سورة البروج
مكية وآياتها ٢٢ نزلت بعد الشمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة البروج) وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ البروج هي المنازل المعروفة وهي اثنا عشر، تقطعها الشمس في السنة، وقيل: هي النجوم العظام، لأنها تتبرج أي تظهر وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ هو يوم القيامة باتفاق، وقد ذكر عن رسول الله ﷺ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ يحتمل الشاهد والمشهود أن يكون من الشهادة على الأمر، أو يكون من معنى الحضور، وحذف المعمول وتقديره:
مشهود عليه أو مشهود به أو مشهود فيه.
وقد اضطرب الناس في تفسير الشاهد والمشهود اضطرابا عظيما، ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولا يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولا، الأول: أن الشاهد هو الله تعالى لقوله وكفى بالله شهيدا والمشهود على هذا يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون الخلق بمعنى أنه يشهد عليهم والآخر أن تكون الأعمال بمعنى أنه يشهد بها والثالث أن يكون يوم القيامة، بمعنى أنه يشهد فيه أي يحضر للحساب والجزاء، أو تقع فيه الشهادة على الناس، القول الثاني: أن الشاهد محمد ﵌ لقوله:
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [الحج: ٧٨] والمشهود على هذا يحتمل أن يكون أمته لأنه يشهد عليهم أو أعمالهم، لأنه يشهد بها أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه، أي يحضر أو تقع فيه الشهادة على الأمة، القول الثالث: أن الشاهد أمة محمد ﷺ لقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] والمشهود على هذا سائر الأمم لأنهم يشهدون عليهم أو أعمالهم أو يوم القيامة، القول الرابع أن الشاهد هو عيسى ﵇ والمشهود أمته لقوله: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: ١١٧] أو أعمالهم، أو يوم القيامة.
الخامس أن الشاهد جميع الأنبياء، والمشهود أممهم لأن كل نبيّ يشهد على أمته، أو يشهد القول بأعمالهم أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه، القول السادس أن الشاهد الملائكة الحفظة والمشهود على هذا الناس لأن الملائكة يشهدون عليهم أو الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها أو يوم القيامة، أو صلاة الصبح لقوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]
стр. 947
القول السابع أن الشاهد جميع الناس، لأنهم يشهدون يوم القيامة أي يحضرونها، والمشهود يوم القيامة لقوله وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] والقول الثامن أن الشاهد الجوارح والمشهود عليه أصحابها، لقوله: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور: ٢٤] أو الأعمال لأن الجوارح تشهد بها يوم القيامة لأن الشهادة تقع فيه، القول التاسع أن الشاهد الله والملائكة وأولوا العلم لقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] والمشهود به الوحدانية، القول العاشر: الشاهد جميع المخلوقات والمشهود به وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة وغير ذلك، القول الحادي عشر أن الشاهد النجم لما ورد في الحديث: لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد وهو النجم «١» والمشهود على هذا الليل والنهار لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل القول الثاني عشر أن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الناس الذين يحجون. القول الثالث عشر روي عن النبي ﷺ أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال ويوم عرفة يشهده جمع عظيم من الناس «٢» ، القول الرابع عشر أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر قاله علي بن أبي طالب.
القول الخامس عشر أن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة. القول السادس عشر أن الشاهد يوم الاثنين والمشهود يوم الجمعة.
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ الكلام هنا في ثلاثة فصول: الأول في جواب القسم وفيه أربعة أقوال أحدها أنه قوله «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» والثاني أنه «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» وهذان القولان ضعيفان لبعد القسم من الجواب، وثالثها أنه «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» تقديره: لقد قتل ورابعها أنه محذوف يدل عليه قتل أصحاب الأخدود تقديره: لقد قتل هؤلاء الكفار كما قتل أصحاب الأخدود، وذلك أن الكفار من قريش كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام، فذكر الله قصة أصحاب الأخدود وعيدا للكفار وتأنيسا للمسلمين المعذبين، الفصل الثاني في تفسير لفظها، فأما قتل فاختلف هل هو دعاء أو خبر؟ واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة أو بمعنى اللعن؟ وأما الأخدود فهو الشق في الأرض كالخندق وشبهه، وأما أصحاب الأخدود فيحتمل أن يريد بهم الكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، أو يريد المؤمنين الذين حرقوا فيه، فيكون القتل حقيقة خبر، أو الأول أظهر. الفصل الثالث في قصة أصحاب الأخدود وفيها أربعة أقوال: الأول ما ورد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل معناه: أن ملكا كافرا أسلم أهل بلده، فأمر
стр. 948
بالأخدود فخدّ في أفواه السكك وأضرم فيها النيران فقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق. الثاني أن ملكا زنى بأخته ثم أراد أن يحلل للناس نكاح الأخوات فأطاعه قوم ومنهم أخذ المجوس ذلك، وعصاه قوم فحفر لهم الأخدود فأحرقهم فيه بالنار القول الثالث أن نبي أصحاب الأخدود كان حبشيا، وأن الحبشة بقية أصحاب الأخدود.
القول الرابع أن أصحاب الأخدود ذو نواس المذكور في قصة عبد الله بن التامر التي وقعت في السير «ويحتمل أن يكون ذو نواس الملك الذي ذكره النبي ﷺ فيتفق هذا القول مع الأول فإن ذا نواس حفر أخدودا فأوقد فيه نيرانا وألقى فيها كل من وحد الله تعالى واتبع العبد الصالح عبد الله بن التامر.
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ النار بدل من الأخدود، وهو بدل اشتمال، والوقود ما توقد به النار، والقصد وصف النار بالشدة والعظم إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ الضمير للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، وهم أصحاب الأخدود على الأظهر. والعامل في إذ قوله:
قتل فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفا، وقيل: سبعين ألفا فقتل على هذا بمعنى لعن أي لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين، وروي أن الله بعث على المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكفار الذين كانوا عليها، فقتل على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي قتلتهم النار وقيل: الضمير في إذ هم للمؤمنين، والأول أشهر وأظهر لقوله: وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يحتمل أن يكون بمعنى الشهادة أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من التحريق، أو يشهدون بذلك على أنفسهم يوم القيامة، أو يكون بمعنى الحضور أي كانوا حاضرين على ذلك الفعل وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله، وهذا لا ينبغي أن ينكر. فإن قيل: لم قال أن يؤمنوا بلفظ المضارع ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي لأن القصة قد وقعت؟ فالجواب أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوهم، فلذلك ذكره بلفظ المستقبل فكأنه قال: إلا أن يدوموا على الإيمان.
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفار قريش فالفتنة بمعنى المحنة، والتعذيب وهذا أظهر لقوله: ثم لم يتوبوا لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم. وأما قريش فمنهم من أسلم وتاب، وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في
стр. 949
حال كفره لقوله ﷺ الإسلام يجبّ ما قبله «١» وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ يحتمل أن يكون في الآخرة، فيكون تأكيدا لعذاب جهنم، أو نوعا من العذاب زيادة إلى عذاب جهنم. ويحتمل أن يريد في الدنيا، وذلك على رواية أن الكفار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ البطش الأخذ بقوة وسرعة إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي يبدئ الخلق بالنشأة الأولى، ويعيدهم بالنشأة الآخرة للبعث وقيل: يبدئ البطش ويعيده أي يبطش بهم في الدنيا والآخرة والأول أظهر وأرجح لقوله: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يونس: ٤] وقد ذكرنا الودود في [مقدمة] اللغات ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أضاف العرش إلى الله وخصه بالذكر لأن العرش أعظم المخلوقات، والمجيد من المجد وهو الشرف ورفعة القدر، وقرئ المجيد بالرفع صفة لذو العرش وقرأ حمزة والكسائي بالخفض صفة للعرش هَلْ أَتاكَ توقيف [سؤال] يراد به التنبيه وتعظيم الأمر، والمراد بذكر الجنود تهديد الكفار وتأنيس النبي ﷺ وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ تهديد لهم معناه لا يفوتونه بل يصيبهم عذابه إذا شاء فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ يعني اللوح المحفوظ الذي في السماء وقرئ محفوظ بالخفض صفة للوح وقرأ نافع محفوظ بالرفع صفة للقرآن، أي حفظه الله من التبديل والتغيير، أو حفظه المؤمنون في صدورهم.
стр. 950
سورة الطارق
مكية وآياتها ١٧ نزلت بعد البلد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الطارق) وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ هذه السماء التي أقسم الله بها هي المعروفة. وقيل: أراد المطر لأن العرب قد تسميه سماء، وهذا بعيد والطارق في اللغة ما يطرق أي يجيء ليلا، وقد فسره الله هنا بأنه النجم الثاقب وهو يطلع ليلا ومعنى الثاقب: المضيء أو المرتفع فقيل:
أراد جنس النجوم وقيل: الثريا لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم وقيل: زحل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ هذا جواب القسم ومعناه عند الجمهور: أن كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها، يعني: الملائكة الحفظة وروي عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: أن لكل نفس حفظة من الله يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الآفات والشياطين» «١» وإن صح هذا الحديث فهو المعوّل عليه.
وقرئ لما عليها بتخفيف الميم، وعلى هذا تكون إن مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد وما زائدة وقرئ لمّا بالتشديد «٢» وعلى هذا تكون إن نافية ولما بمعنى الإيجاب بعد النفي.
