← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ الحلق والتقصير من سنة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله ﵌: رحم الله المحلقين ثلاثا ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين «١» فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدّة، فإنه لما انعقد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح لأن عمر قال لرسول الله ﷺ : أفتح هو يا رسول الله؟ قال نعم. وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: من دون ذلك قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ذكره في براءة [٣٣] وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي شاهدا بأن محمدا رسول الله، أو شاهدا بإظهار دينه. وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني جميع أصحابه وقيل: من شهد معه الحديبية، وإعراب الذين معطوف على محمد رسول الله صفته وأشداء خبر عن الجميع، وقيل: الذين معه مبتدأ وأشداء خبره ورسول الله خبر محمد ورجح ابن عطية هذا. والأول عندي أرجح لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي ﷺ وأصحابه، وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدة والرحمة مختصا بالصحابة دون النبي ﷺ ، وما أحق النبي ﷺ بالوصف بذلك لأن الله قال فيه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [براءة: ١٢٨] ، وقال جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [براءة: ٧٣، والتحريم: ٩] فهذه هي الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ السيما العلامة وفيه ستة أقوال، الأول أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المصلى من كثرة السجود والثاني أنه أثر التراب في الوجه الثالث أنه صفرة الوجه من السهر والعبادة، الرابع حسن الوجه لما ورد في الحديث [من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار] «٢» وهذا الحديث غير صحيح، بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه إلى النبي ﷺ وهو غير مروي عنه، الخامس أنه الخشوع، السادس: أن ذلك يكون

стр. 772

في الآخرة يجعل الله لهم نورا من أثر السجود كما يجعل غرة من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله: تراهم ركعا سجدا وصف حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك، والأول أظهر، وقد كان بوجه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبد الله بن العباس أثر ظاهر من أثر السجود ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ أي وصفهم فيها وتم الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله ومثلهم في الإنجيل، كزرع، وقيل: إن مثلهم في الإنجيل عطف على مثلهم في التوراة ثم ابتدأ قوله: كزرع وتقديره هم كزرع، والأول أظهر، ليكون وصفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان، وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك، وعلى هذا يكون مثلهم في الإنجيل بمعنى التشبيه والتمثيل. وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف كمثلهم في التوراة كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث بدأ ضعيفا، ثم قوي وظهر. وقيل: الزرع مثل للنبي ﷺ لأنه بعث وحده وكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، ويقال: بإسكان الطاء وفتحها بمد وبدون مد وهي لغات فَآزَرَهُ أي قوّاه وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، والمفعول شطأه أو بالعكس لأن كل واحد منهما يقوّي الآخر، وقيل: معناه ساواه طولا فالفاعل على هذا الشطأ ووزن آزره فاعله وقيل أفعله، وقرئ بقصر الهمزة على وزن فعل فَاسْتَغْلَظَ أي صار غليظا فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ جمع ساق أي قام الزرع على سوقه، وقيل: قوله: كزرع يعني النبي ﷺ أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ بن أبي طالب لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لما دل عليه المثل المتقدم من قوّة المسلمين فهو يتعلق بفعل يدل عليه الكلام تقديره: جعلهم الله كذلك ليغيظ بهم الكفار، وقيل: يتعلق بوعد وهو بعيد مِنْهُمْ لبيان الجنس لا للتبعيض لأنه وعد عم جميعهم ﵃.

стр. 773

سورة الحجرات مدنية وآياتها ١٨ نزلت بعد الجاثية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الحجرات) لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به، ولا تقطعوا في أمر إلا بنظره والثاني لا تقدموا الولاة بمحضره فإنه يقدم من شاء، والثالث لا تتقدموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي، وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له، فربما فعل ذلك قوم مع النبي ﵌، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يذكره على لسان رسوله ﵌، وإنما قال: بين يدي الله لأن النبي ﷺ إنما يتكلم بوحي من الله لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ أمر الله المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي ﷺ بهذا الأدب، كرامة له وتعظيما، وسببها أن بعض جفاة الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ مفعول من أجله تقديره: مخافة أن تحبط أعمالكم إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته، أو جهرتم له بالقول ﷺ ، فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معا من طريق المعنى، وأما من طريق الإعراب فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو: لا تَجْهَرُوا وعند الكوفيين بالأول وهو لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ، وهذا الإحباط لأن قلة الأدب معه ﷺ والتقصير في توقيره يحبط الحسنات وإن فعله مؤمن، لعظيم ما وقع فيه من ذلك. وقيل: إن الآية خطاب للمنافقين وهذا ضعيف، لقوله في أولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فإنه لا يصح أن يقال هذا لمنافق، فإنه يفعله «جرأة» وهو يقصده. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نزلت في أبي بكر وعمر ﵄، فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو بكر: والله يا رسول الله لا أكلمنك إلا سرا. وكان عمر يخفي كلامه حين يستفهمه النبي ﵌، ولفظها مع ذلك على

стр. 774

عمومه، ومعنى امْتَحَنَ: اختبر فوجدها كما يجب، مثل ما يختبر الذهب بالنار، فيوجد طيبا، وقيل معناها: درّبها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلف. وقيل: معناه أخلصها الله للتقوى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ الحجرات: جمع حجرة وهي قطعة من الأرض يحجر عليها بحائط، وكان لكل واحدة من أزواج النبي ﷺ حجرة. ونزلت الآية في وفد بني تميم، قدموا على النبي ﵌ فدخلوا المسجد ودنوا من حجرات أزواج النبي ﷺ ووقفوا خارجها ونادوا: يا محمد أخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله ﷺ مدة ثم خرج إليهم، فقال له واحد منهم وهو الأقرع بن حابس: يا محمد إنّ مدحي زين وذمّي شين. فقال له رسول الله ﷺ : ويحك ذلك الله تعالى أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فيهم قليل ممن يعقل ونفي العقل عن أكثرهم لا عن جميعهم، والآخر أن يكون جميعهم ممن لا يعقل، وأوقع القلة موضع النفي والأول أظهر في مقتضى اللفظ. والثاني أبلغ في الذم وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني خيرا في الثواب، وفي انبساط نفس النبي ﷺ ، وقضائه حوائجهم، وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم، وتعليم لغيرهم. إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا سببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ زكاتهم، فروي أنه كان معاديا لهم، فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه فكذب عليهم، وقال للنبي ﷺ : إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله ﷺ وهمّ بغزوهم، ونظر في ذلك فورد وفدهم منكرين لذلك، وروي أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له [بالسلاح] ، فرآهم على بعد ففزع منهم وظنّ بهم الشر، فانصرف فقال ما قال. وروي أنه بلغه أنهم قالوا: لا نعطيه صدقة ولا نطيعه فانصرف، وقال ما قال. فالفاسق المشار إليه في الآية هو الوليد بن عقبة، ولم يزل بعد ذلك يفعل أفعال الفساق، حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ثم قال لهم: أزيدكم إن شئتم، ثم هي باقية في كل من اتصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر، وقرئ فتبينوا من التبين، وتثبتوا بالثاء من التثبت، ويقوي هذه القراءة أنها لما نزلت روي أن رسول الله ﷺ قال: التثبت من الله والعجلة من الشيطان، واستدل بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد، لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبول، قال المنذر بن سعيد البلوطي: وهذه الآية تردّ على من قال: إن المسلمين كلهم عدول، لأن الله أمر بالتبين قبل القبول، فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ في موضع المفعول من أجله تقديره: مخافة أن تصيبوا قوما بجهالة، والإشارة إلى قتال بني

стр. 775

المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي لشقيتم، والعنت المشقة، وإنما قال: لو يطيعكم ولم يقل لو أطاعكم، للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته ﵊ لهم، والحق خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه هم لا أن يطيعهم هو، وذلك أن رأي رسول الله ﷺ خير وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في رأيهم لهلكوا، فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ الآية. وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما اختلف في سبب نزولها، فقال الجمهور: هو ما وقع بين المسلمين وبين المتحزبين منهم لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين مر به رسول ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فبال حمار رسول الله ﷺ . فقال عبد الله بن أبيّ للنبي ﷺ : لقد آذاني نتن حمارك، فردّ عليه عبد الله بن رواحة وتلاحى الناس حتى وقع بين الطائفتين ضرب بالجريد، وقيل: بالحديد، وقيل: سببها أن فريقين من الأنصار وقع بينهما قتال، فصالحهم رسول الله ﷺ بعد جهد، ثم حكمها باق إلى آخر الدهر. وإنما قال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا لأن الطائفة في معنى القوم والناس، فهي في معنى الجمع فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي أمر الله في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، وذلك إذا تبين أنها باغية، فأما الفتن التي تقع بين المسلمين فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما أنه لا يجوز النهوض في شيء منها ولا القتال، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وجماعة من الصحابة ﵃، وحجتهم قول رسول الله ﷺ : قتال المسلم كفر «١» . وأمره ﵊ بكسر السيوف في الفتن، والقول الثاني أن النهوض فيها واجب لتكفّ الطائفة الباغية، وهذا قول علي وعائشة وطلحة والزبير وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء، وحجتهم هذه الآية فإذا فرّعنا على القول الأول، فإن دخل داخل على من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه أو ماله فليدفعه عن نفسه وإن أدّى ذلك إلى قتله لقوله ﷺ : من قتل دون نفسه أو ماله فهو شهيد «٢» ، وإذا فرّعنا على القول الثاني فاختلف مع من يكون النهوض في الفتن فقيل: مع السواد الأعظم وقيل: مع العلماء وقيل: مع من يرى أن الحق معه، وحكم القتال في الفتن: أن لا يجهز على جريح، ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير ولا يقسم فيء حَتَّى تَفِيءَ أي ترجع إلى

