وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشى به رياح العناية، وأشرعة التوكل مرفوعة، والسّبل في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياح السلامة فالسفينة ناجية. أمّا إن هبّت نكبات الفتنة فعندئذ لا يبقى بيد الملّاح شىء، والمقادير غالبة، وسرعان ما تبلغ قلوب أهل السفينة الحناجر.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٣]
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)
«جَمِيعاً مِنْهُ» : كلّ ما خلق من وجوه الانتفاع بها- كلّه منه سبحانه فما من شىء من الأعيان الظاهرة إلّا- ومن وجه- للانسان به انتفاع.. وكلها منه سبحانه فالسماء لهم بناء، والأرض لهم مهاد.. إلى غير ذلك. ومن الغبن أن يستسخرك ما هو مسخّر لك! «١» وليتأمل العبد كلّ شىء.. كيف إن كان خلل في شىء منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمس.. كيف كان يمكن أن يتصرّف في النهار؟ «٢» ولو لم يكن الليل كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر ... كيف كان يهتدى إلى الحساب والآجال؟ ...
إلى غير ذلك من جميع المخلوقات.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٤]
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
«٣» ندبهم إلى حسن الخلق، وجميل العشرة، والتجاوز عن الجهل، والتنقى من كدورات البشرية. ومقتضيات الشّحّ.
стр. 1682
وبيّن أنّ الله- سبحانه- لا يفوته أحد. فمن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه، وكيف يدمّر أعداءه. فليصبر أياما قلائل ليعلم كيف صارت عواقبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٥]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)
من عمل صالحا فله مهناه، ومن ارتكب سيئة قاسى بلواه ... ثم مرجعه إلى مولاه.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ١٨]
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)
كرّر في غير موضع ذكر موسى وذكر بنى إسرائيل.. بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل. وهنا أجمل في هذا الموضع، ثم عقبه حديث نبيّنا ﷺ ، فقال:
«ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» أفردناك بلطائف فاعرفها، وسننّا لك طرائق فاسلكها، وأثبتنا لك حقائق فلا تتجاوزها، ولا تجنح إلى متابعة غيرك:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ١٩]
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)
إن أراد بك نعمة فلا يمنعها أحد، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد.
فلا تعلّق بمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى شىء وثق بربّك، وتوكّل عليه.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٠]
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
أنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونها تهمة التجويز.
ونظر الناس على مراتب «١» : فمن ناظر بنور نجومه «٢» - وهو صاحب عقل،
стр. 1683
ومن ناظر بنور فراسته وهو صاحب ظنّ يقوّيه لوح- ولكنه من وراء السّرّ «١» ، ومن ناظر بيقين علم بحكم برهان وشرط فكر، ومن ناظر بعين إيمان بوصف اتّباع، ومن ناظر بنور بصيرة هو على نهار، وشمسه طالعة وسماؤه من السحاب «٢» مصحية «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢١]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)
أمن خفضناه في حضيض الضّعة كمن رفعناه إلى أعالى المنعة؟
أمن أخذنا بيده ورحمناه كمن داسه الخذلان فرجمناه؟
أمن وهبناه بسط وقت وأنس حال وروح لطف حتى خصصناه ورقيناه، ثم قرّبناه وأدنيناه كمن ترك جهده واستفراغ وسعه وإسبال دمعه واحتراق قلبه.. فما أنعشناه؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٣]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)
من لم يسلك سبيل الاتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة، ولم ينسلخ عن هواه بالكلّيه، ولم يؤدّبه إمام مقتدى فهو ينجرف في كل وهدة، ويهيم في كلّ ضلالة، ويضلّ فى كل فجّ، خسرانه أكثر من ربحه!! أولئك في ضلال بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم «٤» ، زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل «٥» المكر.. استدرجوا وما يشعرون!.
стр. 1684
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٤]
وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)
لم يعتبروا بما وجدوا عليه خلفهم وسلفهم، وأزجوا في البهيمية عيشهم وعمرهم، وأعفوا عن كدّ الفكرة قلوبهم ... فلا بالعلم استبصروا، ولا من التحقيق استمدوا. رأس مالهم الظنّ- وهم غافلون.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
طلبوا إحياء موتاهم، وسوف يرون ما استبعدوا.
ثم أخبر أنّ ملك السماوات والأرض لله، وإذا أقام القيامة يحشر أصحاب البطلان، فإذا جاءهم يوم الخصام:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٠ الى ٣٤]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤)
كلّ بحسابه «١» مطالب ... فأمّا الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا، وأمّا الذين كفروا فهلكوا وبادوا «٢» .. ويقال لهم: أأنتم الذين إذا قيل لكم حديث عقباكم كذّبتم مولاكم؟
فاليوم- كما نسيتمونا- ننساكم، والنار مأواكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
لله الحمد على ما يبدى وينشى، ويحيى ويفنى، ويجرى ويمضى.. إذ الحكم لله، والكبرياء لله، والعظمة والسّناء لله، والرفعة والبهاء لله.
стр. 1685
سورة الأحقاف
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة للقلوب سالبة، للعقول غالبة، للمطيعين واهبة، للعارفين ناهبة.. فالذين يهبهم فلهم لطفه، والذين ينهبهم فمن محقه فهو عنه خلفه «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)
حميت قلوب أهل عنايتى فصرفت عنها خواطر التجويز، وثبّتها في مشاهد اليقين بنور التحقيق فلاحت فيها شواهد البرهان فأضفنا إليها لطائف الإحسان فكمل منالها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة.
