ويقال «الْأَوَّلُ» بالعناية، و «الْآخِرُ» بالهداية، و «الظَّاهِرُ» بالرعاية، و «الْباطِنُ» بالولاية.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالخلق، و «الْآخِرُ» بالرزق، و «الظَّاهِرُ» بالإحياء، و «الْباطِنُ» بالإماتة والإفناء.
قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» «١» .
ويقال: «الْأَوَّلُ» لا بزمان، و «الْآخِرُ» لا بأوان، و «الظَّاهِرُ» بلا اقتراب، و «الْباطِنُ» بلا احتجاب.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالوصلة، و «الْآخِرُ» بالخلّة، و «الظَّاهِرُ» بالأدلة، و «الْباطِنُ» بالبعد «٢» عن مشابهة الجملة «٣» .
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالتعريف، «وَالْآخِرُ» بالتكليف، «وَالظَّاهِرُ» بالتشريف «وَالْباطِنُ» بالتخفيف «٤» ويقال: «الْأَوَّلُ» بالإعلام، «وَالْآخِرُ» بالإلزام، «وَالظَّاهِرُ» بالإنعام «وَالْباطِنُ» بالإكرام.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بأن اصطفاك «وَالْآخِرُ» بأن هداك، «وَالظَّاهِرُ» بأن رعاك، «وَالْباطِنُ» بأن كفاك.
ويقال «٥» : من كان الغالب عليه اسمه «الْأَوَّلُ» كانت فكرته في حديث سابقته: بماذا سمّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حكمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟.
стр. 1822
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْآخِرُ» كانت فكرته فى: بماذا يختم له حاله؟ وإلام يصير ما له؟ أعلى التوحيد يخرج من دنياه أو- والعياذ بالله- فى النار غدا- مثواه؟
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الظَّاهِرُ» فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحسن الرعاية.
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْباطِنُ» كانت فكرته في استبهام أمره عليه فيتعثّر ولا يدرى.. أفضل ما يعامله به ربّه أم مكر ما يستدرجه به ربّه؟
ويقال: «الْأَوَّلُ» علم ما يفعله عباده ولم يمنعه علمه من تعريفهم، «وَالْآخِرُ» رأى ما عملوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم «وَالظَّاهِرُ» ليس يخفى عليه شىء من شأنهم، وليس يدع شيئا من إحسانهم «وَالْباطِنُ» يعلم ما ليس لهم به علم من خسرانهم ونقصانهم فيدفع «١» عنهم فنون محنهم وأحزانهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٤]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
مضى الكلام في ذلك.
«يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ» أي ما يدخل فيها من القطر، والكنوز، والبذور، والأموات الذين يدفنون فيها، «وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النبات وانفجار العيون وما يستخرج من المعادن.
«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» .
من المطر والأرزاق. أو ما يأتى به الملائكة من القضاء والوحى.
«وَما يَعْرُجُ فِيها» .
أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعات العباد، ودعوات الخلق، وصحف المكلّفين، وأرواح المؤمنين.
стр. 1823
«وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .
«وَهُوَ مَعَكُمْ» بالعلم والقدرة.
ويقال «١» : «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» إذا دفن العبد فالله سبحانه يعلم ما الذي كان فى قلبه من إخلاص في توحيده، ووجوه أحزانه خسرانه، وشكّه وجحوده، وأوصافه المحمودة والمذمومة.. ونحو ذلك مما يخفى عليكم.
«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة.
«وَما يَعْرُجُ فِيها» من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا علت.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٦]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
مضى معناه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٧]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)
صدّقوا بالله ورسوله، وتصدّقوا «مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» بتمليككم ذلك وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدّقوا على الوجه الذي أمروا به لهم ثواب عظيم فإنّ ما تحويه الأيدى معرّض للزوال، فالسّعيد من قدّم في دنياه ماله في الآخرة عمارة حاله، والشقيّ من سار فيما له في الآخرة وبال مآله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٨]
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .
стр. 1824
أي شىء لكم في ترككم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر والنشر، وقد أزاح العلّة بأن ألاح لكم الحجّة، وقد أخذ ميثاقكم وقت الذّرّ، وأوجب عليكم ذلك بحكم الشّرع.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٩]
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)
ليخرجكم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكّ إلى نور اليقين.
وكذلك يريهم في أنفسهم من الآيات بكشوفات السّرّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخير فيخرجهم من ظلمات التدبير «١» إلى سعة فضاء التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير.
وكذلك إذا أرادت النّفس الجنوح إلى الرّخص والأخذ بالتخفيف «٢» وما تكون عليه المطالبة بالأشقّ- فإن بادر إلى ما تدعوه الحقيقة إليه وجد في قلبه من النور ما يعلم به ظلمة هواجس النّفس «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٠]
وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)
ما في أيديكم ميراثه لله، وعن قريب سينقل إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقة والبدار إلى الطاعة وترك الإخلاد إلى الأمل.. ثم قال:
«لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
стр. 1825
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» .
لا يستوى منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك أعظم ثوابا وأعلى درجة من هؤلاء لأنّ حاجة الناس كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقّ على أصحابه «١» .
