← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة اتبع كل من كان قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة، بل بطريق التقليد المذموم قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرئ «١» قال أو لو جئتكم، والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم، وأما قراءة قل بالأمر فهو خطاب لمحمد ﷺ ، أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل: هو للنذير المتقدم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضا بين قصة المتقدمين، فإن قوله قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون: حكاية عن الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: فانتقمنا منهم: يعني من المتقدمين. إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك استوى فيها الواحد والجماعة كعدل وشبهه إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يحتمل أن يكون استثناء منقطعا، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلا إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل مما تعبدون فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب سَيَهْدِينِ قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال [من الله] وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم ﵇، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي: إنني براء مما تعبدون، ومعناه: التوحيد، ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: هو سماكم المسلمين من قبل، وقيل: يعود على لا إله إلا الله، والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبدا بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشا من عقب إبراهيم ﵇، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وهو محمد ﷺ . وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة والطائف، ومن القريتين: معناها من إحدى القريتين، كقولك: يخرج منهما

стр. 737

اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل: معناه على رجل من رجلين من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى الآية أن قريشا استبعدوا نزول القرآن على محمد ﵌، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردّ الله عليهم بقوله أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يعني أن الله يخص بالنبوّة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ هذا تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل: الجنة. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية: تحقير أيضا للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم، لجعلنا للكفار سقفا من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله، كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء «١» وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ المعارج: الأدراج والسلالم، ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه «فما استطاعوا أن يظهروه» والسرر جمع سرير، والزخرف الذهب «٢» ، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق، وشبه ذلك وقيل: هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين كقوله: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يعش من قولك: عشي الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة، وقال الزمخشري: يعشى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين

стр. 738

قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق، والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، وذكر الرحمن، وقال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية: يريد به ما ذكر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله، ومعنى الآية: أن من غفل عن ذكر الله يسّر الله له شيطانا يكون له قرينا، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الضمير في إنهم للشياطين، وضمير المفعول في يصدونهم لمن يعش عن ذكر الرحمن، وجمع الضميرين لأن المراد به جمع حَتَّى إِذا جاءَنا قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر جاءانا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه، وقرأ الباقون بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش، والضمير في قال: لمن يعش، وقيل: للشيطان بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فيه قولان. أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب، وغلّب أحدهما في التشبيه، كما قيل: القمران، والآخر: أنه يعني المشرقين والمغربين، وحذف المغربين لدلالة المشرقين عليه وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ هذا كلام يقال للكفار في الآخرة، ومعناه أنهم لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا، إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه، والفاعل في ينفعكم قوله: «إنكم في العذاب مشتركون» ، وإذ ظلمتم: تعليل معناه: بسبب ظلمكم، وقيل: الفاعل مضمر، وهو التبري الذي يقتضيه قوله: «يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين» وأنكم على هذا تعليل، والأول أرجح أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الآية: خطاب للنبي ﵌، والمراد بالصم والعمي الكفار إذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، ومقصد الآية وعيد للكفار، والمعنى إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك، وإن أخرنا وفاتك إلى حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون، وهذا الانتقام يحتمل أن يريد به قتلهم يوم بدر، وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا، أو يريد به عذاب الآخرة، وقيل: إن الضمير في منهم منتقمون للمسلمين، وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وإنه أكرم نبيه ﵇ بأن توفاه قبل أن يرى الانتقام من أمته، والأول أشهر وأظهر. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ الضمير في إنه للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى

стр. 739

الشرف، وقوم النبي ﵌ هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله ﵌ أن الأمر بعده لقريش، ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ أي تسألون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا إن قيل: كيف أمر النبي ﵌ أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء. الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك. الثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هل مع الله آلهة يعبدون لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها الآيات هنا المعجزات كقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء وقيل: البراهين والحجج العقلية، والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر والظهور، ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات، إنما المعنى أنها إذا نظرت وجدت كبيرة، وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر [وهو عبيد بن الأبرص أو غيره] : من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري هكذا قال الزمخشري، ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلا هي أكبر مما تقدمها، فالمراد أكثر من أختها المتقدّمة عليها. وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ظاهر كلامهم هذا التناقض، فإن قولهم: يا أيها الساحر يقتضي تكذيبهم له، وقولهم: ادع لنا ربك يقتضي تصديقه، والجواب من وجهين: أحدهما أن القائلين لذلك كانوا مكذبين، وقولهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ يريدون على قولك وزعمك، وقولهم: إننا لمهتدون وعد نووا خلافه، والآخر: أنهم كانوا مصدّقين، وقولهم: يا أيها الساحر إما أن يكون عندهم غير مذموم، لأن السحر كان علم أهل زمانهم، وكأنهم قالوا: يا أيها العالم، وإما أن يكون ذلك اسما قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم، فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ يحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر مناديا ينادي فيهم قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ قصد بذلك الافتخار على

стр. 740

موسى، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك من نهر إسكندرية إلى أسوان بطول النيل وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يعني: الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجرى تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله: أنا خير موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب موضع المسبب، وكان الأصل أن يقول: فلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله: أنا خير على وجه الإخبار. ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة مَهِينٌ أي ضعيف وَلا يَكادُ يُبِينُ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل: يعني العيّ في الكلام، وقوله: ولا يكاد يبين: يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ «١» يريد لولا ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوّته، والأسورة جمع سوار وأسوار، وهو ما يجعل في الذراع من الحلي، وكان الرجال حينئذ يجعلونه مُقْتَرِنِينَ أي مقترنين به لا يفارقونه، أو متقارنين بعضهم مع بعض ليشهدوا له ويقيموا الحجة فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم آسَفُونا أي أغضبونا فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ السلف بفتح السين واللام جمع سالف، وقرأ حمزة والكسائي: سلفا بضمها جمع سليف ومعناه متقدم: أي تقدم قبل الكفار ليكون موعظة لهم، ومثلا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك. وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ «٢» روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم من ضربه مثلا، حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدون بمعنى يعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله ﵌ على

стр. 741

قريش: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] امتعضوا من ذلك، وقال عبد الله بن الزبعرى: أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ﷺ هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيرا، وقد علمت أن النصارى عبدوه، فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك، وضحكوا وسكت النبي ﵌. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ، ونزلت هذه الآية، فالمعنى على هذا: لما ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلا وجادل رسول الله ﵌ بعبادة النصارى إياه، إذا قريش من هذا المثل يصدون: أي يضحكون ويصيحون من الفرح، وهذا المعنى إنما يجري على قراءة يصدون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ «١» يعنون بهو عيسى، والمعنى أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى، فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، لأنه خير من آلهتنا، وهذا الكلام من تمام ما قبله على ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية التي قبله، وأما على ما ذكر ابن عطية فهذا ابتداء معنى آخر، وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولا آخر: وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا: نحن أهدى من النصارى، لأنهم عبدوا آدميا ونحن عبدنا الملائكة، وقالوا آلهتنا وهم الملائكة خير أم عيسى فمقصدهم تفضيل آلهتهم على عيسى. وقيل: إن قولهم أم هو: يعنون به محمدا ﷺ ، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى. قالوا: أآلهتنا خير أم هو يريدون تفضيل آلهتهم على محمد والأظهر أن المراد بهو عيسى وهو قول الجمهور، ويدل على ذلك تقدم ذكره ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب من يناظره سواء غلبه بحق أو بباطل، فإن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى: حصب جهنم، ولكنهم أرادوا المغالطة، فوصفهم الله بأنهم قوم خصمون إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ يعني عيسى والإنعام عليه بالنبوة والمعجزات، وغير ذلك وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ في معناها قولان: أحدهما لو نشاء لجعلنا بدلا منكم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون فيها بني آدم، فقوله منكم يتعلق ببدل المحذوف أو بيخلفون، والآخر لو نشاء لجعلنا منكم، أي لولدنا منكم أولادا ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم، فإنا قادرون على أن نخلق من أولاد الناس ملائكة فلا تنكروا أن خلقنا عيسى من غير والد، حكى ذلك الزمخشري.

