← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٢] وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) يريد بها السفن التي تجرى في البحار يرسل الله الريح فتسيّرها مرة، ويسكّنها أخرى، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة.. وهو بهذا يحثّهم على التفكّر والتنبّه دائما. والإشارة في هذا إلى إمساك الناس «١» فى خلال فترة الوقت عن الأنواء المختلفة، وحفظهم في إيواء السلامة، فالواجب الشكر في كل حالة، وإذا خلص الشكر استوجب جزيل المزيد. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٦] فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) يعنى أنّ الراحات في الدنيا لا تصفو، ومن المشائب لا تخلو. وإن اتفق وجود البعض منها في أحايين فإنها سريعة (الزوال) «٢» ، (وشيكة) «٣» الارتحال. «وَما عِنْدَ اللَّهِ» من الثواب الموعود «خَيْرٌ» من هذا القليل الموجود. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٧] وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) «كَبائِرَ الْإِثْمِ» : الشرك. و «الْفَواحِشَ» : ما دون ذلك من الزلّات. فإذا تركوها لا يتجرّعون كاسات الغضب بل تسكن لديهم سورة النّفس لأنهم يتوكلون على ربهم فى عموم الأحوال. [سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٨] وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)

стр. 1647

«اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ» : فيما دعاهم إليه وما أمرهم به من فنون الطاعات فهؤلاء هم الذين لهم حسن الثواب وحميد المآب. والمستجيب لربّه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه «١» ، ولا تبقى منه لنفسه بقية. «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» : لا يستبدّ أحدهم برأيه لأنه يتّهم أمره ورأيه أبدا «٢» . ثم إذا أراد القطع بشىء يتوكل على الله. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٣٩] وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) «الْبَغْيُ» : الظلم، فيعلم أحدهم أن الظلم الذي أصابه هو من قبل نفسه، فينتصر على الظالم وهو نفسه بأن يكبح عنانها عن الركض في ميدان المخالفات. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٤٠] وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) (يعنى لا تجاوزوا حدّ ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام) «٣» . «فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» : من عفا عن الجاني، وأصلح ما بينه وبين الله- أصلح الله ما بينه وبين الناس. «فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» : فالذى للعبد من الله وعلى الله، وعند الله خير مما يعمله باختياره. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) .

стр. 1648

علم الله أن الكلّ من عباده لا يجد التحرر من أحكام النّفس، ولا يتمكن من محاسن الخلق فرخّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط- وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ..» : السبيل بالملامة لمن جاوز الحدّ، (وعدا الطّور) «١» ، وأتى غير المأذون له من الفعل.. فهؤلاء لهم عذاب أليم. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٤٣] وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلك لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر- بالتجاوز عن الخصم- ولم تبق لنفسه عليه دعوى، بل يبرىء خصمه من كل دعوى، فى الدنيا والعقبى.. فذلك من عزم الأمور. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٦] وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) إنّ الذين أضلّهم الله، وأعمى أبصارهم وبصائرهم، وأوقعهم في كدّ عقوبتهم، وحرمهم برد الرضا لحكم ربّهم ليس لهم وليّ من دون الله، ولا مانع لهم من عذابه. وتراهم إذا رأوا العذاب يطلبون منه النجاة فلا ينالونها. وتراهم يعرضون على النار وهم خاشعون من الذّلّ لا تنفعهم ندامة، ولا تسمع منهم دعوة، ويعيّرهم المؤمنون بما ذكّروهم به فلا يسمعون، فاليوم لا ناصر ينصرهم، ولا راحم يرحمهم. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٤٧] اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) الاستجابة لله الوفاء بعهده، والقيام بحقّه، والرجوع عن مخالفته إلى موافقته، والاستسلام

стр. 1649

فى كل وقت لحكمه. والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح. وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٤٨] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) فإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغ الرسالة، ثم نحن أعلم بما نعاملهم به. «وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ» . إذا أذقنا الإنسان منّا رفاهية ونعمة فرح بتلك الحالة، وقابلها بالبطر، وتوصّل بتمام عافيته إلى المخالفة، وجعل السلامة ذريعة للمخالفة. وإن أصابته فتنة وبلية، ومسّته مصيبة ورزية فإنه كفور بنعمائنا، جحود لآياتنا. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) «١» ... يهب لمن يشاء الذكور، ولمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الجنين، ويجعل من يشاء عقيما، فلا اعتراض عليه في تقديره، ولا افتيات في اختياره، فهو أولى بعباده من عباده. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : آية ٥١] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) لله بحقّ ملكه أن يفعل ما يشاء، ويعطى من يشاء من عباده ما يشاء، ولكن أجرى

стр. 1650

العادة وحكم بأنه لا يفعل إلا ما ورد في هذه الآية فلم يكلّم أحدا إلا بالوحى، أو من وراء حجاب يعنى وهو لا يرى الحقّ، فالمحجوب هو العبد لا الرب، والحجاب أن يخلق فى محل الرؤية ضد الرؤية.. تعالى الله عن أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام المحدودة التي يسبل عليها ستر. إنه «عَلِيٌّ» : فى شأنه وقدره، «حَكِيمٌ» : فى أفعاله. قوله جل ذكره: [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) أي ذلك مثلما أوحينا إليك «رُوحاً» من أمرنا يعنى القرآن سمّاه روحا لأنه من آمن به صار به قلبه حيّا. ويقال «رُوحاً مِنْ أَمْرِنا» : أي جبريل ﵇، ويسمى جبريل روح القدس. «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ..» : ما كنت تدرى قبل هذا ما القرآن، «وَلَا الْإِيمانُ» : أي تفصيل هذه الشرائع. «وَلكِنْ جَعَلْناهُ» : أي القرآن «نُوراً» نهدى به من نشاء من عبادنا المؤمنين. «أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» : لأن منه ابتداء الأمور.

