سورة القيامة
مكية وآياتها ٤٠ نزلت بعد القارعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة القيامة) لا أُقْسِمُ في الموضعين معناه أقسم. ولا زائدة لتأكيد القسم، وقيل: هي استفتاح كلام بمنزلة ألا. وقيل: هي نفي لكلام الكفار بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب، أو التقصير في الطاعات، فإن النفوس على ثلاثة أنواع فخيرها النفس المطمئنة وشرها النفس الأمارة بالسوء وبينهما النفس اللوامة، وقيل: اللوامة هي المذمومة الفاجرة، وهذا بعيد لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم من المخلوقات، ويستقيم إن كان لا أقسم نفيا للقسم أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ الإنسان هنا للجنس، أو الإشارة به للكفار المنكرين للبعث، ومعناه أيظن أن لن نجمع عظامه للبعث بعد فنائها في التراب؟
وهذه الجملة هي التي تدل على جواب القسم المتقدم بَلى تقديره نجمعها قادِرِينَ منصوب على الحال من الضمير في نجمع، والتقدير: نجمعها ونحن قادرون عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ البنان الأصابع، وفي المعنى قولان: أحدهما أنه إخبار بالقدرة على البعث أي قادرين على أن نسوى أصابعه أي نخلقها بعد فنائها مستوية متقنة «١» ، وإنما خص الأصابع دون سائر الأعضاء لدقة عظامها وتفرقها، والآخر أنه تهديد في الدنيا، أي قادرين على أن نجعل أصابعه مستوية، ملتصقة كيد الحمار وخف الجمل، فلا يمكنه تصريف يديه في منافعه. والأول أليق بسياق الكلام بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ هذه الجملة معطوفة على أيحسب الإنسان، ويجوز أن يكون استفهاما مثلها أو تكون خبرا، وليست بل هنا للإضراب عن الكلام الأول بمعنى إبطاله وإنما هي للخروج منه إلى ما بعده، وليفجر:
معناه ليفعل أفعال الفجور، وفي معنى أمامه ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبارة عما يستقبل من
стр. 912
الزمان، أي يفجر بقية عمره الثاني أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدامه إذا لم يرجع عن شيء يريده، والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان، الثالث أن الضمير يعود على يوم القيامة. والمعنى يريد الإنسان أن يفجر قبل يوم القيامة.
يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أيان معناها متى وهذا السؤال على يوم القيامة هو على وجه الاستخفاف والاستعداد بَرِقَ الْبَصَرُ هذا إخبار عن يوم القيامة، وقيل: عن حالة الموت وهذا خطأ لأن القمر لا يخسف عند موت أحد، ولا يجمع بينه وبين الشمس وبرق «١» بفتح الراء معناه لمع وصار له برق وقرئ بكسر الراء ومعناه تحيّر من الفزع، وقيل: معناه شخص فيتقارب معنى الفتح والكسر وَخَسَفَ الْقَمَرُ ذهب ضوؤه، يقال: خسف هو وخسفه الله والخسوف للقمر والكسوف للشمس، وقيل: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف: ذهاب جميعه، وقيل: بمعنى واحد وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ في جمعهما ثلاثة أقوال: أحدها أنهما يجمعان حيث يطلعهما الله من المغرب، والآخر أنهما يجمعان يوم القيامة، ثم يقذفان في النار، وقيل: في البحر، فتكون النار الكبرى. الثالث أنهما يجمعان فيذهب ضوؤهما لا وَزَرَ أي لا ملجأ ولا مغيث بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
أي بجميع أعماله ما قدّم منها في أول عمره وما أخر في آخره، وقيل: ما تقدم في حياته وما أخر من سنة أو وصية بعد مماته، وقيل: ما قدم لنفسه من ماله وما أخر منه لورثته.
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
في معناه قولان: أحدهما: أنه شاهد على نفسه بأعماله، إذ تشهد عليه جوارحه يوم القيامة، والآخر: أنه حجة بينة لأن خلقته تدل على خالقه، فوصف بالبصارة مجازا لأن من نظر فيه أبصر الحق، والأول أليق بما قبله وما بعده كأنه قال: ينبؤ الإنسان يومئذ بأعماله بل هو يشهد بأعماله وإن لم ينبأ بها، وكذلك يلتئم مع قوله: وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
، ويكون هو جواب لو حسبما نذكره وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
فيه قولان، أحدهما: أن المعاذير الأعذار أي الإنسان يشهد على نفسه بأعماله ولو اعتذر عن قبائحها والآخر أن المعاذير: الستور، أي الإنسان يشهد على نفسه يوم القيامة ولو سدل الستور على نفسه في الدنيا، حين يفعل القبائح لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
الضمير في به يعود على القرآن دلت على ذلك قرينة الحال وسبب الآية أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يحرك به شفتيه، مخافة أن ينساه لحينه، فأمره الله أن ينصت ويستمع، وقيل: كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب عليه ذلك، وشق عليه فنزلت
стр. 913
الآية والأول هو الصحيح. لأنه ورد في البخاري وغيره
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
ضمن الله له أن يجمعه في صدره، فلا يحتاج إلى تحريك شفيته عند نزوله، ويحتمل قرآنه هنا وجهين، أحدهما: أن يكون بمعنى القراءة فإن القرآن قد يكون مصدرا من قرأت، والآخر:
أن يكون معناه تأليفه في صدره فهو مصدر من قولك: قرأت الشيء أي جمعته فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
أي إذا قرأه جبريل، فاجعل قراءة جبريل قراءة الله لأنها من عنده، ومعنى اتبع قرآنه اسمع قراءته واتبعها بذهنك لتحفظها، وقيل: اتبع القرآن في الأوامر والنواهي ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أي علينا أن نبينه لك ونجعلك تحفظه، وقيل: علينا أن نبين معانيه وأحكامه، فإن قيل: ما مناسبة قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
الآية لما قبلها فالجواب أنه لعله نزل معه في حين واحد فجعل على ترتيب النزول.
بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ «١» أي تحبون الدنيا، وهذا الخطاب توبيخ للكفار، ومن كان على مثل حالهم في حب الدنيا، وكلا ردع عن ذلك وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ بالضاد أي ناعمة، ومنه نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ هذا من النظر بالعين، وهو نص في نظر المؤمنين إلى الله تعالى في الآخرة، وهو مذهب أهل السنة، وأنكره المعتزلة وتأولوا ناظرة بأن معناه منتظرة، وهذا باطل لأن نظر بمعنى انتظر يتعدى بغير حرف جر، تقول نظرتك أي انتظرتك، وأما المتعدي بإلى فهو من نظر العين، ومنه قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [يونس: ٤٣] وقال بعضهم: إلى هنا ليست بحرف جر وإنما هي واحد الآلاء بمعنى النعم، وهذا تكلف في غاية البعد، وتأوله الزمخشري بأن معناه كقول الناس: فلان ناظر إلى فلان إذا كان يرتجيه ويتعلق به، وهذا بعيد وقد جاء عن النبي ﷺ في النظر إلى الله أحاديث صحيحة مستفيضة صريحة المعنى لا تحتمل التأويل فهي تفسير الآية «٢» . باسِرَةٌ أي عابسة تظهر عليها الكآبة والبسور أشد من العبوس تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ أي مصيبة قاصمة الظهر، والظن هنا يحتمل أن يكون على أصله أو بمعنى اليقين.
إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني حالة الموت والتراقي جمع ترقوة وهو عظام أعلى الصدر،
стр. 914
والفاعل لبلغت نفس الإنسان دل على ذلك سياق الكلام، وهو عبارة عن حال الحشرجة وسياق الموت
وَقِيلَ مَنْ راقٍ
«١» أي قال أهل المريض: من يرقيه عسى أن يشفيه؟
وقيل: معناه أن الملائكة تقول: من يرقى بروحه أي يصعد بها إلى السماء؟ فالأول من الرقية وهو أشهر وأظهر، والثاني من الرقيّ وهو العلو وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ أي تيقن المريض أن ذلك الحال فراق الدنيا وفراق أهله وماله وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ هذا عبارة عن شدة كرب الموت وسكراته، أي التفت ساقه على الأخرى عند السياق وقيل هو مجاز كقوله كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدت، وقيل: معناه ماتت ساقه فلا تحمله وقيل: التفت أي لفها الكافر إذا كفر وفي قوله: الساق والمساق ضرب من ضروب التجنيس إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ هذا جواب إذا بلغت التراقي والمساق مصدر من السوق كقوله: إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: ٢٨] فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى لا هنا نافية وصدّق هنا يحتمل أن يكون من التصديق بالله ورسله أو من الصدقة، ونزلت هذه الآية وما بعدها في أبي جهل يَتَمَطَّى أي يتبختر في مشيته، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء، وكانت هذه المشية معروفة في بني مخزوم الذين كان أبو جهل منهم أَوْلى لَكَ وعيد وتهديد فَأَوْلى وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيدا، وروي أن رسول الله ﵌ لبّب أبا جهل وقال له: إن الله يقول لك: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى. فنزل القرآن بموافقة ذلك.
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً هذا توبيخ ومعناه أيظن أن يترك من غير بعث ولا حساب ولا جزاء، فهو كقوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] ، والإنسان هنا جنس، وقيل نزلت في أبي جهل ولا يبعد أن يكون سببها خاصا ومعناها عام أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى النطفة النقطة وتمنى «٢» من قولك: أمنى الرجل، ومعنى الآية:
الاستدلال بخلقة الإنسان على بعثه، كقوله: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ياسين:
٧٩] والعلق: الدم لأن المني يصير في الرحم دما فَخَلَقَ فَسَوَّى أي خلقه بشرا فسوى صورته أي أتقنها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى هذا تقرير واحتجاج، وروي أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ آخر هذه السورة قال بلى وفي رواية: سبحانك اللهم بلى.
стр. 915
سورة الإنسان
مدنية وآياتها ٣١ نزلت بعد الرحمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الإنسان) هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً هل هنا بمعنى التقرير لا لمجرد الاستفهام، وقيل: هل بمعنى قل، والإنسان هنا جنس، والحين الذي أتى عليه حين كان معدوما قبل أن يخلق، وقيل: الإنسان هنا آدم، والحين الذي أتى عليه حين كان طينا قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا ضعيف لوجهين أحدهما قوله: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ وهو هنا جنسها باتفاق إذ لا يصح هنا في آدم، والآخر أن مقصد الآية تحقير الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين وقيل: مشج بوزن عدل، وقال الزمخشري: ليس أمشاج بجمع وإنما هو مفرد كقولهم: برمة أعشار، ولذلك أوقع صفة للمفرد واختلف في معنى الأخلاط هنا فقيل: اختلاط ماء الرجل والمرأة وقيل: معناه ألوان وأطوار، أي يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة نَبْتَلِيهِ أي نختبره وهذه الجملة في موضع الحال أي: خلقناه مبتلين له وقيل: معناه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً هذا معطوف على خلقنا الإنسان، ومن جعل نبتليه بمعنى نصرفه في بطن أمه فهذا عطف عليه، وقيل أن نبتليه مؤخر في المعنى أي جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه وهذا تكلف بعيد.