«الْعَزِيزِ» : المعزّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم.
«الْحَكِيمِ» ، المحكم لكتابه عن التبديل والتحويل.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣]
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)
الكافرون معرضون عن موضع الإنذار، مقيمون على حدّ الإصرار
стр. 1686
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٤]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)
أرونى.. أي أثر فيهم في الملك، أو القدرة على النفع والضر؟ إن كانت لكم حجّة فأظهروها، أو دلالة فبيّنوها.. وإذ قد عجزتم عن ذلك فهلّا رجعتم عن غيّكم وأقلعتم؟
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٥]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)
من أشدّ ضلالا ممّن عبد الجماد الذي ليس له حياة ولا له في النفع أو الضر إثبات؟
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٦]
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)
إذا حشر الناس للحساب وقعت العداوة بين الأصنام وعابديها.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٧]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
رموا رسلنا بالسّحر ثم بالافتراء والمكر.. قل- يا محمد- كفى بالله بينى وبينكم شهيدا أنتم أشركتم به، وأنا أخلصت له توحيدا. وما كنت بدعا من الرسل فلست بأول رسول أرسل، ولا بغير ما جاءوا به من أصول التوحيد جئت، إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد، والصدق في العبودية، والدعاء إلى محاسن الأخلاق.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٩]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)
стр. 1687
وهذا قبل أن نزل قوله تعالى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» «١» .
وفي الآية دليل على فساد قول أهل القدر والبدع حيث قالوا: «إيلام البرىء قبيح في العقل» . لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول: أعلم- قطعا- أنى رسول الله، وأنى معصوم..
فلا محالة يغفر لى، ولكنه قال: وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ليعلم أن الأمر أمره، والحكم حكمه، وله أن يفعل بعباده ما يريد «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٠ الى ١١]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)
«٣» تبيّن له أنه لا عذر لهم بحال، ولا أمان لهم من عقوبة الله. وما يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلّها- في التحقيق- باطل. وأخبر أن الكفار قالوا: لو كان هذا الذي يقوله
стр. 1688
من الحشر والنشر حقّا لم تتقاصر رتبتنا عند الله عن رتبة أحد، ولتقدّمنا- فى الاستحقاق- على الكلّ. ولمّا لم يجدوا لهذا القول دليلا صرّحوا:
«فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ» .
ولقد بعث الله أنبياءه- ﵈ وأنزل عليهم الكتب، وبيّن في كلّ كتاب، وعلى لسان كلّ رسول بأنه يبعث محمدا رسولا، ولكن القوم الذين في عصر نبيّنا- ﷺ كتموه، وحسدوه.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٣]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)
مضى تفسير الاستقامة. وإنّ من خرج على الإيمان والاستقامة حظى بكلّ كرامة، ووصل إلى جزيل السلامة.
وقيل: السين فى «الاستقامة» سين الطّلب وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى الله تعالى فى أن يقيمه على الحق، ويثبّته على الصدق.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٥]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)
.. أمر الإنسان برعاية حقّ والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن مراعاة سيّده أبعد. ولو لم يكن فى هذا الباب إلا قوله- ﷺ : «رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» لكان ذلك كافيا. ورعاية حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووعد الله على برّ الوالدين قبول الطاعة بقوله جلّ ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٦]
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)
فقبول الطاعة وغفران الزّلّة مشروطان ببرّ الوالدين. وقد ذمّ الله- سبحانه- الذي
стр. 1689
يتصف في حقهما بالتأفّف، وفي ذلك تنبيه على ما وراء ذلك من أي تعنّف، وعلى أنّ الذي يسلك ذلك يكون من أهل الخسران، وبالتالى يكون ناقص الإيمان.
وسبيل العبد في رعاية حق الوالدين أن يصلح ما بينه وبين الله، فحينئذ يصلح ما بينه وبين غيره- على العموم، وأهله- على الخصوص.
وشرّ خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرّم بطول حياتهما، ويتأذّى بما يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصل ويبقى النسل، ولا بدّ من أن يتبع النسل الأصل «١» ، وقد قالوا في هذا المعنى.
رويدك إن الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين.. فانتظر الدهرا «٢»
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٠]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)
سبيل العبد ألا ينسى في كل حال معبوده، وأن يتذكر أنه معه في همّه وسروره، وفي مناجاته عند رخائه وبلائه. فإن اتفق أن حصل له أنس، وغلب عليه رجاء وبسط ثم هجم على قلبه قبض أو مسّه خوف.. فليخاطب ربّه حتى لا يكون من جملة من قيل له: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ... »
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢١]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)
«٣»
стр. 1690
أخبر بالشرح عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب، وتوجّه عليهم من العتاب، وأخذهم بأليم العذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٦]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)
فلم يغن عنهم ما آتيناهم ... وانظروا كيف أهلكناهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٩]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)
كان رسول الله ﷺ مبعوثا إلى الجنّ كما كان مبعوثا إلى الإنس. وإن قوما أتوه ليلة الجن «١» وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم، وآمن قوم منهم فاليوم في الجن مؤمنون، وفيهم كافرون.
«فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ... » الصيحة على الباب وفوق البساط غيبة ولهذا لما حضر الجنّ بساط خدمته- ﷺ تواصوا فيما بينهم بحفظ الأدب، وقالوا لما حضروا بساطه: «أَنْصِتُوا» ، فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون، والهيبة والوقار. والثوران أو الانزعاج يدل على غيبة أو قلّة تيقّظ أو نقصان اطلاع «٢» . «فَلَمَّا قُضِيَ..» يعنى الوحى «وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» وأخبروهم بما رأوه وسمعوه.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣١]
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١)
стр. 1691
يقال الإجابة على ضربين: إجابة لله، وإجابة للداعى فإجابة الداعي بشهود الواسطة- وهو الرسول ﷺ . وإجابة الله بالجهر إذا بلغته الرسالة على لسان السفير، وبالسّرّ إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب فمستجيب بنفسه ومستجيب بقلبه ومستجيب بروحه ومستجيب بسرّه. ومن توقف عن دعاء الداعي إيّاه، ولم يبادر بالاستجابة هجر فيما كان يخاطب به «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٣]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)
الرؤية هنا بمعنى العلم.
«وَلَمْ يَعْيَ» أي ولم يعجز ولم يضعف.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٤]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)
ثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة:
«أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا: بَلى وَرَبِّنا. قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ ... »
جزاء لكم على كفركم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٥]
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)
стр. 1692
أو لو الجد والصبر والحزم. وجاء في التفسير أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم. وقيل: هود وصالح وشعيب ومحمد ﵈. وقيل: منهم يعقوب وأيوب ويونس.
والصبر هو الوقوف لحكم الله، والثبات من غير بثّ ولا استكراه.
قوله جل ذكره: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ» .
ويقال مدّة الخلق: من مبتدأ وقتهم إلى منتهى آجالهم بالإضافة إلى الأزليّة «١» كلحظة بل هي أقلّ إذ الأزل لا ابتداء له ولا انتهاء.. وأي خطر لما حصل في لحظة.. خيرا كان أو شرّا؟!
стр. 1693
سورة محمّد « ﷺ » «١»
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» من ذكر «بِسْمِ اللَّهِ» جلّت رتبته، ومن عرف «بِسْمِ اللَّهِ» صفت حالته، ومن أحبّ «بِسْمِ اللَّهِ» أشكلت قصته «٢» ، ومن صحب «بِسْمِ اللَّهِ» امتحقت إنّيته «٣» ، وتلاشت- بالكلية- جملته.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)
«الَّذِينَ كَفَرُوا» : امتنعوا، وصدّوا فمنعوا فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله استوجبوا الحجبة والغيبة.
«أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» : أي أحبطها.
«وَالَّذِينَ آمَنُوا ... » بما نزّل على محمد، «وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... »
стр. 1694
أصلح حالهم، فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للتخليد «١» مسقط.
ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا «٢» شيئا مما خالف الله- فلا محالة- نقوم بكفاية اشتغالهم بالله.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣]
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)
أي يضرب أمثال هؤلاء لحسناتهم، وأمثال هؤلاء لسيئاتهم.
ويكون اتباع الحقّ بموافقة السّنّة، ورعاية حقوق الله، وإيثار رضاه، والقيام بطاعته.
ويكون اتباع الباطل بالابتداع، والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ، وارتكاب المعصية.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٦]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)
إذا حصل الظّفر بالعدوّ فالعفو عنهم وترك المبالغة في التشديد عليهم- للندم موجب، وللفرصة تضييع بل الواجب إزهاق نفوسهم، واستئصال أصولهم، واقتلاع شجرهم من أصله.
وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغى أن يبقى بعد انتفاش شوكها بقية من الحياة، فمن وضع عليها إصبعا بثّت سمّها فيه «٣» .
«فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً» ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطة أو فائدة مثل إفراج
стр. 1695
الكفّار عن قوم من المسلمين، أو بسبب ما يؤخذ من الفداء.. وأمثال هذا، فحينئذ ذلك مسلّم على ما يراه الإمام «١» .
كذلك حال المجاهدة مع النّفس: حيث يكون في إغفاء ساعة أو في إفطار يوم ترويح للنفس من الكدّ، وتقوية على الجهد فيما يستقبل من الأمر- فذلك مطلوب حسبما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان الوقت، أو فراسة صاحب المجاهدة «٢» .
قوله جل ذكره: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ إذا قتل أحد في سبيل الحقّ توّلى ورثة المقتول بأحسن من تولية المقتول.
وكذلك يرفع درجاته فيعظم ثوابه، ويكرم مآبه.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)
نصرة الله من العبد نصرة دينه بإيضاح الدليل وتبيينه.
ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعداء الدين ببركات سعيه وهمّته.
«وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» بإدامة التوفيق لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٨]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) .
стр. 1696
تعسا لهم: لعنا وطردا، وقمعا وبعدا! «أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» : هتك أستارهم، وأظهر للمؤمنين أسرارهم، وأخمد نارهم.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٠]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)
وكيف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١١]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)
المولى «١» هنا بمعنى الناصر «٢» فالله ناصر للذين آمنوا، وأمّا الكافرون فلا ناصر لهم.
أو المولى من الموالاة وهي ضد المعاداة، فيكون بمعنى المحب فهو مولى الذين آمنوا أي محبّهم، وأما الكافرون فلا يحبهم الله.
ويقول تعالى في آية أخرى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» «٣» .
