← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أمر الله سبحانه الخلق بالقيام بالصدق، وعلّمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يجرى- بعضهم على بعض- حيفا، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رفقه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة. ومن شرع اليوم ما يقطع الخصومة بينهم فبالحرى أن يجرى ما يرفع فى الآخرة آثار الخصومة «١» بينهم، وفى الخبر المنقول: تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالى عليكم، فإن الكريم إذا قدر غفر. وفيما شرع من الدين «٢» رفق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال، فأذن له فى الاستدانة ليجبر أمره فى الحال، وينتظر فضل الله فى المآل، وقد وعد على الإدانة الثواب الكثير، وذلك من لطفه تعالى. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)

стр. 212

من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب. ويقال ما «تبديه» : العبادة، «وما تخفيه» الإرادة. ويقال ما «تخفيه» : الخطرات و «ما تبديه» : «العبارات» . ويقال ما «تخفيه» : السكنات والحركات «١» ويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل «٢» خطرة ولا تحمل وقتك نفسا «٣» . قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٥] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) هذه شهادة الحق- سبحانه- لنبيّه- ﷺ وعلى آله- بالإيمان، وذلك أتمّ له من إخباره عن نفسه بشهادته. ويقال آمن الخلق كلّهم من حيث البرهان وآمن الرسول- ﵇ من حيث العيان. ويقال آمن الخلق بالوسائط وآمن محمد- ﷺ بغير واسطة.

стр. 213

ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر فقال «آمن الرسول» ، ولم يقل آمنت، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت تريد قلت. ويقال آمن الرسول والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولكن شتان بين إيمان وإيمان، الكلّ آمنوا استدلالا، وأنت يا محمد آمنت وصالا. قوله جل ذكره: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رفق منه وفضل. لَها ما كَسَبَتْ من الخيرات. وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ما تكسبه من التوبة التي تنجّى من كسب «١» . قوله جل ذكره: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ كان إذا وقعت حاجة كلّموه بلسان الواسطة. قالوا «يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ» وهذه الأمة قال لهم: «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» . وكانت الأمم (السالفة) «٢» إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضى مدة لقبول التوبة، وفى هذه الأمة قال ﷺ : «الندم توبة» . وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصهم أكثر من أن يأتى عليه الشرح.

стр. 214

قوله جل ذكره: وَاعْفُ عَنَّا فى الحال وَاغْفِرْ لَنا فى المآل وَارْحَمْنا، أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فى جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك. ولما قالوا «وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» خسف الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة. والحمد الله رب العالمين. السورة التي يذكر فيها آل عمران «بسم الله الرحمن الرحيم» اختلف أهل التحقيق فى اسم «الله» هل هو مشتق من معنى أم لا؟ فكثير منهم قالوا إنه ليس بمشتق من مغني، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص «١» ، يجرى فى وضعه مجرى أسماء الأعلام فى صفة غيره، فاذا قرع بهذا اللفظ أسماء أهل المعرفة لم تذهب فهومهم ولا علومهم إلى معنى غير وجوده سبحانه وحقه. وحقّ هذه القالة أن تكون مقرونة بشهود القلب فاذا قال بلسانه «الله» أو سمع بآذانه شهد بقلبه «الله» . وكما لا تدل هذه الكلمة على معنى سوى «الله» لا يكون مشهود قائلها إلا «الله» فيقول بلسانه «الله» ، ويعلم بفؤاده «الله» ، ويعرف بقلبه «الله» ، ويحب بروحه «الله» ،

стр. 215

ويشهد بسره «الله» ، ويتملق «١» بظاهره بين يدى الله، ويتحقق بسرّه الله، ويخلو بأحواله لله وفى الله فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن يصير محوا فى الله لله بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله «٢» الرحمن الرحيم استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة فى قلوبهم أن تنقى فالتلطف سنّة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت فى أسر الغفلة لا تهتدى إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكاف بما ينصرك، فبغير سؤالك- بل بغير علمك بحالك- يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب. والإشارة من اللام إلى لطفه بك فى خفىّ السّر حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطّلبة من الأولياء، فلا يتحرك فى العالم شىء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلا لو قال فى قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء- لم يكن ذلك ببعيد. ويقال تفرّق عن القلوب- باستماع هذه الحروف المقطعة التي هى خلاف عادة الناس فى التخاطب- كلّ معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حسّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفىّ الأسرار عن المعتادات والمعهودات يرد هذا الاسم وهو قوله: «الله» على قلب مقدّس من كل غير، وسرّ مصفىّ عن كل كيف فقال «الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» . فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيب سرّك إن خلوت فهو رقيبك، وإن توسطت الخلق فهو رقيبك «٣» ، وفى الجملة- كيفما دارت بك الأحوال- فهو حبيبك.