стр. 1651

سورة الزّخرف قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم «الله: اسم عزيز من وثق بجوده وكرمه لم يعلّق بغيره صواعد هممه، ولم يقف على سدّة مخلوق بقدمه في ابتغاء كرمه. اسم عزيز من عوّده خفايا لطفه «١» لم يتذلّل «٢» فى طلب شىء من غيره، ولم يرجع إلى غيره في شرّه وخيره. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) الحاء تدل على حياته والميم على مجده.. وهذا قسم ومعناه: وحياتى ومجدى وهذا القرآن إنّ الذي أخبرت عن رحمتى بعبادي المؤمنين حق وصدق. وجعلناه قرآنا عربيا ليتيسّر عليكم فهم معناه. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤] وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) «فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا» : أي أنه مكتوب في اللّوح المحفوظ. «لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» لعليّ القدر، حكيم الوصف لا تبديل له ولا تحويل. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥] أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) أي أننا لا نفعل ذلك (فيكون معنى الاستفهام) «٣» أفنقطع عنكم خطابنا وتعريفنا

стр. 1652

إن أسرفتم في خلافكم؟ لا ... إننا لا نرفع التكليف بأن خالفتم، ولا نهجركم- بقطع الكلام عنكم- إن أسرقتم. وفي هذا إشارة لطيفة وهو أنه لا يقطع الكلام- اليوم- عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شانه. فأحرى أنّ من لم يقصّر في إيمانه- وإن تلطّخ بعصيانه، ولم يدخل خلل في عرفانه- ألا يمنع عنه لطائف غفرانه «١» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦ الى ٧] وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) ما أتاهم من رسول فقابلوه بالتصديق، بل كذّب به الأكثرون وجحدوا، وعلى غيّهم أصرّوا ... [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨] فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) أي لم يعجزنا أحد منهم، ولم نغادر منهم أحدا، وانتقمنا من الذين أساءوا. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٩] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) كانوا يقرّون بأنّ الله خالقهم، وأنّه خلق السماوات والأرض، وإنما جحدوا حديث الأنبياء، وحديث البعث وجوازه. [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١٠] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) كما جعل الأرض قرارا لأشباحهم جعل الأشباح قرارا لأرواحهم فالخلق سكّان الأرض، فإذا انتهت المدة- مدة كون النفوس على الأرض- حكم الله بخرابها.. كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكليّة قضى الله بخرابها.

стр. 1653

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١١] وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) يعنى كما يحيى الأرض بالمطر يحيى القلوب بحسن النّظر. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١٢] وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) أي الأصناف من الخلق «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ» كذلك جنّس عليكم الأحوال كلها فمن رغبة في الخيرات إلى رهبة مما توعدّكم به من العقوبات. ومن خوف يحملكم على ترك الزلّات إلى رجاء يبعثكم على فعل الطاعات طمعا فى المثوبات.. وغير ذلك من فنون الصفات [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١٣] لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) يعنى الفلك والأنعام.. «ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» مطيعين، وكما سخّر لهم الفلك في البحر، والدوابّ للركوب، وأعظم عليهم المنة بذلك فكذلك (سهّل للمؤمنين مركب التوفيق فحملهم عليه إلى بساط الطاعة) «١» ، وسهّل للمريدين مركب الإرادة فحملهم عليه إلى عرصات الجود، وسهّل للعارفين مركب الهمم فأناخوا بعقوة العزّة. وعند ذلك محطّ الكافة إذ لم تخرق سرادقات العزّة همّة مخلوق: سواء كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا أو وليّا مكرّما، فعند سطوات العزّة يتلاشى كلّ مخلوق، ويقف وراءها كلّ محدث مسبوق «٢» .

стр. 1654

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١٥] وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله فجعلوا البنات لله جزءا على التخصيص من جملة مخلوقاته.. تعسا لهم في قولهم ذلك وخزيا «١» !! فردّ عليهم ذلك قائلا: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ١٦] أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) قال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا إذ- على حدّ قولهم- كيف يؤثرهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟! ففى قولهم ضلال إذ حكموا للقديم بالولد. وفيه جهل إذ حكموا له بالبنات ولهم بالبنين- وهم يستنكفون من البنات.. ثم.. أي عيب في البنات؟ ثم.. كيف يحكمون بأن الملائكة إناث- وهم لم يشاهدوا خلقتهم؟ كلّ ذلك كان منهم خطأ محظورا. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٢٠] وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) إنما قالوا ذلك استهزاء واستبعادا لا إيمانا وإخلاصا، فقال تعالى: «ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ» ولو علموا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولا. ثم قال: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٢١] أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) أي ليس كذلك، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليد لا يفضى إلى العلم، فقال: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٢٢] بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)

стр. 1655

فنحن نقتدى بهم، ثم قال: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٢٣] وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) سلكوا طريق هؤلاء في التقليد لأسلافهم، ولاستنامة إلى ما اعتادوه من السّيرة والعادة. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٤ الى ٢٥] قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) فلم ينجع فيهم قوله، ولم ينفعهم وعظه، وأصرّوا على تكذيبهم، فانتقم الحقّ- سبحانه- منهم كما فعل بالذين من قبلهم. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) أخبر أنّ إبراهيم لمّا دعا أباه وقومه إلى الله وتوحيده أبوا إلّا تكذيبه فتبرّأ منهم بأجمعهم، وجعل الله كلمة التوحيد باقية في عقبه وقومه. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٢٩] بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) أرخينا عنان إمهالهم مدة، ثم كان أمرهم «١» أن انتصرنا منهم، ودمّرناهم أجمعين. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣١] وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)

