← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

البعث، وقد ضرب- سبحانه- المثل له بإحياء الأرض بالنبات في الكثير من الآيات. والعجب ممّن ينكر علوم الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف يشكل ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحت على سبيل الاستدلال، وتحكيم أدلة العقول «١» ؟ ولكن يهدى الله لنوره من يشاء. ولو أنهم أنصفوا من أنفسهم، واشتغلوا بأهم شىء عندهم لما ضيّعوا أصول الدّين، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد، وادّعوا في الفروع رتبة الإمامة والتصدّر.. ويقال في معناه: يا من تصدّر في دست الإمامة فى ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيّدت فرعا وما مهّدت تأسيسا! قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٣٦] سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) تنبّه هذه الاية على التفكّر في بديع صنعه فقال: تنزيها لمن خلق الأشياء المتشاكلة فى الأجزاء والأعضاء، من النبات، ومن أنفسهم، ومن الأشياء الأخرى التي لا يعلمون تفصيلها، كيف جعل أوصافها في الطعوم والروائح، فى الشكل والهيئة، فى اختلاف الأشجار فى أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأزهارها، واختلاف أشكال تمارها فى تفرّقها واجتماعها، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قوم: الطبائع فى الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واختلاف الأحداث التي يخلقها الله عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان. ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، فالأوقات متجانسة، والأزمان متماثلة، والجواهر متشاكلة.. وهذه الأحكام مختلفة، ولولا تخصيص حكم لكل شىء بما اختصّ به لم يكن تخصيص بغير ذلك أولى منه. وإنّ من كحّل الله عيون بصيرته بيمن التعريف، وقرن أوقاته بالتوفيق، وأتم نظره، ولم يصده مانع.. فما أقوى في المسائل حجّته! وما أوضح فى السلوك نهجه!.

стр. 1507

إنّها لأقسام سبقت على من شاءه الحقّ بما شاء. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٣٧] وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) نبطل ضوء النهار بهجوم الليل عليه، وتزيل ظلام الليل بهجوم النهار عليه، كذلك نهار الوجود يدخل على ليالى التوقف، ويقود بيد كرمه عصا من عمى عن سلوك رشده فيهديه إلى سواء الطريق. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) على ترتيب معلوم لا يتفاوت في فصول السنة، وكل يوم لها مشرق جديد ولها مغرب جديد.. وكل هذا بتقدير العزيز العليم. «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» الإشارة منه أن العبد في أوان الطلب رقيق الحال، ضعيف، مختصر الفهم.. ثم يفكّر حتى تزداد بصيرته ... إنه كالقمر يصير كاملا، ثم يتناقص، ويدنو من الشمس قليلا قليلا، وكلّما ازداد من الشمس دنوّا ازداد في نفسه نقصانا حتى يتلاشى ويختفى ولا يرى ... ثم يبعد عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدرا- من الذي يصرّفه في ذلك إلّا أنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته، صاحب تمكين غير متلوّن «١» ، يشرق من برج سعادته دائما، لا يأخذه كسوف، ولا يستره سحاب. وشبيه القمر عبد تتلون أحواله في تنقله فهو في حال من البسط يترقّى إلى حدّ الوصال، ثم يردّ إلى الفترة، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال، فيتناقص، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته، ثم يجود الحقّ- سبحانه- فيوفّقه لرجوعه عن فترته،

стр. 1508

وإفاقته عن سكرته، فلا يزال يصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال، ويرزق صفة الكمال، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال.. كذلك حاله إلى أن يحقّ له بالمقسوم ارتحاله، كما قالوا: ما كنت أشكو ما على بدني ... من كثرة التلوين من بدّته «١» وأنشدوا: كلّ يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) الإشارة فيه إلى حمل الخلق في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها بفنون من التغيير والتأثير. فكم من عبد غرق في اشتغاله في ليله ونهاره، لا يستريح لحظة من كدّ أفعاله ومقاساة التعب في أعماله، وجمع ماله. فجرّه ذلك إلى نسيان عاقبته ومآله، واستيلاء شغله بولده وعياله على فكره وباله- وما سعيه إلّا في وباله! وكم من عبد غرق في لجّة هواه، فجرّته مناه إلى تحمّل بلواه، وخسيس من أمر مطلوبه ومبتغاه.. ثم لا يصل قط إلى منتهاه، خسر دنياه وعقباه، وبقي عن مولاه! ومن أمثال هذا وذاك ما لا يحصى، وعلى عقل من فكّر واعتبر لا يخفى. أمّا إذا حفظ عبدا في سفينة العناية أفرده- سبحانة- بالتحرّر من رقّ خسائس الأمور، وشغله بظاهره بالقيام بحقّه، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربّه، ورقّاه إلى ما قال: «أنا جليس من ذكرنى» .. وقل في علوّ شأن من هذه صفته.. ولا حرج! قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) .

стр. 1509

لولا جوده وفضله لحلّ بهم من البلاء ما حلّ بأمثالهم، لكنه بحسن الأفضال، يحفظهم فى جميع الأحوال. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) الآيات هذه صفات من سيّبهم «١» فى أودية الخذلان، ووسمهم بسمة الحرمان، وأصمّهم عن سماع الرّشد، وصدّهم بالخذلان عن سلوك القصد، فلا تأتيهم آية في الزّجر إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام انقباضهم، وإذا أمروا بالإنفاق والإطعام عارضوا بأنّ الله رازق الأنام، وإن يشأ نظر إليهم بالإنعام: - «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» ثم قال جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) يستعجلون هجوم الساعة، ويستبطئون قيام القيامة- لا عن تصديق يريحهم من شكّهم، أو عن خوف يمنعهم عن غيّهم، ولكن تكذيبا لدعوة الرسل، وإنكارا لصحة النبوة، واستبعادا للنشر والحشر. ويوم القيامة هم في العذاب محضرون، ولا يكشف عنهم، ولا ينصرون. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥١ الى ٥٤] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)