ثم قال: «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» إلّا أنّ فضيلة السّبق لهم، ولهذا قالوا:
السباق السباق قولا وفعلا ... حذّر النّفس حسرة المسبوق
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١١]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييبا لقلوبهم، فكأن المتصدّق وهو يقرض شيئا كالذى يقطع شيئا من ماله ليدفعه إلى المستقرض.
ويقال «يُقْرِضُ» أي يفعل فعلا حسنا، وأراد بالقرض الحسن هاهنا ما يكون من وجه حلال ثم عن طيب قلب، وصاحبه مخلص فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا منّ على الفقير، ولا يكدّره تطويل الوعد، ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.
ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حبّ الدارين «٢» ، ففى الخبر: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» «٣» ومن لم يتحرّر من شىء فخروجه عنه تكلّف «٤» .
стр. 1826
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٢]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
وهو نور يعطى للمؤمنين والمؤمنات بقدر أعمالهم الصالحة، ويكون لذلك النور مطارح شعاع يمشون فيها والنور يسعى بين أيديهم، ويحيط جميع جهاتهم.
ويقال: «وَبِأَيْمانِهِمْ» كتبهم.
«بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ» أي بشارتكم اليوم- من الله جنات. وكما أن لهم في العرضة هذا النور فاليوم لهم في قلوبهم وبواطنهم نور يمشون فيه، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال ﷺ : «المؤمن ينظر بنور الله» وقال تعالى: «فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ «١» .
وربما ينبسط ذلك النور على من يقرب منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب قهرا- ولأوليائه- لا محالة- هذه الخصوصية.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٣]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)
انتظرونا فنلحق بكم لنقتبس من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يعطون كتبهم وهم في النور، فإذا مرّوا ... انطفأ النور أمام المنافقين وسبق المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبس من نوركم. فيقول المؤمنون:
«قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً» أي إلى الدنيا وأخلصوا! - تعريفا لهم أنهم كانوا منافقين في الدنيا.
ويقال: ارجعوا إلى حكم الأزل فاطلبوا «٢» هذا من القسمة! - وهذا على جهة ضرب المثل والاستبعاد.
стр. 1827
«فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» .
«بسور: وهو جبل أصحاب الأعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجه الذي يلى المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٤]
يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)
ألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناكحة والمعاشرة؟.
قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم ...
«وَتَرَبَّصْتُمْ، وَارْتَبْتُمْ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» .
تربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغرّكم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٥]
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
النار مأواكم ومصيركم ومتقلبكم.
وهى «مَوْلاكُمْ» أي هي أولى بكم، وبئس المصير! ويقال: مخالفة الضمائر والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر «١» ، والأسرار لا تنكتم عند الاختبار قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٦]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)
стр. 1828
ألم يحن للذين آمنوا أن تتواضع قلوبهم وتلين لذكر الله وللقرآن وما فيه من العبر؟
وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؟ وأراد بهم اليهود، وكثير من اليهود فاسقون كافرون.
وأراد بطول الأمد الفترة التي كانت بين موسى ونبيّنا ﷺ ، وفي الخبر:
أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابتهم ملالة فقالوا: لو حدّثتنا.
فأنزل الله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ... » فبعد مدّة قالوا:
لو قصصت علينا! فأنزل الله تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ... » فبعد مدة قالوا: لو ذكّرتنا ووعظتنا! فأنزل الله تعالى هذه السورة.
وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء.
وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفوة لا تجتمعان فإذا حصلت الشهوة رحلت الصفوة. وموجب القسوة هو انحراف القلب عن مراقبة الربّ. ويقال: موجب القسوة أوّله خطرة فإن لمّ تتدارك صارت فكرة وإن لّم تتدارك صارت عزيمة، فإن لم تتدارك جرت المخالفة، فإن لم تتدارك بالتلافى صارت قسوة وبعدئذ تصير طبعا ورينا «١» قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٧]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)
يحيى الأرض بعد موتها بإنزال المطر عليها وإخراج النّبت منها.
стр. 1829
ويحيى القلوب الميتة- بعد إعراض الحقّ عنها- بحسن إقباله عليها «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٨]
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)
أي المتصدقين والمتصدقات.
«وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» : يعنى في النوافل.
«يُضاعَفُ لَهُمْ» فى الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها.. إلى ما شاء الله «وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ» : ثواب كبير حسن. والثواب الكريم أنّه لا يضن بأقصى الأجر على الطاعة- وإن قلّت.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٩]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
الصدّيقون: مبالغة في الصدق، والشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء- لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة.
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» .
والصدّيق من استوى ظاهره وباطنه.
ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشقّ، ولا ينزل إلى الرّخص، ولا يجنح للتأويلات.
والشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، «وَنُورُهُمْ» : ما كحل الحقّ به بصائرهم من أنوار التوحيد.
стр. 1830
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٠]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
الحياة الدنيا معرّضة للزوال، غير لابثة ولا ماكثة، وهي في الحال شاغلة عن الله، مطمعة «١» وغير مشبعة، وتجرى على غير سنن الاستقامة كجريان لعب «٢» الصبيان، فهى تلهى عن الصواب واستبصار الحقّ، وهي تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد.
«كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً» .
الكفار: الزّرّاع.
هو في غاية الحسن ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف، ثم ينتهى إلى أن يتحطّم ويتكسّر.
«وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ» .
لأهله من الكفّار.
«وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ» .
لأهله من المؤمنين.
«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» .
الدنيا حقيرة- وأحقر منها قدرا طالبها وأقلّ منه خطرا المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة وطالب الجيفة ليس له خطر. وأخس أهل الدنيا من بخل بها.
وهذه الدنيا المذمومة هي التي تشغل العبد عن الآخرة!
стр. 1831
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢١]
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
أي سارعوا إلى عمل يوجب لكم مغفرة من ربّكم، وذلك العمل هو التوبة.
«وَجَنَّةٍ عَرْضُها ... » ذكر عرضها ولم يذكر طولها فالطول على ما يوافيه العرض.
«أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» : وفي هذا دليل على أنّ الجنة مخلوقة «١» .
«ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .
وفي ذلك ردّ على من يقول: «إن الجنة مستحقّة على الطاعات، ويجب على الله إيصال العبد إليها» «٢» .. لأن الفضل لا يكون واجبا.
ويقال: لمّا سمعت أسرار المؤمنين «٣» هذا الخطاب «٤» ابتدرت الأرواح مقتضية المسارعة من الجوارح، وصارت الجوارح مستجيبة للمطالبة، مستبشرة برعاية حقوق الله لأنها علمت أن هذا الاستدعاء من جانب الحقّ سبحانه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٢]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)
المصيبة حصلة «٥» تقع وتحصل. فيقول تعالى: لا يحصل في الأرض ولا في أنفسكم شىء
стр. 1832
إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العلم، وحقّ فيه الحكم فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ.
فكلّ ما حصل في الأرض من خصب أو جدب، من سعة أو ضيق، من فتنة أو استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور، من حياة أو موت كلّ ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل.
وفي قوله: «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» دليل على أن أكساب العباد مخلوقة لله سبحانه. وللعبد فى العلم بأنّ ما يصيبه: من بسط وراحة وغير ذلك من واردات القلوب من الله- أشدّ السرور وأتمّ الأنس حيث علم أنه أفرد بذلك بظهر غيب منه، بل وهو في كنز العدم، ولهذا قالوا:
سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا «١»
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٣]
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)
عدم الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رقّ النّفس، فقيمة الرجال تتبين بتغيّرهم- فمن لم يتغير بما يرد عليه- مما لا يريده- من جفاء أو مكروه أو محنة فهو كامل، ومن لم يتغيّر بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارّ، ولا يسرّه الوجود كما لا يحزنه العدم- فهو سيّد وقته «٢» .
ويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد فالتغيّر علامة بقاء النّفس بأيّ وجه كان:
«وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» .
стр. 1833
فالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها «١» ، والفخر (ناتج) «٢» عن رؤية ما به يفتخر.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٤]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
بخلوا بكتمان صفة نبيّنا ﷺ وأمروا أتباعهم بذلك، وذلك لمّا خافوا من كساد سوقهم وبطلان رياستهم.
«ومن يتولّ.. عن الإيمان، أو إعطاء الصّدقة «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» .
والبخل- على لسان العلم- منع الواجب «٣» ، فأمّا على بيان هذه الطائفة «٤» فقد قالوا:
البخل رؤية قدر للأشياء، والبخيل الذي يعطى عند السؤال «٥» ، وقيل: من كتب على خاتمه اسمه فهو بخيل «٦» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٥]
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
أي أرسلناهم مؤيّدين بالحجج اللائحة والبراهين الواضحة، وأزحنا العلّة لمن أراد سلوك الحجّة المثلى، ويسّرنا السبيل على من آثر اتّباع الهدى. وأنزلنا معهم الكتب المنزّلة، و «الْمِيزانَ» : أي الحكم بالقرآن، واعتبار العدل والتسوية بين الناس.
«لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» : فلا يظلم أحد أحدا.
стр. 1834
قوله جل ذكره: «وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» .
«أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ» : أي خلقنا الحديد.
ونصرة الله هي نصرة دينه، ونصرة الرسول باتّباع سنّته.
«إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» : أقوى من أن ينازعه شريك، أو يضارعه في الملك مليك، وأعزّ من أن يحتاج إلى ناصر.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)
أي: أرسلنا نوحا، ومن بعده إبراهيم، وجعلنا من نسلهما النبوّة والكتاب.
«فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ» .
أي: مستجيب.
«وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .
خرجوا عن الطاعة.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٧]
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)
أي: أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم.
«وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» .
بيّن أنّه لم يأمرهم بالرهبانيّة «١» بل هم الذين ابتدعوها
стр. 1835
ثم قال:
«إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» .
هم الذين انفردوا بما عقدوه معنا (أن يقوموا بحقّنا) «١» «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)
نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا.
«كِفْلَيْنِ» : أي نصيبين نصيبا على الإيمان بالله، وآخر على تصديقهم وإيمانهم بالرّسل.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٩]
لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
ومعناه: يعلم أهل الكتاب، و «لا» صلة. أي: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شىء من فضل الله «٢» ، فإن الفضل بيد الله. و «اليد» هنا بمعنى: القدرة، فالفضل بقدرة الله.