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ حذف ألف ما لأنها استفهامية وجوابها خلق من ماء دافق، وسمي المني ماء دافقا من الدفق، بمعنى الدفع فقيل: معناه مدفوق وصاحبه هو الدافق في الحقيقة قال سيبويه: هو على النسب أي ذو دفق، وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقا لأن بعضه يدفع بعضا، ومقصود الآية إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصل خلقته ليعلم أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أنه يعيده، ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها، أعقبه بالتنبيه على الحشر حيث تجازى كل نفس بأعمالها يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ الضمير في يخرج للماء وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان، وهذا بعيد جدا والترائب: عظام الصدر واحدها: تريبة وقيل: هي الأطراف كاليدين والرجلين، وقيل: هي عصارة القلب، ومنها
стр. 951
يكون الولد، وقيل: هي الأضلاع التي أسفل الصلب، والأول هو الصحيح المعروف في اللغة، ولذلك قال ابن عباس: هي موضع القلادة ما بين ثديي المرأة، ويعني صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وقيل: أراد صلب الرجل وترائب المرأة
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ الضمير في إنه لله تعالى وفي رجعه للإنسان، والمعنى: أن الله قادر على رجع الإنسان حيا بعد موته، والمراد إثبات البعث.
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ يعني: يوم القيامة، والسرائر جمع سريرة وهي ما أسرّ العبد في قلبه من العقائد والنيات، وما أخفى من الأعمال وبلاؤها هو تعرّفها والاطلاع عليها، وروي عن النبي ﷺ أن السرائر الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة وهذه معظمها. فلذلك خصّها بالذكر، والعامل في يوم قوله: رجعه أي يرجعه يوم تبلى السرائر، واعترض بالفصل بينهما. وأجيب بقوة المصدر في العمل، وقيل: العامل قادر واعترض بتخصيص القدرة بذلك اليوم، وهذا لا يلزم لأن القدرة وإن كانت مطلقة فقد أخبر الله أن البعث إنما يقع في ذلك اليوم. وقال من احترز من الاعتراضين في القولين المتقدمين: العامل فعل مضمر من المعنى تقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر، وهذا كله على المعنى الصحيح في رجعه، وأما على الأقوال الأخر فالعامل في يوم مضمر تقديره: اذكر فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ الضمير للإنسان، ولما كان دفع المكاره في الدنيا إما بقوة الإنسان أو بنصرة غيره له أخبره الله أنه يعدمها يوم القيامة وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ المراد بالرجع عند الجمهور المطر وسماه رجعا بالمصدر، لأنه يرجع كل عام أو لأنه يرجع إلى الأرض، وقيل: الرجع السحاب الذي فيه المطر، وقيل: هو مصدر رجوع الشمس والكواكب من منزلة إلى منزلة وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ يعني ما تصدع عنه الأرض من النبات، وقيل: يعني ما في الأرض من الشقاق والخنادق وشبهها إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ الضمير للقرآن، لأن سياق الكلام يقتضيه، والفصل معناه الذي فصل بين الحق والباطل كما قيل له: فرقان. والهزل: اللهو يعني أنه جدّ كله إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً الضمير لكفار قريش، وكيدهم هو ما دبروه في شأن رسول الله ﵌ من الإضرار به وإبطال أمره وَأَكِيدُ كَيْداً هذا تسمية للعقوبة باسم الذنب، للمشاكلة بين الفعلين فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي لا تستعجل عليهم بالعقوبة لهم أو بالدعاء عليهم، وهذا منسوخ بالسيف أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً أي إمهالا يسيرا قليلا يعني إلى قتلهم يوم بدر، أو إلى الدار الآخرة، وجعله يسيرا، لأن كل آت قريب، ولفظ رويدا هذا صفة لمصدر محذوف، وقد تقع بمعنى الأمر بالتساهل كقولك: رويدا يا فلان، وكرّر الأمر في قوله أمهلهم وخالف بينه وبين لفظ مهل لزيادة التسكين والتصبير قاله الزمخشري.
стр. 952
سورة الأعلى
مكية وآياتها ١٩ نزلت بعد التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الأعلى ﷻ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى التسبيح في اللغة التنزيه وذكر الاسم هنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد المسمى ويكون الإسم صلة كالزائد، ومعنى الكلام سبح اسم ربك أي نزهه عما لا يليق به، وقد يتخرج ذلك على قول من قال: إن الإسم هو المسمى، والآخر أن يكون الإسم مقصودا بالذكر، ويحتمل المعنى على هذا أربعة أوجه، الأول:
تنزيه أسماء الله تعالى عن المعاني الباطلة كالتشبيه والتعطيل، الثاني: تنزيه أسماء الله عن أن يسمى بها صنم أو وثن: الثالث: تنزيه أسماء الله عن أن تدرك في حال الغفلة دون خشوع.
الرابع أن المراد قول سبحان الله، ولما كان التسبيح باللسان لا بدّ فيه من ذكر الإسم أوقع التسبيح على الإسم، وهذا القول هو الصحيح، ويؤيده ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال سبحان ربي الأعلى وأنها لما نزلت قال: اجعلوها في سجودكم. فدل ذلك على أن المراد هو التسبيح باللسان مع موافقة القلب، ولا بدّ في التسبيح باللسان من ذكر اسم الله تعالى فلذلك قال: سبح اسم ربك الأعلى مع أن التسبيح في الحقيقة إنما هو لله تعالى لا لاسمه، وإنما ذكر الإسم لأنه هو الذي يوصل به إلى التسبيح باللسان. وعلى هذا يكون موفقا في المعنى لقوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الواقعة: ٧٤] لأن معناه نزّه الله بذكر اسمه ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس أن معنى سبح: صل باسم ربك أي صل واذكر في الصلاة اسم ربك، والأعلى يحتمل أن يكون صفة للرب أو للاسم والأول أظهر.
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى حذف مفعول خلق وسوّى لقصد الإجمال الذي يفيد العموم والمراد خلق كل شيء فسوّاه، أي أتقن خلقته وانظر ما ذكرنا في قوله: فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار: ٧] وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى قدّر بالتشديد يحتمل أن يكون من القدر والقضاء، أو من التقدير، والموازنة بين الأشياء، وقرأ الكسائي بالتخفيف فيحتمل أن يكون من القدرة أو التقدير، وحذف المفعول ليفيد العموم. فإن كان من التقدير فالمعنى: قدّر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به، وقيل: هدى الناس للخير والشر والبهائم
стр. 953
للمراتع، وهذه الأقوال أمثلة والأول أعم وأرجح، فإن هداية الإنسان وسائر الحيوانات إلى مصالحها باب واسع فيه عجائب وغرائب، وقال الفراء: المعنى هدى وأضلّ واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى وهذا بعيد
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى المرعى هو النبات الذي ترعاه البهائم، والغثاء هو النبات اليابس المحتطم، وأحوى معناه أسود وهو صفة لغثاء. والمعنى أن الله أخرج المرعى أخضر فجعله بعد خضرته غثاء أسود، لأن الغثاء إذا قدم تعفن واسودّ، وقيل: إن أحوى حال من المرعى، ومعناه: الأخضر الذي يضرب إلى السواد وتقديره: الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، وفي هذا القول تكلف.
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى هذا خطاب للنبي ﷺ وعده الله أن يقرئه القرآن فلا ينساه، وفي ذلك معجزة له ﵊ لأنه كان أميا لا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل ﵇ من القرآن، وقيل: معنى الآية كقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[القيامة: ١٦] الآية: فإنه ﵊ كان يحرك به لسانه إذا أقرأه جبريل، خوفا أن ينساه فضمن الله له أن لا ينساه، وقيل: فلا تنسى نهي عن النسيان، وقد علم الله أن ترك النسيان ليس في قدرة البشر، فالمراد الأمر بتعاهده حتى لا ينساه. وهذا بعيد لإثبات الألف في تنسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيه وجهان: أحدهما أن معناه لا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه كقوله: أو ننسها البقرة: ١٠٦ والآخر: أنه لا ينسى شيئا ولكن قال: إلا ما شاء الله تعظيما لله بإسناد الأمر إليه كقوله في الأنعام: ١٢٨ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ على بعض الأقوال وعبر الزمخشري: عن هذا بأنه من استعمال التقليل في معنى النفي، والأول أظهر فإن النسيان جائز على النبي ﵌ فيما أراد الله أن يرفعه من القرآن، أو فيما قضى الله أن ينساه ثم يذكره، ومن هذا قول النبي ﷺ حين سمع قراءة عباد بن بشير ﵀: لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد نسّيتها وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى عطف على سنقرئك ومعناه نوفقك للأمور المرضية التي توجب لك السعادة، وقيل: معناه للشريعة اليسرى من قوله ﵊: دين الله يسر «١» أي سهل لا حرج فيه.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى المراد بهذا الشرط توبيخ الكفار الذين لا تنفعهم الذكرى، واستبعاد تأثير الذكرى في قلوبهم كقولك: قد أوصيتك لو سمعت، وقيل: المعنى: ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. واقتصر على أحد القسمين لدلالة الآخر عليه، وهذا بعيد
стр. 954
وليس عليه الرونق الذي على الأول
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى أي من يخاف الله يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
يعني الكافر وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة، والضمير المفعول للذكرى النَّارَ الْكُبْرى هي نار جهنم وسماها كبرى بالنظر إلى نار الدنيا، وقيل: سماها كبرى بالنظر إلى غيرها من نار جهنم، فإنها تتفاضل، وبعضها أكبر من بعض وكلا القولين صحيح. إلا أن الأول أظهر. ويؤيده قول رسول الله ﷺ : ناركم هذه التي توقدون جزءا من سبعين جزءا من نار جهنم «١» ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنيئة، وعطف هذه الجملة بثم لأن هذه الحالة أشد من صلي النار فكأنها بعده في الشدة.