стр. 1510

يموتون قهرا، ويحشرون جبرا، ويلقون أمرا، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. «قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا «١» مِنْ مَرْقَدِنا؟» يموتون على جهل، لا يعرفون ربّهم، ويبعثون على مثل حالهم، لا يعرفون من بعثهم، ويعدون ما كانوا فيه في قبورهم من العقوبة الشديدة- بالإضافة إلى ما سيلقون من الآلام الجديدة- نوما ورقادا، وسيطئون من الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهادا، لا يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغسّاقا، ولقد عوملوا بذلك استحقاقا: فقد قال جل ذكره: - «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٥٧] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) إنما يضاف العبد إلى ما كان الغالب عليه ذكره والآخذ بمجامع قلبه، فصاحب الدنيا من فى أسرها، وأصحاب الجنة من هم طلّابها والساعون لها والعاملون لنيلها قال تعالى مخبرا عن أقوالهم وأخوالهم: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» «٢» . وهذه الأحوال- وإن جلّت منهم ولهم- فهى بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر، قال ﷺ : «أكثر أهل الجنة البله» «٣» ومن كان في الدنيا عن الدنيا حرّا فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حرا، والله يختص برحمته من يشاء. وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين، فيقول لهم: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ»

стр. 1511

وهم أهل الحضرة والدنو، لا تشغلهم الجنة عن أنس القربة، وراحات الوصلة، والفراغ للرؤية «١» ويقال: لو علموا عمّن شغلوا لما تهنّأوا بما شغلوا. ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ..» كأنه يخاطبهم مخاطبة المعاينة إجلالا لهم كما يقال: الشيخ يفعل كذا، ويراد به: أنت تفعل كذا. ويقال: إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار، ولم يدخلوا الجنة بعد لعصيانهم فيقول الحق: عبدى.. أهل النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل عنك لأنهم في لذّاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم فليس لك اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم، وذلك من أتمّ الأشغال، وهي أشغال مؤنسة مريحة لا متعبة موحشة. ويقال: الحقّ لا يتعلّق به حقّ ولا باطل فلا تنافى بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليوم مشغولون مستديمون لمعرفته بأى حالة هم، ولا يقدح اشتغالهم- باستيفاء حظوظهم- فى معارفهم. ويقال شغل نفوسهم بشهواتها «٢» حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبة من إحساس النّفس الذي هو أصعب الرّقباء، ولا شىء أعلى من رؤية الحبيب مع فقد الرقيب. قوله جل ذكره: «هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ» .

стр. 1512

«أَزْواجُهُمْ» : قيل أشكالهم في الحال والمنزلة، كقوله: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ» «١» وقيل حظاياهم «٢» من زوجاتهم. «لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» «لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ» : أي نصيب أنفسهم. ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس. «لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» : ما يريدون، ويقال تسلم لهم دواعيهم، والدعوى- إذا كانت بغير حقّ- معلولة. قوله تعالى: [سورة يس (٣٦) : آية ٥٨] سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) يسمعون كلامه وسلامه بلا واسطة، وأكّد ذلك بقوله: «قَوْلًا» . وبقوله: «مِنْ رَبٍّ» ليعلم أنه ليس سلاما على لسان سفير. «مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» . والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يسلّم عليهم لتكمل لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن ينقّيهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة. ويقال إنما قال: «مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نفس، ولرجائهم مساغ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي. ويقال: قال ذلك ليعلم العبد أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل إليه برحمة ربه. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٥٩] وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) غيبة الرقيب أتمّ نعمة، وإبعاد العدوّ «٣» من أجلّ العوارف «٤» فالأولياء في إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة.

стр. 1513

قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٠ الى ٦١] أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) لو كان هذا القول من مخلوق إلى مخلوق لكان شبه اعتذار أي لقد نصحتكم ووعظتكم، ومن هذا حذّرتكم، وكم أوصلت لكم القول، وذكّرتكم فلم تقبلوا وعظي، ولم تعملوا بأمرى، فأنتم خالفتم، وعلى أنفسكم ظلمتم، وبذلك سبقت القضية منّا لكم. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٦٥] الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) اليوم سخّر الله أعضاء بدن الإنسان بعضها لبعض، وغدا ينقض هذه العادة، فتخرج بمض الأعضاء على بعض، وتجرى بينها الخصومة والنزاع فأمّا الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة، وأمّا العصاة من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعض أعضائهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضا بالإحسان، وكما قيل: بينى وبينك يا ظلوم الموقف ... والحاكم العدل الجواد المنصف وفي بعض الأخبار المروية المسندة أنّ عبدا تشهد عليه أعضاؤه بالزّلّة فيتطاير شعره من جفن عينيه، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق: تكلمى يا شعرة جفن عبدى واحتجّى عن عبدى، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادى مناد: هذا عتيق الله بشعرة. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٦٨] وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) ؟ يردّه إذا استوى شبابه وقوّته إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة يأخذ في النقصان إلى أن يبلغ أرذل العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف، ثم لا يبقى بعد النقصان شىء، كما قيل: طوى العصران ما نشراه منى ... وأبلى جدنى نشر وطيّ