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي سبيل الخير والشر ولذلك قسم الإنسان إلى قسمين شاكرا أو كفورا وهما حالان من الضمير في هديناه والهدى هنا بمعنى: بيان الطريقين، وموهبة العقل الذي يميز به بينهما، ويحتمل أن يكون بمعنى الإرشاد، أي هدى المؤمن للإيمان والكافر للكفر. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]
سلاسلا «١» من قرأه بغير تنوين فهو الأصل إذ هو لا ينصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد. ومن قرأه بالتنوين فله ثلاث توجيهات:
стр. 916
أحدها أنها لغة لبعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا ما كان على وزن أفعل والآخر أن النون بدل من حرف الإطلاق، وأجرى الوصل مجرى الوقف والثالث أن يكون صاحب هذه القراءة راوية للشعر، قد عوّد لسانه صرف ما لا ينصرف فجرى على ذلك الْأَبْرارَ جمع بار أو برّ، ومعناه العاملون بالبر وهو غاية التقوى والعمل الصالح حتى قال بعضهم:
الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر مِنْ كَأْسٍ ذكر في الصافات [٤٥] معنى الكأس ومن هنا يحتمل أن تكون للتبعيض أو لابتداء الغاية مِزاجُها كافُوراً أي تمزج الخمر بالكافور وقيل: المعنى أنه كافور في طيب رائحته كما تمدح طعاما فتقول هذا مسك عَيْناً بدل من كافورا على القول بأن الخمر تمزج بالكافور، أو بدل من موضع من كأس على القول الآخر كأنه قال: يشربون خمرا خمر عين وقيل: هو مفعول يشربون وقيل منصوب بإضمار فعل يَشْرَبُ بِها قال ابن عطية: الباء زائدة والمعنى يشربها وهذا ضعيف لأن الباء إنما تزاد في مواضع ليس هذا منها، وإنما هي كقولك: شربت الماء بالعسل لأن العين المذكورة تمزج بها الكأس من الخمر عِبادُ اللَّهِ وصفهم بالعبودية، وفيه معنى التشريف والاختصاص. كقوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: ٦٣] يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي يفجرونها حيث شاؤوا من منازلهم تفجيرا سهلا لا يصعب عليهم، وفي الأثر أن في قصر النبي ﷺ في الجنة عينا تفجر إلى قصور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين مُسْتَطِيراً أي منتشرا شائعا ومنه، استطار الفجر: إذا انشق ضوؤه.
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ نزلت هذه الآية وما بعدها في علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ﵃ «١» فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا فطورهم ليأكلوه جاء مسكين فرفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما وضعوا فطورهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين فلما وضعوا فطورهم جاء أسير فدفعوه له، وباتوا طاوين والآية على هذا مدنية لأن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة وقيل: إنما هي مكية وليست في علي عَلى حُبِّهِ الضمير للطعام أي يطعمونه مع حبه والحاجة إليه فهو كقوله:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] وقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] ففي قوله على حبه تتميم وهو من أدوات البيان وقيل: الضمير لله وقيل: للإطعام المفهوم من يطعمون والأول أرجح وأظهر مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً قد ذكرنا المسكين واليتيم وأما الأسير ففيه خمسة أقوال أحدها أن الأسير الكافر بين المسلمين ففي إطعامه أجر لأنه: «في كل ذي كبد رطبة أجر» «٢» وقيل نسخ ذلك
стр. 917
بالسيف، والآخر: أنه الأسير المسلم إذا خرج من دار الحرب لطلب الفدية والثالث أنه المملوك الرابع أنه المسجون الخامس أنه المرأة لقوله «١» ﷺ : استوصوا بالنساء خيرا لأنهن عوان عندكم وهذا بعيد والأول أرجح لأنه روي أن النبي ﷺ كان يؤتى بالأسير المشرك فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن إليه
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه وأكدوه بقولهم: لا نريد منكم جزاء ولا شكورا والشكور مصدر كالشكر ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوا في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد يَوْماً عَبُوساً وصف اليوم بالعبوس مجاز على وجهين: أحدهما أن يوصف اليوم بصفة أهله كقولهم:
نهاره صائم وليله قائم. وروي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه مثل القطران والآخر يشبّه في شدّته بالأسد العبوس قَمْطَرِيراً قال ابن عباس: معناه طويل وقيل: شديد.
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً النضرة: التنعم. وهذا في مقابلة عبوس الكافر. وقوله:
وقاهم ولقاهم من أدوات البيان بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على الجوع وإيثار غيرهم على أنفسهم، حسبما ذكرنا من قصة علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وقد ذكرنا الأرائك «٢» لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً عبارة عن اعتدال هوائها أي ليس فيها حر ولا برد، والزمهرير هو البرد الشديد، وقيل: هو القمر بلغة طيء، والمعنى على هذا أن للجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها معناه أن ظلال الأشجار متدلية عليهم قريبة منهم، وإعراب دانية معطوف على متكئين، وقال الزمخشري: هو معطوف على الجملة التي قبلها وهي: لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، لأن هذه الجملة في حكم المفرد تقديره: غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، أي جامعين بين البعد عن الحر والبرد وبين دنو الظلال، وقيل: هو صفة لجنة عطف بالواو كقولك: فلان عالم وصالح. وقيل: هو معطوف عليها أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا القطوف جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب، وشبه ذلك، وتذليلها هو أن تتدلى إلى الأرض، وروي أن أهل الجنة يقطعون الفواكه على أي حال كانوا من قيام أو جلوس أو اضطجاع، لأنها تتدلى لهم كما يريدون، وهذه الجملة في موضع الحال من دانية، أي دانية في حال تذليل قطوفها أو معطوفة عليها.
بِآنِيَةٍ هي جمع إناء ووزنها أفعلة وقد ذكرنا الأكواب في الواقعة قَوارِيرَا القوارير هي الزجاج، فإن قيل: كيف يتفق أنها زجاج مع قوله من فضة؟ فالجواب: أن
стр. 918
المراد أنها في أصلها من فضة وهي تشبه الزجاج في صفائها وشفيفها، وقيل: هي من زجاج، وجعلها من فضة على وجه التشبيه لشرف الفضة وبياضها، ومن قرأ قوارير بغير تنوين فهو على الأصل ومن نوّنه «١» فعلى ما ذكرنا في سلاسل
قَدَّرُوها تَقْدِيراً هذه صفة للقوارير والمعنى قدّروها على قدر الأكف أو على قدر ما يحتاجون من الشراب، قال مجاهد: هي لا تغيض ولا تفيض، وقيل: قدروها على حسب ما يشتهون، والضمير الفاعل في قدّروها يحتمل أن يكون للشاربين بها أو للطائفين بها مِزاجُها زَنْجَبِيلًا هو كما ذكرنا في مزاجها كافورا سَلْسَبِيلًا معناه سلسل منقاد الجرية، وقيل: سهل الانحدار في الحلق، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل بمعنى واحد. وزيدت الباء في التركيب للمبالغة في سلاسته، فصارت الكلمة خماسية، وقيل: سل فعل أمر سبيلا مفعول به وهذا في غاية الضعف وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ذكر في الواقعة لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً شبههم باللؤلؤ في الحسن والبياض، وبالمنثور منه في كثرتهم وانتشارهم في القصور.
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الإطلاق في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثمّ صلة لما، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة مُلْكاً كَبِيراً يعني كثرة ما أعطاهم الله، حتى إن أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسبما ورد في الحديث «٢» وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك عالِيَهُمْ «٣» بسكون الياء مبتدأ خبره ثِيابُ سُندُسٍ أي ما يعلوهم من الثياب ثياب سندس، وقرئ عاليهم بالنصب على الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم. وقال ابن عطية: العامل فيه لقّاهم أو جزاهم، وقال أيضا يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ خُضْرٌ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس وَحُلُّوا وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل كيف قال هنا أساور من فضة، وفي موضع آخر أساور من
стр. 919
ذهب؟ فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» «١» . فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويحتمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معا شَراباً طَهُوراً أي ليس بنجس كخمر الدنيا. وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولا
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى والملائكة آثِماً أَوْ كَفُوراً أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع النوعين، فاعلا للإثم ولا كفورا، وقيل:
هي بمعنى الواو أي جامعا للوصفين لأن هذه هي حالة الكفار، وروي أن الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصا بُكْرَةً وَأَصِيلًا هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء.
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي الدنيا والإشارة إلى الكفار واليوم الثقيل يوم القيامة، ووصفه بالثقل عبارة عن هوله وشدته وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ الأسر الخلقة وقيل: المفاصل والأوصال، وقيل: القوة بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا أي أهلكناهم وأبدلنا منهم غيرهم. وقيل:
مسخناهم فبدلنا صورهم وهذا تهديد إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ الإشارة إلى الآية أو السورة أو الشريعة بجملتها فَمَنْ شاءَ تحضيض وترغيب ثم قيّد مشيئتهم بمشيئة الله وَالظَّالِمِينَ منصوب بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين.