ويصح أن يقال إنّ هذه أرجى «٤» آية في القرآن ذلك بأنه سبحانه يقول: «بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا» ولم يقل: مولى الزهّاد والعبّاد وأصحاب الأوراد والاجتهاد فالمؤمن- وإن كان عاصيا- من جملة الذين آمنوا، (لا سيما و «آمَنُوا» فعل، والفعل لا عموم له) «٥» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٢]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)
стр. 1697
مضى الكلام في هذه الآية.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ الأنعام تأكل من أي موضع بلا تمييز، وكذلك الكافر لا تمييز له بين الحلال والحرام.
[كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها بل في كل وقت تقتات وتأكل، وكذلك الكافر، وفي الخبر: «إنه يأكل في سبعة أمعاء» . أمّا المؤمن فيكتفى بالقليل كما في الخبر: «إن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» و «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه» ] «١» .
ويقال: الأنعام تأكل على الغفلة فمن كان في حال أكله ناسيا ربّه فأكله كأكل الأنعام.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٣]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)
«٢» .
«أَهْلَكْناهُمْ» : يعنى بها من أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخالية.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٤]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)
«البينة» : الضياء والحجّة، والاستبصار بواضح المحجة: فالعلماء في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم «٣» فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون.
стр. 1698
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٥]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)
كذلك اليوم شأن الأولياء، فلهم شراب الوفاء، ثم شراب الصفاء، ثم شراب الولاء، ثم شراب حال اللقاء.
ولكلّ من هذه الأشربة عمل، ولصاحبه سكر وصحو فمن تحسّى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد في أيام غيبته عن أحبابه:
وما سرّ صدرى منذ شطّ بك النوى ... أنيس ولا كأس ولا متصرف
ومن شرب كأس الصفاء خلص له عن كل شوب، فلا كدورة في عهده، وهو في كلّ وقت صاف عن نفسه، خال من مطالباته «١» ، قائم بلا شغل- فى الدنيا والآخرة- ولا أرب.
ومن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار، ولم يغب بسرّه لحظة في ليل أو نهار.
ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه فلم يطلب- مع بقائه- شيئا آخر من عطائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)
стр. 1699
هم المنافقون الذين كرهوا ما أنزل الله لما فيه من افتضاحهم.
«وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «اهْتَدَوْا» : بأنواع المجاهدات، ف «زادَهُمْ هُدىً» : بأنوار المشاهدات.
«اهْتَدَوْا» : بتأمل البرهان، ف «زادَهُمْ هُدىً» بروح البيان.
«اهْتَدَوْا» : بعلم اليقين، ف «زادَهُمْ هُدىً» : بحقّ اليقين.
[ «اهْتَدَوْا» : بآداب المناجاة، ف «زادَهُمْ هُدىً» : بالنجاة ورفع الدرجات.
«اهْتَدَوْا» : إلى ما فيه من الحقّ ولم يختلفوا في أنه الحق، ف «زادَهُمْ هُدىً» بالاستقامة على طريق الحق] «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٨ الى ١٩]
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)
كان عالما بأنه: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فأمره بالثبات عليها قال (ص) : «أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له «٢» » .
ويقال: كيف قيل له: «فَاعْلَمْ ... » ولم يقل: علمت، وإبراهيم قيل له: «أَسْلَمَ «٣» ..»
فقال: «أَسْلَمْتُ ... » ؟ فيجاب بأنّ إبراهيم لمّا قال: «أَسْلَمْتُ» ابتلى، ونبيّنا ﷺ لم يقل: علمت فعوفى.
стр. 1700
وإبراهيم ﵇ أتى بعده شرع كشف سرّه، ونبيّنا ﷺ لم يأت بعده شرع.
ويقال: نبيّنا ﷺ أخبر الحقّ عنه بقوله: «آمَنَ الرَّسُولُ «١» ... » والإيمان هو العلم- وإخبار الحقّ سبحانه عنه أتمّ من إخباره بنفسه عن نفسه: «عَلِمْتَ» .
ويقال: فرق بين موسى ﵇ لمّا احتاج إلى زيادة العلم فأحيل على الخضر، ونبيّنا ﷺ قال له: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «٢» » ... فكم بين من أحيل في استزادة العلم على عبد وبين من أمر باستزادة العلم من الحق!!.
ويقال لمّا قال له «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٣» » كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخلق، ثم بالانقطاع منه- أي من الرسول- إليه.. أي إلى الحق سبحانه. والعبد إذا قال هذه الكلمة على سبيل العادة والغفلة عن الحقيقة- أي كان بصفة النسيان- فليس لقوله كثير قيمة كأن تقال عند التعجب من شىء.. فليس لهذا قدر. أمّا إذا قالها مخلصا فيها، ذاكرا لمعناها، متحققا بحقيقتها.. فإن كان بنفسه فهو في وطن التفرقة.. وعندهم «٤» هذا من الشّرك الخفيّ، وإن قالها بحقّ فهو الإخلاص. فالعبد يعلم أولا ربّه بدليل وحجّة فعلمه بنفسه كسبيّ.. وهو أصل الأصول، وعليه ينبنى كل علم استدلالى «٥» ! ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج، ويتناقص علمه بنفسه لغلبات ذكر الله على القلب. فإذا انتهى إلى حال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا. ويقلّ إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافل «٦» عن نفسه أو ناس لنفسه.
