← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

قوله جل ذكره: [سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٣] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) الملك: ذو القدرة على الإيجاد. القدوس: المنزّه عن الآفة والنقص. السلام: ذو السلامة من النقائص، الذي يسلّم على أوليائه، والذي سلم المؤمنون من عذابه. المؤمن: الذي يصدق عبده في توحيده فيقول له: صدقت يا عبدى. والذي يصدّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق. ويكون بمعنى المصدق لوعده. ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يؤمّنهم من عقوبته. المهيمن: الشاهد، وبمعنى الأمين، ويقال مؤيمن (مفيعل) من الأمن قلبت همزته هاء وهو من الأمان، ويقال بمعنى المؤمن. العزيز: الغالب الذي لا يغلب، والذي لا مثيل له، والمستحق لأوصاف الجلال، وبمعنى: المعزّ لعباده. والمنيع الذي لا يقدر عليه أحد. الجبّار: الذي لا تصل إليه الأيدى. أو بمعنى المصلح لأمورهم من: جبر الكسر. أو بمعنى القادر على تحصيل مراده «١» من خلقه على الوجه الذي يريده من: جبرته على الأمر وأجبرته. المتكبر: المتقدّس عن الآفات. قوله جل ذكره: [سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٤] هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) .

стр. 1857

هو المنشئ للأعيان والآثار. «لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» : المسمّيات الحسان. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» : مضى معناهما، وقد استقصينا الكلام في معانى هذه الأسماء (فى كتابنا المسمّى: «البيان والأدلة في معانى أسماء الله تعالى» ) «١» .

стр. 1858

سورة الممتحنة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك لا أصل لملكه عند حدث ولا نسل له، فعنه يرث. ملك لا يستظهر بجيش وعدد، ولا يتعزّز بقوم وعدد. ملك للخلق «١» بأجمعهم- لكنه اختار قوما- لا لينتفع بهم- بل لنفعهم، وردّ آخرين وأذلّهم بمنعهم ووضعهم: قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) «٢» قال ﷺ : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك «٣» وأوحى الله سبحانه إلى داود ﵇: «عاد نفسك فليس لى في المملكة منازع غيرها» . فمن عادى نفسه فقد قام بحقّ الله، ومن لم يعاد نفسه لحقته هذه الوصمة. وأصل الإيمان الموالاة والمعاداة في الله ومن جنح إلى الكفار أو إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم.

стр. 1859

قوله جل ذكره: «وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» . أنا أعلم «بِما أَخْفَيْتُمْ» من دقائق التصنّع وخفيّات الرياء. «وَما أَعْلَنْتُمْ» من التزيّن للناس. «بِما أَخْفَيْتُمْ» من الاستسرار بالزّلة، «وَما أَعْلَنْتُمْ» ، من الطاعة والبرّ. «بِما أَخْفَيْتُمْ» من الخيانة «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمانة. «بِما أَخْفَيْتُمْ» من الغلّ والغشّ للناس، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الفضيحة للناس. «بِما أَخْفَيْتُمْ» من ارتكاب المحظورات، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمر بالمعروف. «بِما أَخْفَيْتُمْ» من ترك الحشمة منى وقلة المبالاة باطّلاعى، وما أعلنتم من تعليم الناس ووعظهم. «وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» فقد حاد عن طريق الدين، ووقع فى الكفر. قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٢ الى ٣] إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) إن يظفروا بكم وصادفوكم يكونوا لكم أعداء، ولن تسلموا من أيديهم بالسوء ولا من ألسنتهم بالذمّ وذكر القبيح. «وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» : ولن ينفعكم تودّدكم وتقرّبكم إليهم، ولا ما بينكم وبينهم من الأرحام. ثم عقوبة الآخرة تدرككم «١» .

стр. 1860

وكذلك صفة المخالف، ولا ينبغى للمرء أن يتعطّش إلى عشيرته- وإن داهنته في قالة، ولا أن ينخدع بتغريرها- وإن لا ينته في حالة قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٤] قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) أي لكم قدوة حسنة بإبراهيم ومن قبله من الأنبياء حيث تبرّءوا من الكفار من أقوامهم فاقتدوا بهم.. إلّا استغفار إبراهيم لأبيه- وهو كافر- فلا تقتدوا به. ولا تستغفروا للكفار. وكان إبراهيم قد وعده أبوه أنه يؤمن فلذلك كان يستغفر له، فلمّا تبيّن له أنه لن يؤمن تبّرأ منه ويقال: كان منافقا.. ولم يعلم إبراهيم ذلك وقت استغفاره له. ويقال: يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أنّ الله لا يغفر للكفار. والفائدة في هذه الآية تخفيف الأمر على قلب الرسول ﷺ والمؤمنين بتعريفهم أنّ من كانوا قبلهم حين كذّبوا بأنبيائهم أهلكهم الله، وأنهم صبروا، وأنه ينبغى لذلك أن يكون بالصبر أمرهم. قوله جل ذكره: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» . أخبر أنهم قالوا ذلك. ويصحّ أن يكون معناه: قولوا: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا» . وقد مضى القول في معنى التوكل والإنابة.