стр. 920
سورة المرسلات
مكية إلا آية ٤٨ فمدنية وآياتها ٥٠ نزلت بعد الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة المرسلات) اختلف في معنى المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات على قولين: أحدهما أنها الملائكة والآخر أنها الرياح. فعلى القول بأنها الملائكة سماهم المرسلات لأن الله تعالى يرسلهم بالوحي وغيره، وسماهم العاصفات لأنهم يعصفون كما تعصف الرياح في سرعة مضيهم إلى امتثال أوامر الله تعالى، وسماهم ناشرات لأنهم ينشرون أجنحتهم في الجو، وينشرون الشرائع في الأرض، أو ينشرون صحائف الأعمال وسماهم الفارقات لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، وعلى القول بأنها الرياح، سماها المرسلات لقوله اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ [الروم: ٤٨] وسماها العاصفات من قوله: رِيحٌ عاصِفٌ أي شديدة، وسماها الناشرات لأنها تنشر السحاب في الجو ومنه قوله: يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [الروم: ٤٨] وسماها الفارقات لأنها تفرق بين السحاب ومنه قوله: فيجعله كسفا وأما الملقيات ذكرا فهم الملائكة لأنهم يلقون الذكر للأنبياء ﵈، والأظهر في المرسلات والعاصفات أنها الرياح لأن وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات أنها الملائكة لأن الوصف بالفارقات أليق بهم من الرياح، ولأن الملقيات المذكورة بعدها هي الملائكة ولم يقل أحد أنها الرياح، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء فقال: والمرسلات فالعاصفات ثم عطف ما ليس من جنس بالواو فقال: والناشرات ثم عطف عليه المتجانسين بالفاء وقد قيل في المرسلات والملقيات أنهم الأنبياء ﵈ عُرْفاً معناه: فضلا وإنعاما وانتصابه على أنه مفعول من أجله وقيل: معناه متتابعة وهو مصدر في موضع الحال وأما عصفا ونشرا وفرقا فمصادر، وأما ذكرا فمفعول به عُذْراً أَوْ نُذْراً العذر فسّره ابن عطية وغيره بمعنى: إعذار الله إلى عباده لئلا تبقى لهم حجة أو عذر. وفسره الزمخشري بمعنى الاعتذار. يقال: عذر إذا محا الإساءة، وأما نذرا فمن الإنذار وهو التخويف وقرأ الأعشى التميمي بضم الذال في الموضعين وبقية القراء
стр. 921
بإسكانها، ويحتمل أن يكونا مصدرين فيكون نصبهما على البدل من ذكرا أو مفعولا بذكر، أو يحتمل أن يكون عذرا جمع عذير أو عاذر، ونذرا جمع نذير فيكون نصبهما على الحال
إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ يعني البعث والجزاء وهو جواب القسم فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أي زال ضوؤها وقيل: محيت وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أي انشقت وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أي صارت غبارا وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي جعل لها وقت معلوم، فحان ذلك الوقت وجمعت للشهادة على الأمم يوم القيامة وقرأ أبو عمرو وقّتت بالواو وهو الأصل، والهمزة بدل من الواو لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ هو من الأجل كما أن التوقيت من الوقت، وفيه توقيف [سؤال] يراد به تعظيم لذلك اليوم ثم بينه بقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ أي يفصل فيه بين العباد ثم عظّمه بقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تكراره في هذه السورة قيل: إنه تأكيد وقيل: بل في كل آية ما يقتضي التصديق فجاء ويل يومئذ للمكذبين راجعا إلى ما قبله في كل موضع منها.
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ يعني الكفار المتقدمين، كقوم نوح وغيرهم ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعني قريشا وغيرهم من الكفار بمحمد ﷺ ، وهذا وعيد لهم ظهر مصداقه يوم بدر وغيره كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي مثل هذا الفعل نفعل بكل مجرم يعني الكفار أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني المني، والمهين الضعيف فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ يعني رحم المرأة إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ يعني وقت الولادة، وهو معلوم عند تسعة أشهر، أو أقل منها أو أكثر فَقَدَرْنا بالتشديد من التقدير «١» وبالتخفيف من القدرة، فإذا كان من القدرة اتفق مع قوله فنعم القادرون، وإذا كان من التقدير فهو تجنيس أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً الكفات من: كفت إذا ضم وجمع. فالمعنى أن الأرض تكفت الأحياء على ظهرها، والموتى في بطنها. وانتصب أحياء وأمواتا على أنه مفعول بكفاتا لأن الكفات اسم لما يضم ويجمع، فكأنه قال: جامعة أحياء وأمواتا ويجوز أن يكون المعنى: تكفتهم أحياء وأمواتا. فيكون نصبهما على الحال من الضمير، وإنما نكّر أحياء وأمواتا للتفخيم ودلالة على كثرتهم رَواسِيَ يعني الجبال شامِخاتٍ أي مرتفعات ماءً فُراتاً أي
стр. 922
حلوا
انْطَلِقُوا خطاب للمكذبين وقرأ يعقوب بفتح اللام على أنه فعل ماض ثم كرره لبيان المنطلق إليه إِلى ظِلٍّ يعني دخان جهنم ومنه ظل من يحموم ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ أي يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتظلهم، بينما يكون المؤمنون في ظلال العرش وقيل: إن هذه الآية في عبدة الصليب لأنهم على ثلاثا شعب فيقال لهم انطلقوا إليه لا ظَلِيلٍ نفى عنه أن يظلهم كما يظل العرش المؤمنين ونفى أيضا أن يمنع عنهم اللهب إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ الضمير في إنها لجهنم والقصر واحد القصور، وهي الديار العظام شبه الشرر به في عظمته وارتفاعه في الهواء، وقيل: هو الغليظ من الشجر واحده قصرة كجمرة وجمر كأنّه جمالات صفر «١» في الجمالات قولان أحدهما: أنها جمع جمال شبه بها الشرر وصفر على ظاهره لأن لون النار يضرب إلى الصفرة. وقيل: صفر هنا بمعنى سود يقال:
جمل أصفر أي أسود. وهذا أليق بوصف جهنم. الثاني أن الجمالات قطع النحاس الكبار، فكأنه مشتق من الجملة. وقرئ جمالات بضم الجيم وهي قلوس السفن وهي حبالها العظام هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ هذا في مواطن، وقد يتكلمون في مواطن أخر لقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النحل: ١١١] فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ تعجيز لهم وتعريض بكيدهم في الدنيا وتقريع عليه كُلُوا وَاشْرَبُوا يقال لهم ذلك في الجنة بلسان الحال أو بلسان المقال هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ نصب هنيئا على الحال أو على الدعاء كُلُوا وَتَمَتَّعُوا خطاب للكفار على وجه التهديد تقديره: قل لهم كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ هذا إخبار عن حال الكفار في الدنيا، وذكر الركوع عبارة عن الصلاة وقيل: معنى اركعوا اخشعوا وتواضعوا. وقيل: هو إخبار عن حال المنافقين يوم القيامة لأنهم إذا قيل لهم: اركعوا لا يقدرون على الركوع كقوله: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] والأول أشهر وأظهر فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ الضمير للقرآن.
стр. 923
سورة النبأ
مكية وآياتها ٤٠ نزلت بعد المعارج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة النبأ) عَمَّ يَتَساءَلُونَ أصل عمّ عن ما ثم أدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما لأنها استفهامية، تقديرها: عن أي شيء يتساءلون، وليس المراد بها هنا مجرد الاستفهام، وإنما المراد تفخيم الأمر. والضمير في يتساءلون لكفار قريش، أو لجميع الناس ومعناه يسأل بعضهم بعضا عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ هو ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء وغير ذلك، ويتعلق عن النبإ بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: يتساءلون عن النبأ. ووقعت هذه الجملة جوابا عن الاستفهام وبيانا للمسئول عنه كأنه لما قال: عم يتساءلون أجاب فقال يتساءلون عن النبأ العظيم. وقيل: يتعلق عن النبأ بيتساءلون الظاهر والمعنى على هذا لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم؟ والأول أفصح وأبرع وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله: عَمَّ يَتَساءَلُونَ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ إن كان الضمير في يتساءلون لكفار قريش، فاختلافهم أن منهم من يقطع بالتكذيب، ومنهم من يشك أو يكون اختلافهم قول بعضهم سحر، وقول بعضهم شعر وكهانة وغير ذلك، وإن كان الضمير لجميع الناس فاختلافهم أن منهم المؤمن والكافر.
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ردع وتهديد ثم كرره للتأكيد أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أي فراشا، وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة التوقيف [السؤال] ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث كأنه يقول: إن الإله الذي قدر على خلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجة على التوحيد لأن الذي خلق هذه المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له وَالْجِبالَ أَوْتاداً شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي من زوجين ذكرا وأنثى، وقيل: معناه أنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي راحة لكم، وقيل: معناه
стр. 924
قطعا للأعمال والتصرف. والسبت: القطع. وقيل: معناه موتا لأن النوم هو الموت الأصغر، ومنه قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: ٤٢]
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً شبهه بالثياب التي تلبس لأنه ستر عن العيون وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي تطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري: معناه يعاش فيه فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السبات، الذي بمعنى الموت وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني السموات وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني الشمس.
والوهّاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل: الحار الذي يضطرم من شدة لهبه وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً يعني: المطر. والمعصرات: هي السحاب وهو مأخوذ من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء أو من العصرة بمعنى الإغاثة. ومنه: وفيه يعصرون، وقيل: هي السموات وقيل: الرياح والثجّاج السريع الاندفاع لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً الحب هو القمح والشعير وسائر الحبوب والنبات هو العشب وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً أي ملتفة وهو جمع لف بضم اللام، وقيل: بالكسر وقيل: لا واحد له كانَ مِيقاتاً أي في وقت معلوم.
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يعني نفخة القيام من القبور فَتَأْتُونَ أَفْواجاً أي جماعات فَكانَتْ أَبْواباً «١» أي تنفخ فتكون فيها شقاق كالأبواب وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي حملت فَكانَتْ سَراباً عبارة عن تلاشيها وفنائها والسراب في اللغة: ما يظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا شيء مِرْصاداً أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفار ليدخلوها وقيل: معناه طريقا للمؤمنين يمرون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم مَآباً أي مرجعا لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، وقيل إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي ﷺ أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس:
ثلاثون سنة وقيل ثلاثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقابا، كلما انقضى حقب جاء آخر إلى غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً» وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل: هي في عصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: وكذبوا بآياتنا وقيل: معناها أنهم يبقون أحيانا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، ثم يبدل لهم نوع آخر
стр. 925
من العذاب
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً أي لا يذوقون برودة تخفف عنهم حر النار.
وقيل: لا يذوقون ماء باردا وقيل: البرد هنا النوم والأول أظهر إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً استثناء من الشراب وهو متصل، والحميم: الماء الحار. والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة داود [ص: ٥٧] جَزاءً وِفاقاً أي موافقا أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقا مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً هذا مثل لا يرجون لقاءنا وقد ذكر «١» كِذَّاباً بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال رسول الله ﷺ : «ما نزل في أهل النار أشد من هذه الآية» «٢» .