стр. 776

الحق فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إنما ذكره بلفظ التثنية لأن أقل من يقع بينهم البغي اثنان، وقيل أراد بالأخوين الأوس والخزرج، وقرأ ابن عامر بين إخوتكم بالتاء على الجمع، وقرئ بين إخوانكم بالنون على الجمع أيضا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ نهى عن السخرية وهي الاستهزاء بالناس عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ أي لعل المسخور منه خير من الساخر عند الله، وهذا تعليل للنهي وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ لما كان القوم لا يقع إلا على الذكور عطف النساء عليهم وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يطعن بعضكم على بعض واللمز: العيب، سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك، وسنذكر الفرق بينه وبين الهمز في سورة الهمزة وأنفسكم هنا بمنزلة قوله: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٢٧] وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي لا يدع أحد أحدا بلقب، والتنابز بالألقاب التداعي بها، وقد أجاز المحدثون أن يقال الأعمش والأعرج ونحوه إذا دعت إليه الضرورة ولم يقصد النقص والاستخفاف. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يريد بالاسم أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن سمي مؤمنا، وفي ذلك ثلاثة أوجه: أحدها استقباح الجمع بين الفسق وبين الإيمان، فمعنى ذلك أن من فعل شيئا من هذه الأشياء التي نهي عنها فهو فاسق وإن كان مؤمنا، والآخر بئس ما يقوله الرجل للآخر يا فاسق بعد إيمانه، كقولهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، الثالث أن يجعل من فسق غير مؤمن وهذا على مذهب المعتزلة اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يعني ظن السوء بالمسلمين، وأما ظن الخير فهو حسن إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ قيل: في معنى الإثم هنا الكذب لقوله ﷺ : الظن أكذب الحديث «١» لأنه قد لا يكون مطابقا للأمر، وقيل: إنما يكون إثما إذا تكلم به وأما إذا لم يتكلم به فهو في فسحة لأنه لا يقدر على دفع الخواطر، واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة سد الذرائع في الشرع، لأنه أمر باجتناب كثير من الظن، وأخبر أن بعضه إثم باجتناب الأكثر من الإثم احترازا من الوقوع في البعض الذي هو إثم وَلا تَجَسَّسُوا أي لا تبحثوا عن مخبآت الناس وقرأ الحسن: تحسسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير، وقيل: التجسس ما كان من وراء والتحسس بالحاء الدخول والاستعلام وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه، والغيبة هي ما يكره الإنسان ذكره من خلقه أو خلقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث أنه ﵊ قال: الغيبة أن تذكر

стр. 777

أخاك المؤمن بما يكره، قيل يا رسول الله وإن كان حقا، قال إذا قلت باطلا فذلك بهتان «١» وقد رخّص في الغيبة في مواضع منها: في التجريح في الشهادة، والرواية، والنكاح، وشبهه وفي التحذير من أهل الضلال، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وقرأ نافع: ميّتا شبه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتا، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم، ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتا لأن الجيفة مستقذرة، ويجوز أن يكون ميتا حال من الأخ أو من لحمه، وقيل: فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير. كأنه لما قررهم قال: هل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا أجابوا فقالوا: لا نحب ذلك فقال لهم. فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تشبهه، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه، وعلى هذا المحذوف يعطف قوله: واتقوا الله، قاله أبو علي الفارسي، وقال الرماني: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل، وهو أحق أن يجاب لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل، وقال الزمخشري: في هذه الآية مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتا، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله أخا له. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى الذكر والأنثى هنا آدم وزوجه قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد الجنس كأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى، والأول أظهر وأصح لقوله ﷺ : أنتم من آدم وآدم من التراب «٢» ومقصود الآية: التسوية بين الناس، والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، فبين الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب إنما هو بالتقوى قال رسول الله ﷺ من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله «٣» ، وروي أن سبب الآية أن رسول الله ﷺ أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا كيف نزوج بناتنا لموالينا وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا الشعوب: جمع شعب بفتح الشين، وهو أعظم من القبيلة، وتحته القبيلة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة، وهم القرابة

стр. 778

الأدنون فمضر وربيعة وأمثالها شعوبا، وقريش قبيلة، وبني عبد مناف بطن، وبنو هاشم فخذ، ويقال بإسكان الخاء فرقا بينه وبين الجارحة، وبنو عبد المطلب فصيلة. وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل، ومعنى لتعارفوا ليعرف بعضكم بعضا قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا، وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين، والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى، وقد يكونان متفقان، وقد يكون الإسلام أعم من الإيمان فيدخل فيه الإيمان حسبما ورد في مواضع أخر وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً معنى لا يلتكم لا ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم، وفيه لغتان يقال لات وعليه قراءة نافع لا يلتكم بغير همز، ويقال: ألت وعليه قراءة أبو عمرو لا يألتكم بهمزة قبل اللام، فإن قيل: كيف يعطيهم أجور أعمالهم وقد قال: إنهم لم يؤمنوا ولا يقبل عمل إلا من مؤمن؟ فالجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال، فالمعنى إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم، وعملتم أعمالا صالحة فإن الله لا ينقصكم منها شيئا ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي لم يشكوا في إيمانهم وفي ذلك تعريض بالأعراب المذكورين بأنهم في شك وكذلك قوله في هؤلاء: أولئك هم الصادقون تعريض أيضا بالأعراب إذ كذبوا في قولهم آمنا. وإنما عطف ثم لم يرتابوا بثم إشعارا بثبوت إيمانهم في الأزمنة المتراخية المتطاولة وَجاهَدُوا يريد جهاد الكفار، لأنه دليل على صحة الإيمان، ويبعد أن يريد جهاد النفس والشيطان لقوله: بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في بني أسد أيضا فإنهم قالوا للنبي ﷺ : إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي هداكم للإيمان على زعمكم، ولذلك قال: إن كنتم صادقين، ويمنّ عليكم يحتمل أن يكون بمعنى ينعم عليكم أو بمعنى: يذكر إنعامه، وهذا أحسن لأنه في مقابلة يمنون عليك.

стр. 779

سورة ق مكية إلا آية ٣٨ فمدنية وآياتها ٤٥ نزلت بعد المرسلات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة ق) تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ويختص ق بأنه قيل: إنه من اسم الله القاهر، أو القدير وقيل: هو اسم للقرآن وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ من المجد، وهو الشرف والكرم وجواب هذا القسم محذوف تقديره: ما ردّوا أمرك بحجة وما كذبوك ببرهان وشبه ذلك، وعبّر عن هذا المحذوف، وقع الإضراب ببل وقيل: الجواب ما يلفظ من قول، وقيل: إن في ذلك لذكرى، وقيل: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وهذه الأقوال ضعيفة متكلفة بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ الضمير في عجبوا لكفار قريش، والمنذر هو سيدنا محمد ﷺ ، وقيل: الضمير لجميع الناس واختاره ابن عطية قال: ولذلك قال تعالى: فقال الكافرون أي الكافرون من الناس، والصحيح أنه لقريش، وقوله: قال الكافرون وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمّهم بالكفر، كما تقول: جاءني فلان فقال الفاجر كذا، إذا قصدت ذمه وقوله: منذر منهم إن كان الضمير لقريش فمعنى منهم من قبيلتهم يعرفون صدقه وأمانته وحسبه فيهم، وإن كان الضمير لجميع الناس فمعنى منهم إنسان مثلهم، وتعجبهم يحتمل أن يكون من أن بعث الله بشرا أو من الأمر الذي يتضمنه الإنذار وهو الحشر، ويؤيد هذا ما يأتي بعد أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً العامل في إذا محذوف تقديره: أنبعث إذا متنا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ الرجع مصدر: رجعته والمراد به: البعث بعد الموت، ومعنى بعيد أي: بعيد الوقوع عندهم، وقيل: الرجع: الجواب، أي جوابهم هذا بعيد عن الحق، وعلى هذا يكون قوله: ذلك رجع بعيد من كلام الله تعالى، وأما على الأول فهو حكاية كلام الكفار وهو أظهر. قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ هذا رد على الكفار في إنكارهم للبعث معناه: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم من لحومهم وعظامهم فلا يصعب علينا بعثهم، قال رسول الله ﵌: كل جسد ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب «١» .

стр. 780

وقيل: المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم، والأول قول ابن عباس والجمهور وهو أظهر وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ يعني اللوح المحفوظ، ومعنى حفيظ: جامع لا يشذ عنه شيء. وقيل: معناه محفوظ من التغيير والتبديل. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا الإضراب أتبع به الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أقبح من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة، وما تضمنته من الإخبار بالحشر وغير ذلك، وقال ابن عطية: هذا الإضراب عن كلام محذوف تقديره: ما أجادوا النظر ونحو ذلك فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي مضطرب، لأنهم تارة يقولون: شاعر، وتارة ساحر، وغير ذلك من أقوالهم. وقيل: معناه منكر، وقيل: ملتبس. وقيل: مختلط. وَزَيَّنَّاها يعني بالنجوم وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي من شقوق، وذلك دليل على إتقان الصنعة رَواسِيَ يعني الجبال مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أي من كل نوع جميل ماءً مُبارَكاً يعني المطر كله وقيل: الماء المبارك ماء مخصوص ينزله الله كل سنة، وليس كل مطر يتصف بالمبارك، وهذا ضعيف حَبَّ الْحَصِيدِ هو القمح والشعير ونحو ذلك مما يحصد باسِقاتٍ أي طويلات طَلْعٌ نَضِيدٌ الطلع أول ما يظهر من الثمر، وهو أبيض منضد كحب الرمان، فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نضيد، فإذا تفرق فليس بنضيد كَذلِكَ الْخُرُوجُ تمثيل لخروج الموتى من القبور بخروج النبات من الأرض وَأَصْحابُ الرَّسِّ قوم كانت لهم بئر عظيم وهي الرس، بعث إليهم نبي فجعلوه في الرس وردموا عليه فأهلكهم الله وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني قوم شعيب وقد ذكر وَقَوْمُ تُبَّعٍ ذكر في الدخان [٣٧] فَحَقَّ وَعِيدِ أي حل بهم الهلاك أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ يقال: عيي بالأمر إذا لم يعرف علمه، والخلق الأول: خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة وقيل: يعني خلق آدم، وقيل خلق السموات والأرض، والأول أظهر، ومقصود الآية الاستدلال بالخلقة الأولى على البعث والهمزة للإنكار بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي هم في شك من البعث، وإنما نكّر الخلق الجديد لأنه كان غير معروف عند الكفار المخاطبين، وعرّف الخلق الأول لأنه معروف معهود. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني جنس الإنسان، ومعنى توسوس به نفسه: تحدثه نفسه في فكرتها. وذلك أخفى الأشياء وقيل: يعني آدم ووسوسته عند أكله من الشجرة، والأول