стр. 1836
والإشارة في هذا: اتّقوا الله بحفظ الأدب معه، ولا تأمنوا مكره أن يسلبكم ما وهبكم من أوقاتكم. وكونوا على حذر من بغتات تقديره في تغيير ما أذاقكم من أنس محبته.
واتّبعوا السّفراء والرّسل، وحافظوا عل اتّباعهم حتى يؤتيكم نصيبين من فضله:
عصمة ونعمة فالعصمة من البقاء عنه، والنعمة هي البقاء به.
ويقال: يؤتكم نصيبين: نصيبا من التوفيق في طلبه، ونصيبا من التحقيق في وجوده «١»
стр. 1837
سورة المجادلة
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من عرفها بذل الرّوح في طلبها- وإن لم يحظ بوصولها، كلمة من طلبها اكتفى بالطلب من «١» قبولها.
كلمة جبّارة لا تنظر إلى كلّ أحد، كلمة قهّارة لا يوجد من دونها ملتحد.
كلمة منها بلاء الأحباب- لكن بها شفاء الأحباب.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)
لمّا صدقت «٢» فى شكواها إلى الله وأيست من استكشاف ضرّها من غير الله أنزل الله في شأنها: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ..» .
تضرّعت إلى الله، ورفعت قصّتها إلى الله، ونشرت غصّتها «٣» بين يدى الله- فنظر إليها الله، وقال: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» .
ويقال: صارت فرجة «٤» ورخصة للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظّهار «٥» ، وليعلم العالمون أنّ أحدا لا يخسر على الله.
وفي الخبر: أنها قالت: يا رسول الله، إنّ أوسا تزوّجنى شابّة غنية ذات أهل،
стр. 1838
ومال كثير، فلما كبرت سنّى «١» ، وذهب مالى، وتفرّق أهلى جعلنى عليه كظهر أمّه، وقد ندم وندمت، وإنّ لى منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فقال لها الرسول ﷺ فى رواية-: ما أمرت بشىء في شأنك.
وفي رواية أخرى أنه قال لها: بنت عنه (أي حرمت عليه) .
فترددت إلى رسول الله (ص) فى ذلك، وشكت.. إلى أن أنزل الله حكم الظّهار.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)
قول الذين يقولون لنسائهم- جريا على عادة أهل الشّرك- أنت عليّ كظهر أمي ...
هذا شىء لم يحكم الله به ولا هذا الكلام في نفسه صدق، ولم يثبت فيه شرع، وإنما هو زور محض وكذب صرف.
فعلم الكافة أن الحقائق بالتلبيس لا تتعزّز «٢» والسّبب إذا لم يكن صحيحا فبالمعاودة لا يثبت فالمرأة لمّا سمعت من رسول الله (ص) قوله: بنت عنه- كان واجبا عليها السكون والصبر ولكنّ الضرورة أنطقتها وحملتها على المعاودة، وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيرا من الأشياء يحكم فيها ظاهر العلم بشىء ثم تغيّر الضرورة ذلك الحكم لصاحبها «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٣]
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)
стр. 1839
الظّهار- وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق أو دلالة شرع، فإنه بعد ما رفع أمره إلى الرسول (ص) ولوّح بشىء ما، وقال فيه حكمه، لم يخل الله ذلك من بيان ساق به شرعه فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كلّه.
فارتفاع الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي ﷺ ، والتحاكم لديه حمّل المتعدّى عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقّها، وكان سبيلا لتحديد المسألة برمّتها.. وهكذا فإنّ كلّ صعب إلى زوال.. وكلّ ليلة- وإن طالت- فإلى إسفار «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٥]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)
الذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعة رسول الله أذلّوا وخذلوا، كما أذلّ الذين من قبلهم من الكفّار والعصاة.
وقد أجرى الله سنّته بالانتقام من أهل الإجرام فمن ضيّع للرسول سنّة، وأحدث فى دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذّلّ.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٦]
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)
يقال: إذا حوسب أحد في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكّره، حتى كأنه قائم فى تلك الحالة عن بساط الزّلّة، فيقع عليه من الخجل والنّدم ما ينسى في جنبه كلّ عقوبة.
стр. 1840
فسبيل المسلم ألا يحوم حول مخالفة أمر مولاه، فإن جرى المقدور ووقع في هجنة التقصير فلتكن زلّته على بال، وليتضرع إلى الله بحسن الابتهال.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٧]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
معيّة الحقّ- سبحانه- وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى الخصوص بالفضل والنصرة- فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم، ولهم إلى أن ينتهى الأمر بهم إلى التولّه «١» فالوله فالهيمان في غمار سماع هذا عيش راغد.
ويقال: أصحاب الكهف- وإن جلّت رتبتهم واختصت من بين الناس مرتبتهم- فالحقّ سبحانه يقول: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» «٢» ولمّا انتهى إلى هذه الآية قال: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ ... » فشتّان بين من رابعه كلبه وبين من رابعه ربّه!! ويقال: أهل التوحيد، وأصحاب العقول من أهل الأصول يقولون: الله واحد لا من طريق العدد «٣» ، والحقّ يقول: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ... » ويقال: حيثما كنت فأنا معك إن كنت في المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا معك، إن طلب العلماء
стр. 1841
التأويل «١» وشوّشوا قلوب أولى المواجيد فلا بأس- فأنا معهم.