стр. 216

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣ الى ٤] نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) وما كنت يا محمد تدرى ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزلىّ فألقاك فى أمر عجيب شانه، جلىّ برهانه، عزيز محلّه ومكانه. مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. أي محققا لموعوده لك فى الكتاب على ألسنة الرسل ﵈. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ. أي إنا وإن أنزلنا قبلك كتبنا على المرسلين فما أخلينا كتابا من ذكرك، قال قائلهم: وعندى لأحبابنا الغائبين ... صحائف ذكرك عنوانها وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار. قوله جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. وهو ذلّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون. «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» على أوليائه «ذُو انْتِقامٍ» من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده- كثيرا- أحد. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٥] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) لا يتنفس عبد نفسا إلا والله محصيه «١» ، ولا تحصل فى السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه محدثه ومبديه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه. هذا على العموم، فأمّا على الخصوص: فلا رفع أحد إليه حاجة إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحد إليه فى نازلة إلا وهو كافيها.

стр. 217

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦] هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدّر أحوالكم فى الأزل كيف شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فلا يعقّب حكمه بالنقض، أو يعارض تقديره بالإهمال والرفض. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) جنّس عليهم الخطاب فمن ظاهر واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القسم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقسم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها، فسبيل العلماء الرسوخ فى طلب معناه على ما يوافق الأصول، فما حصل عليه الموقوف فمقابل بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلّموه إلى عالم الغيب. وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بنوا (عليه) «١» إشارات الكشف.

стр. 218

إن (طولبوا) «١» باستدامة الستر وطىّ السّر تخارسوا عن النطق، وإن أمروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمّا الذين أيّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتنقسم بهم الأحوال وتترجّم بهم الظنون، ويطيحون فى أودية الرّيب والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلا على جهل، ونفورا على شك. قوله جل ذكره: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. ومن وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففى صحبة التذكر، لظهور البراهين و (....) «٢» أحكام التحصيل. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٨] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب «٣» . ويقال حين صدقوا فى حسن الاستغاثة أمدّوا بأنوار الكفاية. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٩] رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغدا جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب،

стр. 219

اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغدا جمع الأبشار لشهود الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٠] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يقبل منهم، ولا حجاب يرفع عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يسعّر الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد والحميم. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١١] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) أصرّوا فى العتوّ على سننهم، وأدمنا لهم فى الانتقام سنننا، فلا عن الإصرار أقلعوا، ولا فى المبارّ طمعوا، ولعمرى إنهم هم الذين ندموا وتحسّروا على ما قدّموا- ولكن حينما وجدوا الباب مسدودا، والندم عليهم مردودا. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٢] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق فى الآجل «١» ، ولا تكون لهم لذة عيش فى العاجل، والذي يلقونه فى الآخرة من شدة العقوبة بالحرقة فوق ما يصيبهم فى الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة «٢» ، ولكن سقمت البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.

стр. 220

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٣] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) إذا أراد الله إمضاء أمر قلّل الكثير فى أعين قوم، وكثّر القليل فى أعين قوم، وإذا لبّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم «١» . قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو فى معناها، وفى الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق فى هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدود عندهم فى جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه فى حال ما يناجيك يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك (فيطريك) «٢» وتحتها خدع خافية. ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) «٣» بإثباته فى لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله.

