← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويقال التوّابين من الزلة، والمتطهرين من الغفلة. ويقال التوّابين من شهود التوبة، والمتطهرين من توهم أن شيئا بالزلة بل الحكم ابتداء من الله تعالى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٣] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) لمّا كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا كان على وصف الإذن، فلمّا كانت القلوب فى محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى جميع الأغيار والمخلوقات. «وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» من الأعمال الصالحة ما ينفعكم يوم إفلاسكم، لذلك قال: «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ» فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) نزّهوا ذكر ربكم عن ابتذاله بأى حظ من الحظوظ. ويقال لا تجعلوا ذكر الله شركا يصطاد به حطام الدنيا. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٥] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) ما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطر فى الخير والشر، ولكن ما انطوت عليه الضمائر، واحتوت عليه السرائر، من قصود صحيحة، وعزائم قوية فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيرا فجزاء جميل، وإن كان شرا فعناء طويل.

стр. 177

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٦] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) إذا كان حق صحبة الأشكال محفوظا عليك- حتى لو أخللت به- وأخذك بحكمه: فحقّ الحقّ أحقّ بأن تجب مراعاته. «فَإِنْ فاؤُ» أي رجعوا إلى إحياء ما أماتوا، واستدراك ما ضيّعوا «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فلما تقاصر لسان الزوجة- لكونها أسيرا فى يد الزوج- تولّى الله- سبحانه- الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٧] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) إن ملّ حق صحبتها، وأكّد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره، فإن بدا له باد من ندم فلا يلبس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه طلّقها. ولمّا كان الفراق شديدا عزّى المرأة بأن قال إنه «سَمِيعٌ» أي سمعنا موحش تلك القالة، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) أمر المطلقات بالعدّة احتراما لصحبة الأزواج، يعنى إن انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سلف من الصحبة، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة فاصبروا حتى يمضى مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة؟ ثم قال جل ذكره: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. يعنى إن انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النّسب. ثم قال جل ذكره: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ.

стр. 178

يعنى من سبق له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع فى النكاح من الثلمة فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً. يعنى أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها بعد ما أرجعها. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. يعنى إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فى الفضيلة، ولهن مزية فى الضعف وعجز البشرية. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٩] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) ندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق، وقيل فى معناه: إن تبيّنت أنّ عزمك قتلى ... فذرينى أضنى قليلا قليلا ثم قال جلّ ذكره: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. إمّا صحبة جميلة أو فرقة جميلة. فأمّا سوء العشرة وإذهاب لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مرضى فى الطريقة، ولا محمود فى الشريعة. قوله جل ذكره: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً. فإن فى الخبر «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» والرجوع فيما خرجت عنه خسّة. ثم قال جل ذكره: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.

стр. 179

يعنى إن أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال، فإنّ النفس تساوى لصاحبها كل شىء، والرجل إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئا فلا أقلّ من ذلك، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شىء من المال. قوله جل ذكره: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. هذه آداب يعلّمكمها الله ويسنّها لكم، فحافظوا على حدوده، وداوموا على معرفة حقوقه. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٠] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) الرجل يشقّ عليه أن ينكح زوجته غيره فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بغية المنع «١» لما بيّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل «٢» غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني ليحذر الطلاق ما أمكنه. ثم قال «فَإِنْ طَلَّقَها» يعنى الزوج «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» يعنى تتزوج بالزوج الأول. والإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يهوّن مقاساة كلّ شديدة فلو انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسّر على ما فاتهما من الوصلة، وندما على ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمرأة فى هذه الحالة كأنها ( ... ) «٣» من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتى على نفسه فى احتمال ذلك. ثم قال جل ذكره: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. يعنى لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانيا إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه، قال قائلهم: ولقد حلفت لئن لقيتك مرة ... ألا أعود إلى فراقك ثانية

стр. 180

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣١] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) تضمنت الآية الأمر بحسن العشرة، وترك المغايظة مع الزوجة، والمحك على وجه اللجاج فإمّا تخلية سبيل من غير جفاء أو قيام بحق الصحبة على شرط الوفاء. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٢] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) تضمنت الآية نهى الأولياء «١» عن مضارتهن، وترك حمية الجاهلية، والانقياد لحكم الله فى تزويج النساء إن أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية. بل إذا رضيت بكفو يخطبها فحرام عليكم ظلمها. والتذويب عن أوصاف البشرية بقهر النفس أشدّ مجاهدة وأصدق معاملة لله. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) .