إن حضرت المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وعدا، وإن أتيت المصطبة فأنا معك بالرحمة وإسبال ستر المغفرة ولكن نقدا.
هبك تباعدت وخالفتنى ... تقدر أن تخرج عن لطفى؟!
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)
آذوا قلوب المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم «٢» ، ولم تكن في تناجيهم فائدة إلا قصدهم بذلك شغل قلوب المؤمنين، ولم ينتهوا عنه لمّا نهوا عنه، وأصرّوا على ذلك ولم ينزجروا، فتوعّدهم الله على ذلك، وتكون عقوبتهم بأن تتغامز الملائكة في بابهم فيما بينهم، وحين يشاهدون ذلك تترجّم ظنونهم، ويتعذّبون بتقسّم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحال لهم إلّا بما يزيدهم حزنا على حزن، وأسفا على أسف.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)
إنما قبح ذلك منهم وعظم الخطر لأنه تضمّن إفساد ذات البين، وخير الأمور ما عاد بإصلاح ذات البين، وبعكسه إذا كان الأمر بضدّه.
стр. 1842
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٠]
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
النجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدة غالبة، والقلوب حاضرة، والتوكل صحيحا والنظر من موضعه صائبا فلا تأثير لمثل هذه الحالات، وإنما هذا للضعفاء.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)
«١» لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علّمهم مراعاة حسن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة (دون أحكام العبادة) «٢» فى التفسّح في المجالس والنظام في حال الزّحمة والكثرة ...
وأعزز بأقوام أمرهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقّقهم بأركانه! قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
«٣» لمّا كان الإذن في النجوى مقرونا ببذل المال امتنعوا وتركوا، وبذلك ظهرت جواهر
стр. 1843
الأخلاق ونقاوة الرجال- ولقد قال تعالى: «وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ» «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ١٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)
من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو الغضبان فمن تولّ مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هوانا وخسرانا.
«وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» هذا وصف للمنافقين «اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً» أي وقاية وسترا ومن استتر بجنّة طاعته لتسلم له دنياه فإنّ سهام التقدير من ورائه تكشفه من حيث لا يشعر.. فلا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم، ولقد قال تعالى: «لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٨]
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)
عقوبتهم الكبرى ظنّهم أنّ ما عملوا مع الخلق يتمشّى أيضا في معاملة الحقّ، ففرط الأجنبية وغاية الجهل أكبّتهم على مناخرهم في وهدة ندمهم.
стр. 1844
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٩]
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)
إذا استحوذ الشيطان على عبد أنساه ذكر الله.
والنّفس إذا استولت على إنسان أنسته الله.
ولقد خسر حزب الشيطان، وأخسر منه من أعان نفسه- التي هي أعدى عدوّه، إلّا بأن يسعى في قهرها لعله ينجو من شرّها.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢٠]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)
من أرمته شقوته لم تنعشه قوّته، ومن قصمه التقدير لم يعصمه التدبير، ومن استهان بالدّين انخرط في سلك الأذلّين.
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢١]
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)
الذي ليس له إلا التدبير ... كيف تكون له مقاومة مع التقدير؟ «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢٢]
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
من جنح إلى منحرف عن دينه، أو داهن مبتدعا في عهده نزع الله نور التوحيد من قلبه فهو في خيانته جائر على عقيدته، وسيذوق قريبا وبال أمره.
«أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» .
خلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته، ويقال: جعل قلوبهم مطرّزة باسمه ... وأعزز بحلّة لأسرار قوم طرازها اسم «الله» !!
стр. 1845
سورة الحشر
«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز- الكون بجملته في طلبه.. وهو عزيز.
الشموس والأقمار والنجوم، والليل والنهار، وجميع ما خلق الله من الأعيان والآثار متنادية على أنفسها: نحن عبيده ... نحن عبيد من لم يزل.. نريد من لم يزل.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
قدّس الله ونزّهه كلّ شىء خلقه فكلّ ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، ولمن أراد أن يعرف إلهيته طريقا وسبيلا.
أتقن «٢» كلّ شىء وذلك دليل علمه وحكمته، ورتّب كلّ شىء، وذلك شاهد على مشيئته وإرادته.
«وَهُوَ الْعَزِيزُ» فلا شبيه يساويه، ولا شريك له في الملك ينازعه ويضاهيه.
«الْحَكِيمُ» الحاكم الذي لا يوجد في حكمه عيب، ولا يتوجّه عليه عتب «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢]
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)
هم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبيّ (ص) ألّا يكونوا عليه، ثم بعد أحد نقضوا
стр. 1846
العهد، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة، فأخبر الله تعالى رسوله بذلك، فبعث صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصّدقة. وكان رئيسهم كعب ابن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة (غيلة) ، وغزاهم «١» رسول الله (ص) وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان المسلمون يتوقّعون الظّفر عليهم لكثرتهم، ولمنعة حصونهم.
وظلّوا يهدمون دورهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون أشجارهم ليسدوا النقب، فسمّوا أول الحشر، لأنهم أول من أخرج من جزيرة العرب وحشر إلى الشام.
قال جل ذكره: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» .
كيف نصر المسلمين- مع قلّتهم- عليهم- مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونهم إذا كانت الدائرة عليهم. وإذا أراد الله قهر عدوّ استنوق «٢» أسده.
