به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجليّ، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء. قال رسول الله ﷺ : الرياء الشرك الأصغر وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشريكه» «١» .
واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال. وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام حُنَفاءَ جمع حنيف وقد ذكر وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟
الْبَرِيَّةِ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم. وقرأ [نافع وابن عامر البريئة] بالهمز وهو الأصل و [الباقون] بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالا عند العرب.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ اختلف هل هذا في الدنيا أو في الآخرة؟ فرضاهم عن الله في الدنيا هو الرضا بقضائه والرضا بدينه قال رسول الله ﷺ : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا «٢» ، ورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها، أو رضا الله عنهم لما ورد في الحديث أن الله يقول: يا أهل الجنة هل تريدون شيئا أزيدكم فيقولون يا ربنا وأي شيء نريد وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول عندي أفضل من ذلك وهو رضواني فلا أسخط عليكم أبدا «٣» ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي لمن خافه وهذا دليل على فضل الخوف قال رسول الله ﷺ خوف الله رأس كل حكمة «٤» .
стр. 982
سورة الزلزلة
مدنية وآياتها ٨ نزلت بعد النساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الزلزلة) إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أي حركت واهتزت زِلْزالَها مصدر وإنما أضيف إليها تهويلا كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها يعني الموتى الذين في جوفها، وذلك عند النفخة الثانية في الصور. وقيل: هي الكنوز وهذا ضعيف لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها أي يتعجب من شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصة لأنه الذي يرى حينئذ ما لا يظن يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها هذه عبارة عما يحدث فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة، وتحدّث يتعدّى إلى مفعولين حذف المفعول منهما، والتقدير تحدث الخلق أخبارها، وانتزع بعض المحدثين من قوله تحدّث أخبارها أن قول المحدّث حدثنا وأخبرنا سواء، وهذه الجملة هي جواب إذا زلزلت وتحدث هو العامل في إذا. ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر وتحدث عامل في يومئذ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الباء سببية متعلقة بتحدث أي تحدث بسبب أن الله أوحى لها، ويحتمل أن يكون بأن الله أوحى لها بدلا من إخبارها وهذا كما تقول: حدثت كذا وحدثت بكذا والمعنى على هذا تحدث بحديث الوحي لها، وهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاما أو كلاما بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل: معناها أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد.
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً مختلفين في أحوالهم، وواحد الأشتات شتيت وصدر الناس: هو انصرافهم من موضع وردهم فقيل: الورد هو الدفن في القبور والصدر: هو القيام للبعث. وقيل الورد القيام للحشر، والصدر الانصراف إلى الجنة أو النار. وهذا أظهر. وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتا
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ «١» المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر
стр. 983
وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيها على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلا أو كثيرا وهذه الآية هي في المؤمنين، لأن الكافر لا يجازى في الآخرة على حسناته، إذ لم تقبل منه. واستدل أهل السنة بهذه الآية: أنه لا يخلد مؤمن في النار لأنه إذا خلد لم ير ثوابا على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، وروي عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك فقالت: كم فيها من مثقال ذرة، وسمع رجلا هذه الآية عند رسول الله ﷺ فقال: حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» هذا على عمومه في حق الكافر، وأما المؤمنون فلا يجازون بذنوبهم إلا بستة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبائر، وأن يموتوا قبل التوبة منها وأن لا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها، وأن لا يشفع فيهم وأن لا يكون ممن استحق المغفرة بعمل كأهل بدر، وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.
стр. 984
سورة العاديات
مكية وآياتها ١١ نزلت بعد العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة العاديات) اختلف في العاديات والموريات والمغيرات هل يراد بها الخيل أو الإبل؟ وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني خيل المجاهدين أو الخيل على الإطلاق؟ وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني إبل غزوة بدر أو إبل المجاهدين مطلقا، أو إبل الحجاج أو الإبل على الإطلاق؟ ومعنى العاديات التي تعدو في مشيها، والضبح هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال. وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحا أو هو مصدر في موضع الحال تقديره: العاديات في حال ضبحها، والموريات من قولك أوريت النار إذا أوقدتها، والقدح هو صك الحجارة فيخرج منها شعلة نار. وذلك عند ضرب الأرض لأرجل الخيل أو الإبل، وإعراب قدحا كإعراب صبحا، والمغيرات من قولك: أغارت الخيل إذا خرجت للإغارة على الأعداء، وصبحا ظرف زمان لأن عادة أهل الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً هذه الجملة معطوفة على العاديات وما بعده لأنه في تقدير التي تعدو، والنقع: الغبار والضمير المجرور للوقت المذكور وهو الصبح، فالباء ظرفية أو لكان الذي يقتضيه المعنى، فالباء أيضا ظرفية أو للعدو، وهو المصدر الذي يقتضيه العاديات. فالباء سببية ومعنى أثرن حركن والضمير الفاعل للإبل أو للخيل أي حركن الغبار عند مشيهن فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً معنى وسطن توسطن، وجمعا اختلف هل المراد به جمع من الناس أو المزدلفة «١» لأن اسمها جمع والضمير المجرور للوقت أو للمكان أو للعدو أو للنقع.
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ هذا جواب القسم والكنود الكفور للنعمة فالتقدير: إن
стр. 985
الإنسان لنعمة ربه لكفور، والإنسان جنس، وقيل: الكنود العاصي، وقال بعض الصوفية:
الكنود هو الذي يعبد الله على عوض [بمقابل]
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ الضمير للإنسان أي هو شاهد على نفسه بكنوده، وقيل: هو لله تعالى على معنى التهديد: والأول أرجح لأن الضمير الذي بعده الإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ الخير هنا المال، كقوله: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: ١٨٠] والمعنى أن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذم لحبه والحرص عليه، وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا أنه بخيل من أجل حب المال، والأول أظهر إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ أي بحث عند ذلك عبارة عن البعث وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ أي جمع ما في الصحف وأظهر محصلا أو ميز خيره من شره إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ الضمير في ربهم وبهم يعود على الإنسان، لأنه يراد به الجنس وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما أن هذه الجملة معمول أفلا يعلم فكان الأصل أن تفتح إن، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها الثاني أن تكون هذه الجملة مستأنفة ويكون معمول أفلا يعلم محذوفا ويكون الفاعل ضميرا يعود على الإنسان والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه إذا بعثر ما في القبور؟ وهذا هو الذي قاله ابن عطية ويحتمل عندي أن يكون فاعل أفلا يعلم ضميرا يعود على الله، والمفعول محذوف والتقدير: أفلا يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور، ثم استأنف قوله إن ربهم بهم يومئذ لخبير على وجه التأكيد، أو البيان للمعنى المتقدم، والعامل في إذا بعثر على هذا الوجه هو أفلا يعلم والعمل فيه على مقتضى قول ابن عطية هو المفعول المحذوف، وإذا هنا ظرفية بمعنى حين ووقت وليست بشرطية، والعامل في يومئذ خبير، وإنما خص ذلك بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء بقصد التهديد، مع أن الله خبير على الإطلاق.