стр. 1656

إمّا أبى مسعود الثقفي «١» أو أبى جهل، وهذا أيضا من فرط جهلهم. [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٢] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) أهم يقسمون- يا محمد- رحمة ربك في التخصيص بالنبوة؟ أيكون اختيار الله- سبحانه- على مقتضى هواهم؟ بئس ما يحكمون! «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ.....» فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم.... فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء؟! ..... والإشارة من هذا: أن الحقّ- سبحانه- لم يجعل قسمة السعادة والشقاوة إلى أحد، وإنما المردود من ردّه بحكمه وقضائه وقدره، والمقبول- من جملة عباده- من أراده وقبله ... لا لعلّة أو سبب، وليس الردّ أو القبول لأمر مكتسب «٢» ... ثم إنه قسم لبعض عباده النعمة والغنى، وللبعض القلّة والفقر، وجعل لكلّ واحد منهم سكنا يسكنون إليه يستقلون به فللأغنياء وجود الإنعام وجزيل الأقسام.. فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهود المنعم والقسّام.. فحمدوا وافتخروا. الأغنياء وحدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله: «نَحْنُ» فاشتغلوا «٣» .

стр. 1657

وفي الخبر أن النبي ﷺ قال للأنصار: أما ترضون أن يرجع الناس بالغنى وأنتم ترجعون بالنبي إلى أهليكم؟ «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا..» : لو كانت المقادير متساوية لتعطلّت المعايش، ولبقى كلّ عند حاله فجعل بعضهم مخصوصين بالرّفه والمال، وآخرين مخصوصين بالفقر ورقة الحال.. حتى احتاج الفقير في جبر حاجته إلى أن يعمل للغنيّ كى يرتفق من جهته بأجرته فيصلح بذلك أمر الغنيّ والفقير جميعا. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٣] وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) معنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر فالذى يبقى عنّا لو صببنا عليه الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبرانا لمصيبته. ولولا فتنة قلوب المؤمنين لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج من فضة، وكذلك ما يكون شبيها بهذا. ولو فعلنا.. لم يكن لما أعطيناه خطر لأنّ الدنيا بأسرها ليس لها عندنا خطر. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٦] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) من لم يعرف قدر الخلوة مع الله فحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر الرديّة قيّض الله له من يشغله عن الله- وهذا جزاء من ترك الأدب في الخلوة. وإذا اشتغل العبد في خلوته بربّه.. فلو تعرّض له من يشغله عن ربه صرفه الحق عنه بأى وجه كان، وصرف دواعيه عن مفاتحته بما يشغله عن الله. ويقال: أصعب الشياطين نفسك والعبد إذا لم يعرف خطر فراغ قلبه، واتّبع شهوته، وفتح ذلك الباب على نفسه بقي في يد هواه أسيرا لا يكاد يتخلّص عنه إلا بعد مدّة. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)

стр. 1658

الذي سوّلت له نفسه أمرا يتوهّم أنه على صواب، ثم يحمل صاحبه على موافقته في باطله، ويدّعى أنه على حقّ. وهو بهذا يضر بنفسه ويضر بغيره. ثم إذا ما انكشف- غدا- الغطاء تبيّن صاحبه خيانته، وندم على صحبته، ويقول: «يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا» «١» و «يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» . ولكنّ هذه الندامة لا تنفع حينئذ لأنّ الوقت يكون قد فات، لهذا قال تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤٠] أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) هذا الاستفهام فيه معنى النفي أي أنه ليس يمكنك هداية من سددنا بصيرته، ولبّسنا عليه رشده، ومن صببنا في مسامع فهمه رصاص الشقاء والحرمان.. فكيف يمكنك إسماعه؟! قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤١] فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) يعنى: إن انقضى أجلك ولم يتفق لك شهود ما نتوعّدهم به فلا تتوهّم أنّ صدق كلامنا يشوبه مين «٢» ، فإنّ ما أخبرناك عنه- لا محالة- سيكون. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤٢] أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) أثبته على حدّ الخوف «٣» والرجاء، ووقفه على وصف التجويز لاستبداده «٤» - سبحانه

стр. 1659

بعلم الغيب. والمقصود كذلك أن يكون كلّ أحد بالنسبة لأمر الله من جملة نظارة التقدير- فالله يفعل ما يريد. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤٣] فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) اجتهد من غير تقصير وتوكّل على الله من غير فتور، وقف حيثما أمرت، وثق بأنك على صراط مستقيم. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤٤] وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) أي إنّ هذا القرآن لذكر لك أي شرف لك، وحسن صيت، واستحقاق منزلة. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٤٥] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) حشر أرواح الأنبياء- ﵈ ليلة الإسراء، وقيل له- ﷺ : سلهم: هل أمرنا أحدا بعبادة غيرنا؟ فلم يشكّ النبي- ﷺ ولم يسأل «١» ويقال: الخطاب له، والمراد به غيره.. فمن يرتاب في ذلك؟ (ويقال: المراد منه سل أقوامهم، لكى إذا قالوا إن الله لم يأمر بذلك كان هذا أبلغ في إبرام الحجة عليهم) «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٦ الى ٥٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) كرّر قصة موسى غير مرة في القرآن، وأعادها هنا مجملة أرسلناه بدلائلنا، أرسلناه بحجة ظاهرة قاهرة، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط، فقوبل بالهزء والضحك