ومن مواضع العبرة في ذلك ما قاله: «ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا» بحيث داخلتكم الرّيبة فى ذلك لفرط قوّتهم- فصانهم بذلك عن الإعجاب.
ومن مواضع العبرة في ذلك أيضا ما قاله «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ» فلم يكن كما ظنّوه- ومن تقوّ بمخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره «٣» ومذلّته.
ومن الدلائل الناطقة ما ألقى في قلوبهم من الخوف والرّعب، ثم تخريبهم بيوتهم بأيديهم علامة ضعف أحوالهم، وبأيدى المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم الغلبة عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.
هذا كلّه لا بدّ أن يحصل به الاعتبار- والاعتبار أحد قوانين الشّرع.
ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره.
стр. 1847
ويقال: يخرّبون بيوتهم بأيديهم، وقلوبهم باتّباع شهوات نفوسهم، ودينهم بما يمزجونه به من البدع.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٣]
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣)
لولا أن قضى الله عليهم أن يخرجوا لعذّبهم الله بالقتل والاستئصال «١» ، ثم في الآخرة لهم عذاب النار.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٤]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)
ذلك بأنهم خالفوا أمر الله. والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شقّ آخر.
فالعاصى إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقّ الله، ولمن شاقّ الله عذاب النار.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٥]
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)
اللّينة: كلّ نوع من النخيل ما عدا العجوة والبرنيّ «٢» .
لمّا أمر رسول الله ﷺ بقطع بعض نخيل بنى النضير قالت اليهود:
ما فائدة هذا؟!.
فبقى المسلمون عن الجواب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضّح أن ذلك بإذن الله.
فانقطع الكلام.
وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معلّلة، وأنّ الأمر الشرعيّ إذا جاء بطل التعليل،
стр. 1848
وسكتت الألسنة عن المطالبة ب «لم؟» وخطور الاعتراض أو الاستقباح خروج عن حدّ العرفان. والشيوخ.
قالوا: من قال لأستاذه وشيخه «١» : «لم؟» لا يفلح. وكلّ مريد يكون لأمثال هذه الخواطر في قلبه جولان لا يجىء منه شىء. ومن لم يتجرّد قلبه من طلب التعليل، ولم يباشر حسن الرضا بكلّ ما يجرى واستحسان ما يبدو من الغيب لسرّه وقلبه- فليس من الله فى شىء.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٦ الى ٧]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)
يريد بذلك أموال بنى النضير «٢» ، فقد كانت من جملة الفيء لا من الغنيمة فالفىء ما صار إلى المسلمين من أموال الكفّار من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب، وتدخل في جملته أموالهم إذا ماتوا وصارت إلى بيت المال. والغنيمة ما كانت بقتال وإيجاف خيل وركاب.
وقد خصّ رسول الله (ص) بأموال هؤلاء فقراء المهاجرين، واستأثر لنفسه بما شاء، فطابت نفوس الأنصار بذلك، وشكر الله لهم. ذلك لأن تحرّر القلب من الأعواض والأملاك صفة السادة «٣» والأكابر. ومن أسرته الأخطار وبقي في شحّ نفسه فهو في تضييقه وتدنيقه، وهو فى مصادقته ومعاملته ومطالبته مع الناس دائما يبحث في استيفاء حظوظه- وهذا ليس له من مذاقات هذه الطريقة «٤» شىء.
стр. 1849
وأهل الصفاء لم تبق عليهم من هذه الأشياء بقية، وأمّا من بقي عليه منها شىء فمترسّم «١» سوقيّ.. لا متحقّق صوفيّ.
قوله جل ذكره: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» هذا أصل من أصول وجوب متابعته، ولزوم طريقته وسيرته- وفي العلم تفصيله.
والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر وما يكاشف به من الأحوال على العلم- فما لا يقبله الكتاب والسّنّة فهو في ضلال «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٨]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)
يريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدار مائة رجل.
«يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ» وهو الرزق «وَرِضْواناً» بالثواب في الآخرة.
وينصرون دين الله، «أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» : والفقير الصادق هو الذي يترك كلّ سبب وعلاقة، ويفرغ أوقاته لعبادة الله، ولا يعطف «٣» بقلبه على شىء سوى الله، ويقف مع الحقّ راضيا بجريان حكمه فيه.
стр. 1850
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٩]
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)
نزلت هذه الآية في الأنصار. «تَبَوَّؤُا الدَّارَ» أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين..
«يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ» من أهل مكة.
«وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً» مما خصّص به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم على ذلك، ولا يعترضون بقلوبهم على حكم الله بتخصيص المهاجرين، حتى لو كانت بهم حاجة أو اختلال أحوال.
«وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .
قيل نزلت الآية «١» فى رجل منهم أهديت له رأس شاة فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول.
وقيل نزلت في رجل منهم نزل به ضيف فقرّب منه الطعام وأطفأ السراج ليوهم ضيفه أنه يأكل، حتى يؤثر به الضيف على نفسه وعلى عياله، فأنزل الله الآية في شأنه «٢» .
ويقال: الكريم من بنى الدار لضيفانه وإخوانه (واللئيم من بناها لنفسه) «٣» .