стр. 1861

قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٥] رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) ربّنا لا تظفرهم بنا، ولا تقوّهم علينا. والإشارة في الآية: إلى الأمر بسنّة إبراهيم في السخاء وحسن الخلق والإخلاص والصدق والصبر وكلّ خصلة له ذكرها لنا. قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٧] عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) وقفهم في مقتضى قوله تعالى: «عَسَى اللَّهُ» عند حدّ التجويز ... لا حكما بالقطع، ولا دفع قلب باليأس.. ثم أمرهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم بقلوبهم، وعرّفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته، وجريان كلّ شىء على ما يريد لهم، وصدّق هذه الترجية بإيمان من آمن منهم عند فتح مكة، وكيف أسلم كثيرون، وحصل بينهم وبين المسلمين مودة أكيدة. قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٨ الى ٩] لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) أمرهم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه الذي يفعلونه، وأمّا من كان فيهم ذا خلق حسن،

стр. 1862

أو كان منه للمسلمين وجه نفع أو رفق- فقد أمرهم بالملاينة معه. والمؤلفة قلوبهم شاهد لهذه الجملة، فإنّ الله يحب الرّفق في جميع الأمور «١» . قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) كان النبيّ ﷺ يمتحنهن باليمين، فيحلفن إنّهن لم يخرجن إلّا لله، ولم يخرجن مغايظة لأزواجهن، ولم يخرجن طمعا في مال. وفي الجملة: الامتحان طريق إلى المعرفة، وجواهر «٢» الناس تتبيّن بالتجربة «٣» . ومن أقدم على شىء من غير تجربة تحسّى كأس الندم. «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «٤» . لا توافقوا من خالف الحقّ في قليل أو كثير. قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) .

стр. 1863

إذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالبهنّ وشارطهنّ بهذه الأشياء. ترك الشّرك، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والافتراء في إلحاق النّسب، وألا يعصينك في معروف فلا يخالفنك فيما تأمرهن به، ويدخل في ذلك ترك النياحة وشقّ الجيوب ونتف الشّعر عند المصيبة وتخميش «١» الوجوه والتبرّج وإظهار الزينة ... وغير ذلك مما هو من شعائر الدّين في الجملة. قوله جل ذكره: [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) الذين غضب الله عليهم هم الكفار. يئسوا من الآخرة كما يئس أصحاب القبور أن يعودوا إلى الدنيا ويبعثوا (بعد ما تبينوا سوء منقلبهم) . ويقال: كما يئس الكفار حين اعتقدوا أن الخلق لا يبعثون في القيامة «٢» .

стр. 1864

سورة الصّف قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من وقفه الله لعرفانها لم يصبر عن ذكرها بلسانه ثم لا يفتر حتى يصل إلى المسمّى بها بجنانه: فى البداية بتأمّل برهانه لمعرفة سلطانه، ثم لا يزال يزيده في إحسانه حتى ينتهى في شأنه بالتحقق مما هو كعيانه. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) من أراد أن يصفو له تسبيحه فليصفّ قلبه من آثار نفسه، ومن أراد أن يصفو له في الجنّة عيشه فليصفّ من أوضار ذنبه نفسه. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : الآيات ٢ الى ٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) جاء في التفاسير أنهم قالوا: لو علمنا ما فيه رضا الله لفعلنا ولو فيه كل جهد ... ثم لمّا كان يوم أحد لم يثبتوا، فنزلت هذه الآية في العتاب «١» . وفي الجملة: خلف الوعد مع كلّ أحد قبيح، ومع الله أقبح. ويقال إظهار التجلّد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحقّ في كلّ نفس يؤذن بالبقاء عمّا حصل بالدعوى «٢» ... والله يحب التبرّى من الحول والقوة.

стр. 1865

ويقال: لم يتوعّد- سبحانه- زلّة بمثل ما على هذا حين قال: «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» «١» . قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ٤] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) المحبة توجب الإثار، وتقديم مراد حبيبك على مراد نفسك، وتقديم محبوب حبيبك على محبوب نفسك. فإذا كان الحقّ تعالى يحبّ من العبد أن يقاتل على الوجه الذي ذكره فمن لم يؤثر محبوب الله على محبوب نفسه- أي على سلامته- انسلخ من محبته لربّه، ومن خلا من محبة الله وقع في الشقّ الآخر، فى خسرانه. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ٥] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) لمّا زاغوا بترك الحدّ أزاغ الله قلوبهم بنقض العهد. ويقال: لمّا زاغوا عن طريق الرّشد أزاغ الله قلوبهم بالصدّ والردّ والبعد عن الودّ. ويقال: لمّا زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرهم. ويقال: لمّا زاغوا عن خدمة الباب أزاغ الله قلوبهم عن التشوّق إلى البساط. ويقال: لمّا زاغوا عن العبادة أزاغ الله قلوبهم عن الإرادة. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ٦] وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)