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يحتمل أن يكون بمعنى الطهارة من الشرك والمعاصي، أو بمعنى الطهارة للصلاة أو بمعنى أداء الزكاة وعلى هذا قال جماعة: إنها يوم الفطر والمعنى أدّى زكاة الفطر وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام وصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي ﷺ وقيل المراد أدى زكاة ماله وصلى الصلوات الخمس «٢» إِنَّ هذا الإشارة إلى ما ذكر من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، أو إلى ما تضمنته السورة أو إلى القرآن بجملته، والمعنى أنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين كما ثبت في هذا الكتاب.
стр. 955
سورة الغاشية
مكية وآياتها ٢٦ نزلت بعد الذاريات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الغاشية) هَلْ أَتاكَ توقيف [سؤال] يراد به التنبيه والتفخيم للأمر، قيل: هل بمعنى قد وهذا ضعيف الْغاشِيَةِ هي القيامة لأنها تغشى جميع الخلق، وقيل: هي النار من قوله: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ابراهيم: ٥٠] وهذا ضعيف لأنه ذكر بعد ذلك قسمين أهل الشقاوة وأهل السعادة خاشِعَةٌ أي ذليلة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ هو من النصب بمعنى التعب، وفي المراد بهم ثلاثة أقوال: أحدهما أنهم الكفار ويحتمل على هذا أن يكون عملهم ونصبهم في الدنيا لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون فيها، أو يكون في الآخرة فيعملون فيها عملا يتعبون فيه من جر السلاسل والأغلال وشبه ذلك ويكون زيادة في عذابهم: الثاني: أنها في الرهبان الذين يجتهدون في العبادة ولا تقبل منهم، لأنهم على غير الإسلام وبهذا تأولها عمر بن الخطاب ﵁، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهدا. فعاملة ناصبة على هذا في الدنيا وناصبة إشارة إلى اجتهادهم في العمل، أو إلى أنه لا ينفعهم فليس لهم منه إلا النصب. الثالث أنها في القدرية. وقد روي أن رسول الله ﷺ ذكر القدرية فبكى وقال إن فيهم المجتهد «١» .
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي شديدة الحر، ومنه حميم آن، [الرحمن: ٤٤] ووزن آنية هنا فاعلة بخلاف آنية من فضة فإن وزنه أفعلة لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ في الضريع أربعة أقوال: أحدهما أنه شوك يقال له الشبرق وهو سم قاتل وهذا أرجح لأقوال لأن أرباب اللغة ذكروه ولأن النبي ﷺ قال: الضريع شوك في النار. الثاني: أنه الزقوم لقوله:
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ. [الدخان: ٤٣] الثالث: أنه نبات أخضر منتن ينبت في البحر وهذا ضعيف، الرابع أنه واد في جهنم وهذا ضعيف لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام إنما هو شراب، ولله در من قال: الضريع طعام أهل النار فإنه أعم وأسلم من عهدة التعيين.
واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة، بمعنى المشابهة لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به،
стр. 956
وقيل: هو بمعنى مضرع للبدن أي مضعف وقيل: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ، فإن قيل: كيف قال هنا: ليس لهم طعام إلا من ضريع وقال في الحاقة: ولا طعام إلا من غسلين؟ فالجواب أن الضريع لقوم والغسلين لقوم، أو يكون أحدهما في حال والآخر في حال
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ هذه الجملة صفة لضريع، ولطعام نفي عنه منفعة الطعام وهي التسمين وإزالة الجوع.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ أي متنعمة في الجنة أو يظهر عليها نضرة النعيم لِسَعْيِها راضِيَةٌ أي راضية في الآخرة لأجل سعيها وهو عملها في الدنيا فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يحتمل أن يكون من علو المكان أو من علو المقدار أو الوجهين لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً «١» هو من لغو الكلام ومعناه الفحش وما يكره، فيحتمل أن يريد كلمة لاغية أو جماعة لاغية فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يحتمل أن يريد جنس العيون أو واحدة شرّفها بالتعيين وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ قد ذكرنا أكواب ومعنى موضوعة: حاضرة، معدة بشرابها وفي قوله: مرفوعة وموضوعة مطابقة وَنَمارِقُ جمع نمرقة وهي الوسادة وَزَرابِيُّ هي بسط فاخرة [السجّاد في اصطلاح اليوم] وقيل: هي الطنافس واحدها زربية مَبْثُوثَةٌ أي متفرقة، وذلك عبارة عن كثرتها وقيل:
مبسوطة أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ حض على النظر في خلقتها لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها وشرب ألبانها، وأبوالها وغير ذلك. وقيل: أراد بالإبل السحاب وهذا بعيد وإنما حمل قائله عليه مناسبتها للسماء والأرض والجبال. والصحيح أن المراد الحيوان المعروف، وإنما ذكره لما فيه من العجائب، ولاعتناء العرب به إذ كانت معايشهم في الغالب منه، وهو أكثر المواشي في بلادهم لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ أي قاهر متسلط وهذا من المنسوخ بالسيف إِلَّا مَنْ تَوَلَّى استثناء منقطع معناه لكن من تولى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ وقيل هو استثناء من مفعول فذكر، والمعنى ذكر كل أحد إلا من تولى حتى يئست منه فهو على هذا متصل، وقيل: هو استثناء من قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ أي لا تسلط إلا على من تولى وكفر، وهو على هذا متصل ولا نسخ فيه إذ لا موادعة فيه وهذا بعيد، لأن السورة مكية والموادعة بمكة ثابتة إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ أي رجوعهم والآية تهديد.
стр. 957
سورة الفجر
مكية وآياتها ٣٠ نزلت بعد الليل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الفجر) وَالْفَجْرِ أقسم الله تعالى بالفجر وهو الطالع كل يوم كما أقسم بالصبح، وقيل:
أراد صلاة الفجر وقيل: أراد النهار كله، وقيل: فجر يوم الجمعة وقيل: فجر يوم النحر، وقيل: فجر ذي الحجة ولا دليل على هذه التخصيصات وقيل: أراد انفجار العيون من الحجارة وهذا هذا بعيد والأول أظهر وأشهر وَلَيالٍ عَشْرٍ هي عشر ذي الحجة عند الجمهور وقيل العشر الأول من المحرم وفيها عاشوراء وقيل: العشر الأواخر من رمضان، وقيل العشر الأول منه وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ روي عن النبي ﷺ أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وروي عنه ﵊ أنها الصلوات منها شفع ووتر «١» وقيل: الشفع التنفل بالصلاة مثنى مثنى والوتر الركعة الواحدة المعروفة وقيل: الشفع العالم والوتر الله لأنه واحد وقيل: الشفع آدم وحواء والوتر الله تعالى، وقيل الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل: الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة، وقيل الشفع قران الحج والوتر إفراده، وقيل المراد الأعداد منها شفع ووتر فهذه عشرة أقوال، وقرئ الوتر بفتح الواو وكسرها وهما لغتان «٢» وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ «٣» أي إذا يذهب فهو كقوله: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] وقيل أراد يسري فيه فهو على هذا كقولهم: ليله قائم والمراد على هذا ليلة جمع لأنها التي يسري فيها والأول أشهر وأظهر هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ هذا توقيف [سؤال] يراد به تعظيم الأشياء التي أقسم بها. والحجر هنا هو: العقل. كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول. وجواب القسم محذوف وهو ليأخذنّ الله
стр. 958
الكفار ويدل على ذلك ما ذكره بعده من أخذ عاد وثمود وفرعون
إِرَمَ هي قبيلة عاد سميت باسم أحد أجدادها، كما يقال: هاشم لبني هاشم، وإعرابه بدل من عاد أو عطف بيان وفائدته أن المراد عادا الأولى، فإن عادا الثانية لا يسمون بهذا الإسم. وقيل: إرم اسم مدينتهم فهو على حذف مضاف تقديره: بعاد عاد إرم، ويدل على هذا قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة من تنوين عاد وامتنع إرم من الصرف على القولين للتعريف والتأنيث ذاتِ الْعِمادِ من قال إرم قبيلة قال: العماد أعمدة بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشعر لأنهم كانوا أهل عمود وقال ابن عباس: ذلك كناية عن طول أبدانهم ومن قال إرم مدينة فالعماد الحجارة التي بنيت بها وقيل القصور والأبراج الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة للقبيلة لأنهم كانوا أعظم الناس أجساما يقال: كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع [كذا] أو صفة للمدينة وهذا أظهر لقوله في البلاد ولأنها كانت أحسن مدائن الدنيا، وروي أنها بناها شداد بن عاد في ثلاثمائة عام، وكان عمره تسعمائة عام وجعل قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أنواع الشجر والأنهار الجارية، وروي أنه سمع ذكر الجنة فأراد أن يعمل مثلها فلما أتمها وسار إليها بأهل مملكته أهلكهم الله بصيحة، وكانت هذه المدينة باليمن.
وروي أن بعض المسلمين مر بها في خلافة معاوية، وقيل: هي دمشق وقيل:
الإسكندرية وهذا ضعيف جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ «١» أي نقبوه ونحتوا فيه بيوتا والوادي ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيها ماء، وقيل: أراد وادي القرى وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ذكر في سورة داود (ص) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ صفة لعاد وثمود وفرعون ويجوز أن يكون منصوبا على الذم أو خبر ابتداء مضمر فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ استعارة السوط للعذاب لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره. قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكر السوط إشارة إلى عذاب الدنيا، إذ هو أهون من عذاب الآخرة، كما أن السوط أهون من القتل إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ عبارة عن أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان، وكل زمان ورقيب على كل إنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش وغيرهم، والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ الابتلاء هو الاختبار واختبار الله لعبده لتقوم الحجة على العبد بما يبدو منه، وقد كان الله عالما بذلك قبل كونه، والإنسان هنا جنس وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة وهي مع ذلك على
стр. 959
العموم، فيمن كان على هذه الصفة وذكر الله في هذه الآية ابتلاءه للإنسان بالخير، ثم ذكر بعده ابتلاءه بالشر كما قال في [الأنبياء: ٣٥] وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ وأنكر عليه قوله حين الخير: ربي أكرمني وقوله حين الشر: ربي أهانني ويتعلق بالآية سؤالان:
السؤال الأول: لم أنكر الله على الإنسان قوله ربي أكرمني وربي أهانني «١» والجواب من وجهين: أحدهما: أن الإنسان يقول: ربي أكرمني على وجه الفخر بذلك والكبر، لا على وجه الشكر ويقول: ربي أهانني على وجه التشكي من الله وقلة الصبر والتسليم لقضاء الله، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك، فإن الواجب عليه أن يشكر على الخير ويصبر على الشر.