стр. 781

أظهر وأشهر وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هو عرق كبير في العنق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وهذا مثل في فرط القرب، والمراد به: قرب علم الله واطلاعه على عبده، وإضافة الحبل إلى الوريد كقولك: مسجد الجامع أو يراد بالحبل: العاتق إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني الملكين الحافظين الكاتبين للأعمال، والتلقي هو: تلقّي الكلام بحفظه وكتابته، والعامل في إذ نحن أقرب، وقيل: مضمر تقديره: اذكر. واختاره ابن عطية عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أي قاعد، وقيل: مقاعد بمعنى مجالس، وردّه ابن عطية بأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، والقاعد يكون على جميع هيئة الإنسان، وإنما أفرده وهما اثنان لأن التقدير: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الفراء: لفظ قعيد يدل على الاثنين والجماعة فلا يحتاج إلى حذف. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ العتيد: الحاضر، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: إن مقعد الملكين على الشفتين قلمهما اللسان ومدادهما الريق «١» ، وعموم الآية يقتضي أن الملكين يكتبان جميع أعمال العبد، ولذلك قال الحسن وقتادة: يكتبان جميع الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك، وقال عكرمة: إنما تكتب الحسنات والسيئات لا غير وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي بلقاء الله أو فراق الدنيا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك قرأها أبو بكر الصديق، وإنما قال: جاءت بالماضي لتحقق الأمر وقربه، وكذلك ما بعده من الأفعال ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تفر وتهرب، والخطاب للإنسان سائِقٌ وَشَهِيدٌ السائق ملك يسوقه، وأما الشهيد فقيل: ملك آخر يشهد عليه وهو الأظهر، وقيل: صحائف الأعمال، وقيل: جوارح الإنسان لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا خطاب للإنسان الذي يقتضيه قوله: كل نفس، يريد أنه كان غافلا عما لقي في الآخرة، وقيل: هو خطاب لسيدنا محمد ﵌، أي كنت في غفلة من هذا القصص وهذا في غاية الضعف لأنه خروج عن سياق الكلام فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ قيل: كشف الغطاء معاينته أمور الآخرة فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي يبصر ما لم يبصره قبل، وقد ورد: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا «٢» وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ القرين هنا: الشيطان الذي كان يغويه،

стр. 782

وقيل: الملك الذي يتولى عذابه في جهنم، والأول أرجح لأنه هو القرين المذكور بعد، ولقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦] ومعنى قوله: هذا ما لديّ عتيد، أي هذا الإنسان حاضر لدي أعتدته ويسرته لجهنم، وكذلك المعنى إن قلنا: إن القرين هو الملك السائق، وإن قلنا: إنه أحد الزبانية فمعناه هذا العذاب لديّ حاضر، ويحتمل أن يكون ما في قوله، ما لديّ، موصوفة أو موصولة، فإن كانت موصوفة فعتيد وصف لها، وإن كانت موصولة، فعتيد بدل منها، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، وما هي خبر المبتدأ على هذه الوجوه، ويحتمل أن يكون عتيد الخبر وتكون ما بدلا من هذا أو منصوبة بفعل مضمر أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ الخطاب للملكين السائق والشهيد، وقيل: إنه خطاب لواحد على أن يكون بالنون المؤكدة الخفيفة، ثم أبدل منها ألف، أو على أن يكون معناه: ألق ألق مثنى مبالغة وتأكيدا، أو على أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم: خليلي وصاحبي وهذا كله تكلف بعيد، ومما يدل على أن الخطاب لاثنين قوله: فألقياه في العذاب الشديد مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قيل: مناع للزكاة المفروضة والصحيح العموم مُرِيبٍ شاك في الدين فهو من الريب بمعنى الشك الَّذِي جَعَلَ يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره فألقياه وأدخل فيه ألفا لتضمنه معنى الشرط، أو يكون بدلا أو صفة، ويكون فألقياه تكرار للتوكيد. قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ القرين هنا شيطانه الذي وكّل به في الدنيا، بلا خلاف ومعنى ما أطغيته: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى باختياره، وإنما حذف الواو هنا لأن هذه جملة مستأنفة بخلاف قوله: وقال قرينه قبل هذا فإنه عطف لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل لذلك، وقيل: معناه لا يكذب أحد لدي لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا إلى قول القرين ما أطغيته «١» وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ الفعل مسند إلى جهنم، وقيل: إلى خزنتها من الملائكة، والأول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة أو مجازا بلسان الحال؟ والأظهر أنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ومعنى قوله: «هل من مزيد» إنما تطلب الزيادة وكانت لم تمتلئ. وقيل: معناه لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد امتلأت والأول أظهر وأرجح، لما ورد في الحديث «لا تزال جهنم يلقى فيها

стр. 783

وتقول: هل من مزيد حتى يلقى فيها الجبار قدمه «١» » ، وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه، والمزيد يحتمل أن يكون مصدرا كالمحيض أو اسم مفعول فإن كان مصدرا فوزنه مفعل، وإن كان اسم مفعول فوزنه مفعول. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ أي قرّبت ثم أكد ذلك بقوله غير بعيد لِكُلِّ أَوَّابٍ أي كثير الرجوع إلى الله، فهو من آب يؤوب إذا رجع، وقيل: هو المسبح لله من قوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١] حَفِيظٍ أي حافظ لأوامر الله فيفعلها، ولنواهيه فيتركها مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أي اتقى الله وهو غائب عن الناس، فالمجرور في موضع الحال، من خشي بدل أو مبتدأ، فإن قيل: كيف قرن بالخشية الاسم الدال على الرحمة؟ فالجواب: أن ذلك لقصد المبالغة في الثناء على من يخشى الله لأنه يخشاه مع علمه برحمته وعفوه، قال ذلك الزمخشري ويحتمل أن يكون الجواب عن ذلك أن الرحمن صار يستعمل استعمال الاسم الذي ليس بصفة كقولنا الله وَلَدَيْنا مَزِيدٌ قيل معناه النظر إلى وجه الله، كقوله: الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] وقيل: يعني ما لم يخطر على قلوبهم كما ورد في الحديث مما يرويه النبي ﷺ عن ربه أنه قال: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر «٢» هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً الضمير في هم للقرون المتقدمة، وفي منهم لكفار قريش فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي طافوا فيها، وأصله دخولها من أنقابها، أو من التنقب عن الأمر، بمعنى البحث عنه هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي قالوا: هل من مهرب من الله أو من العذاب لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي قلب واع يعقل ويفهم أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ أي استمع وهو حاضر القلب وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ اللغوب الإعياء والتعب. فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يعني كفار قريش وغيرهم وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يحتمل أن يريد التسبيح باللسان، أو يريد الصلاة وقد ذكر الزمخشري فيه الوجهين وقال ابن عطية: معناه: صلّ بإجماع من المتأوّلين، وهي على هذا إشارة إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: الظهر والعصر. ومن الليل: المغرب والعشاء، وقيل:

стр. 784

هي النوافل وَأَدْبارَ السُّجُودِ «١» قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄: الركعتين بعد المغرب وقال ابن عباس: هي النوافل بعد الفرائض، وقيل: الوتر وَاسْتَمِعْ معناه انتظر. فهو عامل في يوم يناد على أنه مفعول به صريح، وقيل: المعنى استمع لما نقص عليك من أهوال القيامة. فعلى هذا لا يكون عاملا في يوم يناد فيوقف على استمع والأول أظهر يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ المنادي «٢» هنا إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وقيل: إنما وصفه بالقرب لأنه يسمعه جميع الخلق، وقيل: المكان صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكة يَوْمُ الْخُرُوجِ يعني خروج الناس من القبور وَيَوْمَ تَشَقَّقُ «٣» العامل في هذا الظرف معنى قوله: حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ أو هو بدل مما قبله وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي بقهار تقهرهم على الإيمان كقوله لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] وقيل إخبار بأنه ﷺ رؤوف بهم غير جبار عليهم، وهذا أظهر فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ كقوله: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [فاطر: ١٨] لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف.

стр. 785

سورة الذاريات مكية وآياتها ٦٠ نزلت بعد الأحقاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الذاريات) وَالذَّارِياتِ ذَرْواً هي الرياح تذرو التراب وغيره، ومنه قوله تعالى: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الكهف: ٤٥] وانتصب ذروا على المصدرية فَالْحامِلاتِ وِقْراً هي السحاب تحمل المطر، والوقر: الحمل وهو مفعول به فَالْجارِياتِ يُسْراً هي السفن تجري في البحر، وإعراب يسرا صفة لمصدر محذوف ومعناه بسهولة فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً هي الملائكة تقسم أمر الملكوت من الأرزاق والآجال وغير ذلك، وأمرا مفعول به، وقيل: إن الحاملات وقرا: السفن، وقيل: جميع الحيوان الحامل، وقيل: إن الجاريات يسرا: السحاب، وقيل: الجواري من الكواكب والأول أشهر، وهو قول علي بن أبي طالب إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ هذا جواب القسم ويحتمل: توعدون أن يكون من الوعد أو من الوعيد، والأظهر أنه يراد به البعث في الآخرة وهو يشمل الوعد والوعيد وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ الدين هنا الجزاء، وقيل: الحساب وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ أي ذات الطرائق، مثل الطرائق التي تكون في الماء إذا هبت عليه الرياح، وكذلك حبك الزرع، وهي الطرائق التي فيه. وقيل: الحبك: النجوم. وقيل: زينة السماء وقيل: حسن خلقتها وواحد الحبك حباك أو حبيكة. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يحتمل أن يكون خطابا لجميع الناس، لأنهم اختلفوا فمنهم مؤمن ومنهم كافر، ويحتمل أن يكون خطابا للكفار خاصة، لأنهم اختلفوا فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: كاهن وقال بعضهم: شاعر يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ معنى يؤفك: يصرف، والضمير في عنه يحتمل أربعة أوجه أحدها: أن يكون للنبي ﵌ أو للقرآن أو للإسلام والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف، أي من سبق في علم الله أنه مصروف. الثاني: أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين، والمعنى يصرف عن الإيمان به من صرف. الثالث: أن يكون الضمير للقول المختلف، والمعنى يصرف عن ذلك القول إلى الإسلام من قضى الله بسعادته، وهذا القول حسن، إلا أن عرف الاستعمال