стр. 1866

بشّر كلّ نبيّ قومه بنبيّنا ﷺ ، وأفرد الله- سبحانه- عيسى بالذّكر فى هذا الموضع لأنه آخر نبيّ قبل نبيّنا ﷺ : فبيّن بذلك أن البشارة به عمّت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت بعيسى ﵇. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ٨] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) «١» فمن احتال لوهنه، أو رام وهيه انعكس عليه كيده، وانتقض عليه تدبيره. «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» : كما قالوا: ولله سرّ في علاه وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان كأنه قال: من تمنّى أن يطفئ نور الإسلام بكيده كمن يحتال ويزاول إطفاء شعاع الشمس بنفثه ونفخه فيه- وذلك من المحال. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ٩] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) لمّا تقاعد قومه عن نصرته، وانبرى أعداؤه لتكذيبه، وجحدوا ما شاهدوه من صدقه قيّض الله له أنصارا من أمته هم: نزّاع القبائل، والآحاد الأفاضل، والسادات الأماثل، وأفراد المناقب- فبذلوا في إعانته ونصرة دينه مهجهم، ولم يؤثروا عليه شيئا من كرائمهم، ووقوه

стр. 1867

بأرواحهم، (وأمدّهم الله سبحانه بتوفيقه كى ينصروا دينه، أولئك أقوام عجن الله بماء السعادة طينتهم، وخلق من نور التوحيد أرواحهم) «١» وأهلّهم يوم القيامة للسيادة على أضرابهم. ولقد أرسل الله نبيّه لدينه موضّحا، وبالحقّ مفصحا، ولتوحيده معلنا، ولجهده فى الدعاء إليه مستفرغا.. فأقرع بنصحه قلوبا نكرا، وبصّر بنور تبليغه عيونا عميا. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) سمّى الإيمان والجهاد تجارة لما في التجارة من الرّبح والخسران ونوع تكسّب من التاجر- وكذلك: فى الإيمان والجهاد ربح الجنّة وفي ذلك يجتهد العبد، وخسرانها إذا كان الأمر بالضّدّ. وقوله: «تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... » أي في ذلك جهادكم وإيمانكم واجتهادكم، وهو خير لكم. ثم بيّن الربح على تلك التجارة ما هو فقال: [سورة الصف (٦١) : آية ١٢] يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)

стр. 1868

قدّم ذكر أهمّ الأشياء- وهو المغفرة. ثم إذا فرغت القلوب عن العقوبة قال: «وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ ... » فبعد ما ذكر الجنّة ونعيمها قال: «وَمَساكِنَ طَيِّبَةً» ، وبماذا تطيب تلك المساكن؟ لا تطيب إلّا برؤية الحقّ سبحانه، ولذلك قالوا: أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتمو عنها ونحن حضور! نحن في أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودّى ... أنكم غيّب ونحن حضور قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ١٣] وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) أي ولكم نعمة أخرى تحبونها: نصر من الله اليوم حفظ الإيمان وتثبيت الأقدام على صراط الاستقامة، وغدا على صراط القيامة. «وَفَتْحٌ قَرِيبٌ» : الرؤية والزلفة. ويقال الشهود. ويقال: الوجود «١» أبد الأبد. «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» : بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل. قوله جل ذكره: [سورة الصف (٦١) : آية ١٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)

стр. 1869

أي كونوا أنصارا لدينه ورسوله كما أنّ عيسى لمّا استعان واستنصر الحواريين نصروه ... فانصروا محمدا إذا استنصركم. ثم أخبر أنّ طائفة من بنى إسرائيل آمنوا بعيسى فأكرموا، وطائفة كفروا فأذلّوا، وأظفر أولياء على أعدائه ... لكى يعرف الرسول ﷺ أنّ الله سبحانه يظفر أولياءه على أعدائه.

стр. 1870

سورة الجمعة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز إذا تجلّى لقلب عبد بوصف جماله تجمعت أفكاره على بساط جوده فلم يتفرّق بسواه «١» . ومن تجلّى لسرّه بنعت جلاله اندرجت جملته، واستهلك في وجوده فلم يشعر بكرائم دنياه ولا بعظائم عقباه.. وكم له من إنعام! وكم له من إحسان! وكما في أمثالهم: «جرى الوادي فطمّ على القريّ» «٢» قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) تسبح في بحار توحيد الحقّ أسرار أهل التحقيق، وبحرهم بلا شاطىء فبعد ما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح، فحازت أيديهم جواهر التفريد فرصّعوها في تاج العرفان كى يلبسوه يوم اللّقاء. «الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» . «الْمَلِكِ» : الملك المتفرّد باستحقاق الجبروت. «الْقُدُّوسِ» : المنزّه عن الدرك والوصول: فليس بيد الخلق إلّا عرفان الحقائق بنعت التعالي، والتأمل في شهود أفعاله، فأمّا الوقوف على حقيقة إنّيته- فقد جلّت الصمدية عن