стр. 986
سورة القارعة
مكية وآياتها ١١ نزلت بعد قريش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة القارعة) الْقارِعَةُ من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بهولها، وقيل: هي النفخة في الصور لأنها تقرع الأسماع مَا الْقارِعَةُ مبتدأ وخبر في موضع خبر القارعة، والمراد به تعظيم شأنها، كذلك وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة تقديره، تقرع في يوم، والفراش هو الطير الصغير الذي يشبه البعوض، ويدور حول المصباح. والمبثوث هو المنتشر المفترق. شبّه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلتهم، ويحتمل أنه شبههم به لتساقطهم في جهنم. كما يتساقط الفراش في المصباح. قال بعض العلماء: الناس في أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر. لأن الجراد يقصد إلى جهة واحدة، وقيل:
الفراش هنا الجراد الصغير وهو ضعيف وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ العهن هو الصوف، وقيل: الصوف الأحمر وقيل: الصوف الملون ألوانا، شبّه الله الجبال يوم القيامة به، لأنها تنسف فتصير لينة، وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضا من طريق اختلاف ألوان الجبال لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء.
مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ هو جمع ميزان أو جمع موزون، وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكفتان عند الجمهور، وقال قوم: هو عبارة عن العدل فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ معناه ذات رضا عند سيبويه: وثقل الموازين بكثرة الحسنات وخفتها بقلتها، ولا يخف ميزان مؤمن خفة موبقة لأن الإيمان يوزن فيه فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما أن الهاوية جهنم سميت بذلك لأن الناس يهوون فيها أي يسقطون، وأمه معناه مأواه كقولك: المدينة أم فلان أي مسكنه على التشبيه بالأمّ الوالدة لأنها مأوى الولد ومرجعه. الثاني أن الأم هي الوالدة،
стр. 987
وهاوية ساقطة وذلك عبارة عن هلاكه كقولك: أمه ثكلى إذا هلك: الثالث أن المعنى أم رأسه هاوية في جهنم. أي ساقطة فيها، لأنه يطرح فيها منكوسا، وروي أن رسول الله ﷺ قال لرجل: لا أمّ لك فقال: يا رسول الله تدعوني إلى الهدى وتقول لي لا أمّ لك؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما أردت لا نار لك، قال الله تعالى: فأمه هاوية وهذا يؤيد القول الأول
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ الهاء للسكت والضمير لجهنم على القول بأنها الهاوية، وهو للفعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني والثالث، والمقصود تعظيمها ثم فسرها بقوله نارٌ حامِيَةٌ.
стр. 988
سورة التكاثر
مكية وآياتها ٨ نزلت بعد الكوثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة التكاثر) أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ هذا خبر يراد به الوعظ والتوبيخ، ومعنى ألهاكم شغلكم والتكاثر المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر ويقول هؤلاء: نحن أكثر، ولما قرأها النبي ﷺ قال: يقول ابن آدم مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت «١» حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما أن معناه حتى متم فأراد بزيارة المقابر الدفن فيها. الثاني أن معناه حتى ذكرتم الموتى الذين في المقابر، فعبّر بزيارتها عن التفاخر بمن فيها لأن بعض العرب تفاخر بآبائها الموتى.
فالمعنى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حتى بلغتم فيه إلى ذكر الموتى: الثالث أن معناها زيارة المقابر حقيقة لتعظيم أهلها والتفاخر بهم فيقال: هذا قبر فلان ليشهر ذكره ويعظم قدره كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ زجر وتهديد، ثم كرره للتأكد وعطفه بثم إشارة إلى أن الثاني أعظم من الأول، وقيل: الأول تهديد للكفار والثاني: تهديد للمؤمنين وحذف معمول تعلمون وتقديره ما يحل بكم، أو تعلمون أن القرآن حق، أو تعلمون أنكم كنتم على خطأ في اشتغالكم بالدنيا، وإنما حذفه لقصد التهويل فيقدر السامع أعظم ما يخطر بباله.
لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جواب لو محذوف تقديره لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، فينبغي الوقف على اليقين ومعمول لو تعملون محذوف أيضا وعلم اليقين مصدر ومعنى علم اليقين: العلم الذي لا يشك فيه. قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولك: دار الآخرة وقال الزمخشري: معناه علم الأمور التي تتيقنونها بالمشاهدة لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ «٢» هذا جواب قسم محذوف، وهو تفسير لمفعول لو تعلمون تقديره: لو تعلمون
стр. 989
عاقبة أمركم ثم فسرها بأنها رؤية الجحيم، والتفسير بعد الإبهام يدل على التهويل والتعظيم. والخطاب لجميع الناس فهو كقوله: [وإن منكم إلا واردها] [مريم: ٧١] وقيل:
للكفار خاصة، فالرؤية على هذا يراد بها الدخول فيها
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ هذا تأكيد للرؤية المتقدمة وعطفه بثم للتهويل والتفخيم، والعين هنا من قولك: عين الشيء نفسه وذاته، أي لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا، فقيل: النعيم الأمن والصحة، وقيل: الطعام والشراب، وهذه أمثلة، والصواب العموم في كل ما يتلذذ به قال رسول الله ﷺ : بيت يكنّك [يؤويك] وخرقة تواريك وكسرة تشدّ قلبك وما سوى ذلك فهو نعيم، وقال ﷺ كل نعيم فمسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله، وأكل ﷺ يوما مع أصحابه رطبا وشربوا عليه ماء فقال لهم هذا من النعيم الذي تسئلون عنه «١» .
стр. 990
سورة العصر
مكية وآياتها ٣ نزلت بعد الشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة العصر) وَالْعَصْرِ فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه صلاة العصر أقسم الله بها لفضلها، قال رسول الله ﷺ : الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله «١» : الثاني أنه العشيّ أقسم به كما أقسم بالضحى، ويؤيد هذا قول أبيّ بن كعب: سألت رسول الله ﷺ عن العصر فقال:
أقسم ربكم بآخر النهار: الثالث أنه الزمان إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ الإنسان جنس ولذلك استثنى منه الذين آمنوا فهو استثناء متصل وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ أي وصى بعضهم بعضا بالحق وبالصبر، فالحق هو الإسلام وما يتضمنه، وفيه إشارة إلى كذب الكفار، وفي الصبر إشارة إلى صبر المؤمنين على إذاية الكفار لهم بمكة.