وقيل: لم يقل الله: ومن يتّق شحّ نفسه بل قال: ومن يوق شحّ نفسه «٤» .
ويقال: صاحب الإيثار يؤثر الشبعان على نفسه- وهو جائع.
стр. 1851
ويقال: من ميّز بين شخص وشخص فليس بصاحب إيثار حتى يؤثر الجميع دون تمييز.
ويقال: الإيثار أن ترى أنّ ما بأيدى الناس لهم، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذن فيها.
ويقال: من رأى لنفسه ملكا فليس من أهل الإيثار.
ويقال: العابد يؤثر بدنياه غيره، والعارف يؤثر بالجنة غيره «١» .
وعزيز من لا يطلب من الحقّ لنفسه شيئا: لا في الدنيا من جاه أو مال، ولا في الجنّة من الأفضال، ولا منه أيضا ذرّة من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال «٢» .
... وهكذا وصف الفقير يكون بسقوط كلّ أرب.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٠]
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)
أي والذين هاجروا من بعدهم، ثم أجيال المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة..
كلّهم يترّحمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريق الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعل لأحد من المسلمين في قلوبهم غلّا أي حقدا. ومن «٣» لا شفقة له على جميع المسلمين فليس له نصيب من الدّين.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)
стр. 1852
يريد بهم منافقى المدينة ظاهروا بنى النضير وقريظة، وعاهدوهم على الموافقة بكلّ وجه، فأخبر الله- سبحانه- أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه، وأخبر أنّهم لا يتناصرون، وأنّهم يتخاذلون، ولئن ساعدوهم في بعض الحروب فإنهم يتخاذلون إن رأوهم ينهزمون أمام من يجاهدونهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٣]
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣)
أخبر- سبحانه- أن المسلمين أشدّ رهبة في صدورهم من الله «١» ، وذلك لقلّة يقينهم، وإعراض قلوبهم عن الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٤]
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)
أخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلّا مخاتلة، أو من وراء جدران.
وإنما يشتدّ بأسهم فيما بينهم، أي إذا حارب بعضهم بعضا، فأمّا معكم ... فلا.
«تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» .
اجتماع النفوس- مع تنافر القلوب واختلافها- أصل كلّ فساد، وموجب كلّ تخاذل، ومقتضى تجاسر العدوّ.
стр. 1853
واتفاق القلوب والاشتراك في الهمّة والتساوي في القصد يوجب كلّ ظفر وكلّ سعادة.. ولا يكون ذلك للأعداء قطّ فليس فيهم إلا اختلال كلّ حال، وانتقاض كلّ شمل.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٥]
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
مثل بنى قريظة كمثل بنى النضير «١» ذاق النضير وبال أمرهم قبل قريظة بسنة «٢» وذاق قريظة بعدهم وبال أمرهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٦]
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)
أي مثل هؤلاء المنافقين مع النضير- فى وعدهم بعضهم لبعض بالتناصر- كمثل الشيطان «إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ ... » .
وكذلك أرباب الفترة وأصحاب الزّلّة وأصحاب الدعاوى.. هؤلاء كلّهم في درجة واحدة فى هذا الباب- وإن كان بينهم تفاوت- لا تنفع صحبتهم في الله قال تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» «٣» وكلّ أحد- اليوم- يألف شكله فصاحب الدعوى إلى صاحب الدعوى، وصاحب المعنى إلى صاحب المعنى.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) .
стр. 1854
التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفكر في العمل خيره وشرّه «١» .
والتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة، ومن لا محاسبة له في أعماله ولا مراقبة له في أحواله.. فعن قريب سيفتضح «٢» .
وعلامة من نظر لغده أن يحسن مراعاة يومه ولا يكون كذلك إلّا إذا فكّر فيما عمله فى أمسه والناس في هذا على أقسام: مفكّر في أمسه: ما الذي قسم له في الأزل؟ وآخر مفكّر فى غده: ما الذي يلقاه؟؟ وثالث مستقل بوقته فيما يلزمه في هذا الوقت فهو مصطلم عن شاهده موصول بربّه، مندرج في مذكوره «٣» لا يتطلّع لماضيه ولا لمستقبله، فتوقيت الوقت يشغله عن وقته «٤» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)
تركوا طاعته فتركهم في العذاب وهو الخذلال حتى لم يتوبوا.. أولئك هم الفاسقون» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٠]
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
لا يستوى أهل الغفلة مع أهل الوصلة.
وأصل كلّ آفة نسيان الربّ، ولولا النسيان لما حصل العصيان، والذي نسى أمر نفسه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته، ويسوّف فيما يلزمه به الوقت من طاعته.
стр. 1855
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢١]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
أي لو كان للجبل عقل وصلاح فكر وسرّ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخضع وخشع.
ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ» «١» ويدل عليه أيضا قوله:
«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ» : ليعقلوا ويهتدوا، أي بذلك أمرناهم، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن.
ويقال: ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم، بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه إيّاهم بالقوة فقال: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ» لم يطق ولخشع- وهؤلاء خصصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابى «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٢]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
«الْغَيْبِ» : ما لا يعرف بالضرورة، ولا يعرف بالقياس من المعلومات «٣» . ويقال: هو ما استأثر الحقّ بعلمه، ولم يجعل لأحد سبيلا إليه.
