ يعني الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في قوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] أي ما تقوم به الحياة، فإن هذا على العموم لكل حيوان طول عمره، والزائد خاص بمن شاء الله حَرْثَ الْآخِرَةِ عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعار من حرث الأرض لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ عبارة عن تضعيف الثواب نُؤْتِهِ مِنْها أي نؤته منها ما قدّر له، لأن كل أحد لا بد أن يصل إلى ما قسم له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ هذا للكفار، أو لمن كان يريد الدنيا خاصة، ولا رغبة له في الآخرة أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ، والشركاء الأصنام وغيرها، وقيل: الشياطين شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الضمير في شرعوا للشركاء، وفي لهم: للكفار، وقيل: بالعكس والأول أظهر ولم يأذن بمعنى: لم يأمر، والمراد بما شرعوا من البواطل في الاعتقادات، وفي الأعمال، كالبحيرة والوصيلة وغير ذلك.
وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أي لولا القضاء السابق بأن لا يقضى بينهم في الدنيا لقضي بينهم فيها تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ يعني في الآخرة
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ تقديره يبشر به، وحذف الجار والمجرور إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فيه أربعة أقوال: الأول أن القربى بمعنى القرابة، وفي بمعنى من أجل، والمعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم فالمقصد على هذا استعطاف قريش، ولم يكن فيهم بطن
стр. 727
إلا وبينه وبين النبي ﷺ قرابة: الثاني أن القربى بمعنى الأقارب، أو ذوي القربى، والمعنى إلا أن تودّوا أقاربي وتحفظوني فيهم، والمقصد على هذا وصية بأهل البيت: الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض، والمعنى أن تودوا أقاربكم، والمقصود على هذا وصية بصلة الأرحام: الرابع أن القربى التقرّب إلى الله، والمعنى إلا أن تتقربوا إلى الله بطاعته، والاستثناء على القول الثالث والرابع منقطع، وأما على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع، لأن المودّة ليست بأجر، ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال: لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فجعل المودة كالأجر يَقْتَرِفْ أي يكتسب نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً يعني مضاعفة الثواب.
أَمْ يَقُولُونَ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فالمقصد بهذا قولان: أحدهما أنه رد على الكفار في قولهم افترى على الله كذبا: أي لو افتريت على الله كذبا لختم على قلبك، ولكنك لم تفتر على الله كذبا فقد هداك وسددك، والآخر أن المراد: إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار وتحمل أذاهم وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قبله، لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله ويبدأ به، وفي المراد به وجهان: أحدهما أنه من تمام ما قبله: أي لو افتريت على الله كذبا لختم على قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريت، والآخر أنه وعد لرسول الله ﵌ بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر، ويحق الحق وهو الإسلام وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ «١» عن هنا بمعنى من، وكأنه قال التوبة الصادرة من عباده وقبول التوبة على ثلاثة أوجه: أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعا والثاني التوبة من مظالم العباد فهي غير مقبولة حتى تردّ المظالم أو يستحل منها والثالث التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية وقيل: إنها في المشيئة وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا، وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلا، والثاني العفو عن مظالم العباد وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، وهو حاصل باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السنة أنها في المشيئة، ومذهب المعتزلة أنها لا تغفر إلا بالتوبة وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي يجيبهم فيما يطلبون منه. وقال الزمخشري: أي أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام. والثاني أن معناه يجيب والذين
стр. 728
آمنوا فاعل أي يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه والثالث أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم واستفعل هذا على بابه من الطلب، والأول أرجح لدلالة قوله: ويزيدهم من فضله ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل. وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يزيدهم ما لا يطلبون، زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة روي عن النبي ﵌ أنها الشفاعة والرضوان.