مَفازاً أي موضع فوز يعني الجنة حَدائِقَ أي بساتين وَكَواعِبَ جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها أَتْراباً أي على سن واحد وَكَأْساً دِهاقاً أي ملأى وقيل: صافية والأول أشهر عَطاءً حِساباً أي كافيا من أحسب الشيء إذا كفاه، وقيل:
معناه على حسب أعمالهم رَبِّ السَّماواتِ بالرفع «٣» مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر وبالخفض صفة لربك، والرحمن بالخفض صفة، وبالرفع خبر المبتدأ أو خبر ابتداء مضمر لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً قال ابن عطية: الضمير للكفار أي لا يملكون أن يخاطبوه بمقدرة ولا غيرها، وقيل: المعنى لا يقدرون أن يخاطبهم كقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وقال الزمخشري:
الضمير لجميع الخلق أي ليس بأيديهم شيء من خطاب الله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قيل هو جبريل، وقيل: ملك عظيم يكون هو وحده صفا والملائكة صفا، وقيل: يعني أرواح بني آدم فهو اسم جنس ويوم يتعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون لا يَتَكَلَّمُونَ الضمير للملائكة والروح، أي تمنعهم الهيبة من الكلام إلا من بعد أن يأذن الله لهم. وقول الصواب يكون في ذلك الموطن على هذا. وقيل: الضمير للناس خاصة والصواب المشار إليه قول: لا إله إلا الله أي من قالها في الدنيا ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي الحق وجوده ووقوعه فَمَنْ شاءَ
стр. 926
تخصيص وترغيب
اباً قَرِيباً
يعني عذاب الآخرة ووصفه بالقرب لأن كل آت قريب، أو لأن الدنيا على آخرهاوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
المرء هنا عموم في المؤمن والكافر، وقيل: هو المؤمن وقيل: هو الكافر والعموم أحسن، لأن كل أحد يرى ما عمل لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة الآية يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
يتمنى أن يكون يوم القيامة ترابا فلا يحاسب ولا يجازى، وقيل: تمنى أن يكون في الدنيا ترابا أي لم يخلق، وروي أن البهائم تحشر ليقتص لبعضهم من بعض ثم ترد ترابا، فيتمنى الكافر أن يكون ترابا مثلها، وهذا يقوّي الأول، وقيل: الكافر هنا إبليس يتمنى أن يكون خلق من تراب، مثل آدم وذريته لما رأى ثوابهم، وقد كان احتقر التراب في قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] .
стр. 927
سورة النازعات
مكية وآياتها ٤٦ نزلت بعد النبأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة النازعات) اختلف في معنى النازعات والناشطات والسابقات والسابحات والمدبرات، فقيل: إنها الملائكة وقيل: النجوم، فعلى القول بأنها الملائكة سماهم نازعات لأنهم ينزعون نفوس بني آدم من أجسادها، وناشطات لأنهم ينشطونها أي يخرجونها فهو من قولك: نشطت الدلو من البئر: إذا أخرجتها وسابحات لأنهم يسبحون في سيرهم، أي يسرعون فيسبقون فيدبرون أمور العباد، والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمرهم الله وعلى القول بأنها النجوم سماها نازعات لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب، وناشطات لأنها تنشط من برج إلى برج، وسابحات لأنها تسبح في الفلك ومنه كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] فتسبق في جريها فتدبر أمرا من علم الحساب، وقال ابن عطية: لا أعلم خلافا أن المدبرات أمرا الملائكة، وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا. وقد قيل في النازعات والناشطات أنها النفوس، تنزع من معنى النزع بالموت، فتنشط من الأجساد، وقيل: في السابحات والسابقات أنها الخيل وأنها السفن غَرْقاً إن قلنا النازعات الملائكة ففي معنى غرقا وجهان: أحدهما أنها من الغرق أي تغرق الكفار في جهنم، والآخر أنه من الإغراق في الأمر، بمعنى المبالغة فيه، أي تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله، وإن قلنا إنها النفوس، فهو أيضا من الإغراق أي تغرق في الخروج من الجسد، والإعراب غرقا مصدر في موضع الحال، ونشطا وسبحا وسبقا مصادر، وأمرا مفعول به، وجواب القسم محذوف، وهو بعث الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وقيل: الجواب يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة على تقدير حذف لام التأكيد، وقيل: هو «إن في ذلك لعبرة لمن يخشى» وهذا بعيد لبعده عن القسم، ولأنه إشارة إلى قصة فرعون لا لمعنى القسم.
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قيل: الراجفة النفخة الأولى في الصور، والرادفة النفخة الثانية: لأنها تتبعها ولذلك سماها رادفة من قولك: ردفت الشيء إذا تبعته، وفي
стр. 928
الحديث أن بينهما أربعين عاما، وقيل: الراجفة: الموت والرادفة: القيامة، وقيل: الراجفة الأرض، من قوله تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [المزمل: ١٤] والرادفة السماء لأنها تنشق يومئذ. والعامل في يوم ترجف محذوف وهو الجواب المقدر تقديره: لتبعثن يوم ترجف الراجفة وإن جعلنا يوم ترجف الجواب فالعامل في يوم معنى قوله قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ وقوله:
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ في موضع الحال، ويحتمل أن يكون العامل فيه تتبعها
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ أي شديدة الاضطراب، والوجيف والوجيب بمعنى واحد، وارتفع قلوب بالابتداء وواجفة خبره، وقال الزمخشري: واجفة صفة، والخبر أبصارها خاشعة أَبْصارُها خاشِعَةٌ كناية عن الذل والخوف، وإضافة الأبصار إلى القلوب على تجوز والتقدير: قلوب أصحابها.
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً هذا حكاية قول الكفار في الدنيا، ومعناه على الجملة إنكار البعث، فالهمزة في قوله «أإنا لمردودون» للإنكار. ولذلك اتفق العلماء على قراءته بالهمزتين، إلا أن منهم من سهّل الثانية ومنهم من خففها. واختلفوا في إذا كنا عظاما نخرة فمنهم من قرأه بهمزة واحدة لأنه ليس بموضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيدا للإنكار المتقدم، ثم اختلفوا في معنى الحافرة على ثلاثة أقوال: أحدها أنها الحالة الأولى. يقال: رجع فلان في حافرته إذا رجع إلى حالته الأولى.
فالمعنى أإنا لمردودون إلى الحياة بعد الموت والآخر أن الحافرة الأرض بمعنى محفورة فالمعنى أإنا لمردودون إلى وجه الأرض بعد الدفن في القبور والثالث أن الحافرة النار والعظام النخرة البالية المتعفنة وقرأ [حمزة والكسائي وأبو بكر] ناخرة بألف [والباقون] بحذف الألف وهما بمعنى واحد إلا أن حذف الألف أبلغ لأن فعل أبلغ من فاعل وقيل:
معناه العظام المجوفة التي تمر بها الريح فيسمع لها نخير، والعامل في إذا كنا محذوف تقديره إذا كنا عظاما نبعث، ويحتمل أن يكون العامل فيه مردودون في الحافرة ولكن إنما يجوز ذلك على قراءة إذا كنا بهمزة واحدة على الخبر، ولا يجوز على قراءته بهمزتين. لأن همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ الكرة الرجعة والخاسرة منسوبة إلى الخسران كقوله: عيشة راضية، أي ذات رضى أو معناه خاسر أصحابها ومعنى هذا الكلام أنهم قالوا: إن كان البعث حقا فكرّتنا خاسرة، لأنا ندخل النار.
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني النفخة في الصور للقيام من القبور. وهذا من كلام الله تعالى ردّا على الذين أنكروا البعث كأنه يقول: لا تظنوا أنه صعب على الله [بل] هو عليه يسير، فإنما ينفخ نفخة واحدة في الصور فيقوم الناس من قبورهم فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ إذا هنا فجائية والساهرة وجه الأرض، والباء ظرفية والمعنى: إذا نفخ في الصور حصلوا بالأرض أسرع شيء.
стр. 929
هَلْ أَتاكَ توقيف [سؤال] وتنبيه وليس المراد به مجرد الاستفهام طُوىً ذكر في طه: ١٢ اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ تفسير للنداء هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى «١» أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم وقيل: تقول لا إله إلا الله والأول أعم الْآيَةَ الْكُبْرى قلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وجعلهما واحدة لأن الثانية تتبع الأولى، ويحتمل أن يريد الأولى وحدها ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى الإدبار كناية عن الإعراض عن الإيمان، ويسعى عبارة عن جده في الكفر، وفي إبطال أمر موسى ﵇ وقيل: هو حقيقة. أي قام من مجلسه يفر من مجالسة موسى أو يهرب من العصا لما صارت ثعبانا فَحَشَرَ أي جمع جنوده وأهل مملكته فَنادى أي نادى قومه وقال لهم ما قال، ويحتمل أنه ناداهم بنفسه، أو أمر من يناديهم، والأول أظهر. وروى أنه قام فيهم خطيبا فقال ما قال فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى النكال مصدر بمعنى التنكيل، والعامل فيه أخذه الله لأنه بمعناه وقيل: العامل محذوف، والآخرة هي: دار الآخرة والأولى: الدنيا فالمعنى نكال الآخرة بالنار ونكال الأولى بالغرق. وقيل: الآخرة قوله: أنا ربكم الأعلى والأولى قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] وقيل: بالعكس فالمعنى أخذه الله وعاقبه على كلمة الآخرة وكلمة الأولى.
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ هذا توقيف [سؤال] قصد به الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد فنائها رَفَعَ سَمْكَها السمك: غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها. ومعنى رفعه أنه جعله مسيرة خمسمائة عام وقيل: السّمك السقف فَسَوَّاها أي أتقن خلقتها وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض وَأَغْطَشَ لَيْلَها أي جعله مظلما يقال: غطش الليل إذا أظلم. وأغطشه الله وَأَخْرَجَ ضُحاها أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى، وأضاف الضحى والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي بسطها واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة غير كروية وقد ذكرنا في فصلت [١١] الجمع بين هذا وبين قوله ثم استوى إلى السماء أَخْرَجَ مِنْها ماءَها ومرعاها نسب الماء والمرعى إلى الأرض، لأنهما يخرجان منها فإن قيل: لم قال
стр. 930
أخرج بغير حرف العطف؟ فالجواب أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري
وَالْجِبالَ أَرْساها أي أثبتها ونصب الجبال بفعل مضمر يدل عليه الظاهر وكذلك الأرض مَتاعاً لَكُمْ تقديره: فعل ذلك كله تمتيعا لكم منه وَلِأَنْعامِكُمْ لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بما ذكر.
الطَّامَّةُ هي القيامة وقيل: النفخة الثانية واشتقاقها من قولك: طمّ الأمر إذا علا وغلب وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى أي أظهرت لكل من يرى، فهي لا تخفى على أحد مَقامَ رَبِّهِ ذكر في سورة الرحمن [٤٦] وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى أي ردها عن شهواتها وأغراضها الفاسدة قال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه. وقال سهل التستري: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين أَيَّانَ مُرْساها ذكر في الأعراف: ١٨٧ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي من ذكر زمانها فالمعنى لست في شيء من ذكر ذلك قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة كثيرا فلما نزلت هذه الآية انتهى «١» إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي منتهى علمها لا يعلم متى تكون إلا هو وحده إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها أي: إنما بعثت لتنذر بها، وليس عليك الإخبار بوقتها، وخص الإنذار بمن يخشاها لأنه هو الذي ينفعه الإنذار لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها أخبر أنهم إذا رأوا الساعة ظنوا أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا عشية يوم أو ضحى يوم، وأضاف الضحى كذلك إلى العشية لما بينهما من الملابسة إذ هما في يوم واحد.