стр. 221

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) بيّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العلى، والله بصير بالعباد أنزل كل قوم منزله، وأوصله إلى ما له أهلّه. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٦] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليّة، والقسم المرضيّة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٧] الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) الصبر حبس النّفس، وذلك على ثلاث مراتب: صبر على ما أمر به العبد، وصبر عما نهى عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد إمّا فى فوات محبوبك أو هجوم ما لا تستطيعه «١» . فإذا ترقيت عن هذه الصفة- بألا تصيبك مشقة أو تنال راحة- فذلك رضا لا صبر «٢» . ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله. و «القانتين» ، بنفوسهم بالاستقامة فى محبة الله.

стр. 222

و «المستغفرين» عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم فى الله «١» ويقال: «الصابرين» بقلوبهم و «الصادقين» بأرواحهم و «القانتين» بنفوسهم، و «المستغفرين» بألسنتهم. ويقال «الصابرين» على صدق القصود و «الصادقين» فى العهود و «القانتين» بحفظ الحدود و «المستغفرين» عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد. ويقال «الصابرين» الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم «٢» شىء من الدنيا والعقبى. و «الصادقين» الذين صدقوا فى الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا ... فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود «٣» . و «القانتين» الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب. و «المنفقين» الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من الأموال) «٤» ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظ لهم فى العاجل الآجل، استهلاكا عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال «٥» . و «المستغفرين» عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الاسحار يعنى ظهور الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر فى الأقطار.

стр. 223

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) أي علم الله وأخبر الله وحكم الله بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق، وأوّل من شهد بأنه الله- الله، فشهد فى آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلى، وأخبر عن وجوده الأحدى، وكونه الصمدى، وعونه القيومى، وذاته الدعومى، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدى. فقال: «شَهِدَ اللَّهُ» ثم فى آباده، «شَهِدَ اللَّهُ» أي بيّن الله بما نصب من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من الآيات، وأبدى من البينات. فكلّ جزء من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار فى (ثانى) «١» وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات فى المحالّ متعاقبة- فهو لوجوده مفصح، ولربوبيته موضّح، وعلى قدمه شاهد، وللعقول مخبر بأنه واحد، عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قدره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود «٢» ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا شرك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول للمزدوجات «٣» ، ولا فضول باختلاف الآفات. قوله جل ذكره: وَالْمَلائِكَةُ لم يؤيّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيّدهم، حين وفّقهم بشهادته وسدّدهم، وإلى معرفة وجدانيته أرشدهم. قوله جل ذكره: وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم أولياء بنى آدم إذ علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه- اليوم-

стр. 224

ضرورة وحسّا، لم يعتقدوه ظنّا وحدسا تعرّف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم إنه من هو لما عرفوا من هو. ولكنّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والموحّدون يشهدون بعد خمودهم فهم كما قيل: مستهلكون بقهر الحق قد همدوا ... واستنطقوا بعد افتنائهم بتوحيد فالمجرى عليهم ما يبدو منهم- سواهم، والقائم عنهم بما هم عليه وبه- غيرهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم: كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب وأولو العلم على مراتب: فمن عالم نعته وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء وربّانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوى حججه وتوحيده بحديث يخرجه (....) «١» ، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باق، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم. بنو حق غدوا بالحق صرفا ... فنعت الخلق فيهمو مستور وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند علمهم بأنفسهم، فأما أعمالهم «٢» أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالا بالغير ولا انفصالا عن الذات، تقدّس الحق عن كل ضدّ وندّ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغبر. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) .

стр. 225

الدّين الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يلقّيه- هو الإسلام. والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على صاحبه مسدود. قوله جل ذكره: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على الجحود، لأنهم حجبوا عن محل الشهود. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) طالعهم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال فى شهود اختلافهم وتباين أطوارهم فإنّ من طالع الكائنات بعين القدرة علم أن المثبت للكلّ- على ما اختص به كل واحد من الكل- واحد. فادعهم جهرا بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سرّا بسر، واشغل لسانك بنصحهم، وفرّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سرّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ، والمجرى للأمور والمبدى- نحن. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢١] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)

стр. 226

إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان- أخبرهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٢] أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أولئك الذين ليس لهم- اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا فى الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزّنا وقدرتنا. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أمرت فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولّى عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٤] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) عاقبناهم فى الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون. ظن المخطئون حكما ...