стр. 742

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الضمير لعيسى وقيل لمحمد ﷺ وقيل للقرآن، فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه شرط من أشراط الساعة، يوجب العلم بها فسمى الشرط علما لحصول العلم به، ولذلك قرأ ابن عباس لعلم بفتح العين واللام: أي علامة وأما على القول بأنه للقرآن: فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ إنما بيّن البعض دون الكل، لأن الأنبياء إنما يبينون أمور الدين لا الدنيا، وقيل: بعض بمعنى كل وهذا ضعيف فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ ذكر في مريم هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي ينتظرون، والضمير لقريش أو للأحزاب الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ الأخلاء: جمع خليل وهو الصديق، وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة، لأن الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين، لأن النفع دخل على بعضهم من بعض يا عِبادِ «١» الآية. تقديره: يقول الله يوم القيامة للمتقين يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون تُحْبَرُونَ أي تنعمون وتسرون وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي يائسون من الخير وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ المعنى أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب، وروي أن مالكا يبقى بعد ذلك ألف سنة، وحينئذ يقول لهم: إنكم ماكثون أي دائمون في النار لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ الآية من كلام الله تعالى لأهل النار، أو من كلام الله لقريش في الدنيا أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ الضمير لكفار قريش، والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي ﷺ فإنا محكمون نصره وحمايته أَمْ يَحْسَبُونَ الآية: روي أنها نزلت في

стр. 743

الأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس: أترى الله يسمع سرنا، فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ السرّ ما يحدث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم بَلى أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقولون، والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال. قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ في تأويل الآية أربعة أقوال: الأول أنها احتجاج وردّ على الكفار، على تقدير قولهم، ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد كما يعظم خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ولد، فلست بعابد إلا الله وحده، وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم لأنه علق عبادة الولد بوجوده، ووجوده محال فعبادته محال، القول الثاني إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم في قولكم أن له ولدا، والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة، القول الثالث أن العابدين بمعنى المنكرين: يقال عبد الرجل إذا أنف وتكبر وأنكر الشيء، والمعنى: إن زعمتم أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين لذلك، وإن على هذه الأقوال الثلاثة شرطية، القول الرابع قال قتادة وابن زيد: إن هنا نافية بمعنى ما كان للرحمن ولد وتم الكلام، ثم ابتدأ قوله فأنا أول العابدين، والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة، وهو الذي عوّل عليه الزمخشري، وقال الطبري: هو ملاطفة الخطاب ونحوه قوله تعالى وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] وقال ابن عطية منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧] يعني شركائي على قولكم فَذَرْهُمْ الآية موادعة منسوخة بالسيف. وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ أي هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء، والمجرور يتعلق بإله، لأن فيه معنى الوصفية وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي علم زمان وقوعها وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ أي لا يملك كل من عبد من دون الله أن يشفع عند الله، لأن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فهو المالك للشفاعة وحده إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ اختلف هل يعني بمن شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منقطع، والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة لكن من شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه، ويحتمل على هذا أن يكون من شهد مفعولا بالشفاعة على إسقاط حرف الجر تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق، وإن أراد بمن شهد

стр. 744

بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا وأن يكون متصلا إلا فيمن عبد عيسى والملائكة، والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلا من شهد بالحق وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ القيل مصدر كالقول، والضمير يعود على النبي ﷺ ، وقرئ قيله بالنصب والخفض «١» وقرئ في غير السبع بالرفع، فأما النصب فقيل هو معطوف على سرهم ونجواهم، وقيل: هو معطوف على موضع الساعة لأنها مفعول أضيف إلى المصدر وقيل: معطوف على مفعول محذوف تقديره: يكتبون أقوالهم وقيله، وأما الخفض فقيل: إنه معطوف على لفظ الساعة، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله بالحق، وأما على الرفع فقيل: إنه مبتدأ وخبره ما بعده، وضعّف الزمخشري ذلك كله وقال: إنه من باب القسم فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم كقولك: الله لأضربنّ زيدا والرفع كقولهم: أيمن الله ولعمرك، وجواب القسم قوله: إن هؤلاء قوم لا يؤمنون كأنه قال: أقسم بقيله أن هؤلاء قوم لا يؤمنون فَاصْفَحْ عَنْهُمْ منسوخ بالسيف وَقُلْ سَلامٌ تقديره أمري سلام: أي مسالمة، وقيل سلام عليكم على جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «٢» تهديد.

стр. 745

سورة الدخان مكية وآياتها ٥٩ نزلت بعد الزخرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الدخان) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ذكر في الزخرف وهو قسم جوابه إنا أنزلناه، وقيل إنا كنا منذرين وهو بعيد إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يعني ليلة القدر من رمضان، وكيفية إنزاله فيها أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ شيئا بعد شيء، وقيل: معناه أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، وقيل: يعني بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان وذلك باطل، لقوله: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» مع قوله «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» [البقرة: ١٨٥] فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ معنى يفرق يفصل ويخلص، والأمر الحكيم أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام نسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، ليتمثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة، وقيل: إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان وهذا باطل لما قدمنا أَمْراً مِنْ عِنْدِنا مفعول بفعل مضمر على الاختصاص قاله الزمخشري، وقال ابن عطية نصب على المصدر، وقيل: على الحال مُرْسِلِينَ إرسال الرسل ﵈، وقيل من إرسال الرحمة والأول أظهر «١» . فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ في هذا قولان أحدهما قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن الدخان يكون قبل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين وهو من أشراط الساعة، وروى حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: إن أول أشراط الساعة الدخان، والثاني: قول ابن مسعود إن الدخان عبارة عما أصاب قريشا حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بالجدب، فكان الرجل يرى دخانا بينه وبين السماء من

стр. 746

شدّة الجوع. قال ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان واللزام والبطشة والقمر والردم هذا عَذابٌ أَلِيمٌ يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أو من قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر لأن ما بعده من كلامهم باتفاق فيكون الكلام متناسقا أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى هذا من كلام الله تعالى، ومعناه استبعاد تذكير الكفار مع تكذيبهم للنبي ﵌، والواو في قوله: وقد جاءهم واو الحال رَسُولٌ مُبِينٌ يعني محمدا ﷺ وَقالُوا مُعَلَّمٌ أي يعلمه بشر الْبَطْشَةَ الْكُبْرى قال ابن عباس: هي يوم القيامة، وقال ابن مسعود: هي يوم بدر. رَسُولٌ كَرِيمٌ يعني موسى ﵇ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أن هنا مفسرة نائب مناب القول، وأدّوا فعل أمر من الأداء وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل، والمعنى أرسلوا بني إسرائيل كما قال في طه «أرسل معنا بني إسرائيل» وقيل: عباد الله منادى، والمعنى أدّوا إليّ الطاعة والإيمان يا عباد الله، والأول أظهر وَأَنْ لا تَعْلُوا أي لا تتكبروا بِسُلْطانٍ أي حجة وبرهان أَنْ تَرْجُمُونِ اختلف هل معناه الرجم بالحجارة أو السب والأول أظهر فَاعْتَزِلُونِ أي اتركون وخلوا سبيلي فَأَسْرِ بِعِبادِي هذا أمر من الله لموسى ﵇، والعباد هنا بنو إسرائيل أي أخرج بهم بالليل إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ إخبار أن فرعون وجنوده يتبعونهم وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً أي ساكنا على هيئته وقيل: يابسا وروي أن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فقال الله له: اتركه كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه، وقيل: معنى رهوا سهلا، وقيل: منفرجا وَعُيُونٍ يحتمل أن يريد الخلجان الخارجة من النيل، وكانت ثم عيون في ذلك الزمان، وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد وَمَقامٍ كَرِيمٍ فيه قولان المنابر والمساكن الحسان وَنَعْمَةٍ من التنعم بالأرزاق وغيرها فاكِهِينَ أي متنعمين، وقيل: فرحين وقيل: أصحاب فاكهة كَذلِكَ في موضع نصب أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم، أو في موضع رفع تقديره: الأمر كذلك وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ يعني بني إسرائيل حكاه الزمخشري والماوردي، وضعفه ابن عطية قال: لأنه لم يرو في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا

стр. 747

إلى مصر في ذلك الزمان «١» ، وقد قال الحسن إنهم رجعوا إليها، ويدل على أن المراد بنو إسرائيل قوله في الشعراء: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ٥٩] فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه عبارة عن تحقيرهم، وذلك أنه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيمه: بكت عليه السماء والأرض على وجه المجاز والمبالغة، فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم أحقر من أن يبالى بهم. الثاني قيل: إذا مات المؤمن بكى عليه من الأرض موضع عبادته، ومن السماء موضع صعود عمله، فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم كفار، أو ليس لهم عمل صالح: الثالث أن المعنى ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض، والأوّل أفصح وهو منزع معروف في كلام العرب وَما كانُوا مُنْظَرِينَ أي مؤخرين مِنْ فِرْعَوْنَ بدل من العذاب عالِياً أي متكبرا اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ أي كنا عالمين بأنهم مستحقون لذلك عَلَى الْعالَمِينَ أي على أهل زمانهم بَلؤُا مُبِينٌ أي اختبار. إِنَّ هؤُلاءِ يعني كفار قريش فَأْتُوا بِآبائِنا خاطبت قريش بذلك النبي ﷺ وأصحابه على وجه التعجيز، روي أنهم طلبوا أن يحيي لهم قصي بن كلاب يسألوه عن أحوال الآخرة أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ كان تبع ملك من حمير وكان مؤمنا وقومه كفارا، فذم قومه ولم يذمه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبيّ، ومعنى الآية: أقريش أشدّ وأقوى أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار، وقد أهلكنا قوم تبع وغيرهم لما كفروا فكذلك نهلك هؤلاء، فمقصود الكلام تهديد وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على قوم تبع: وقيل هو مبتدأ فيوقف على ما قبله والأول أصح لاعِبِينَ حال منفية ذكرت في الأنبياء يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى المولى هنا يعم الولي والقريب وغير ذلك من الموالي إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ استثناء منقطع إن أراد بقوله ولا هم ينصرون الكفار، ومتصل إن أراد بذلك جميع الناس طَعامُ الْأَثِيمِ أي الفاجر وهو من الإثم، وقيل: يعني أبا جهل

стр. 748

فالألف واللام للعهد، والأظهر أنها للجنس فتعم أبا جهل وغيره كَالْمُهْلِ «١» هو درديّ الزيت، وقيل ما يذاب من الرصاص وغيره فَاعْتِلُوهُ أي سوقوه بتعنيف ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء الحار، ولكن جعل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازا لأن ذلك أبلغ وأشد تهويلا، وقد جاء الأصل في قوله في الحج [١٩] يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ يقال هذا للكافر على وجه التوبيخ والتهكم به، أي كنت العزيز الكريم عند نفسك، وروي أن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم. فنزلت الآية تَمْتَرُونَ تفتعلون من المرية وهو الشك. فِي مَقامٍ أَمِينٍ قرأ نافع وابن عامر بضم الميم أي موضع إقامة، والباقون بفتحها أي موضع قيام والمراد به الجنة، والأمين من الأمن أي مأمون فيه، وقيل: من الأمنة وصف به المكان مجازا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ السندس الرقيق من الديباج والإستبرق الغليظ منه كَذلِكَ في موضع رفع أي الأمر كذلك، أو في موضع نصب أي مثل ذلك زوّجناهم يَدْعُونَ فِيها أي يدعون خدامهم إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى استثناء منقطع، والمعنى لا يذوقون فيها الموت: قد ذاقوا الموتة الأولى خاصة قبل ذلك، ولولا قوله فيها لكان متصلا لعموم لفظ الموت، وقيل: إلا هنا بمعنى بعد وذلك ضعيف يَسَّرْناهُ أي سهلناه والضمير للقرآن بِلِسانِكَ أي بلغتك وهي لسان العرب فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أي ارتقب نصرنا لك وإهلاكهم، فإنهم مرتقبون ضدّ ذلك، ففيه وعد له ووعيد لهم.

стр. 749

سورة الجاثية مكية إلا آية ١٤ فمدنية وآياتها ٣٧ نزلت بعد الدخان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الجاثية) تَنْزِيلُ ذكر في الزمر، وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات، وقد ذكر معناه في مواضع وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الأفاك مبالغة من الإفك وهو الكذب، والأثيم من الإثم، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث ولفظها على العموم يُصِرُّ أي يدوم على حاله من الكفر، وإنما عطفه بثم لاستعظام الإصرار على الكفر، بعد سماعه آيات الله، واستبعاد ذلك في العقل والطبع وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا أي إذا بلغه منها شيء، ولم يرد العلم الحقيقي مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ كقوله مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ، وقد ذكر في إبراهيم: ١٧ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك جَمِيعاً مِنْهُ أي كل نعمة فمن الله تعالى، والمجرور في موضع الحال أو خبر ابتداء مضمر، وقرأ ابن عباس: منه «١» قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أمر الله المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار، ولا يؤاخذوهم إذا آذوهم، وكان ذلك في صدر الإسلام، قيل: إنها منسوخة بالسيف، «٢»

стр. 750

وقيل: ليست بمنسوخة، لأن احتمال الأذى مندوب إليه على كل حال، وأما القتال على الإسلام فليس من ذلك، وروي: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل من الكفار فأراد عمر أن يبطش به، وأيام الله هي نعمه، فالرجاء على أصله، وقيل: أيام الله عبارة عن عقابه، فالرجاء بمعنى الخوف ويغفروا مجزوم في جواب شرط مقدر دل عليه قل، قال الزمخشري حذف معمول القول، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فاعل يجزي ضمير يعود على الله، وقرئ «١» بنون المتكلم، وقال ابن عطية إن الآية وعيد، فالقوم على هذا هم الذين لا يرجون أيام الله ويكسبون يعني السيئات، وقال الزمخشري: القوم هم الذين آمنوا وجزاؤهم الثواب بما كانوا يكسبون بكظم الغيظ واحتمال المكروه عَلَى الْعالَمِينَ ذكر في البقرة: ٤٧ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أي معجزات من أمر الدين جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ أي ملة ودين. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا أم هنا للإنكار، واجترحوا اكتسبوا، والمراد بالذين اجترحوا السيئات الكفار لمقابلته بالذين آمنوا، ولأن الآية مكية: وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين، ولذلك يذكر أن الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يردّدها ويبكي طول الليل، ويقول لنفسه: من أي الفريقين أنت؟ ومعناها: إنكار ما حسبه الكفار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات، وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفار، لا في المحيا ولا في الممات، فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية وكذلك ملتهم ليست سواء، والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون، فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة، وتفضيل المؤمنين على الكافرين في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية كقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم: ٣٥] وكقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ هذه الجملة بدل من الكاف في قوله: حسبه الكفار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات، وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفار، لا في المحيا ولا في الممات، فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية وكذلك ملتهم ليست سواء، والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون، فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة، وتفضيل المؤمنين على الكافرين في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية كقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم: ٣٥] وكقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ هذه الجملة بدل من الكاف في قوله: كَالَّذِينَ آمَنُوا وهي مفسرة للتشبيه، وهي داخلة فيما أنكره الله مما حسبه الكفار، وقيل:

стр. 751

هي كلام مستأنف والمعنى على هذا أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وأن محيا الكفار ومماتهم سواء لأن كل واحد يموت على ما عاش عليه، وهذا المعنى بعيد، والصحيح أنها من تمام ما قبلها على المعنى الذي اخترناه، وأما إعرابها فمن قرأ سواء بالرفع فهو مبتدأ وخبره محياهم ومماتهم، والجملة بدل من الجار والمجرور الواقع مفعولا ثانيا لنجعل، ومن قرأ سواء «١» بالنصب فهو حال أو مفعول ثان لنجعل، ومحياهم فاعل بسواء، لأنه في معنى مستوى ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ معطوف على قوله بالحق، لأن فيه معنى التعليل، أو على تعليل محذوف تقديره: خلق الله السموات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى كل نفس بما كسبت. اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي أطاعه حتى صار له كالإله وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي علم من الله سابق، وقيل: على علم من هذا الضال بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندة خَتَمَ ذكر في البقرة [٧] فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ قال ابن عطية: فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه، ويحتمل أن يريد فمن يهديه غير الله وَقالُوا الضمير لمن اتخذ إلهه هواه أو لقريش نَمُوتُ وَنَحْيا فيه أربع تأويلات: أحدها أنهم أرادوا يموت قوم ويحيا قوم، والآخر نموت نحن ويحيا أولادنا، الثالث نموت حين كنا عدما أو نطفا، ونحيا في الدنيا، والرابع نموت الموت المعروف، ونحيا قبله في الدنيا فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، ومقصودهم على كل وجه إنكار الآخرة، ويظهر أنهم كانوا على مذهب الدهرية [الملاحدة] لقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر «٢» ، فردّ الله عليهم بقوله: وما لهم بذلك من علم الآية قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا ذكر في الدخان [٣٦] قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ الآية: ردّ على المنكرين للحشر والاستدلال على وقوعه بقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة. وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً أي تجثو على الركب، وتلك هيئة الخائف الذليل