стр. 786

في أفك ويؤفك إنما هو في العرف من خير إلى شر، وهذا من شر إلى خير. الرابع: أن يكون الضمير للقول المختلف، وتكون عن سببية والمعنى: يصرف بسبب ذلك القول من صرف عن الإيمان قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاء عليهم كقولهم: قاتلك الله، وقيل: قتل بمعنى لعن، قال ابن عطية: واللفظ لا يقتضي ذلك وقال الزمخشري: أصله الدعاء بالقتل، ثم جرى مجرى لعن وقبح، والخراصون الكذابون، وأصل الخرص: التخمين والقول بالظن والإشارة إلى الكفار، وقيل: إلى الكهان والأول أظهر الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ الغمرة ما يغطي عقل الإنسان، وأصله من غمرة الماء، والمراد به هنا الجهالة والغفلة عن النظر يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أي يقولون: متى يوم الدين على وجه الاستبعاد والاستخفاف يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ هذا جواب عن سؤالهم، ومعنى يفتنون: يحرقون ويعذبون، ومنه قيل للحرّة: فتين لأن الشمس أحرقت حجارتها، ويحتمل أن يكون يومهم معربا والعامل فيه مضمر تقديره: يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون، وأن يكون مبنيا لإضافته إلى مبني، وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا، أو في موضع رفع والتقدير هو: يوم هم على النار يفتنون ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي يقال لهم: ذوقوا حرقتكم. آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ يعنى يأخذون في الجنة ما أعطاهم ربهم من الخيرات والنعيم، وقيل: المعنى آخذين في الدنيا ما آتاهم ربهم من شرعه، والأول أظهر وأرجح لدلالة الكلام عليه كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ الهجوع النوم. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: وهو الصحيح: أنهم كانوا ينامون قليلا من الليل، ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء، والآخر: أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلا ولا كثيرا، ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه: الأول أن يكون قليلا خبر كانوا وما يهجعون فاعل بقليلا، لأن قليلا صفة مشبهة باسم الفاعل، وتكون ما مصدرية، والتقدير: كانوا قليلا هجوعهم من الليل، والثاني: مثل هذا إلا أن ما موصولة والتقدير: كانوا قليلا الذي يهجعون فيه من الليل، والثالث: أن تكون ما زائدة، وقليلا ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير: كانوا يهجعون وقتا قليلا من الليل، والرابع مثل هذا إلا أن قليلا صفة لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعا قليلا، وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية، وقليلا ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلا من الليل، والآخر أن تكون ما نافية، وقليلا خبر كان، والمعنى كانوا قليلا في الناس، ثم ابتدأ بقوله من الليل ما يهجعون وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية، لأن ما نافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضعف هذا المعنى لبطلان إعرابه.

стр. 787

وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي يطلبون من الله مغفرة ذنوبهم، والأسحار آخر الليل، وقد جاء في الحديث أن الله تعالى يقول في الثلث الآخر من الليل: من يستغفرني فأغفر له «١» ، وقيل: معنى يستغفرون: يصلون وهذا بعيد من اللفظ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ الحق هنا نوافل الصدقات، وقيل: المراد الزكاة وهذا بعيد لأن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، وقيل: إن الآية منسوخة بالزكاة، وهذا لا يحتاج إليه لأن النسخ إنما يكون مع التعارض، ولا تعارض بين الزكاة والنوافل. وتسمية النوافل بالحق كقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦] وإن كان غير واجب، وقال بعض العلماء: حق سوى الزكاة. ورجحه ابن عطية. واختلف الناس في المحروم حتى قال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، وقيل: المحروم الذي ليس له في بيت المال سهم، وقيل الذي اجتيحت ثمرته، وقيل: الذي ماتت ماشيته، والمعنى الجامع لها أن المحروم هو الفقير المستور الحال وَفِي أَنْفُسِكُمْ إشارة إلى ما في خلقة الإنسان من الآيات والعبر، ولقد قال بعض العلماء فيه: إن فيه خمسة آلاف حكمة، وقال بعضهم: الإنسان نسخة مختصرة من العالم وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ معنى: في السماء رزقكم: المطر، وقيل: القضاء والقدر، ويحتمل أن يكون ما توعدون من الوعد والوعيد والكل في السماء، ولذلك قيل: يعني الجنة والنار. وقيل: الخير والشر إِنَّهُ لَحَقٌّ هذا جواب القسم، والضمير لما تقدم من الآيات أو الرزق أو لما توعدون مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ أي حق مثل نطقكم لا يمكن الشك فيه، وما زائدة: وقرئ مثل بالنصب والرفع «٢» فالرفع صفة لحق، والنصب على الحال من حق أو من الضمير المستتر فيه، أو صفة لحق وبني لإضافته إلى مبني، أو لتركيبه مع ما فيصير نحو أينما وكلما. هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ المراد بالاستفهام في مثل هذا التفخيم والتهويل، وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين جاءوا ليبشروه بالولد وبإهلاك قوم لوط، ووصفهم بالمكرمين لأنهم مكرمون عند الله، ولأن إبراهيم ﵇ أكرمهم، لأنه خدمهم بنفسه وعجل لهم الضيافة، والعامل في إذ دخلوا على هذا: المكرمين، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكر فَقالُوا سَلاماً نصب هذا لأنه في معنى الطلب

стр. 788

وهو مفعول بفعل مضمر، ورفع الثاني لأنه خبر تقديره: أمري سلام، وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة، وإن كان بمعنى التحية فإنما رفع الثاني ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حياهم بأكثر مما حيوه، وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية تقديره: سلمنا عليك سلاما، ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره: سلام عليكم قوم منكرون أي لم يعرفهم قالَ أَلا تَأْكُلُونَ يحتمل أن يكون ألا حضا على الأكل، أو تكون الهمزة للإنكار دخلت على لا النافية فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً إنما خاف منهم لما لم يأكلوا. وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ هو إسحاق ﵇ لقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١] فِي صَرَّةٍ أي صيحة، وذلك قولها: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود: ٧٢] وهو من صرّ القلم وغيره إذا صوّت، وقيل: معناه في جماعة في النساء فَصَكَّتْ وَجْهَها أي ضربته حياء منهم وتعجبا من ولادتها وهي عجوز وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ تقديره: قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو تقديره: أتلد عجوز عقيم؟ قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي ما شأنكم وخبركم، والخطب أكثر ما يقال في الشدائد قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني قوم سيدنا لوط، وقد ذكرنا الحجارة ومسومة في هود فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الضمير المجرور لقرية قوم سيدنا لوط، لأن الكلام يدل عليها وإن لم يتقدم ذكرها، والمراد بالمؤمنين لوط وأهله: أمرهم الله بالخروج من القرية لينجو من العذاب الذي أصاب أهلها، ووصفهم بالمؤمنين وبالمسلمين لأنهم جمعوا الوصفين وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان في الأحزاب وَفِي مُوسى معطوف على قوله وفي الأرض آيات للموقنين أو على قوله: وتركنا فيها آية فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ معنى تولى أعرض عن الإيمان، وركنه سلطانه وقوته قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي قالوا إن موسى ساحر أو مجنون: فأو للشك أو للتقسيم، وقيل: بمعنى الواو وهذا ضعيف ولا يستقيم هنا هُوَ مُلِيمٌ أي فعل ما يلام عليه يعني فرعون الرِّيحَ الْعَقِيمَ وصفها بالعقم، لأنها لا بركة فيها من إنشاء المطر أو إلقاح الشجر كَالرَّمِيمِ أي الفاني المنقطع، والعموم هنا يراد به الخصوص فيما أذن للريح أن تهلكه وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فيه قولان: أحدهما أن الحين هي الثلاثة الأيام

стр. 789

بعد عقرهم الناقة والآخر أن الحين من بعد ما بعث صالح ﵇ إلى حين هلاكهم، وعلى هذا يكون: فعتوا مترتبا بعد تمتعهم، وأما على الأول فيكن إخبارا عن حالهم غير مرتب على ما قبله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني الصيحة التي صاحها جبريل وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي يعاينونها لأنها كانت بالنهار. وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أي بقوة، وانتصاب السماء بفعل مضمر وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه قادرون فهو من الوسع وهو الطاقة، ومنه عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦] أي القوي على الإنفاق، والآخر جعلنا السماء واسعة، أو جعلنا بينها وبين الأرض سعة، والثالث أوسعنا الأرزاق بمطر السماء فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الماهد الموطئ للموضع وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ أي نوعين مختلفين كالليل والنهار، والسواد والبياض، والصحة والمرض وغير ذلك فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أمر بالرجوع إليه بالتوبة والطاعة وفي اللفظ تحذير وترهيب أَتَواصَوْا بِهِ توقيف [سؤال] وتعجيب أي هم بمثابة من أوصى بعضهم بعضا أن يقول ذلك فَتَوَلَّ عَنْهُمْ منسوخ بالسيف فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي قد بلغت الرسالة فلا لوم عليك وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قيل: معناه خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي، وقيل ليتذللوا لي: فإن جميع الإنس والجن متذلل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أي لا أريد أن يطعمون، لأني منزه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غني عن العالمين، وقيل: المعنى ما أريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوزا، وقيل: معناه ما أريد أن ينفعوني لأني غنيّ عنهم، وعبّر عن النفع العام بالإطعام، والأول أظهر الْمَتِينُ أي الشديد القوة فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً الذنوب النصيب، ويريد به هنا نصيبا من العذاب، وأصل الذنوب الدلو، والمراد بالذين ظلموا كفار قريش، وبأصحابهم من تقدم من الكفار فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يحتمل أن يريد يوم القيامة أو يوم هلاكهم ببدر، والأول أرجح لقوله في المعارج ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ [٤٤] يعني يوم القيامة.