стр. 991
سورة الهمزة
مكية وآياتها ٩ نزلت بعد القيامة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الهمزة) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ هو على الجملة الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة وقيل: بالعكس. وقيل: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان، وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق لأنه كان كثير الوقيعة في الناس وقيل: في أمية بن خلف، وقيل في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك على العموم في كل من اتصف بهذه الصفات «١» وَعَدَّدَهُ أي أحصاه وحافظ على عدده أن لا ينقص فمنعه من الخيرات، وقيل: معناه استعدّه وادّخره عدّة لحوادث الدهر يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ أي يظن لفرط جهله واغتراره أن ماله يخلده في الدنيا، وقيل: يظن أن ماله يوصله إلى دار الخلد كَلَّا رد عليه فيما ظنه لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ هذا جواب قسم محذوف والحطمة هي جهنم، وإنما سميت حطمة لأنها تحطم ما يلقى فيها، وتلتهبه وقد عظّمها بقوله: وما أدراك ثم فسّرها بأنها نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي: تبلغ القلوب بإحراقها قال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى أنها تطلع على ما في القلوب من العقائد والنيّات باطلاع الله إياها مُؤْصَدَةٌ مغلقة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ العمد جمع عمود وهو عند سيبويه اسم جمع وقرأ [حمزة والكسائي وأبو بكر] في عمد بضمتين، والعمود هو: المستطيل من حديد أو خشب [أو حجر] والممددة الطويلة، وفي المعنى قولان: أحدهما أن أبواب جهنم أغلقت عليهم، ثم مدت على أبوابها عمد تشديدا في الإغلاق والثقاف كما تثقف أبواب البيوت بالعمد، وهو على هذا متعلق بمؤصدة، والآخر أنهم موثوقون مغلولون في العمد، فالمجرور على هذا في موضع خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم موثوقون في عمد.
стр. 992
سورة الفيل
مكية وآياتها ٥ نزلت بعد الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الفيل) نزلت هذه السورة منبهة على العبرة في قصة الفيل، التي وقعت في عام مولد رسول الله ﷺ ، فإنها تدل على كرامة الله للكعبة، وإنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به، وفيها مع ذلك عجائب من قدرة الله وشدة عقابه، وقد ذكرت القصة في كتب السير وغيرها واختصارها: أن أبرهة ملك الحبشة بنى بيتا باليمن، وأراد أن يحج الناس إليه كما يحجون إلى الكعبة فذهب أعرابي وأحدث في البيت [قضى حاجته] فغضب أبرهة وحلف أن يهدم الكعبة، فاحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة. فلما وصل قريبا منها فرّ أهلها إلى الجبال وأسلموا له الكعبة، وأخذ لعبد المطلب مائتي بعير. فكلّمه فيها فقال له: كيف تكلمني في الإبل ولا تكلمني في الكعبة، وقد جئت لهدمها وهي شرفك وشرف قومك؟ فقال له: أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه فبرك الفيل بذي الغميس، ولم يتوجه إلى مكة فكانوا إذا وجهوه إلى غيرها هرول، وإذا وجهوه إليها توقف ولو بضعوه بالحديد، فبينما هم كذلك أرسل الله عليهم طيورا سودا وقيل: خضرا عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يقتل من وقع عليه ووقع في سائرهم الجدري والأسقام. وانصرفوا فماتوا في الطريق متفرقين في المراحل وتقطع أبرهة أنملة أنملة.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ معناه: ألم تعلم وكيف في موضع نصب بفعل ربك لا بألم تر والجملة معمول ألم تر في تضليل أي إبطال وتخسير أَبابِيلَ معناها جماعات شيئا بعد شيء قال الزمخشري واحدها أبالة وقال جمهور الناس هو جمع لا واحد له من لفظه بِحِجارَةٍ روي أن كل حجر منها كان فوق العدسة ودون الحمصة. قال ابن عباس: إنه أدرك عند أم هانئ نحو قفتين من هذه الحجارة، وأنها كانت مخططة بحمرة وروي أنه كان على كل حجر اسم من يقع عليه مكتوبا سِجِّيلٍ قد ذكر كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ العصف ورق الزرع وتبنه والمراد أنهم صاروا رميما، وفي تشبيههم به ثلاثة أوجه الأول أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثته فجمع التلف والخسة، ولكن الله كنّى عن هذا على حسب آدب القرآن. الثاني أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدود. الثالث أنه أراد كعصف مأكول زرعه وبقي هو لا شيء.
стр. 993
سورة قريش
مكية وآياتها ٤ نزلت بعد التين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة قريش) لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ قريش هم حيّ من عرب الحجاز الذين هم من ذرية معد بن عدنان، إلا أنه لا يقال قريشيّ إلا لمن كان من ذرية النضر بن كنانة، وهم ينقسمون إلى أفخاذ وبيوت نحو بني هاشم، وبني أمية، وبني مخزوم، وغيرهم وإنما سميت القبيلة قريشا لتقرشهم، والتقرّش التكسب وكانوا تجارا، وعن معاوية أنه سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟ قال: لدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى [القرش] ، وكانوا ساكنين بمكة، وكان لهم رحلتان في كل عام للتجارة رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وقيل: كانت الرحلتان جميعا إلى الشام، وقيل:
كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، فيقيمون بها ويرحلون في الشتاء إلى مكة لسكناهم بها، والإيلاف مصدر من قولك آلفت المكان إذا ألفته وقيل: هو منقول منه بالهمزة يقال ألف الرجل الشيء، وألفه إياه غيره فالمعنى على القول الأول أن قريشا ألفوا رحلة الشتاء والصيف، وعلى الثاني أن الله ألفهم الرحلتين واختلف في تعلق قوله لايلاف قريش على ثلاثة أقوال: أحدهما أنه يتعلق بقوله فليعبدوا والمعنى فليعبدوا الله من أجل إيلافهم الرحلتين فإن ذلك نعمة من الله عليهم: الثاني أنه يتعلق بمحذوف تقديره:
أعجبوا لإيلاف قريش: الثالث أنه يتعلق بسورة الفيل، والمعنى أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، فهو يتعلق بقوله: فجعلهم أو بما قبله من الأفعال. ويؤيد هذا أن السورتين في مصحف أبيّ بن كعب سورة واحدة لا فصل بينهما، وقد قرأهما عمر في ركعة واحدة من المغرب، وذكر الله الإيلاف مطلقا ثم أبدل منه الإيلاف المقيّد بالرحلتين تعظيما للأمر، ونصب رحلة لأنه مفعول بإيلافهم وقال: رحلة وأراد رحلتين فهو كقول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا.
ْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
هذا إقامة حجة عليهم بملاطفة واستدعاء لهم وتذكير بالنعم، والبيت هو المسجد الحرام
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ يحتمل أن يريد إطعامهم
стр. 994
بسبب الرحلتين، فقد روي أنهم كانوا قبل ذلك في شدة وضيق حال حتى أكلوا الجيف ويحتمل أن يريد إطعامهم على الإطلاق، فقد كان أهل مكة ساكنين بواد غير ذي زرع، ولكن الله أطعمهم مما يجلب إليهم من البلاد، بدعوة أبيهم إبراهيم ﵊، وهو قوله: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [البقرة: ١٢٦] وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ يحتمل أن يريد:
آمنهم من خوف أصحاب الفيل، ويحتمل أن يريد آمنهم في بلدهم بدعوة إبراهيم في قوله رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة: ١٢٦] وقد فسرناه في موضعه، أو يعني آمنهم في أسفارهم لأنهم كانوا في رحلتهم آمنين، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان غيرهم من الناس تؤخذ أموالهم وأنفسهم: وقيل: آمنهم من الجذام فلا يرى بمكة [أحد] مجذوما قال الزمخشري: التنكير في جوع وخوف لشدتهما.