стр. 931
سورة عبس
مكية وآياتها ٤٢ نزلت بعد النجم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة عبس) سبب نزول صدر هذه السورة أن رسول الله ﷺ كان حريصا على إسلام قريش، وكان يدعو أشرافهم إلى الله تعالى ليسلموا فيسلم بإسلامهم غيرهم، فبينما هو مع رجل من عظمائهم قيل: هو الوليد بن المغيرة وقيل: عتبة بن ربيعة وقيل: أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كانوا جماعة إذ أقبل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم عنه بتشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطع الأعمى كلامه، فعبس وأعرض عنه.
وذهب الرجل الذي كان مع رسول الله ﷺ . فنزلت الآية فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك يقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه، وقد استخلفه على المدينة مرتين عَبَسَ وَتَوَلَّى أي عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه، قال ابن عطية: في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار، وقال غيرهما، هو إكرام للنبي ﷺ وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب وهذا أحسن أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بتولى أو عبس. وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره، وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يشهد صاحبها ومنه قول المحدثين:
سليمان الأعمش، وعبد الرحمن الأعرج وغير ذلك وَما يُدْرِيكَ أي أيّ شيء يطلعك على حال هذا الأعمى لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي يتطهر وينتفع في دينه بما يسمع منك «١» .
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى «٢» أي تتعرّض للغنى رجاء أن يسلم وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أي لا حرج عليك أن لا يتزكى هذا الغني وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى إشارة إلى عبد الله بن أم مكتوم، ومعنى يسعى يسرع في مشيه من حرصه في طلب الخير وَهُوَ يَخْشى الله أو يخاف
стр. 932
الكفار وإذايتهم له على اتباعك، وقيل: جاء وليس معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع وهذا ضعيف
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تشتغل عنه بغيره من قولك: لهيت عن الشيء إذا تركته، وروي أن رسول الله ﷺ تأدّب بما أدبه الله في هذه السورة فلم يعرض بعدها عن فقير ولا تعرّض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء.
كَلَّا ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه إِنَّها تَذْكِرَةٌ فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الكلام المتقدّم تذكرة أو موعظة للنبي ﷺ ، والآخر أن القرآن تذكرة لجميع الناس، فلا ينبغي أن يؤثر فيه أحد على أحد، وهذا أرجح لأنه يناسبه: فمن شاء ذكره، وما بعده، وأنث الضمير في قوله: إنها تذكرة على معنى القصة أو الموعظة أو السورة أو القراءة، وذكّرها في قوله: فمن شاء ذكره على معنى الوعظ أو الذكرى والقرآن فِي صُحُفٍ صفة لتذكرة أي ثابتة في صحف، وهي الصحف المنسوخة من اللوح المحفوظ وقيل: هي مصاحف المسلمين مَرْفُوعَةٍ إن كانت الصحف المصاحف فمعناه مرفوعة المقدار، وإن كانت صحف الملائكة فمعناه كذلك، أو مرفوعة في السماء ومطهرة أي منزهة عن أيدي الشياطين بِأَيْدِي سَفَرَةٍ هي الملائكة، والسفرة جمع سافر وهو الكاتب لأنهم يكتبون القرآن، وقيل: لأنهم سفراء بين الله وبين عبيده، وقيل: يعني القرّاء من الناس. والأول أرجح. وقد قال رسول الله ﷺ : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة «١» أي أنه يعمل مثل عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أو له من الأجر على القرآن مثل أجورهم.
قُتِلَ الْإِنْسانُ دعاء عليه على ما جرت به عادة العرب من الدعاء بهذا اللفظ، ومعناه تقبيح حاله، وأنه ممن يستحق أن يقال له ذلك، وقيل: معناه لعن وهذا بعيد ما أَكْفَرَهُ تعجيب من شدّة كفره، مع أنه كان يجب عليه خلاف ذلك مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ توقيف [سؤال] وتقرير ثم أجاب عنه بقوله مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ يعني المني ومقصد الكلام تحقير الإنسان ومعناه أنه يجب عليه أن يعظم الرب الذي خلقه فَقَدَّرَهُ أي هيأه لما يصلح له ومنه: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً الفرقان: ٢] ، وقيل: معناه جعله على مقدار معلوم في إعطائه وأجله ورزقه وغير ذلك ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ نصب السبيل بفعل مضمر فسره يسره، وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: يسر سبيل خروجه من بطن أمه والآخر أنه سبيل الخير والشر لقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: ٣] ، الثالث سبيل النظر السديد المؤدي إلى الإيمان، والأول أرجح لعطفه على قوله: من نطفة خلقه فقدره
стр. 933
وهو قول ابن عباس
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعله ذا قبر يقال قبرت الميت إذا دفنته، وأقبرته إذا أمرت أن يدفن ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي بعثه من قبره يقال: نشر الميت إذا قام، وأنشره الله والإشارة إذا شاء ليوم القيامة، أي الوقت الذي يقدر أن ينشره فيه.
كَلَّا ردع للإنسان عما هو فيه لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي لم يقض الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله، قال بعضهم: لا يقضي أحد أبدا جميع ما افترض الله عليه إذ لا بدّ للعبد من تفريط فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أمر بالاعتبار في الطعام كيف خلقه الله بقدرته ويسره برحمته، فيجب على العبد طاعته وشكره ويقبح معصيته والكفر به، وقيل:
فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعا، فينظر حقارة الدنيا وخساسة نفسه، والأول أشهر، وأظهر في معنى الآية على أن القول الثاني صحيح وانظر كيف فسره بقوله أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا «١» وما بعده ليعدّد النعم ويظهر القدرة، وقرئ إنا صببنا الماء بفتح الهمزة على البدل من الطعام ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ يعني يخرج البنات منها حَبًّا يعني القمح والشعير وسائر الحبوب وَقَضْباً قيل: هي الفصفصة، وقيل: هي علف البهائم واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها مما يؤكل رطبا غُلْباً أي غليظة ناعمة وَأَبًّا الأبّ المرعى عند ابن عباس والجمهور، وقيل: التبن وقد توقف في تفسيره أبو بكر وعمر ﵄.
الصَّاخَّةُ القيامة وهي مشتقة من قولك: صخ الأذن إذا أصمها بشدة صياحه، فكأنه إشارة إلى النفخة في الصور، أو إلى شدة الأمر حتى يصخ من يسمعه لصعوبته وقيل: هي من قولك: أصاخ للحديث إذا استمعه، والأول هو الموافق للاشتقاق يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية ذكر فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على ترتيبهم في الحنو والشفقة فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره وإنما يفر منهم لاشتغاله بنفسه وقيل: إن فراره منهم لئلا يطالبوه بالتبعات والأول أرجح وأظهر، لقوله لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره، وانظر قول الأنبياء ﵈، يومئذ نفسي نفسي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي مضيئة من السرور، وهو من قولك: أسفر الصبح إذا أضاء عَلَيْها غَبَرَةٌ أي غبار، والقترة أيضا الغبار. قال ابن عطية:
الغبرة من العبوس والكرب، كما يقتر وجه المهموم والمريض، والقترة هي غبار الأرض، وقال الزمخشري: الغبرة: غبار يعلوها، والقترة سواد فيعظم قبحها باجتماع الغبار والسواد.
стр. 934
سورة التكوير
مكية وآياتها ٢٩ نزلت بعد المسد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة التكوير) ذكر الله في هذه السورة أهوال القيامة، وما يعتري الموجودات حينئذ من التغيير إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال ابن عباس: ذهب ضوءها وأظلمت وقيل: رمى بها وقيل: اضمحلت وأصله من تكوير العمامة لأنها إذا لفت زال انبساطها وصغر جرمها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي تساقطت من مواضعها، وقيل: تغيرت والأول أرجح لأنه موافق لقوله وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وروي أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم ليراها من عبدها، كما قال إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ أي حملت وبعد ذلك تفتتت فتصير هباء ثم تتلاشى وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ العشار جمع عشراء وهي الناقة الحامل التي مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وأعزها فلا تعطل إلا من شدة الهول، وتعطيلها هو تركها سائبة أي ترك حلبها وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي جمعت وفي صفة حشرها ثلاثة أقوال: أحدها أنها تحشر أي تبعث يوم القيامة، ليقتص لبعضها من بعض ثم تكون ترابا. والآخر أنها تحشر بموتها دفعة واحدة عند هول القيامة قاله ابن عباس وقال: إنها لا تبعث وأنه لا يحضر القيامة إلا الإنس والجن والثالث أنها تجمع في أول أهوال القيامة وتفر «١» في الأرض فذلك حشرها.
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ «٢» فيه ثلاثة أقوال: أحدها ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا والآخر ملئت نيرانا لتعذيب أهل النار والثالث فرغت من مائها ويبست وأصله من سجرت التنور إذا ملأتها فالقول الأول والثاني أليق بالأصل. والأول والثالث موافق لقوله فجرت وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن التزويج بمعنى
стр. 935
التنويع لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن والثاني زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور العين والثالث زوجت الأرواح والأجساد أي ردت إليها عند البعث والأول هو الأرجح، لأنه روي عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب وابن عباس
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها، ومن غيرته عليها فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت على وجه التوبيخ لقاتلها، وقرأ ابن عباس وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بضم القاف وسكون اللام وضم التاء واستدل ابن عباس بهذه الآية على أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله ينتصر لهم ممن ظلمهم وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ «١» هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل أحد كتابه، وقبل: هي الصحف التي تتطاير بالإيمان والشمائل بالجزاء وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ الكشط هو التقشير كما يكشط جلدة الشاة حين تسلخ، وكشط السماء هو طيها كطي السجل قاله ابن عطية وقيل: معناه كشفت وهذا أليق بالكشط وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ «٢» أي أوقدت وأحميت.