стр. 1871

إشراف عليه، أو طمع إدراك في حال رؤيته، أو جواز إحاطة في العلم به ... فليس إلا قالة بلسان مستنطق، وحالة بشهود حقّ مستغرق «١» : وقلن لنا: نحن الأهلّة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى «٢» قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٢] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) جرّده عن كلّ تكلّف لتعلّم، وعن الاتصاف بتطلّب «٣» .. ثم بعثه فيهم وأظهر عليه من الأوصاف ما فاق الجميع. فكما أيتمه في الابتداء عن أبيه وأمّه، ثم آواه بلطفه- وكان ذلك أبلغ وأتمّ- فإنه كذلك أفرده عن تكلّفه العلم- ولكن قال: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ» «٤» . وقال: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً» «٥» ألبسه لباس العزّة، وتوّجه بتاج الكرامة، وخلع عليه حسن التولّى ... لتكون آثار البشرية عنه مندرجة «٦» ، وأنوار الحقائق عليه لائحة. [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٣] وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)

стр. 1872

أي بعثه في الأميين، وفي آخرين منهم وهم العجم، ومن يأتى.. إلى يوم القيامة فهو ﷺ مبعوث إلى الناس كافّة. قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٤] ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) يقصد به هنا النبوة، ويؤتيها «مَنْ يَشاءُ» وفي ذلك ردّ على من قال: إنها تستحقّ لكثرة طاعة الرسول- وردّ على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم فالفضل ما لا يكون مستحقّا، والاستحقاق فرض «١» لا فضل. ويقال: «فَضْلُ اللَّهِ» هنا هو التوفيق حتى يؤمنوا به. ويقال: هو الأنس بالله، والعبد ينسى كلّ شىء إذا وجد الأنس. ويقال: قطع الأسباب، - بالجملة- فى استحقاق الفضل، إذ أحاله على المشيئة. قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٥] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) «ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها» : ثم لم يعملوا بها. ويلحق بهؤلاء «٢» فى الوعيد- من حيث الإشارة- الموسومون «٣» بالتقليد في أي

стр. 1873

معنى شئت: فى علم الأصول، وممّا طريقه أدلة العقول، وفي هذه الطريقة «١» ممّا طريقه المنازلات. قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٦ الى ٧] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) «٢» هذا من جملة معجزاته ﷺ ، فصرف قلوبهم عن تمنّى الموت إلى هذه المدة دلّ على صدقه صلوات الله عليه «٣» . ويقال: من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب فإذا كان لا يصل إلى لقائه إلا بالموت فتمنّيه- لا محالة- شرط، فأخبر أنهم لا يتنمونه أبدا.. وكان كما أخبر. قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٨] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) الموت حتم مقضيّ. وفي الخبر: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه» . والموت جسر والمقصد عند الله.. ومن لم يعش عفيفا فليمت ظريفا «٤» .

стр. 1874

قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) أوجب السّعى يوم الجمعة إذا نودى لها، وأمر بترك البيع «١» . ومنهم من يحمله على الظاهر أي ترك المعاملة مع الخلق «٢» ، ومنهم من يحمله عليه وعلى معنى آخر: هو ترك الاشتغال بملاحظة الأعراض «٣» ، والتناسى عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر فمنهم من يسعى إلى ذكر الله، ومنهم من يسعى إلى الله، بل يسعون إلى ذكر الله جهرا بجهر، ويسعون إلى الله تعالى سرّا بسرّ. قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ١٠] فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) إنما ينصرف من كان له جمع يرجع إليه، أو شغل يقصده ويشتغل به- ولكن ... من لا شغل له ولا مأوى.. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» إذا كان له أرب.. فأمّا من سكن عن المطالبات، وكفى داء الطّلب.. فما له وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رقّه؟! قوله جل ذكره: [سورة الجمعة (٦٢) : آية ١١] وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

стр. 1875

من أسرته أخطار الأشياء استجاب لكلّ داع جرّه إليه لهو أو حمله عليه سهو ومن ملكه سلطان الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. «قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ» وما عند الله للعبّاد والزّهّاد- غدا «١» - خير مما «٢» نالوه فى الدنيا نقدا. وما عند الله للعارفين- نقدا- من واردات القلوب وبواده «٣» الحقيقة خير مما يؤمّل المستأنف «٤» فى الدنيا والعقبى.