стр. 227

[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٥] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام والإيجاب، وما فى هذا الباب. وقيامة الكفار يوم الحشر، وقيامة الأحباب فى الوقت، ولشرح هذا تفسير طويل «١» قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٦] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) «اللَّهُمَّ» معناها يا الله والميم فى آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صفنى بما أستحقّه من جلال القدر فقل: يا مالك الملك لا شريك لك ولا معين، ولا ظهير ولا قرين، ولا مقاسم لك فى الذات، ولا مساهم فى الملك، ولا معارض فى الإبداع. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ. حتى نعلم أن الملك لك، والملك من المخلوقين من تذلّل له، ومنزوع الملك ممن تكبّر عليه فتجمّل الخلق فى تذللهم للحق، وعزّهم فى محوهم فيه، وبقاؤهم فى فنائهم به وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بعز ذاتك. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ. بخذلانك. وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك. وتعزّ

стр. 228

من تشاء بيمن إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعزّ من تشاء بأن تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أنسه وتذل من تشاء بطوارق «١» نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك. وتؤتى الملك من تشاء بشد نطاق خدمتك، وتنزع الملك ممن تشاء بنفيه عن بساط عبادتك «٢» . تؤتى الملك من تشاء بإفراد سرّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق، وتعز من تشاء بإقامته بالإرادة، وتذل من تشاء بردّه إلى ما عليه أهل العادة. بِيَدِكَ الْخَيْرُ. ولم يذكر الشر حفظا لآداب الخطاب، وتفاؤلا بذكر الجميل، وتطيرا من ذكر السوء. إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. من الحجب والجذب، (والنصرة) «٣» والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، والقبض والبسط. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٧] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) .

стр. 229

تولج الليل فى النهار حتى يغلب سلطان ضياء التوحيد فلا يبقى من آثار النفس وظلماتها شىء، وتولج النهار فى الليل حتى كأن شموس القلوب كسفت، أو كأن الليل دام، وكأن الصبح فقد. وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فتيّا، وعود القلوب صار غضا طريّا. وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أو رقت شوكا وأزهرت شوكا، وكأن اليائس لم يجد خيرا، ولم يشم ريحا، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. حتى لا (كدر) «١» ولا جهد ولا عرق جبين. ولا تعب يمين. ليله روح وراحة، ونهاره طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قربات، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتى على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان. وفيما لوّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه. ويقال لما قال: «وتنزع الملك ممن تشاء انكسر خمار كلّ ظانّ أنه ملك لأنه شاهد ملكه يعرض للزوال فعلم أن التذلل إليه فى استبقاء ملكه أولى به من الإعجاب والإدلال. ويقال الملك فى الحقيقة- من لا يشغله شىء بالالتفات إليه عن شهود من هو الملك على الحقيقة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) من حقائق الإيمان الموالاة فى الله والمعاداة فى الله. وأولى من تسومه الهجران والإعراض عن الكفار- نفسك فإنها مجبولة على

стр. 230

المجوسية حيث تقول: لى ومنى وبي «١» ، وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ» «٢» . وإن الإيمان فى هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام- وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغا عظيما- فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل بالشكل أليق. قوله جل ذكره: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم- البتة. «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» : هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأمّا الذين نزلت رتبتهم عن هذا فقال لهم: «وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي ... » وقال: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ ... » إلى غير ذلك من الآيات. ويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» أن يكون عندكم أنكم وصلتم فإن خفايا المكر تعترى الأكابر، قال قائلهم: وأمنته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا ويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» لأن يجرى فى وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو يطأ بساط العزّ قدم همة بشر، جلّت الأحدية وعزّت! وإنّ من ظن أنه أقربهم إليه ففى الحقيقة أنه أبعدهم عنه. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٩] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)

стр. 231

لا يعزب معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويعجّل المدد والكفاية. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٠] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) ودّ أهل الطاعات أن لو استكثروا منها، وودّ أهل المخالفات أن لو كبحوا لجامهم عن الركض فى ميادينهم، قال قائلهم: ولو اننى أعطيت من دهرى المني ... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد لقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي قوله جل ذكره: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. الإشارة من قوله: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» للعارفين، ومن قوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة. ويقال لمّا قال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم «١» فقال مقرونا به «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» لتحقيق تأميلهم، وكذلك سنّته يطمعهم «٢» فى عين ما يروعهم. ويقال أفناهم بقوله «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» ثم أحياهم وأبقاهم بقوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ»