والآخر: أن الإنسان اعتبر الدنيا فجعل بسط الرزق فيها كرامة، وتضييقه إهانة وليس الأمر كذلك فإن الله قد يبسط الرزق لأعدائه، ويضيقه على أوليائه فأنكر الله عليه اعتبار الدنيا والغفلة عن الآخرة، وهذا الإنكار من هذا الوجه على المؤمن. وأما الكافر فإنما اعتبر الدنيا لأنه لا يصدق بالآخرة، ويرى أن الدنيا هي الغاية فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك.
السؤال الثاني: إن قيل: قد قال الله فأكرمه فأثبت إكرامه، فكيف أنكر عليه قوله ربي أكرمني؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه لم ينكر عليه ذكره للإكرام، وإنما أنكر عليه ما يدل عليه كلامه من الفخر وقلة الشكر، أو من اعتبار الدنيا دون الآخرة حسبما ذكرنا في معنى الإنكار. الثاني أنه أنكر عليه قوله: ربي أكرمني إذا اعتقد أن إكرام الله له باستحقاقه الإكرام، على وجه التفضل والإنعام كقول قارون: إنما أوتيته على علم عندي [القصص:
٧٨] الثالث أن الإنكار إنما هو لقوله: ربي أهانني لا لقوله ربي أكرمني فإن قوله ربي أكرمني اعتراف بنعمة الله، وقوله: ربي أهانني شكاية من فعل الله
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أي ضيقه وقرئ بتشديد الدال «٢» وتخفيفها بمعنى واحد وفي التشديد مبالغة وقيل معنى التشديد جعله على قدر معلوم.
كَلَّا زجر عما أنكر من قول الإنسان بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ «٣» هذا ذمّ لما ذكر من الأعمال القبيحة ومعنى هذا الإضراب ببل، كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم ثم قال بل تفعلون ما هو شر من ذلك وهو ألا تكرموا اليتيم وما ذكر بعده، قال رسول الله ﷺ : أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم «٤»
ولا تحضون على طعام المسكين»
الحض على
стр. 960
الأمر هو الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا يفعله هو، كأنه ذم لترك طعام المسكين، والطعام هنا بمعنى الإطعام، وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا تحضون على بذل طعام المسكين، وقرئ تحاضون بفتح الحاء وألف بعدها بمعنى لا يحض بعضكم بعضا وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا «١» التراث هو ما يورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من الواو، واللم: الجمع واللف، والتقدير: أكلا ذا لمّ وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيرا بل ينفرد به الرجال وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا «٢» أي شديدا كثيرا وهذا ذم للحرص على المال وشدة الرغبة فيه.
دُكَّتِ الْأَرْضُ أي سوّيت جبالها دَكًّا دَكًّا أي دكا بعد دكّ كما تقول: تعلمت العلم بابا بابا وَجاءَ رَبُّكَ تأويله عند المتأولين: جاء أمره وسلطانه وقال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك. وهذه الآية وأمثالها من المشكلات التي يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل وَالْمَلَكُ هو اسم فإنه روي أن الملائكة كلهم يكونون صفوفا حول الأرض صَفًّا صَفًّا أي صفا بعد صف قد أحدقوا بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يؤتي يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها «٣» يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ يومئذ بدل من إذا دكت ويتذكر هو العامل وهو جواب إذا دكت، والمعنى: أن الإنسان يتذكر يوم القيامة أعماله في الدنيا، ويندم على تفريطه وعصيانه، والإنسان هنا جنس، وقيل: يعني عتبة بن ربيعة، وقيل: أمية بن خلف وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى هذا على حذف تقديره أنى له الانتفاع بالذكرى كما تقول ندم حين لم تنفعه الندامة يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي فيه وجهان: أحدهما أنه يريد الحياة في الآخرة فالمعنى: يا ليتني قدّمت عملا صالحا للآخرة، والآخر أنه يريد الحياة الدنيا فالمعنى: يا ليتني قدمت عملا صالحا وقت حياتي، فاللام على هذا كقوله كتبت لعشر من الشهر فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ من قرأ بكسر الذال من يعذب، والثاء من يوثق فالضمير في عذابه ووثاقه لله تعالى والمعنى: أن الله
стр. 961
يتولى عذاب الكفار ولا يكله إلى أحد، ومن قرأ بالفتح فالضمير للإنسان أي لا يعذّب أحد مثل عذابه، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، وهذه قراءة الكسائي وروي أن أبا عمرو رجع إليها وهي قراءة حسنة، وقد رويت عن رسول الله ﷺ
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ أي الموقنة يقينا قد اطمأنت به بحيث لا يتطرق إليها شك في الإيمان، وقيل: المطمئنة التي لا تخاف حينئذ. ويؤيد هذا قراءة أبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ هذا الخطاب والنداء يكون عند الموت، وقيل: عند البعث وقيل: عند انصراف الناس إلى الجنة أو النار، والأول أرجح، لما روي أن أبا بكر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له: يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك عند موتك راضِيَةً معناه راضية بما أعطاها، أو راضية عن الله، ومعنى المرضية مرضية عند الله، أو أرضاها الله بما أعطاها فَادْخُلِي فِي عِبادِي أي أدخلي في جملة عبادي الصالحين. وقرئ فادخلي في عبدي بالتوحيد [الإفراد] معناه ادخلي في جسده وهو خطاب للنفس، ونزلت هذه الآية في حمزة. وقيل: في خبيب بن عدي الذي صلبه الكفار بمكة، ولفظها يعم كل نفس مطمئنة.
стр. 962
سورة البلد
مكية وآياتها ٢٠ نزلت بعد ق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة البلد) لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ أراد مكة باتفاق، وأقسم بها تشريفا لها ولا زائدة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ هذه جملة اعتراض بين القسم وما بعده وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى أنت حالّ بهذا البلد أي ساكن، لأن السورة نزلت والنبي ﵌ بمكة، والآخر أن معنى حلّ تستحل حرمتك ويؤذيك الكفار مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر ولا قطع شجر، وعلى هذا قيل: لا أقسم يعني لا أقسم بهذا البلد وأنت تلحقك فيه إذاية. الثالث أن معنى حل حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتالك الكفار وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله ﷺ : إن هذا البلد حرام حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار «١» يعني يوم فتح مكة، وفي ذلك اليوم أمر ﵊ بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فإن قيل: إن السورة مكية وفتح مكة كان عام ثمانية من الهجرة؟ فالجواب أن هذا وعد بفتح مكة كما تقول لمن تعده بالكرامة: أنت مكرم يعني فيما يستقبل وقيل: إن السورة على هذا مدنية نزلت يوم الفتح، وهذا ضعيف وَوالِدٍ وَما وَلَدَ فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه أراد آدم وجميع ولده، الثاني نوح وولده، الثالث إبراهيم وولده، الرابع سيدنا محمد ﵊ وولده، الخامس جنس كل والد ومولود وإنما قال: وما ولد ولم يقل ومن ولد: إشارة إلى تعظيم المولود كقوله:
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] قاله الزمخشري لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أي يكابد المشقات من هموم الدنيا والآخرة قال بعضهم: لا يكابد أحد من المخلوقات ما يكابد ابن آدم، وأصل الكبد من قولك كبد الرجل فهو أكبد إذا وجعت كبده وقيل: معنى في كبد واقفا منتصب القامة. وهذا ضعيف. والإنسان على هذين القولين جنس، وقيل:
стр. 963
الإنسان آدم ﵇، ومعنى في كبد على هذا في السماء وهذا ضعيف والأول هو الصحيح.
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فيه قولان: أحدهما أن معناه أيظن أن لن يقدر أحد على بعثه وجزائه، والآخر: أيظن أن لن يقدر أحد أن يغلبه، فعلى الأول: نزلت في جنس الإنسان الكافر، وعلى الثاني: نزلت في رجل معين وهو أبو الأشد رجل من قريش، كان شديد القوة، وقيل: عمرو بن عبد ودّ وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أي كثيرا، وقرئ لبدا بضم اللام وكسرها، وهو جمع لبدة بالضم والكسر بمعنى الكثرة: ونزلت الآية عند قوم في الوليد بن المغيرة، فإنه أنفق مالا في إفساد أمر رسول الله ﷺ وقيل: في الحرث بن عامر بن نوفل وكان قد أسلم وأنفق في الصدقات والكفارات، فقال لقد أهلكت مالي منذ تبعت محمدا أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ يحتمل أن يكون هذا تكذيبا له في قوله: أهلكت مالا لبدا أو إشارة إلى أنه أنفقه رياء.