стр. 1876

سورة المنافقون قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم من تحقّق به صدق في أقواله، ثم صدق في أعماله، ثم صدق في أخلاقه ثم صدق في أحواله، ثم صدق في أنفاسه «١» .. فصدقه في القول ألّا يقول إلّا عن برهان، وصدقه في العمل ألا يكون للبدعة عليه سلطان، وصدقه في الأخلاق ألّا يلاحظ إحسانه مع الكافّة بعين النقصان، وصدقه في الأحوال أن يكون على كشف وبيان، وصدقه في الأنفاس ألا يتنفّس إلا على وجود كالعيان «٢» . قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) كذّبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة «٣» ولكنّ كذبهم في قولهم: إنّهم مخلصون لك، مصدّقون لك. فصدق القالة لا ينفع مع قبح الحالة.

стр. 1877

ويقال: الإيمان ما يوجب الأمان فالإيمان يوجب للمؤمن إذا كان عاصيا خلاصه من العذاب أكثره وأقلّه ... إلّا ما ينقله من (أعلى) «١» جهنم إلى أسفلها. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٢] اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) تستّروا بإقرارهم، وتكشّفوا بنفاقهم عن أستارهم فافتضحوا، وذاقوا وبال أحوالهم. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٣] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) استضاءوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع السعادة، فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الشقاوة. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٤] وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) أي هم أشباح وقوالب وليس وراءهم ألباب وحقائق- فالجوز «٢» الفارغ مزيّن ظاهره ولكنه للعب الصبيان «٣» . «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ... » وذلك لجبنهم إذ ليس لهم انتعاش بربّهم، ولا استقلال بغيرهم.

стр. 1878

«هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» هم عدوّ لك- يا محمد- فاحذرهم، ولا يغرّنك تبسّطهم فى الكلام على وجه التودّد والتقرّب. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٥] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبّر، وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم ... فخلّ سبيلهم فليس للنّصح فيهم مساغ، ولن يصحيهم من سكرتهم إلّا حرّ ما سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرار من جانبهم فإنهم: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٦] سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) فقد سبق العلم بذلك: قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٧] هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) «١» كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غير متحققّين بتصريف الأيام، فأنطقهم بما خامر قلوبهم من تمنّى انطفاء نور رسول الله، وانتكاث شملهم، فتواصوا فيما بينهم بقولهم: «لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ» فقال تعالى «وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ ... » . وليس استقلالك- يا محمد- ولا استقلال أصحابك بالمرزوقين.. بل بالرازق فهو الذي يمسككم.

стр. 1879

قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٨] يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) إنما وقع لهم الغلط في تعيين الأعزّ والأذلّ فتوهّموا أنّ الأعزّ هم المنافقون، والأذلّ هم المسلمون، ولكن الأمر بالعكس، فلا جرم غلب الرسول ﷺ والمسلمون، وأذلّ المنافقون بقوله: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» : لله عزّ الإلهية، وللرسول عزّ النبوّة، وللمؤمنين عزّ الولاية.. وجميع ذلك لله فعزّة القديم صفته، وعزّ الرسول وعزّ المؤمنين له فعلا ومنّة وفضلا، فإذا لله العزّة جميعا. ويقال: كما أنّ عزّة الله- سبحانه- لا زوال لها فعزّة الأنبياء بأن لا عزل لهم، وعزّة المؤمنين بألا يبقى منهم مخلّد في النار. ويقال: من كان إيمانه حقيقيا فلا زوال له. ويقال: من تعزّز بالله لم يلحقه تغيّر عن حاله بغير الله. ويقال: لا عزّ إلّا في طاعة الله، ولا ذلّ إلّا في معصية الله ... وما سوى هذا فلا أصل له. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) لا تضيّعوا أمور دينكم بسبب أموالكم وأولادكم بل آثروا حقّ الله، واشتغلوا به يكفكم أمور دنياكم وأولادكم فإذا كنت لله كان الله لك «١» .

стр. 1880

ويقال: حقّ الله مما ألزمك القيام به، وحقّك ضمن لك القيام به فاشتغل بما كلّفت لا بما كفيت. قوله جل ذكره: [سورة المنافقون (٦٣) : آية ١٠] وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) لا تغترّوا بسلامة أوقاتكم، وترقّبوا بغتات آجالكم، وتأهّبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرّجوا في أوطان التسويف.

стр. 1881

سورة التّغابن قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ ... » كلمة عزيزة من ذكرها يحتاج إلى لسان عزيز في الغيبة لا يبتذل، وفي ذكر الأغيار لا يستعمل. ومن عرفها يحتاج إلى قلب عزيز ليس في كلّ ناحية منه خليط، ولا في كلّ زاوية زبيط. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) المخلوقات كلّها بجملتها لله سبحانه مسبّحة ... ولكن لا يسمع تسبيحها من به طرش النكرة. ويقال: الذي طرأ صممه فقد يرجى زواله بنوع معالجة، أمّا من يولد أصمّ فلا حيلة فى تحصيل سماعه. قال تعالى: «فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى» «١» وقال تعالى: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ» «٢» . قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٢] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) منكم كافر في سابق حكمه سمّاه كافرا، وعلم أنه يكفرو أراد به الكفر ... وكذلك