стр. 995
سورة الماعون
مكية ثلاث الآيات الأول، مدنية الباقي: وآياتها ٧ نزلت بعد التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الماعون) أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ قيل: إن هذا نزل في أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وقيل: هو مطلق والدين هنا الملة أو الجزاء فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ أي يدفعه بعنف، وهذا الدفع يحتمل أن يكون عن إطعامه، والإحسان إليه أو عن ماله وحقوقه، وهذا أشدّ والذي لا يحض على طعام المسكين لا يطعمه من باب أولى. وهذه الجملة هي جواب أرأيت لأن معناها: أخبرني فكأنه سؤال وجواب والمعنى: انظر الذي كذب بالدين، تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة، والأعمال السيئة، وإنما ذلك لأن الدين يحمل صاحبه على فعل الحسنات. وترك السيئات فمقصود الكلام ذمّ الكفار وأحوالهم فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قيل: إن هذا نزل في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، والسورة على هذا نصفها مكي ونصفها مدني قاله أبو زيد السهيلي. وذلك أن ذكر أبي جهل وغيره من الكفار أكثر ما جاء في السور المكية، وذكر السهو عن الصلاة والرياء فيها، إنما هو من صفة الذين كانوا بالمدينة، لا سيما على قول من قال: أنها في عبد الله بن أبيّ، وقيل: إنها مكية كلها وهو الأشهر، ونزل آخرها على هذا في رجل أسلم بمكة ولم يكن صحيح الإيمان، وقيل: مدنية، والسهو عن الصلاة هو تركها أو تأخيرها تهاونا بها.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، قال: الذين يؤخرونها عن وقتها وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ هو من الرياء أي صلاتهم رياء للناس لا لله وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس. وفي الماعون أربعة أقوال: الأول أنه الزكاة، والثاني أنه المال بلغة قريش. الثالث أنه الماء، الرابع أنه ما يتعاطاه الناس بينهم كالآنية والفأس والدلو والمقص، وسئل رسول الله ﷺ : ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ فقال الماء والنار والملح وزاد في بعض الطرق الإبرة والخميرة.
стр. 996
سورة الكوثر
مكية وآياتها ٣ نزلت بعد العاديات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الكوثر) إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ هذا خطاب للنبي ﷺ والكوثر بثاء مبالغة من الكثرة وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول حوض النبي ﷺ : الثاني أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله [له] في الدنيا والآخرة. قاله ابن عباس وتبعه سعيد بن جبير، فإن قيل: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم. الثالث أن الكوثر القرآن. الرابع أنه كثرة الأصحاب والأتباع. الخامس أنه التوحيد. السادس أنه الشفاعة، السابع أنه نور وضعه الله في قلبه، ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض لما ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الكوثر هو نهر أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء «١» .
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ فيه خمسة أقوال: الأول أنه أمره بالصلاة على الإطلاق وبنحر الهدي والضحايا، الثاني أنه ﷺ كان يضحي قبل صلاة العيد فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة الثالث أن الكفار يصلون مكاء وتصدية وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه ﵌: صل لربك وحده وانحر له أي لوجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص. الرابع أن معنى انحر ضع يدك اليمنى على اليسرى عند صدرك في الصلاة فهو على هذا من النحر وهو الصدر. الخامس أن معناه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ الشانئ هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى العداوة، ونزلت هذه الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبي جهل على وجه الرد عليه إذ قال: إن محمدا أبتر أي لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا باللعنة بخلاف النبي ﷺ فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كوالدهم.
стр. 997
سورة الكافرون
مكية وآياتها ٦ نزلت بعد الماعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الكافرون) سبب هذه السورة أن قوما من قريش منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل وأبو جهل ونظراؤهم قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئا، ونزلت السورة في معنى البراءة من آلهتهم ولذلك قال رسول الله ﷺ : من قرأها فقد برىء من الشرك لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ هذا إخبار أنه لا يعبد أصنامهم، فإن قيل لم كرر هذا المعنى بقوله: ولا أنا عابد ما عبدتم؟
فالجواب من وجهين أحدهما قاله الزمخشري وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون يريد في الزمان المستقبل وقوله: ولا أنا عابد ما عبدتم يريد به فيما مضى، أي ما كنت قط عابدا ما عبدتم فيما سلف، فكيف تطلبون ذلك مني الآن. الثاني قاله ابن عطية: وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون لما كان يحتمل أن يراد به زمان الحال خاصة قال: ولا أنا عابد ما عبدتم أي: أبدا ما عشت. لأن لا النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال فقوله: لا أعبد لا يحتمل أن يراد به الحال. ويحتمل عندي أن يكون قوله: لا أعبد ما تعبدون يراد به في المستقبل، على حسب ما تقتضيه لا من الاستقبال، ويكون قوله ولا أنا عابد ما عبدتم يريد به في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال والاستقبال. ومعنى الحال في قوله ولا أنا عابد ما عبدتم ثم أظهر من معنى المضي الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال فإن قولك: ما زيد بقائم بنفي الجملة الاسمية يقتضي الحال.
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ هذا إخبار أن هؤلاء الكفار لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦] إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن هؤلاء الجماعة المذكورين هم أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبيّ بن خلف وأبن الحجاج وكلهم ماتوا كفارا، فإن قيل: لم قال ما أعبد بما دون من التي هي موضوعة لمن يعقل؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن ذلك لمناسبة قوله: لا أعبد ما تعبدون فإن هذا
стр. 998
واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ما أعبد على طريقته لتناسب اللفظ. الثاني أنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق قاله الزمخشري. الثالث أن ما مصدرية والتقدير: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وهذا ضعيف، فإن قيل لم كرّر هذا المعنى واللفظ فقال بعد ذلك: ولا أنتم عابدون ما أعبد مرة أخرى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما قول الزمخشري: وهو أن الأوّل في المستقبل والثاني فيما مضى والآخر قاله ابن عطية وهو أن الأول في الحال والثاني في الاستقبال فهو حتم عليهم أن لا يؤمنوا أبدا
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذه براءة منهم، وفيها مسالمة منسوخة بالسيف.
стр. 999
سورة النصر
نزلت بمنى في حجة الوداع فتعد مدنية وهي آخر ما نزل من سور القرآن وآياتها ٣ نزلت بعد التوبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة النصر) سأل عمر بن الخطاب جماعة من الصحابة ﵃ عن معنى هذه السورة فقالوا: إن الله أمر رسول الله ﷺ بالتسبيح والاستغفار عند النصر والفتح، وذلك على ظاهر لفظها فقال لابن عباس بمحضرهم: يا عبد الله ما تقول أنت؟ قال هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله بقربه إذا رأى النصر والفتح، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما علمت. وقد قال بهذا المعنى ابن مسعود وغيره، ويؤيده قول عائشة إن رسول الله ﷺ لما فتح مكة وأسلم جعل يكثر أن يقول سبحانك اللهم ويؤيده قول عائشة إن رسول الله ﷺ لما فتح مكة وأسلم جعل يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم إني أستغفرك يتأول القرآن، أي هذه السورة وقال لها مرة ما أراه إلا حضور أجلي.
وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى أيام التشريق في حجة الوداع. وعاش رسول الله ﷺ بعدها ثمانين يوما أو نحوها، وقال ابن مسعود: هذه السورة تسمى سورة التوديع.
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ يعني بالفتح فتح مكة والطائف وغيرهما من البلاد التي فتحها رسول الله ﷺ ، وقال ابن عباس: إن النصر صلح الحديبية والفتح فتح مكة وقيل: النصر إسلام أهل اليمن، والإخبار بذلك كله قبل وقوعه إخباره بغيب، فهو من أعلام النبوّة وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً أي جماعات، وذلك أنه أسلم بعد فتح مكة بشر كثير، فقد روي أن رسول الله ﷺ كان معه في فتح مكة عشرة آلاف، وكان معه في غزوة تبوك سبعون ألفا وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يمت رسول الله ﷺ وفي العرب رجل كافر «١» . وقد قيل: إن عدد المسلمين عند موته مائة ألف وأربعة عشر ألفا بل أكثر فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ قد ذكر التسبيح والاستغفار ومعنى بحمد ربك فيما تقدم، فإن قيل: لم أمره الله بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح، وعند اقتراب أجله؟ فالجواب أنه أمر بالتسبيح والحمد ليكون شكرا على النصر والفتح وظهور الإسلام وأمره بذلك وبالاستغفار عند اقتراب أجله ليكون ذلك زادا للآخرة وعدة للقاء الله.
стр. 1000
سورة المسد
مكية وآياتها ٥ نزلت بعد الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة أبي لهب) سببها أنه لما نزل قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] صعد رسول الله ﷺ على الصفا فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال لهم:
إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ثم أنذرهم عموما وخصوصا فقال له أبو لهب: تبا لك لهذا جمعتنا»
فنزلت السورة.
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ معنى تبت خسرت والتباب هو: الخسران، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وهو عمّ رسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس عداوة له فإن قيل: لم ذكره الله بكنيته دون اسمه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه أحدها أن كنيته كانت أغلب عليه من اسمه كأبي بكر وغيره ويقال: أنه كني بأبي لهب لتلهب وجهه جمالا: الثاني أنه لما كان اسمه عبد العزى عدل عنه إلى الكنية: الثالث أنه لما كان من أهل النار واللهب، كنّاه أبا لهب «٢» وليناسب ذلك قوله: سيصلى نارا ذات لهب.
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية يراد بها النفي، وماله هو رأس ماله وما كسب الربح. أو ماله ما ورث وما كسب هو ما اكتسبه لنفسه، وقيل: ماله جميع ماله وما كسب سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ هذا حتم عليه بدخول النار ومات بعد ذلك كافرا وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ اسم امرأته أم جميل بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وفي وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال أحدها أنها تحمل حطبا وشوكا فتلقيه في طريق النبي ﷺ لتؤذيه. الثاني أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة يقال:
فلان يحمل الحطب بين الناس أي: يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم. الثالث أنه عبارة عن سعيها بالمضرة على المسلمين يقال: فلان يحطب على فلان إذا قصد الإضرار به: الرابع
стр. 1001
أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ الجيد: العنق والمسد الليف، وقيل: الحبل المفتول، وفي المراد به ثلاثة أقوال: الأول أنه إخبار عن حملها الحطب في الدنيا على القول الأول، وفي ذلك تحقير لها وإظهار لخساسة حالها. والآخر أنه حالها في جهنم يكون كذلك أي يكون في عنقها حبل. الثالث أنها كانت لها قلادة فاخرة، فقالت لأنفقنها على عداوة محمد، فأخبر عن قلادتها بحبل المسد على جهة التفاؤل، والذم لها بتبرجها ويحتمل قوله: وامرأته وما بعده وجوها من الإعراب يختلف الوقف باختلافها وهي: أن يكون امرأته مبتدأ وحمالة الحطب خبره، أو يكون حمالة الحطب نعت والخبر: في جيدها حبل من مسد أو يكون امرأته معطوفا على الضمير في يصلى وحمالة الحطب نعت، أو خبر ابتداء مضمر.
стр. 1002
سورة الإخلاص
مكية وآياتها ٤ نزلت بعد الناس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الإخلاص) سبب نزول هذه السورة أن اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله ﷺ حتى خرّ مغشيا عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة، وقيل: إن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : أنسب لنا ربك فنزلت. وعلى الرواية الأولى تكون السورة مدنية، لأن سؤال اليهود بالمدينة وعلى الرواية الثانية تكون مكية.
واختلف في معنى قوله ﷺ : قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن «١» . فقيل: إن ذلك في الثواب، أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم وذلك أن علوم القرآن ثلاثة توحيد وأحكام وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن بهذا الإعتبار، وهذا أظهر وعليه حمل ابن عطية الحديث. ويؤيده أن في بعض روايات الحديث إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن وأخرج النسائي أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقرؤها فقال: أما هذا فقد غفر له، وفي رواية أنه قال وجبت له الجنة، وأخرج مسلم أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في الصلاة قل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها فقال رسول الله ﷺ أخبروه أن الله يحبه وفي رواية خرجّها الترمذي أنه ﷺ قال للرجل: حبك إياها أدخلك الجنة.
وخرّج الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: من قرأ قل هو الله أحد مائة مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الضمير هنا عند البصريين ضمير الأمر والشأن والذي يراد به التعظيم والتفخيم، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة
стр. 1003
التي بعده وهي المفسرة له، والله مبتدأ وأحد خبره وقيل: الله هو الخبر وأحد بدل منه وقيل: الله بدل وأحد هو الخبر. وأحد له معنيان أحدهما أن يكون من أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب كقولك: ما جاءني أحد وليس هذا موضع هذا المعنى وإنما موضعه قوله: ولم يكن له كفوا أحد والآخر أن يكون بمعنى واحد وأصله وحد بواو ثم أبدل من الواو همزة وهذا هو المراد هنا.
واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى.