стр. 1514

أرانى كلّ يوم في انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شيّ هذا في الجثث والمبانى دون الأحوال والمعاني فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حدّ الخرف «١» فيختلّ رأيه وعقله. وأهل الحقائق تشيب ذوائبهم ولكنّ محابّهم ومعانيهم فى عنفوان شبابها، وطراوة جدّتها. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٦٩] وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) كلامه ﷺ كان خارجا عن أوزان الشّعر، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر، ولا من طرق الخطباء. تحيّر القوم في بابه ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٧٥] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) ذكر عظيم منّته عليهم، وجميل نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع. ولفظ «أَيْدِينا» توسّع. أي مما عملنا وخلقنا، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها، وبشرب ألبانها، وبالحمل عليها، وقطع المسافات بها، ثم بأصوافها وأوبارها وشعرها ثم بعظم بعضها.. فطالبهم بالشكر عليها، ووصفهم بالتقصير في شكرهم. ثم أظهر- ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية- أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان: - [سورة يس (٣٦) : آية ٧٦] فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)

стр. 1515

اكتفوا بأمثالهم «١» معبودات لهم، ثم سلّى نبيّه- ﷺ بأن قال له: - «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» وإذا علم العبد أنّه بمرأى من الحقّ هان عليه ما يقاسيه، ولا سيما إذا كان في الله. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٧٧] أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) أي شددنا أسرهم، وجمعنا نشرهم، وسوّينا أعضاءهم، وركّببنا أجزاءهم، وأودعناهم العقل والتمييز.. ثم إنه «خَصِيمٌ مُبِينٌ» : ينازعنا في خطابه، ويعترض علينا في أحكامنا بزعمه واستصوابه، وكما قيل: أعلّمه الرماية كلّ يوم ... فلمّا اشتدّ ساعده رمانى قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٨ الى ٨١] «٢» وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) مهّد لهم سبيل الاستدلال، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء، فأى إشكال بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإنّ الذي قدر على خلق النار في الأغصان الرّطبة من المرخ والعفار «٣» قادر على خلق الحياة في الرّمة البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مثل الشيء

стр. 1516

كالقدرة عليه لاستوائهما بكلّ وجه، وإنه يحيى النفوس بعد موتها في العرصة كما يحى الإنسان من النطفة، والطير «١» من البيضة، ويحيى القلوب بالعرفان لأهل الإيمان كما يميت نفوس أهل الكفر بالهوى والطغيان. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٨٢] إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» بخلقه وقدرته. وأخبرنا أنه تتعلّق بالمكوّن كلمته على ما يجب في صفته، وسيّان عنده خلق الكثير في كثرته والقليل في قلّته. قوله جل ذكره: [سورة يس (٣٦) : آية ٨٣] فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) أي بقدرته ظهور كلّ شىء: فلا يحدث شىء- قلّ أو كثر- إلا بإبداعه وإنشائه، ولا يبقى منها شىء إلا بإبقائه، فمنه ظهور ما يحدث، وإليه مصير ما يخلق

стр. 1517

سورة الصّافّات قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة إذا استولت على قلب أزالت عنه أولا من الدارين أربه، ثم ألزمت على وجه التبعية حربه، ثم شرّفت من حيث الهمة طلبه. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) افتتح الله هذه السورة بالقسم بالصافات، وهم الملائكة المصطفّة في السماء وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق- سبحانه- من المكان يلازموته، والأمر يعانقون يسبّحونه ويقدّسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه. «فَالزَّاجِراتِ زَجْراً» عطفهم على ما تقدّم بحرف الفاء وهم الملائكة الذين يزجرون السحاب. ويقال يزجرون الناس عن المعاصي. ويقال هي الخواطر الزاجرة عن المناهي. «فَالتَّالِياتِ ذِكْراً» يقال «الصَّافَّاتِ» الطيور المصطفّة في السماء، «فَالتَّالِياتِ ذِكْراً» الملائكة يتلون كتاب الله، ويتلون الوحى على الأنبياء ﵈. «إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» هذا هو المقسوم عليه. أخبر أنه سبحانه واحد في ملكه، وذلك لأنهم تعجّبوا أن يقوم الواحد بجميع أحوال العالم. ومعنى كونه واحدا تفرّده في حقّه عن القسمة، وتقدّسه في وجوده عن الشبيه، وتنزّهه فى

стр. 1518

ملكه عن الشريك واحد في جلاله، واحد في استحقاق جماله، واحد في أفعاله، واحد في كبريائه بنعت علائه، ووصف سنائه. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ٥] رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) مالك السماوات والأرض وما بينهما، وخالقهما، وأكساب العباد داخلة في هذا «١» . «وَرَبُّ الْمَشارِقِ» مشارق النجوم والشمس والقمر، ومشارق القلوب بشموسها وأقمارها ونجومها. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦ الى ٧] إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) زيّن السماء الدنيا بالنجوم، وقلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ السماوات بأن جعل النجوم للشياطين رجوما، وكذلك زيّن القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٠] إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقى إليهم شيئا من وساوسه تذكّروا، فإذا هم مبصرون، ورجعوا.. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا «٢» » . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١١] فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)

стр. 1519

عرّفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى الطين اللازب «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٢] بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادة بحدوث مثله. وتقرأ «٢» «عَجِبْتَ» بالفتح خطابا للرسول ﷺ وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك من قبل نفسه بل عجبت، ويقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار في الذمّ أو في المدح. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٣] وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) إذا ذكروا بآياته يعرضون عن الإيمان بها والتفكّر فيها، ويقولون: ليس هذا الذي أتى به محمد إلا سحرا ظاهرا. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) قالوا: أئذا متنا، تفرّقت أجزاؤنا، وصرنا رميما.. أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون يبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد فالمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة. «قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ» قل لهم يا محمد نعم، وعلى وصف الصغر ما يبعثكم، وبزجرة واحدة يحشركم، بعد أن يقيم القيامة على جميعكم.