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي طريقي الخير والشر فهو كقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: ٣] ، ليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد وقيل: يعني ثديي الأم فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الاقتحام الدخول بشدّة ومشقة، والعقبة عبارة عن الأعمال، الصالحة المذكورة بعد، وجعلها عقبة استعارة من عقبة الجبل لأنها تصعب ويشق صعودها على النفوس، وقيل: هو جبل في جهنم له عقبة لا يجاوزها إلا من عمل هذه الأعمال ولا هنا تخصيص بمعنى هلا وقيل: هي دعاء، وقيل: هي نافية واعترض هذا القول بأن لا النافية إذا دخلت على الفعل الماضي لزم تكرارها، وأجاب الزمخشري بأنها مكررة في المعنى، والتقدير فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على التكرار لأن التقدير فلا اقتحم العقبة ولا آمن وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ تعظيم للعقبة ثم فسرها بفك الرقبة وهو إعتاقها بالإطعام وقرئ فك رقبة بضم الكاف وخفض الرقبة، وهو على هذا تفسير للعقبة وبفتح الكاف ونصب الرقبة وهو تفسير لاقتحم وفك الرقبة: هو عتقها، قال رسول الله ﷺ : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار «١» وقال أعرابي لرسول الله ﷺ : دلني على عمل أنجو به فقال: فك الرقبة وأعتق النسمة فقال الأعرابي: أليس هذا واحدا؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إعتاق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، وأما فك أسارى المسلمين من أيدي
стр. 964
الكافرين فإنه أعظم أجرا من العتق لأنه واجب، ولو استغرقت فيه أموال المسلمين ولكنه لا يجري في الكفارات عن عتق رقبة
أَوْ إِطْعامٌ من قرأ فك بالرفع قرأ إطعام بالعطف مصدر على مصدر ومن قرأ فك بالفتح قرأ أطعم بفتح الهمزة والميم فعطف فعلا على فعل فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي مجاعة يقال سغب الرجل إذا جاع يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي ذا قرابة ففيه أجر إطعام اليتيم وصلة الرحم أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أي ذا حاجة، يقال ترب الرجل إذا افتقر، وهو مأخوذ من الصدقة بالتراب وروي عن النبي ﷺ أنه الذي مأواه المزابل.
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق. والإطعام ولا يقبل عمل إلا من مؤمن وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ أي وصّى بعضهم بعضا بالصبر على قضاء الله، وكأن هذا إشارة إلى صبر المسلمين بمكة على إذاية الكفار وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي وصى بعضهم بعضا برحمة المساكين وغيرهم، وقيل: الرحمة كل ما يؤدي إلى رحمة الله الْمَيْمَنَةِ جهة اليمين والْمَشْأَمَةِ جهة الشمال، وروي أن الميمنة عن يمين العرش ويحتمل أن يكونا من اليمن والشؤم نارٌ مُؤْصَدَةٌ أي مطبقة مغلقة يقال: أوصدت الباب إذا أغلقته وفيه لغتان الهمزة وترك الهمزة [يعني: مؤصده وبها قرأ أبو عمرو وحمزة وحفص وقرأ الباقون: موصدة] .
стр. 965
سورة الشمس
مكية وآياتها ١٥ نزلت بعد القدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة والشمس) وَالشَّمْسِ وَضُحاها الضحى ارتفاع الضوء وكماله، والضحاء بالفتح والمد بعد ذلك إلى الزوال وقيل: الضحى النهار كله، والأول هو المعروف في اللغة وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها أي تبعها وفي اتباعه لها ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتبعها في كثرة الضوء، لأنه أضوء الكواكب بعد الشمس «١» ، ولا سيما ليلة البدر والآخر أنه يتبعها في طلوعه لأنه يطلع بعد غروبها، وذلك في النصف الأول من الشهر والضمير الفاعل للنهار، لأن الشمس تنجلي بالنهار فكأنه هو الذي جلّاها وقيل: الضمير الفاعل لله وقيل: الضمير المفعول للظلمة أو الأرض أو الدنيا، وهذا كله بعيد لأنه لم يتقدم ما يعود الضمير عليه وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي يغطيها وضمير المفعول للشمس وضمير الفاعل لليل على الأصح وَالسَّماءِ وَما بَناها قيل: إن ما في قوله وما بناها وما طحاها وما سوّاها موصولة بمعنى من والمراد الله تعالى وقيل: إنها مصدرية كأنه قال: والسماء وبنيانها، وضعف الزمخشري ذلك بقوله: فألهمها فإن المراد الله باتفاق، وهذا القول يؤدي إلى فساد النظم، وضعّف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق فإن قيل: لم عدل عن من إلى قوله ما في قول من جعلها موصولة؟ فالجواب أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية كأنه قال والقادر الذي بناها طَحاها أي مدها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها تسوية النفس إكمال عقلها وفهمها، فإن قيل: لم نكّر النفس؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقوله عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ التكوير: [١٤] والآخر أنه أراد نفس آدم والأول هو المختار فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها أي عرّفها طريق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو، كقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
стр. 966
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها هذا جواب القسم عند الجمهور، وقال الزمخشري:
الجواب محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم النبي ﵌، كما دمدم على قوم ثمود لتكذيبهم صالحا ﵊، قال: وأما قد أفلح فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وهذا بعيد، والفاعل بزكاها ضمير يعود على من، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه أي طهّرها من الذنوب والعيوب، وقيل: الفاعل ضمير الله تعالى، والأول أظهر،
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها أي حقرها بالكفر والمعاصي، وأصله دسس بمعنى: أخفى فكأنه أخفى نفسه لما حقرها وأبدل من السين الأخيرة حرف علة كقولهم: قصّيت أظفاري وأصله قصصت بِطَغْواها هو مصدر بمعنى الطغيان قلبت فيه الياء واوا على لغة من يقول: طغيت والباء الخافضة كقولك كتبت بالقلم أو سببية، والمعنى بسبب طغيانها وقال ابن عباس معناها ثمود بعذابها ويؤيده قوله: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة: ٥] إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها العامل في إذ كذبت أو طغواها ومعنى انبعث: خرج لعقر الناقة بسرعة ونشاط، وأشقاها: هو الذي عقر الناقة وهو أحيمر ثمود واسمه قدار بن سالف، ويحتمل أن يكون أشقاها واقعا على جماعة، لأن أفعل التي للتفضيل إذا أضفته يستوي فيه الواحد والجمع والأول أظهر وأشهر.
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ يعني صالحا ﵇ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقة الله، أو احذروا ناقة الله وسقياها، شربها من الماء فَعَقَرُوها نسب العقر إلى جماعة لأنهم اتفقوا عليه وباشره واحد منهم فَدَمْدَمَ عبارة عن إنزال العذاب بهم وفيه تهويل بِذَنْبِهِمْ أي بسبب ذنبهم وهو التكذيب أو عقر الناقة فَسَوَّاها قال ابن عطية معناه فسوّى القبيلة في الهلاك لم يفلت أحد منهم وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة أي سواها بينهم وَلا يَخافُ عُقْباها ضمير الفاعل لله تعالى والضمير في عقباها للدمدمة والتسوية وهو الهلاك: أي لا يخاف عاقبة إهلاكهم، ولا درك [مسؤولية] عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقار لهم وقيل: إن ضمير الفاعل لصالح وهذا بعيد وقرأ أشقاها فلا يخاف بالفاء وبالواو وقيل: في القراءة بالواو الفاعل أشقاها. والجملة في موضع الحال أي انبعث ولم يخف عقبى فعلته وهذا بعيد.
стр. 967
سورة الليل
مكية وآياتها ٢١ نزلت بعد الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الليل) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أي يغطي وحذف المفعول وهو الشمس لقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أو النهار لقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٣] أو كل شيء يستره الليل وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أي ظهر وتبين والنهار من طلوع الشمس واليوم من طلوع الفجر وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ما بمعنى من والمراد بها الله تعالى وعدل عن من لقصد الوصف كأنه قال: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى وقيل: هي مصدرية وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ والذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى هذا جواب القسم ومعناه إن عملكم مختلف فمنه حسنات ومنه سيئات، وشتى جمع شتيت فَأَمَّا مَنْ أَعْطى أي أعطى ماله في الزكاة والصدقة وشبه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء واتقى الله وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أي بالخصلة الحسنة وهي الإسلام، ولذلك عبّر عنها بعضهم بأنها لا إله إلا الله، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، وقيل: يعني الأجر والثواب على الإطلاق وقيل: يعني الخلف على المنفق فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى أي نهيئه للطريقة اليسرى، وهي فعل الخيرات وترك السيئات وضد ذلك تيسيره للعسرى ومنه قوله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» «١» أي يهيؤه الله لما قدر له ويسهل عليه فعل الخير أو الشر وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى أي بخل بماله أو بطاعة الله على الإطلاق فيحتمل الوجهين لأنه في مقابلة أعطى كما أن استغنى في مقابلة اتقى، وكذلك كذب بالحسنى في مقابلة صدق بالحسنى، ونيسره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى، ومعنى استغنى: استغنى عن الله فلم يطعه واستغنى بالدنيا عن الآخرة، ونزلت آية المدح في أبي بكر الصديق، لأنه أنفق ماله في مرضات الله، وكان يشتري من أسلم من العبيد فيعتقهم، وقيل نزلت في أبي الدحداح وهذا ضعيف،
стр. 968
لأنها مكية وإنما أسلم أبو الدحداح بالمدينة، وقيل إن آية الذم نزلت في أبي سفيان بن حرب، وهذا ضعيف لقوله: فسنيسره للعسرى وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى هذا نفي، أو استفهام بمعنى الإنكار.
واختلف في معنى تردّى على أربعة أقوال: الأول تردّى أي هلك، فهو مشتق من الردى وهو الموت، أو تردّى أي سقط في القبر، أو سقط في جهنم، أو تردى بأكفانه من الرداء إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أي بيان الخير والشر، وليس المراد الإرشاد عند الأشعرية خلافا للمعتزلة فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى خطاب من الله أو من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على تقدير: قل لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى استدل المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلا الكفار لقوله: الذي كذب وتولى.