стр. 752

كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا أي إلى صحائف أعمالها، وقيل: الكتاب المنزل عليها، والأول أرجح لقوله هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ الآية: فإن قيل: كيف أضاف الكتاب تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى؟ فالجواب: أنه أضافه إليهم لأن أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه، وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي نأمر الملائكة الحافظين بكتب أعمالكم، وقيل: إن الله يأمر الحفظة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ، ثم يمسكونه عندهم فتأتي أفعال العباد على ذلك فتكتبها الملائكة، فذلك هو الاستنساخ وكان ابن عباس يحتج على ذلك بأن يقول: لا يكون الاستنساخ إلا من أصل أَفَلَمْ تَكُنْ تقديره: يقال لهم ذلك وَحاقَ ذكر مرارا الْيَوْمَ نَنْساكُمْ النسيان هنا بمعنى الترك، وأما في قوله: كما نسيتم فيحتمل أن يكون بمعنى الترك أو الذهول وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ من العتبى وهي الرضا.

стр. 753

سورة الأحقاف مكية إلا الآيات ١٠، ١٥، ٣٥ فمدنية وآياتها ٣٥ نزلت بعد الجاثية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الأحقاف) تَنْزِيلُ ذكر في الزمر إِلَّا بِالْحَقِّ ذكر مرارا وَأَجَلٍ مُسَمًّى يعني يوم القيامة أَرُونِي ماذا خَلَقُوا احتجاج على التوحيد وردّ على المشركين، فالأمر بمعنى التعجيز شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي نصيب ائْتُونِي بِكِتابٍ تعجيز لأنهم ليس لهم كتاب يدل على الإشراك بالله، بل الكتب كلها ناطقة بالتوحيد أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي بقية من علم قديم يدل على ما يقولون، وقيل: معناه من علم تثيرونه أي تستخرجونه، وقيل: هو الإسناد، وقيل: هو الخط في الرمل، وكانت العرب تتكهن به، وقال رسول الله ﵌: كان نبي من الأنبياء يخط في الرمل فمن وافق خطه فذاك «١» وَمَنْ أَضَلُّ الآية. معناها لا أحد أضل ممن يدعو إلها لا يستجيب له، وهي الأصنام فإنها لا تسمع ولا تعقل، ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم، لأنها لا تسمعه وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً أي كان الأصنام أعداء للذين عبدوها وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ الضمير في كانوا للأصنام: أي تتبرأ الأصنام من الذين عبدوها، وإنما ذكر الأصنام بضمائر مثل ضمائر العقلاء لأنه أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء، من الاستجابة والغفلة والعداوة قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لو افتريته لعاقبني الله على الافتراء عقوبة لا تقدرون على دفعها، ولا تملكون شيئا من ردّها عليه، فكيف أفتريه وأتعرض لعقاب الله هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي بما تتكلمون به، يقال: أفاض الرجل في الحديث إذا خاض فيه واستمر قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ

стр. 754

البدع والبديع من الأشياء: ما لم ير مثله أي ما كنت أول رسول، ولا جئت بأمر لم يجيء به أحد قبلي، بل جئت بما جاء به ناس كثيرون قبلي، فلأي شيء تنكرون ذلك وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فيها أربعة أقوال: الأوّل أنها في أمر الآخرة وكان ذلك قبل أن يعلم أنه في الجنة، وقبل أن يعلم أن المؤمنين في الجنة وأن الكفار في النار، وهذا بعيد، لأنه لم يزل يعلم ذلك من أول ما بعثه الله والثاني أنها في أمر الدنيا: أي لا أدري بما يقضي الله عليّ وعليكم، فإن مقادير الله مغيبة وهذا هو الأظهر. الثالث ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما تلزمه الشريعة. الرابع أن هذا كان في الهجرة إذ كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض بها نخل، فقلق المسلمون لتأخير ذلك فنزلت هذه الآية قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ معنى الآية: أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ثم حذف قوله ألستم ظالمين وهو الجواب، لأنه دل على أن الله لا يهدي القوم الظالمين وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، فالمعنى: أرأيتم إن اجتمع كون القرآن من عند الله، مع شهادة شاهد من بني إسرائيل على مثله، ثم آمن به هذا الشاهد وكفرتم أنتم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟ واختلف في الشاهد المذكور على ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام، فقيل على هذا إن الآية مدنية، لأنه إنما أسلم بالمدينة، وقيل إنها مكية وأخبر بشهادته قبل وقوعها ثم وقعت على حسب ما أخبر، وكان عبد الله بن سلام يقول فيّ نزلت الآية، الثاني أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة: الثالث أنه موسى ﵇ ورجّح ذلك الطبري. والضمير في مثله للقرآن أي يشهد على مثله فيما جاء به من التوحيد والوعد والوعيد، والضمير في آمن للشاهد فإن كان عبد الله بن سلام أو الرجل الآخر فإيمانه بيّن، وإن كان موسى ﵇، فإيمانه هو تصديقه بأمر محمد ﷺ وتبشيره به. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي لو كان الإسلام خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء، والقائلون لهذه المقالة هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء كبلال وعمار وصهيب وقيل بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمت غفار ومزينة وجهينة، وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عبد الله بن سلام، والأول أرجح لأن الآية مكية، وكانت مقالة قريش بمكة. وأما مقالة الآخرين فإنما كانت بعد الهجرة، ومعنى الذين آمنوا من أجل الذين آمنوا: أي قالوا ذلك عنهم في غيبتهم، وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام، لأنه لو كان خطابا لقالوا ما سبقتمونا وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي لما لم يهتدوا قالوا هذا إفك قديم ونحو هذا ما جاء في المثل: من جهل شيئا عاداه، ووصفه

стр. 755

بالقدم لأنه قد قيل قديما، فإن قيل: كيف تعمل فسيقولون في إذ وهي للماضي والعامل مستقبل؟ فالجواب: أن العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون، قال ذلك الزمخشري، ويظهر لي أن إذ هنا بمعنى التعليل لا ظرفية بمعنى الماضي فلا يلزم السؤال، والمعنى أنهم قالوا: هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به، وقد جاءت إذ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب، ومنه وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: ٣٩] أي بسبب ظلمكم وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً الضمير في قبله للقرآن وكتاب موسى هو التوراة، وإماما حال، ومعناه: يقتدى به وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا «١» الإشارة بهذا إلى القرآن، ومعنى مصدق مصدق بما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في البقرة [٨٩] ولسان حال من الضمير في مصدق، وقيل: مفعول بمصدق أي صدق ذا لسان عربي وهو محمد ﷺ ، واختار هذا ابن عطية اسْتَقامُوا ذكر في حم [السجدة: ٣٠] إِحْساناً «٢» ذكر في العنكبوت [٨] . حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة، ويقال كره بفتح الكاف وضمها بمعنى واحد «٣» وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً أي مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهرا، وهذا لا يكون إلا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر، ومن هذا أخذ علي بن أبي طالب ﵁ والعلماء أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإنما عبّر عن مدة الرضاع بالفصال وهو الفطام لأنه منتهى الرضاع بَلَغَ أَشُدَّهُ ذكر في يوسف [٢٢] وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً هذا حدّ كمال العقل والقوة، ويقال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وقيل: إنها عامة فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ «٤» أي في جملة