стр. 790

سورة الطور مكية وآياتها ٤٩ نزلت بعد السجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الطور) وَالطُّورِ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، وقيل: الطور كل جبل فكأنه أقسم بجنس الجبال وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن، وقيل: صحائف الأعمال فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ الرق في اللغة: الصحيفة، وخصصت في العرف بما كان من جلد، والمنشور خلاف المطوي وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبدا وبهذا عمرانه، وهو حيال الكعبة، وقيل: البيت المعمور: الكعبة وعمرانها بالحجاج والطائفين، والأول أظهر، وهو قول علي وابن عباس وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني السماء وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ هو بحر الدنيا، وقيل: بحر في السماء تحت العرش: والأول أظهر وأشهر، ومعنى المسجور: المملوء ماء، وقيل: الفارغ من الماء، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة، واللغة تقتضي الوجهين: لأن اللفظ من الأضداد، وقيل: معناه الموقد نارا من قولك: سجرت التنور، واللغة أيضا تقتضي هذا، وروي أن جهنم في البحر إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ هذا جواب القسم، ويعني عذاب الآخرة يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً أي: تجيء وتذهب، وقيل: تدور، وقيل: تتشقق، والعامل في الظرف واقع ودافع أو محذوف الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ الخوض: التخبط في الأباطيل شبّه بخوض الماء يَوْمَ يُدَعُّونَ أي يدفعون بتعنيف، ويوم بدل من الظرف المتقدم. أَفَسِحْرٌ هذا؟ توبيخ للكفار على ما كانوا يقولونه في الدنيا من أن القرآن سحر أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ توبيخ أيضا لهم، وتهكم بهم أي هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حل بكم كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقائق؟ فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ليس المراد بذلك الأمر بالصبر ولا النهي عنه، وإنما المراد التسوية بين الصبر وعدمه في أن كل واحد من الحالين لا ينفعهم، ولا يخفف عنهم شيئا من العذاب إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا

стр. 791

تعليل لما ذكر من عذابهم، وليس تعليلا للصبر ولا لعدمه كما قال بعض الناس فاكِهِينَ يحتمل أن يكون معناه أصحاب فاكهة، فيكون نحو لابن وتامر صاحب لبن وصاحب تمر أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور وَوَقاهُمْ معطوف على قوله: في جنات أو على آتاهم ربهم، أو تكون الواو للحال كُلُوا وَاشْرَبُوا أي يقال لهم: كلوا هَنِيئاً صفة لمصدر محذوف تقديره: كلوا أكلا هنيئا، ويحتمل أن يكون وقع موقع فعل تقديره: هنأكم الأكل والشرب بِحُورٍ عِينٍ الحور: جمع حوراء وهي الشديدة بياض بياض العين وسواد سوادها، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالها، وإنما دخلت الباء في قوله بحور لأنه تضمن قوله: زوّجناهم معنى قرناهم، قاله الزمخشري وقال: إن الذين آمنوا معطوف على بحور عين أي قرناهم بحور للتلذذ بهن، وبالذين آمنوا للأنس معهم. والأظهر أن الكلام تمّ في قوله «بحور عين» ويكون والذين آمنوا مبتدأ خبره ألحقنا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «١» معنى الآية ما ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه» «٢» فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء، قيل: إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغارا، وقيل: على الإطلاق في الأبناء المؤمنين، وبإيمان في موضع الحال من الذرية، والمعنى أنهم اتبعوا آباءهم في الإيمان، وقال الزمخشري: إن هذا المجرور يتعلق بألحقنا، والمعنى عنده بسبب الإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، والأول أظهر، فإن قيل: لم قال بإيمان بالتنكير؟ فالجواب: أن المعنى بشيء من الإيمان لم يكونوا به أهلا لدرجة آبائهم، ولكنهم لحقوا بهم كرامة لآباء، فالمراد تقليل إيمان الذرية ولكنه رفع درجتهم، فكيف إذا كان إيمانا عظيما وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي ما أنقصناهم من ثواب أعمالهم بل وفينا لهم أجورهم، وقيل المعنى: ألحقنا ذريتهم بهم، وما نقصناهم شيئا من ثواب أعمالهم بسبب ذلك، بل فعلنا ذلك تفضلا زيادة إلى ثواب أعمالهم، والضمير على القولين يعود على الذين آمنوا، وقيل: إنه يعود على الذرية كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي مرتهن، فإما أن تنجيه حسناته، وإما أن تهلكه

стр. 792

سيئاته وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ الإمداد هو الزيادة مرة بعد مرة يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً أي يتعاطونها إذ هم جلساء على الشراب لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ «١» اللغو الكلام الساقط، والتأثيم: الذنب فهي بخلاف خمر الدنيا غِلْمانٌ لَهُمْ يعني خدامهم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ اللؤلؤ الجوهر، والمكنون المصون، وذلك لحسنه وقيل: هو الذي لم يخرج من الصدف قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ أي كنا في الدنيا خائفين من الله، والإشفاق شدة الخوف السَّمُومِ أشد الحر وقيل: هو من أسماء جهنم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ يحتمل أن يكون بمعنى نعبده، أو من الدعاء بمعنى الرغبة، ومن قبل يعنون في الدنيا قبل لقاء الله إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ البر الذي يبرّ عباده ويحسن إليهم، وقرأ نافع والكسائي أنه بفتح الهمزة على أن يكون مفعولا من أجله، أو يكون هذا اللفظ هو المدعو به وقرأ الباقون بكسرها على الاستئناف. فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ هذا خطاب للنبي ﷺ ، أي ذكّر الناس. ثم نفى عنه ما نسبه إليه الكفار من الكهانة والجنون. ومعنى: بنعمة ربك: بسبب إنعام الله عليك أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ أم في هذا الموضع وفيما بعده للاستفهام بمعنى الإنكار، والتربص الانتظار، وريب المنون، حوادث الدهر، وقيل: الموت، وكانت قريش قد قالت: إنما هو شاعر ننتظر به ريب المنون فيهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء كزهير والنابغة قُلْ تَرَبَّصُوا أمر على وجه التهديد أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا الأحلام العقول: أي كيف تأمرهم عقولهم بهذا، والإشارة إلى قولهم هو شاعر، أو إلى ما هم عليه من الكفر والتكذيب، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز كقوله: أصلاتك تأمرك [هود: ٨٧] أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أم هنا بمعنى بل، ويحتمل أن تكون بمعنى بل وهمزة الاستفهام بمعنى الإنكار كما هي في هذه المواضع كلها أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي اختلقه من تلقاء نفسه، وضمير الفاعل لرسول الله ﷺ وضمير المفعول للقرآن فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ردّ عليهم وإقامة حجة عليهم، والأمر هنا للتعجيز أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه أم خلقوا من غير رب أنشأهم واستعبدهم،

стр. 793

فهم من أجل ذلك لا يعبدون الله: الثاني أم خلقوا من غير أب ولا أم كالجمادات فهم لا يؤمرون ولا ينهون كحال الجمادات: الثالث أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم فهو على هذا كقوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ معناه أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق؟ أم هم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبرون؟ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ المعنى أعندهم خزائن الله بحيث يستغنون عن عبادته؟ وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاءوا ويمنعون من شاءوا؟ ويخصون بالنبوّة من شاءوا أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ «١» أي الأرباب الغالبون، وقيل: المسيطر المسلط القاهر أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني أم لهم سلم يصعدون به إلى السماء، فيسمعون ما تقول الملائكة، بحيث يعلمون صحة دعواهم. ثم عجّزهم بقوله: فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة واضحة على دعواهم أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ معناه أتسألهم على الإسلام أجرة، فيثقل عليهم غرمها فيشق عليهم اتباعك أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ المعنى أعندهم علم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا: لا نبعث وإن بعثنا لا نعذب؟ وقيل: المعنى فهم يكتبون للناس سننا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب السوائب وشبه ذلك أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً إشارة إلى كيدهم في دار الندوة «٢» بالنبي ﷺ ، حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أي المغلوبون في الكيد، والذين كفروا يعني من تقدم الكلام فيهم وهم كفار قريش، فوضع الظاهر موضع المضمر، ويحتمل أن يريد جميع الكفار أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ المعنى هل لهم إله غير الله يعصمهم من عذاب الله ويمنعهم منه؟ وحصر الله في هذه الآية جميع المعاني التي توجب التكبر والبعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم ليبين أن تكبرهم من غير موجب وكفرهم من غير حجة. وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، فالمعنى أنهم لو رأوا الكسف ساقطا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف وإنما هو سحاب مركوم: أي كثيف بعضه فوق

стр. 794

بعض فَذَرْهُمْ منسوخ بالسيف يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ «١» يعني يوم القيامة والصعقة فيه هي النفخة الأولى، وقيل: غير ذلك والصحيح ما ذكرنا لقوله في المعارج [٤٤] عن يوم القيامة ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ، عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني قتلهم يوم بدر، وقيل الجوع بالقحط، وقيل: عذاب القبر وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا لهم فإنا نراك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه قول سبحان الله، ومعنى حين تقوم من كل مجلس، وقيل: أراد حين تقوم وتقعد، وفي كل حال وجعل القيام مثالا: الثاني أنه الصلوات النوافل والثالث أنه الصلوات الفرائض، فحين تقوم الظهر والعصر: أي حين تقوم من نوم القائلة، ومن الليل المغرب والعشاء، وإدبار النجوم: الصبح ومن قال: هي النوافل، جعل إدبار النجوم ركعتي الفجر.

