سورة الجنّ
«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز به أقرّ من أقرّ بربوبيته، وبه أصرّ من أصرّ على معرفته، وبه استقرّ من استقرّ من خليقته، وبه ظهر ما ظهر من مقدوراته، وبه بطن ما بطن من مخلوقاته «٢» فمن جحد فبخذلانه «٣» وحرمانه، ومن وحد «٤» فبإحسانه وامتنانه.
قوله جل ذكره:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦)
قيل: إن الجنّ كانوا يأتون السماء فيستمعون إلى قول الملائكة، فيحفظونه، ثم يلقونه إلى الكهنة، فيزيدون فيه وينقصون.. وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيّنا ﷺ وبين عيسى ﵇. فلمّا بعث نبيّنا ﷺ ورجموا بالشّهب علم إبليس أنه وقع شىء «٥» ففرّ جنوده، فأتى تسعة منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته ﷺ فآمنوا، ثم آتوا قومهم وقالوا: إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ...
إلى آخر الآيات.
(وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ..» ) «٦»
стр. 1927
قوله جل ذكره: «وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً» الجدّ العظمة، والعظمة استحقاق نعوت الجلال.
«وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً» أراد بالسفيه الجاهل بالله يعنى إبليس. والشطط السّرف.
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً» فى كفرهم وكلمتهم بالشّرك.
«وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» أي ذلة وصغار فالجنّ زادوا للانس ذلّة ورهقا «١» (فكانوا إذا نزلوا يقولون: نعوذ بربّ هذا الوادي فيتوهم الجنّ أنهم على شىء فزادوهم رهقا) «٢» حيث استعاذوا بهم.
قوله جل ذكره: «وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً» أي ظنّوا كما ظنّ الكفار من الجن ألّا بعث ولا نشور- كما ظننتم أيها الإنس.
«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» يعنى حين منعوا عن الاستماع.
«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» .
стр. 1928
فالآن قد منعنا.
«وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» الاستقامة على الطريقة تقتضى إكمال النعمة وإكثار الراحة. والإعراض عن الله يوجب تنغص العيش ودوام العقوبة.
قوله جل ذكره:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٨ الى ١٩]
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩)
للمسجد فضيلة، ولهذا خصّه الله سبحانه وأفرده بالذكر من بين البقاع فهو محلّ العبادة..
وكيف يحلّ العابد عنده إذا حلّ محلّ قدمه «١» ؟!.
ويقال: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها، أخبر أنها لله، فلا تعبدوا بما لله غير الله.
قوله جل ذكره: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» لما قام عبد الله يعنى محمدا ﵇ يدعو الخلق إلى الله كاد الجنّ والإنس يكونون مجتمعين عليه، يمنعونه عن التبليغ، قل يا محمد:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣)
لا أقدر أن أدفع عنكم ضرّا، أو أسوق لكم خيرا.. فكلّ شىء من الله. ولن أجد من دونه ملتجأ إلا:
стр. 1929
«إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ» فلن ينجّينى من الله إلا تبليغى رسالاته بأمره.
«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» .
قوله جل ذكره:
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
أي: لا أدرى ما توعدون من العقوبة، ومن قيام الساعة أقريب أم بعيد؟ فكونوا على حذر. ويجب أن يتوقّع العبد العقوبات أبدا مع مجارى الأنفاس ليسلم من العقوبة.
قوله جل ذكره: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» فيطلعه بقدر ما يريده.
«لِيَعْلَمَ «١» أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» أرسل مع الوحى ملائكة قدّامه وخلفه.. هم ملائكة حفظة، يحفظون الوحى من الكهنة والشياطين، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالات التي يحملها ... والله يعلم ذلك، وأحاط علمه به.
стр. 1930
سورة المزمّل
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» : الحادثات بالله حصلت، فقلوب العارفين بالله عرفت ما عرفت وأرواح الصّديقين بالله ألفت من ألفت وفهوم الموحّدين بساحات جلاله وقفت، ونفوس العابدين بالعجز عن استحقاق عبادته اتّصفت وعقول الأولين والآخرين بالعجز عن معرفة جلاله اعترفت.
قوله جل ذكره:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥)
أي: المتزمل المتلفّف في ثيابه. وفي الخبر: أنه كان عند نزول هذه الآية عليه مرطّ من شعر ووبر، وقالت عائشة رضى الله عنها: كان نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله وهو يصلّى، وطول المرط أربعة عشر ذراعا «١» .
«نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» قم الليل إلا قليلا، نصفه بدل منه أي: قم نصف الليل، وأنقص من النصف إلى الثلث أو زد على الثلث، فكان ﵊ في وجوب قيام الليل مخيّرا ما بين ثلث الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث. وكان ذلك قبل فرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بعد وجوبها على الأمة- وإن كانت بقيت واجبة على الرسول ﷺ .