стр. 181

غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات فأمر الله سبحانه الأمهات بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حولين كاملين، وقطع الرضاعة عنه قبل الحولين إشارة إلى أن رحمة الله بالعبد أتمّ من رحمة الأمهات. ثم قال جل ذكره: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. يعنى الأب عليه رزقهن وكسوتهن- أي المرضعات- بالمعروف. لمّا ينبن عنك وجب حقّهن عليك، فإنّ من لك كله فعليك كله. ثم قال جل ذكره: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها. ادخار المستطاع بخل، والوقوف- عند العجز- عذر. ثم قال جل ذكره: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها. فى الإرضاع وما يجب عليه. وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ. يعنى الوالد «١» بولده يعنى فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود. ثم قوله جل ذكره: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. يعنى فطاما قبل الحولين، فلا جناح بعد ما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة، وتعليم محاسن الأخلاق فى أحكام العسرة وإن من لا يرحم لا يرحم. وقال ﷺ لمن ذكر أنه لم يقبّل أولاده: «إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقى» .

стр. 182

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة، ثم ردت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوج آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحد كما قيل: وكما تبلى وجوه فى الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) أبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة، وتأسيس لحال الوصلة. وحرّم منه ما فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عدة بجرم «١» . قوله جل ذكره: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.

стр. 183

أي تنقضى عدة الأول فإن حرمة الماضي لا تضيع. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٦] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) إن ابتلاء تمّ بوصيلة «١» أشكالكم ثم بدا لكم فلا جناح «٢» عليكم فى اختيار الفرقة- إذا أردتم- فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته- واحد فأمّا صحبة الخلق بعضهم مع بعض فليس بواجب، بل غاية وصفه أنه جائز. ولمّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمّى يجب لهن، فإن الفراق- كيفما كان- فهو شديد، فجعل ما يستحق من العوض كالخلف لها عند تجرع كأس الفرقة. فإن لم يكن مسمّى فلا يخلو العقد من متعة فإن تجرع الفرقة- مجردا عن الراحة- بلاء عظيم. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٧] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) ثم ذكر أن العفو أتم وأحسن، إمّا من جهة المرأة فى النصف المستحق لها، أو من قبل الزوج فى النصف العائد إليه.

стр. 184

ثم قال جلّ ذكره: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. يقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل «١» بالفرض. ويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل، وإن من سنّة الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم فى اقتناء أسباب الفضل. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٨] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) المحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة، ويخرج بالتعظيم، ويستديم بدوام الشهود بنعت الأدب، والصلاة الوسطى (أيهم ذكرها على البيت) «٢» لتراعى الجميع اعتقادا منك لكل واحدة أنها هى لئلا يقع منك تقصير فى شىء منها. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٩] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) أي لا تخلّوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فان ما تحسونه «٣» من أعدائكم أنا سلّطتهم عليكم، فاذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم، وجعلت لكم الظفر عليهم، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم باستفراغ أوقاتكم فى الاعتكاف بحضرتي سرا وجهرا.

стр. 185

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٠] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) كانت عدّة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك حيث يقول قائلهم: إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن لبّاك حولا كاملا فقد اعتذر ثم نسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ولقد قال قائلهم: قال: لو متّ لم أعش ... قلت: نافقت فاسكت أي حى رأيته ... مات وجدا بميّت؟! «١» قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) الإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الدلائل، فتتأدبوا بما أشير عليكم، وتفلحوا بما تعقلون من إشارات حكمى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) .

стр. 186

لمّا استبعدوا قدرة الله فى الإعادة أراهم فى أنفسهم عيانا، ثم لم ينفع إظهار ذلك لمن لم يشحذ بصيرته فى التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أخبروا، لما آمنوا به بالغيب. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٤] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) يعنى إن مسّكم ألم فتصاعد «١» منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم، عليم بأحوالكم، بصير بأموركم. والآية توجب تسهيل ما يقاسونه من الألم، وقالوا: إذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمع قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٥] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) سمّى القرض قرضا لأنه يقطع «٢» من ماله شيئا ليعطيه للمقترض، والمتصدّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضا، فالقرض القطع، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك فى باب الصدقة باسم القرض ولفظه. ويقال دلّت الآية على عظم رتبة الغنيّ حيث سأل منه القرض، ولكن رتبة الفقير فى هذا أعظم لأنه سأل لأجله القرض، وقد يسأل القرض من «٣» كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد. وفى الخبر «مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند أبى شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله «٤» أبصر ممّن اقترض ولأجل من اقترض! ويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العوض.