стр. 756

أصحاب الجنة كما تقول: رأيت فلانا في الناس، أي مع الناس. وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما هي على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها عامة قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بصيغة الجمع، ولو أراد واحدا بعينه لقال ذلك الذي حق عليه القول، وقد ذكرنا معنى أف في الإسراء [٢٣] أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أي أتعدانني أنا أن أخرج من القبر إلى البعث وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي أي وقد مضت قرون من الناس ولم يبعث منهم أحد وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ الضمير لوالديه أي يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقول منهما ثم يقولان له: ويلك ثم يأمرانه بالإيمان: فيقول: ما هذا إلا أساطير الأولين: أي قد سطره الأولون في كتبهم، وذلك تكذيب بالبعث والشريعة. وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا «١» أي للمحسنين والمسيئين درجات في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علو، ودرجات أهل النار إلى سفل، وليوفيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره: جعل جزاءهم درجات ليوفيهم أعمالهم وَيَوْمَ يُعْرَضُ العامل فيه محذوف تقديره اذكر أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ تقديره يقال لهم: أذهبتم طيباتكم والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها وقرأ أكثر القراء أذهبتم بهمزة واحدة على الخبر، وابن عامر بهمزتين على التوبيخ، والآية في الكفار بدليل قوله: يعرض الذين كفروا وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحما أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية عَذابَ الْهُونِ أي العذاب الذي يقترن به هوان. وَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني هودا ﵇ بِالْأَحْقافِ جمع حقف وهو الكدس من الرمل، واختلف أين كانت فقيل بالشام، وقيل: بين عمان ومهرة وقيل: بين عمان وحضرموت، والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ أي تقدمت من قبله ومن بعده، والنذر جمع نذير، فإن قيل: كيف يتصور تقدمها من بعده؟ فالجواب أن هذه الجملة اعتراض، وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلا متقدمين قبل هود وبعده،

стр. 757

وقيل: معنى من خلفه في زمانه قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أي قل: إن العذاب الذي قلتم ائتنا به ليس لي علم متى يكون، وإنما يعلمه الله، وما عليّ إلا أن أبلغكم ما أرسلت به فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ العارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء، والضمير في رأوه يعود على ما تعدنا أو على المرئي المبهم الذي فسره قوله عارضا قال الزمخشري: وهذا أعرب وأفصح، وروي أنهم كانوا قد قحطوا مدّة، فلما رأوا هذا العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به فقال لهم هود ﵇: بل هو ما استعجلتم به من العذاب وقوله: ريح بدل من ما استعجلتم أو خبر ابتداء مضمر تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها «١» عموم يراد به الخصوص وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد أي مكنا عادا فيما لم نمكنكم فيه من القوة والأموال وغير ذلك، ثم أهلكنا لما كفروا وإن هنا نافية بمعنى ما، وعدل عن ما كراهية لاجتماعها مع التي قبلها، وقيل: إن شرطية، وجوابها محذوف تقديره: إن مكنّاكم فيه طغيتم، قال ابن عطية: وهذا تنطع في التأويل وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني بلاد عاد وثمود وسبأ وغيرها، والمراد إهلاك أهلها فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الآية عرض معناه النفي أي لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا من دون الله قُرْباناً أي تقربوا بهم إلى الله وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وانتصاب قربانا على الحال، ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا لاتخذوا وآلهة بدل منه لفساد المعنى، قاله الزمخشري، وقد أجازه ابن عطية بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي تلفوا لهم «٢» وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا إليهم. وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ أي أملناهم نحوك، والنفر دون العشرة، وروي أن الجن كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكرانا، لأن النفر الرجال دون النساء، وكانوا من أهل نصيبين، وقيل من أهل الجزيرة «٣» ، واختلف هل رآهم النبي ﷺ ؟ قيل: إنه لم يرهم، ولم

стр. 758

يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك، وقيل: بل علم بهم واستعد لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة، وسبب استماع الجن أنهم لما طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فطافوا بالأرض ينظرون ما أوجب ذلك، حتى سمعوا قراءة رسول الله ﵌ في صلاة الفجر في سوق عكاظ، فاستمعوا إليه وآمنوا به أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى في هذا دلالة على أنهم كانوا على دين اليهود، وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ذكر في البقرة [٨٩] داعِيَ اللَّهِ هو رسول الله ﷺ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ من هنا للتبعيض على الأصح، أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله، وقيل: معنى التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل: إن من زائدة وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي من النار، واختلف الناس هل للجن ثواب زائد على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصة وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ الآية: يحتمل أن يكون من كلام الجن، أو من كلام الله تعالى، ومعنى ليس بمعجز أي لا يفوت أَوَلَمْ يَرَوْا الآية: احتجاج على بعث الأجساد بخلق السموات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرفه، فالمعنى أنه تعالى علم كيف خلق السموات والأرض، وأحكم خلقتها، فلا شك أنه قادر على إحياء الموتى بِقادِرٍ في موضع رفع لأنه خبر أن، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وخبرها بَلى جواب لما تقدم، أي هو قادر على أن يحي الموتى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ هذا خطاب للنبي ﵌ أي اصبر على تكذيب قومك وأولوا العزم هم، نوح وإبراهيم وعيسى وموسى، وقيل: هم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام لقوله: فبهداهم اقتده، وقيل: كل من لقي من أمته شدة، وقيل: الرسل كلهم أولوا عزم، فمن الرسل على هذا لبيان الجنس وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي لا تستعجل نزول العذاب بهم، فإنهم صائرون إليه فإنهم إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لاستقصار أعمارهم بَلاغٌ خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا الذي وعظتم به بلاغ بمعنى: كفاية في الموعظة، أو بلاغ من الرسول ﵊، أي بلغ هذه المواعظ والبراهين.

стр. 759

سورة محمد مدنية الآية ١٣ فنزلتفي الطريق أثناء الهجرة وآياتها ٣٨ نزلت بعد الهجرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة محمد ﷺ [وتسمى سورة القتال] الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار قريش، وعموم اللفظ يعم كل كافر، كما أن قوله بعد هذا: والذين آمنوا يعني الصحابة، وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يحتمل أن يكون صدّوا بمعنى: أعرضوا فيكون غير متعد أو يكون بمعنى صدوا الناس فيكون متعديا، وسبيل الله: الإسلام والطاعة أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أبطلها وأحبطها، وقيل: المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر فإن هذه الآية نزلت بعد بدر، واللفظ أعم من ذلك وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ هذا تجريد للاختصاص والاعتناء، بعد عموم قوله: آمنوا وعملوا الصالحات ولذلك أكده بالجملة الاعتراضية، وهو قوله: وهو الحق من ربهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قيل: معناه أصلح حالهم وشأنهم، وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، فالمعنى: إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى. فَضَرْبَ الرِّقابِ أصله فاضربوا الرقاب ضربا، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه، والمراد، اقتلوهم. ولكن عبّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي هزمتموهم، والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر فَشُدُّوا الْوَثاقَ عبارة عن الأسر فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً المن: العتق، والفداء: فك الأسير بمال، وهما جائزان. فإن مذهب مالك أن الإمام مخيّر في الأسارى بين خمسة أشياء: وهي: المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية. وقيل: لا يجوز المنّ ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: اقتلوا المشركين فلا يجوز على هذا إلا قتلهم. والصحيح أنها محكمة وانتصب منّا وفداء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الأوزار في اللغة:

стр. 760

الأثقال، فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها وقيل: الأوزار: الآثام، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين، واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل: حتى يسلموا جميعا فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم: قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبدا، كما تقول: أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة ذلِكَ تقديره: الأمر ذلك وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ «١» أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض عَرَّفَها لَهُمْ أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها، فهو من المعرفة وقيل: معناه طيّبها لهم فهو من العرف وهو طيب الرائحة، وقيل: معناه شرّفها ورفعها، فهو من الأعراف التي هي الجبال فَتَعْساً لَهُمْ أي عثارا وهلاكا. وانتصابه على المصدرية، والعامل فيه فعل مضمر، وعلى هذا الفعل عطف وأضلّ أعمالهم وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها أي لكفار قريش أمثال عاقبة الكفار المتقدمين من الدمار والهلاك. مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي وليهم وناصرهم، وكذلك وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ معناه: لا ناصر لهم، ولا يصح أن يكون المولى هنا بمعنى السيد، لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] لأن معنى المولى مختلف في الموضعين فمعنى مولاهم الحق: ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله: مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا فإنه خاص بالمؤمنين لأنه بمعنى الولي والناصر وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ عبارة عن كثرة أكلهم، وعن غفلتهم عن النظر كالبهائم مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني مكة. وخروجه ﵌ من وقت الهجرة، ونسب الإخراج إلى القرية. والمراد أهلها، لأنهم آذوه حتى خرج أَهْلَكْناهُمْ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله: وكأين من قرية وجمعه حملا على المعنى والمراد أهلكنا: أهلها أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي على حجة ويعني به النبي ﵌، كما يعني قريشا بقوله: كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واللفظ أعم من ذلك.