ويقال: يا أيها المتزمّل بأعباء النبوّة ... قم الليل.
стр. 1931
ويقال: يا أيها الذي يخفى ما خصصناه به قم فأنذر ... فإنّا نصرناك «١» .
ويقال: قم بنا ... يا من جعلنا الليل ليسكن فيه كلّ الناس ... قم أنت فليسكن الكلّ ... ولتقم أنت.
ويقال: لمّا فرض عليه القيام بالليل أخبر عن نفسه لأجل أمّته وإكراما لشأنه وقدره.
وفي الخبر: «أنه ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا ... » ولا يدرى التأويل للخبر «٢» ، أو أنّ التأويل معلوم ... وإلى أن ينتهى إلى التأويل فللأحباب راحات كثيرة، ووجوه من الإحسان موفورة.
قوله جل ذكره: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» ارتع بسرّك في فهمه، وتأنّ بلسانك في قراءته.
«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» قيل: هو القرآن. وقيل: كلمة لا إله إلا الله.
ويقال: الوحى وسمّاه ثقيلا أي خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان.
ويقال: ثقيل أي: له وزن وخطر. وفي الخبر: كان إذا نزل عليه القرآن- وهو على ناقته- وضعت جرانها «٣» ، ولا تكاد تتحرك حتى يسرّى عنه.
وروى ابن عباس: أنّ سورة الأنعام نزلت مرة واحدة فبركت ناقة رسول الله ﷺ من ثقل القرآن وهيبته.
ويقال «ثَقِيلًا» سماعه على من جحده
стр. 1932
ويقال: «ثقيلا بعبئه- إلّا على من أيّد بقوة سماوية، وربّى في حجر التقريب» قوله جل ذكره:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ٦ الى ٩]
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)
أي: ساعات الليل، فكلّ ساعة تحدث فهى ناشئة «١» ، وهي أشد وطئا أي: موطّأة أي: هى أشدّ موافقة للسان والقلب، وأشدّ نشاطا.
ويحتمل: هى أشدّ وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار.
«وَأَقْوَمُ قِيلًا» أي: أبين قولا.
ويقال: هى أشدّ مواطأة للقلب وأقوم قيلا لأنها أبعد من الرياء، ويكون فيها حضور القلب وسكون السّرّ أبلغ وأتمّ.
قوله جل ذكره: «إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا» أي: سبحا في أعمالك، والسبح: الذهاب والسرعة، ومنه السباحة في الماء.
فالمعنى: مذاهبك في النهار فيما يشغلك كثيرة- والليل أخلى لك.
قوله جل ذكره: «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» أي: انقطع إليه انقطاعا تاما.
«رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» الوكيل من توكل إليه الأمور أي: توكّل عليه وكل أمورك إليه، وثق به.
ويقال: إنك إذا اتخذت من المخلوقين وكيلا اختزلوا مالك وطالبوك بالأجرة، وإذا اتخذتني وكيلا أوفّر عليك مالك وأعطيك الأجر.
стр. 1933
ويقال: وكيلك ينفق عليك من مالك، وأنا أرزقك وأنفق عليك من مالى.
ويقال: وكيلك من هو في القدر دونك، وأنت تترفّع أن تكلّمه كثيرا ... وأنا ربّك وسيّدك وأحبّ أن تكلمنى وأكلّمك.
قوله جل ذكره:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١٠ الى ١٣]
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣)
الهجر الجميل: أن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرّك وقلبك.
ويقال: الهجر الجميل ما يكون لحقّ ربّك لا لحظّ نفسك.
ويقال: الهجر الجميل ألا تكلّمهم، وتكلمنى لأجلهم بالدعاء لهم.
وهذه الآية منسوخة بآية القتال «١» .
قوله جل ذكره: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» أي: أولى التّنعّم «٢» ، وأنظرهم قليلا، ولا تهتم بشأنهم، فإنى أكفيك أمرهم.
قوله جل ذكره: «إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً» ثم ذكر وصف القيامة فقال:
«يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا» .
стр. 1934
ثم قال:
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ٢٠ الى ١٥]
يعنى: أرسلنا إليكم محمدا ﷺ شاهدا عليكم «كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا» ، «فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا» ثقيلا.
«فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً» من هوله يصير الولدان شيبا- وهذا على ضرب المثل.
«السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» أي بذلك: اليوم لهوله «١» .
ويقال: منفطر بالله أي: بأمره.
«كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» : فما وعد الله سيصدقه.
«إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ» : يعنى: هذه السورة، أو هذه الآيات موعظة فمن اتعظ بها سعد.
«إِنَّ رَبَّكَ» يا محمد «يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» من المؤمنين.
«وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ» فهو خالقهما «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» وتطيعوه.
«فَتابَ عَلَيْكُمْ» أي: خفّف عنكم «٢» ، «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» من خمس آيات إلى مازاد. ويقال: من عشر آيات إلى ما يزيد «٣» .
стр. 1935
«عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ» يسافرون، ويعلم أصحاب الأعذار، فنسخ عنهم قيام الليل.
«وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» المفروضة.
«وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» مضى معناه.
«وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ» أي: ما تقدّموا من طاعة تجدوها عند الله ثوابا هو خير لكم من كلّ متاع الدنيا.
стр. 1936
سورة المدّثر
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها نزهة قلوب الفقراء، كلمة سماعها بهجة أسرار الضعفاء، راحة أرواح الأحبّاء، قوة قلوب الأولياء، سلوة صدور الأصفياء، قرّة عيون أهل البلاء.
قوله جل ذكره:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٧ الى ١]
يا أيها المتدثر بثوبه.
وهذه السورة من أول ما أنزل من القرآن. قيل: إنّ رسول الله ﷺ ذهب إلى حراء قبل النّبوة، فبدا له جبريل في الهواء، فرجع الرسول إلى بيت خديجة وهو يقول «دثّرونى دثّرونى» فدثّر بثوب فنزل عليه جبريل وقال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ» «١» .
وقيل: أيها الطالب صرف الأذى عنك بالدثار اطلبه بالإنذار.
ويقال: قم بنا، وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا فلقد أقمناك بأشرف المواقف، ووقفناك بأعلى المقامات.
ويقال: لمّا سكن إلى قوله: «قُمْ» وقام قطع سرّه عن السّكون إلى قيامه، ومن الطمأنينة في قيامه.
قوله جل ذكره: «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» .
стр. 1937
كبّره عن كلّ طلب، ووصل وفصل، وعلّة وخلق.
«وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» طهّر قلبك عن الخلائق أجمع، وعن كلّ صفة مذمومة.
وطهّر نفسك عن الزّلّات، وقلبك عن المخالفات، وسرّك عن الالتفاتات.
ويقال: أهلك طهّرهم بالوعظ قال تعالى: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ» «١» ، فيعبر عنهن- أحيانا- بالثياب والّلباس.
قوله جل ذكره: «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أي: المعاصي. ويقال: الشيطان. ويقال: طهّر قلبك من الخطايا وأشغال الدنيا.
ويقال: من لا يصحّ جسمه لا يجد شهوة الطعام كذلك من لا يصحّ قلبه لا يجد حلاوة الطاعة.
«وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» لا تعط عطاء تطلب به زيادة على ما تعطيه.
ويقال: لا تستكثر الطاعة من نفسك.
ويقال: لا تمنن بعملك فتستكثر عملك، وتعجب به.
«وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ» أي: أنت تؤذى في الله. فاصبر على مقاساة أذاهم.
قوله جل ذكره:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٨ الى ١٧]
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢)
وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧)
يعنى: إذا قامت القيامة، فذلك يوم عسير على الكافرين غير هيّن.
قوله جل ذكره: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» .
стр. 1938
أي: لا تهتم بشأنهم، ولا تحتفل فإنّى أكفيك أمرهم.
إنّى خلقته وحدي لم يشاركنى في خلقى إيّاه أحد.
ويحتمل: خلقته وحده لا ناصر له.
قوله جل ذكره: «وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً» حضورا معه لا يحتاجون إلى السّفر.
«وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً» أراد: تسهيل التصرّف، أي: مكّنته من التصرّف في الأمور «١» .
«ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ» يطمع أن أزيده في النعمة:
«كَلَّا، إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً» جحودا.
«سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» سأحمله على مشقّة من العذاب.
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
أي: لعن كيف فكّر، وكيف قدّر، ويعنى به: الوليد بن المغيرة «٢» الذي قال في النبي ﷺ : إنّه ليس بشاعر ولا بمجنون ولا بكذّاب، وإنه ليس إلا ساحر، وما يأتى به ليس إلا سحر يروى:
стр. 1939
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
«١» لا تبقى لحما، ولا تذر عظما، تحرق بشرة الوجه وتسوّدها، من لاحته الشمس ولوّحته.
«عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» قال المشركون: نحن جمع كثير ... فما يفعل بنا تسعة عشر؟! فأنزل الله سبحانه:
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٣١ الى ٣٩]
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)
نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩)
فيزداد المؤمنون إيمانا، ويقول هؤلاء: أي فائدة في هذا القدر؟ فقال تعالى:
«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .
ثم قال:
«وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ» .
أي: تقاصرت علوم الخلق فلم تتعلّق إلا بمقدار دون مقدار، والذي أحاط بكل شىء علما.
هو الله- سبحانه.