стр. 795

سورة النجم مكية إلا آية ٣٢ فمدنية وآياتها ٦٢ نزلت بعد الإخلاص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة النجم) وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها الثريا لأنها غلب عليها التسمية بالنجم، ومعنى هوى غرب وانتثر يوم القيامة، الثاني أنه جنس النجوم، ومعنى هوى كما ذكرنا، أو انقضت ترجم الشياطين. الثالث أنه من نجوم القرآن، وهو الجملة التي تنزل، وهوى على هذا معناه نزل ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى هذا جواب القسم، والخطاب لقريش، وصاحبكم هو النبي ﷺ ، فنفى عنه الضلال والغيّ، والفرق بينهما: أن الضلال بغير قصد، والغيّ بقصد وتكسب وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي ليس يتكلم بهواه وشهوته، إنما يتكلم بما يوحي الله إليه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يعني القرآن عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ضمير المفعول للقرآن أو للنبي ﷺ ، والشديد القوى: جبريل، وقيل: الله تعالى، والأول أرجح لقوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ [التكوير: ٢٠] والقوى جمع: قوة ذُو مِرَّةٍ أي ذو قوّة، وقيل: ذو هيئة حسنة، والأول هو الصحيح في اللغة فَاسْتَوى أي استوى جبريل في الجو إذ رآه النبي ﵌ وهو ب [غار] حراء، وقيل: معنى استوى: ظهر في صورته على ستمائة جناح، قد سدّ الأفق بخلاف ما كان يتمثل به من الصور إذا نزل بالوحي، وكان غالبا ما ينزل في صورة الصحابي دحية الكلبي وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى الضمير لجبريل وقيل: لسيدنا محمد ﵌ والأول أصح ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى الضميران لجبريل أي دنا من سيدنا محمد ﷺ فتدلّى في الهواء، وهو عند بعضهم من المقلوب تقديره: فتدلى فدنا. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى القاب: مقدار المسافة، أي كان جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام في القرب بمقدار قوسين عربيتين، ومعناه من طرف العود إلى الطرف الآخر، وقيل: من الوتر إلى العود، وقيل: ليس القوس التي يرمى بها، وإنما هي ذراع تقاس بها المقادير ذكره الثعلبي. وقال: إنه من لغة أهل الحجاز، وتقدير الكلام: فكان مقدار مسافة جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام مثل قاب قوسين. ثم

стр. 796

حذفت هذه المضافات، ومعنى أو أدنى أو أقرب وأو هنا مثل قوله: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] وأشبه التأويلات فيها أنه إذا نظر إليه البشر احتمل عنده أن يكون قاب قوسين أو يكون أدنى، وهذا الذي ذكرنا أن هذه الضمائر المتقدمة لجبريل هو الصحيح، وقد ورد ذلك عن رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح، وقيل: إنها لله تعالى، وهذا القول يردّ عليه الحديث والعقل، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن تلك الأوصاف من الدنو والتدلي وغير ذلك فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى في هذه الضمائر ثلاثة أقوال: الأول أن المعنى أوحى الله إلى عبده محمد ﵌ ما أوحى. الثاني أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وعاد الضمير على الله في القولين، لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره، فهو كقوله: إنا أنزلناه في ليلة القدر. الثالث أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، وفي قوله: ما أوحى إبهام مراد يقتضي التفخيم والتعظيم ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «١» أي ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه بعينه، بل صدق بقلبه أن الذي رآه بعينه حق، والذي رأى هو جبريل، يعني حين رآه بمقدار ملأ الأفق، وقيل: رأى ملكوت السموات والأرض، والأول أرجح لقوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى وقيل: الذي رآه هو الله تعالى، وقد أنكرت «٢» ذلك عائشة، وسئل رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه؟ «٣» أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى «٤» هذا خطاب لقريش، والمعنى أتجادلونه على ما يرى، وكانت قريش قد كذبت لما قال إنه رأى ما رأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى أي لقد رأى محمد جبريل عليهما الصلاة والسلام مرة أخرى وهو ليلة الإسراء، وقيل: ضمير المفعول لله تعالى، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه ليلة الإسراء فقد أعظم الفرية على الله تعالى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى «٥» هي شجرة في السماء السابعة قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثمرتها كالقلال وورقها كآذان الفيلة، وسميت سدرة المنتهى لأن إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى. وقيل: سميت بذلك لأن ما نزل من أمر الله يلتقي عندها، فلا يتجاوزها ملائكة العلو إلى أسفل، ولا يتجاوزها ملائكة السفل إلى أعلى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى يعني أن الجنة التي

стр. 797

وعدها الله عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى تأوي إليها أرواح الشهداء، والأول أظهر وأشهر إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى فيه إبهام لقصد التعظيم، قال ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب، وقيل: كثرة الملائكة، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: فغشيها ألوان لا أدري ما هي، وهذا أولى أن تفسر به الآية ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى أي ما زاغ بصر سيدنا محمد ﷺ عما رآه من العجائب، بل أثبتها وتيقنها، وما طغى: أي ما تجاوز ما رأى إلى غيره لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى يعني ما رأى ليلة الإسراء من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك. ويحتمل أن تكون الكبرى مفعولا أو نعتا لآيات ربه، والمعنى يختلف على ذلك أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى هذه أوثان كانت تبعد من دون الله، فخاطب الله من كان يعبدها من العرب على وجه التوبيخ لهم، وقال ابن عطية: الرؤيا هنا رؤية العين لأن الأوثان المذكورة أجرام مرئية، فأما اللات فصنم كان بالطائف، وقيل: كان بالكعبة، وأما العزّى فكانت صخرة بالطائف، وقيل: شجرة فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو بالويل فضربها بالسيف حتى قتلها، وقيل: كانت بيتا تعظمه العرب وأصل لفظ العزى مؤنثة الأعز، وأما مناة فصخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة. وكانت أعظم هذه الأوثان، قال ابن عطية: ولذلك قال تعالى: الثالثة الأخرى فأكدها بهاتين الصفتين، وقال الزمخشري: الأخرى ذم وتحقير أي المتأخرة الوضيعة القدر. ومنه: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الأعراف: ٣٨] أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأوثان بنات الله، فأنكر الله عليهم ذلك أي كيف تجعلون لأنفسكم الأولاد الذكور، وتجعلون لله البنات التي هي عندكم حقيرة بغيضة، وقد ذكر هذا المعنى في النحل وغيرها، ويحتمل أن يكون أنكر عليهم جعل هذه الأوثان شركاء لله تعالى مع أنهن إناث والإناث حقيرة بغيضة عندهم تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «١» أي هذه القسمة التي قسمتم جائرة غير عادلة، يعني جعلهم الذكور لأنفسهم والإناث لله تعالى ووزن ضيزى فعلى بضم الفاء، ولكنها كسرت لأجل الياء التي بعدها إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها الضمير للأوثان، وقد ذكر هذا المعنى في الأعراف: ٧١ في قوله أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني أنهم يقولون أقوالا بغير حجة كقولهم: إن الملائكة بنات الله، وقولهم: إن الأصنام تشفع لهم وغير ذلك أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أم هنا

стр. 798

للإنكار، والإنسان هنا جنس بني آدم: أي ليس لأحد ما يتمنى بل الأمر بيد الله، وقيل: إن الإشارة إلى ما طمع فيه الكفار من شفاعة الأصنام، وقيل: إلى قول العاصي بن وائل: لأوتين مالا وولدا، وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون نبيا، والأحسن حمل اللفظ على إطلاقه. وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ الآية: رد على الكفار في قولهم: إن الأوثان تشفع لهم، كأنه يقول: الملائكة الكرام لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بإذن الله فكيف أوثانكم؟ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى معناه أن الملائكة لا يشفعون لشخص إلا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فيه ويرضى عنه لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى يعني قولهم: إن الملائكة بنات الله، ثم ردّ عليهم بقوله: وما لهم به من علم ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي إلى ذلك انتهى علمهم لأنهم علموا ما ينفع في الدنيا، ولم يعلموا ما ينفع في الآخرة لِيَجْزِيَ اللام متعلقة بمعنى ما قبلها، والتقدير: أن الله مالك أمر السموات والأرض ليجزي الذي أساؤوا بما عملوا. وقيل: يتعلق بضل واهتدى كَبائِرَ الْإِثْمِ «١» ذكرنا الكبائر في النساء [٣١] إِلَّا اللَّمَمَ فيه أربعة أقوال: الأول: أنه صغائر الذنوب فالاستثناء على هذا منقطع. الثاني: أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفلتة والسقطة دون دوام عليها. الثالث: أنه ما ألموا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي: الرابع: أنه الهمّ بالذنوب وحديث النفس به دون أن يفعل أَجِنَّةٌ جمع جنين فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تنسبوا أنفسكم إلى الصلاح والخير، قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهى عن أن يزكي بعض الناس بعضا، وهذا بعيد لأنه تجوز التزكية في الشهادة وغيرها. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى الآية: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل نزلت في العاصي بن وائل وَأَكْدى أي قطع العطاء وأمسك وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قيل: وفي طاعة الله في ذبح ولده، وقيل: وفي تبليغ الرسالة، وقيل: وفي شرائع الإسلام، وقيل: وفي الكلمات التي ابتلاه الله بهن، وقيل: وفي هذه العشر الآيات أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ذكر فيما تقدم،

стр. 799

وهذه الجملة تفسير لما في صحف إبراهيم وموسى ﵉. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى السعي هنا بمعنى العمل، وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام، واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعتق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى من فعلت عنه، واختلفوا في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ والصحيح أنها محكمة لأنها خبر: والأخبار لا تنسخ. وفي تأويلها ثلاثة أقوال: الأول: أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا فلا يلزم في شريعتنا الثاني: أن للإنسان ما عمل بحق وله ما عمل له غيره بهبة العامل له، فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها. الثالث: أنها في الذنوب، وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدل على هذا قوله بعدها: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وكأنه يقول: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى قيل: معناه يراه الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحبه لقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فيه قولان أحدهما أن معناه إلى الله المصير في الآخرة، والآخر أن معناه أن العلوم تنتهي إلى الله، ثم يقف العلماء عند ذلك، وروي أن رسول الله ﷺ قال: لا فكرة في الرب «١» . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى قيل: معناه أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار، وهذا تخصيص لا دليل عليه، وقيل: أبكى السماء بالمطر وأضحك الأرض بالنبات، وهذا مجاز وقيل: خلق في بني آدم الضحك والبكاء والصحيح أنه عبارة عن الفرح والحزن لأن الضحك دليل على السرور والفرح، كما أن البكاء دليل على الحزن. فالمعنى أن الله تعالى أحزن من شاء من عباده، وأسر من شاء أَماتَ وَأَحْيا يعني الحياة المعروفة والموت المعروف وقيل: أحيا بالإيمان وأمات بالكفر والأول أرجح، لأنه حقيقة مِنْ نُطْفَةٍ يعني المني إِذا تُمْنى من قولك: أمنى الرجل إذا خرج منه المنيّ النَّشْأَةَ الْأُخْرى يعني الإعادة للحشر وأقنى يعني أكسب عباده المال، وهو من قنية المال وهو كسبه وادخاره وقيل: معنى أقنى: أفقر وهذا لا تقتضيه اللغة، وقيل: معناه أرضى وقيل: قنع عبده

