ويقال لم يكن أوريا قد تزوّج بها بعد، وقد كان خطبها، وأجابته في التزوج به، فخطب داود على خطبته. وقيل بل كانت امرأته وسأله أن ينزل عنها، فنزل على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقتل وتزوّج بها. فلمّا تسوّر الخصمان عليه، وقيل دخلا من سور المحراب أي أعلاه ولذلك: - «فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ» نحن خصمان ظلم بعضنا بعضا، فاحكم بيننا بالعدل:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٣]
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)
«أَكْفِلْنِيها» أي انزل عنها حتى أكفلها أنا، «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» . أي غلبنى، فقال داود:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٤]
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤)
فضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصعد إلى السماء بين يديه، فعلم داود عند ذلك أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وظنّ واستيقن أنه جاءته الفتنة الموعودة:
أخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه من السجود إلا (للصلاة) «١» المكتوبة عليه، وأخذ يبكى حتى نبت العشب من دموعه، ولم يأكل ولم
стр. 1542
يشرب في تلك المدة، حتى أوحى الله إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف بحديث الخصم؟
فقال: إنى استوهبتك «١» منه، وقال تعالى:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٥]
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)
إن له عندنا لقربة وحسن رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجا بدموعه.
ويقال لمّا التجأ داود ﵇ في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وجد المغفرة والتجاوز.. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله فالله يكفيه مما ينوبه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال إنّ زلّة أسفك عليها يوصلك إلى ربّك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربّك «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٦]
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)
«جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» أي بعد من تقدّمك من الأنبياء ﵈. وقيل حاكما من قبلى لتحكم بين عبادى بالحقّ، وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه تنبيها على أنّ أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى.
ولما ذكر الله هذه القصة أعقبها بقوله:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٧]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)
стр. 1543
«باطِلًا» أي وأنا مبطل في خلقهما، بل كان لى ما فعلت وأنا فيه محقّ.
ويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقّ.
ثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال:
[سورة ص (٣٨) : آية ٢٩]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
«١» «مُبارَكٌ» وهو القرآن، ومبارك أي كبير النّفع، ويقال مبارك أي دائم باق لا ينسخه كتاب من قولهم برك الطير على الماء. ويقال مبارك لمن آمن به وصدّق. ثم إنه بيّن أنّ البركة في تدبّره والتفكّر في معانيه.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٣٠]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)
«نِعْمَ الْعَبْدُ» لأنه كان أوّابا إلى الله، راجعا إليه في جميع الأحوال فى النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٣١]
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)
«الصَّافِناتُ» جمع صافنة وهي القائمة، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث قوائم إذ ترفع إحدى اليدين على سنبكها «٢» . وجاء في التفاسير أن سليمان كان قد غزا أهل
стр. 1544
دمشق، وأصابها منهم «١» ، وقيل ورثها عن أبيه داود وكان قد أصابها من العمالقة «٢» ، وقيل كانت خيلا لها أجنحة خرجت من البحر «٣» .
وفي بعض التفاسير عرض عليه عشرون ألف فرص فشغلته عن بعض أذكاره لله.
«بِالْعَشِيِّ» : فى آخر النهار، وقيل كان ذلك صلاة العصر «٤» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)
قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها بعد أن فرغ من صلاته.
وقيل عرقبها (ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار) «٥» ، وقيل وضع عليها الكىّ فسبّلها «٦» . وإيش ما كان فكلّ ذلك كان جائزا في شرعه.
قوله جل ذكره: «فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» «٧» .
أي لصقت بالأرض لحبّ المال. ويقال لمّا سبّل هذه الأفراس عوّضه «٨» الله- سبحانه- بأن سخّر له الريح، وهذا أبلغ، وكلّ من ترك شيئا لله لم يخسر على الله.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٣٤]
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) .
стр. 1545
اختلف الناس في هذه الفتنة ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: لأطوفنّ على هؤلاء فيولد من كل واحدة منهن غلام يقاتل في سبيل الله» «١» ولم يقل إن شاء الله، ولم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيّه، فاستغفر ربه من ترك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأولى.
وقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه، فهمّوا بقتله، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، وألقته الريح على كرسيه ميتا.
فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأولى به التوكل وترك الاستعانة بالريح.
وقيل في التفاسير: إنه تزوج بامرأة «٢» كانت زوجة ملك قهره سليمان، وسباها، فقالت له: إن أذنت لى أن اتّخذ تمثالا على صورة لأبى لأتسلّى بنظري إليه؟ فأذن لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوما) ، وكانت تعبده سرّا، فعوقب عليه «٣» .
وقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت من أحبّ نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول الخلاء نزع خاتمه ودفعه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خرج استردّه. وجاء يوما شيطان يقال له «صخر» على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إليّ الخاتم فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يمشّى أموره- إلا التصرف في نسائه- فقد منعه الله عن ذلك. فلمّا خرج سليمان طالب المرأة بالخاتم، فقالت: الساعة دفعته إليك. فظنّ أنه فتن، وكان إذا أخبر الناس أنه سليمان لا يصدّقونه، فخرج (هاربا إلى ساحل البحر) ، وأصابته شدائد، وحمل سمك الصيادين بأجرة حتى يجد قوتا.
ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطان (واستنكروا حكمه) نشروا التوراة بين يديه،
стр. 1546
ففرّ ورمى بالخاتم في البحر، وطار في الهواء. ولمّا أذن الله ردّ ملك سليمان إليه، ابتلعت سمكة خاتمه، ووقعت في حبال الصيادين، ودفعوها إلى سليمان في أجرته، فلمّا شقّ بطنها ورأى خاتمه لبسه، وسجد له الملاحون، وعاد إلى سرير ملكه «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٣٥]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
أي ملكا لا يسلبه أحد منى بعد هذا كما سلب منى في هذه المرة.
وقيل أراد انفراده به ليكون معجزة له على قومه.
وقيل أراد أنه لا ينبغى لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله فى اختياره له.
ويقال لم يقصد الأنبياء، ولكن قال لا ينبغى من بعدي لأحد من الملوك.
وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحقّ الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا.. وهو كقول يوسف: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» «٢» .
ويقال لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك- على الحقيقة- من يملك نفسه، ومن ملك نفسه لم يتّبع هواه.
ويقال أراد به كل حاله في شهود ربّه حتى لا يرى معه غيره.
ويقال سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار.
ويقال علم أن سرّ نبيّنا- ﷺ ألا يلاحظ الدنيا ولا ملكها
стр. 1547
فقال: «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» لا لأنه بخل به على نبيّنا ﷺ ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٣٦]
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦)
شكر الله سعيه، وسخّر له الريح بدلا من الأفراس فلا يحتاج في إمساكها إلى العلف والمؤن.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩)
كما سخّرنا له الشياطين.
ثم قال: «هذا عَطاؤُنا..» أي فأعط أو أمسك، واحفظ وليس عليك حساب.
والمشي في الهواء للأولياء، وقطع المسافات البعيدة في مدة يسيرة مما يعلم وجوده قطعا في هذه الأمة- وإن لم يعلمه الأفراد والآحاد على التعيين. وإظهاره على خدم رسول الله ﷺ لشرفه يدلّ على أن مقامه- ﷺ أشرف «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٤١]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١)
أي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البليّة، وقيل لما كان قال (أي الشيطان) لامرأته: اسجدي لى حتى أردّ عليكم ما سلبتكم.
ويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظلوم فلم ينصره.. فابتلى.
ويقال استضاف الناس يوما فلمّا جاءه ابن فقير منعه من الدخول.
стр. 1548
ويقال كان يغزو ملكا كافرا، وكان لأيوب غنم في ولايته، فداهنه لأجل غنمه فى القتال.
ويقال حسده إبليس، فقال: لئن سلّطتنى عليه لم يشكر لك.
ويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحد، فجرّ الشيطان الاسطوانة فانهدم البيت عليهم.
ويقال لبث أيوب في البلاء ثمانى عشرة سنة، وقيل أربعين سنة، وقيل «١» سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٤٢]
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)
«٢» لمّا أراد الله كشف البلاء عنه قال له: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» ، فركض، فظهرت عين ماء بارد فاغتسل به، فعاد إليه جماله وكماله. وقيل الأولى كانت عينا حارة والثانية باردة، واغتسل، وردّ الله لحمه وشعره وبشره، وأحيا أولاده وأهله، وقيل بل يردّهم إليه في الجنة فى الآخرة.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٤٤]
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
الضّغث الحزمة من القضبان، وقيل كانت مائة، وأمر بأن يضرب بها دفعة على امرأته لئلا يحنث في يمينه، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائة خشبة إن صحّ (أنها أخطأت) . فشكر
стр. 1549
الله لها لبراءة ساحتها، وصبرها على خدمته. وسبب يمينه أنه لما قال لها إبليس: اسجدي لى أخبرت أيوب بذلك، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنّت أنه صادق. وقيل باعث ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهّم في ذلك ريبة، وكان أيوب يتعلّق بذوائبها (إذا أراد القيام) . وقيل رابه شىء منها فحلف (أن يضربها بعد شفائه) .
«إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً..» : والصبر ألا تعترض على التقدير.
ويقال الصبر الوقوف تحت الحكم. ويقال التلذّذ بالبلاء، واستعذابه دون استصعابه.
ويقال الصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب.
ولم ينف قوله «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» اسم الصبر عنه لأنّ ذلك لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه كان مرة واحدة، وقد وقف الكثير من الوقت ولم يقل مسّنى الضّرّ فكان الحكم للغالب.
«نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» لم يشغله البلاء عن المبلى. ونعم العبد لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)
«أُولِي الْأَيْدِي» : أي القوة «١» . «وَالْأَبْصارِ» أي البصائر.
«إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ» : أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار، أو بدعاء الناس إلى الجنة والهرب من النار. ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين فلا يكون العمل على ملاحظة جزاء. ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكرى الدار، «وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٤٨]
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)
стр. 1550
«وَذَا الْكِفْلِ» : قيل كان تكفّل لله بعمل رجل صالح مات في وقته، وقيل كفل مائة من بنى إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالم، فكان ينفق عليهم.