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ أي بغى بعضهم على بعض، وطغوا لأن الغنى يوجب الطغيان، وقال بعض الصحابة: فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنيناها وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا قيل لعمر ﵁: اشتد القحط وقنط الناس. فقال: الآن يمطرون، وأخذ ذلك من هذه الآية، ومنه قوله ﷺ : اشتدي أزمة تنفرجي «١» وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ قيل: يعني المطر فهو تكرار للمعنى الأول بلفظ آخر، وقيل:
يعني الشمس وقيل: بالعموم وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ لا إشكال لأن الدواب في الأرض وأما في السماء فقيل: يعني الملائكة وقيل: يمكن أن تكون في السماء دواب لا نعلمها نحن وقيل: المعنى أنه بث في أحدهما فذكر الاثنين كما تقول في بني فلان كذا وإنما هو في بعضهم وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ يريد جمع الخلق في الحشر يوم القيامة وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ المعنى أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم إنما هي بسبب الذنوب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر «٢» . وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت بغير فاء على أن يكون ما أصابكم بمعنى الذي وقرأ الباقون بالفاء على أن يكون ما أصابكم شرطا بِمُعْجِزِينَ قد ذكر الجواري «٣» جمع جارية وهي السفينة كَالْأَعْلامِ جمع علم وهو الجبل
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
стр. 729
الضمير في يظللن للجواري وفي ظهره للبحر، أي لو أراد الله أن يسكن الرياح لبقيت السفن واقفة على ظهر البحر، فالمقصود تعديد النعمة في إرسال الرياح أو تهديد بإسكانه أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا عطف على يسكن الريح، ومعنى يوبقهن يهلكهن بالغرق، من شدة الرياح العاصفة والضمير فيه للسفن، وفي كسبوا لركابها من الناس والمعنى: أنه لو شاء لأغرقها بذنوب الناس وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي يعلمون أنه لا مهرب لهم من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، [وقرأ الباقون] بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء لأنه غير واجب. وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله:
ولنجعله آية للناس [مريم: ٢١] كَبائِرَ الْإِثْمِ ذكرنا الكبائر في [النساء: ٣١] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي ﵌ إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين ﵃، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم «١» وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها «٢» وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقينا، والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. أما صفات عمر فقوله: والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش لأن ذلك هو التقوى، وقوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله:
والذين استجابوا لربهم لأن عثمان لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى
стр. 730
الإسلام وقوله، وأقاموا الصلاة، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما الآية: وروي أنه كان يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: وأمرهم شورى بينهم لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ومما رزقناهم ينفقون، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصارا للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله ﵌ المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: «فمن عفا وأصلح فأجره على الله» إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحسن: إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين «١» وقوله: ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار قيام الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله:
«إنما السبيل على الذين يظلمون الناس» إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولا ومال الله دولا، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم «٢» ، وقوله: «ولمن صبر وغفر» الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي ﵌ على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزا من الزيادة عليها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله:
«ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل» وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله «والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون» والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزا ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى «فقاتلوا التي
стр. 731
تبغي»
يُعْرَضُونَ عَلَيْها أي على النار خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عميا فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدرا يَوْمَ الْقِيامَةِ يتعلق بقال أو بخسروا أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفا من كلام الله تعالى لا مَرَدَّ لَهُ ذكر في غافر [١١] مِنْ نَكِيرٍ أي إنكار يعني لا تنكرون أعمالكم يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً قدم الإناث اعتناء بهنّ وتأنيسا لمن وهبهن له. قال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى قبل الذكر، لأن الله بدأ بالإناث وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأنبياء ﵈ فشعيب ولوط كان لهما إناث دون ذكور، وإبراهيم كان له ذكور دون إناث، ومحمد ﵌ جمع الإناث والذكور، ويحيى كان عقيما، والظاهر أنها على العموم في جميع الناس، إذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم من هذه الأقسام الأربعة التي ذكر، وفي الآية من أدوات البيان التقسيم.