стр. 1882

كانوا. ومنكم مؤمن في سابق حكمه سمّاه مؤمنا، وعلم في آزاله أنه يؤمن وخلقه مؤمنا، وأراده مؤمنا ... والله بما تعملون بصير. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٣] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» : أي وهو محقّ في خلقه. «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» لم يقل لشىء من المخلوقات هذا الذي قال لنا، صوّر الظاهر وصوّر الباطن فالظاهر شاهد على كمال قدرته، والباطن شاهد على جلال قربته «١» . قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٤] يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) قصّروا حيلكم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومكم، وأنا أعلم ذلك دونكم ... فاطلبوا منّى، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر. ويقال: «وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ» . فاحذروا دقيق الرياء، وخفيّ ذات الصدور «وَما تُعْلِنُونَ» : فاحذروا أن يخالف ظاهركم باطنكم. فى قوله «ما تُسِرُّونَ» أمر بالمراقبة بين العبد وربه. وفي قوله «ما تُعْلِنُونَ» أمر بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخلق «٢» . قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٥ الى ٦] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)

стр. 1883

المراد من ذلك هو الاعتبار بمن سلف، ومن لم يعتبر عثر في مهواة من الأمل، ثم لا ينتعش إلّا بعد فوات الأمر من يده. «ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ ... » . شاهدوا الأمر من حيث الخلق فتطوّحوا فى متاهات الإشكال المختلفة الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلّصوا من تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود «١» التقدير من اختلاف الأحوال ذات «٢» التغيير. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٧] زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) الموت نوعان: موت نفس، وموت قلب ففى القيامة يبعثون من موت النّفس، وأمّا موت القلب فلا بعث منه- عند كثير من مخلصى هذه الطائفة، قال تعالى مخبرا عنهم: «قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟» «٣» فلو عرفوه لما قالوا ذلك فموت قلوبهم مسرمد إلى أن تصير معارفهم ضرورية، فهذا الوقت وقت موت قلوبهم. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٨] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) «النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا» : القرآن. ويجوز أن يكون ما أنزل في قلوب أوليائه من السكينة وفنون الألطاف.

стр. 1884

قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ٩] يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) المطيع- يومئذ- فى غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلّة «١» . وليس كلّ الغبن في تفاوت الدرجات قلّة وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١١] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) أيّ حصلة حصلت فمن قبله خلقا، وبعلمه وإرادته حكما. ومن يؤمن بالله يهد قلبه حتى يهتدى إلى الله في السّرّاء والضّراء- اليوم- وفي الآخرة يهديه إلى الجنة. ويقال: «يَهْدِ قَلْبَهُ» للأخلاق السنيّة، والتنقّى من شحّ النّفس. ويقال: «يَهْدِ قَلْبَهُ» لاتّباع السّنّة واجتناب البدعة. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١٢] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) .

стр. 1885

طاعة الله واجبة، وطاعة الرّسل- الذين هم سفراء بينه وبين الخلق- واجبة كذلك. والأنوار التي تظهر عليك «١» وتطالب بمقتضياتها كلّها حقّ، ومن الحقّ.. فتجب طاعتها أيضا. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إذا دعوك لتجمع لهم الدنيا فهم عدوّ لك، أمّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف «٢» فليسوا لكم أعداء. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١٥] إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) ِتْنَةٌ» : لأنهم يشغلونكم عن أداء حقّ الله فما تبق عن الله مشغولا بجمعه فهو غير ميمون عليك. ويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وجهه فإنكم تشغلون بذلك عن أداء حقّ مولاكم، وتشغلكم أولادكم، فتبقون بهم عن طاعة الله- وتلك فتنة لكم ... ترومون إصلاحهم. فتفسدون أنتم وهم لا يصلحون!. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : آية ١٦] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) .

стр. 1886

أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا الله. والتقوى عن شهود التقوى بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» حتى ترتفع الأخطار «١» عن قلبه، ويتحرّر من رقّ المكونات، فأولئك هم المفلحون. قوله جل ذكره: [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١٧ الى ١٨] إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) يتوجّه بهذا الخطاب إلى الأغنياء لبذل أموالهم، وللفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم وإيثار مراد الحقّ على مراد أنفسهم. فالغنىّ يقال له: آثر حكمى على مرادك في مالك، والفقير يقال له: آثر حكمى فى نفسك وقلبك ووقتك وزمانك. «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» جلّ شأنه.

стр. 1887

سورة الطّلاق قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم من لا سبيل إلى وصاله، ولا غنية- فى غيره- عن فعاله، اسم من علمه وقع في كل سكون وراحة، اسم من عرفه وقع في كل اضطراب وإطاحة «١» ، العلماء بسراب علمهم استقلوا فاستراحوا، والعارفون بسلطان حكمه اصطلموا عن شواهدهم.. فبادوا وطاحوا. قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) الطلاق- وإن كان فراقا- فلم يجعله الحقّ محظورا ... وإن كان من وجه مكروها. وللطلاق وقتية «٢» : سنّية وبدعية، ومباحة، لا سنية ولا بدعية فالسنية: أن تطلّق في طهر لم تباشر فيه طلقة واحدة، والبدعية: فى حال الحيض وطهر جومعت فيه، والمباحة: فى طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها «٣» - والطلاق أكثر من واحدة.