стр. 187

ويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة، وإنما يعطى عن شهود. ويقال القرض الحسن من العلماء «١» إذا كان عند ظهر الغنى، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه. ويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خمسة «٢» ، وعلى لسان القوم بذل الكل، وزيادة الروح على ما يبذل. قوله جل ذكره: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. يقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله، ويبسط عليهم بسط خلفه. ويقال يقبض الرزق أي يضيق، يبسط الرزق أي يوسّع يقبض على الفقراء ليمتحنهم بالصبر، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر. ويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء، ويبسط لئلا يتقلدوا المنّة من الأغنياء. ويقال قال للأغنياء: إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم. ويقال قبض القلوب بإعراضه وبسطها بإقباله. ويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء. ويقال القبض لقهره والبسط لبرّه. ويقال القبض لسرّه والبسط لكشفه. ويقال القبض للمريدين والبسط للمرادين. ويقال القبض للمتسابقين «٣» والبسط للعارفين. ويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به.

стр. 188

ويقال القبض حقه، والبسط حظك. ويقال القبض لمن تولّى عن الحق، والبسط لمن تجلّى له الحق. ويقال يقبض إذا أشهدك فعلك، ويبسط إذا أشهدك فضله. ويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) استقبلوا الأمر بالاختيار، واقترحوا على نبيّهم بسؤال الإذن لهم فى القتال، فلمّا أجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل، وعرّجوا في أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد فى القتال ذبّا عن أموالهم ومنازلهم حيث: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. فلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يخلص- لحقّ الله- عزمهم، ولو أنهم قالوا وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، فإنه سيدنا ومولانا، ويجب علينا أمره- لعلّهم وفّقوا لإتمام ما قصدوه. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٧] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)

стр. 189

نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكا لأنه «١» كان فقيرا لا مال له، فبيّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق، وأنه وإن عدم المال فقد زاده الله علما ففضلكم بعلمه وجسمه، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يرد عظيم البنية فإن فى المثل: «فلان اسم بلا جسم» أي ذكر بلا معنى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٨] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) إن الله سبحانه إذا أظهر نورا أمدّه بتأييد من قبله، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيّهم فى اختياره، فردّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة، فاتضحت لهم آية ملكه، وأن نبيهم ﵇ صدقهم فيما أخبرهم. ويقال إن الله تعالى جعل سكينة بنى إسرائيل فى التابوت الذي رضوا عن الألواح، وعصا موسى ﵇، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة «٢» فى قلوبهم، فقال: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» ثم إن التابوت كان تتداوله أيدى الأعداء وغيرهم فمرّة كان يدفن ومرة كان يغلب عليه فيحمل، ومرة يرد ومرة ومرة ... وأما قلوب المؤمنين فحال بين أربابها وبينها، ولم يستودعها ملكا ولا نبيا، ولا سماء ولا هواء، ولا مكانا ولا شخصا، وقال ﷺ :

стр. 190

«قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» يعنى فى قبضة الحق سبحانه، وتحت تغليبه وتصريفه، والمراد منه «القدرة» ، وشتّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تسلّط وأمة سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه سلطان. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٩] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) الإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخلق بصحبة الخلق وبالدنيا وبالنّفس، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدّ الاضطرار بمقدار القوام، وما لا بد منه نجا وسلم «١» ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط فى صحبته مع شىء من ذلك من الدنيا والنفس والخلق بموجب الشهادة «٢» والاختيار- فليس من الله فى شىء إن كان ارتكاب محظور، وليس من هذه الطريقة فى شىء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بد. ثم قال جل ذكره: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. كذلك الخواص فى كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم. قوله جل ذكره: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ. فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فداخلهم شىء من رعب البشرية، فربط الله على قلوبهم بما ذكرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء.

стр. 191

قوله جل ذكره: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. لا بهم ولكن بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٠] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) كان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو، ثم بعده النصرة عليهم، فإن الصبر حق الحق، والنصرة نصيبهم، فقدّموا تحقيق حقه- سبحانه- وتوفيقه لهم، ثم وجود حظّهم من النصرة، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم- لا للانتقام منهم لأجل ما فاتهم من نصيبهم- ولكن لكونهم كافرين، أعداء الله. فقاموا بكل وجه لله بالله فلذلك نصروا ووجدوا الظفر. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥١] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) هيّب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة فى الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدى داود. وكان كما فى القصة ربع القامة غير عظيم الجثة، مختصر الشخص، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه. قوله جل ذكره: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ. فلم يبق منهم أثر ولا عين، وقتل داود جالوت. وداود بالإضافة إلى جالوت فى الضخامة والجسامة كان بحيث لا تتوهم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم.