стр. 1701
ويقال: الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساس له بشىء سوى ما هو مستغرق فيه ومستهلك «١» .
«وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» : اى إذا علمت أنك علمت فاستغفر لذنبك من هذا فإن الحقّ- على جلال قدره- لا يعلمه غيره «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٠]
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)
كان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحى، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحى بسرعة فقال تعالى: «فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ «٣» وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» رأيت المنافقين يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم من القتال، فكانوا يفتضحون عندئذ، وكانوا ينظرون إلى النبي ﷺ بغاية الكراهة.
... فَأَوْلى لَهُمْ» .
стр. 1702
تهديد «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢١]
طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١)
وهو قولهم: «لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... » .
ويقال: فأولى لهم طاعة منهم لله ولرسوله. «وقول معروف» بالإجابة لما أمروا به من الجهاد.
ويقال: طاعة وقول معروف أمثل بهم.
قوله جل ذكره «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» .
إذا عزم الأمر- أي جدّ وفرض القتال- فالصدق والإجابة خير لهم من كذبهم ونفاقهم وتقاعدهم عن الجهاد.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٢]
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)
أي فلعلكم إن أعرضتم عن الإيمان- بمحمد ﷺ ورجعتم إلى ما كنتم عليه أن تفسدوا في الأرض، وتسفكوا الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم، وتعودوا إلى جاهليتكم.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٣]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)
أصمّهم عن سماع الحقّ وقبوله بقلوبهم، وأعمى بصائرهم.
стр. 1703
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٤]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)
أي إن تدّبروا القرآن أفضى بهم إلى العرفان، وأراحهم من ظلمة التحيّر.
«أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» : أقفل الحقّ عل قلوب الكفار فلا يداخلها زاجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب فالباب إذا كان مقفلا ... فكما لا ينخل فيه شىء لا يخرج منه شىء كذلك قلوب الكفار مقفلة، فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم.
وأهل الشّرك والكفر قد سدّت بصائرهم وغطّيت أسرارهم، ولبّس عليهم وجه التحقيق.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٥]
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥)
الذي يطلع فجر قلبه، ويتلألأ نور التوحيد فيه، ثم قبل متوع نهار إيمانه انكسفت شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكّه، وغابت هجوم عقله ... فحدّث عن ظلماته ... ! ولاحرج! «١» [ذلك جزاؤهم على مما لأئهم مع المنافقين، وتظاهرهم ... فإذا توّفتهم الملائكة تتصل آلامهم، ولا تنقطع بعد ذلك عقوباتهم.] «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٩]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)
. ليس الأمر كما توهّمموه، بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم، ولقد أخبر الرسول عنهم، وعرّفه أعيانهم.
стр. 1704
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٠]
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)
أي في معنى الخطاب، فالأسرّة تدلّ على السريرة، وما يخامر القلوب فعلى الوجوه يلوح أثره:
لست ممن ليس يدرى ... ما هوان من كرامة
إنّ للحبّ ... وللبغض على الوجه علامة
والمؤمن ينظر بنور الفراسة «١» ، والعارف ينظر بنور التحقيق، والموحّد ينظر بالله فلا يستتر عليه شىء «٢» .
ويقال: بصائر الصديقين غير مغطّاة، قال رسول الله ﷺ : «سدوا كل خوخة غير خوخة أبى بكر» «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣١]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)
بالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص، ويفتضح المماذق، وينكشف المنافق، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا، والذين كفروا ونافقوا وقعوا «٤» فى الهوان وأذلّوا، ووسموا بالشقاوة وقطعوا.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)
стр. 1705
«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» : بالرياء والإعجاب والملاحظة.
«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» : بالمساكنة إليها. «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» بطلب الأعواض عليها.
«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» : بتوهمكم أنه يجب بها شىء دون فضل الله «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٥]
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)
أي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وأنتم الأعلون بالحجة «٢» .
أنتم الأعلون بالنصرة. قوله «وَاللَّهُ مَعَكُمْ» . أي بالنصرة ويقال: لا تضعفوا بقلوبكم، وقوموا بالله لأنكم- والله معكم- لا يخفى عليه شىء منكم، فهو على الدوام يراكم.
ومن علم أنّ سيّده يراه يتحمل كلّ مشقة مشتغلا برؤيته:
«وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» أي لا ينقصكم أجر أعمالكم.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٦]
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)
تجنبوا الشّرك والمعاصي حتى يفيكم أجوركم.
والله لا يسألكم من أموالكم إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة «٣» .
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٧]
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)
стр. 1706
«الإحفاء» الإلحاح في المسألة ... وهذا إنما يقوله لمن لم يوق شحّ نفسه، فأمّا الإخوان ومن علت رتبتهم في باب حرية القلب فلا يسامحون في استيفاء ذرّة، ويطالبون ببذل الرّوح، والتزام الغرامات.
قوله جل ذكره:
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣٨]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)
البخل منع الواجب، وإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك لحصل له الثراء- هكذا يظن.
قوله جل ذكره: «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ» .
«غنى» بنفسه على قول، وغنيّ بوصفه على القول الثاني «١» . وغناه كونه لا تتقيد مراداته. أمّا العبد فهو فقير بنفسه لأنه لا يستغنى عن مولاه فى الابتداء منذ خلقه إلى الانتهاء، وهو في دوام الأوقات مفتقر إلى مولاه.