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أي قربت عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ هذا جواب إذا المكررة في المواضع قبل هذا، ومعناه علمت كل نفس ما أحضرت من عمل، فلفظ النفس مفرد يراد به الجنس والعموم وقال ابن عطية: إنما أفردها ليبين حقارتها وذلتها وقال الزمخشري: هذا من عكس كلامهم الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحجر:
٢] ومعناه التكثير، وكذلك هنا معناه أعم الجموع ما أَحْضَرَتْ عبارة عن الحسنات والسيئات فَلا أُقْسِمُ ذكرت نظائره بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ يعني الدراري السبعة وهي الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والمشتري والزهرة وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر، فيكون النجم في البرج ثم يكرّ راجعا وهي جواري في الفلك، وهي تنكنس في أبراجها أي تستتر وهو مشتق من قولك: كنس الوحش إذا دخل كناسه وهو موضعه وقيل: يعني الدراري الخمسة لأنها تستتر بضوء الشمس وقيل: يعني النجوم كلها، لأنها تخنس في جريها وتنكنس بالنهار أي تستر، وتختفي بضوء الشمس. وقيل: يعني بقر الوحش، فالخنس على هذا من خنس الأنف والكنس من سكناها في كناسها وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ يقال عسعس إذا كان غير مستحكم الظلام فقيل: ذلك في أوله وقيل: في آخره وهذا أرجح، لأن آخر الليل أفضل ولأنه أعقبه بقوله وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي استطار واتسع
стр. 936
ضوؤه
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الضمير للقرآن والرسول الكريم جبريل وقيل: محمد ﵌ قال السهيلي: لا يجوز أن يقال إنه محمد ﵇ لأن الآية نزلت في الرد على الذين قالوا إن محمدا قال القرآن فكيف يخبر الله أنه قوله، وإنما أراد جبريل.
وأضاف القرآن إليه لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى وهذا الذي قال السهيلي لا يلزم، فإنه قد يضاف إلى محمد ﷺ ، لأنه تلقاه عن جبريل ﵇، وجاء به إلى الناس، ومع ذلك فالأظهر أنه جبريل وصفه بقوله: ذي قوة وقد وصف جبريل بهذا لقوله شديد القوى وذو مرة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ يتعلق بذي قوة، وقيل: بمكين، وهذا أظهر والمكين الذي له مكانة أي جاه وتقريب مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ هذا الظرف إشارة إلى الظرف المذكور قبله. وهو عند ذي العرش أي مطاع في ملائكة ذي العرش وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ هو محمد ﷺ باتفاق وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ضمير الفاعل لمحمد ﷺ ، وضمير المفعول لجبريل ﵇، وهذه الرؤية له بغار حراء على كرسي بين السماء والأرض. وقيل: الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، ووصف هذا الأفق بالمبين لأنه روي أنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، وأيضا فكل أفق فهو مبين وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ الضمير للنبي ﷺ . ومن قرأ بالضاد فمعناه بخيل أي لا يبخل بأداء ما ألقى إليه من الغيب، وهو الوحي، ومن قرأ بالظاء «١» فمعناه متهم أي لا يتهم على الوحي، بل هو أمين عليه. ورجح بعضهم هذه القراءة بأن الكفار لم ينسبوا محمدا ﷺ إلى البخل بالوحي بل اتهموه فنفى عنه ذلك وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ الضمير للقرآن فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ خطاب لكفار قريش أي ليس لكم زوال عن هذه الحقائق. وقد تقدم تفسير بقية السورة في نظائره فيما تقدم.
стр. 937
سورة الانفطار
مكية وآياتها ١٩ نزلت بعد النازعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الإنفطار) إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ أي انشقت وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أي سقطت من مواضعها وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ أي فرغت وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أي نبشت على الموتى الذين فيها، وقال الزمخشري: أصله من البعث والبحث فضمت إليها الراء والمعنى بحثت وأخرج موتاها عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ هذا هو الجواب ومعناه: علمت كل نفس جميع أعمالها، وقيل ما قدمت في حياتها وما أخرت مما تركته بعد موتها من سنّتها أو وصيّة أوصت بها، وأفردت النفس والمراد به العموم حسبما ذكرنا في التكوير.
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ خطاب لجنس بني آدم ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ هذا توبيخ وعتاب معناه: أي شيء غرّك بربك حتى كفرت به أو عصيته، أو غفلت عنه فدخل في العتاب الكفار وعصاة المؤمنين، ومن يغفل عن الله في بعض الأحيان من الصالحين. وروي أن رسول الله ﵌ قرأ ما غرّك بربك الكريم فقال: غرّه جهله وقال عمر:
غرّه جهله وحمقه. وقرأ إنه كان ظلوما جهولا، وقيل: غرّه الشيطان المسلط عليه. وقيل:
غرّه ستر الله عليه وقيل: غرّه طمعه في عفو الله عنه. ولا تعارض بين هذه الأقوال لأن كل واحد منهما مما يغرّ الإنسان، إلا أن بعضها يغرّ قوما وبعضها يغر قوما آخرين فإن قيل: ما مناسبة وصفه بالكريم هنا للتوبيخ على الغرور؟ فالجواب أن الكريم ينبغي أن يعبد ويطاع شكرا لإحسانه ومقابلة لكرمه، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر النعمة وأضاع الشكر الواجب فَعَدَلَكَ «١» بالتشديد والتخفيف أي عدل أعضاءك وجعلها متوازية فلم يجعل إحدى اليدين أطول من الأخرى، ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى ولا إحداهما كحلاء
стр. 938
والأخرى زرقاء ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود وشبه ذلك من الموازنة
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ المجرور يتعلق بركبك وما زائدة، والمعنى ركبك في أي صورة شاء من الحسن والقبح، والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، وغير ذلك من اختلاف الصور، ويحتمل أن يتعلق المجرور بمحذوف تقديره: ركبك حاصلا في أي صورة وقيل: يتعلق بعدلك على أن يكون بمعنى صرفك إلى أي صورة شاء هذا بعيد، ولا يمكن إلا مع قراءة عدلك بالتخفيف.
كَلَّا ردع عن الغرور المذكور قبل، والتكذيب المذكور بعد بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ هذا خطاب للكفار والدين هنا يحتمل أن يكون بمعنى الشريعة أو الحساب أو الجزاء وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ يعلمون الأعمال لمشاهدتهم لها، وأما ما لا يرى ولا يسمع من الخواطر والنيات والذكر بالقلب فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك، وقيل إن الملك يجد لها ريحا يدركها به إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ في هذه الآية وفيما بعدها من أدوات البيان المطابقة والترصيع وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ فيه قولان: أحدهما أن معناه لا يخرجون منها إذا دخلوها والآخر لا يغيبون عنها في البرزخ قبل دخولها لأنهم يعرضون عليها غدوا وعشيا وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ تعظيم له وتهويل، وكرّره للتأكيد والمعنى أنه من شدته بحيث لا يدري أحد مقدار هوله وعظمته يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً أي لا يقدر أحد على منفعة أحد وقرأ [ابن كثير وأبو عمرو] يوم بالرفع على البدل من يوم الدين، أو على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على الظرفية بإضمار فعل تقديره فعل يجازون يوم الدين أو النصب على المفعولية بإضمار فعل تقديره اذكر، ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو في موضع رفع.
стр. 939
سورة المطففين
مكية وآياتها ٣٦ نزلت بعد العنكبوت وهي آخر سورة نزلت بمكة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة المطففين) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ التطفيف في اللغة هو البخس والنقص وفسره بذلك الزمخشري واختاره ابن عطية وقيل: هو تجاوز الحد في زيادة أو نقصان واختاره ابن الفرس وهو الأظهر لأن المراد به هنا بخس حقوق الناس في المكيال والميزان، بأن يزيد الإنسان على حقه أو ينقص من حق غيره، وسبب نزول السورة أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطى بالأنقص، فالسورة على هذا مدنية وقيل مكية لذكر أساطير الأولين وقيل: نزل بعضها بمكة. ونزل أمر التطفيف بالمدينة إذ كانوا أشد الناس فسادا في هذا المعنى فأصلحهم الله بهذه السورة الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ معنى اكتالوا على الناس قبضوا منهم بالكيل فعلى بمعنى من وإنما أبدلت منها لما تضمن الكلام من معنى التحامل عليهم، ويجوز أن يتعلق على الناس بيستوفون وقدم المفعول لإفادة التخصيص وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ معنى يخسرون ينقصون حقوق الناس وهو من الخسارة، يقال: خسر الرجل وأخسره غيره إذا جعله يخسر، وكالوهم معناه: كالوا لهم أو وزنوهم معناه وزنوا لهم، ثم حذف حرف الجرّ فانتصب المفعول لأن هذين الفعلين يتعدى كل واحد منهما تارة بنفسه وتارة بحرف الجرّ يقال: كلتك وكلت لك ووزنتك ووزنت لك بمعنى واحد. وحذف المفعول الثاني، وهو المكيل والموزون، والواو التي هي ضمير الفاعل للمطففين والهاء الذي هي ضمير المفعول للناس. فالمعنى إذا كالوا أو وزنوا لهم طعاما أو غيره مما يكال أو يوزن يخسرونهم حقوقهم، وقيل: إن هم في كالوهم أو وزنوهم تأكيد للضمير الفاعل وروي عن حمزة أنه كان يقف على كالوا ووزنوا ثم يبتدئ هم ليبين هذا المعنى وهو ضعيف من وجهين، أحدهما: أنه لم يثبت في المصحف ألف بعد الواو في كالوا ووزنوا فدلّ ذلك على أن هم ضمير المفعول. والآخر أن المعنى على هذا أن المطففين إذا تولوا الكيل أو الوزن نقصوا، وليس ذلك بمقصود لأن الكلام واقع في الفعل لا في المباشر، ألا ترى أنّ اكتالوا على الناس معناه: قبضوا منهم
стр. 940
وكالوهم أو وزنوهم معناه: دفعوا لهم. فقابل القبض بالدفع. وأما على هذا الوجه الضعيف فهو خروج عن المقصود، قال ابن عطية: ظاهر الآية أن الكيل والوزن على البائعين وليس ذلك بالجلي. قال: صدر الآية في المشترين، فهم الذين يستوفون أو يشاحّون ويطلبون الزيادة. وقوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم في البائعين فهم الذين يخسرون المشتري.
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة، وهذا تهديد للمطففين وإنكار لفعلهم، وكان عبد الله بن عمر إذا مر بالبائع يقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ الظرف منصوب بقوله: مبعوثون وقيل: بفعل مضمر أو بدل من يوم عظيم، وقيام الناس يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم من يقوم خمسين ألف سنة وأقل من ذلك حتى أن المؤمن يقوم على قدر الصلاة مكتوبة كَلَّا ردع عن التطفيف أو افتتاح كلام إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ كتاب الفجار هو ما يكتب من أعمالهم، والفجار هنا يحتمل أن يريد به الكفار أو المطففين وإن كانوا مسلمين، والأول أظهر لقوله بعد هذا: ويل يومئذ للمكذبين.