стр. 1940
«كَلَّا وَالْقَمَرِ» كلّا- حرف ردع وتنبيه أي: ارتدعوا عما أنتم عليه، وانتبهوا لغيره وأقسم بهذه الأشياء «كَلَّا وَالْقَمَرِ» : أي بالقمر، أو بقدرته على القمر.
وبالليل إذا أدبر ... وقرىء «ودبر» أي: مضى، «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» أي: تجلّى «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ» .
أي: النار لإحدى الدواهي الكبر.
ويقال في «كَلَّا وَالْقَمَرِ» إشارة إلى أقمار العلوم إذا أخذ هلالها في الزيادة بزيادة البراهين، فإنها تزداد، ثم إذا صارت إلى حدّ التمام في العلم وبلغت الغاية تبدو أعلام المعرفة، فالعلم يأخذ فى النقصان، وتطلع شمس المعرفة، فكما أنه إذا قرب القمر من الشمس يزداد نقصانه حتى إذا قرب من الشمس تماما صار محاقا- كذلك إذا ظهر سلطان العرفان تأخذ أقمار العلوم فى النقصان لزيادة المعارف كالسراج في ضوء الشمس وضياء النهار. «وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ» أي إذا انكشفت ظلم البواطن، «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» وتجلّت أنوار الحقائق في السرائر ... إنها لإحدى العظائم! وذلك من باب التخويف من عودة الظّلم إلى القلوب «١» .
«نَذِيراً لِلْبَشَرِ» فى هذا تحذير من الشواغل التي هي قواطع عن الحقيقة، فيحذروا المساكنة والملاحظة إلى الطاعات والموافقات ... فإنّها- فى الحقيقة- لا خطر لها «٢» .
«لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» عن الطاعات ... وهذا على جهة التهديد.
قوله جل ذكره: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» أي: مرتهنة بما عملت، ثم استثنى:
«إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ» .
стр. 1941
فقال: إنهم غير مرتهنين بأعمالهم، ويقال: هم الذين قال الله تعالى في شأنهم: «هؤلاء فى الجنة ولا أبالى» !.
وقيل: أطفال للمؤمنين «١» .
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٤٠ الى ٥٦]
فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
هؤلاء يتساءلون عن المجرمين، ويقولون لأهل النار إذا حصل لهم إشراف عليهم:
ما سلككم في سقر؟ قالوا: ألم نك من المصلين؟ ألم نك نطعم المسكين؟.
وهذا يدل على أنّ الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع.
«وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ» : نشرع في الباطل، ونكذّب بيوم الدين.
«حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» وهو معاينة القيامة.
«فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» أي: لا تنالهم شفاعة من يشفع.
«فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» «٢» والتذكرة: القرآن:
«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» .
стр. 1942
كأنهم حمر نافرة فرّت من أسد «١» «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً» بل يريد كلّ منهم أن يعطى كتابا منشورا.
«كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» أي: كلّا لا يعطون ما يتمنّون لأنهم لا يخافون الآخرة.
«كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» إلّا أن يشاء الله- لا أن تشاءوا «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى» .
أهل لأن يتّقى.
«وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» .
وأهل لأن يغفر لمن يتّقى- إن شاء.
стр. 1943
سورة القيامة
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة عزيزة من سمعها بشاهد العلم استبصر، ومن سمعها بشاهد المعرفة تحيّر..
فالعلماء في سكون برهانه، والعارفون في دهش سلطانه.. أولئك في نجوم علومهم، فأحوالهم صحو في صحو، وهؤلاء في شموس معارفهم: فأوقاتهم محو في محو.. فشتان ما هما!! قوله جل ذكره:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٤ الى ١]
أي: أقسم بيوم القيامة «وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» أي: أقسم بالنفس اللّوّامة، وهي النّفس التي تلوم صاحبها، وتعرف نقصان حالها.
ويقال: غدا.. كلّ نفس تلوم نفسها: إمّا على كفرها، وإمّا على تقصيرها- وعلى هذا فالقسم يكون بإضمار «الرّب» أي: أقسم بربّ النفس اللوامة. وليس للوم النّفس في القيامة خطر- وإن حمل على الكلّ «١» ولكنّ الفائدة فيه بيان أنّ كلّ النفوس غدا- ستكون على هذه الجملة. وجواب القسم قوله: بلى ...
قوله جل ذكره: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ؟» أيظن أنّا لن نبعثه بعد موته؟
«بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ» «قادِرِينَ» نصب على الحال أي بلى، نسوى بنانه في الوقت قادرين، ونقدر أي نجعل
стр. 1944
أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخفّ البعير وظلف الشاة ... فكيف لا نقدر على إعادته؟!