وتأولها الناس بثلاثة أوجه أحدها أن المعنى لا يصلاها صلي خلود إلا الأشقى، والآخر أنه أراد نارا مخصوصة الثالث. أنه أراد بالأشقى كافرا معينا وهو أبو جهل وأمية بن خلف، وقابل به الأتقى وهو أبو بكر الصديق فخرج الكلام مخرج المدح والذم على الخصوص، لا مخرج الإخبار على العموم يَتَزَكَّى من أداء الزكاة أو من الزكاة، أي يصير زكيا عند الله، أو يتطهر من ذنوبه، وهذا الفعل بدل من يؤتى ماله أو حال من الضمير وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى أي لا يفعل الخير جزاء على نعمة أنعم بها عليه أحد فيما تقدم، بل يفعله ابتداء خالصا لوجه الله، وقيل: المعنى لا يقصد جزاء من أحد في المستقبل على ما يفعل، والأول أظهر ويؤيده ما روي أن سبب الآية أن أبا بكر الصديق لما أعتق بلالا قالت قريش: كان لبلال عنده يد متقدمة فنفى الله قولهم إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ استثناء منقطع وَلَسَوْفَ يَرْضى وعد بأن يرضيه في الآخرة.
стр. 969
سورة الضحى
مكية وآياتها ١١ نزلت بعد الفجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة والضحى) وَالضُّحى ذكر في الشمس وضحاها وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فيه أربعة أقوال: إذا أقبل، وإذا أدبر، وإذا أظلم، وإذا سكن أي استقر واستوى، أو سكن فيه الناس والأصوات ومنه: ليلة ساجية إذا كانت ساكنة الريح، وطرف ساج أو ساكن غير مضطرب النظر. وهذا أقرب في الاشتقاق وهو اختيار ابن عطية ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى بتشديد الدال من الوداع وقرئ بتخفيفها بمعنى: ما تركك والوداع مبالغة في الترك وَما قَلى أي ما أبغضك، وحذف ضمير المفعول من قلى وآوى وهدى وأغنى اختصارا، لظهور المعنى ولموافقة رؤوس الآي. وسبب الآية أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أبطأ عليه الوحي، فقالت قريش: إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت الآية: تكذيبا لهم وقيل: رمي ﵊ بحجر في إصبعه فدميت فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم: فقالت امرأة:
ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه فنزلت الآية: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى أي الدار الآخرة خير لك من الدنيا، قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة حاله بعد نزول هذه السورة، ويريد بالأولى حاله نزولها، وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر.
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى روي أن النبي ﷺ قال: لما نزلت إذا لا أرضى أن يبقى واحد من أمتي في النار، قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، وقال ابن عباس: رضاه أن الله وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم وقيل: رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره والصحيح أنه وعد يعمّ كل ما أعطاه الله في الآخرة، وكل ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى عدد الله نعمه عليه فيما مضى من عمره، ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوي رجاؤه ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين وهي بمعنى علم فالمعنى ألم تكن يتيما فآواك. وذلك أن والده ﵇ توفي وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو ابن خمسة أعوام، وقيل: ثمانية فكفله جدّه عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عاما فكفله عمه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق: لم نشأ النبي ﷺ يتيما فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق.
стр. 970
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فيه ستة أقوال: أحدها: وجدك ضالا عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف [السؤال] في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه أنه لم يكون يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصوما من ذلك قبل النبوة وبعدها. والثاني وجدك في قوم ضلّال، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول. والثالث وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة. الرابع وجدك خامل الذكر لا تعرف، فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود. الخامس أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه ﵌ ضلّ في بعض شعب مكة، وهو صغير فردّه الله إلى جده، وقيل: بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب. السادس أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محبا لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [٩٥] أي محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى العائل:
الفقير يقال: عال الرجل فهو عائل إذا كان محتاجا، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا الفقر والغنى هو في المال، وغناؤه ﵌ هو أن أعطاه الله الكفاف، وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل: المعنى وجدك فقيرا إليه فأغناك به فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ أي لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي يعمّ جميعها وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ النهر هو الانتهار والزجر، والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال، وهذا هو الأظهر والسائل عن العلم والدين. وفي قوله تقهر وتنهر لزوم مالا يلزم من التزام الهاء قبل الراء.
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قيل: معناه بثّ القرآن وبلغ الرسالة والصحيح أنه عموم جميع النعم قال رسول الله ﷺ «التحدث بالنعم شكر» «١» ولذلك كان بعض السلف يقول، لقد أعطاني الله كذا ولقد صليت البارحة كذا وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز، وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا فقابل قوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً بقوله: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وقابل قوله:
وَوَجَدَكَ ضَالًّا بقوله، أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ على القول الآخر، وقابل: قوله: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى بقوله:
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ على القول الأظهر، وقابله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ على القول الآخر.
стр. 971
سورة الشرح
مكية وآياتها ٨ نزلت بعد الضحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة ألم نشرح) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح صدره ﷺ وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره ﷺ هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة والمعرفة، وقيل هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ فيه ثلاثة أقوال: الأول قول الجمهور أن الوزر الذنوب.
ووضعها هو غفرانها فهو كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] ، وهذا على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوّة الثاني أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة الثالث أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على ضلال، ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم لهمّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير كالذبابة فوق أنفه «١» . واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل.
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي نوّهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة والتشهد. وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له إذا ذكرت ذكرت معي «٢» . فإن قيل: لم قال لك
стр. 972
ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟ فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً هذا وعد لما يسّر بعد العسر، وإنما ذكره بلفظ مع التي تقتضي المقاربة ليدل على قرب اليسر من العسر فإن قيل: ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟ فالجواب أنه ﷺ كان بمكة هو وأصحابه في عسر من إذاية الكفار ومن ضيق الحال ووعده الله باليسر، وقد تقدم تعديد النعم تسلية وتأنيسا، لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه كأنه يقول: إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدّل لك هذا العسر بيسر قريب، ولذلك كرر إن مع العسر يسرا مبالغة وقال ﷺ : لن يغلب عسر يسرين وقد روي ذلك عن عمر وابن مسعود «١» وتأويله أن العسر المذكور في هذه السورة واحد، لأن الألف واللام للعهد كقولك: جاءني رجل فأكرمت الرجل. واليسر اثنان لتنكيره وقيل: إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ هو من النصب بمعنى التعب، والمعنى إذا فرغت من أمر فاجتهد في آخر ثم اختلف في تعيين الأمرين فقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء. وقيل: إذا فرغت من شغل دنياك فانصب في عبادة ربك وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ قدم الجار والمجرور ليدل على الحصر أي لا ترغب إلا إلى ربك وحده.
стр. 973
سورة التين
مكية وآياتها ٨ نزلت بعد البروج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة التين) وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فيها قولان: الأول أنه التين الذين يؤكل والزيتون الذي يعصر أقسم الله بهما لفضيلتهما على سائر الثمار. روي أن رسول الله ﷺ أكل مع أصحابه تينا فقال: لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه: لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس. وقال ﷺ : نعم السواك الزيتون فإنه من الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي «١» . القول الثاني أنهما موضعان ثم اختلف فيهما فقيل هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي «٢» . القول الثاني أنهما موضعان ثم اختلف فيهما فقيل هما جبلان بالشام أحدهما بدمشق ينبت فيه التين والآخر بإيلياء ينبت فيه الزيتون فكأنه قال ومنابت التين والزيتون وقيل التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقيل التين مسجد نوح والزيتون مسجد ابراهيم، والأظهر أنهما الموضعان من الشام وهما اللذان كان فيهما مولد عيسى ومسكنه، وذلك أن الله ذكر بعد هذا الطور الذي كلم عليه موسى والبلد الذي بعث منه محمد ﷺ فتكون الآية نظير ما في التوراة: «أن الله تعالى جاء من طور سيناء وطلع من ساعد وهو موضع عيسى وظهر من جبال باران» وهي مكة وأقسم الله بهذه المواضع التي ذكر في التوراة لشرفها بالأنبياء المذكورين وَطُورِ سِينِينَ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى هو بالشام، وأضافه الله إلى سينين ومعنى سينين مبارك فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقيل: معناه ذو الشجر واحدها سينه، قاله الأخفش وقال الزمخشري: ويجوز أن يعرب إعراب الجمع المذكر بالواو والياء وأن يلزم الياء وتحريك النون بحركات الإعراب وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ هو مكة باتفاق والأمين من الأمانة أو من الأمن لقوله: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة: ١٢٦] .