وسجين اسم علم منقول من صفة على وزن فعيل للمبالغة، وقد عظم أمره بقوله: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ، ثم فسره بأنه كِتابٌ مَرْقُومٌ أي مسطور بين الكتابين وهو كتاب جامع يكتب فيه أعمال الشياطين والكفار، والفجار وهو مشتق من السجن بمعنى الحبس، لأنه سبب الحبس والتضييق، في جهنم ولأنه في مكان الهوان والعذاب كالسجن، فقد روي عن النبي ﷺ أنه في الأرض السفلى، وروي عنه أنه في بئر هناك، وحكى كعب عن التوراة أنه في شجرة سوداء هنالك، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية أن عدد الفجار في سجين أي كتبوا هنالك في الأزل أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قد ذكر بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «١» أي غطى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي وفي الحديث «٢» : أن العبد إذا أذنب ذنبا صارت نكتة سوداء في قلبه فإذا زاد ذنب آخر زاد السواد فلا يزال كذلك حتى يتغطى وهو الرين لَمَحْجُوبُونَ حجب
стр. 941
الكفار عن الله، على أن المؤمنين لا يحجبون وقد استدل بها مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن لله في الآخرة، وتأولها المعتزلة أن معناها محجوبون عن رحمته «١»
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ عليّون اسم علم للكتاب الذي تكتب فيه الحسنات، وهذا جمع منقول من صفة علي، على وزن فعيل للمبالغة وقد عظمه بقوله: وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ثم فسره بقوله:
كِتابٌ مَرْقُومٌ وهو مشتق من العلوّ لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في مكان علي، فقد روي عن النبي ﷺ أنه تحت العرش، وقال ابن عباس: هو الجنة وارتفع كتاب مرقوم في الموضعين على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هو كتاب، وقال ابن عطية:
كتاب مرقوم خبر إن والظرف ملغى وهذا تكلف يفسد به المعنى، وقد روى في الأثر ما روي في الآية وهو أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد فإن رضيه الله قال اجعلوه في عليين، وإن لم يرضه قال اجعلوه في سجين يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني الملائكة المقربين (الْأَرائِكِ) قد ذكر (يَنْظُرُونَ) روي عن النبي ﷺ أنه قال ينظرون إلى أعدائهم في النار وقيل:
ينظرون إلى الجنة وما أعطاهم الله فيها نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي بهجته ورونقه، كما يرى في وجوه أهل الرفاهية العافية والخطاب في تعرف للنبي ﵌ أو لكل مخاطب من غير تعيين.
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ الرحيق الخمر الصافية، والمختوم فسره الله بأن ختامه مسك، وقرئ ختامه بألف بعد التاء، وخاتمه بألف بعد الخاء وبفتح التاء وكسرها وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها أنه من الختم على الشيء، بمعنى جعل الطابع عليه فالمعنى أنه ختم على فم الإناء الذي هو فيه بالمسك، كما يختم على أفواه آنية الدنيا بالطين إذا قصد حفظها، وصيانتها الثاني أنه من ختم الشيء أي تمامه فمعناه: خاتم شربه مسك أي يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك ولذته الثالث أن معناه مزاجه مسك أي مزج الشراب بالمسك، وهذا خارج عن اشتقاق اللفظ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ التنافس في الشيء هو الرغبة فيه، والمغالاة في طلبه والتزاحم عليه وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ تسنيم اسم لعين في الجنة، يشرب منها المقربون صرفا، ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار، فالمقربون هم السابقون والأبرار هم أصحاب اليمين عَيْناً منصوب على المدح بفعل مضمر، أو على الحال من تسنيم يَشْرَبُ بِهَا بمعنى يشربها فالباء زائدة ويحتمل أن يكون بمعنى يشرب منها أو كقولك شربت الماء بالعسل.
стр. 942
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ نزلت هذه الآية في صناديد قريش، كأبي جهل وغيره مر بهم عليّ بن أبي طالب ﵁ وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
أي يغمز بعضهم إلى بعض ويشير بعينيه، والضمير في مروا يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للكفار، والضمير في يتغامزون للكفار لا غير فاكهين «١» من الفكاهة وهي اللهو، أي يتفكرون بذكر المؤمنين، والاستخفاف بهم قاله الزمخشري. ويحتمل أن يريد يتفكهون بنعيم الدنيا وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ أي إذا رأى الكفار المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وقيل: إذا رأى المؤمنون الكفار نسبوهم إلى الضلال والأول أظهر وأشهر وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ أي ما أرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وكأنه قال كلامهم بالمؤمنين فضول منهم فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ يعني باليوم يوم القيامة إذ قد تقدم ذكره، فيضحك المؤمنون فيه من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ معنى ثوب جوزي يقال: ثوبه وأثابه إذا جازاه.
وهذه الجملة يحتمل أن تكون متصلة بما قبلها في موضع مفعول ينظرون، فتوصل مع ما قبلها أو تكون توقيفا [سؤالا] فيوقف قبلها ويكون معمول ينظرون محذوفا حسبما ذكرنا في ينظرون الذي قبل هذا وهذا أرجح لاتفاق الموضعين.
стр. 943
سورة الانشقاق
مكية وآياتها ٢٥ نزلت بعد الانفطار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الانشقاق) إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ اختلف في هذا الانشقاق هل هو تشققها بالغمام أو انفتاحها أبوابا، وجواب إذا محذوف ليكون أبلغ في التهويل، إذ يقدّر السامع أقصى ما يتصوره، وحذف للعلم به، اكتفاء بما في سورة التكوير والانفطار من الجواب. وقيل: الجواب ما دل عليه فملاقيه: أي إذا السماء انشقت لقي الإنسان ربه، وقيل: الجواب أذنت على زيادة الواو وهذا ضعيف وَأَذِنَتْ لِرَبِّها معنى أذنت في اللغة: استمعت، وهو عبارة عن طاعتها لربها، وأنها انقادت لله حين أراد انشقاقها، وكذلك طاعة الأرض لما أراد مدّها وإلقاء ما فيها وَحُقَّتْ أي حق لها أن تسمع وتطيع لربها، أو حق لها أن تنشق من أهوال القيامة، وهذه الكلمة من قولهم: هو حقيق بكذا، أو محقوق به. أي: عليه أن يفعله فالمعنى:
يحق على السماء أن تسمع وتطيع لربها، أو يحق عليها أن تتشقق، ويحتمل أن يكون أصله حققت بفتح الحاء وضم القاف على معنى التعجب، ثم أدغمت القاف في القاف التي بعدها ونقلت حركتها إلى الحاء وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أي زال ما عليها من الجبال حتى صارت مستوية وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ أي ألقت ما في جوفها من الموتى للحشر، وقيل: ألقت ما فيها من الكنوز. وهذا ضعيف لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال قبل القيامة، والمقصود ذكر يوم القيامة، وتخلت أي بقيت خالية مما كان فيها.
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ خطاب للجنس إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ الكدح في اللغة هو: الجد والاجتهاد والسرعة، فالمعنى أنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير، وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك، وقيل: المعنى إنك ذو جد فيما تعمل من خير أو شر، ثم تلقى ربك فيجازيك به والأول أظهر، لأن كادح تعدى بإلى لما تضمن معنى السير، ولو كان بمعنى العمل لقال: لربك فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ذكر في الحاقة
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
стр. 944
يحتمل أن يكون اليسير بمعنى قليل، أو بمعنى هيّن سهل، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: من نوقش الحساب عذّب. فقالت عائشة ألم يقل الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا.
فقال رسول الله ﷺ إنما ذلك العرض وأما من نوقش الحساب فيهلك «١» . وفي الحديث أيضا عن رسول الله ﷺ إن الله يدني العبد يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه فيقول: فعلت كذا وكذا ويعدد عليه ذنوبه ثم يقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم «٢» ، وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «من حاسب نفسه في الدنيا هون الله عليه حسابه يوم القيامة» «٣» وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً أي يرجع إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعطاه الله، والأهل: زوجاته في الجنة من نساء الدنيا أو من الحور العين، ويحتمل أن يريد قرابته من المؤمنين، وبذلك فسره الزمخشري.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ يعني: الكافر. وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان من فضلاء المؤمنين وفي أخيه أسود، وكان من عتاة الكافرين، ولفظها أعم من ذلك فإن قيل: كيف قال في الكافر هنا أن يؤتى كتابه وراء ظهره وقال في الحاقة بشماله؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه، وقيل: تدخل يده اليسرى في صدره وتخرج من ظهره فيأخذ بها كتابه يَدْعُوا ثُبُوراً أي يصيح بالويل والثبور «٤» إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً أي كان في الدنيا مسرورا مع أهله، متنعما غافلا عن الآخرة، وهذا في مقابلة ما حكي عن المؤمن أنه ينقلب إلى أهله مسرورا في الجنة، وهو ضد ما حكي عن المؤمنين في الجنة من قولهم: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي لا يرجع إلى الله، والمعنى أنه يكذب بالبعث بَلى أي يحور ويبعث فَلا أُقْسِمُ ذكر في نظائره بِالشَّفَقِ هي الحمرة التي تبقى بعد غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: هو البياض، وقيل: هو النهار كله. وهذا ضعيف والأول هو المعروف عند الفقهاء وعند أهل اللغة وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ أي جمع وضم، ومنه الوسق «٥» ، وذلك أن الليل يضم الأشياء ويسترها
стр. 945
بظلامه
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ أي إذا كمل ليلة أربعة عشر، ووزن اتسق افتعل وهو مشتق من الوسق، فكأنه امتلأ نورا. وفي الآية من أدوات البيان لزوم ما لا يلزم، لالتزام السين قبل القاف في وسق واتسق.
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ الطبق في اللغة له معنيان: أحدهما ما طابق غيره. يقال:
هذا طبق لهذا إذا طابقه والآخر جمع طبقة فعلى الأول يكون المعنى لتركبن حالا بعد حال كل واحدة منها مطابقة للأخرى، وعلى الثاني يكون المعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات بعضها فوق بعض، ثم اختلف في تفسير هذه الأحوال، وفي قراءة تركبن فأما من قرأ بضم الباء «١» فهو خطاب لجنس الإنسان، وفي تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال أحدها أنها شدائد الموت ثم البعث ثم الحساب ثم الجزاء والآخر أنها كون الإنسان نطفة ثم علقة إلى أن يخرج إلى الدنيا ثم إلى أن يهرم ثم يموت والثالث لتركبن سنن من كان قبلكم. وأما من قرأ تركبنّ بفتح الباء فهو خطاب للإنسان على المعاني الثلاثة التي ذكرنا، وقيل: هي خطاب للنبي ﷺ ، ثم اختلف القائلون بهذا على ثلاثة أقوال أحدها: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، والآخر: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء والثالث لتركبن السموات في الإسراء [سماء] بعد سماء وقوله: عن طبق في موضع الصفة لطبقا أو في موضع حال من الضمير في تركبن قاله الزمخشري.