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٥ الى ١٠]
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)
يقدّم الزّلّة ويؤخر التوبة. ويقول: سوف أتوب، ثم يموت ولا يتوب. ويقال: يعزم «١» على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف «٢» وقته، وبهذا لا تنحلّ- فى الوقت- عقدة الإصرار من قلبه، وبذلك لا تصحّ توبته لأن التوبة من شرطها العزم على ألا يعود إلى مثل ما عمل. فإذا كان استحلاء الزلّة في قلبه، ويفكر في الرجوع إلى مثلها- فلا تصح ندامته.
قوله جل ذكره: «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟» على جهة الاستبعاد، فقال تعالى:
«فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟» «برق» بكسر الراء معناها تحيّر، «وبرق» بفتح الراء شخص (فلا يطرف) من البريق، وذلك حين يقاد إلى جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف ملك، لها زفير وشهيق، فلا يبقى ملك ولا رسول إلّا وهو يقول: نفسى نفسى! «وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» كأنهما ثوران عقيران «٣» .
ويقال: يجمع بينهما في ألّا نور لهما.
стр. 1945
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١١ الى ١٥]
كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)
والمفرّ موضع الفرار إليه، فيقال لهم:
«كَلَّا لا وَزَرَ» اليوم، ولا مهرب من قضاء الله «١» .
«إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ»
أي: لا محيد عن حكمه.
«يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»
أي: يعرف ما أسلفه «٢» من ذنوب أحصاها الله- وإن كان العبد نسيها.
«بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
للإنسان على نفسه دليل علامة وشاهد فأعضاؤه تشهد عليه بما عمله.
ويقال: هو بصيرة وحجّة على نفسه في إنكار البعث.
ويقال: إنه يعلم أنه كان جاحدا كافرا، ولو أتى بكلّ حجة فلن تسمع منه ولن تنفعه.
قوله جل ذكره:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١٦ الى ١٩]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
لا تستعجل في تلقّف القرآن على جبريل، فإنّ علينا جمعه في قلبك وحفظه، وكذلك علينا تيسير قراءته على لسانك، فإذا قرأناه أي: جمعناه في قلبك وحفظك فاتبع بإقرائك جمعه.
«ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ» نبيّن لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها. وكان رسول الله ﷺ يستعجل في التلقف مخافة النسيان، فنهى عن ذلك، وضمن الله له التيسير والتسهيل.
стр. 1946
قوله جل ذكره:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٠ الى ٢٣]
كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)
أي: إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في الدنيا، أي: يحبون البقاء في الدنيا.
«وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ» : أي: تتركون العمل للآخرة. ويقال: تكفرون بها.
قوله جل ذكره: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» «ناضِرَةٌ» : أي مشرقة حسنة، وهي مشرقة لأنها إِلى رَبِّها «ناظِرَةٌ» أي رائية لله.
والنظر المقرون ب «إِلى» مضافا إلى الوجه «١» لا يكون إلّا الرؤية، فالله تعالى يخلق الرؤية فى وجوههم في الجنة على قلب العادة، فالوجوه ناظرة إلى الله تعالى.
ويقال: العين من جملة الوجه (فاسم الوجه) «٢» يتناوله.
ويقال: الوجه لا ينظر ولكنّ العين في الوجه هي التي تنظر كما أنّ النهر لا يجرى ولكنّ الماء في النهر هو الذي يجرى، قال تعالى: «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» .
ويقال: فى قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ» دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا تتداخلهم حيرة ولا دهش فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء أتمّ من اللقاء.
والرؤية عند أهل التحقيق تقتضى بقاء الرائي، وعندهم استهلاك العبد في وجود الحقّ أتمّ فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية.
قوله جل ذكره:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٤ الى ٣٠]
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨)
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
стр. 1947
«باسِرَةٌ» : أي كالحة عابسة. «فاقِرَةٌ» أي: داهية «١» وهي بقاؤهم في النار على التأييد.
(تظن أن يخلق في وجوههم النظر) «٢» .
ويحتمل أن يكون معنى «تَظُنُّ» : أي يخلق ظنّا في قلوبهم يظهر أثره على وجوههم.
«كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» أي ليس الأمر على ما يظنون بل إذا بلغت نفوسهم التراقيّ «٣» ، وقيل: من راق؟
أي يقول من حوله: هل أحد يرقيه؟ هل طبيب يداويه؟ هل دواء يشفيه؟ «٤» .
ويقال: من حوله من الملائكة يقولون: من الذي يرقى بروحه أملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟.
«وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» : وعلم الميت أنه الموت!.
«وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» : ساقا الميت. فتقترن شدّة آخر الدنيا بشدّة أوّل الآخرة.
«إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» أي الملائكة يسوقون روحه إلى الله حيث يأمرهم بأن يحملوها إليه: إمّا إلى عليين ثم لها تفاوت درجات، وإمّا إلى سجّين- ولها تفاوت دركات.