стр. 800

الشِّعْرى نجم في السماء، وتسمى كلب الجبار وهما شعريان وهما: الغميصاء والعبور. وخصها بالذكر دون سائر النجوم لأن بعض العرب كان يعبدها عاداً الْأُولى وصفها بالأولى لأنها كانت في قديم الزمان، فهي الأولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقيل: إنما سميت أولى لأن ثم عادا أخرى متأخرة وهذا لا يصح، وقرأ نافع عاد لّولى بإدغام تنوين عاد في لام الأولى بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام وضعّف المزني والمبرد هذه القراءة وهمز قالون الأولى دون ورش وقرأ الباقون على الأصل بكسر تنوين عادا وإسكان لام الأولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى «١» أي ما أبقى منهم أحدا، وقيل: ما أبقى عليهم وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى هي مدينة قوم لوط، ومعنى أهوى طرحها من علو إلى أسفل، وفي قوله ما غشى تعظيم للأمر. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى هذا مخاطبة للإنسان على الإطلاق معناه: بأي نعم ربك تشك هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى يعني القرآن أو النبي ﷺ ، ومعنى من النذر الأولى من نوعها وصفتها أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي قربت القيامة كاشِفَةٌ يحتمل لفظه ثلاثة أوجه: أن يكون مصدرا كالعافية، أي ليس لها كشف وأن يكون بمعنى كاشف والتاء للمبالغة كعلامة، وأن يكون صفة لمحذوف تقديره: نفس كاشفة أو جماعة كاشفة ويحتمل معناه وجهين: أحدهما أن يكون من الكشف بمعنى: الإزالة أي ليس لها من يزيلها إذا وقعت والآخر أن يكون بمعنى الاطلاع أي ليس لها من يعلم وقتها إلا الله أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ الإشارة إلى القرآن وتعجبهم منه إنكاره وَأَنْتُمْ سامِدُونَ أي لاعبون لاهون، وقيل: غافلون مفرطون فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره، وقد قال ابن مسعود قرأها رسول الله ﵌ فسجد وسجد كل من كان معه.

стр. 801

سورة القمر مكية إلا الآيات ٤ و ٤٥ و ٤٦ فمدنية وآياتها ٥٥ نزلت بعد الطارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة القمر) اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان [شيء] قليل بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: بعثت أنا والساعة كهاتين «١» ، وأشار بالسبابة والوسطى وَانْشَقَّ الْقَمَرُ هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله ﵌، وذلك أن قريشا سألته آية فأراهم انشقاق القمر. فقال ﵌: اشهدوا «٢» ، وقال ابن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه، وقيل: معنى انشق القمر أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك وعلى تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر قوله وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ هذه الضمائر لقريش والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر ومعنى مستمر: دائم- وقيل: معناه ذاهب يزول عن قريب- وقيل: شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي القوة وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ أي كل شيء لا بد له من غاية، فالحق يحق والباطل يبطل وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ الأنباء هنا، يراد بها ما ورد في القرآن من القصص والبراهين والمواعظ، ومزدجر اسم مصدر بمعنى الازدجار أو اسم موضع بمعنى أنه مظنة أن يزدجر به حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدل من ما فيه أو خبر ابتداء مضمر فَما تُغْنِ النُّذُرُ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية لمعنى الاستبعاد والإنكار فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي أعرض عنهم لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم.

стр. 802

يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ «١» العامل في يوم مضمر تقديره: اذكر أو قوله: يَخْرُجُونَ بعد ذلك، وليس العامل فيه تول عنهم لفساد المعنى. فقد تم الكلام في قوله: تول عنهم فيوقف عليه وقيل: المعنى تولّ عنهم أي يوم يدع الداع والأول أظهر وأشهر. والداعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في الصور، والشيء النكر الشديد الفظيع. وأصله من الإنكار. أي: هو منكور لأنه لم ير قط مثله، والمراد به يوم القيامة خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ كناية عن الذلة وانتصب خشعا على الحال من الضمير في يخرجون يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي من القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ شبّههم بالجراد في خروجهم من الأرض، فكأنه استدلال على البعث كالاستدلال بخروج النبات. وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وأن بعضهم يموج في بعض مُهْطِعِينَ أي مسرعين وقيل: ناظرين إلى الداع «٢» فَكَذَّبُوا عَبْدَنا يعني نوحا ﵇، ووصفه هنا بالعبودية تشريفا له واختصاصا وَازْدُجِرَ أي زجروه بالشتم والتخويف وقالوا له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: ١١٦] فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ أي قد غلبني الكفار فانتصر لي أو انتصر لنفسك، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ عبارة عن كثرة المطر، فكأنه يخرج من أبواب، وقيل: فتحت في السماء أبواب يومئذ حقيقة، والمنهمر الكثير فَالْتَقَى الْماءُ ماء السماء وماء الأرض عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي قد قضي في الأزل، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدر بمقدار معلوم، وروي في ذلك أنه علا فوق الأرض أربعين ذراعا وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ يعني السفينة والدسر هي المسامير واحدها دسار، وقيل: هي مقادم السفينة، وقيل: أضلاعها والأول أشهر تَجْرِي بِأَعْيُنِنا عبارة عن حفظ الله ورعيه لها جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ أي جزاء لنوح: وقيل: جزاء لله تعالى والأول أظهر، وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه ما تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال أي جعلنا ذلك كله جزاء لنوح، ويحتمل أن يكون قوله: كفر من الكفر بالدين والتقدير لمن كفر به فحذف الضمير، أو يكون من الكفر بالنعمة لأن نوحا ﵇ نعمة من الله كفرها قومه، فلا يحتاج على هذا إلى الضمير المحذوف.

стр. 803

وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً الضمير للقصة المذكورة أو الفعلة أو السفينة وروي في هذا المعنى أنها بقيت على الجودي حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ تحضيض على الادّكار فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده، ووزن مدكر مفتعل وأصله مدتكر ثم أبدل من التاء دالا وأدغمت فيها الدال فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ «١» توقيف [سؤال] فيه تهديد لقريش والنذر جمع نذير وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي يسرناه للحفظ، وهذا معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظا بالغا بخلاف غيره من الكتب، وقد روي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلا القرآن. وقيل: معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين والحكم البليغة، وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: فذوقوا عذابي ونذر لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله: فكيف كان عذابي ونذر، ومن الملاطفة في قوله: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر رِيحاً صَرْصَراً أي مصوتة فهو من الصرير يعني الصوت وقيل: معناه باردة فهو من الصر يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ روي أنه كان يوم أربعاء، حتى رأى بعضهم أن كل يوم أربعاء نحس ورووا: آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر «٢» تَنْزِعُ النَّاسَ أي تقلعهم من مواضعهم كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أعجاز النخل هي: أصولها، والمنقعر: المنقطع. فشبه الله عادا لما هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل، وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل لأنها دون أغصان: وقيل: كانوا حفروا حفرا يمتنعون بها من الريح. فهلكوا فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها أَبَشَراً هو صالح ﵇، وانتصب بفعل مضمر والمعنى أنهم أنكروا أن يتبعوا بشرا وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ثم زادوا أن أنكروا أن يتبعوا واحدا وهم جماعة كثيرون وَسُعُرٍ أي عناد، وقيل: معناه جنون، وقيل: معناه هم وغم وأصله من السعير بمعنى النار. وكأنه احتراق النفس بالهم.

стр. 804

أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أنكروا أن يخصه الله بالنبوة دونهم، وذلك جهل منهم، فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء أَشِرٌ بطر متكبر وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي لهم يوم وللناقة يوم من غير أن يتعدوا على الناقة، فالضمير في نبئهم يعود على ثمود. وعلى الناقة تغليبا للعقلاء، وقيل: إن الضمير لثمود، والمعنى لا يتعدى بعضهم على بعض كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ أي مشهود فَنادَوْا صاحِبَهُمْ يعني: عاقر الناقة واسمه قدار وهو أحيمر ثمود وأشقاها فَتَعاطى أي اجترأ على أمر عظيم، وهو عقر الناقة وقيل: تعاطى السيف صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبريل صيحة فماتوا منها فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ الهشيم هو ما تكسر وتفتت من الشجر وغيرها، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو ذلك، أو يكون تحليقا للمواشي أو السكنى فشبه الله ثمود لما هلكوا بما يتفتت من الحظيرة من الأوراق وغيرها، وقيل: المحتظر المحترق حاصِباً ذكر في العنكبوت [٤٠] فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ تشككوا وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ الضيف هنا هم: الملائكة الذين أرسلهم الله إلى لوط، ليهلكوا قومه. وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم، فاستوت مع وجوههم، وقيل: إن الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحدا أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد، والهمزة للإنكار ومعناه: هل الكفار منكم خير عند الله من الكفار المتقدمين المذكورين، بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم رسلكم؟ بل الذي أهلكهم يهلككم أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ معناه أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ أي نحن نجتمع وننتصر لأنفسنا بالقتال سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ المراد بالمجرمين هنا الكفار وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة

стр. 805

وهو الاحتراق، وقيل: أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم: إنا كل شيء خلقناه بقدر والأول أظهر يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ أي يجرون فيها إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ المعنى أن الله خلق كل شيء بقدر، أي بقضاء معلوم سابق في الأزل، ويحتمل أن يكون معنى بقدر بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك، والأول أرجح وفيه حجة لأهل السنة على القدرية. وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسره خلقناه وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ عبارة عن سرعة التكوين ونفوذ أمر الله، والواحدة يراد بها الكلمة وهي قوله كن وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ يعني أشياعكم من الكفار وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي كل ما فعلوه مكتوب في صحائف الأعمال مُسْتَطَرٌ أي مكتوب وهو من السطر. تقول سطرت واستطرت بمعنى واحد، والمراد الصغير والكبير من أعمالهم وقيل: جميع الأشياء وَنَهَرٍ يعني أنهار الماء والخمر واللبن والعسل واكتفى باسم الجنس فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي في مكان مرضي.