ويقال كان اليسع وذو الكفل أخوين.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٤٩]
هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
أي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص.
ويقال إنّه شرف لك لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتّقون المعاصي لحسن المنقلب.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢)
أي إذا جاءوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالترحاب «١» والتبجيل. متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطّرف عن غير أزواجهن، «أَتْرابٌ» : لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٥٣]
هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣)
لشرّ مرجع ومنقلب وهي جهنم يدخلونها فيبقون معذّبين فيها، وبئس المكان ذلك!
[سورة ص (٣٨) : آية ٥٧]
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)
«حَمِيمٌ» : هو الماء الحار، و «غَسَّاقٌ» هو عصارة أهل النار «٢» ، ويقال هو زمهرير جهنم «٣» .
стр. 1551
[سورة ص (٣٨) : آية ٥٨]
وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨)
أي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٩ الى ٦١]
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١)
هؤلاء قوم يقتحمون النار معكم وهم أتباعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين:
لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم، ويقولون: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ فيقال لهم كلّكم فيها، ولن يفتر العذاب عنكم.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣)
؟. يقول الكفار عند ما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين.. فلسنا نراهم هاهنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابه يعنون بلالا والمستضعفين، فيعرّفون بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتهم.
[سورة ص (٣٨) : آية ٦٤]
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
أي إن مخاصمة أهل النار في النار لحقّ.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٦٥]
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)
قل يا محمد: إنما أنا منذر مخوّف، مبلّغ رسالة ربى، وما من إله إلا الله الواحد الذي لا شريك له.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٧٠]
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)
стр. 1552
أي الذي أتيتكم به من الأخبار عن القيامة والحشر، والجنة والنار، وما أخبرتكم به عن نبوّتى وصدقى هو نبأ عظيم، وأنتم أعرضتم عنه.
وما كان لى من علم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أنّ الله عرّفنى، وإلا ما كنت علمته. والملأ الأعلى قوم من الملائكة في السماء العليا، واختصامهم كان في شأن آدم حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟
وقد ورد في الخبر: «أن جبريل سأل الرسول ﷺ عن هذا الاختصام فقال: لا أدرى. فقال جبريل: فى الكفارات والدرجات فالكفارات إسباغ الوضوء فى السّبرات «١» ، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» «٢» . وإنما اختلفوا في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها- فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا، ولكنهم في الأصل لا يجحدون.
.. وهذا إنما يوحى إليّ وأنا منذر مبين.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : آية ٧١]
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
إخباره الملائكة بذلك إنما يدلّ على تفخيم شأن آدم لأنه خلق ما خلق من الكونين «٣» ،
стр. 1553
والجنة والنار، والعرش والكرسي، والملائكة، ولم يقل في صفة شىء منها ما قال في صفة آدم وأولاده. ولم يأمر بالسجود لأحد ولا لشىء إلا لآدم، وسبحان الله! خلق أعزّ خلقه من أذلّ شىء وأخسّه وهو التراب والطين.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٧٢ الى ٧٤]
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)
روح آدم- وإن كانت مخلوقة- فلها شرف على الأرواح لإفرادها بالذكر، فلمّا سوّى خلق آدم، وركّب فيه الروح جلّله بأنوار التخصيص، فوقعت هيبته على الملائكة، فسجدوا لأمره، وظهرت لإبليس شقاوته، ووقع- بامتناعه- فى اللعنة.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
من هنا وقع في الغلط توهّم أنّ التفضيل من حيث البنية والجوهرية، ولم يعلم أن التفضيل من حيث القسمة دون الخلقة.
ويقال ما أودع الله- سبحانه- عند آدم لم يوجد عند غيره، ففيه ظهرت الخصوصية.
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٧٧ الى ٧٨]
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)
قال فاخرج من الجنة، ومن الصورة التي كنت فيها، ومن الحالة التي كنت عليها، «فَإِنَّكَ رَجِيمٌ» مرميّ باللّعن منى، وبالشّهب من السماء، وبالرجوم من قلوب الأولياء إن تعرّضت لهم.
стр. 1554
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٧٩ الى ٨١]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
من كمال شقاوته أنه جرى على لسانه «١» ، وتعلّقت إرادته بسؤال إنظاره، فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته، فأنظره الله، وأجابه، لأنه بلسانه سأل تمام شقاوته.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)
ولو عرف عزّته لما أقسم بها على مخالفته.
ويقال تجاسره في مخاطبة الحقّ- حيث أصرّ على الخلاف وأقسم عليه- أقبح وأولى فى استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٨٤ الى ٨٦]
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
وختم الله سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول ﷺ :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
стр. 1555
ما جئتكم من حيث أنا «١» ، ولا باختياري، وإنما أرسلت إليكم.
«إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» يعنى القرآن، عظة لكم.
«وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» وعلم صدقه بعد ما استمرت شريعته، فإن مثل ذلك إذا كان باطلا لا يدوم «٢» .