стр. 1660

والتكذيب. ومع أنّ الله سبحانه لم يجر عليه من البيّنات شيئا إلا كان أوضح مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاء أوحش مما قبله. فلمّا عضّهم الأمر قالوا: يا أيها الساحر، ادع لنا ربّك ليكشف عنّا البليّة لنؤمن بك، فدعا موسى.. فكشف الله عنهم، فعادوا إلى كفرهم، ونقضوا عهدهم. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥١] وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) تعزّز بملك مصر، وجرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه ليعلم أنّ من تعزّز بشىء من دون الله فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء. [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥٢] أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) استصغر موسى وحديثه، وعابه بالفقر.. فسلّطه الله عليه، وكان هلاكه بيديه، فما استصغر أحد أحدا إلا سلّطه الله عليه «١» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥٤] فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) أطاعوه طاعة الرهبة، وطاعة الرهبة لا تكون مخلصة، وإنما تكون الطاعة صادقة إذا صدرت عن الرغبة. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥٥] فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) «آسَفُونا» أغضبونا، وإنما أراد أغضبوا أولياءنا، فانتقمنا منهم. وهذا له أصل في باب

стр. 1661

الجمع «١» حيث أضاف إيسافهم لأوليائه إلى نفسه.. وفي الخبر: أنه يقول: «مرضت فلم تعدنى «٢» . وقال في قصة ابراهيم عليه: «يَأْتُوكَ رِجالًا..» «٣» وقال في قصة نبيّنا- ﷺ : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «٤» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥٧] وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وضرب المثل بعيسى هو قوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» «٥» خلق عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين. فجحدوا بهذه الآية. وقيل هو قوله: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ» «٦» ، فقالوا: رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعزيز والملائكة، وليس لهم في الآية موضع ذكر لأنه سبحانه قال: «وَما» تعبدون، ولم يقل «ومن» تعبدون «٧» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٥٨] وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) ما ضربوه لك إلا جدلا: وذلك أنهم قالوا: إن قال آلهتكم خير فقد أقرّ بأنها معبودة، وإن قال: عيسى خير من آلهتكم فقد أقرّ بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: ليس واحد منهم

стр. 1662

خيرا فقد نفى ذلك عن عيسى ﵇. هم راموا بهذا الكلام أن يجادلوه، ولم يكن سؤالهم للاستفادة. فكان جواب النبي ﷺ عليهم: أن عيسى ﵇ خير من آلهتكم ولكنه لا يستحق أن يعبد إذ ليس كلّ ما هو خير من الأصنام بمستحق أن يكون معبودا من دون الله. وهكذا بيّن الله- سبحانه- لنبيّه أنهم قوم جدلون «١» ، وأنّ حجتهم داحضة عند ربهم قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٩ الى ٦٠] إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) فليس عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوّة. «وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» ولو شئنا لأنزلنا ملائكة من السماء حتى يكونوا سكّان الأرض بدلكم. ثم قال: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦١] وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ» : يعنى به عيسى ﵇ إذا أنزله من السماء فهو علامة للساعة، «فَلا تَمْتَرُنَّ» بنزوله بين يديّ القيامة «٢» . [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦٢] وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) ولا يصدنكم الشيطان عن الإيمان بالساعة، وعن اتّباع الإيمان بهداى.

стр. 1663

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦٣] وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) ذكر مجىء عيسى ﵇ أول مرة حيث أتى قومه بالشرائع الواضحة، ودعاهم إلى دين الله، ولكنهم تحزّبوا عليه «١» ، وإن الذين كفروا به لمستحقون للعقوبة. [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦٧] الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) ما كان لغير الله فمآله إلى الضياع. والأخلاء الذين اصطحبوا على مقتضى الهوى بعضهم لبعض عدو يتبرّأ بعضهم من بعض، فلا ينفع أحد أحدا. وأمّا الأخلاء في الله فيشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله: «إِلَّا الْمُتَّقِينَ» . وشرط الخلّة «٢» فى الله ألا يستعمل بعضهم بعضا في الأمور الدنيوية، ولا يرتفق بعضهم ببعض حتى تكون الصحبة خالصة لله لا لنصيب في الدنيا، ويكون قبول بعضهم بعض لأجل الله، ولا تجرى بينهم مداهنة، وبقدر ما يرى أحدهم في صاحبه من قبول لطريق الله يقبله، فإن علم منه شيئا لا يرضاه الله لا يرضى ذلك من صاحبه، فإذا عاد إلى تركه غاد هذا إلى مودته، وإلّا فلا ينبغى أن يساعده على معصيته، كما ينبغى أن يتقيه بقلبه، وألا يسكن إليه لغرض دنيوى أو لطمع أو لعوض. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦٨] يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) يقال لهم غدا: «يا عِبادِ «٣» لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» مما يلقاه أهل

стр. 1664

الجمع «١» من الأهوال، ولا أنتم تحزنون فيما قصّرتم من الأعمال ... أمّا الذنوب.. فقد غفرناها، وأمّا الأهوال ... فكفيناها، وأمّا المظالم.. فقضيناها. فإذا قال المنادى: هذا الخطاب يطمع الكلّ قالوا: نحن عباده، فإذا قال: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٦٩] الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) أيس الكفار، وقوى رجاء المسلمين «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧٠] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) «٣» فى رياض الجنة، وترتعون. ويقال: «تُحْبَرُونَ» من لذة السماع. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧١] يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) العبّاد لهم فيها ما تشتهى أنفسهم لأنهم قاسوا في الدنيا- بحكم المجاهدات- الجوع والعطش، وتحمّلوا وجوه المشاقّ، فيجازون في الجنة بوجوه من الثواب. وأمّا أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله «٤» لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم وما عالجوه من الاحتراق لشدة غليلهم.