стр. 1520

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١] وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) دعوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي كنتم تكذبون به، وقد عاينتموه اليوم. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٧] احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) أراد بأزواجهم قرناءهم وأشكالهم ومن عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير.. وكذلك في هذه الطريقة: من أعان صاحب فترة في فترته، أو صاحب زلة على زلته- كان مشاركا له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته. قوله: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» : مقام السؤال مقام صعب قوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك فالذين تسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوام هم أرباب الزلات يرحمهم الله فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: «أن قوما يسترهم بيده ويقول تذكر غدا ربك» وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم: «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» «١» ، فإذا قرءوا كتابهم يقال لهم. من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟ فيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم. ثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزع عليهم:

стр. 1521

ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يورّك بعضهم الذنب على بعض فهذا يتبرأ من صاحبه، وصاحبه يتبرأ منه، إلى أن يحكم الله عليهم بالخزي والهوان، ويجمعهم في اللعن والإبعاد. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) يشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم، كما أنهم يشتركون في الزّلة ولكن تختلف مقادير زلاتهم. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ٣٥] إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته. ولو عرفوه لافتخروا بعبوديته قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» «١» ، وقال: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» «٢» فإنّ من عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته، قال قائلهم. ويظهر في الهوى عزّ الموالي ... فيلزمنى له ذلّ العبيد قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) .

стр. 1522

لمّا لم يحتشموا من وصفه- سبحانه- بما لا يليق بحلاله لم يبالوا بما أطلقوه من المثالب في وصف أنبيائه. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٩ الى ٤٢] وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) الاستثناء راجع إلى قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم ويقال الإخلاص إفراد الحقّ- سبحانه- بالعبودية، والذي يشوب عمله رياء فليس بمخلص. ويقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وفي الخبر: يا معاذ، أخلص العمل يكفيك القليل منه. ويقال: الإخلاص فقد رؤية الأشخاص «١» . ويقال: هو أن يلاحظ محل الاختصاص. ويقال: هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص. قوله جل ذكره: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ لهم رزق معلوم لأوقات معينة، وفي وقت الرسول ﵇ من كان له رزق معلوم كان من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة فلهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم ولأسرارهم، فالأغنياء لهم رزق معلوم لأنفسهم «٢» ، والفقراء «٣» لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. فواكه وهم مكرمون: من ذلك ورود الرسول عليهم من قبل الله في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكلّ أمر.

стр. 1523

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٣ الى ٤٦] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) يستأنس بعضهم برؤية بعض، ويستروح بعضهم إلى لقاء بعض. «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» شراب يوجب لهم الطّرب ولا وحشة هناك، شرابا يحضرهم ولا يسكرهم، لأنه قال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٧ الى ٤٩] لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فلا تغتال عقولهم، ولا تزيل حشمتهم، ولا ترفع عنهم هيبتهم فقوم يشربون وهم بوصف الستر، وآخرون يسقون في الحضور- وهم على نعت القرب. «وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» لا ينظرن إلى غير الوليّ «١» ، ثم الوليّ قد ينظر إليهن، وفيهم من لا ينظر إليهن: جننّا بليلى وهي جنّت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٥] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) يتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون من معارفهم من لا يؤمن بالله، وما آمن به المؤمنون فيخلق الله لهم إطلاعا عليه وهم في النار يحترقون. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)

стр. 1524

نطق الوليّ بالحقّ ولكنه لم يصرّح يعين التوحيد إذ جعل الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربى لكنت من المحضرين «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٠ الى ٦١] إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) يقال: بل الملائكة يقولون لهم هذا، ويقال: الحقّ- سبحانه- إذا أراهم مقامهم في الجنة يقول لهم: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» . ويقال إن كان العابد يقول هذا، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإنه إذا بدت شظية من الحقائق وتباشير الوصلة، أو ذرّة من نسيم القربة فبالحريّ أن يقول القائلون: لمثل هذه الحالة تبذل الأرواح. على مثل سلمى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من سلمى على اليأس طاويا وهاهنا تضيق العبارات، وتتقاصر الإشارات. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ٦٢] أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) ذكر صفة هوان الأعداء، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار من أكل الضريع، ومن شراب الزقوم التي هي في قبح صورة الشياطين، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ... إلى آخر القصة. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)

стр. 1525

لمّا أصابه من الأذى من قومه حين كذّبوه، ولم يسمعوا منه ما كان يقول من حديثنا.. رجع إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وكلمناه، ونادانا فناديناه، وكان لنا فكّنا له، وأجابنا فأجبناه.. فلنعم المجيب كان لنا ولنعم المجيبون كنّا له! «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» : شتان بين كرب نوح وبين كرب أهله! وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتأسى قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٧] وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) لأنّ الناس كلهم من أولاد نوح، فإنّ من كان معه في السفينة لم يتناسلوا «١» [سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٨] وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) يريد به قول الناس عنه إلى يوم القيامة. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٤] وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) يعنى أنّ إبراهيم من شيعة نوح ﵇ في التوحيد- وإن اختلفا في فروع شرعيهما. «بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» : لا آفة فيه. ويقال لديغ من المحبة. ويقال: سليم من محبة الأغيار. ويقال سليم من حظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه واختياره. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) سألهم على جهة الإنكار عليهم، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم. «فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ؟»

стр. 1526

إذا لقيتموه- وقد عبدتم غيره.. فما الذي تقولون له؟ وكيف بكم في مقام الخجلة مما بين أيديكم وإن كنتم اليوم- غافلين عنه؟ قوله جلّ ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) قيل أراد «إلى» النجوم فأقام «فِي» مقام «إلى» «١» . «إِنِّي سَقِيمٌ» : كانت تأتيه الحمىّ في وقت معلوم، فقال: قرب الوقت الذي أسقم فيه من أخذ الحمىّ إياى، فكأنه تعلل بذلك ليتأخر عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نفسه من كسر الأصنام. ويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قولهم في القول بالنجوم لأنهم كانوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهم «٢» . وكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنّ الله- قد عرّفه بطريق الوحى أنه يخلق- سبحانه- باختياره أفعالا عند حركات الكواكب. ثم لمّا ذهبوا إلى عيدهم كسّر أصنامهم، فلمّا رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابهم بما أجابهم به إلى قوله: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩٧ الى ٩٨] قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) ردّ الله كيدهم إلى نحورهم. وقد تعرّض له جبريل- ﵇ وهو في