стр. 192

استقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول «١» قوله جل ذكره: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. لو تظاهر الخلق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرّهم عن قوم. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٢] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) لم يكن فى علمك ولا فى وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات التي سلفت، وإنما وقفت عليها بتعريف من قبل الله سبحانه. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) جمعتهم الرسالة ولكن تباينوا فى خصائص التفضيل، لكل واحد منهم أنوار، ولأنوارهم مطارح، فمنهم من هو أعلى نورا، وأتم من الرفعة وفورا. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم، بل حكم بالحسنى أدركهم، وعاقبة بالجميل تداركتهم. قوله جل ذكره: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.

стр. 193

ولكنهم مصرّفون بالمشيئة الأزلية، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار. والعبودية شدّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) يعنى اغتنموا مساعدة الإمكان فى تقديم الإحسان قبل فتور الجلد وانقضاء الأمل. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) «الله» اسم تفرّد به الحق- سبحانه فلا سمىّ له فيه. قال الله تعالى: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» أي هل تعرف أحدا غيره تسمّى «الله» ؟ من اعتبر فى هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال. قوله «لا إله إلا هو» : إخبار عن نفى النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذرّة من الإثبات بغيره أو من غيره فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فيصدق إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفراده، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يقبل إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محو عما سوى الله، فما له شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عرق، فاذا استوفى الحق عبدا لم يبق للحظوظ- البتة- مساغ. ثم إن هذه القالة تقتضى التحقق بها، والفناء عن الموسومات بجملتها، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق- سبحانه، فلا وصل ولا فصل ولا قرب ولا بعد، فإن ذلك أجمع آفات لا تليق بالقدم. وقوله «الحي القيوم» : المتولى لأمور عباده، القائم بكل حركة، و (المحوى) «١» ، لكل عين وأثر.

стр. 194

«لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» لأنه أحدى لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفرد لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلحقه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. تقدّس من جماله جلاله، وجلاله جماله، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمده قدمه، وقدمه وجوده قوله جل ذكره: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. ملكا وإبداعا، وخلقا واختراعا. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. من ذا الذي يتنفس بنفس ( ... ) «١» إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنّ أنه يتوسل إليه باستحقاق أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب- فالظنّ وطنه والجهل مألفه والغلط غايته والبعد قصاراه. قوله جل ذكره: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ. لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ. يعنى من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا باذنه. فأى طمع لها فى الإحاطة بذاته وحقه؟ وأنّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه فى عزّه أمد، ولا يدركه حدّ؟! قوله جل ذكره: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأى خطر للأكوان عند صفاته؟ جلّ قدره عن التعزز بعرش أو كرسى، والتجمل بجن أو إنسى.

стр. 195

قوله جل ذكره: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. كيف تتعب المخلوقات من خلق الذرة والكون بجملته- له سواء فلا من القليل له نيسّر، ولا من الكثير عليه تعسّر. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) فإن الحجج لائحة، والبراهين ظاهرة واضحة. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. وامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه، والحقوق الأزلية معلومة، والحدود الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العدم. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وطاغوت كلّ واحد ما يشغله عن ربه وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ والإيمان حياة القلب بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الاستمساك بالعروة الوثقى الوقوف عند الأمر والنهى، وهو سلوك طريق المصطفى ﷺ وعلى آله. لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فمن تحقق بها سرا، وتعلّق بها جهرا فاز فى الدارين وسعد فى الكونين. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) الولي بمعنى المتولى لأمورهم، والمتفرد بإصلاح شئونهم، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل فى معنى المفعول فالمؤمنون يقولون «١» طاعته. وكلاهما حق: فالأول جمع والثاني فرق،

стр. 196

وكلّ جمع لا يكون مقيدا بفرق وكلّ فرق لا يكون مؤيدا بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل «١» والآية تحمل عليهما جميعا. يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعنى بحكمه الأزلى صانهم عن الظلمات التي هى الضلال والبدع، لأنهم «٢» ما كانوا فى الظلمات فط فى سابق علمه. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ما استهواهم من دواعى الكفر يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. باستيلاء الشبه على قلوبهم، فيجحدون الربوبية، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبديا. ويقال يخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سمة شهود تقديره. ويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يصلون إليه بشىء من سكناتهم وحركاتهم. ويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظلّ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته. ويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم. ويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)