стр. 1665

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧٢] وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) أي يقال لهم- والخطاب للمطيعين غدا-: أنتم يا أصحاب الإخلاص في أعمالكم والصدق في أحوالكم: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧٣] لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) من الفاكهة الكثيرة تأكلون، وفي الأنس تتقبلون. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) هؤلاء هم الكفار المشركون، فهم أهل الخلود «١» ، لا يفتّر عنهم العذاب ولا يخفف. وأمّا أهل التوحيد: فقد يكون منهم قوم في النار. ولكن لا يخلدون فيها. ودليل الخطاب يقتضى أنه يفتّر عنهم العذاب. ورد فى الخبر الصحيح: أنه يميتهم الحقّ- سبحانه- إماتة إلى أن يخرجهم من النار- والميت لا يحسّ ولا يتألم «٢» . «لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» الإبلاس «٣» من الخيبة، ويدل ذلك على أن المؤمنين لا يأس لهم فيها، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم يعدون أيامهم إلى أن ينتهى حسابهم. ولقد قال الشيوخ: إنّ حال المؤمن في النار- من وجه- أروح لقلبه من حاله في الدنيا فاليوم- خوف الهلاك، وغدا- يقين النجاة، وأنشدوا: عيب السلامة أنّ صاحبها ... متوقّع لقواصم الظّهر وفضيلة البلوى ترقّب أهلها ... - عقب الرجاء- مودة الدهر

стр. 1666

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧٦] وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) هذا الخطاب يشبه كلمة العذر- وإن جلّ قدره- سبحانه- عن ذلك. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) لو قالوا: «يا مالِكُ» لعلّ أقوالهم «١» كانت أقرب إلى الإجابة، ولكنّ الأجنبية حالت بينهم وبين ذلك «٢» ، فكان الجواب عليهم: «إِنَّكُمْ ماكِثُونَ» فيها.. نصحتم فلم تنتصحوا، ولم تقبلوا القول في حينه، وكان أكثرهم للحق كارهين. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٧٩] أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) «٣» بل أمورهم منتقضة عليهم فلا يتمشى لهم شىء مما دبّروه، ولا يرتفع لهم أمر على نحو ما قدّروه- وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٠] أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) إنما خوّفهم بسماع الملك، وبكتابتهم أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله- سبحانه، ولو كان لهم خير عن الله لما خوّفهم بغير الله، ومن علم أنّ أعماله تكتب عليه، وأنه يطالب بمقتضى ذلك- قلّ إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه.. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨١] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) .

стр. 1667

أي إن كان في ضميركم وفي حكمكم وفي اعتقادكم أنّ للرحمن ولدا فأنا أوّل من يستنكف من هذه القالة. قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٢] سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) تنزّه الله تنزيها، وتقدّس تقديسا عمّا قالوه. وفي هذه الآيات وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة- فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود- قصدا للردّ عليهم، وإخبارا بتقبيح أقوالهم، وبطلان مزاعمهم. ثم قال جلّ ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٣] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) إذ ليس يفوت أمرهم، وهم لا محالة سيلقون صغرهم. وفي هذا دليل على أنه لا ينبغى للعبد أن يغترّ بطول السلامة فإنّ العواقب غير مأمونة. قوله جل ذكره [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٤] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) المعبود- فى السماء- الله، والمقصود- فى طلب الحوائج في الأرض- الله. أهل السماء لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يقضى حوائجهم غير الله. «وَهُوَ الْحَكِيمُ» فى إمهاله للعصاة، «الْعَلِيمُ» بأحوال العباد. [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٥] وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) تعالى وتقدّس وتنزّه وتكبّر الذي له ملك السماوات والأرض. السماوات والأرض بقدرته تظهر.. لا هو بظهورها يتعزّز «١» .

стр. 1668

قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : آية ٨٦] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) أي شهد- اليوم- بالتوحيد، فيثبت له الحقّ حقّ الشفاعة. وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غدا مقبولة «١» . قوله جل ذكره: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨٧ الى ٨٩] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) فكيف لا يعتبرون؟ وكيف يتكبّرون عن طاعة الله. «وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» أي يعلم علم الساعة ويعلم «٢» «قِيلِهِ يا رَبِّ» «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ.. أي أمهلهم، وقل لكم منى سلام.. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون.

стр. 1669

سورة الدّخان قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من ذكرها نال في الدنيا والعقبى بهجته، ومن عرفها بذل فى طلبها مهجته. كلمة إذا استولت على قلب عطّلته عن كلّ شغل، كلمة إذا واظب على ذكرها عبد أمّنته من كلّ هول. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) الحاء تشير إلى حقّه والميم تشير إلى محبته. ومعناه: بحقي وبمحبتى لعبادى، وبكتابي العزيز إليهم: إنّى لا أعذّب أهل معرفتى بفرقتى «١» . قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣ الى ٤] إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) «فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» : قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك «٢» . أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كلّ سنة بمقدار ما كان جبريل ينزل به على الرسول ﷺ «٣» . وسمّاها: «لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» لأنها ليلة افتتاح الوصلة. وأشدّ الليالى بركة ليلة يكون العبد فيها حاضرا بقلبه، مشاهدا لربّه، يتنعّم فيها بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة.