стр. 1527

الهواء وقد رمى من المنجنيق فعرض عليه نفسه قائلا: هل من حاجة؟ فأجاب: أمّا إليك.. فلا! قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ٩٩] وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) يقال إنه طلب هداية مخصوصة لأنه كان صاحب هداية، إذ لو لم تكن له هداية لما ذهب إلى ربّه. ويحتمل أنه كان صاحب هداية في الحال وطلب الهداية في الاستقبال أي زيادة في الهداية، ويقال طلب الهداية على كيفية مراعاة الأدب في الحضور، ويقال طلب الهداية إلى نفسه لأنه فقد فيه قلبه ونفسه فقال سيهدينى إلىّ لأقوم بحقّ عبوديته فإن المستهلك في حقائق الجمع لا يصحّ منه أداء العبادة إلّا بأن يردّ إلى حالة التفرقة والتمييز. ومعنى «إِلى رَبِّي» أي إلى المكان الذي يعبد فيه ربى. ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي» : فأخبر عن قوله. وأخبر عن موسى فقال: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا» ، فأخبر عن صفته لا عن قوله.. وقال في صفة نبينا ﷺ : «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ... » [فأخبر عن ذاته سبحانه «١» ] وفصل بين هذه المقامات فإبراهيم كان بعين الفرق، وموسى بعين الجمع ونبينا كان بعين جمع الجمع. قوله جلّ ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١] رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) لمّا قال «حَلِيمٍ» نبّه على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله..

стр. 1528

قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٠٢] فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ» إشارة إلى وقت توطين القلب على الولد، رأى إبراهيم- ﵇ أنه يؤمر بذبح ابنه إسماعيل «١» ليلة التروية، وسميت كذلك لأنه كان يروّى فى ذلك طول يومه. هل هو حقّ أم لا «٢» ؟. ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فعرف أن رؤياه حق، فسمى يوم عرفة. وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات «٣» : أن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: «يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟» فقال إسماعيل: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ» : أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكون لها تأويل، فإن كان هذا أمرا فافعل بمقتضاه، وإن كان لها تأويل فتثبت «٤» ، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقت ولكن لا يمكنك تلافيه. ويقال بل قال: أترك حديث الرؤيا واحمله على الأمر، واحمل الأمر على الوجوب، ثم احمله على الفور ولا تقصّر. ويقال قال له: إن كان يطيب قلبك بأن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبى أن يذبحنى أبى لأجل الله.

стр. 1529

ويقال قال إسماعيل لأبيه: أنت خليل الله وتنام.. ألم تعلم أن الخليل إذا نام عن خليله يؤمر بذبح ابنه؟ مالك يا أبت والنوم؟ ويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكبا على فرس أشهب فاستحسنه، ونظر إليه قلبه، فأمر بذبحه، فلمّا أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظهر الفداء، وقيل له كان المقصود من هذا فراغ قلبك عنه. ويقال في القصة: أمر إسماعيل أباه أن يشدّ يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسّه ألم الذّبح فيعاتب، ثم لمّا همّ بذبحه قال: افتح القيد عنى حتى لا يقال لى: أمشدود اليد جئتنى؟ وإنى لن أتحرك: ولو بيد الحبيب سقيت سمّا ... لكان السّمّ من يده يطيب ويقال أيهما كان أشدّ بلاء؟ قيل: إسماعيل لأنه وجد الذّبح من يد أبيه، ولم يتعوّد من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاء عليه أشدّ لأنه لم يتوقع منه ذلك. ويقال بل كان إبراهيم أشدّ بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعده. «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» فلم يأت إسماعيل بالدعوى «١» بل تأدّب بلفظ الاستنشاء. ويقال لو قال إسماعيل إمّا لا تقل: «يا بُنَيَّ» بهذه اللطافة، وإمّا لا تقل: «أَنِّي أَذْبَحُكَ» فإنّ الجمع بينهما عجيب! قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٧] فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) قيل في التفاسير إنه كان يمرّ بالسكين على حلقه والسكين لا يقطع، فتعجّب ابراهيم، فنودى: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما. ويقال إن الله ستر عليهما علم ما أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف عنهما بعد مضىّ وقت المحنة لئلا يبطل معنى الابتلاء ... وهكذا يكون الأمر عند البلاء تنسدّ الوجوه

стр. 1530

فى الحال وكذلك كانت حالة النبيّ ﷺ في حال حديث الإفك، وكذلك حالة أيوب ﵇ وإنما يتبيّن الأمر بعد ظهور آخر المحنة وزوالها، وإلّا لم تكن حينئذ محنة [إلّا أنه يكون في حال البلاء إسبال يولى مع مخامرة المحنة] » ولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذ بلاء قال تعالى: - «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قيل كان فداء الذبيح يربّى في الجنة قبله بأربعين خريفا. والناس فى «الْبَلاءُ» على أقسام: فبلاء مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء مستعذب وذلك صفة من يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قتلوا. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١١٢] وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وكلّ هذا بعد البلاء قال تعالى: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١١٨] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) منّ عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم. «وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ» يعنى التوراة. «وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» بالتبري عن الحوّل والقوة، وشهود عين التوحيد. «وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ» . ثم قال جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٢٣] وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) «إِلْياسَ» : قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسم صنمهم «بعل» ،