«وَالشَّهادَةِ» : ما يعرفه الخلق.
وفي الجملة: لا يعزب عن علمه معلوم.
стр. 1856
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٣]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)
الملك: ذو القدرة على الإيجاد.
القدوس: المنزّه عن الآفة والنقص.
السلام: ذو السلامة من النقائص، الذي يسلّم على أوليائه، والذي سلم المؤمنون من عذابه.
المؤمن: الذي يصدق عبده في توحيده فيقول له: صدقت يا عبدى.
والذي يصدّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق.
ويكون بمعنى المصدق لوعده. ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يؤمّنهم من عقوبته.
المهيمن: الشاهد، وبمعنى الأمين، ويقال مؤيمن (مفيعل) من الأمن قلبت همزته هاء وهو من الأمان، ويقال بمعنى المؤمن.
العزيز: الغالب الذي لا يغلب، والذي لا مثيل له، والمستحق لأوصاف الجلال، وبمعنى: المعزّ لعباده. والمنيع الذي لا يقدر عليه أحد.
الجبّار: الذي لا تصل إليه الأيدى. أو بمعنى المصلح لأمورهم من: جبر الكسر. أو بمعنى القادر على تحصيل مراده «١» من خلقه على الوجه الذي يريده من: جبرته على الأمر وأجبرته.
المتكبر: المتقدّس عن الآفات.
قوله جل ذكره:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٤]
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) .
стр. 1857
هو المنشئ للأعيان والآثار.
«لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» : المسمّيات الحسان.
«وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» : مضى معناهما، وقد استقصينا الكلام في معانى هذه الأسماء (فى كتابنا المسمّى: «البيان والأدلة في معانى أسماء الله تعالى» ) «١» .
стр. 1858
سورة الممتحنة
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك لا أصل لملكه عند حدث ولا نسل له، فعنه يرث. ملك لا يستظهر بجيش وعدد، ولا يتعزّز بقوم وعدد. ملك للخلق «١» بأجمعهم- لكنه اختار قوما- لا لينتفع بهم- بل لنفعهم، وردّ آخرين وأذلّهم بمنعهم ووضعهم:
قوله جل ذكره:
[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)
«٢» قال ﷺ : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك «٣» وأوحى الله سبحانه إلى داود ﵇: «عاد نفسك فليس لى في المملكة منازع غيرها» . فمن عادى نفسه فقد قام بحقّ الله، ومن لم يعاد نفسه لحقته هذه الوصمة. وأصل الإيمان الموالاة والمعاداة في الله ومن جنح إلى الكفار أو إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم.
стр. 1859
قوله جل ذكره: «وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» .
أنا أعلم «بِما أَخْفَيْتُمْ» من دقائق التصنّع وخفيّات الرياء.
«وَما أَعْلَنْتُمْ» من التزيّن للناس.
«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الاستسرار بالزّلة، «وَما أَعْلَنْتُمْ» ، من الطاعة والبرّ.
«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الخيانة «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمانة.
«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الغلّ والغشّ للناس، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الفضيحة للناس.
«بِما أَخْفَيْتُمْ» من ارتكاب المحظورات، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمر بالمعروف.
«بِما أَخْفَيْتُمْ» من ترك الحشمة منى وقلة المبالاة باطّلاعى، وما أعلنتم من تعليم الناس ووعظهم.
«وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» فقد حاد عن طريق الدين، ووقع فى الكفر.
قوله جل ذكره:
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٢ الى ٣]
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
إن يظفروا بكم وصادفوكم يكونوا لكم أعداء، ولن تسلموا من أيديهم بالسوء ولا من ألسنتهم بالذمّ وذكر القبيح.
«وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» : ولن ينفعكم تودّدكم وتقرّبكم إليهم، ولا ما بينكم وبينهم من الأرحام. ثم عقوبة الآخرة تدرككم «١» .
стр. 1860
وكذلك صفة المخالف، ولا ينبغى للمرء أن يتعطّش إلى عشيرته- وإن داهنته في قالة، ولا أن ينخدع بتغريرها- وإن لا ينته في حالة قوله جل ذكره:
[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ٤]
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)
أي لكم قدوة حسنة بإبراهيم ومن قبله من الأنبياء حيث تبرّءوا من الكفار من أقوامهم فاقتدوا بهم.. إلّا استغفار إبراهيم لأبيه- وهو كافر- فلا تقتدوا به.
ولا تستغفروا للكفار. وكان إبراهيم قد وعده أبوه أنه يؤمن فلذلك كان يستغفر له، فلمّا تبيّن له أنه لن يؤمن تبّرأ منه ويقال: كان منافقا.. ولم يعلم إبراهيم ذلك وقت استغفاره له.
ويقال: يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أنّ الله لا يغفر للكفار.
والفائدة في هذه الآية تخفيف الأمر على قلب الرسول ﷺ والمؤمنين بتعريفهم أنّ من كانوا قبلهم حين كذّبوا بأنبيائهم أهلكهم الله، وأنهم صبروا، وأنه ينبغى لذلك أن يكون بالصبر أمرهم.
قوله جل ذكره: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» .
أخبر أنهم قالوا ذلك.
ويصحّ أن يكون معناه: قولوا: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا» .
وقد مضى القول في معنى التوكل والإنابة.