стр. 1670

وأحوال هذه الطائفة «١» فى لياليهم مختلفة، كما قالوا: لا أظلم الليل ولا ادّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تزول ليلى كما شاءت: قصير إذا ... جادت، وإن ضنّت فليلى طويل «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» يكتب من أمّ الكتاب في هذه الليلة ما يحصل في السنة كلّها من أقسام الحوادث في الخير والشرّ، فى المحن والمنن، فى النصر والهزيمة، فى الخصب والقحط. ولهؤلاء القوم (يعنى الصوفية) أحوال من الخصب والجدب، والوصل والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط.. فكم من عبد ينزل له الحكم والقضاء بالبعد والشقاء، وآخر ينزل حكمه بالرّفد والوفاء. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥ الى ٦] أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) «رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» : وهي الرسول- ﷺ ، قال صلوات الله عليه: «أنا رحمة مهداة» ويقال: «إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ» رحمة لنفوس أوليائنا بالتوفيق، ولقلوبهم بالتحقيق. «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» : «السَّمِيعُ» لأنين المشتاقين، «الْعَلِيمُ» بحنين المحبين. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٧] رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) مالك السماوات والأرضين، ومالك ما بينهما- وتدخل في ذلك أكساب العباد. وتملّكها بمعنى القدرة عليها، وإذا حصل مقدور في الوجود دلّ على أنه مفعوله لأن معنى الفعل مقدور وجد «٢» .

стр. 1671

قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٨] لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) هذه الكلمة فيها نفى ما أثبتوه بجهلهم، وإثبات ما نفوه بجحدهم. «رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» : مربّى «١» أصلكم ونسلكم. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٩] بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) اللّعب فعل يجرى على غير ترتيب تشبيها باللّعاب الذي يسيل لا «٢» على نظام مخصوص فوصف المنافق باللّعب وذلك لتردّده وتحيّره نتيجة شكّه في عقيدته. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ١٠] فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) هذا من أشراط الساعة إذ يتقدم عليها «٣» . وقيامة هؤلاء (يقصد الصوفية) معجّلة (أي تتم هنا في هذه الدنيا) فيومهم الذي تأتى السماء فيه بدخان مبين هو يوم غيبة الأحباب، وانسداد ما كان مفتوحا من الأبواب، أبواب الأنس بالأحباب وفي معناه قالوا: فما جانب الدنيا بسهل ولا الضّحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ١١] يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) .

стр. 1672

وعذاب هؤلاء (يقصد الصوفية) مقيم في الغالب، وهو عذاب مستعذب، أولئك يقولون: [سورة الدخان (٤٤) : آية ١٢] رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) وهؤلاء يستزيدون- على العكس من الخلق- العذاب، وفي ذلك يقول قائلهم: فكلّ مآربى قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب «١» فهم يسألون البلاء والخلق يستكشفونه، ويقولون: أنت البلاء فكيف أرجو كشفه ... إنّ البلاء إذا فقدت بلائي قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ١٣] أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) إن خالفوا دواعى قلوبهم من الخواطر «٢» التي ترد من الحقّ عليهم عوقبوا- فى الوقت بما لا يتّسع لهم ويسعفهم، فاذا أخذوا في الاستغاثة «٣» يقال لهم: أنّى لكم الذكرى وقد جاءكم الرسول «٤» على قلوبكم فخالفتم؟! قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ١٥] إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) .

стр. 1673

حيث نورثكم حزنا طويلا، ولا تجدون في ظلال انتقامنا مقيلا. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١٧ الى ٢٤] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) فتنهم «١» بعد ما أصرّوا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة عنودهم «٢» . «وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ» : يطالبهم بازالة الظلم عن بنى إسرائيل، وأن يستبصروا، واستنفرهم لله، وأظهر الحجّة من قبل الله. «فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ» أمره بأن يسرى بعباده المؤمنين، وعرّفهم أنهم سينقذون، وأنّ عدوّهم «جُنْدٌ مُغْرَقُونَ» قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) ما خلفوه من أحوالهم ومن رياشهم، وما تركوه من أسباب معاشهم استلبناه عنهم. «كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ» وأسكنّا قوما آخرين في منازلهم ودورهم. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٢٩] فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) لم يكن لهم من القدر والخطر ما يتحرك في العالم بسببهم ساكن، أو يسكن متحرك

стр. 1674

فلا الخضراء بسببهم اغبرّت، ولا الغبراء لغيبتهم اخضرّت. لم يبق منهم عين ولا أثر، ولم يظهر من قبلهم على قلب أحد من عبادنا أثر. وكيف تبكى السماء لفقد من لم تستبشر به من قبل؟ بعكس المؤمن الذي تسرّ السماء بصعود عمله إليها، فإنها تبكى عند غيابه وفقده «١» . قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) نجّاهم، وأقمى عدوّهم، وأهلكه. «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ... » أي علمنا ما يحتقبون من أوزارهم «٢» ، فرفعنا- باختيارنا- من أقدارهم ما وضعه فعلهم وتدنسّهم بأوضارهم. ويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بأحوالهم أنهم يؤثرون أمرنا على كل شىء. ويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا. ويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بما نودع عندهم من أسرارنا، وما نكاشفهم به من حقائق حقّنا. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٣٣] وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) من مطالبته بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الكدر والعناء «٣» . قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٦] إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)