стр. 1531

ومدينتهم بعلبك.. أنذر قومه فكذّبوه، ووعظهم فما صدّقوه، فأهلك قومه. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٣٣] وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) مضت قصته وكيف نجّى أهله إلا امرأته التي شاركتهم في عصيانهم، فحقّ العذاب عليها مثلما عليهم «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٦] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يعف، ثم استقبله ما استقبله، فلم يلبث حتى رأى نفسه في بطن الحوت في الظلمة: - «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» أي بما يلام عليه، والحقّ- سبحانه- منزّه عن الحيف في حكمه إذ الخلق خلقه، ثم الله راعى حقّ تعبّده، وحفظ ذمام ما سلف له في أداء حقّه فقال: - «فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» فإن كرم العهد فينا من الإيمان، وهو منّا من جملة الإحسان، «فالمؤمن قد أخذ من الله خلقا حسنا» - بذلك ورد الخبر. «فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ» «سَقِيمٌ» : فى ضعف من الحال لما أثّر من كونه قضى وقتا في بطن الحوت. «وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ» لتظلّه، فإنه كان في الصحراء وشماع الشمس كان يضرّه، وقيّض له الله ظبية ذات ولد كانت تجيء فيرضع من لبنها، فكأنّ الحقّ أعاده إلى حال الطفولية. ثم إنه رحمه، ورجع إلى قومه، فأكرموه وآمنوا به، وكان الله قد كشف عنهم العذاب، لأنهم حينما خرج يونس من بينهم ندموا وتضرّعوا إلى الله لمّا رأوا أوائل العذاب قد أظلّتهم،

стр. 1532

فكشف الله عنهم العذاب، وآمنوا بالله، وكانوا يقولون: لو رأينا يونس لو قرّناه، وعظّمناه، فرجع يونس إليهم بعد نجاته من بطن الحوت، فاستقبله قومه، وأدخلوه بلدهم مسكّرّما. ويقال: الذّنب والجرم كانا من قومه، فهم قد توعّدوا بالعذاب. وأمّا يونس فلم يكن قد أذنب ولا ألمّ بمحظور، وخرج من بينهم، وكشف الله العذاب عنهم، وسلموا.. واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي بعد نجاته ويا عجبا من سرّ تقديره! فقد جاء في القصة أن الله سبحانه- أوحى إلى يونس بعد نجاته أن قل لفلان الفخّار حتى يكسر الجرار التي عملها في هذه السنة كلّها! فقال يونس: يا رب، إنه قطع مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره بأن يكسرها كلّها؟ فقال له: يا يونس، يرقّ قلبك لخزّاف يتلف عمل سنة.. وتريدنى أن أهلك مائة ألف من عبادى؟! يا يونس، إنك لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٤٩] فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) لمّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بنات الله بيّن الله قبح قولهم، فقال: سلهم من أين قالوا؟ وبأى حجّة حكموا بما زعموا؟ وأي شبهة داخلتهم. ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات، ويؤثرون البنين عليهن.. ومع كفرهم وقبيح قولهم وصفوا القديم- سبحانه- بما استنكفوا منه لأنفسهم! قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٣] فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) .

стр. 1533

[أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلّا من أغويته بحكمي، فبه ضلّوا لا بإضلالكم «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : آية ١٦٤] وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) الملائكة لهم مقام معلوم لا يتخطّون مقامهم، ولا يتعدّون حدّهم، والأولياء لهم مقام] «٢» مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحدا، والأنبياء لهم مقام مشهور مؤيّد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة فأمرهم على الشّهر، وأمر الأولياء على السّتر. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدّم حكمنا لهم بالولاية والرعاية، فهم من قبلنا منصورون: - «إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» من نصره لا يغلب، ومن قهره لا يغلب. وجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحقّ وتبيينه ... من أراد إذلالهم فعلى أذقانه يخرّ، وفي حبل هلاكه ينجرّ. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٧] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) تولّ عنهم- يا محمد- إلى أن تنقضى آجالهم، وتنتهى أحوالهم. وانتظر انقضاء أيامهم، فإنه سينصرم حديثهم وشيكا: - «أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ» .

стр. 1534

وإنما قال ذلك فيما كانوا يتمنون قيام الساعة، وكانوا يستعجلون ذلك لفرط جهلهم، ثم لقلة تصديقهم. فإذا نزل العذاب بساحتهم، وأناخ البلاء بعقوتهم فساء صباحهم. فتولّ عنهم فعن قريب سيحصل ما منه يحذرون. قوله جل ذكره: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢] سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) «سُبْحانَ رَبِّكَ» : تقديسا له، وسلام على أنبيائنا، «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ» : أي هو المحمود على ما ساء أم سرّ، نفع أم ضرّ.

стр. 1535

سورة ص قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . اسم عزيز اعترفت المعارف بالقصور عن إدراكه، اسم جليل تقنّعت العلوم خجلا من الطمع في إحاطته، اسم كريم صغرت الحوائج عند ساحات جوده، اسم رحيم تلاشت قطرات زلّات عباده في تلاطم أمواج رحمته. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) الصّاد مفتاح اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع.. أقسم بهذه الأشياء وبالقرآن. وجواب القسم: «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ» . ويقال: أقسم بصفاء مودة أحبابه والقرآن ذى الذكر أي: ذى الشرف.. وشرفه أنه ليس بمخلوق «١» . قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٢] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) فى صلابة ظاهرة، وعداوة بيّنة، وإعراض عن البحث للأدلة، والسّرّ للشواهد. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٣] كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) بادوا حين هجم البلاء مستغيثين، وقد فات وقت الإشكاء والإجابة. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٤] وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) عجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة. فلمّا تحيّروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، وقسّموا فيهم القول.

стр. 1536

قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٥] أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا الإله ولا معنى الإلهية فإنّ الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، ثم إنّ ذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملى الوصف لم يكونا إلهين، وكلّ أمر جرى ثبوت سقوطه فهو مطروح باطل. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٦] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم. قوله جلّ ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٧] ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) ركنوا إلى السوء والعادة، وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا إلى التقليد والهوادة. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٨] أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أي لو استبصروا في دينهم لما أقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، ولولا أنّا أدمنا لهم العوافي لما تفرّغوا إلى طغيانهم «١» .