والفقير الصادق من يشهد افتقاره إلى الله. وصدق الفقير في شهود فقره إلى الله. ومن افتقر إلى الله استغنى بالله، ومن افتقر إلى غير الله وقع في الذّلّ والهوان.
ويقال: الله غنيّ عن طاعتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته.
ويقال: الله غنيّ لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراء لأنكم لا بديل لكم عنه.
قوله جل ذكره: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» .
يستبدل قوما غيركم يكونون أشدّ منكم طاعة، وأصدق منكم وفاء فهو قادر على خلق أمثالكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيان والإعراض وترك الشكر والوفاء ...
بل سيكونون خيرا منكم.
стр. 1707
سورة الفتح
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» تشير إلى سموّه في أزله، وعلوّه في أبده وسموّه في أزله نفى البداية عنه بحقّ القدم، وعلوّه في أبده نفى الانتهاء عنه باستحالة العدم فمعرفة سموّه توجب للعبد سموّا، ومعرفة علوّه توجب للعبد علوّا «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)
قضينا لك قضاء بيّنا، وحكمنا لك بتقوية دين الإسلام، والنصرة على عدوّك، وأكرمناك بفتح ما انغلق على قلب من هو غيرك- من قبلك- بتفصيل شرائع الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه.
نزلت الآية في فتح مكة، ويقال في فتح الحديبية «٢» .
ويقال: هديناك إلى شرائع الإسلام، ويسّرنا لك أمور الدين.
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢)
стр. 1708
كلا القسمين- المتقدّم والمتأخّر- كان قبل النبوة «١» .
ويقال «ما تَقَدَّمَ» من ذنب آدم بحرمتك، «وَما تَأَخَّرَ» : من ذنوب أمّتك «٢» .
وإذا حمل على ترك الأولى «٣» فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك، قبل النبوة وبعدها «٤» .
ولمّا نزلت هذه الآية قالوا: هنيئا لك! فأنزل الله تعالى:
«لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» .. ويقال:
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً يتم نعمته عليك بالنبوة، وبوفاء العاقبة، وببسط الشريعة، وبشفاعته لأمته، وبرؤية الله غدا، [وبإظهار دينه على الأديان، وبأنه سيد ولد آدم، وبأنه أقسم بحياته، وخصّه بالعيان] «٥» .
وبسماع كلامه سبحانه ليلة المعراج، وبأن بعثه إلى سائر الأمم.. وغير ذلك من مناقبه.
«وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هداية على هداية، ويهدى بك الخلق إلى الحقّ.
ويقال: يهديك صراطا مستقيما بترك حظّك.
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٣]
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
стр. 1709
لا ذلّ فيه، وتكون غالبا لا يغلبك أحد.
ويقال: ينصرك على هواك ونفسك، وينصرك بحسن خلقك ومقاساة الأذى من قومك.
ويقال نصرا عزيزا: معزا لك ولمن آمن بك.
وهكذا اشتملت هذه الآية على وجوه من الأفضال أكرم بها نبيّه- ﷺ وخصّه بها من الفتح والظّفر على النّفس والعدو، وتيسير ما انغلق على غيره، والمغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة.. ولكلّ من هذه الأشياء خصائص عظيمة.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٤]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤)
.. السكينة ما يسكن إليه القلب من البصائر والحجج، فيرتقى القلب بوجودها عن حدّ الفكرة إلى روح اليقين وثلج الفؤاد، فتصير العلوم ضرورية «١» .. وهذا للخواصّ.
فأمّا عوامّ المسلمين فالمراد منها: السكون والطمأنينة واليقين.
ويقال: من أوصاف القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة.
وفي التفاسير: السكينة ريح هفّافة. وقالوا: لها وجه كوجه الإنسان. وقيل لها جناحان.
«لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ» أي يقينا مع يقينهم وسكونا مع سكونهم. تطلع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين.
ثم تطلع شمس حقّ اليقين على بدر عين اليقين.
«وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» .
«جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» : قيل: هى جميع القلوب الدالّة على وحدانية الله.
ويقال: ملك السماوات والأرض وما به من قوّى تقهر أعداء الله.
стр. 1710
ويقال: هم أنصار دينه.
ويقال: ما سلّطه الحقّ علي شىء فهو من جنوده، سواء سلّطه على وليّه في الشدة والرخاء، أو سلّطه على عدوّه في الراحة والبلاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٥]
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥)
يستر ذنوبهم ويحطها عنهم.. وذلك فوز عظيم، وهو الظّفر بالبغية «١» .
وسؤل كلّ أحد ومأموله، ومبتغاه ومقصوده مختلف.. وقد وعد الجميع ظفرا به.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٦]
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦)
يعذبهم في الآجل بعذابهم وسوء عقابهم.
و «ظَنَّ السَّوْءِ» : هو ما كان بغير الإذن ظنوا أنّ الله لا ينصر دينه ونبيّه ﵇.
«عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» : عاقبته تدور عليهم وتحيق بهم.
«وَلَعَنَهُمْ» : أبعدهم عن فضله، وحقت فيهم كلمته، وما سبقت لهم- من الله سبحانه- قسمته.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٨]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨)
«أَرْسَلْناكَ شاهِداً» : على أمّتك يوم القيامة. ويقال: شاهدا على الرّسل والكتب.