ويقال: الناس يكفّنون بدن الميت ويغسلونه ويصلّون عليه.. والحقّ سبحانه يلبس روحه ما تستحق من الحلل، ويغسله بماء الرحمة، ويصلى عليه وملائكته.
قوله جل ذكره:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٣١ الى ٣٦]
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)
стр. 1948
يعنى: الكافر ما صدّق الله ولا صلّى له، ولكن كذّب وتولّى عن الإيمان. وتدل الآية على أنّ الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع.
«ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أي: يتبختر ويختال.
«أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» العرب إذا دعت على أحد بالمكروه قالوا: أولى لك! وهنا أتبع اللفظ اللفظ على سبيل المبالغة.
ويقال: معناه الويل لك يوم تحيا، والويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار «١» .
«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» مهملا لا يكلّف!؟. ليس كذلك.
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
«مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى» أي تلقى في الرّحم، ثم كان علقة أي: دما عبيطا «٢» ، فسوّى أعضاءه فى بطن أمه، وركّب أجزاءه على ما هو عليه في الخلقة، وجعل منه الزوجين: إن شاء خلق الذّكر، وإن شاء خلق الأنثى، وإن شاء كليهما.
«أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟» أليس الذي قدر على هذا كلّه بقادر على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى التقرير «٣» .
стр. 1949
سورة الإنسان
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم جبّار توحّد في آزاله بوصف جبروته، وتفرّد في آباده بنعت ملكوته فأزله أبده، وأبده أزله، وجبروته ملكوته، وملكوته جبروته.
أحديّ الوصف، صمديّ الذات، مقدّس النّعت، واحد الجلال، فرد التعالي، دائم العزّ، قديم البقاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣)
فى التفسير: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا له خطر ومقدار. قيل:
كان آدم ﵇ أربعين سنة مطروحا جسده بين مكة والطائف. ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، فتمّ خلقه بعد مائة وعشرين سنة «١» .
ويقال: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ... » : أي لم يأت عليه وقت إلا كان مذكورا إليّ.
ويقال: هل غفلت ساعة عن حفظك؟ هل ألقيت- لحظة- حبلك على غاربك؟
هل أخليتك- ساعة- من رعاية جديدة وحماية مزيدة.
قوله جل ذكره: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» .
стр. 1950
«مِنْ نُطْفَةٍ» : أي من قطرة ماء، «أَمْشاجٍ» : أخلاط من بين الرجل والمرأة.
ويقال: طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا عظما، وطورا لحما.
«نَبْتَلِيهِ» : نمتحنه ونختبره. وقد مضى معناه. «فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» .
«إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» أي: عرّفناه الطريق أي طريق الخير والشرّ.
وقيل: إمّا للشقاوة، وإمّا للسعادة، إمّا شاكرا من أوليائنا، وإما أن يكون كافرا من أعدائنا فإن شكر فبالتوفيق، وإن كفر فبالخذلان.
قوله جل ذكره:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٤ الى ٥]
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥)
أي: هيّأنا لهم سلاسل يسحبون فيها، وأغلالا لأعناقهم يهانون بها، «وَسَعِيراً» :
نارا مستعرة.
«إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» قيل: البرّ: الذي لايضمر الشّرّ، ولا يؤذى الذّرّ.
وقيل: الأبرار: هم الذين سمت همّتهم عن المستحقرات، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فاتّقوا عن مساكنة الدنيا.
يشربون «١» من كأس رائحتها كرائحة الكافور، أو ممزوجة بالكافور.
ويقال: اختلفت مشاربهم في الآخرة فكلّ يسقى ما يليق بحاله ... وكذلك في الدنيا مشاربهم مختلفة فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا، ومنهم من يسقى على
стр. 1951
النّوب، ومنهم من يسقى بالنّجب ومنهم من يسقى وحده ولا يسقى مما يسقى غيره، ومنهم من يسقى هو والقوم شرابا واحدا.. وقالوا:
إن كنت من ندماى فبالأكبر اسقني ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم
وفائدة الشراب- اليوم- أن يشغلهم عن كل شىء فيريحهم عن الإحساس، ويأخذهم عن قضايا العقل.. كذلك قضايا الشراب في الآخرة، فيها زوال الأرب، وسقوط الطلب، ودوام الطّرب، وذهاب الحرب، والغفلة عن كلّ سبب.
ولقد قالوا:
عاقر عقارك واصطبح ... واقدح سرورك بالقدح
واخلع عذارك في الهوى ... وأرح عذولك واسترح
وافرح بوقتك إنما ... عمر الفتى وقت الفرح
قوله جل ذكره:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٦ الى ١٠]
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠)
يشقّقونها تشقيقا، ومعناه أن تلك العيون تجرى في منازلهم وقصورهم على ما يريدون.