الأول أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد. والثاني أنه واحد لا نظير ولا شريك له كما تقول: فلان واحد عصره أي لا نظير له والثالث أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [البقرة: ١٦٣] قال الزمخشري أحد وصف بالوحدانية ونفي الشركاء قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته وذلك في القرآن كثير جدا أوضحها أربعة براهين: الأول قوله أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] لأنه إذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات لم يمكن أن يكون واحد منها شريكا له، والثاني قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] والثالث قوله قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا والرابع قوله: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١] وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [البقرة: ١٦٣]
اللَّهُ الصَّمَدُ في معنى الصمد ثلاثة أقوال: أحدها أن الصمد الذي يصمد إليه في الأمور أي يلجأ إليه والآخر أنه لا يأكل ولا يشرب فهو كقوله: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ والثالث أنه الذي لا جوف له، والأول هو المراد هنا على الأظهر، ورجحه ابن عطية بأن الله موجد الموجودات وبه قوامها، فهي مفتقرة إليه أي تصمد إليه إذ لا تقوم بأنفسها. ورجّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير! لورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في مريم «وقالوا اتخذ الله ولدا» ثم أعقبه بقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] وقوله بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ [البقرة: ١١٧] وقوله:
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١١٦] وكذلك هنا ذكره مع قوله لم يلد فيكون برهانا على نفي الولد، قال الزمخشري: صمد فعل بمعنى مفعول لأنه مصمود إليه في الحوائج لَمْ يَلِدْ. هذا ردّ على كل من جعل لله ولدا فمنهم النصارى في قولهم: «عيسى ابن الله» واليهود في قولهم: «عزير ابن الله» والعرب في قولهم: «الملائكة بنات الله» وقد أقام الله البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها أربعة أقوال: الأول، أن الولد لا بد أن يكون من جنس والده. والله تعالى ليس له جنس فلا
стр. 1004
يمكن أن يكون له ولد وإليه الإشارة بقوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥] فوصفهما بصفة الحدوث لينفي عنهما صفة القدم فتبطل مقالة الكفار والثاني: أن الوالد إنما يتخذ ولدا للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء فلا يتخذ ولدا وإلى هذا أشار بقوله: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [يونس: ٦٨] الثالث: أن جميع الخلق عباد الله والعبودية تنافي النبوة وإلى هذا أشار بقوله تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] الرابع أنه لا يكون له ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [الأنعام: ١٠١] وَلَمْ يُولَدْ هذا رد على الذين قالوا: أنسب لنا ربك، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودا تعالى عن ذلك
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ الكفؤ هو النظير والمماثل قال الزمخشري يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفيا للصاحبة وهذا بعيد والأول هو الصحيح ومعناه أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل، ويجوز في كفوءا ضم الفاء وإسكانها مع ضم الكاف، وقد قرئ بالوجهين ويجوز أيضا كسر الكاف وإسكان الفاء، ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدّ ويجوز فيه الهمزة والتسهيل «١» وانتصب كفوا على أنه خبر كان، وأحد اسمها قال ابن عطية: ويجوز أن يكون كفوا حالها لكونه كان صفة للنكرة فقدم عليها، فإن قيل: لم قدّم المجرور وهو له على اسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع غير خبر أن يؤخر؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه قدم للاعتناء به والتعظيم، لأنه ضمير الله تعالى وشأن العرب تقديم ما هو أهم وأولى. والآخر أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فإنه ليس المقصود نفي الكفؤ مطلقا إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك اعتنى بهذا المجرور الذي يحرز هذا المعنى، فقدم.
فإن قيل: إن قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يقتضي نفي الولد والكفؤ فلم نص على ذلك بعده؟ فالجواب أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في عموم ما تقدم، كقوله تعالى: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨] ويفعل ذلك لوجهين يصح كل واحد منهما هنا أحدهما الاعتناء، ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي الاعتناء به للرد على من قال خلاف ذلك من الكفار. والآخر الإيضاح والبيان، فإن دخول الشيء في ضمن العموم ليس كالنص عليه فنص على هذا بيانا. وإيضاحا للمعنى ومبالغة في الرد على الكفار، وتأكيدا لإقامة الحجة عليهم.
стр. 1005
سورة الفلق
مكية وآياتها ٥ نزلت بعد الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الفلق) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ تقدم معنى أعوذ في التعوذ ومعنى رب في اللغات والفاتحة، وفي الفلق ثلاثة أقوال: الأول أنه الصبح ومنه فالق الإصباح قال الزمخشري: هو فعل بمعنى مفعول، الثاني: أنه كل ما يفلقه الله كفلق الأرض عن النبات والجبال عن العيون: والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد والحب والنوى وغير ذلك، الثالث: أنه جب في جهنم، وقد روي هذا عن رسول الله ﷺ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ هذا عموم في جميع المخلوقات وشرهم على أنواع كثيرة، أعاذنا الله منها وما هنا موصولة أو موصوفة أو مصدرية وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ فيه سبعة أقوال، الأول: أنه الليل إذا أظلم ومنه قوله تعالى: «إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ» وهذا قول الأكثرين، وذلك ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الإنس والجن، ولذلك قال في المثل: الليل أخفى للويل. الثاني: أنه القمر. خرّج النسائي أن رسول الله ﷺ رأى القمر فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب ووقوبه هذا كسوفه، لأن وقب في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسواد وبمعنى الدخول فالمعنى إذا دخل في الكسوف أو إذا أظلم به. الثالث: أنه الشمس إذا غربت والوقوب على هذا المعنى الظلمة أو الدخول. الرابع: أن الغاسق النهار إذا دخل في الليل، وهذا قريب من الذي قبله، الخامس: أن الغاسق سقوط الثريا وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وروي أن رسول الله ﷺ قال: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا السادس قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه الرابع أنه إبليس حكى ذلك السهيلي
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ النفث شبه النفخ دون تفل وريق قاله ابن عطية وقال الزمخشري: هو النفخ مع ريق وهذا النفث ضرب من السحر وهو: أن ينفث على عقد تعقد في خيط أو نحوه على اسم مسحور فيضره ذلك وحكى ابن عطية: أنه حدثه ثقة أنه رأى عند بعض الناس بصحراء المغرب خيطا أحمر قد عقدت فيه عقد على فصلان وهي أولاد الإبل فمنعها بذلك من رضاع أمهاتها، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل
стр. 1006
إلى أمه فرضع في الحين قال الزمخشري: إن في الاستعاذة من النفاثات ثلاثة أوجه: أحدها أن يستعاذ من مثل عملهن وهو السحر ومن ائتمن في ذلك والثاني أن يستعاذ من خداعهن للناس وفتنتهن. والثالث أن يستعاذ مما يصيب من الشر عند نفثهن. والنفاثات بناء مبالغة والموصوف محذوف تقديره: النساء النفاثات، والجماعة النفاثات، أو النفوس النفاثات والأول أصح لأنه روي أنه إشارة إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي، وكنّ ساحرات سحرن هن وأبوهنّ رسول الله ﵌ وعقدن له إحدى عشر عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشر آية بعدد العقد وشفى الله رسوله ﵌، فإن قيل: لم عرّف النفاثات بالألف واللام ونكر ما قبله وهو غاسق وما بعده وهو حاسد مع أن الجميع مستعاذ منه؟ فالجواب أنه عرف النفاثات ليفيد العموم لأنه كل نفاثة شريرة بخلاف الغاسق والحاسد فإن شرهما في بعض دون البعض مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ الحسد خلق مذموم طبعا وشرعا قال رسول الله ﷺ : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب «١» وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عصي الله بها في السماء والأرض أما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فقتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد، ثم إن الحسد على درجات الأولى أن يحب الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه بل يكره إنعام الله على غيره ويتألم به الثانية أن يحب زوال تلك النعمة لرغبته فيها رجاء انتقالها إليه.