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فيه قولان: أحدهما أن أحسن التقويم هو
стр. 974
حسن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة وأسفل سافلين الضعف والهرم والخرف فهو كقوله تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس: ٦٨] وقوله ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤] وقوله إلا الذين آمنوا بعد هذا غير متصل بما قبله، والاستثناء على هذا القول منقطع بمعنى لكن لأنه خارج عن معنى الكلام الأول. والآخر أن حسن التقويم:
الفطرة على الإيمان وأسفل سافلين الكفر أو تشويه الصورة في النار، والاستثناء على هذا متصل، لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يردوا أسفل سافلين
غَيْرُ مَمْنُونٍ قد ذكر فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ والدين شريعته، والمعنى المعنى أي شيء يكذبك بالدين بعد هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوّتك؟ والآخر أنه خطاب للإنسان الكافر، والدين على هذا الشريعة أو الجزاء الأخروي ومعنى يكذبك على هذا يجعلك كاذبا، لأن من أنكر الحق فهو كاذب والمعنى أي شيء يجعلك كاذبا بسبب كفرك بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن تقويم، ثم ردّك أسفل سافلين، ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا، فلأي شيء تكذب بالبعث والجزاء؟
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ؟ تقرير ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بما يستحقون وكان رسول الله ﷺ إذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
стр. 975
سورة العلق
مكية وآياتها ١٩ وهي أول ما نزل من القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة العلق) نزل صدرها بغار حراء، وهو أول ما نزل من القرآن حسبما ورد عن عائشة في الحديث الذي ذكرناه في أول الكتاب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فيه وجهان: أحدهما أن معناه اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك، أو متبركا باسم ربك وموضع باسم ربك نصب على الحال ولذا كان تقديره: مفتتحا، فيحتمل أن يريد ابتداء القراءة بقول: بسم الله الرحمن الرحيم أو يريد الابتداء باسم الله مطلقا والوجه الثاني أن معناه اقرأ هذا اللفظ وهو باسم ربك الذي خلق فيكون باسم ربك مفعولا وهو المقروء الَّذِي خَلَقَ حذف المفعول لقصد العموم كأنه قال: الذي خلق كل شيء، ثم خصص خلقة الإنسان لما فيه من العجائب والعبر، ويحتمل أنه أراد الذي خلق الإنسان كما قال «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ» ثم فسره بقوله خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ والعلق جمع علقة، وهي النطفة من الدم والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم، ولذلك جمع العلق لما أراد الجماعة بخلاف قوله فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج: ٥] لأنه أراد كل واحد على حدته، ولم يدخل آدم في الإنسان هنا لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ كرر الأمر بالقراءة تأكيدا والواو للحال والمقصود تأنيس النبي ﷺ كأنه يقول: افعل ما أمرت به فإن ربك كريم. وصيغة أفعل للمبالغة الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ هذا تفسير للأكرم فدل على أن نعمة التعليم أكبر نعمة، وخص من التعليمات الكتابة بالقلم لما فيها من تخليد العلوم ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير: علم الخط بالقلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ يحتمل أن يريد بهذا التعليم الكتابة، لأن الإنسان لم يكن يعلمها في أول أمره أو يريد التعليم لكل شيء على الإطلاق، وقيل: إن الإنسان هنا سيدنا محمد ﷺ ، والأظهر أنه جنس الإنسان على العموم.
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى نزل هذا وما بعده إلى آخر السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يطغى بكثرة ماله ويبالغ في عداوة النبي صلى الله عليه وعلى
стр. 976
آله وسلم، وكلا هنا يحتمل أن تكون زجرا لأبي جهل أو بمعنى حقا أو استفتاحا
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى في موضع المفعول من أجله، أي يطغى من أجل غناه. والرؤية هنا بمعنى العلم، بدليل إعمال الفعل في الضمير. ولا يكون ذلك إلا في أفعال القلوب، والمعنى رأى نفسه استغنى واستغنى هو المفعول الثاني إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
هذا تهديد لأبي جهل وأمثاله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى اتفق المفسرون أن العبد الذي صلى هو سيدنا محمد ﷺ ، وأن الذي نهاه أبو جهل لعنه الله وسبب الآية أن أبا جهل جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي في المسجد الحرام فهم بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، وروي أنه قال: لئن رأيته يصلي، لأطأنّ عنقه فجاءه وهو يصلي ثم انصرف عنه مرعوبا فقيل له ما هذا؟ فقال لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أرأيت في الموضوع الذي قبله والذي بعده بمعنى: أخبرني فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها معنى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ، أو لكل مخاطب من غير تعيين، وهي تتعدى إلى مفعولين وجاءت بعدها إن الشرطية في موضعين وهما قوله: إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى وقوله: إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى فيحتاج إلى كلام في مفعولي أرأيت في المواضع الثلاثة، وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال، وهي إن كان على الهدى، وأمر بالتقوى وكذب وتولى، على من تعود هذه الضمائر؟ فقال الزمخشري: إن قوله الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهي زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله: ألم يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله إن كذب وتولى فهو في المعنى جواب للشرطين معا، وأن الضمير في قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي نهى عن الصلاة وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقدير الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى، إن كان هذا الناهي على الهدى أو كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟ فمقصود الآية تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال: إن الضمير في قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: إن كذب وتولى للذي نهى عن الصلاة، وخالفه أيضا في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال: إنها في المواضع الثلاثة توقيف [سؤال] وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى فإنه
стр. 977
يصلح مع كل مع واحد منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اختصارا.
وخالفهما أيضا الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله: إن كان على الهدى محذوف فقال: إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى وفاقا لابن عطية
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ أوعد أبا جهل إن لم ينته عن كفره وطغيانه أن يؤخذ بناصيته فيلقى في النار، والناصية مقدم الرأس فهو كقوله: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [الرحمن: ٤١] والسفع هنا الجذب والقبض على الشيء، وقيل: هو الإحراق من قولك سفعته النار وأكد لنسفعن باللام والنون الخفيفة، وكتبت في المصحف بالألف مراعاة للوقف، ويظهر لي أن هذا الوعيد نفذ عليه يوم بدر حين قتل وأخذ بناصيته فجرّ إلى القليب ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ أبدل ناصية من الناصية، ووصفها بالكذب والخطيئة تجوزا، والكاذب الخاطئ في الحقيقة صاحبها، والخاطئ الذي يفعل الذنب متعمدا، والمخطئ الذي يفعله بغير قصد فَلْيَدْعُ نادِيَهُ النادي والنّدي المجلس الذي يجتمع فيه الناس، وكان أبو جهل قد قال: أيتوعدني محمد فو الله ما بالوادي أعظم ناديا مني فنزلت الآية تهديدا وتعجيزا له، والمعنى: فليدع أهل ناديه لنصرته إن قدروا على ذلك، ثم أوعده بأن يدعو له زبانية جهنم، وهم الملائكة الموكلون بالعذاب، الزبانية في اللغة الشرط واحدهم زبنية: وقيل: زبني وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ أي تقرب إلى الله بالسجود كما قال رسول الله ﵌: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد «١» فاجتهدوا في الدعاء وهذا موضع سجدة عند الشافعي وليست عند مالك من عزائم السجود
стр. 978
سورة القدر
مكية وآياتها ٥ نزلت بعد عبس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة القدر) اختلف الناس في ليلة القدر على ستة عشر قولا وهي أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، فهذه خمسة أقوال في ليالي الأوتار من العشر الأواخر من رمضان، على قول من ابتدأ عدّتها من أول العشر. وقد ابتدأ بعضهم عدتها من آخر الشهر، فجعل ليالي الأوتار ليلة ثلاثين، لأنها الأولى وليلة ثمان وعشرين لأنها الثانية، وليلة ستة وعشرين لأنها الخامسة، وليلة أربع وعشرين، لأنها السابعة وليلة اثنين وعشرين لأنها التاسعة فهذه خمسة أقوال أخر. فتلك عشرة أقوال والقول الحادي عشر أنها تدور في العشر الأواخر، ولا تثبت في ليلة واحدة منه. الثاني عشر أنها مخفية في رمضان كله وهذا ضعيف لقوله ﷺ : التمسوها في العشر الأواخر «١» . الثالث عشر: أنها مخفية في العام كله. الرابع عشر أنها ليلة النصف من شعبان وهذان القولان باطلان لأن الله تعالى قال: إنا أنزلناه في ليلة القدر وقال شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فدل ذلك على أن ليلة القدر في رمضان. القول الخامس عشر أنها رفعت بعد النبي ﷺ وهذا ضعيف.
القول السادس عشر أنها ليلة سبعة عشر من رمضان لأن وقعة بدر كانت صبيحة هذه الليلة.
وأرجح الأقوال أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان أو ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة سبع وعشرين فقد جاءت في هذه الليالي الثلاث أحاديث صحيحة خرجها مسلم وغيره والأشهر أنها ليلة سبع وعشرين إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الضمير في أنزلناه للقرآن، دل على ذلك سياق الكلام، وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر دلالة على شهرته والاستغناء عن تسميته، الثاني أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات والثالث أن الله أسند إنزاله إلى نفسه وفي كيفية إنزاله في ليلة القدر قولان: أحدهما أنه ابتدأ إنزاله فيها والآخر أنه أنزل القرآن فيها جملة واحدة إلى السماء ثم نزل به جبريل إلى الأرض بطول عشرين سنة وقيل: المعنى أنزلناه في شأن ليلة القدر وذكرها وهذا ضعيف
стр. 979
وسميت ليلة القدر من تقدير الأمور فيها أو من القدر بمعنى الشرف، ويترجح الأول بقوله فيها يفرق كل أمر حكيم
وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ هذا تعظيم لها، قال بعضهم: كل ما قال فيه ما أدراك فقد علمه النبي ﷺ وما قال فيه ما يدريك فإنه لا يعلمه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ معناه أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر، قال بعضهم يعني في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه «١» وسبب الآية أن رسول الله تعالى عليه وسلم ذكر رجلا ممن تقدم عبد الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك، فأعطاهم الله ليلة القدر وجعلها خيرا من العبادة في تلك المدة الطويلة.
وروي أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ عوتب حين بايع معاوية فقال:
إن رسول الله ﵌ رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر، فاهتم لذلك، فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ملك بني أمية ألف شهر، ثم كشف الغيب أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوك بني أمية بالمشرق ألف شهر تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الروح هنا جبريل ﵇، وقيل: صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة وتنزّلهم هو إلى الأرض، وقيل: إلى السماء الدنيا وهو تعظيم لليلة القدر ورحمة للمؤمنين القائمين فيها مِنْ كُلِّ أَمْرٍ هذا متعلق بما قبله، والمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر، يقضي الله في ذلك العام. فإنه روي أن الله يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك، ليمتثلوا ذلك في العام كله، وقيل: على هذا المعنى أن من بمعنى الباء أي ينزلون بكل أمر وهذا ضعيف وقيل: إن المجرور يتعلق بعده والمعنى أنها سلام من كل أمر أي سلامة من الآفات، قال مجاهد: لا يصيب أحد فيها داء.