стр. 1556
سورة الزمر
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله كلمة سماعها يوجب للقلوب شفاءها، وللأرواح ضياءها، وللأسرار سناءها وعلاءها.
كلمة من سمعها بسمع العلم ازداد بصيرة على بصيرة، ثم بلطائف من التعريف غير محصورة.
ومن سمعها بسمع الوجد ظلّت ألبابه مبهورة، وأسراره بقهر الكشوفات منشورة.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)
أي هذا كتاب عزيز نزل من ربّ عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز في شأن أمة عزيزة بأمر عزيز. وفي ورود الرسول به من الحبيب الأول نزهة لقلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها، وارتياح عند قراءة فصولها.
وكتاب موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى، وكتاب نبيّنا ﷺ نزل به الروح الأمين على قلب المصطفى صلوات الله عليه.. وفصل بين من يكون كتاب ربّه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربّه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته، قال تعالى:
«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ «١» » .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢)
أي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محقّ في إنزاله.
стр. 1557
والعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع. وتكون بالنّفس والقلب والروح فالتى بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقّى عن طلب الاختصاص «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٣]
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)
الدين الخالص ما تكون جملته لله فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد، اللهم أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فإطاعته لا تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به، ولولا هذا لما صحّ أن يكون في العالم مخلص.
«وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ... » أي الذين عبدوا الأصنام قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» ، ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بأمره ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فردّ الله عليهم. وفي هذا إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله من عقود ثم لا يفى بها.. فكل ذلك اتباع هوى، قال تعالى: «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها «٢» » .
قوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ لا تهديهم اليوم لدينه، ولا في الآخرة إلى ثوابه. والإشارة فيه إلى تهديد من يتعرّض لغير مقامه، ويدّعى شيئا ليس بصادق فيه، فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده.
وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدّى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه.
стр. 1558
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤]
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم حيث قالوا: المسيح ابن الله، وعزيز ولد الله فقال:
لو أراد أن يتّخذ ولدا للتبنّى والكرامة لاختار من الملائكة الذين هم منزّهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخلق.
ثم أخبر عن تقدّسه عن ذلك فقال: «سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» تنزيها له عن اتخاذ الأولاد.. لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبنى لتقدّسه عن الجنسية والمحالات، وإنما يذكر ذلك على جهة استبعاد إذ لو كان ذلك فكيف كان يكون حكمه؟ كقوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «١» » .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٥]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)
أي خلقهما وهو محقّ في خلقهما.
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل في الزيادة والنقصان، وسخّر الشمس والقمر. وقد مضى فيما تقدم اختلاف أحوال العبد في القبض والبسط، والجمع والفرق، والأخذ والرد، والصحو والسّكر، ونجوم العقل وأقمار العلم، وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالى الشّكّ والجحد ونهار الوصل، وليالى الهجر والفراق وكيفية اختلافها، وزيادتها ونقصانها.
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ «الْعَزِيزُ» المتعزّز على المحبين، «الْغَفَّارُ» للمذنبين.
стр. 1559
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦]
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)
«مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» يعنى آدم وحواء.
«وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ» أي خلق لكم، «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» فمن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المواشي اثنين.
«يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ» : أي يصوّركم، ويركّب أحوالكم.
«فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ» : ظلمة البطن، وظلمة الرّحم، وظلمة المشيمة «١» . ذكّرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم.
ويقال بيّن آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خلقتك- من قطرتين- أمشاجا متشاكلة الأجزاء، مختلفة الصّور في الأعضاء، سخّر بعضها محالّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة.. وغير ذلك من أحوال القلوب، وسخّر بعضها محالّ للحواس كالسمع والبصر والشّمّ وغيرها.
ويقال هذه كلها نعم أنعم الله بها علينا فذكّرنا بها- والنفوس مجبولة، وكذلك القلوب على حبّ من أحسن إليها- استجلابا لمحبتنا له.
«ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ... » «٢» أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ربّكم.
стр. 1560
أي: أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صوّرتكم فأحسنت صوركم، وأنا الذي أسبغت عليكم إنعامى، وخصعتكم بجميل إكرامى، وأغرقتكم في بحار أفضالى، وعرفتكم استحقاق جمالى وجلالى، وهديتم إلى توحيدى، وألزمتكم رعاية حدودى ... فما لكم لا تنقطعون بالكلية إليّ؟ ولا ترجون ما وعدتكم لديّ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليّ؟
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٧]
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
إن أعرضتم وأبيتم، وفي جحودكم تماديتم.. فما نفتقر إليكم إذ نحن أغنياء عنكم، ولكنّى لا أرضى لكم أن تبقوا عنى! يا مسكين ... أنت إن لم تكن لى فأنا عنك غنيّ، وأنا إن لم أكن لك فمن تكون أنت؟ ومن يكون لك؟ من الذي يحسن إليك؟ من الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟
من الذي ينثر التراب على جراحك؟
من الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بقيت عنّى؟ من الذي يبيعك رغيفا بمثاقيل ذهب؟!.