الثالثة أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن غيره وهذا جائز وليس بحسد وإنما هو غبطة. والحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: أحدها اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام الثانية سوء الأدب مع الله تعالى، فإن حقيقة الحسد كراهية إنعام الله على عبده واعتراض على الله في فعله الثالثة تألم قلبه من كثرة همه وغمه، فنرغب إلى الله أن يجعلنا محسودين لا حاسدين، فإن المحسود في نعمة والحاسد في كرب ونقمة، ولله در القائل:
وإني لأرحم حسّادي لفرط ما ... ضمّت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ثم إن الحسود لا تزال عداوته ولا تنفع مداراته وهو ظالم يشاكي كأنه مظلوم، ولقد صدق القائل:
стр. 1007
كل العداوة قد ترجى إزالتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
قال ابن عطية قال بعض الحذاق هذه السورة خمس آيات وهي مراد الناس بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينك، فإن قيل: إذا وقب، وإذا حسد فقيد بإذا التي تقتضي تخصيص بعض الأوقات؟ فالجواب أن شر الحاسد ومضرته إنما تقع إذا أمضى حسده، فحينئذ يضر بقوله أو بفعله أو بإصابته بالعين، فإن عين الحسود قاتلة. وأما إذا لم يمض حسده ولم يتصرف بمقتضاه فشره ضعيف ولذلك قال رسول الله ﷺ : ثلاث لا ينجو منهن أحد: الحسد والظن والطيرة، فمخرجه من الحسد أن لا يبقى ومخرجه من الظن أن لا يحقق ومخرجه من الطيرة ألا يرجع «١» ، فلهذا خصه بقوله إذا وقب، فإن قيل إن قوله من شر ما خلق عموم يدخل تحته كل ما ذكر بعده فلأي شيء ذكر ما بعده؟ فالجواب أن هذا من التجريد للاعتناء بالمذكور بعد العموم، ولقد تأكد ما ذكر في هذه السورة بعد العموم بسبب السحر الذي سحر اليهود رسول الله ﷺ وشدة حسدهم له.
стр. 1008
سورة الناس
مكية وآياتها ٦ نزلت بعد الفلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة الناس) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إن قيل لم أضاف الرب إلى الناس خاصة وهو رب كل شيء؟ فالجواب أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فخصهم بالذكر لأنهم المعوذين بهذا التعويذ والمقصودون هنا دون غيرهم مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ هذا عطف بيان، فإن قيل: لم قدم وصفه تعالى برب ثم بملك ثم بإله؟ فالجواب أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى وذلك أن الرب قد يطلق على كثير من الناس، فيقال فلان رب الدار، وشبه ذلك فبدأ به لاشتراك معناه، وأما الملك فلا يوصف به إلا أحد من الناس، وهم الملوك ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس، فلذلك جاء به بعد الرب، وأما الإله فهو أعلى من الملك ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير فلذلك ختم به فإن قيل: لم أظهر المضاف إليه وهو الناس في المرة الثانية والثالثة فهلا أضمره في المرتين لتقديم ذكره في قوله برب الناس أو هلا اكتفى بإظهاره في المرة الثانية؟ فالجواب أنه لما كان عطف بيان حسن فيه البيان وهو الإظهار دون الإضمار، وقصد أيضا الاعتناء بالمكرر ذكره كقول الشاعر
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... يبغص الموت ذا الغنى والفقير
الْوَسْواسِ وهو مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي، فيحتمل أن يكون الوسواس بمعنى الموسوس فكأنه اسم فاعل وهذا يظهر من قول ابن عطية: الوسواس من اسماء الشيطان، ويحتمل أن يكون مصدرا وصف به الموسوس على وجه المبالغة، كعدّل وصوّم أو على حذف مضاف تقديره ذي الوسواس وقال الزمخشري: إنما المصدر وسواس بالكفر الْخَنَّاسِ معناه الراجع على عقبه المستمر أحيانا وذلك متمكن في الشيطان فإنه يوسوس فإذا ذكر العبد الله وتعوذ به منه تباعد عنه، ثم رجع إليه عند الغفلة عن الذكر، وهو يخنس في تباعده ثم في رجوعه بعد ذلك الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ وسوسة
стр. 1009
الشيطان في صدر الإنسان بأنواع كثيرة منها: إفساد الإيمان والتشكيك في العقائد فإن لم يقدر على ذلك أمره بالمعاصي، فإن لم يقدر على ذلك ثبّطه عن الطاعات، فإن لم يقدر على ذلك أدخل عليه الرياء في الطاعات ليحبطها، فإن سلم من ذلك أدخل عليه العجب بنفسه، واستكثار عمله، ومن ذلك أنه يوقد في القلب نار الحسد، والحقد، والغضب، حتى يقود الإنسان إلى شر الأعمال وأقبح الأحوال وعلاج وسوسته بثلاثة أشياء واحدها الإكثار من ذكر الله وثانيها الإكثار من الاستعاذة بالله منه ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة وثالثها مخالفته والعزم على عصيانه فإن قيل: لم قال في الصدور الناس ولم يقل: في قلوب الناس؟ فالجواب أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها غير حالّة في القلب بل هي محوّمة في صدور حول القلب
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ هذا بيان لجنس الوسواس وأنه يكون من الجن، ومن الناس، ثم إن الموسوس من الإنس يحتمل أن يريد من يوسوس بخدعه وأقواله الخبيثة، فإنه الشيطان كما قال تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: ١١٢] أو يريد به نفس الإنسان إذ تأمره بالسوء، فإنها أمّارة بالسوء والأول أظهر، وقيل: من الناس معطوف على الوسواس كأنه قال: أعوذ من شر الوسواس من الجنة ومن شر الناس، وليس الناس على هذا ممن يوسوس. والأول أظهر وأشهر.
فإن قيل: لم ختم القرآن بالمعوذتين وما الحكمة في ذلك؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير لما كان القرآن من أعظم النعم على عباده، والنعم مظنة الحسد فختم بما يطفئ الحسد من الاستعاذة بالله. الثاني يظهر لي أن المعوذتين ختم بهما لأن رسول الله ﷺ قال فيهما: أنزلت عليّ آيات لم ير مثلهن قط كما قال في فاتحة الكتاب: لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها واختتم بسورتين لم ير مثلهما ليجمع حسن الافتتاح والاختتام، ألا ترى أن الخطب والرسائل والقصائد وغير ذلك من أنواع الكلام إنما ينظر فيها إلى حسن افتتاحها واختتامها. الوجه الثالث يظهر لي أيضا أنه لما أمر القارئ أن يفتتح قراءته بالتعوذ من الشيطان الرجيم، ختم القرآن بالمعوذتين ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القراءة، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي الابتداء والانتهاء، وليكون القارئ محفوظا بحفظ الله الذي استعاذ به من أول أمره إلى آخره وبالله التوفيق لا رب غيره.