стр. 1675

اقترح أبو جهل على النبي- ﷺ أن يحيى لهم نفسا «١» : «لتخبرنا: هل أنت صادق أم لا؟» فأخبر الله- سبحانه- أنهم اقترحوا هذا بعد قيام الحجّة عليهم، وإظهار ما أزاح لهم من العذر: ثم قال جلّ ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٣٧] أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) «تُبَّعٍ» هو ملك لليمن، وكان مسلما، وكان في قومه كثرة، وأهلك الله سبحانه قومه على كثرة عددهم، وكمال قوّتهم. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) ما خلقناهما إلا بالحقّ، بالحكم الحقّ وبالأمر الحقّ ... «فأنا محقّ في خلقهما» : أي كان لى خلقهما. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٢] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)

стр. 1676

يومئذ لا يغنى ناصر عن ناصر ولا حميم عن حميم، ولا نسيب عن نسيب ... شيئا. ولا ينالهم نصر إلا من ﵀ وبفضله ونعمته. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٦] إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) «الْأَثِيمِ» مرتكب الذنوب. «المهل» : النحاس المذاب. «الْحَمِيمِ» : الماء الحار. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) ادفعوا به إلى وسط الحميم. ويقال له: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» : أنت كذلك عند قومك، ولكنك عندنا ذليل مهين. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٣] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) آمنين من المجن من جميع الوجوه، لباسهم من حرير، وفراشهم من سندس وإستبرق، «مُتَقابِلِينَ» : لا يبرحون ولا يبغون عنها حولا. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : آية ٥٤] كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) تباح لهم صحبتهن، ولا يكون في الجنة عقد تزويج ولا طلاق، ويمكّن الوليّ بهذه الأوصاف من هذه الألطاف. ثم قد يختطف قوم من بين هذه الأسباب، فيتحررون عن هذه الجملة فكما أنهم في الدنيا مختطفون عن كلّ العلائق فإنهم في الآخرة تطمع الحور العين فى صحبتهم فيستلبهم الحقّ عن كلّ شىء. «١»

стр. 1677

الزاهد في الدنيا يحميه منها، والعارف في الجنة يحميه من الجنة. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) الموتة الأولى هي بقبض أرواحهم في الدنيا، ويقيهم الله في الآخرة العذاب بفضله، وذلك هو الظّفر بالبغية، ونجاح السّؤل. قوله جل ذكره: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) يا محمد، ليتذكر به أهلك، فارتقب العواقب تر العجائب. إنهم يرتقبون، ولكن لا يرون إلا ما يكرهون.

стр. 1678

سورة الجاثية قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» باسم ملك لا يستظهر بجيشه، أحد لا يستمسك بعيشه «١» ، جبار ارتدى بكبريائه، قهّار اتصف بعزّ سنائه. «بِسْمِ اللَّهِ» باسم كريم صمد، لا يستغرق وجوده أمد، أبدىّ عظيم أحد، لا يوجد من دونه مفرّ ولا ملتحد. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢] تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) «الْعَزِيزِ» : فى جلاله، «الْحَكِيمِ» : فى أفعاله. «الْعَزِيزِ» : فى آزاله، «الْحَكِيمِ» : فى لطفه بالعبد بوصف إقباله. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٣] إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) شواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة فمن صحا من سكرة الغفلة، ووضع سرّه في محالّ العبرة «٢» حظى- لا محالة- بحقائق الوصلة. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٤] وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) .

стр. 1679

إذا أنعم العبد نظره في استواء قدّه وقامته، واستكمال عقله وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكّر فيما عداه من الدواب فى أجزائها وأعضائها.. ثم وقف على اختصاص وامتياز بنى آدم من بين البريّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان- عرف تخصّصهم بمناقبهم، وانفرادهم بفضائلهم، فاستيقن أن الله كرّمهم، وعلى كثير من المخلوقات قدّمهم. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٥] وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) جعل الله العلوم الدينية كسبية مصحّحة بالدلائل، محقّقة بالشواهد. فمن لم يستبصر بها زلّت قدمه عن الصراط المستقيم «١» ، ووقع في عذاب الجحيم فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٦] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) فمن لا يؤمن بها فبأى حديث يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بحر فى التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٧ الى ٨] وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) .

стр. 1680

كلّ صامت ناطق يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم «١» . فمن استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدّى لعزّ المنزلين. ومن تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل، ووسم بكيّ الهجر. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٩] وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) قابله بالعناد، وتأوّله على ما يقع له من وجوه المراد من دون تصحيح بإسناد ... فهؤلاء «لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» : مذلّ. وقد يكاشف العبد من بواطن القلب بتعريفات لا يتداخله فيها ريب، ولا يتخالجه منها شكّ فيما هو به من حاله ... فإذا استهان بها وقع في ذلّ الحجبة وهوان الفرقة «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٠] مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) فعند هذه الفترة، وفي وقت هذه المحنة فلا عذر يقبل منهم، ولا خطاب يسمع عنهم، ولهم عذاب متصل، ولا يردّون إلى ما كانوا عليه من الكشف: فخلّ سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٢] اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) عند ما يركبون البحر فلربما تسلم السفينة ولربما تغرق.