стр. 1537

[سورة ص (٣٨) : آية ٩] أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أي: هؤلاء الكفار الذين عارضوا أو نازعوا، وكذّبوا واحتجّوا.. أعندهم شىء من هذه الأشياء؟ أم هل هم يقدرون على شىء من هذه الأشياء فيفعلوا ما أرادوا، ويعطوا من شاءوا، أو يرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحى على من أرادوا؟ [سورة ص (٣٨) : آية ١١] جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) بل هم جند من الأحزاب المتحزبين. كلّهم عجزة لا يقدرون على ذلك، مهزومون. شبّههم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين فإن هؤلاء الكفار ليس معهم حجّة، ولا لهم قوة، ولا لأصنامهم أيضا من النفع والضر مكنة، ولا في الردّ والدفع عن أنفسهم قدرة. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٢ الى ١٣] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) الآيات. ذكر هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع، وفي غير هذا الموضع على الإفراد «١» ، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه. ثم قال: [سورة ص (٣٨) : آية ١٤] إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) أي ما كان منهم أحد إلّا كذّب الرسل فحقّت العقوبة عليه، واستوجب العذاب. ثم قال: [سورة ص (٣٨) : آية ١٥] وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) أي ليسوا ينتظرون إلا القيامة، وما هي إلا صيحة واحدة، وإذا قامت فإنها لا تسكن.

стр. 1538

قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ١٦] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصبر- يا محمد- على ما يقولون، فإنه لن تطول مدّتهم، ولن نمدّ- فى مقاساتك أذاهم- لبثك ومكثك، وعن قريب سينزل الله نصره، ويصدق لك بالتحقيق وعده. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ١٧] اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) «ذَا الْأَيْدِ» أي ذا القوة، ولم تكن قوّته قوة نفس، وإنما كانت قوته قوة فعل كان يصوم يوما ويفطر يوما- وهو أشدّ الصوم، وكان قويا في دين الله بنفسه وقلبه وهمته. «أَوَّابٌ» رجّاع «١» . قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٨ الى ١٩] إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) «٢» كان داود يسبّح، والجبال تسبّح، وكان داود يفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيص له بالكرامة والمعجزة. وكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبّح الله، وداود كان يعرف تسبيح الطير وكلّ من تحّقق بحاله ساعده كلّ شىء كان بقربه، ويصير غير جنسه بحكمه، وفي معناه أنشدوا: ربّ ورقاء هتوف بالضّحى ... ذات شجو صرخت في فنن ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت شوقا فهاجت حزنى فبكائى ربّما أرّقها ... وبكاها ربما أرّقنى ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمنى غير أنى بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفنى

стр. 1539

قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٠] وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) أي قوّينا ملكه بأنصاره، وفي التفسير: كان يحفظ ملكه كلّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قوله جل ذكره: «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ» . أي شددنا ملكه بنصرنا له «١» ودفعنا البلاء عنه. ويقال شددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية. ويقال شددنا ملكه بقبض أيدى الظّلمة. ويقال شددنا ملكه بدعاء المستضعفين. ويقال شددنا ملكه بأن رأى النصرة منّا، وتبرّأ من حوله وقوّته. ويقال بوزراء ناصحين كانوا يدلّونه على ما فيه صلاح ملكه. ويقال بتيقّظه وحسن سياسته. ويقال بقبوله الحق من كلّ أحد. ويقال برجوعه إلينا في عموم الأوقات. «وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ» : أي أعطيناه الرّشد والصواب، والفهم والإصابة. ويقال العلم بنفسه وكيفية سياسة أمته. ويقال الثبات في الأمور والحكمة، وإحكام الرأى والتدبّر. ويقال صحبة الأبرار، ومجانبة الأشرار. وأمّا «فَصْلَ الْخِطابِ» فهو الحكم بالحق، وقيل: البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر. ويقال: القضاء بين الخصوم.

стр. 1540

قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٢١ الى ٢٢] وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) .. الآيات أرسل الله إلى داود ﵇ ملكين من السماء على صورة رجلين فتحا كما إليه تنبيها له على ما كان منه من تزوّجه بامرأة أوريا، وكان ترك ذلك أولى- هذا على طريق من رأى تنزيه الأنبياء ﵈ من جميع الذنوب. وأمّا من جوّز عليهم الصغائر فقال: هذا من جملته. وكنّى الخصمان باسم النعجة عن النساء. وكان داود ﵇ قال لله : إنّى لأجد في التوراة أنّك أعطيت الأنبياء الرّتب فأعطنيها، فقال: إنهم صبروا فيما ابتليتهم به، فوعد داود من نفسه الصبر إذا ابتلاه طمعا في نيل الدرجات، فأخبر الله تعالى أنه يبتليه يوم كذا، فجعل داود ذلك اليوم يوم عبادة، واختلى في بيته، وأمر حرّاسه ألا يؤذيه أحد بالدخول عليه، وأغلق على نفسه الباب، وأخذ يصلّى زمانا، ويقرأ التوراة زمانا يتعبّد. أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غلق باب السماء. وأمر حرسه أن يدفعوا عنه الناس وكانوا ثلاثين ألف رجل- ويقال أربعة آلاف- ولكن لم يمكنهم أن يدفعوا عنه حكم القضاء، ولقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كفّ الطالب يتقلب. وكانت في البيت كوّة يدخل منها الضوء، فدخل طير صغير من الذهب، ووقع قريبا منه، وكان لداود ابن صغير فهمّ أن يأخذه ليدفعه إلى ابنه «١» ، فتباعد عنه. وجاء في التفاسير: أنه كان إبليس، قد تصوّر له في صورة طير، فتبعه داود، ولم يزل الطائر يتباعد قليلا قليلا، وداود يتبعه حتى خرج من الكوة، ونظر داود في إثره فوقع بصره على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردة، فعاد إلى قلبه منها شىء، فكان هذا السبب. ويقال لم يرع الاهتمام بسبب ولده حتى فعل به ما فعل، وفي ذلك لأولى الأبصار عبرة «٢» .