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً الآية: بين الله تعالى فيها كلامه لعباده، وجعله على ثلاثة أوجه أحدها الوحي المذكور أولا وهو الذي يكون بإلهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك وهو قوله: أو يرسل رسولا يعني ملكا، فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي، وهذا خاص بالأنبياء والثاني خاص بموسى وبمحمد ﵌ إذ كلمه الله ليلة الإسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء كثيرا، وقد يكون لسائر الخلق ومنه، وأوحى ربك إلى النحل ومنه منامات الناس أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا قرأ نافع يرسل ويوحي بالرفع، على تقدير أو هو يرسل والباقون
стр. 732
بالنصب عطفا على وحيا لأن تقديره: أن يوحي عطف على أن المقدرة
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الروح هنا القرآن، والمعنى مثل هذا الوحي، وهو بإرسال ملك أوحينا إليك القرآن، والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، أو يكون من الأمر بالشيء ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ المقصد بهذا شيئان: أحدهما تعداد النعمة عليه ﷺ بأن علمه الله ما لم يكن يعلم. والآخر احتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من أحد، فإن قيل: أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم؟ فالجواب أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه، وقد كان مؤمنا بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له بالنبوة وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً الضمير للقرآن.
стр. 733
سورة الزخرف
مكية إلا آية ٥٤ فمدنية وآياتها ٨٩ نزلت بعد الشورى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الزخرف) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البيّن، أو المبيّن لغيره وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أم الكتاب، اللوح المحفوظ، والمعنى: أن القرآن وصف في اللوح بأنه عليّ حكيم، وقيل: المعنى أن القرآن نسخ بجملته في اللوح المحفوظ، ومنه كان جبريل ينقله، فوصفه الله بأنه علي حكيم لكونه مكتوب في اللوح المحفوظ. والأول أظهر وأشهر أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً الهمزة للإنكار والمعنى:
أنمسك عنكم الذكر، ونضرب من قولك: أضربت عن كذا: إذا تركته، والذكر يراد به:
القرآن، أو التذكير، والوعظ. وصفحا فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى الإعراض، تقول:
صفحت عنه إذا أعرضت عنه فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضا عنكم؟ وإعراب صفحا على هذا مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفوا عنكم وغفرانا لذنوبكم؟ وإعراب صفحا على هذا مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ قرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله، وقرأ الباقون بالفتح على أنه مفعول من أجله أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً الضمير لقريش وهم المخاطبون بقوله: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ، فإن قيل: كيف قال: إن كنتم على الشرط بحرف إن التي معناها الشك، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟ فالجواب أن في ذلك إشارة إلى توبيخهم على الإسراف، وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيء لا يقع من عاقل، فلذلك وضع حرف التوقع في موضع الواقع وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي تقدّم في القرآن ذكر حال الأولين وكيفية إهلاكهم لما كفروا.
стр. 734
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الآية احتجاج على قريش لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره، ومقتضى جوابهم أن يقولوا:
خلقهن الله، فلما ذكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم، وأما قوله: الذي جعل لكم فهو من كلام الله لا من كلامهم مِهاداً «١» أي فراشا على وجه التشبيه سُبُلًا أي طرقا تمشون فيها ماءً بِقَدَرٍ أي بمقدار ووزن معلوم وقيل: معناه بقضاء كَذلِكَ تُخْرَجُونَ تمثيل للخروج من القبور بخروج النبات من الأرض الْأَزْواجَ كُلَّها يعني أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ الضمير يعود على ما تركبون ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ يحتمل أن يكون هذا الذكر بالقلب أو باللسان، ويحتمل أن يريد النعمة في تسخير هذا المركوب أو النعمة على الإطلاق، وكان بعض السلف إذا ركب دابة يقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ثم يقول: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي مطيقين وغالبين وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ اعتراف بالحشر فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟
فالجواب: أن راكب السفينة أو الدابة متعرض للهلاك بما يخاف من غرق السفينة، أو سقوطه عن الدابة، فأمر بذكر الحشر ليكون مستعدا للموت الذي قد يعرض له، وقيل يذكر عند الركوب ركوب الجنازة، وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً الضمير في جعلوا لكفار العرب، وفي له لله تعالى، وهذا الكلام متصل بقوله: ولئن سألتهم الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، فكأنهم جعلوا جزءا من عباده نصيبا له وحظا دون سائر عباده. وقال الزمخشري:
معناه أنهم جعلوا الملائكة جزءا منه وقال بعض اللغويين: الجزء في اللغة الإناث واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ أم للإنكار والرد على الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله ومعنى أصفاكم: خصكم. أي كيف يتخذ لنفسه البنات وهن أدنى، وأصفاكم بالبنين وهم أعلى «٢»
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا أي إذا بشر بالأنثى، وقد ذكر هذا
стр. 735
المعنى في النحل والمراد أنهم يكرهون البنات فكيف ينسبونها إلى الله؟ تعالى الله عن قولهم.