стр. 197

عجّل الحق سبحانه لاعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة، وهذه العقوبة أشد أثرا فى التحقيق- لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم ﵇ انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى، أوضح منها- لا لخلل فى الحجة- ولكن لقصور فى فهم الكافر، ومحكّ من سدّت بصائره عن التحقيق تضييع الوقت بلا فائدة تجدى، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمر لا بدّ منه. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) لم يكن ذلك سؤال جحد، ولا قضية جهل، ولا دلالة شك فى القدرة، فإن هذا الخبر عن عزير النبي ﵇، والأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الشّكّ والجهل، ولكنه كان سؤال تعجّب، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين، فأراه الله ذلك فى نفسه، بأن أماته

стр. 198

ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه، فازداد يقينا على يقين. وسؤال اليقين من الله، والحيلة فى ردّ الخواطر المشكلة، ديدن المتعرفين، ولذلك (.....) «١» الله سبحانه عزيرا فى هذه المقالة حتى قدّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه. ثم قال «واعلم أن الله على كل شىء قدير» من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك، وأرانى من عظيم الآيات ما ازداد به يقينا فإنّ طعامه وشرابه لم يتغيرا فى طول تلك المدة، وحماره مات بلا عظام. والطعام والشراب بالتغيير أولى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) قيل كان فى طلب فى زيادة اليقين، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلا من عين اليقين «٢» . وقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى» كنت أومن ولكنى اشتقت إلى قولك لى أو لم تؤمن، فإن بقولك لى «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» تطمينا لقلبى. والمحبّ أبدا يجتهد فى أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه.

стр. 199

وقيل إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فمنع منها بالإشارة بقوله «وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . وإن موسى- ﵇ لما سأل الرؤية جهرا وقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» فردّ بالجهر صريحا وقيل له «لن ترانى» . وقيل إنما طلب حياة قلبه فأشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور، وفى الطيور الأربعة طاووس، والإشارة إلى ذبحه تعنى زينة الدنيا، وزهرتها، والغراب لحرصه، والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه. ولما قال إبراهيم ﵇: أرنى كيف تحيى الموتى؟ قيل له: وأرنى كيف تذبح الحي؟ يعنى إسماعيل، مطالبة بمطالبة. فلمّا وفّى بما طولب به وفّى الحق سبحانه بحكم ما طلب. وقيل كان تحت ميعاد من الحق- سبحانه- أن يتخذه خليلا، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده، فجرى ما جرى. ووصل بين «١» قصة الخليل ﷺ فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عزير إذ أراه فى نفسه لأن الخليل يرجح على عزير فى السؤال وفى الحال، فإن إبراهيم- ﵇ لم يردّ عليه فى شىء ولكنه تلطّف فى السؤال، وعزير كلمه كلام من يشبه قوله قول المستبعد، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمّ دلالة حيث أظهر إحياء الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم- ﵇ ربى الذي يحيى ويميت، فقال «أنا أحيى وأميت» أراد إبراهيم أن يريه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادّعى. وفى هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادة اليقين من الله فى حال النظر «٢» . ويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام، فقيل له: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» يعنى أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شىء رأيته «هذا ربى» فلم تدر كيف بلّغناك إلى هذه الغاية، فكذلك يوصلك إلى ما سمعت إليه همّتك.

стр. 200

والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعنى النفس فمن لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يحى قلبه بالله. وفيه إشارة أيضا وهو أنه قال قطّع بيدك هذه الطيور، وفرّق أجزاءها، ثم ادعهنّ يأتينك سعيا، فما كان مذبوحا بيد صاحب الخلة، مقطعا مفرّقا بيده- فإذا ناداه استجاب له كل جزء مفرّق.. كذلك الذي فرّقه الحق وشتّته فإذا ناداه استجاب: ولو أنّ فوقى تربة ودعوتني ... لأجبت صوتك، والعظام رفات قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦١] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم فى سبيل الله فالخلف عنهم الحقّ سبحانه، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته، ومن أنفق حاله فوجد قربته فإنفاق المال فى سبيله بالصدقة، وإنفاق الأحوال فى سبيله بملازمة الصدق، وبنفي كل حظ ونصيب، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب، قال قائلهم: أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد والإنفاق على ضربين: إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين. أمّا العابدون فاذا أنفقوا حبّة ضاعف لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب، وأما الواجدون فكما قيل: فلا حسن نأتى به يقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندهم محو قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٢] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) المنّ شهود ما تفعله، والأذى تذكيرك- لمن أحسنت إليه- إحسانك.