واليوم- لهم عيون في أسرارهم من عين المحبة، وعين الصفاء، وعين الوفاء، وعين البسط، وعين الروح.. وغير ذلك، وغدا لهم عيون.
«يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» ثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال: يوفون بالعهد القديم الذي بينهم وبين الله على وجه مخصوص.
стр. 1952
«وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» .
قاسيا، منتشرا، ممتدا.
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» أي: على حبّهم للطعام لحاجتهم إليه. ويقال: على حبّ الله، ولذلك يطعمون.
ويقال: على حبّ الإطعام.
وجاء في التفسير: أن الأسير كان كافرا- لأنّ المسلم ما كان يستأسر في عهده- فطاف على بيت فاطمة رضى الله عنها «١» وقال: تأسروننا ولا تطعموننا «٢» ! «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً» إنما نطعمكم ابتغاء مرضاة الله، لا نريد من قبلكم جزاء ولا شكرا.
ويقال: إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم، ولكن كان ذلك بضمائرهم.
«إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» أي: يوم القيامة
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١١ الى ١٧]
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥)
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)
стр. 1953
«وَلَقَّاهُمْ» أي: أعطاهم «نَضْرَةً وَسُرُوراً» .
«وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً» كافأهم على ما صبروا من الجوع ومقاساته جنّة وحريرا «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» واحدها أريكة، وهي السرير في الحجال «١» .
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» أي: لا يتأذّون فيها بحرّ ولا برد.
«وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» يتمكنون من قطافها على الوجه الذي هم فيه من غير مشقة فإن كانوا قعودا تدّلى لهم، وإن كانوا قياما- وهي على الأرض- ارتقت إليهم.
«وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ» الاسم فضة، والعين لا تشبه العين «٢» «وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً» أي: فى صفاء القوارير وبياض الفضة.. قدّر ذلك على مقدار إرادتهم.
«وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا» المقصود منه الطّيب، فقد كانوا (أي العرب) يستطيبون الزنجبيل، ويستلذون نكهته،
стр. 1954
وبه يشبّهون الفاكهة، ولا يريدون به ما يقرص اللسان «١» .
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٨ الى ٢١]
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١)
أي: يسقون من عين- أثبت السقيّ وأجمل من يسقيهم لأنّ منهم من يسقيه الحقّ- سبحانه- بلا واسطة.
قوله جل ذكره: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً» أي: يخدمهم ولدان مخلدون (وصفا لا يجوز واحد منهم حدّ الوصائف) «٢» .
وجاء في التفسير: لا يهرمون ولا يموتون. وجاء مقرّطون.
إذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤا منثورا «٣» .
وفي التفسير: ما من إنسان من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام.
قوله جل ذكره: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً» «ثَمَّ» : أي في الجنة.
«مُلْكاً كَبِيراً» : فى التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول.
وقيل: هو قوله: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها» «٤» ويقال: أي لا زوال له.
стр. 1955
«عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» يحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار. ويصح أن يكون للولدان وهو أولى، والاسم يوافق الاسم دون العين «١» .
«شَراباً طَهُوراً» : الشراب الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره.
فالشراب يكون طهورا في الجنة- وإن لم يحصل به التطهير لأن الجنة لا يحتاج فيها إلى التطهير.
ولكنه- سبحانه- لمّا ذكر الشراب- وهو اليوم في الشاهد نجس- أخبر أنّ ذلك الشراب غدا طاهر، ومع ذلك مطهّر يطهّرهم عن محبة الأغيار، فمن يحتس من ذلك الشراب شيئا طهّره عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات.
ويقال: يطهّر صدورهم من الغلّ والغشّ، ولا يبقى لبعضهم مع بعض خصيمة (ولا عداوة) «٢» ولا دعوى ولا شىء.
ويقال: يطهّر قلوبهم عن محبة الحور العين.
ويقال: إن الملائكة تعرض عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم، ويقولون:
لقد طال أخذنا من هؤلاء، فإذا هم بكاسات تلاقى أفواههم بغير أكفّ من غيب إلى عبد.
ويقال: اليوم شراب وغدا شراب ... اليوم شراب الإيناس «٣» وغدا شراب الكأس، اليوم شراب من الّلطف وغدا شراب يدار على الكفّ.
стр. 1956
ويقال: من سقاه اليوم شراب محبّته آنسه وشجّعه فلا يستوحش في وقته من شىء، ولا يضنّ بروحه عن بذل. ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كلّ أحد بالكونين من غير تمييز، ولا يبقى على قلبه أثر للأخطار.