стр. 1541

ويقال لم يكن أوريا قد تزوّج بها بعد، وقد كان خطبها، وأجابته في التزوج به، فخطب داود على خطبته. وقيل بل كانت امرأته وسأله أن ينزل عنها، فنزل على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقتل وتزوّج بها. فلمّا تسوّر الخصمان عليه، وقيل دخلا من سور المحراب أي أعلاه ولذلك: - «فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ» نحن خصمان ظلم بعضنا بعضا، فاحكم بيننا بالعدل: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٣] إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) «أَكْفِلْنِيها» أي انزل عنها حتى أكفلها أنا، «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» . أي غلبنى، فقال داود: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٤] قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصعد إلى السماء بين يديه، فعلم داود عند ذلك أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وظنّ واستيقن أنه جاءته الفتنة الموعودة: أخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه من السجود إلا (للصلاة) «١» المكتوبة عليه، وأخذ يبكى حتى نبت العشب من دموعه، ولم يأكل ولم

стр. 1542

يشرب في تلك المدة، حتى أوحى الله إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف بحديث الخصم؟ فقال: إنى استوهبتك «١» منه، وقال تعالى: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٥] فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) إن له عندنا لقربة وحسن رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجا بدموعه. ويقال لمّا التجأ داود ﵇ في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وجد المغفرة والتجاوز.. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله فالله يكفيه مما ينوبه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال إنّ زلّة أسفك عليها يوصلك إلى ربّك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربّك «٢» . قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٦] يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) «جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» أي بعد من تقدّمك من الأنبياء ﵈. وقيل حاكما من قبلى لتحكم بين عبادى بالحقّ، وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه تنبيها على أنّ أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى. ولما ذكر الله هذه القصة أعقبها بقوله: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٧] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)

стр. 1543

«باطِلًا» أي وأنا مبطل في خلقهما، بل كان لى ما فعلت وأنا فيه محقّ. ويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقّ. ثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال: [سورة ص (٣٨) : آية ٢٩] كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) «١» «مُبارَكٌ» وهو القرآن، ومبارك أي كبير النّفع، ويقال مبارك أي دائم باق لا ينسخه كتاب من قولهم برك الطير على الماء. ويقال مبارك لمن آمن به وصدّق. ثم إنه بيّن أنّ البركة في تدبّره والتفكّر في معانيه. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٣٠] وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) «نِعْمَ الْعَبْدُ» لأنه كان أوّابا إلى الله، راجعا إليه في جميع الأحوال فى النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٣١] إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) «الصَّافِناتُ» جمع صافنة وهي القائمة، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث قوائم إذ ترفع إحدى اليدين على سنبكها «٢» . وجاء في التفاسير أن سليمان كان قد غزا أهل

стр. 1544

دمشق، وأصابها منهم «١» ، وقيل ورثها عن أبيه داود وكان قد أصابها من العمالقة «٢» ، وقيل كانت خيلا لها أجنحة خرجت من البحر «٣» . وفي بعض التفاسير عرض عليه عشرون ألف فرص فشغلته عن بعض أذكاره لله. «بِالْعَشِيِّ» : فى آخر النهار، وقيل كان ذلك صلاة العصر «٤» . قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٣] فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها بعد أن فرغ من صلاته. وقيل عرقبها (ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار) «٥» ، وقيل وضع عليها الكىّ فسبّلها «٦» . وإيش ما كان فكلّ ذلك كان جائزا في شرعه. قوله جل ذكره: «فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» «٧» . أي لصقت بالأرض لحبّ المال. ويقال لمّا سبّل هذه الأفراس عوّضه «٨» الله- سبحانه- بأن سخّر له الريح، وهذا أبلغ، وكلّ من ترك شيئا لله لم يخسر على الله. قوله جل ذكره: [سورة ص (٣٨) : آية ٣٤] وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) .

стр. 1545

اختلف الناس في هذه الفتنة ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: لأطوفنّ على هؤلاء فيولد من كل واحدة منهن غلام يقاتل في سبيل الله» «١» ولم يقل إن شاء الله، ولم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيّه، فاستغفر ربه من ترك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأولى. وقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه، فهمّوا بقتله، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، وألقته الريح على كرسيه ميتا. فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأولى به التوكل وترك الاستعانة بالريح. وقيل في التفاسير: إنه تزوج بامرأة «٢» كانت زوجة ملك قهره سليمان، وسباها، فقالت له: إن أذنت لى أن اتّخذ تمثالا على صورة لأبى لأتسلّى بنظري إليه؟ فأذن لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوما) ، وكانت تعبده سرّا، فعوقب عليه «٣» . وقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت من أحبّ نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول الخلاء نزع خاتمه ودفعه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خرج استردّه. وجاء يوما شيطان يقال له «صخر» على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إليّ الخاتم فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يمشّى أموره- إلا التصرف في نسائه- فقد منعه الله عن ذلك. فلمّا خرج سليمان طالب المرأة بالخاتم، فقالت: الساعة دفعته إليك. فظنّ أنه فتن، وكان إذا أخبر الناس أنه سليمان لا يصدّقونه، فخرج (هاربا إلى ساحل البحر) ، وأصابته شدائد، وحمل سمك الصيادين بأجرة حتى يجد قوتا. ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطان (واستنكروا حكمه) نشروا التوراة بين يديه،
следующие страницы →