стр. 232

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣١] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) «تُحِبُّونَ اللَّهَ» فرق، و «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» جمع. «تُحِبُّونَ اللَّهَ» مشوب بالعلة، و «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» بلا علّة، بل هو حقيقة الوصلة. ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضى منه تلك الحالة إيثاره- سبحانه- على كل شىء وعلى كل أحد. وشرط المحبة ألا يكون فيها حظّ بحال، فمن لم يفن عن حظوظه بالكلّية فليس له من المحبة شظيّة. ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانه إليه ولطفه به، وهى إرادة فضل مخصوص، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، فعلى هذا تكون من صفات فعله. ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك فى محبوبك، قال قائلهم. وما الحب حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا وهذا فرق «١» بين الحبيب والخليل قال الخليل: «فمن تبعني فإنه منى» . وقال الحبيب: «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» . فإن كان متّبع الخليل «منه» إفضالا فإن متابع الحبيب محبوب الحقّ سبحانه، وكفى بذلك قربة وحالا. ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحد نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ . ويقال فى هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو التجرد

стр. 233

عن آفة لأنه قال يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، بيّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبّ الله ويحبّه الله. ويقال قال أولا: «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» ثم قال: «وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» والواو تقتضى الترتيب ليعلم أنّ المحبة سابقة على الغفران أولا يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجب الغفران لأن العفو يوجب المحبة. والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حبب الأسنان «١» وهو صفاؤها. والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب فى السر. ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب. والحبّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البدن، فالمحبّ لا يدّخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٢] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) أمرهم بالطاعة ثم قال: «فَإِنْ تَوَلَّوْا» أي قصّروا فى الطاعة بأن خالفوا، ثم قال: «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» لم يقل العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عصاة «٢» قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) اتفق آدم وذريته فى الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قبله، لا بالنّسب ولا بالسبب.

стр. 234

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) المحرّر الذي ليس فى رقّ شىء من المخلوقات، حرّره الحق سبحانه فى سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمّا نذرت أمّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خجلت، فلمّا رأتها قالت «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى» وهى لا تصلح أن تكون محررا فقال تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ» ولعمرى ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تقبّلها الحقّ- طلع عنها كل أعجوبة. ولما قالت «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» قالت «فَتَقَبَّلْ مِنِّي» فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عالم وهلك بسببها عالم، ووقعت الفتنة لأجلهما فى عالم. قالت: «وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» استجارت بالله من أن يكون للشيطان فى حديثها شىء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٧] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) حيث بلّغّها فوق ما تمنّت أمها، ويقال تقبّلها بقبول حس حتى أفردها لطاعته، وتولّاها بما تولّى به أولياءه، حتى أفضى جميع من فى عصرها العجب من حسن توليه أمرها، وإن كانت بنتا.

стр. 235

ويقال القبول الحسن حسن تربيته لها مع علمه- سبحانه- بأنه يقال فيه بسببها ما يقال، فلم يبال بقبح مقال الأعداء. أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم وكما قيل: ليقل من شاء ما ... شاء فإنى لا أبالى ويقال القبول الحسن أن ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: «إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا» . «وأنبتها نباتا حسنا» حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه- سبحانه- فى جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى ﵇، وهذا هو النبات الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أن جعل كافلها والقيّم بأمرها وحفظها نبيا من الأنبياء مثل زكريا ﵇، وقد أوحى الله إلى داود ﵇: إن رأيت لى طالبا فكن له خادما. قوله جل ذكره: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. من أمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا فى المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبّد فيه وهناك يوجد المحراب- فذلك عبد عزيز. ويقال من القبول الحسن أنه لم يطرح أمرها كلّه وشغلها على زكريا ﵇ فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وجد عندها رزقا ليعلم العاملون أن الله- سبحانه- لا يلقى شغل أوليائه على غير «١» ، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو فى رفق الولي لا إنه