عبدى.. أنا لا أرضى ألا تكون لى وأنت ترضى بألا تكون لى! يا قليل الوفاء، يا كثير التجنّى! إن أطعتنى شكرتك، وإن ذكرتنى ذكرتك، وإن خطوت لأجلى خطوة ملأت السماوات والأرضين من شكرك:
لو علمنا أنّ الزيارة حقّ ... لفرشنا الخدود أرضا لترضى
стр. 1561
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٨]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)
إذا مسّه ضرّ خشع وخضع، وإلى قربه فزع، وتملّق بين يديه وتضرع. فإذا أزال عنه ضرّه، وكفاه أمره، وأصلح شغله نسى ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادا، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويشرك بمعبوده. هذه صفته ... فسحقا له وبعدا، ولسوف يلقى عذابا وخزيا.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٩]
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)
«١» «قانِتاً» : القنوت هو القيام، وقيل طول القيام. والمراد هو الذي يقوم بحقوق الطاعة أوقات الليل والنهار أي في جميع الأوقات.
والهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر الذي جرى ذكره؟ أي ليس كذلك.
ويقال القنوت القيام بآداب الخدمة ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير. «يَحْذَرُ» العذاب الموعود في الآخرة، «وَيَرْجُوا» الثواب الموعود. وأراد بالحذر الخوف.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
стр. 1562
أي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! «الَّذِينَ يَعْلَمُونَ» : العلم فى وصف المخلوق على ضربين: مجلوب مكتسب للعبد، وموهوب من قبل الربّ. ويقال مصنوع وموضوع. ويقال علم برهان وعلم بيان فالعلوم الدينية كلّها برهانية إلّا ما يحصل بشرط الإلهام.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٠]
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)
أطيعوه واحذروا مخالفة أمره. «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا» بأداء الطاعات، (والإحسان هو الإتيان بجميع وجوه الإمكان) «١» .
«وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ» : أي لا تتعلّلوا بأذى الأعداء إن نبا بكم منزل فتعلّلكم بمعاداة قوم ومنعهم إياكم- لا يسمع، فأرض الله واسعة، فاخرجوا منها إلى موضع آخر تتم لكم فيه عبادتكم «٢» .
«إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» . والصبر حبس النّفس على ما تكرهه.
ويقال هو تجرّع كاسات التقدير من غير استكراه ولا تعبيس.
ويقال هو التهدّف «٣» لسهام البلاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١١ الى ١٢]
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)
стр. 1563
مضى القول في معنى الإخلاص. وفي الخبر: إن الله يقول: «الإخلاص سرّ بين الله وعبده» «١» .
ويقال الإخلاص لا يفسده الشيطان، ولا يطّلع علية الملكان.
«أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ..» أمرت لأن أكون أول المسلمين في وقتى وفي شرعى. والإسلام الانقياد لله بكل وجه.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٣]
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)
أخاف أصناف العذاب التي تحصل في ذلك اليوم.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥)
هذا غاية الزجر والتهديد، ثم بيّن أن ذلك غاية الخسران، وهو الخزي والهوان. والخاسر- على الحقيقة- من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه بارتكابه ما الربّ عنه نهى، وخسر مولاه فلم يستح منه فيما رأى.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٦]
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)
أحاط بهم سرادقها فهم لا يخرجون منها، ولا يفترون عنها. كما أنهم اليوم في جهنم
стр. 1564
عقائدهم يستديم حجابهم، ولا ينقطع عنهم عقابهم «١» .
«ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ... » إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم وإلّا فبين يديك عقبة كوود.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٧]
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)
«٢» طاغوت كلّ إنسان نفسه وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضا مولاه.
وعبادة النّفس بموافقة الهوى- وقليل من لا يعبد هواه، ويجتنب حديث النّفس.
«وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ» : أي رجعوا إليه في كل شىء.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٨]
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)
«٣» «يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ» يقتضى أن يكون الاستماع لكل شىء، ولكن الاتباع يكون للأحسن. «أَحْسَنَهُ» : وفيه قولان أحدهما أن يكون بمعنى الحسن ولا تكون الهمزة للمبالغة، كما يقال ملك أعزّ أي عزيز. والثاني: والأحسن على المبالغة، والحسن ما كان مأذونا فيه في صفة الخلق ويعلم ذلك بشهادة العلم «٤» ، والأحسن هو الأولى والأصوب. ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره، ويقال الأحسن هو ذكر الله خالصا له. ويقال من عرف الله لا يسمع إلا بالله.
стр. 1565
ويقال إن للعبد دواعى من باطنه هي هواجس النفس ووساوس الشيطان وخواطر الملك وخطاب الحقّ يلقى في الرّوع فوساوس الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجس النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النّفس وأنّ لها في شىء نصيبا، وخواطر الملك تدعو إلى الطاعات والقرب، وخطاب الحقّ في حقائق التوحيد.
«أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» : - أولئك الذين هداهم الله لتوحيده، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ١٩]
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)
؟ الذين حقّت عليهم كلمة العذاب فريقان: فريق حقت عليهم كلمة بعذابهم في النار، وفريق حقت عليهم كلمة العذاب بالحجاب اليوم، فهم اليوم لا يخرجون عن حجاب قلوبهم، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان- وإن كانوا من أهل الإيمان» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٠]
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)
وعد المطيعين بالجنّة- ولا محالة لا يخلف، ووعد التائبين بالمغفرة- ولا محالة يغفر لهم، ووعد المريدين بالوجود والوصول- وإذا لم تقع لهم فترة فلا محالة مصدق وعده.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢١]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)
стр. 1566
أخبر أنه ينزل من السماء المطر فيخرج به الزرع فيخضرّ، ثم يأخذ في الجفاف، ثم يصير هشيما ... والإشارة من هذا إلى الإنسان، يكون طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم.
ويقال إن الزّرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحبّ، فالحبّ هو المقصود منه..
كذلك الإنسان ما لم يحصل من نفسه وصول لا يكون له قدر ولا قيمة.
ويقال إن كون المؤمن بقوة عقله يوجب استفادة له بعلمه إلى أن يبدو منه كمال يمكّن من أنوار بصيرته، ثم إذا بدت لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مغمورة. فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، قالوا:
فلمّا استبان الصبح أدرج «١» ضوءه ... بأنواره أنوار تلك الكواكب
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٢]
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)
جواب هذا الخطاب محذوف ... أي أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ليس كذلك؟
لمّا نزلت هذه الآية سئل الرسول- ﷺ عن الشرح المذكور فيها، فقال: «ذلك نور يقذف فى القلب، فقيل: وهل لذلك أمارة؟
стр. 1567
قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله «١» » .
والنور الذي من قبله- سبحانه- نور الّلوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلى الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد.. وعند ذلك فلا وجد ولا فقد «٢» ، ولا قرب «٣» ولا بعد ... كلّا بل هو الله الواحد القهار «٤» .
«فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «٥» : أي الصلبة قلوبهم، لم تقرعها خواطر التعريف فبقيت على نكرة الجحد.. أولئك في الضلالة الباقية، والجهالة الدائمة..
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٣]
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)
«٦»
стр. 1568
«أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» لأنه غير مخلوق «١» «كِتاباً مُتَشابِهاً» فى الإعجاز والبلاغة.
«مَثانِيَ» : يثنى فيها الحكم ولا يملّ بتكرار القراءة، ويشتمل على نوعين:
الثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد.
«تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ» إذا سمعوا آيات الوعيد.
«ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» إذا سمعوا آيات الوعد.
ويقال: تقشعر وتلين بالخوف والرجاء، ويقال بالقبض والبسط، ويقال بالهيبة والأنس، ويقال بالتجلّى والاستتار «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٤]
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)
أي فمن يتقى بوجهه سوء العذاب كمن ليس كذلك؟ وقيل إنّ الكافر يلقى النار أوّل ما يلقاها بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا. فأمّا المؤمن فيوقى ذلك وإنما يلقّى النضرة والسرور والكرامة فوجهه ضاحك مستبشر.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٥]
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) .
стр. 1569
أشدّ العذاب ما يكون بغتة، كما أنّ أتمّ السرور ما يكون فلتة.
ومن الهجران والفراق ما يكون بغتة غير متوقع، وهو أنكى للفؤاد وأشدّ وأوجع تأثيرا في القلب، وفي معناه قلنا:
فبتّ بخير والدّنى مطمئنة ... وأصبحت يوما والزمان تقلّبا
وأتمّ السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، قال قائلهم:
بينما خاطر المنى بالتلاقى ... سابح في فؤاده وفؤادى
جمع الله بيننا فالتقينا هكذا صدفة بلا ميعاد قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)
أي أوضحنا لهم الآيات، ووقفناهم على حقائق الأشياء.
«غَيْرَ ذِي عِوَجٍ» : فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٩]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)
مثّل الكافر ومعبوديه يعبد اشترك فيه متنازعون.
«فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ» : فالصنم يدعى فيه قوم وقوم آخرون فهذا يقول:
أنا صنعته، وذلك يقول: أنا استعملته، وثالث يقول: أنا عبدته.
стр. 1570
أمّا المؤمن فهو خالص لله ، يشبه «عبدا سلما لرجل» أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف.
ويقال «رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ» تتجاذبه أشغال الدّنيا، شغل الولد وشغل العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة والخواطر المشتّتة.
أمّا المؤمن فهو خالص لله ليس لأحد فيه نصيب ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شىء، ولا للرضوان معه شغل «١» ، إذ ليس له طاعات يدلّ بها، وعلى الجملة فهو خالص لله، قال تعالى لموسى: «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» «٢» أي أبقيتك لى حتى لا تصلح لغيرى.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» : الثناء له، وهو مستحقّ لصفات الجلال.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)
نعاه- ﵇ إليه. ونعى المسلمين إليهم ففزعوا بأجمعهم من ماثمهم «٣» ، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث. ومن لم يتفرّغ من مآثم نفسه وأنواع همومه، فليس له من هذا الحديث «٤» شمّة، فإذا فرغ قلبه من حديث نفسه، وعن الكون بجملته فحينئذ يجد الخير من ربّه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم:
стр. 1571
كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنى بعد موتى أكتب
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٣٢]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)
الإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يبلغها، وادّعى وجود أشياء لم يذق شيئا منها، قال تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «١» » .