ويقال: شاهدا بوحدانيتنا وربوبيتنا. ويقال: شاهدا لأمتك بتوحيدنا. «وَمُبَشِّراً» :
لهم منّا بالثواب،. «وَنَذِيراً» للخلق زاجرا ومحذّرا من المعاصي والمخالفات.
стр. 1711
ويقال: شاهدا من قبلنا، ومبشّرا بأمرنا، ونذيرا من لدنّا ولنا ومنا.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٩]
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩)
قرىء «١» : «ليؤمنوا» بالياء لأن ذكر المؤمنين جرى، أي ليؤمن المؤمنون بالله ورسوله ويعزروه وينصروه أي الرسول، ويؤقروه: أي يعظّموا الرسول. وتسبّحوه: أي تسبّحوا الله وتنزهوه بكرة وأصيلا «٢» .
وقرىء: «لِتُؤْمِنُوا» - بالتاء- أيها المؤمنون بالله ورسوله وتعزروه- على المخاطبة.
وتعزيره يكون بإيثاره بكلّ وجه على نفسك، وتقديم حكمه على حكمك. وتوقيره يكون باتباع سنّته، والعلم بأنه سيّد بريّته «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)
وهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سمرة «٤» .
وذلك أن رسول الله- ﷺ بعث عثمان رضى الله عنه إلى قريش ليكلّمهم فأرجفوا بقتله. وأتى عروة بن مسعود «٥» إلى النبي ﷺ وقال:
جئت بأوشاب الناس لتفضّ بيضتك بيدك، وقد استعدت قريش لقتالك، وكأنّى بأصحابك
стр. 1712
قد انكشفوا عنك إذا مسّهم حرّ السلاح! فقال أبو بكر: أتظن أنّا نسلم رسول الله ﷺ ؟
فبايعهم النبيّ ﷺ على أن يقاتلوا وألا يهربوا «١» ، فأنزل الله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» : أي عقدك عليهم هو عقد الله.
قوله جل ذكره: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» .
أي «يَدُ اللَّهِ» : فى المنة عليهم بالتوفيق والهداية «٢» : «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» بالوفاء حين بايعوك.
ويقال: قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيّه ﷺ فوق نصرهم لدين الله ولرسوله.
وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع «٣» كما قال: «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» قوله جل ذكره: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» أي عذاب النكث عائد عليه.
«وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» .
أي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجرا عظيما.
وإذا كان العبد بوصف إخلاصه، بعامل الله في شىء هو به متحقّق، وله بقلبه شاهد فإنّ الوسائط التي تظهرها أمارات التعريفات تجعله محوا في أسراره ... والحكم عندئذ راجع إلى الواحد- جلّ شأنه «٤» .
стр. 1713
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١١]
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١)
لمّا قصد رسول الله عليه وسلم التوجه إلى الحديبية تخلّف قوم من الأعراب عنه. قيل: هم أسلم وجهينة وغفار ومزينة وأشجع، وقالوا: «شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا» وليس لنا من يقوم بشأننا وقالوا: انتظروا ماذا يكون فماهم في قريش إلّا أكلة رأس «١» . فلما رجع رسول الله ﷺ جاءوه معتذرين بأنه لم يكن لهم أحد يقوم بأمورهم! وقالوا: استغفر لنا.
فأطلعه الله- سبحانه- على كذبهم ونفاقهم وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصا، وعندهم سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
«قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» فضحهم. ويقال: ما شغل العبد عن الله شؤم عليه.
ويقال: عذر المماذق وتوبة المنافق كلاهما ليس حقائق.
قوله جل ذكره
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٢]
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢)
حسبتم أن لن يرجع الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى أهليهم أبدا، وزيّنت لكم الأمانى ألا يعودوا، وأنّ الله لن ينصرهم. «وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً» أي هالكين فاسدين.
стр. 1714
ويقال: إنّ العدوّ إذا لم يقدر أن يكيد بيده يتمنّى ما تتقاصر عنه مكنته، وتلك صفة كلّ عاجز، ونعت كلّ لئيم. ثم إن الله- سبحانه- بعكس ذلك عليه حتى لا يرتفع مراده «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «١» » .
ويقال: من العقوبات الشديدة التي يعاقب الله بها المبطل أن يتصّور شيئا يتمنّاه ويوطّن نفسه عليه لفرط جهله. ويلقى الحقّ في قلبه ذلك التمني حتى تسول له نفسه أن ذلك كالكائن..
ثم يعذبه الله بامتناعه.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٣]
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣)
وما هو آت فقريب.. وإنّ الله ليرخى عنان الظّلمة ثم لا يفلتون من عقابه.. وكيف- وفي الحقيقة- ما يحصل منهم هو الذي يجريه «٢» عليهم؟
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٤]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤)
يغفر- وليس له شريك يقول له: لا تفعل، ويعذّب من يشاء- وليس هناك مانع عن فعله يقول له: لا تفعل.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٥]
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥)
وذلك أن النبي ﷺ والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم الله خيبر،
стр. 1715
وأنّ فيها سيظفر بأعدائه، فلمّا همّ بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه لما علموا في ذلك من الغنيمة، فقال النبي ﷺ : «إنما يخرج معى إلى خيبر من خرج إلى الحديبية، والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا» فقال المتخلفون: إنما يقول المؤمنون ذلك حسدا لنا وليس هذا من قول الله! فأنزل الله تعالى ذلك لتكذيبهم، ولبيان حكمه ألا يستصحبهم فهم أهل طمع، وكانت عاقبتهم أنهم لم يجدوا مرادهم، وردّوا بالمذلة وافتضح أمرهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٦]
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦)
جاء في التفاسير أنهم أهل اليمامة أصحاب مسيلمة- وقد دعاهم أبوبكر وحاربهم، فالآية تدل على إمامته ... وقيل هم أهل فارس- وقد دعاهم عمر بن الخطاب وحاربهم فالآية تدل على صحة إمامته. وصحة إمامته تدل على صحة إمامة أبى بكر. «١» «أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» أولى شدّة.