стр. 236

تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفى هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه فى رفق الفقراء. ثم كان زكريا ﵇ يقول: أنّى لك هذا؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شغلها، فكان يسأل ويقول: أنّى لك هذا؟ ومن أتاك به؟ وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان: إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يسبق به. قوله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» فلفظة كلّما للتكرار «١» وفى هذا إشارة: وهو أن زكريا ﵇ لم يذر تعهّدها- وإن وجد عندها رزقا- بل كل يوم وكل وقت كان يتفقد حالها لأن كرامات الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعا فيجوز أن يظهر الله ذلك عليهم دائما، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا ﵇ يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدّد السؤال عنها بقوله: «يا مريم أنّى لك هذا؟» لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه «٢» وقوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون معلّلا بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٨] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقينا على يقين، ورجاء على رجاء فسأل الولد على كبر سنّه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضا للعادة.

стр. 237

ويقال إن زكريا ﵇ سأل الولد ليكون عونا له على الطاعة، ووارثا من نسله فى النبوة، ليكون قائما بحقّ الله، فلذلك استحق الإجابة فإن السؤال إذا كان لحقّ الحقّ- لا لحظّ النّفس- لا يكون له الرد «١» . وكان زكريا ﵇ يرى الفاكهة الصيفية عند مريم فى الشتاء، وفاكهة الشتاء عندها فى الصيف، فسأل الولد فى حال الكبر ليكون آية ومعجزة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٩] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) لما سأل السؤال، ولازم الباب أتته الإجابة. وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة. ويقال حكم الله- سبحانه- أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو معانق لخدمته، فأمّا من أعرض عن الطاعة ألقاه فى ذلّ الوحشة. قوله جل ذكره: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. قيل سمّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حيى به عقر أمه. ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه. قوله: مصدقا بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة «الله» فيما تعبده به أو هو مكوّن بكلمة الله. وقوله «وَسَيِّداً» : السيّد من ليس فى رق مخلوق، تحرّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى ﵇.

стр. 238

ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقاما، ولا شاهد لنفسه قدرا. ولما أخلص فى تواضعه لله بكل وجه رقّاه على الجملة، وجعله سيدا للجميع. وقوله «وَحَصُوراً» أي معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقيا عن المطالبات، مانعا نفسه عن ذلك تعززا وتقربا، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فضل لحظّ. «وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» أي مستحقا لبلوغ رتبتهم. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٠] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنّى يكون لى غلام؟ ويحتمل أنه قال: بأى استحقاق منى تكون لى هذه الإجابة لولا فضلك؟ ويحتمل أنه قال أنّى يكون هذا: أعلى وجه التبني أم على وجه التناسل؟ ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت فى السن أو من جهة التّسرّى بمملوكة؟ أم من هذه؟ فقيل له: لا بل من هذه فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معا، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعا. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤١] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لشك له فى أصل الإجابة. وجعل آية ولايته «١» فى إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابى فإنى لا أمنع أوليائى من مناجاتى.

стр. 239

قوله جل ذكره: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً. بقلبك ولسانك فى جميع أوقاتك. وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ. فى الصلاة الدائبة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٢] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قبلهم رفعا بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادك من أشكالك وأندادك، وطهّرك من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلق «١» ، واصطفاك على نساء العالمين فى وقتك. وفائدة تكرار «٢» ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاك بأن حملت بعيسى ﵇ من غير أب، ولم تشبهك امرأة- ولن تشبهك- إلى يوم القيامة، ولذلك قال «عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» . قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٣] يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) لازمى بساط العبادة، وداومى على الطاعة، ولا تقصّرى فى استدامة الخدمة، فكما أفردك الحقّ بمقامك، كونى فى عبادته أو حد زمانك. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٤] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)

стр. 240

أي هذه القصص نحن عرفنا كهاو (خا) طبناك بمعانيها، وإن قصصنا نحن عليك هذا- فعزيز خطابنا، وأعزّ وأتم من أن لو كنت مشاهدا لها. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) لم يبشرها بنصيب لها فى الدنيا ولا فى الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بشّرها بما أثبت فى ذلك من عظيم الآية، وكونه نبيا لله مؤيّدا بالمعجزة. ويقال عرّفها أن من وقع فى تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يلقى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدة بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن- فى التحقيق- ليس كما ظنّه الأغبياء «١» الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير. وقيل إنه (........) «٢» عرّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولد يعيش حتى يكلّم الناس صبيّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه. وقيل كهلا بعد نزوله من السماء. ويقال ربط على قلبها بما عرّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة ساحتها ينطق الله عيسى ﵇ بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.