стр. 1888

والعدّة- وإن كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج (محاماة على الأنساب) «١» لئلا يدخل على ماء الزوج ماء آخر- فالغالب والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة الماضية في وصلة النكاح «٢» . والإشارة في الآيات التالية إلى أنه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلّ من الوفاء مدة لهذه الصغيرة التي لم تحض، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي انقطع حيضها، والحبلى حتى تلد ... كل ذلك مراعاة للحرمة: وعدّة الوفاة تشهد على هذه الجملة في كونها أطول لأن حرمة الميت أعظم «٣» وكذلك الإمداد في أيام العدّة ... المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة. قوله جل ذكره: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» . العبودية: الوقوف عند الحدّ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومن راعى مع الله حدّه أخلص الله له عهده ... «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» . قالوا: أراد ندما، وقيل: ولدا، وقيل: ميلا إليها، أولها إليه فإن القلوب تتقلب: والإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبر مع الأشكال حقّا للحرمة المتقدمة فالخلاص من مساكنة الأمثال، والتجرّد لعبادة الله تعالى أولى وأحقّ. قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٢ الى ٣] فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣)

стр. 1889

إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تخرج من بين العجين لا يعلق بها شىء. ويضرب الله تعالى على المتّقى سرادقات عنايته، ويدخله في كنف الإيواء، ويصرف الأشغال عن قلبه، ويخرجه من ظلمات تدبيره، ويجرّده من كل أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره. قوله جل ذكره: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» . لم يقل: ومن يتوكل على الله فتوكّله حسبه، بل قال: فهو حسبه أي فالله حسبه أي كافيه. «إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» . إذا سبق له شىء من التقدير فلا محالة يكون، وبتوكّله لا يتغير المقدور ولا يستأخر، ولكنّ التوكّل بنيانه على أن يكون العبد مروّح القلب غير كاره.. وهذا من أجلّ النّعم. قوله: [سورة الطلاق (٦٥) : آية ٤] وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) التوكل: شهود نفسك خارجا عن المنّة «١» تجرى عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطّلاع لك على حكمه، وسبيل العبد الخمود والرضا دون استعلام الأمر، وفي الخبر: «أعوذ بك من علم لا ينفع» : ومن العلم الذي لا ينفع- ويجب أن تستعيذ منه- أن يكون لك شغل أو يستقبلك مهمّ من الأمر ويشتبه عليك وجه التدبير فيه، وتكون مطالبا بالتفويض- فطلبك العلم وتمنّيك أن تعرف متى يصلح هذا الأمر؟ ولأى سبب؟ ومن أيّ وجه؟ وعلى يد من؟ ... كل هذا تخليط، وغير مسلّم شىء منه للأكابر. فيجب عليك السكون، وحسن الرضا. حتى إذا جاء وقت الكشف فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينتظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام أو ينظر فى ( ... ) «٢» من الجامع،

стр. 1890

أو يرجو بيان حاله بأن يجرى على لسان مستنطق في الوقت.. كلّ هذا ترك للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون. قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : آية ٧] لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) إذا اتسع رزق العبد فعلى قدر المكنة يطالب بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه رزقه- أي ضيّق- فلينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت، ومن رأس المال- إن لم يكن من الربح، ومن ثمن الضيعة- إن لم يكن من الغلّة. ومن ملك ما يكفيه الوقت، ثم اهتمّ بالزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرضيّ «١» عنه، وصاحبه غير معان. فأمّا إذا حصل العجز بكلّ وجه، فإن الله تعالى: لا يكلف نفسا إلّا ما آتاها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا. هذا من أصحاب المواعيد- وتصديقه على حسب الإيمان، وذاك على قدر اليقين- ويقينه على حسب القسمة. وانتظار اليسر «٢» من الله صفة المتوسطين فى الأحوال، الذين انحطّوا عن حدّ «٣» الرضا واستواء وجود السبب وفقده، وارتقوا عن حدّ اليأس والقنوط، وعاشوا في أفياء «٤» الرجال يعلّلون «٥» بحسن المواعيد.. وأبدا هذه حالتهم وهي كما قلنا «٦» : إن نابك الدهر بمكروهه ... قعش بتهوين تصانيفه فعن قريب ينجلى غيمه ... وتنقضى كلّ تصاريفه