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الضمير لكفار قريش، والمعنى أي شيء يمنعهم من الإيمان وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره لأن رسول الله ﷺ سجد فيها وليست عند مالك من عزائم السجدات الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المذكورين ووضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالكفر وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ أي بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب أو بما يجمعون في صحائفهم، يقال أوعيت المال وغيره إذا جمعته فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وضع البشارة في موضع النذارة تهكما بهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا يعني من قضى له بالإيمان من هؤلاء الكفار، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا أشار ابن عطية وقال الزمخشري هو منقطع أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قد ذكر.
стр. 946
سورة البروج
مكية وآياتها ٢٢ نزلت بعد الشمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة البروج) وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ البروج هي المنازل المعروفة وهي اثنا عشر، تقطعها الشمس في السنة، وقيل: هي النجوم العظام، لأنها تتبرج أي تظهر وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ هو يوم القيامة باتفاق، وقد ذكر عن رسول الله ﷺ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ يحتمل الشاهد والمشهود أن يكون من الشهادة على الأمر، أو يكون من معنى الحضور، وحذف المعمول وتقديره:
مشهود عليه أو مشهود به أو مشهود فيه.
وقد اضطرب الناس في تفسير الشاهد والمشهود اضطرابا عظيما، ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولا يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولا، الأول: أن الشاهد هو الله تعالى لقوله وكفى بالله شهيدا والمشهود على هذا يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون الخلق بمعنى أنه يشهد عليهم والآخر أن تكون الأعمال بمعنى أنه يشهد بها والثالث أن يكون يوم القيامة، بمعنى أنه يشهد فيه أي يحضر للحساب والجزاء، أو تقع فيه الشهادة على الناس، القول الثاني: أن الشاهد محمد ﵌ لقوله:
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [الحج: ٧٨] والمشهود على هذا يحتمل أن يكون أمته لأنه يشهد عليهم أو أعمالهم، لأنه يشهد بها أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه، أي يحضر أو تقع فيه الشهادة على الأمة، القول الثالث: أن الشاهد أمة محمد ﷺ لقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] والمشهود على هذا سائر الأمم لأنهم يشهدون عليهم أو أعمالهم أو يوم القيامة، القول الرابع أن الشاهد هو عيسى ﵇ والمشهود أمته لقوله: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: ١١٧] أو أعمالهم، أو يوم القيامة.
الخامس أن الشاهد جميع الأنبياء، والمشهود أممهم لأن كل نبيّ يشهد على أمته، أو يشهد القول بأعمالهم أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه، القول السادس أن الشاهد الملائكة الحفظة والمشهود على هذا الناس لأن الملائكة يشهدون عليهم أو الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها أو يوم القيامة، أو صلاة الصبح لقوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]
стр. 947
القول السابع أن الشاهد جميع الناس، لأنهم يشهدون يوم القيامة أي يحضرونها، والمشهود يوم القيامة لقوله وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] والقول الثامن أن الشاهد الجوارح والمشهود عليه أصحابها، لقوله: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور: ٢٤] أو الأعمال لأن الجوارح تشهد بها يوم القيامة لأن الشهادة تقع فيه، القول التاسع أن الشاهد الله والملائكة وأولوا العلم لقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] والمشهود به الوحدانية، القول العاشر: الشاهد جميع المخلوقات والمشهود به وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة وغير ذلك، القول الحادي عشر أن الشاهد النجم لما ورد في الحديث: لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد وهو النجم «١» والمشهود على هذا الليل والنهار لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل القول الثاني عشر أن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الناس الذين يحجون. القول الثالث عشر روي عن النبي ﷺ أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال ويوم عرفة يشهده جمع عظيم من الناس «٢» ، القول الرابع عشر أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر قاله علي بن أبي طالب.
القول الخامس عشر أن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة. القول السادس عشر أن الشاهد يوم الاثنين والمشهود يوم الجمعة.
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ الكلام هنا في ثلاثة فصول: الأول في جواب القسم وفيه أربعة أقوال أحدها أنه قوله «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» والثاني أنه «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» وهذان القولان ضعيفان لبعد القسم من الجواب، وثالثها أنه «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» تقديره: لقد قتل ورابعها أنه محذوف يدل عليه قتل أصحاب الأخدود تقديره: لقد قتل هؤلاء الكفار كما قتل أصحاب الأخدود، وذلك أن الكفار من قريش كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام، فذكر الله قصة أصحاب الأخدود وعيدا للكفار وتأنيسا للمسلمين المعذبين، الفصل الثاني في تفسير لفظها، فأما قتل فاختلف هل هو دعاء أو خبر؟ واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة أو بمعنى اللعن؟ وأما الأخدود فهو الشق في الأرض كالخندق وشبهه، وأما أصحاب الأخدود فيحتمل أن يريد بهم الكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، أو يريد المؤمنين الذين حرقوا فيه، فيكون القتل حقيقة خبر، أو الأول أظهر. الفصل الثالث في قصة أصحاب الأخدود وفيها أربعة أقوال: الأول ما ورد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل معناه: أن ملكا كافرا أسلم أهل بلده، فأمر
стр. 948
بالأخدود فخدّ في أفواه السكك وأضرم فيها النيران فقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق. الثاني أن ملكا زنى بأخته ثم أراد أن يحلل للناس نكاح الأخوات فأطاعه قوم ومنهم أخذ المجوس ذلك، وعصاه قوم فحفر لهم الأخدود فأحرقهم فيه بالنار القول الثالث أن نبي أصحاب الأخدود كان حبشيا، وأن الحبشة بقية أصحاب الأخدود.
القول الرابع أن أصحاب الأخدود ذو نواس المذكور في قصة عبد الله بن التامر التي وقعت في السير «ويحتمل أن يكون ذو نواس الملك الذي ذكره النبي ﷺ فيتفق هذا القول مع الأول فإن ذا نواس حفر أخدودا فأوقد فيه نيرانا وألقى فيها كل من وحد الله تعالى واتبع العبد الصالح عبد الله بن التامر.
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ النار بدل من الأخدود، وهو بدل اشتمال، والوقود ما توقد به النار، والقصد وصف النار بالشدة والعظم إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ الضمير للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، وهم أصحاب الأخدود على الأظهر. والعامل في إذ قوله:
قتل فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفا، وقيل: سبعين ألفا فقتل على هذا بمعنى لعن أي لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين، وروي أن الله بعث على المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكفار الذين كانوا عليها، فقتل على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي قتلتهم النار وقيل: الضمير في إذ هم للمؤمنين، والأول أشهر وأظهر لقوله: وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يحتمل أن يكون بمعنى الشهادة أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من التحريق، أو يشهدون بذلك على أنفسهم يوم القيامة، أو يكون بمعنى الحضور أي كانوا حاضرين على ذلك الفعل وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله، وهذا لا ينبغي أن ينكر. فإن قيل: لم قال أن يؤمنوا بلفظ المضارع ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي لأن القصة قد وقعت؟ فالجواب أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوهم، فلذلك ذكره بلفظ المستقبل فكأنه قال: إلا أن يدوموا على الإيمان.
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفار قريش فالفتنة بمعنى المحنة، والتعذيب وهذا أظهر لقوله: ثم لم يتوبوا لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم. وأما قريش فمنهم من أسلم وتاب، وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في
стр. 949
حال كفره لقوله ﷺ الإسلام يجبّ ما قبله «١» وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ يحتمل أن يكون في الآخرة، فيكون تأكيدا لعذاب جهنم، أو نوعا من العذاب زيادة إلى عذاب جهنم. ويحتمل أن يريد في الدنيا، وذلك على رواية أن الكفار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ البطش الأخذ بقوة وسرعة إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي يبدئ الخلق بالنشأة الأولى، ويعيدهم بالنشأة الآخرة للبعث وقيل: يبدئ البطش ويعيده أي يبطش بهم في الدنيا والآخرة والأول أظهر وأرجح لقوله: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يونس: ٤] وقد ذكرنا الودود في [مقدمة] اللغات ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أضاف العرش إلى الله وخصه بالذكر لأن العرش أعظم المخلوقات، والمجيد من المجد وهو الشرف ورفعة القدر، وقرئ المجيد بالرفع صفة لذو العرش وقرأ حمزة والكسائي بالخفض صفة للعرش هَلْ أَتاكَ توقيف [سؤال] يراد به التنبيه وتعظيم الأمر، والمراد بذكر الجنود تهديد الكفار وتأنيس النبي ﷺ وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ تهديد لهم معناه لا يفوتونه بل يصيبهم عذابه إذا شاء فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ يعني اللوح المحفوظ الذي في السماء وقرئ محفوظ بالخفض صفة للوح وقرأ نافع محفوظ بالرفع صفة للقرآن، أي حفظه الله من التبديل والتغيير، أو حفظه المؤمنون في صدورهم.
стр. 950
سورة الطارق
مكية وآياتها ١٧ نزلت بعد البلد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الطارق) وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ هذه السماء التي أقسم الله بها هي المعروفة. وقيل: أراد المطر لأن العرب قد تسميه سماء، وهذا بعيد والطارق في اللغة ما يطرق أي يجيء ليلا، وقد فسره الله هنا بأنه النجم الثاقب وهو يطلع ليلا ومعنى الثاقب: المضيء أو المرتفع فقيل:
أراد جنس النجوم وقيل: الثريا لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم وقيل: زحل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ هذا جواب القسم ومعناه عند الجمهور: أن كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها، يعني: الملائكة الحفظة وروي عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: أن لكل نفس حفظة من الله يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الآفات والشياطين» «١» وإن صح هذا الحديث فهو المعوّل عليه.
وقرئ لما عليها بتخفيف الميم، وعلى هذا تكون إن مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد وما زائدة وقرئ لمّا بالتشديد «٢» وعلى هذا تكون إن نافية ولما بمعنى الإيجاب بعد النفي.
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ حذف ألف ما لأنها استفهامية وجوابها خلق من ماء دافق، وسمي المني ماء دافقا من الدفق، بمعنى الدفع فقيل: معناه مدفوق وصاحبه هو الدافق في الحقيقة قال سيبويه: هو على النسب أي ذو دفق، وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقا لأن بعضه يدفع بعضا، ومقصود الآية إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصل خلقته ليعلم أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أنه يعيده، ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها، أعقبه بالتنبيه على الحشر حيث تجازى كل نفس بأعمالها يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ الضمير في يخرج للماء وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان، وهذا بعيد جدا والترائب: عظام الصدر واحدها: تريبة وقيل: هي الأطراف كاليدين والرجلين، وقيل: هي عصارة القلب، ومنها