стр. 761

مَثَلُ الْجَنَّةِ ذكر في الرعد [٣٥] غَيْرِ آسِنٍ أي غير متغير كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ تقديره: أمثل أهل الجنة المذكورة كمن هو خالد في النار؟ فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي، وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله: أفمن كان على بينة من ربه وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني المنافقين، وجاء يستمعون «١» بلفظ الجمع رعيا لمعنى من قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ روي أنه عبد الله بن مسعود ماذا قالَ آنِفاً كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين: إما احتقارا لكلامه، كأنهم قالوا: أي فائدة فيه، وإما جهلا منهم ونسيانا، لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه، وآنفا معناه الساعة الماضية قريبا، وأصله من: استأنفت الشيء إذا ابتدأته وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني المؤمنين والضمير في زادهم لله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون: ماذا قال آنفا. وقيل: يعني بالذين اهتدوا قوما من النصارى آمنوا بسيدنا محمد ﷺ ، فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ الضمير للمنافقين، والمعنى هل ينتظرون إلا الساعة لأنها قريبة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد ﷺ ، لأنه قال: أنا من أشراط الساعة، وبعثت أنا والساعة كهاتين «٢» فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ أي كيف لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة؟ فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة، ففاعل جاءتهم الساعة، وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدم، والمراد به الاستبعاد. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أي دم على العلم بذلك، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل، لأنه قدم قوله: فاعلم على قوله: واستغفر وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ قيل: متقلبكم تصرفكم في الدنيا، ومثواكم إقامتكم في القبور. وقيل: متقلبكم تصرفكم في اليقظة، ومثواكم منامكم لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص على نزول القرآن، والرغبة فيه لأنهم كانوا يفرحون به ويستوحشون من إبطائه مُحْكَمَةٌ يحتمل أن يريد بالمحكمة أي ليس فيها منسوخ، أو يراد متقنة، وقرأ ابن مسعود سورة محدثة رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ يعني المنافقين،

стр. 762

ونظرهم ذلك في شدّة الخوف من القتل لأن نظر الخائف قريب من نظر المغشي عليه فَأَوْلى لَهُمْ في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى أحق وخبره على هذا طاعة. والمعنى أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحق والآخر أن أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقولك: ويل لهم ومنه: أولى لك فأولى، فيوقف على أولى لهم على هذا القول، ويكون طاعة ابتداء كلام، تقديره: طاعة وقول معروف أمثل، أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف، وقولهم لك يا محمد طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قلوبهم فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أسند العزم إلى الأمر مجازا كقولك: نهاره صائم وليله قائم صَدَقُوا اللَّهَ يحتمل أن يريد صدق اللسان، أو صدق العزم والنية وهو أظهر. فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلّا فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية. وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا نبوة سيدنا محمد ﷺ من التوراة ثم كفروا به سَوَّلَ لَهُمْ أي زيّن لهم ورجّاهم ومنّاهم ووَ أَمْلى لَهُمْ أي مدّ لهم في الأماني والآمال، والفاعل هو الشيطان وقيل: الله تعالى والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سوّل وأملى سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ «١» قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر: يعنون به مخالفة رسول الله ﷺ ومحاربته فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة؟ يعني ملك الموت ومن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله. والمعنى: هذا جزعهم من ذكر القتال، فكيف يكون حالهم عند الموت؟ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ضمير الفاعل للملائكة، وقيل: إنه للكفار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف.

стр. 763

أَمْ حَسِبَ الآية: معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله. والضغن: الحقد، ويراد به هنا النفاق والبغض في الإسلام وأهله وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلامتهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين، وروي أن الله لم يذكر واحدا منهم باسمه وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ معنى لحن القول مقصده وطريقته، وقيل: اللحن هو الخفي المعنى كالكناية والتعريض، والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي نختبركم حَتَّى نَعْلَمَ أي نعلمه علما ظاهرا في الوجود تقوم به الحجة عليكم وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أي خالفوه وعادوه، ونزلت الآية في المنافقين وقيل: في اليهود. وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ يحتمل أربعة معان: أحدها لا تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان والثاني لا تبطلوا حسناتكم بفعل السيئات ذكره الزمخشري وهذا على مذهب المعتزلة، خلافا للأشعرية فإن مذهبهم أن السيئات لا تبطل الحسنات. والثالث لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعجب، والرابع لا تبطلوا أعمالكم بأن تقتطعوها قبل تمامها، وعلى هذا أخذ الفقهاء الآية: وبهذا يستدلون على أن من ابتدأ نافلة لم يجز له قطعها، وهذا أبعد هذه المعاني، والأول أظهر لقوله قبل ذلك في الكفار أو المنافقين، وسيحبط أعمالهم فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ومشاقتهم الرسول فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ هذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، وقد أجمع المسلمون على ذلك فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ «١» أي لا تضعفوا عن مقاتلة الكفار وتبتدئوهم بالصلح، هو كقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١] وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي لن ينقصكم أجور أعمالكم، يقال: وترت

стр. 764

الرجل أتره إذا نقصته شيئا، أو أذهبت له متاعا وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أي لا يسألكم جميعها إنما يسألكم ما يخفّ عليكم مثل ربع العشر وذلك خفيف إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا معنى يحفكم يلح عليكم، والإحفاء أشد السؤال وتبخلوا جواب الشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ الفاعل الله تعالى أو البخل، والمعنى يخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق هؤُلاءِ منصوب على التخصيص أو منادى لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني الجهاد والزكاة وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي إنما ضرر بخله على نفسه فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يأت بقوم على خلاف صفتكم، بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله، فقيل إن هذا الخطاب لقريش، والقوم غيرهم هم الأنصار وهذا ضعيف لأن الآية مدنية نزلت والأنصار حاضرون، وقيل: الخطاب لكل من كان حينئذ بالمدينة، والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس.

стр. 765

سورة الفتح مدنية نزلت في الطريق عند الانصراف من الحديبية وآياتها ٢٩ نزلت بعد الجمعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الفتح) نزلت هذه السورة حين انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، لما أراد أن يعتمر بمكة فصدّه المشركون، وقال رسول الله ﷺ لعمر وهما راجعان إلى المدينة: لقد نزلت عليّ سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها، إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون بمعنى الحكم، أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ [فاطر: ٢] أو من فتح البلاد، واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله ﷺ مع قريش، وهو على هذا بمعنى الحكم، أو بمعنى العطاء، ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية، شق ذلك على بعض المسلمين لشروط كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمودة، وهذا هو الأصح لأنه روي أنها لما نزلت قال بعض الناس: ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت؟ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ فجعل الفتح علة للمغفرة، ولا حجة في ذلك إذ يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضا، أو تكون اللام، للصيرورة والعاقبة لا للتعليل فيكون المعنى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك، وهداك ونصرك. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ أي السكون والطمأنينة، يعني سكونهم في صلح الحديبية

стр. 766

وتسليمهم بفعل رسول الله ﷺ وقيل: معناه الرحمة الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا. وقيل: معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به، والأول أظهر بدليل ما بعده عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ «١» يحتمل أن يكون خبرا أو دعاء إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً أي تشهد على أمتك وَتُعَزِّرُوهُ أي تعظموه وقيل: تنصرونه، وقرئ تعززوه بزاءين منقوطتين، والضمير في تعزروه وتوقروه للنبي ﷺ ، وفي تسبحوه لله تعالى، وقيل: الثلاثة لله. إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ هذا تشريف للنبي ﷺ حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، ثم أكد هذا المعنى بقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وذلك على وجه التخييل والتمثيل، يريد أن يد رسول الله ﷺ التي تعلو يد المبايعين له هي يد الله في المعنى، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة. وإنما المراد أن عقد ميثاق البيعة مع الرسول ﵊، كعقده مع الله كقوله «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» [النساء: ٨٠] وتأوّل المتأوّلون ذلك بأن يد الله معناها النعمة أو القوة، وهذا بعيد هنا ونزلت الآية في بيعة الرضوان تحت الشجرة وسنذكرها بعد فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «٢» يعني أن ضرر نكثه على نفسه ويراد بالنكث هنا نقض البيعة. سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ الآية: سماهم بالمخلفين، لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية، والأعراب هم أهل البوادي من العرب، لما خرج رسول الله ﵌ إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدوا كثيرا من قريش وغيرهم، فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم متمكنا، فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر ففضحهم الله في هذه السورة، وأعلم رسول الله ﵌ بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ

стр. 767

يحتمل أن يريد قولهم: شغلتنا أموالنا وأهلونا لأنهم كذبوا في ذلك، أو قولهم: فاستغفر لنا لأنهم قالوا ذلك رياء من غير صدق ولا توبة قَوْماً بُوراً أي هالكين من البوار، وهو الهلاك ويعني به الهلاك في الدين سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ الآية: أخبر الله رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن المخلفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى غزوة أخرى، وهي غزوة خيبر. فأمر الله بمنعهم من ذلك، وأن يقول لهم: لن تتبعونا يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أي يريدون أن يبدلوا وعد الله لأهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم أن يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها، وأن يكون ذلك مختصا بهم دون غيرهم، وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك، فهذا هو ما أرادوا من التبديل. وقيل: كلام الله قوله: فلن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا. وهذا ضعيف لأن هذه الآية نزلت بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك بعد الحديبية بمدة كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم خيبر فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا معناه يعز عليكم أن نصيب معكم مالا وغنيمة، وبل هنا للإضراب عن الكلام المتقدم وهو قوله: لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فمعناها: رد أن يكون الله حكم بأن لا يتبعوهم. وأما بل في قوله تعالى بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد، وإثبات لوصف المخلفين بالجهل. سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ اختلف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول: أنهم هوازن ومن حارب النبي ﷺ في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله ﷺ إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والرابع أنهم الفرس ويتقوى الأول والثاني بأن ذلك ظهر في حياة رسول الله ﷺ ، وقوّى المنذر بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية، قال: وهذا لا يوجد إلا في أهل الردّة، قلت: وكذلك هو موجود في كفار العرب، إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوّي ذلك أنهم هوازن أو يسلمون عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية: هو مستأنف وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يريد في غزوة

стр. 768

الحديبية لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية «١» معناها أن الله تعالى عذر الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد لسبب أعذارهم لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها وفي الحديث أنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: ألفا وخمسمائة. وسبب هذه البيعة أن رسول الله ﷺ لما بلغ الحديبية، وهي موضع على نحو عشرة أميال من مكة، أرسل عثمان بن عفان ﵁ رسولا إلى أهل مكة، يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر، وأنه لا يريد حربا. فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه كرامة له، فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل. فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفر أحد. وقيل: بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما، وانعقد الصلح بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام القابل، والشجرة المذكورة كانت سمرة هنا لك ثم ذهبت بعد سنين. فمر عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته، فاختلف الصحابة في موضعها فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا عليه، وقيل: من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل. لأنه ذم للصحابة وقد ذكرنا السكينة وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر وقيل: فتح مكة والأول أشهر، أي جعل الله ذلك ثوابا لهم على بيعة الرضوان، زيادة على ثواب الآخرة. وأما المغانم المذكورة أوّلا فهي غنائم خيبر، وهي المعطوفة على الفتح القريب. وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي المذكورة ثانيا فهي: كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة، والإشارة بقوله فعجل لكم هذه إلى خيبر. وقيل: إن المغانم التي وعدهم هي خيبر والإشارة بهذه إلى صلح الحديبية وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أي كف أهل مكة عن قتالكم في الحديبية. وقيل: كف اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولادكم بينما خرجتم إلى الحديبية وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي تكون هذه الفعلة وهي كف أيدي الناس عنكم آية للمؤمنين، يستدلون بها على النصر، واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: فعل الله ذلك لتكون آية وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والروم وقيل: مغانم هوازن في حنين، والمعنى لم تقدروا أنتم عليها، وقد

стр. 769

أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم، وإعراب أخرى عطف على عجل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره: أعطاكم أخرى أو مبتدأ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أهل مكة سُنَّةَ اللَّهِ أي عادته والإشارة إلى يوم بدر، وقيل: الإشارة إلى نصر الأنبياء قديما. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ روي في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله ﷺ ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوما، وساقوهم إلى رسول الله ﷺ فأطلقهم، فكفّ أيدي الكفار هو أن هزموا وأسروا. وكفّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو إطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من القتل، وقوله مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يعني من بعد ما أخذتموهم أسارى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني أنهم منعوهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الهدي ما يهدى إلى البيت من الأنعام، وكان رسول الله ﷺ قد ساق حينئذ مائة بدنة وقيل: سبعين ليهديها، والمعكوف المحبوس، ومحله موضع نحره يعني: مكة والبيت، وإعراب الهدي عطف على الضمير المفعول في صدّوكم ومعكوفا حال من الهدي، وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى: صدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله، والعكف المذكور يعني به منع المشركين للهدي عن بلوغ مكة، أو حبس المسلمين بالهدي بينما ينظرون في أمورهم. وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم، فلو سلط الله المسلمين على أهل مكة، لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكن كفّهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم، وجواب لولا محذوف تقديره: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلطناكم عليهم أَنْ تَطَؤُهُمْ في موضع بدل من رجال ونساء، أو بدل من الضمير المفعول في لم تعلموهم والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي تصيبكم من قتلهم مشقة وكراهة، واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الدية أو الكفارة أو الملامة، أو عيب الكفار لهم بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم، أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين، وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ

стр. 770

يعني رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كف سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم أو رحمة لمن شاء من الكفار بأن يسلموا بعد ذلك، واللام تتعلق بمحذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: كان كف القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا معنى تزيلوا تميزوا عن الكفار، والضمير للمؤمنين المستوري الإيمان، أي لو انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار فقوله: لعذبنا جواب لو الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون لعذبنا جواب لو الأولى، وكررت لو الثانية تأكيدا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ يعني أنفة الكفر وهي منعهم للنبي ﷺ والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله، وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك اسم أبيك، والعامل في إذ جعل محذوف تقديره: اذكر أو قوله لعذبنا والسكينة هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال الجمهور هي: لا إله إلا الله، وقد روي ذلك عن رسول الله ﵌، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل: لا إله إلا الله والله أكبر، وهذه كلها متقاربة وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم التي أبى الكفار أن تكتب وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل: أحق بها من اليهود والنصارى. لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ كان رسول الله ﷺ قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون، وروي أنه أتاه ملك في النوم فقال له: لتدخلن المسجد الحرام الآية: فأخبر الناس برؤياه: ذلك، فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صده المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا، ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق أي تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله ﷺ في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه وتلك عمرة القضية [القضاء] ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه، وصدق في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق، أو بالرؤيا على أن يكون حالا منها إِنْ شاءَ اللَّهُ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محال على الله، اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي ﵌ في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني: أنه تأديب من الله لعباده ليقولوا إن شاء الله في

стр. 771

كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ الحلق والتقصير من سنة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله ﵌: رحم الله المحلقين ثلاثا ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين «١» فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدّة، فإنه لما انعقد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح لأن عمر قال لرسول الله ﷺ : أفتح هو يا رسول الله؟ قال نعم. وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: من دون ذلك قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ذكره في براءة [٣٣] وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي شاهدا بأن محمدا رسول الله، أو شاهدا بإظهار دينه. وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني جميع أصحابه وقيل: من شهد معه الحديبية، وإعراب الذين معطوف على محمد رسول الله صفته وأشداء خبر عن الجميع، وقيل: الذين معه مبتدأ وأشداء خبره ورسول الله خبر محمد ورجح ابن عطية هذا. والأول عندي أرجح لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي ﷺ وأصحابه، وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدة والرحمة مختصا بالصحابة دون النبي ﷺ ، وما أحق النبي ﷺ بالوصف بذلك لأن الله قال فيه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [براءة: ١٢٨] ، وقال جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [براءة: ٧٣، والتحريم: ٩] فهذه هي الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ السيما العلامة وفيه ستة أقوال، الأول أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المصلى من كثرة السجود والثاني أنه أثر التراب في الوجه الثالث أنه صفرة الوجه من السهر والعبادة، الرابع حسن الوجه لما ورد في الحديث [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار] «٢» وهذا الحديث غير صحيح، بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه إلى النبي ﷺ وهو غير مروي عنه، الخامس أنه الخشوع، السادس: أن ذلك يكون