стр. 201

ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون البتة أفعالهم ولا أعمالهم. ويقال كيف يمنون بشىء تستعذرونه وتستحقونه. ويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٣] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يعنى قول- للفقير المجرد- يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من صدقة المعجب بفعله، وما يتبع من إلزام المنة فيه. ويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجرمك، وغفران الله لك على تلك القالة- خير من صدقة بالمنّ مشوبة، وبالأذى مصحوبة. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) إنما يحمل جميل المنة من الحق سبحانه، فأمّا من الخلق فليس لأحد على غيره منّة فإنّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة، وشهود المنة من الله أعظم نعمة، قال قائلهم: ليس إجلالك الكبار بذلّ ... إنما الذّلّ أن تجلّ الصّغارا ويقال أفقر الخلق من ظنّ نفسه موسرا فيبين له إفلاسه، كذلك أقل الخلق قدرا من ظن أنه على شىء فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه.

стр. 202

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٦] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق: لمن أنفق فى سبيل الله، ولمن أنفق ماله فى الباطل فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف، وهؤلاء لا يحصل لهم فى الحال إلا الردّ، وفى المآل «١» إلا التلف. وهؤلاء ظلّ سعيهم مشكورا، وهؤلاء يدعون ثبورا ويصلون سعيرا هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم، وهؤلاء حبطت أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وبالهم. ويقال مثل هؤلاء كالذى أنبت زرعا فزكا أصله ونما «٢» فصله، وعلا فرعه وكثر نفعه. ومثل هؤلاء كالذى خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت- على كبره «٣» -

стр. 203

حيلته وتواترت من كل وجه وفى كل وقت محنته.... هل يستويان مثلا؟ وهل يتقاربان شبها؟ قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) لينظر كلّ واحد ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظّك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله (فاللّقمة لقمته) «١» ، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة. ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل أبصر كيف يقبله منك، بل أبصر كيف بمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك الكلّ منه فضلا لكنه ينسبه إليك فعلا «٢» ، ثم يونى عليك عطاءه ويسمى العطاء جزاء، يوسعك بتوفيقه برّا، ثم يملأ العالم منك شكرا. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٨] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يعد الشيطان الفقر لفقره، والله يعد المغفرة لكرمه.

стр. 204

الشيطان يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم، ويقال يشير عليكم- بطاعته- بالحرص ولا فقر فوقه. يعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم. يعدكم الفقر بنسيان ما تعوّدتموه من فضله- سبحانه «١» . ويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك. ويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه. ويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته. «وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ» أي الرغبة فى الدنيا، ويقال بالأسباب التي تقوى الحرص، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة، ويقال بمتابعة الشهوات، ويقال بإيثار الحظوظ، ويقال بالنظر إلى غيره، ويقال بإخطار شىء سواه ببالك. ويقال بالانحطاط إلى أوطان الرّخص والتأويلات بعد وضوح الحق. ويقال بالرجوع إلى ما تركته لله. «وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا» : الفضل الموعود- فى العاجل- القناعة، وفى الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و (....) «٢» والغفران. ويقال فى العاجل الظفر بالنفس، ويقال فتح باب العرفان، ونشر بساط القرب، والتلقي لمكاشفات الأنس. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٩] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) .

стр. 205

الحكمة: يحكم عليكم خاطر الحقّ لا داعى النفس، وتحكم عليكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال الحكمة صواب الأمور. ويقال هى ألا تحكم عليك رعونات البشرية. (ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره) «١» . ويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى، والسّفه مخالفة أمره. ويقال الحكمة شهود الحق والسّفه شهود الغير قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٠] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) قوم توعّدهم بعقوبته، وآخرون توعدهم بمثوبته.. وآخرون توعدهم بعلمه فهؤلاء العوام «٢» وهؤلاء الخواص. قال تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» فلا شىء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه، فليحذر المريد من إزلال «٣» نفسه فى ذلك غاية الحذر. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧١] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) .