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ المراد بمن ينشأ في الحلية النساء، والحلية هي الحلي من الذهب والفضة، وشبه ذلك. ومعنى ينشأ فيها يكبر وينبت في استعمالها. وقرئ «١» ينشأ بضم الياء وتشديد الشين بمعنى يربّى فيها، والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله. كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي قوله: وهو في الخصام غير مبين، يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجّتها لنقص عقلها، وقلّ ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص؟ وإعراب ينشأ مفعول بفعل مضمر تقديره: أجعلتم لله من ينشأ أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ في الحلية خصصتم به الله وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً الضمير في جعلوا لكفار العرب، فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد، والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا، وقرئ «٢» عند الرحمن بالنون، والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين عند ربك، وقرئ عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضا الاختصاص والتشريف أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ «٣» هذا ردّ على العرب في قولهم: إن الملائكة إناث، والمعنى لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ أي تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ الضمير في قالوا للكفار، وفي عبدناهم للملائكة، وقال ابن عطية للأصنام: والأول أظهر وأشهر، والمعنى:
احتجاج احتجّ به الذين عبدوا الملائكة، وذلك أنهم قالوا: لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم، فكونه يمهلنا وينعم علينا: دليل على أنه يرضى عبادتنا لهم، ثم رد الله عليهم بقوله ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ يعني أن قولهم بلا دليل وحجة، وإنا هو تخرّص منهم أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل القرآن، وهذا أيضا رد عليهم لكونهم ليس لهم كتاب يحتجون به بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي على دين وطريقة، والمعنى أنهم ليس لهم حجة، وإنما هم مقلدو آبائهم
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الآية المعنى كما اتبع
стр. 736
هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة اتبع كل من كان قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة، بل بطريق التقليد المذموم قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرئ «١» قال أو لو جئتكم، والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم، وأما قراءة قل بالأمر فهو خطاب لمحمد ﷺ ، أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل: هو للنذير المتقدم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضا بين قصة المتقدمين، فإن قوله قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون: حكاية عن الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: فانتقمنا منهم: يعني من المتقدمين.
إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك استوى فيها الواحد والجماعة كعدل وشبهه إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يحتمل أن يكون استثناء منقطعا، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلا إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل مما تعبدون فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب سَيَهْدِينِ قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال [من الله] وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم ﵇، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي: إنني براء مما تعبدون، ومعناه: التوحيد، ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: هو سماكم المسلمين من قبل، وقيل: يعود على لا إله إلا الله، والمعنى متقارب:
أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبدا بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشا من عقب إبراهيم ﵇، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وهو محمد ﷺ .
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة والطائف، ومن القريتين: معناها من إحدى القريتين، كقولك: يخرج منهما
стр. 737
اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل: معناه على رجل من رجلين من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى الآية أن قريشا استبعدوا نزول القرآن على محمد ﵌، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردّ الله عليهم بقوله أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يعني أن الله يخص بالنبوّة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ هذا تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل: الجنة.
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية: تحقير أيضا للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم، لجعلنا للكفار سقفا من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله، كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء «١» وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ المعارج: الأدراج والسلالم، ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه «فما استطاعوا أن يظهروه» والسرر جمع سرير، والزخرف الذهب «٢» ، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق، وشبه ذلك وقيل: هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين كقوله: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يعش من قولك: عشي الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة، وقال الزمخشري: يعشى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين
стр. 738
قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق، والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، وذكر الرحمن، وقال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية: يريد به ما ذكر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله، ومعنى الآية: أن من غفل عن ذكر الله يسّر الله له شيطانا يكون له قرينا، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان.