стр. 241

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٧] قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) كما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة فى رزقنا فكذلك ننقض العادة فى خلق ولد من غير مسيس بشر. قوله جل ذكره: إِذا قَضى أَمْراً. أي أراد إمضاء حكم. فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء. ولما بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى ﵇ وهو ابن يوم حتى قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عمّا عملوه مسرّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه

стр. 242

مصدّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعة تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض- على ما نطق به تفصيل القرآن. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) الآية. حين بلّغهم الرسالة واختلفوا- فمنهم من صدّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون- علم أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله قصده، وقال لقومه: من أنصارى إلى الله ليساعدونى على التجرد لحقّه والخلوص فى قصده؟ فقال من انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك «١» شىء مما نحن فيه. رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وأما الباقون فجدّوا فى الشقاق، وبالغوا فى العداوة، ودسّوا له المكائد، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى ﵇ وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولبس عليهم. فالله- سبحانه- رفع عيسى ﵇ نبيّه ووليّه، وحقّ الطرد واللّعن على أعدائه، وهذا مكره بهم: [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٥] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) قوله جل ذكره: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ. الإشارة «٢» فيه إنى متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مصرّفا بنا لنا، ولا يكون عليك من

стр. 243

اختيارك شىء، ويكون إسبال التولي عليك قائما عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة- جلّت. ويقال طهّر قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، فى جميع الأحوال والأطوار. وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. بالنصرة والقهر والحجة. ومتبعوه من لم يبدّل دينه ومن هو على عقيدته فى التوحيد- وهم المؤمنون، فهم على الحقّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم- يوم القيامة- بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففى الجحيم وأمّا المؤمنون ففى النعيم. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٨] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحى إليك، لا بتكلفك ما تصل إلى علمه، أو بتعلّمك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٩] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الآية خصّهما «١» بتطهير الروح عن التناسخ فى الأصلاب وأفرد آدم بصفة البدء وعيسى ﵇ بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإن كانا كبيرى الشأن فنقص الحدثان والمخلوقية لازم لهما: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٠] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) الآية

стр. 244

الحق من ربك يا محمد، فلا تشكّنّ فى أنه- سبحانه- لا يماثله فى الإيجاد أحد، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي (.....) «١» وجودها عن كتم العدم- من الله مبدؤها وإليه عودها. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦١] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) الآية يعنى بعد ما ظهرت على صدق ما يقال لك، وتحقّقت بقلبك معرفة ما خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثق بأن لك القهر والنصرة، وأنّا توليناك، وفى كنف قربنا آويناك، ولو أنهم رغبوا فى هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيرانا مؤججة، ولكن أخّر الله- سبحانه- ذلك عنهم لعلمه بمن فى أصلابهم من المؤمنين «٢» . والإشارة فى هذه الآية لمن نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٣] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم «٣» مخلوق، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير «٤» . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ فإن تولوا- يا محمد- فإنه لا ثبات عند شعاع أنوارك لشبهة مبطل. «فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» إمّا يجتاحهم «٥» ، أو يحلم «٦» حتى إذا استمكنت ظنونهم يأخذهم بغتة وهم لا ينصرون.