فإن أطعتم استوجبتم الثواب، وإن تخّلفتم استحققتم العقاب. ودلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية ثم يتغير بعدها إلى الصلاح- كما كان لهؤلاء وأنشدوا:
إذا فسد الإنسان بعد صلاحه ... فرجّ له عود الصلاح.. لعلّه
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ١٧]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)
стр. 1716
هؤلاء أصحاب الأعذار.. رفع عنهم الحرج في تخلفهم عن الوقعة في قتال المشركين.
وكذلك من كان له عذر في المجاهدة مع النفس.. فإنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما كما يحب أن تؤتى عزائمه «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠)
هذه بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... » .
وكانوا ألفا وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخول مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجا لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرف هذا العام، ويقيم بها ثلاثا ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام بتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا) «٢» وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبهم شىء، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمة حتى قال الصّدّيق: لم يقل العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية لأن الله سبحانه علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم،
стр. 1717
وثبّتهم باليقين. «وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً» هو فتح خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرة من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة «١» .
وفي الآية دليل على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطر مشكّكة، وفي الرّيب موقعة، ولكن لا عبرة بها فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا لازم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سرّه فلا يضرّه كيد الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «٢» .
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ويدخل في ذلك جميع ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجّل لكم هذه- يعنى خيبر «٣» ، وقيل: الحديبية.
«وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» لما خرجوا من المدينة حرسهم الله، وحفظ عيالهم، وحمى بيضتهم حين هبّ اليهود «٤» فى المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم الله عنهم.
أو يقال: كفّ أيدى الناس من أهل الحديبية.
«وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» لتكون هذه آية للمؤمنين وعلامة يستدّلون بها على حراسة الله لهم.
«وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» : فى التوكل على الله والثقة به.
ويقال: كفّ أيدى الناس عن العبد هو أن يرزقه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاج إلى أن يتكفّف الناس.
ويقال: أن يرفع عنه أيدى الظّلمة.
стр. 1718
ويقال: ألا تحمله المطالبة بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه فيأخذ من الأشياء- برخصة التأويل- ما ليس بطيّب «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢١]
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١)
قيل: فتح الروم وفارس «٢» . وقيل: فتح مكة «٣» .
وكان الله على كل شىء قديرا: فلا تعلقوا بغيره قلوبكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٢]
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢)
يعنى: خيبر وأسد وغطفان وغيرهم- لو قاتلوكم لانهزموا، ولا يجدون من دون الله ناصرا قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٣]
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣)
أي سنّة الله خذلانهم ولن تجد لسنة الله تحويلا.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٤]
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
قيل إن سبعين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سلما فاستحييناهم) فأنزل الله هذه الآية في شأنهم «٤» .
стр. 1719
وقيل أخذ اثنى عشر رجلا من المشركين- بلا عهد- فمنّ عليهم الرسول ﷺ «١» وقيل: هم أهل الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ترامى الأحجار بينهم فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل الله هذه الآية يمن عليهم حيث كف أيدى بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين لا عن عجز فأما الكفار فكفّوا أيديهم رعبا وخوفا وأمّا المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين- أراد الله أن يخرجوا، أو لما علم أن قوما منهم يؤمنون.
والإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يسلم الناس منك، وتسلم منهم.
وإن الله يفعل بأوليائه ذلك، فلا من أحد عليهم حيف، ولا منهم على أحد حيف ولا حساب ولا مطالبة ولا صلح ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة.. وكذا من كان بالحق- وأنشدوا:
فلم يبق لى وقت لذكر مخالف ... ولم يبق لى قلب لذكر موافق.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٥]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)
«كَفَرُوا» وجحدوا، «وَصَدُّوكُمْ» ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية.
«وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً «٢» » : أي منعوا الهدى أن يبلغ منحره، فمعكوفا حال من الهدى أي محبوسا.
стр. 1720
وكان النبي ﷺ قد ساق تلك السّنة سبعين بدنة.
قوله جل ذكره: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «١» فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرّة منكم بغير علم لسلّطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم.
وفي هذا تعريف للعبد بأن أمورا قد تنغلق وتتعسّر فيضيق قلب الإنسان.. ولله في ذلك سرّ، ولا يعدم ما يجرى من الأمر أن يكون خيرا للعبد وهو لا يدرى.. كما قالوا:
كم مرة حفّت بك المكاره ... خير لك الله.. وأنت كاره
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٦]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
يعنى الأنفة «٢» أي دفعتهم أنفة الجاهلية أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية، فأنزل الله سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحلم.
«وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى» وهي كلمة التوحيد تصدر عن قلب صادق: فكلمة التقوى يكون معها الاتقاء من الشّرك.