стр. 1681

وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشى به رياح العناية، وأشرعة التوكل مرفوعة، والسّبل في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياح السلامة فالسفينة ناجية. أمّا إن هبّت نكبات الفتنة فعندئذ لا يبقى بيد الملّاح شىء، والمقادير غالبة، وسرعان ما تبلغ قلوب أهل السفينة الحناجر. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٣] وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) «جَمِيعاً مِنْهُ» : كلّ ما خلق من وجوه الانتفاع بها- كلّه منه سبحانه فما من شىء من الأعيان الظاهرة إلّا- ومن وجه- للانسان به انتفاع.. وكلها منه سبحانه فالسماء لهم بناء، والأرض لهم مهاد.. إلى غير ذلك. ومن الغبن أن يستسخرك ما هو مسخّر لك! «١» وليتأمل العبد كلّ شىء.. كيف إن كان خلل في شىء منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمس.. كيف كان يمكن أن يتصرّف في النهار؟ «٢» ولو لم يكن الليل كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر ... كيف كان يهتدى إلى الحساب والآجال؟ ... إلى غير ذلك من جميع المخلوقات. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٤] قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) «٣» ندبهم إلى حسن الخلق، وجميل العشرة، والتجاوز عن الجهل، والتنقى من كدورات البشرية. ومقتضيات الشّحّ.

стр. 1682

وبيّن أنّ الله- سبحانه- لا يفوته أحد. فمن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه، وكيف يدمّر أعداءه. فليصبر أياما قلائل ليعلم كيف صارت عواقبهم. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٥] مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) من عمل صالحا فله مهناه، ومن ارتكب سيئة قاسى بلواه ... ثم مرجعه إلى مولاه. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ١٨] وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) كرّر في غير موضع ذكر موسى وذكر بنى إسرائيل.. بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل. وهنا أجمل في هذا الموضع، ثم عقبه حديث نبيّنا ﷺ ، فقال: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» أفردناك بلطائف فاعرفها، وسننّا لك طرائق فاسلكها، وأثبتنا لك حقائق فلا تتجاوزها، ولا تجنح إلى متابعة غيرك: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٩] إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) إن أراد بك نعمة فلا يمنعها أحد، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد. فلا تعلّق بمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى شىء وثق بربّك، وتوكّل عليه. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٠] هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونها تهمة التجويز. ونظر الناس على مراتب «١» : فمن ناظر بنور نجومه «٢» - وهو صاحب عقل،

стр. 1683

ومن ناظر بنور فراسته وهو صاحب ظنّ يقوّيه لوح- ولكنه من وراء السّرّ «١» ، ومن ناظر بيقين علم بحكم برهان وشرط فكر، ومن ناظر بعين إيمان بوصف اتّباع، ومن ناظر بنور بصيرة هو على نهار، وشمسه طالعة وسماؤه من السحاب «٢» مصحية «٣» . قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢١] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) أمن خفضناه في حضيض الضّعة كمن رفعناه إلى أعالى المنعة؟ أمن أخذنا بيده ورحمناه كمن داسه الخذلان فرجمناه؟ أمن وهبناه بسط وقت وأنس حال وروح لطف حتى خصصناه ورقيناه، ثم قرّبناه وأدنيناه كمن ترك جهده واستفراغ وسعه وإسبال دمعه واحتراق قلبه.. فما أنعشناه؟. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٣] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) من لم يسلك سبيل الاتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة، ولم ينسلخ عن هواه بالكلّيه، ولم يؤدّبه إمام مقتدى فهو ينجرف في كل وهدة، ويهيم في كلّ ضلالة، ويضلّ فى كل فجّ، خسرانه أكثر من ربحه!! أولئك في ضلال بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم «٤» ، زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل «٥» المكر.. استدرجوا وما يشعرون!.

стр. 1684

قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٤] وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) لم يعتبروا بما وجدوا عليه خلفهم وسلفهم، وأزجوا في البهيمية عيشهم وعمرهم، وأعفوا عن كدّ الفكرة قلوبهم ... فلا بالعلم استبصروا، ولا من التحقيق استمدوا. رأس مالهم الظنّ- وهم غافلون. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) طلبوا إحياء موتاهم، وسوف يرون ما استبعدوا. ثم أخبر أنّ ملك السماوات والأرض لله، وإذا أقام القيامة يحشر أصحاب البطلان، فإذا جاءهم يوم الخصام: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) كلّ بحسابه «١» مطالب ... فأمّا الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا، وأمّا الذين كفروا فهلكوا وبادوا «٢» .. ويقال لهم: أأنتم الذين إذا قيل لكم حديث عقباكم كذّبتم مولاكم؟ فاليوم- كما نسيتمونا- ننساكم، والنار مأواكم. قوله جل ذكره: [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) لله الحمد على ما يبدى وينشى، ويحيى ويفنى، ويجرى ويمضى.. إذ الحكم لله، والكبرياء لله، والعظمة والسّناء لله، والرفعة والبهاء لله.

стр. 1685

سورة الأحقاف قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة للقلوب سالبة، للعقول غالبة، للمطيعين واهبة، للعارفين ناهبة.. فالذين يهبهم فلهم لطفه، والذين ينهبهم فمن محقه فهو عنه خلفه «١» . قوله جل ذكره: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) حميت قلوب أهل عنايتى فصرفت عنها خواطر التجويز، وثبّتها في مشاهد اليقين بنور التحقيق فلاحت فيها شواهد البرهان فأضفنا إليها لطائف الإحسان فكمل منالها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة. «الْعَزِيزِ» : المعزّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم. «الْحَكِيمِ» ، المحكم لكتابه عن التبديل والتحويل. قوله جل ذكره: [سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣] ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) الكافرون معرضون عن موضع الإنذار، مقيمون على حدّ الإصرار
следующие страницы →