стр. 245

قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) الآية هى كلمة التوحيد وإفراد الحق سبحانه فى إنشاء الأشياء بالشهود. وقوله: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ» : لا تطالع بسرّك مخلوقا. وكما لا يكون غيره معبودك فينبغى ألا يكون غيره مقصودك ولا مشهودك، وهذا هو اتّقاء الشرك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم. «وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً» ويظهر صدق هذا بترك المدح والذم لهم. ونفى الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم قال ﷺ «أصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد» . ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل «١» فإنّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمّا أهل البداية فالأمر مضيّق عليهم فى الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني «٢» ، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط. والإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٥] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ... الآية. ضرب على خليله- صلوات الله- نقاب الضنّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادّعاء الكل فيه، وحكم بتعارض شبهاتهم، وكيف يكون إبراهيم- ﵇ على دين من أتى بعده؟! إن هذا تناقض من الظن. ثم قال: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٦] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)

стр. 246

يعنى ما كان فى كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فخصّهم فى ذلك إمّا بحق وإما بباطل، فالذى ليس لكم البتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادّعاء الإحاطة به؟! قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٧] ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) الحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم فى حلقة الرّجل، ويسمى مائل القدم بذلك على التفاؤل «١» . وإبراهيم ﵇ كان حنيفا لا مائلا عن الحق، ولا زائغا عن الشرع، ولا معرّجا على شىء فيه نصيب للنفس، فقد سلّم ماله ونفسه وولده، وما كان له به جملة- إلى حكم الله وانتظار أمره. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٨] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقّ فى كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزبا واحدا، فبعضهم أولى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه- كمثل رسولنا ﷺ وأمته- على الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ وهو توحيد الله . «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» لأنهم تولّوا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون بالعون والنصرة والتخصيص والقربة. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٩] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) من حلّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية- رضى لجميع الناس ما حلّ به،

стр. 247

فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يعود إليهم وبال فعلهم. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٠] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) قبل «١» بعثه- ﷺ على صحة نبوته «٢» ، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟ قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧١] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) تكتمون الحق فى شأن محمد ﵇ وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل هذا إلا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أنّ منهم من ينافق فى حالته، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول ﵇ والمسلمين جهرا، والخلوص فى عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سرّا. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) فبين الله سبحانه أن نفاقهم كشف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعهم أمّا فى الدنيا فلإطلاع الله نبيّه ﵇ والمؤمنين- عليه، وأمّا فى الآخرة فلفقد إخلاصهم فيه. قوله جل ذكره: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ الآية.

стр. 248

يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ. فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٤] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) يختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن أراده. ولا بدّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجرى الرحمة مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية. وبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصّ- بشىء منها- عبدا من عباده، فيدخل تحت قوله: يختص برحمته، أي بنعمته. فقوم اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» . ويقال لمّا سمعوا قوله: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» ، علموا أن الوسائل ليست بهادية «١» ، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة. ويقال يختص برحمته من يشاء بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه إليه من فنون التعريفات. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٥] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) ... الآية

стр. 249

أخبر أنهم- مع ضلالتهم وكفرهم- متفاوتون فى أخلاقهم، فكلّهم خونة فى أمانة الدّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك فى إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب إذ الكفار مطالبون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا فى كفرهم أقلّ ذنبا كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلّ عذابا، وإن كانت عقوبتهم أيضا مؤبّدة. ثم بيّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا: قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. فلا تجرى عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى. قوله جلّ ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٧] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) الذين آثروا هواهم على عقباهم، وقدّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم فى الآخرة فللاستماع بما اختاروا من العاجل خسروا فى الدارين. بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظّ، جمع عليهم فنون المحن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يخلّدهم فى العقوبة الأبدية. قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٨] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)

стр. 250

الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين فى الدعاوى فى هذه الطريقة. يزيّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خبر فى قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق، تلبيسا على الأغبياء والعوام وأهل البداية يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم. قال تعالى فى صفة هؤلاء «لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ» ، كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يروّجون قالتهم على المستضعفين، فأمّا أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة. قال الله تعالى «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» ، أي يعلمون أنهم كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس فى هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خربة، وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت! قوله جل ذكره: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٩] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) أي ليس من صفة من اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظّه، لأن اختياره- سبحانه- إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عمّا لا يجوز، فتجويز ذلك فى وصفهم مناف لحالهم، وإنما دعاء الرسل والأولياء- للخلق- إلى الله ، وهو معنى قوله تعالى: «وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والرّبانى منسوب إلى الرب كما يقال فلان دقيانى ولحيانى ... وبابه. وهم العلماء بالله الحلماء فى الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرقون فى حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله محو عمّا سوى الله.
следующие страницы →