стр. 206

إن أظهرت صحبتك معنا وأعلنت فلقد جوّدت وأحسنت، وإن حفظت سرّنا عن دخول الوسائط بيننا صنت شروط الوداد، وشيّدت من بناء الوصلة العماد. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٢] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لك المقام المحمود، واللواء المعقود، والرتب الشريفة، والمنازل العلية، والسنن المرضية. وأنت سيد الأولين والآخرين، ولا يدانيك أحد- فضلا عن أن يساميك، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا، وليس للأغيار منه شظية. يا محمد: أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم «١» . قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) أخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق، فلا لهم فى الشرق مذهب، ولا لهم فى الغرب مضرب. كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم: كأنّ فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليهم فما تزداد طولا ولا عرضا

стр. 207

ولا يسلم لهم نفس مع الخلق، وأنّى بذلك ولا خلق!! وإذا لم يكن فإثبات ما ليس شرك (سقها) «١» فى التوحيد. والفقير الصادق واقف مع الله بالله، لا إشراف للأجانب عليه، ولا سبيل لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار فى لبسة سوى ما هو به قال تعالى: «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» ، فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شىء من أحوالهم. تعرفهم يا محمد- أنت- بسيماهم، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ولكنها سيماء تدركها البصيرة. لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية. ويقال «تعرفهم بسيماهم» : استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم، وصياح أسرارهم إلى العرش (نشاطا عنه) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش «٢» . ويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس إلحافا، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال- لما يشير إليه دليل الخطاب- فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم، لئلا يلاحظهم الخلق بعين السؤال، وليس على سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار «٣» . ويقال: «أحصروا فى سبيل الله» : وقفوا على حكم الله، وأحصروا نفوسهم على طاعته وقلوبهم على معرفته، وأرواحهم على محبته، وأسرارهم على رؤيته. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٤] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلا ونهارا، فإذا تفد المال لا يفترون عن شهوده لحظة ليلا ونهارا.

стр. 208

قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٥] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) من أعرض عن الأمر، ورخّص لنفسه بما يسوّله له خاطره من التأويل فلا استقلال لهم فى الحال ولا انتعاش فى المآل خسروا فى عاجلهم ولم يربحوا فى آجلهم. ومن انتبه بزواجر الوعظ، وكبح لجام الهوى، ولم يطلق عنان الإصرار فله الإمهال فى الحال، فإن عاد إلى مذموم تلك الأحوال فلينتظروا أوشك الاستئصال وفجاءة النّكال. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٦] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) ما كان بإذن منه- سبحانه- من التصرّفات فمقرون بالخيرات، ومصحوب بالبركات. وما كان بمتابعة الهوى يسلّط عليه المحق، وكانت عاقبة أمره الخسران قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٧] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) إن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون منّا، لا نضيع أجر من أحسن عملا. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)

стр. 209

الاكتفاء بموعود الربّ خير للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه. ومقصودك من تسويلات النفس، وموعودك مما ضمنه الحق. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٩] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قدر ولا أخطار. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٠ الى ٢٨١] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) إذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حبسه، وإن ظهرت لذى الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه، ولكنه فى إمهال وإنظار. والرب لا يحكم بهذا علينا فمع علمه بإعسارنا وعجزنا، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له- يرحمنا. قوله «إلى ميسرة» : ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شىء إلا من حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين، فأمّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب الأموال والعقد.. وأنّى للمفلس به؟! وأمّا الربح فى التجارة من تقليب رأس المال والتصرّف فيه.. فأنّى للمفلس به؟! ما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء (..........) «١» وإن كان ضعيفا، فذلك لمن بقيت له منة الحراك أما المفلس عن قوته- كما هو مفلس عن ماله- ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه. قوله جل ذكره: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

стр. 210

الرجوع على ضربين: بالأبشار والنفوس غدا عند التوفى، وبالأسرار والقلوب فى كل نفس محاسبة نقد ووعد، فنقد مطالبته أحقّ مما سيكون فى القيامة من وعده. وقال للعوام: «واتقوا يوما» وقال للخواص: «وإياى فاتقون» قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)

стр. 211

أمر الله سبحانه الخلق بالقيام بالصدق، وعلّمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يجرى- بعضهم على بعض- حيفا، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رفقه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة. ومن شرع اليوم ما يقطع الخصومة بينهم فبالحرى أن يجرى ما يرفع فى الآخرة آثار الخصومة «١» بينهم، وفى الخبر المنقول: تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالى عليكم، فإن الكريم إذا قدر غفر. وفيما شرع من الدين «٢» رفق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال، فأذن له فى الاستدانة ليجبر أمره فى الحال، وينتظر فضل الله فى المآل، وقد وعد على الإدانة الثواب الكثير، وذلك من لطفه تعالى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)