стр. 772

في الآخرة يجعل الله لهم نورا من أثر السجود كما يجعل غرة من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله: تراهم ركعا سجدا وصف حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك، والأول أظهر، وقد كان بوجه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبد الله بن العباس أثر ظاهر من أثر السجود ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ أي وصفهم فيها وتم الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله ومثلهم في الإنجيل، كزرع، وقيل: إن مثلهم في الإنجيل عطف على مثلهم في التوراة ثم ابتدأ قوله: كزرع وتقديره هم كزرع، والأول أظهر، ليكون وصفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان، وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك، وعلى هذا يكون مثلهم في الإنجيل بمعنى التشبيه والتمثيل. وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف كمثلهم في التوراة كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث بدأ ضعيفا، ثم قوي وظهر. وقيل: الزرع مثل للنبي ﷺ لأنه بعث وحده وكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، ويقال: بإسكان الطاء وفتحها بمد وبدون مد وهي لغات فَآزَرَهُ أي قوّاه وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، والمفعول شطأه أو بالعكس لأن كل واحد منهما يقوّي الآخر، وقيل: معناه ساواه طولا فالفاعل على هذا الشطأ ووزن آزره فاعله وقيل أفعله، وقرئ بقصر الهمزة على وزن فعل فَاسْتَغْلَظَ أي صار غليظا فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ جمع ساق أي قام الزرع على سوقه، وقيل: قوله: كزرع يعني النبي ﷺ أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ بن أبي طالب لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لما دل عليه المثل المتقدم من قوّة المسلمين فهو يتعلق بفعل يدل عليه الكلام تقديره: جعلهم الله كذلك ليغيظ بهم الكفار، وقيل: يتعلق بوعد وهو بعيد مِنْهُمْ لبيان الجنس لا للتبعيض لأنه وعد عم جميعهم ﵃.

стр. 773

سورة الحجرات مدنية وآياتها ١٨ نزلت بعد الجاثية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الحجرات) لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به، ولا تقطعوا في أمر إلا بنظره والثاني لا تقدموا الولاة بمحضره فإنه يقدم من شاء، والثالث لا تتقدموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي، وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له، فربما فعل ذلك قوم مع النبي ﵌، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يذكره على لسان رسوله ﵌، وإنما قال: بين يدي الله لأن النبي ﷺ إنما يتكلم بوحي من الله لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ أمر الله المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي ﷺ بهذا الأدب، كرامة له وتعظيما، وسببها أن بعض جفاة الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ مفعول من أجله تقديره: مخافة أن تحبط أعمالكم إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته، أو جهرتم له بالقول ﷺ ، فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معا من طريق المعنى، وأما من طريق الإعراب فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو: لا تَجْهَرُوا وعند الكوفيين بالأول وهو لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ، وهذا الإحباط لأن قلة الأدب معه ﷺ والتقصير في توقيره يحبط الحسنات وإن فعله مؤمن، لعظيم ما وقع فيه من ذلك. وقيل: إن الآية خطاب للمنافقين وهذا ضعيف، لقوله في أولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فإنه لا يصح أن يقال هذا لمنافق، فإنه يفعله «جرأة» وهو يقصده. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نزلت في أبي بكر وعمر ﵄، فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو بكر: والله يا رسول الله لا أكلمنك إلا سرا. وكان عمر يخفي كلامه حين يستفهمه النبي ﵌، ولفظها مع ذلك على

стр. 774

عمومه، ومعنى امْتَحَنَ: اختبر فوجدها كما يجب، مثل ما يختبر الذهب بالنار، فيوجد طيبا، وقيل معناها: درّبها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلف. وقيل: معناه أخلصها الله للتقوى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ الحجرات: جمع حجرة وهي قطعة من الأرض يحجر عليها بحائط، وكان لكل واحدة من أزواج النبي ﷺ حجرة. ونزلت الآية في وفد بني تميم، قدموا على النبي ﵌ فدخلوا المسجد ودنوا من حجرات أزواج النبي ﷺ ووقفوا خارجها ونادوا: يا محمد أخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله ﷺ مدة ثم خرج إليهم، فقال له واحد منهم وهو الأقرع بن حابس: يا محمد إنّ مدحي زين وذمّي شين. فقال له رسول الله ﷺ : ويحك ذلك الله تعالى أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فيهم قليل ممن يعقل ونفي العقل عن أكثرهم لا عن جميعهم، والآخر أن يكون جميعهم ممن لا يعقل، وأوقع القلة موضع النفي والأول أظهر في مقتضى اللفظ. والثاني أبلغ في الذم وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني خيرا في الثواب، وفي انبساط نفس النبي ﷺ ، وقضائه حوائجهم، وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم، وتعليم لغيرهم. إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا سببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ زكاتهم، فروي أنه كان معاديا لهم، فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه فكذب عليهم، وقال للنبي ﷺ : إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله ﷺ وهمّ بغزوهم، ونظر في ذلك فورد وفدهم منكرين لذلك، وروي أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له [بالسلاح] ، فرآهم على بعد ففزع منهم وظنّ بهم الشر، فانصرف فقال ما قال. وروي أنه بلغه أنهم قالوا: لا نعطيه صدقة ولا نطيعه فانصرف، وقال ما قال. فالفاسق المشار إليه في الآية هو الوليد بن عقبة، ولم يزل بعد ذلك يفعل أفعال الفساق، حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ثم قال لهم: أزيدكم إن شئتم، ثم هي باقية في كل من اتصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر، وقرئ فتبينوا من التبين، وتثبتوا بالثاء من التثبت، ويقوي هذه القراءة أنها لما نزلت روي أن رسول الله ﷺ قال: التثبت من الله والعجلة من الشيطان، واستدل بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد، لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبول، قال المنذر بن سعيد البلوطي: وهذه الآية تردّ على من قال: إن المسلمين كلهم عدول، لأن الله أمر بالتبين قبل القبول، فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ في موضع المفعول من أجله تقديره: مخافة أن تصيبوا قوما بجهالة، والإشارة إلى قتال بني

стр. 775

المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي لشقيتم، والعنت المشقة، وإنما قال: لو يطيعكم ولم يقل لو أطاعكم، للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته ﵊ لهم، والحق خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه هم لا أن يطيعهم هو، وذلك أن رأي رسول الله ﷺ خير وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في رأيهم لهلكوا، فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ الآية. وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما اختلف في سبب نزولها، فقال الجمهور: هو ما وقع بين المسلمين وبين المتحزبين منهم لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين مر به رسول ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فبال حمار رسول الله ﷺ . فقال عبد الله بن أبيّ للنبي ﷺ : لقد آذاني نتن حمارك، فردّ عليه عبد الله بن رواحة وتلاحى الناس حتى وقع بين الطائفتين ضرب بالجريد، وقيل: بالحديد، وقيل: سببها أن فريقين من الأنصار وقع بينهما قتال، فصالحهم رسول الله ﷺ بعد جهد، ثم حكمها باق إلى آخر الدهر. وإنما قال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا لأن الطائفة في معنى القوم والناس، فهي في معنى الجمع فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي أمر الله في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، وذلك إذا تبين أنها باغية، فأما الفتن التي تقع بين المسلمين فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما أنه لا يجوز النهوض في شيء منها ولا القتال، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وجماعة من الصحابة ﵃، وحجتهم قول رسول الله ﷺ : قتال المسلم كفر «١» . وأمره ﵊ بكسر السيوف في الفتن، والقول الثاني أن النهوض فيها واجب لتكفّ الطائفة الباغية، وهذا قول علي وعائشة وطلحة والزبير وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء، وحجتهم هذه الآية فإذا فرّعنا على القول الأول، فإن دخل داخل على من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه أو ماله فليدفعه عن نفسه وإن أدّى ذلك إلى قتله لقوله ﷺ : من قتل دون نفسه أو ماله فهو شهيد «٢» ، وإذا فرّعنا على القول الثاني فاختلف مع من يكون النهوض في الفتن فقيل: مع السواد الأعظم وقيل: مع العلماء وقيل: مع من يرى أن الحق معه، وحكم القتال في الفتن: أن لا يجهز على جريح، ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير ولا يقسم فيء حَتَّى تَفِيءَ أي ترجع إلى
следующие страницы →