стр. 806

سورة الرحمن مدنية وآياتها ٧٨ نزلت بعد الرعد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الرحمن الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ هذا تعديد نعمة على من علمه الله القرآن، وقيل: معنى علّم القرآن جعله علامة وآية لسيدنا محمد ﷺ . والأول أظهر وارتفع الرحمن بالابتداء، والأفعال التي بعده أخبار متوالية، ويدل على ذلك مجيئها بدون حرف عطف خَلَقَ الْإِنْسانَ قيل: جنس الناس وقيل: يعني آدم وقيل: يعني سيدنا محمد ﷺ ، ولا دليل على التخصيص. والأول أرجح عَلَّمَهُ الْبَيانَ يعني النطق والكلام الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي يجريان في الفلك بحسبان معلوم وترتيب مقدر، وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ النجم عند ابن عباس النبات الذي لا ساق له كالبقول، والشجر النبات الذي له ساق، وقيل: النجم جنس نجوم السماء. والسجود عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى: وقيل: سجود الشمس: غروبها وسجود الشجر ظله وَوَضَعَ الْمِيزانَ يعني الميزان المعروف الذي يوزن به الطعام وغيره، وكرر ذكره اهتماما به وقيل: أراد العدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أي لا تنقصوا إذا وزنتم لِلْأَنامِ أي للناس وقيل: الإنس والجن وقيل: الحيوان كله. الأكمام: يحتمل أن يكون جمع كم بالضم، وهو ما يغطي ويلف النخل من الليف، وبه شبّه كم القميص، أو يكون جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة الْعَصْفِ «١» ورق الزرع وقيل: التبن وَالرَّيْحانُ قيل: هو الريحان المعروف، وقيل: كل مشموم طيب الريح من النبات، وقيل: هو الرزق. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الآلاء هي: النعم. واحدها إلى على وزن معي. وقيل:

стр. 807

ألى على وزن قضى وقيل: ألي على وزن أمد أو على وزن حصر، والخطاب للثقلين الإنس والجن بدليل قوله: سنفرغ لكم أيها الثقلان. روي أن هذه الآية لما قرأها رسول ﷺ سكت أصحابه فقال: جواب الجن خير من سكوتكم. إني لما قرأتها على الجن قالوا: لا نكذب بشيء من آلاء ربنا «١» وكرر هذه الآية تأكيدا ومبالغة وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد، لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ الإنسان هو آدم، والصلصال الطين اليابس، فإذا طبخ فهو فخار وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ الجان الجن يعني إبليس والد الجن، والمارج اللهيب المضطرب من النار رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يريد مشرق الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر. وقيل: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ذكر في الفرقان، أي يلتقى ماء هذا وماء هذا، وذلك إذ نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر، وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما بانصباب الأنهار في البحر، وأما على قول من قال إن البحرين بحر فارس وبحر الروم، أو بحر القلزم الأحمر واليمن فضعيف لقوله في الفرقان [٥٣] هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وكل واحد من هذه أجاج، والمراد بالبحرين في هذه السورة ما أراد في الفرقان بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي حاجز يعني جرم الأرض، أو حاجز من قدرة الله لا يَبْغِيانِ أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالاختلاط، وقيل: لا يبغيان على الناس بالفيض. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» اللؤلؤ كبار الجوهر والمرجان صغاره، وقيل: بالعكس وقيل: إن المرجان أحجار حمر، قال ابن عطية: وهذا هو الصواب «٣» وأما قوله منهما ولا يخرج إلا من أحدهما، فقد تكلمنا عليه في فاطر. وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ يعني السفن وسماها منشآت لأن الناس ينشئونها، وقرأ حمزة وأبو بكر المنشئات بكسر الشين بمعنى أنها تنشئ السير أو تنشئ

стр. 808

الموج، والأعلام الجبال شبه السفن بها كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ الضمير في عليها للأرض يدل على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر، ويعني بمن عليها بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلّب العقلاء وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الوجه هنا عبارة عن الذات، وذو الجلال صفة للذات لأن من أسمائه تعالى الجليل، ومعناه يقرب من معنى العظيم، وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال في الإسراء [٧] : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المعنى أن كل من في السموات والأرض يسأل حاجته من الله، فمنهم من يسأله بلسان المقال، وهم المؤمنون، ومنهم من يسأله بلسان الحال لافتقار الجميع إليه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ المعنى أنه تعالى يتصرف في ملكوته تصرفا يظهر في كل يوم من العطاء والمنع، والإماتة والإحياء وغير ذلك، وروي أن رسول الله ﷺ قرأها فقيل له وما ذلك الشأن، قال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين «١» وسئل بعضهم. كيف قال: كل يوم هو في شأن والقلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ فقال: هو في شأن يبديه لا في شأن يبتديه. سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ «٢» معناه الوعيد كقولك لمن تهدده: سأفرغ لعقوبتك، وليس المراد التفرغ من شغل، ويحتمل أن يريد انتهاء مدة الدنيا، وإنه حينئذ ينقضي شأنها، فلا يبقى إلا شأن الآخرة فعبّر عن ذلك بالتفرغ. قال الإمام جعفر بن محمد: سمى الإنس والجن ثقلين، كأنهما ثقلا بالذنوب إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا هذا كلام يقال للجن والإنس يوم القيامة أي: إن قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا، وروي أنهم يفرون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد أحاطت بالأرض فيرجعون، وقيل: بل خوطبوا بذلك في الدنيا والمعنى: إن استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا، وقوله: فانفذوا أمر يراد به التعجيز لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة، وليس لكم قوة يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ الشواظ لهيب النار، والنحاس الدخان وقيل: هو الصفر يذاب ويصب على رؤوسهم وقرئ شواظ بضم الشين

стр. 809

وابن كثير بكسرها وهما لغتان وقرئ «١» نحاس بالرفع على شواظ وبالخفض عطف على نار فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ جواب إذا قوله: فيومئذ وقال ابن عطية: جوابها محذوف فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ معنى وردة حمراء كالوردة، وقيل: هو من الفرس الورد، قال قتادة السماء اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء، والدهان جمع دهن كالزيت وشبهه شبه السماء يوم القيامة به لأنها تذاب من شدّة الهول، وقيل: يشبه لمعانها بلمعان الدهن، وقيل: إن الدهان هو الجلد الأحمر فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ السؤال المنفي هنا هو على وجه الاستخبار وطلب المغفرة إذ لا يحتاج إلى ذلك، لأن المجرمين يعرفون بسيماهم، ولأن أعمالهم معلومة عند الله مكتوبة في صحائفهم، وأما السؤال الثابت في قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢] وغيره، فهو سؤال على وجه الحساب والتوبيخ، فلا تعارض بين المنفي والمثبت وقيل: إن ذلك باختلاف المواطن والأول أحسن. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني بعلامتهم وهي سواد الوجوه وغير ذلك، والمجرمون هنا الكفار بدليل قوله: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ قيل معناه: يؤخذ بعض الكفار بناصيته وبعضهم بقدميه، وقيل: بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه فيطوى ويطرح في النار يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ الحميم الماء السخن، والآن الشديد الحرارة، وقيل: الحاضر من قولك آن الشيء إذا حضر، والأول أظهر وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ مقام ربه القيام بين يديه للحساب، ومنه: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين: ٦] ، وقيل: قيام الله بأعماله، ومنه: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] ، وقيل: معناه لمن خاف ربه وأقحم المقام، كقولك: خفت جانب فلان. واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراده؟ أو للصنف الخائف وذلك مبنى على قوله: لمن خاف مقام ربه هل يراد به واحد أو جماعة؟ وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنه خاطب الثقلين فكأنه قال جنة للإنس وجنة للجن، ذَواتا أَفْنانٍ ثنى ذات هنا على الأصل لأن أصله ذوات، قاله ابن عطية، والأفنان جمع فنن وهو الغصن، أو جمع فن

стр. 810

وهو الصنف من الفواكه وغيرها مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أي نوعان وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ الجنا هو ما يجتنى من الثمار، ودان قريب، وروي أن الإنسان يجتنى الفاكهة في الجنة على أي حال كان من قيام أو قعود أو اضطجاع لأنها تتدلى له إذا أرادها وفي قوله جنا الجنتين ضرب من ضروب التجنيس قاصِراتُ الطَّرْفِ ذكر في الصافات [٤٨] لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ المعنى أنهن أبكار، ولم يطمثهن معناه لم يفتضهن، وقيل: الطمث الجماع سواء كان لبكر أو غيرها، ونفي أن يطمثهن إنس أو جان، مبالغة وقصدا للعموم، فكأنه قال لم يطمثهن شيء، وقيل: أراد لم يطمث نساء الإنس إنس ولم يطمث نساء الجن جن، وهذا القول يفيد بأن الجن يدخلون الجنة ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ شبه النساء بالياقوت والمرجان في الحمرة والجمال، وقد ذكرنا المرجان في أول السورة. هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ المعنى أن جزاء من أحسن بطاعة الله أن يحسن الله إليه بالجنة، ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل رسول الله ﷺ فقال له: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «١» ، وذلك هو مقام المراقبة والمشاهدة، فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين الجنتين، ويقوي هذا أنه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام العلي، وجعل جنتين دونها لمن كان دون ذلك، فالجنتان المذكورتان أولا للسابقين، والجنتان المذكورتين ثانيا بعد ذلك لأصحاب اليمين حسبما ورد في الواقعة، وانظر كيف جعل أوصاف هاتين الجنتين، أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما فقال هنا: عينان تجريان وقال في الآخرتين: عينان نضّاختان، والجري أشد من النضخ وقال هنالك: من كل فاكهة زوجان، وقال هنا فاكهة ونخل ورمان، وكذلك صفة الحور هنا أبلغ من صفتها هنالك، وكذلك صفة البسط ويفسر ذلك قول رسول الله ﷺ : جنتان من ذهب آنيتهما وكل ما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وكل ما فيهما «٢» مُدْهامَّتانِ أي تضربان إلى السواد من شدة الخضرةيْنانِ نَضَّاخَتانِ أي تفوران بالماء والنضخ بالخاء المعجمة أشد من النضح بالحاء المهملة فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ خص النخل
следующие страницы →