تم بفضل الله كتاب التسهيل لعلوم التنزيل للإمام محمد بن أحمد بن جزي ﵀ وأجزل مثوبته راجيا من الله حسن الختام لكل من قرأه وانتفع به ودعا لمصححه وناشره وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 1010
فهرس المحتويات
سورة طه مكية وآياتها خمس وثلاثون ومائة ٥ سورة الأنبياء مكية وآياتها اثنتا عشرة ومائة ١٨ سورة الحج مدنية وآياتها ثمان وسبعون ٣٢ سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة ٤٨ سورة النور مدنية وآياتها أربع وستون ٥٩ سورة الفرقان مكية وآياتها سبع وسبعون ٧٨ سورة الشعراء مكية وآياتها سبع وعشرون ومائتان ٨٨ سورة النمل مكية وآياتها ثلاث وتسعون ٩٨ سورة القصص مكية وآياتها ثمان وثمانون ١٠٩ سورة العنكبوت مكية وآياتها تسع وستون ١٢٢ سورة الروم مكية وآياتها ستون ١٣٠ سورة لقمان مكية وآياتها أربع وثلاثون ١٣٧ سورة السجدة مكية وآياتها ثلاثون ١٤١ سورة الأحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون ١٤٥ سورة سبأ مكية وآياتها أربع وخمسون ١٦٠ سورة فاطر مكية وآياتها خمس وأربعون ١٧١ سورة يس مكية وآياتها ثلاث وثمانون ١٧٩ سورة الصافات مكية وآياتها ثنتان وثمانون ومائة ١٨٨ سورة ص مكية وآياتها ثمان وثمانون ٢٠١ سورة الزمر مكية وآياتها خمس وسبعون ٢١٥ سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون ٢٢٧ سورة فصلت مكية وآياتها أربع وخمسون ٢٣٧ سورة الشورى مكية وآياتها ثلاث وخمسون ٢٤٤ سورة الزخرف مكية وآياتها تسع وثمانون ٢٥٤
стр. 1011
سورة الدخان مكية وآياتها تسع وخمسون ٢٦٦ سورة الجاثية مكية وآياتها سبع وثلاثون ٢٧٠ سورة الأحقاف مكية وآياتها خمس وثلاثون ٢٧٤ سورة محمد مدنية وآياتها ثمان وثلاثون ٢٨٠ سورة الفتح مدنية وآياتها تسع وعشرون ٢٨٦ سورة الحجرات مدنية وآياتها ثماني عشرة ٢٩٤ سورة ق مكية وآياتها خمس وأربعون ٣٠٠ سورة الذاريات مكية وآياتها ستون ٣٠٦ سورة الطور مكية وآياتها تسع وأربعون ٣١١ سورة النجم مكية وآياتها ثنتان وستون ٣١٦ سورة القمر مكية وآياتها خمس وخمسون ٣٢٢ سورة الرحمن مدنية وآياتها ثمان وسبعون ٣٢٧ سورة الواقعة مكية وآياتها ست وتسعون ٣٣٣ سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون ٣٤٣ سورة المجادلة مدنية وآياتها ثنتان وعشرون ٣٥١ سورة الحشر مدنية وآياتها أربع وعشرون ٣٥٧ سورة الممتحنة مدنية وآياتها ثلاث عشرة ٣٦٤ سورة الصف مدنية وآياتها أربع عشرة ٣٧٠ سورة الجمعة مدنية وآياتها إحدى عشرة ٣٧٣ سورة المنافقون مدنية وآياتها إحدى عشرة ٣٧٧ سورة التغابن مدنية وآياتها ثماني عشرة ٣٨٠ سورة الطلاق مدنية وآياتها اثنتا عشرة ٣٨٣ سورة التحريم مدنية وآياتها اثنتا عشرة ٣٨٩ سورة الملك مكية وآياتها ثلاثون ٣٩٤ سورة القلم مكية وآياتها ثنتان وخمسون ٣٩٨ سورة الحاقة مكية وآياتها ثنتان وخمسون ٤٠٤ سورة المعارج مكية وآياتها أربع وأربعون ٤٠٩ سورة نوح مكية وآياتها ثمان وعشرون ٤١٣ سورة الجن مكية وآياتها ثمان وعشرون ٤١٧ سورة المزمل مكية وآياتها عشرون ٤٢٢ سورة المدثر مكية وآياتها ست وخمسون ٤٢٧ سورة القيامة مكية وآياتها أربعون ٤٤٤
стр. 1012
سورة الإنسان مدنية وآياتها إحدى وثلاثون ٤٣٦ سورة المرسلات مكية وآياتها خمسون ٤٤١ سورة النبأ مكية وآياتها أربعون ٤٤٤ سورة النازعات مكية وآياتها ست وأربعون ٤٤٨ سورة عبس مكية وآياتها ثنتان وأربعون ٤٥٢ سورة التكوير مكية وآياتها تسع وعشرون ٤٥٥ سورة الانفطار مكية وآياتها تسع عشرة ٤٥٨ سورة المطففين مكية وآياتها ست وثلاثون ٤٦٠ سورة الانشقاق مكية وآياتها خمس وعشرون ٤٦٤ سورة البروج مكية وآياتها ثنتان وعشرون ٤٦٧ سورة الطارق مكية وآياتها سبع عشرة ٤٧١ سورة الأعلى مكية وآياتها تسع عشرة ٤٧٣ سورة الغاشية مكية وآياتها ست وعشرون ٤٧٦ سورة الفجر مكية وآياتها ثلاثون ٤٧٨ سورة البلد مكية وآياتها عشرون ٤٨٣ سورة الشمس مكية وآياتها خمس عشرة ٤٨٦ سورة الليل مكية وآياتها إحدى وعشرون ٤٨٨ سورة والضحى مكية وآياتها إحدى عشرة ٤٩٠ سورة الشرح مكية وآياتها ثمان ٤٩٢ سورة التين مكية وآياتها ثمان ٤٩٤ سورة العلق مكية وآياتها تسع عشرة ٤٩٦ سورة القدر مكية وآياتها خمس ٤٩٩ سورة البينة مدنية وآياتها ثمان ٥٠١ سورة الزلزلة مدنية وآياتها ثمان ٥٠٣ سورة العاديات مكية وآياتها إحدى عشرة ٥٠٥ سورة القارعة مكية وآياتها إحدى عشرة ٥٠٧ سورة التكاثر مكية وآياتها ثمان ٥٠٩ سورة العصر مكية وآياتها ثلاث ٥١١ سورة الهمزة مكية وآياتها تسع ٥١٢ سورة الفيل مكية وآياتها خمس ٥١٣ سورة قريش مكية وآياتها أربع ٥١٤ سورة الماعون مكية وآياتها سبع ٥١٦
стр. 1013
سورة الكوثر مكية وآياتها ثلاث ٥١٧ سورة الكافرون مكية وآياتها ست ٥١٨ سورة النصر مدنية وآياتها ثلاث ٥٢٠ سورة المسد مكية وآياتها خمس ٥٢١ سورة الإخلاص مكية وآياتها أربع ٥٢٣ سورة الفلق مكية وآياتها خمس ٥٢٦ سورة الناس مكية وآياتها ست ٥٢٩