стр. 1891

قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٨ الى ٩] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) من زرع الشوك لم يجن الورد، ومن أضاع حقّ الله لا يطاع في حظّ نفسه «١» . ومن اجترأ «٢» بمخالفة أمر الله فليصبر على مقاساة عقوبة الله. قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ١٠ الى ١١] أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) إنّ كتاب الله فيه تبيان لكلّ شىء.. فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى سعة فنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه «٣» . ومن يؤمن بالله، ويعمل صالحا لله، وفي الله، فله دوام النّعمى من الله.. قال تعالى: «قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً» . والرزق الحسن ما كان على حدّ الكفاية لا نقصان فيه تتعطّل الأمور بسببه، ولا زيادة فيه تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه. كذلك أرزاق القلوب. أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير

стр. 1892

نقصان يجعله يتعذّب بتعطّشه، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلّا بتأييد سماويّ من الله «١» . قوله جل ذكره: [سورة الطلاق (٦٥) : آية ١٢] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) خلق سبع سموات، وخلق ما خلق وهو محقّ فيما خلق وأمر، حتى نعلم استحقاق جلاله وكمال صفاته، وأنه أمضى فيما قضى حكما، وأنه أحاط بكل شىء علما.

стр. 1893

سورة التّحريم قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» . اسم عزيز يمهل من عصاه، فإذا رجع وناداه.. أجابه ولبّاه «١» فإن لم يتوسّل بصدق قدمه في ابتداء أمره ثم تنصّل بصدق ندمه في آخر عمره أوسعه غفرا «٢» ، وقبل منه عذرا، وأكمل له ذخرا، وأجزل له برّا. قوله جل ذكره: [سورة التحريم (٦٦) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) جاء في القصة: أن النبي ﷺ حرّم على نفسه مارية القبطية، وفي الحال حلف ألّا يطأها شهرا مراعاة لقلب حفصة حيث رأت النبي ﷺ معها في يومها «٣» . وقيل: حرّم على نفسه شرب العسل لمّا قالت له زوجاته، إنّا نشم منك ريح المغافير! - والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال: بقلة كريهة الرائحة ... فعاتبه الله على ذلك. وهي صغيرة منه على مذهب من جوّز الصغائر عليه، وترك للأولى على مذهب من لم يجوّز.

стр. 1894

وقيل: إنه طلّق حفصة طلقة واحدة، فأمره الله بمراجعتها، وقال له جبريل: إنها صوّامة قوّامة وقيل: لم يطلقها ولكن همّ بتطليقها فمنعه الله عن ذلك. وقيل: لمّا رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها: إنّى مسرّ إليك سرّا فلا تخبري أحدا: إنّ هذا الأمر يكون بعدي لأبى بكر ولأبيك. ولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة، وأوحى الله له بذلك، فسأل النبيّ حفصة: لم أخبرت عائشة بما قلت؟. فقالت له: ومن أخبرك بذلك؟ قال أخبرنى الله، وعرّف حفصة بعض ما قالت، ولم يصرّح لها بجميع ما قالت، قال تعالى: «عَرَّفَ «١» بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ» ، فعاتبها على بعض وأعرض عن بعض- على عادة الكرام. ويقال: إن النبي- ﷺ لمّا نزلت هذه الآية كان كثيرا ما يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك» . وظاهر هذا الخطاب «٢» عتاب على أنّه مراعاة لقلب امرأته حرّم على نفسه ما أحلّ الله له. والإشارة فيه: وجوب تقديم حقّ الله- سبحانه- على كل شىء في كل وقت. قوله جل ذكره: [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٢ الى ٣] قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) أنزل الله ذلك عناية بأمره ﵇، وتجاوزا عنه. وقيل: إنه كفّر بعتق رقبة، وعاود مارية.

стр. 1895

والله- سبحانه- أجرى سنّته بأنه إذا ساكن عبد بقلبه إلى أحد شوّش على خواصّه محلّ مساكنته غيرة على قلبه إلى أن يعاود ربّه، ثم يكفيه ذلك- ولكن بعد تطويل مدة، وأنشدوا في معناه: إذا علّقت روحى حبيبا تعلّقت ... به غير الأيام كى تسلبنّيه وقد ألقى الله في قلب رسوله ﷺ تناسيا بينه وبين زوجاته فاعتزلهن «١» ، وما كان من حديث طلاق حفصة، وما عاد إلى قلب أبيها، وحديث الكفاية، وإمساكه عن وطء مارية تسعا وعشرين ليلة ... كل ذلك غيرة من الحق عليه، وإرادته- سبحانه- تشويش قلوبهم حتى يكون رجوعهم كلّهم إلى الله تعالى بقلوبهم. قوله جل ذكره: [سورة التحريم (٦٦) : آية ٤] إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عاتبهما على السير من خطرات القلب، ثم قال: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ... » . «صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» من لم يكن منهم في قلبه نفاق، مثل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. وجاء: أن عمر بن الخطاب لما سمع شيئا من ذلك قال لرسول الله: لو أمرتنى لأضربنّ عنقها! «٢»
следующие страницы →