ويقال: لا بل هؤلاء هم الكفار، وأمّا المدّعى الذي لم يبلغ ما يدّعيه فليس يكذب على ربّه إنما يكذب على نفسه حيث ادّعى لها أحوالا لم يذقها ولم يجدها، فأمّا غير المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة الحقّ- سبحانه- ما يتقدّس ويتعالى عنه «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)
الذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص، وفي أحواله من حيث الصدق، وفي أسراره من حيث الحقيقة.
«ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» : الإحسان- كما جاء في الخبر- أن تعبد الله كأنك تراه.
فمن كانت- اليوم- مشاهدته على الدوام كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا «٣» .
стр. 1572
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٣٥]
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)
من لا يكون مؤمنا فليس من أهل هذه الجملة. ومن كان معه إيمان: فإذا كفّر عنه أسوأ ما عمله فأسوأ أعماله كبائره فإن غفرت يجزهم بأحسن أعمالهم. وأحسن أعمال المؤمن الإيمان والمعرفة، فإن كان الإيمان مؤقتا كان ثوابه مؤقتا، وإن كان الإيمان على الدوام فثوابه على الدوام. ثم أحسن الأعمال عليها أحسن الثواب، وأحسن الثواب الرؤية فيجب أن تكون على الدوام «١» - وهذا استدلال قوى.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)
استفهام والمراد منه التقرير فالله كاف عبده اليوم في عرفانه بتصحيح إيمانه ومنع الشّرك عنه، وغدا في غفرانه بتأخير العذاب عنه، وما بينهما فكفايته تامة وسلامته عامة.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٣٨]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)
قرّر عليهم علوّ صفاته، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقرّوا بذلك، ثم طالبهم بذكر صفات الأصنام التي عبدوها من دونه، فلم يمكنهم في وصفها إلا بالجمادية، والبعد عن الحياة والعلم والقدرة والتمكّن من الخلق، فيقول: كيف أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلّا استحييتم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟.
стр. 1573
قل- يا محمد- حسبى الله، عليه يتوكل المتوكلون كافيّ الله المتفرّد بالجلال، القادر على ما يشاء، المتفضّل عليّ بما يشاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
سوف ينكشف ربحنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف نطالبكم فلا جواب لكم، ونعذّبكم فلا شفيع لكم، وندمّر عليكم فلا صريخ لكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤١]
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)
من أحسن فإحسانه إلى نفسه اكتسبه «١» ، ومن أساء فبلاؤه على نفسه جلبه- والحقّ غنيّ عن التجمّل بطاعة من أقبل والتنقّص بزلّة من أعرض.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٢]
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)
يقبض الأرواح «٢» حين موتها، والتي لم تمت من النفوس في حال نومها، فإذا نامت
стр. 1574
فيقبض أرواحها «١» . وقبض الأرواح في حال الموت بإخراج اللطيفة التي في البدن وهي الروح، ويخلق بدل الاستشعار والعلم الغفلة والغيبة في محالّ الإحساس والإدراك. ثم إذا قبض الأرواح عند الموت خلق في الأجزاء الموت بدل الحياة، والموت ينافى الإحساس والعلم. وإذا ردّ الأرواح بعد النوم إلى الأجساد خلق الإدراك في محل الاستشعار فيصير الإنسان متيقظا، وقبض الله الأرواح في حال النوم وردت به الأخبار، وذلك على مراتب فإنّ روحا تقبض على الطهارة ترفع إلى العرش وتسجد لله تعالى، وتكون لها تعريفات، ومعها مخاطبات «والله أعلم» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٣]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣)
أي أنهم- وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاء بحكمهم لا بتعريف من قبل الله أو إخبار- فإنّ الله تعالى لا يقبل الشفاعة من أحد إلّا إذا أذن بها، وإنّ الذي يقولونه إنما هو افتراء على الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٥]
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
стр. 1575
اشمأزّت قلوب الذين جحدوا ولم تسكن نفوسهم إلى التوحيد، وإذا ذكر الذين من دونه استأنسوا إلى سماعه:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٦]
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)
- علّمه- ﷺ كيف يثنى عليه- سبحانه «١» .
وتشتمل الآية على الإشارة إلى بيان ما ينبغى من التنصّل والتذلّل، وابتغاء العفو والتفضّل، وتحقيق الالتجاء بحسن التوكل. ثم أخبر عن أحوالهم في الآخرة فقال:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٧]
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)
لا فتدوا به.. ولكن لا يقبل منهم، واليوم لو تصدّقوا بمثقال ذرة لقبل منهم. كما أنهم لو بكوا في الآخرة بالدماء لا يرحم بكاؤهم، ولكنهم بدمعة واحدة- اليوم- يمحى الكثير من دواوينهم.