والأظهر أن الكلام تمّ عند قوله: من كل أمر. ثم ابتدأ قوله: سلام هي واختلف في معنى سلام فقيل إنه من السلامة وقيل: إنه من التحية، لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها، وكذلك اختلف في إعرابه فقيل: سلام هي مبتدأ وخبر وهذا يصح سواء جعلناه متصلا مع ما قبله أو منقطعا عنه، وقيل: سلام. خبر مبتدأ مضمر تقديره: أمرها سلام أو: القول فيها سلام. وهي مبتدأ خبره حتى مطلع «٢» الفجر أي هي دائمة إلي طلوع الفجر، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب وقال ابن عباس: إن قوله هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين، لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرين من كلمات السورة.
стр. 980
سورة البيّنة
مدنية وآياتها ٨ نزلت بعد الطلاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة لم يكن) ذكر الله الكفار ثم قسمهم إلى صنفين أهل الكتاب والمشركين، وذكر أن جميعهم لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة، وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول الله ﷺ . ومعنى منفكين: منفصلين، ثم اختلف في هذا الانفصال على أربعة أقوال: أحدها أن المعنى لم يكونوا منفصلين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة لتقوم عليهم الحجة. الثاني لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوة سيدنا محمد ﷺ حتى بعثه الله. الثالث اختاره ابن عطية وهو لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته، حتى يبعث الله إليهم رسولا يقيم عليهم الحجة الرابع وهو الأظهر عندي أن المعنى لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم سيدنا محمدا ﷺ فقامت عليهم الحجة، لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه:
لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا [طه: ١٣٤] فلما بعثه الله لم يبق لهم عذر ولا حجة، فمنفكين على هذا كقولك: لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يعني سيدنا محمدا ﷺ ، وإعرابه بدل من البينة أو خبر ابتداء مضمر يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً يعني القرآن في صحفه فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي قيمة بالحق مستقيمة بالمعاني، ووزن قيّمة فيعلة وفيه مبالغة قال ابن عطية: هذا على حذف مضاف تقديره: فيها أحكام كتب ولا يحتاج هذا إلى الحذف لأن الكتب بمعنى المكتوبات.
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ [فصلت: ٤٥] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه تعالى وآله وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره وَما أُمِرُوا الآية: هنا معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا أو بدّلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد
стр. 981
به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجليّ، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء. قال رسول الله ﷺ : الرياء الشرك الأصغر وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشريكه» «١» .
واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال. وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام حُنَفاءَ جمع حنيف وقد ذكر وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟
الْبَرِيَّةِ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم. وقرأ [نافع وابن عامر البريئة] بالهمز وهو الأصل و [الباقون] بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالا عند العرب.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ اختلف هل هذا في الدنيا أو في الآخرة؟ فرضاهم عن الله في الدنيا هو الرضا بقضائه والرضا بدينه قال رسول الله ﷺ : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا «٢» ، ورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها، أو رضا الله عنهم لما ورد في الحديث أن الله يقول: يا أهل الجنة هل تريدون شيئا أزيدكم فيقولون يا ربنا وأي شيء نريد وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول عندي أفضل من ذلك وهو رضواني فلا أسخط عليكم أبدا «٣» ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي لمن خافه وهذا دليل على فضل الخوف قال رسول الله ﷺ خوف الله رأس كل حكمة «٤» .
стр. 982
سورة الزلزلة
مدنية وآياتها ٨ نزلت بعد النساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الزلزلة) إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أي حركت واهتزت زِلْزالَها مصدر وإنما أضيف إليها تهويلا كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها يعني الموتى الذين في جوفها، وذلك عند النفخة الثانية في الصور. وقيل: هي الكنوز وهذا ضعيف لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها أي يتعجب من شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصة لأنه الذي يرى حينئذ ما لا يظن يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها هذه عبارة عما يحدث فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة، وتحدّث يتعدّى إلى مفعولين حذف المفعول منهما، والتقدير تحدث الخلق أخبارها، وانتزع بعض المحدثين من قوله تحدّث أخبارها أن قول المحدّث حدثنا وأخبرنا سواء، وهذه الجملة هي جواب إذا زلزلت وتحدث هو العامل في إذا. ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر وتحدث عامل في يومئذ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الباء سببية متعلقة بتحدث أي تحدث بسبب أن الله أوحى لها، ويحتمل أن يكون بأن الله أوحى لها بدلا من إخبارها وهذا كما تقول: حدثت كذا وحدثت بكذا والمعنى على هذا تحدث بحديث الوحي لها، وهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاما أو كلاما بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل: معناها أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد.
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً مختلفين في أحوالهم، وواحد الأشتات شتيت وصدر الناس: هو انصرافهم من موضع وردهم فقيل: الورد هو الدفن في القبور والصدر: هو القيام للبعث. وقيل الورد القيام للحشر، والصدر الانصراف إلى الجنة أو النار. وهذا أظهر. وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتا
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ «١» المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر
стр. 983
وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيها على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلا أو كثيرا وهذه الآية هي في المؤمنين، لأن الكافر لا يجازى في الآخرة على حسناته، إذ لم تقبل منه. واستدل أهل السنة بهذه الآية: أنه لا يخلد مؤمن في النار لأنه إذا خلد لم ير ثوابا على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، وروي عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك فقالت: كم فيها من مثقال ذرة، وسمع رجلا هذه الآية عند رسول الله ﷺ فقال: حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» هذا على عمومه في حق الكافر، وأما المؤمنون فلا يجازون بذنوبهم إلا بستة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبائر، وأن يموتوا قبل التوبة منها وأن لا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها، وأن لا يشفع فيهم وأن لا يكون ممن استحق المغفرة بعمل كأهل بدر، وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.
стр. 984
سورة العاديات
مكية وآياتها ١١ نزلت بعد العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة العاديات) اختلف في العاديات والموريات والمغيرات هل يراد بها الخيل أو الإبل؟ وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني خيل المجاهدين أو الخيل على الإطلاق؟ وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني إبل غزوة بدر أو إبل المجاهدين مطلقا، أو إبل الحجاج أو الإبل على الإطلاق؟ ومعنى العاديات التي تعدو في مشيها، والضبح هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال. وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحا أو هو مصدر في موضع الحال تقديره: العاديات في حال ضبحها، والموريات من قولك أوريت النار إذا أوقدتها، والقدح هو صك الحجارة فيخرج منها شعلة نار. وذلك عند ضرب الأرض لأرجل الخيل أو الإبل، وإعراب قدحا كإعراب صبحا، والمغيرات من قولك: أغارت الخيل إذا خرجت للإغارة على الأعداء، وصبحا ظرف زمان لأن عادة أهل الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً هذه الجملة معطوفة على العاديات وما بعده لأنه في تقدير التي تعدو، والنقع: الغبار والضمير المجرور للوقت المذكور وهو الصبح، فالباء ظرفية أو لكان الذي يقتضيه المعنى، فالباء أيضا ظرفية أو للعدو، وهو المصدر الذي يقتضيه العاديات. فالباء سببية ومعنى أثرن حركن والضمير الفاعل للإبل أو للخيل أي حركن الغبار عند مشيهن فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً معنى وسطن توسطن، وجمعا اختلف هل المراد به جمع من الناس أو المزدلفة «١» لأن اسمها جمع والضمير المجرور للوقت أو للمكان أو للعدو أو للنقع.
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ هذا جواب القسم والكنود الكفور للنعمة فالتقدير: إن
стр. 985
الإنسان لنعمة ربه لكفور، والإنسان جنس، وقيل: الكنود العاصي، وقال بعض الصوفية:
الكنود هو الذي يعبد الله على عوض [بمقابل]
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ الضمير للإنسان أي هو شاهد على نفسه بكنوده، وقيل: هو لله تعالى على معنى التهديد: والأول أرجح لأن الضمير الذي بعده الإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ الخير هنا المال، كقوله: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: ١٨٠] والمعنى أن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذم لحبه والحرص عليه، وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا أنه بخيل من أجل حب المال، والأول أظهر إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ أي بحث عند ذلك عبارة عن البعث وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ أي جمع ما في الصحف وأظهر محصلا أو ميز خيره من شره إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ الضمير في ربهم وبهم يعود على الإنسان، لأنه يراد به الجنس وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما أن هذه الجملة معمول أفلا يعلم فكان الأصل أن تفتح إن، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها الثاني أن تكون هذه الجملة مستأنفة ويكون معمول أفلا يعلم محذوفا ويكون الفاعل ضميرا يعود على الإنسان والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه إذا بعثر ما في القبور؟ وهذا هو الذي قاله ابن عطية ويحتمل عندي أن يكون فاعل أفلا يعلم ضميرا يعود على الله، والمفعول محذوف والتقدير: أفلا يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور، ثم استأنف قوله إن ربهم بهم يومئذ لخبير على وجه التأكيد، أو البيان للمعنى المتقدم، والعامل في إذا بعثر على هذا الوجه هو أفلا يعلم والعمل فيه على مقتضى قول ابن عطية هو المفعول المحذوف، وإذا هنا ظرفية بمعنى حين ووقت وليست بشرطية، والعامل في يومئذ خبير، وإنما خص ذلك بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء بقصد التهديد، مع أن الله خبير على الإطلاق.