стр. 212

من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب. ويقال ما «تبديه» : العبادة، «وما تخفيه» الإرادة. ويقال ما «تخفيه» : الخطرات و «ما تبديه» : «العبارات» . ويقال ما «تخفيه» : السكنات والحركات «١» ويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل «٢» خطرة ولا تحمل وقتك نفسا «٣» . قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٥] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) هذه شهادة الحق- سبحانه- لنبيّه- ﷺ وعلى آله- بالإيمان، وذلك أتمّ له من إخباره عن نفسه بشهادته. ويقال آمن الخلق كلّهم من حيث البرهان وآمن الرسول- ﵇ من حيث العيان. ويقال آمن الخلق بالوسائط وآمن محمد- ﷺ بغير واسطة.

стр. 213

ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر فقال «آمن الرسول» ، ولم يقل آمنت، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت تريد قلت. ويقال آمن الرسول والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولكن شتان بين إيمان وإيمان، الكلّ آمنوا استدلالا، وأنت يا محمد آمنت وصالا. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رفق منه وفضل. لَها ما كَسَبَتْ من الخيرات. وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ما تكسبه من التوبة التي تنجّى من كسب «١» . قوله جل ذكره: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ كان إذا وقعت حاجة كلّموه بلسان الواسطة. قالوا «يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ» وهذه الأمة قال لهم: «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» . وكانت الأمم (السالفة) «٢» إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضى مدة لقبول التوبة، وفى هذه الأمة قال ﷺ : «الندم توبة» . وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصهم أكثر من أن يأتى عليه الشرح.

стр. 214

قوله جل ذكره: وَاعْفُ عَنَّا فى الحال وَاغْفِرْ لَنا فى المآل وَارْحَمْنا، أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فى جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك. ولما قالوا «وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» خسف الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة. والحمد الله رب العالمين. السورة التي يذكر فيها آل عمران «بسم الله الرحمن الرحيم» اختلف أهل التحقيق فى اسم «الله» هل هو مشتق من معنى أم لا؟ فكثير منهم قالوا إنه ليس بمشتق من مغني، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص «١» ، يجرى فى وضعه مجرى أسماء الأعلام فى صفة غيره، فاذا قرع بهذا اللفظ أسماء أهل المعرفة لم تذهب فهومهم ولا علومهم إلى معنى غير وجوده سبحانه وحقه. وحقّ هذه القالة أن تكون مقرونة بشهود القلب فاذا قال بلسانه «الله» أو سمع بآذانه شهد بقلبه «الله» . وكما لا تدل هذه الكلمة على معنى سوى «الله» لا يكون مشهود قائلها إلا «الله» فيقول بلسانه «الله» ، ويعلم بفؤاده «الله» ، ويعرف بقلبه «الله» ، ويحب بروحه «الله» ،

стр. 215

ويشهد بسره «الله» ، ويتملق «١» بظاهره بين يدى الله، ويتحقق بسرّه الله، ويخلو بأحواله لله وفى الله فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن يصير محوا فى الله لله بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله «٢» الرحمن الرحيم استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة فى قلوبهم أن تنقى فالتلطف سنّة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت فى أسر الغفلة لا تهتدى إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكاف بما ينصرك، فبغير سؤالك- بل بغير علمك بحالك- يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب. والإشارة من اللام إلى لطفه بك فى خفىّ السّر حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطّلبة من الأولياء، فلا يتحرك فى العالم شىء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلا لو قال فى قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء- لم يكن ذلك ببعيد. ويقال تفرّق عن القلوب- باستماع هذه الحروف المقطعة التي هى خلاف عادة الناس فى التخاطب- كلّ معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حسّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفىّ الأسرار عن المعتادات والمعهودات يرد هذا الاسم وهو قوله: «الله» على قلب مقدّس من كل غير، وسرّ مصفىّ عن كل كيف فقال «الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» . فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيب سرّك إن خلوت فهو رقيبك، وإن توسطت الخلق فهو رقيبك «٣» ، وفى الجملة- كيفما دارت بك الأحوال- فهو حبيبك.
следующие страницы →