قوله جل ذكره: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فى سماع هذه الآية حرات لأصحاب الانتباه.
стр. 1576
وفي بعض الأخبار أن قوما من المسلمين من أصحاب الذنوب يؤمر بهم إلى النار [فإذا وافوها يقول لهم مالك: من أنتم؟ إن الذين جاءوا قبلكم من أهل النار وجوهم كانت مسودّة، وعيونهم «١» ] كانت مزرقّة.. وأنتم لستم بتلك الصفة، فيقولون: ونحن لم نتوقع أن نلقاك، وإنما انتظرنا شيئا آخر! قال تعالى «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ»
«٢» .
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٤٨]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)
حاق بهم وبال استهزائهم وجزاء مكرهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
فى حال الضّرّ يتبرّءون من الاستحقاق والحول والقوة، فإذا كشف عنهم البلاء وقعوا فى مغاليطهم، وقالوا: إنما أوتينا هذا باستحقاق منّا، قال تعالى: «بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ» ولكنهم لم يعلموا، ثم أخبر أن الذين من قبلهم مثل هذا قالوا وحسبوا، ولم يحصلوا إلا على مغاليطهم، فأصابهم شؤم ما قالوا، وهؤلاء سيصيبهم أيضا مثل ما أصاب أولئك.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٥٢]
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) .
стр. 1577
أو لم يروا كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق: فمن موسّع عليه رزقه، ومن مضيّق عليه، وليس لواحد منهم شىء ممّا خصّ به من التقليل أو التكثير.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٥٣]
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)
«١» التسمية ب «يا عِبادِيَ» مدح «٢» ، والوصف بأنهم «أَسْرَفُوا» ذم. فلمّا قال:
«يا عِبادِيَ» طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رءوسهم، ونكّس العصاة رءوسهم وقالوا: من نحن.. حتى يقول لنا هذا؟! فقال تعالى: «الَّذِينَ أَسْرَفُوا» فانقلب الحال فهؤلاء الذين نكّسوا رءوسهم انتعشوا وزالت ذلّتهم، والذين رفعوا رءوسهم أطرقوا وزالت صولتهم «٣» .
ثم أزال الأعجوبة عن القسمة بما قوّى رجاءهم بقوله: «عَلى أَنْفُسِهِمْ» يعنى إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت.
«لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» : بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنّا.
«إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» الألف واللام فى «الذُّنُوبَ» للاستغراق والعموم، والذنوب جمع ذنب، وجاءت «جَمِيعاً» للتأكيد فكأنه قال: أغفر ولا أترك، وأعفو ولا أبقى.
стр. 1578
ويقال إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلى بشأنكم عناية قديمة «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)
الإنابة الرجوع بالكلية. وقيل الفرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائب يرجع من خوف العقوبة، وصاحب الإنابة يرجع استحياء لكرمه «٢» .
«وَأَسْلِمُوا لَهُ» : وأخلصوا في طاعتكم، والإسلام- الذي هو بعد الإنابة- أن يعلم أنّ نجاته بفضله لا بإنابته فبفضله يصل إلى إنابته.. لا بإنابته يصل إلى فضله.
«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ» قبل الفراق. ويقال هو أن يفوته وقت الرجوع بشهود الناس ثم لا ينصرف عن ذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)
يقال هذا في أقوام يرون أمثالهم تقدموا عليهم في أحوالهم، فيتذكرون ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفّق إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة.
стр. 1579
أو يقول: لو أنّ الله هدانى لكنت كذا، ويقول آخر: لو أنّ لى كرّة فأكون كذا، فيقول الحقّ- سبحانه:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٥٩]
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)
فذق من العذاب ما على جرمك استوجبت.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٠]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
هؤلاء الذين ادّعوا أحوالا ولم يصدقوا فيها، وأظهروا المحبة لله ولم يتحققوا بها، وكفاهم افتضاحا بذلك! وأنشدوا:
ولمّا ادّعيت الحبّ قالت كذبتنى ... فمالى أرى الأعضاء منك كواسيا؟!
فما الحبّ حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا «١»
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦١]
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
كما وقاهم- اليوم- عن المخالفات، حماهم- غدا- من العقوبات، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين اليوم عصمة، وغدا نعمة. اليوم عناية وغدا حماية وكفاية.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٢]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) .
стр. 1580
تدخل أكساب العباد في هذه الجملة، ولا يدخل كلامه فيه لأن المخاطب لا يدخل تحت الخطاب ولا صفاته «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٣]
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)
«مَقالِيدُ» أي مفاتيح، والمراد منه أنه قادر على جميع المقدورات، فما يريد أن يوجده أوجده.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٤]
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)
أي متى يكون لكم طمع في أن أعبد غيره.. وبتوحيده ربّانى، وبتفريده غذانى، وبشراب حبّه سقانى؟! «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٥ الى ٦٦]
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
لئن لا حظت غيرى، وأثبت معى في الإبداع سواى أحبطت عملك، وأبطلت سعيك، بل الله- يا محمد- فاعبد، وكن من جملة عبادى الشاكرين.
قوله جل ذكره:
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٧]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) .