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الضمير في إنهم للشياطين، وضمير المفعول في يصدونهم لمن يعش عن ذكر الرحمن، وجمع الضميرين لأن المراد به جمع حَتَّى إِذا جاءَنا قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر جاءانا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه، وقرأ الباقون بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش، والضمير في قال: لمن يعش، وقيل:
للشيطان بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فيه قولان. أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب، وغلّب أحدهما في التشبيه، كما قيل: القمران، والآخر: أنه يعني المشرقين والمغربين، وحذف المغربين لدلالة المشرقين عليه وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ هذا كلام يقال للكفار في الآخرة، ومعناه أنهم لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا، إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه، والفاعل في ينفعكم قوله: «إنكم في العذاب مشتركون» ، وإذ ظلمتم: تعليل معناه: بسبب ظلمكم، وقيل: الفاعل مضمر، وهو التبري الذي يقتضيه قوله: «يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين» وأنكم على هذا تعليل، والأول أرجح أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الآية: خطاب للنبي ﵌، والمراد بالصم والعمي الكفار إذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، ومقصد الآية وعيد للكفار، والمعنى إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك، وإن أخرنا وفاتك إلى حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون، وهذا الانتقام يحتمل أن يريد به قتلهم يوم بدر، وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا، أو يريد به عذاب الآخرة، وقيل: إن الضمير في منهم منتقمون للمسلمين، وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وإنه أكرم نبيه ﵇ بأن توفاه قبل أن يرى الانتقام من أمته، والأول أشهر وأظهر.
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ الضمير في إنه للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى
стр. 739
الشرف، وقوم النبي ﵌ هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله ﵌ أن الأمر بعده لقريش، ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ أي تسألون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا إن قيل: كيف أمر النبي ﵌ أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول أنه رآهم ليلة الإسراء. الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك. الثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هل مع الله آلهة يعبدون لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها الآيات هنا المعجزات كقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء وقيل: البراهين والحجج العقلية، والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر والظهور، ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات، إنما المعنى أنها إذا نظرت وجدت كبيرة، وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر [وهو عبيد بن الأبرص أو غيره] :
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
هكذا قال الزمخشري، ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلا هي أكبر مما تقدمها، فالمراد أكثر من أختها المتقدّمة عليها.
وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ظاهر كلامهم هذا التناقض، فإن قولهم: يا أيها الساحر يقتضي تكذيبهم له، وقولهم: ادع لنا ربك يقتضي تصديقه، والجواب من وجهين:
أحدهما أن القائلين لذلك كانوا مكذبين، وقولهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ يريدون على قولك وزعمك، وقولهم: إننا لمهتدون وعد نووا خلافه، والآخر: أنهم كانوا مصدّقين، وقولهم:
يا أيها الساحر إما أن يكون عندهم غير مذموم، لأن السحر كان علم أهل زمانهم، وكأنهم قالوا: يا أيها العالم، وإما أن يكون ذلك اسما قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم، فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ يحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر مناديا ينادي فيهم قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ قصد بذلك الافتخار على
стр. 740
موسى، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك من نهر إسكندرية إلى أسوان بطول النيل وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يعني: الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجرى تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون
أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله: أنا خير موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب موضع المسبب، وكان الأصل أن يقول:
فلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله: أنا خير على وجه الإخبار. ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة مَهِينٌ أي ضعيف وَلا يَكادُ يُبِينُ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل: يعني العيّ في الكلام، وقوله: ولا يكاد يبين: يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ «١» يريد لولا ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوّته، والأسورة جمع سوار وأسوار، وهو ما يجعل في الذراع من الحلي، وكان الرجال حينئذ يجعلونه مُقْتَرِنِينَ أي مقترنين به لا يفارقونه، أو متقارنين بعضهم مع بعض ليشهدوا له ويقيموا الحجة فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم آسَفُونا أي أغضبونا فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ السلف بفتح السين واللام جمع سالف، وقرأ حمزة والكسائي: سلفا بضمها جمع سليف ومعناه متقدم: أي تقدم قبل الكفار ليكون موعظة لهم، ومثلا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ «٢» روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم من ضربه مثلا، حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدون بمعنى يعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله ﵌ على