ومن آثار شربه تذلّله لكلّ أحد لأجل محبوبه، فيكون لأصغر الخدم تراب القدم، لا يتحرّك فيه للتكبّر عرق.
وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحايين أن يتيه على أهل الدارين.
ومن مقتضى ذلك الشراب أيضا أن يملكه سرور ولا يتمالك معه من خلع العذار وإلقاء قناع الحياء «١» ويظهر ما هو به من المواجيد:
يخلع فيك العذار قوم ... فكيف من ماله عذار؟
ومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لفظ الشكوى، وبما لا يستخرج منه- فى حال صحوه- سفيه بالمناقيش «٢» ... وعلى هذا حملوا قول موسى: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» «٣» فقالوا: سكر من سماع كلامه «٤» ، فنطق بذلك لسانه. وأمّا من يسقيهم شراب التوحيد فينفى عنهم شهود كلّ غير فيهيمون في أودية العزّ، ويتيهون في مفاوز الكبرياء، وتتلاشى
стр. 1957
جملتهم في هواء الفردانية.. فلا عقل ولا تمييز ولا فهم ولا إدراك.. فكلّ هذه المعاني ساقطة.
فالعبد يكون في ابتداء الكشف مستوعبا ثم يصير مستغرقا ثم يصير مستهلكا..
«وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٧]
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)
يقال لهم: هذا جزاء لكم، «مَشْكُوراً» : وشكره لسعيهم تكثير الثواب على القليل من العمل- هذا على طريقة العلماء، وعند قوم شكرهم جزاؤهم على شكرهم.
ويقال: شكره لهم ثناؤه عليهم بذكر إحسانهم على وجه الإكرام.
قوله جل ذكره: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» فى مدّة «٢» سنين.
«فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» أي: ارض بقضائه، واستسلم لحكمه.
«وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» : أي: ولا كفورا، وهذا أمر له بإفراد ربّه بطاعته.
«وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» الفرض في الأول، ثم النّفل «٣» «إِنَّ هؤُلاءِ ... »
سورة المرسلات
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من سمعها بسمع الوجد وفي له فلم ينظر إلى أحد، ومن سمعها بسمع العلم جادله فلم يبخل بروحه على أحد.
ومن سمعها بسمع التوحيد جرّد سرّه عن إيثار «١» ما سواه في الدنيا والعقبى عينا وأثرا فما كان هذا كله إلا حاصلا به كائنا منه.
قوله جل ذكره:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
«الْمُرْسَلاتِ» : الملائكة، «عُرْفاً» أي: أرسلوا بالمعروف من الأمر، أو كثيرين كعرف الفرس.
«فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً» الرياح الشديدة (العواصف تأتى بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه) .
«وَالنَّاشِراتِ نَشْراً» الأمطار (لأنها تنشر النبات. فالنشر بمعنى الإحياء) . ويقال: السّحب تنشر الغيث.
ويقال: الملائكة.
«فَالْفارِقاتِ فَرْقاً» الملائكة تفرق بين الحلال والحرام.
«فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً» .
стр. 1960
الملائكة: تلقى الوحى على الأنبياء ﵈ إعذارا وإنذارا..
وجواب القسم:
«إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ» فأقسم بهذه الأشياء: إنّ القيامة لحقّ.
قوله جل ذكره: «فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ» إنما تكون هذه القيامة. و «طُمِسَتْ» : ذهب ضوؤها.
«وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ» ذهب بها كلّها بسرعة، حتى لا يبقى لها أثر.
«وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ» أي: جعل لها وقتا وأجلا لفصل القضاء يوم القيامة.
ويقال: أرسلت لأوقات معلومة.
«وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ» على جهة التعظيم له.
«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» مضى تفسير معنى الويل.
ويقال في الإشارات: فإذا نجوم المعارف طمست بوقوع الغيبة.
وإذا الجبال نسفت: القلوب الساكنة بيقين الشهود حرّكت عقوبة على ما همّت بالذي لا يجوز. فويل يومئذ لأرباب الدعاوى الباطلة الحاصلة من ذوى القلوب المطبقة الخالية من المعاني.
قوله جل ذكره:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ٢٠]
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)
الذين كذّبوا رسلهم، وجحدوا آياتنا فمثلما أهلكنا الأولين كذلك نفعل بالمجرمين إذا فعلوا مثل فعلهم.
стр. 1961
«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الذين لا يستوى ظاهرهم وباطنهم في التصديق.
وهكذا كان المتقدمون من أهل الزّلّة والفترة في الطريقة، والخيانة في أحكام المحبة فعذّبوا بالحرمان في عاجلهم، ولم يذوقوا من المعاني شيئا.
قوله جل ذكره: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» ؟.
أي: حقير. وإذ قد علمتم ذلك فلم لم تقيسوا أمر البعث عليه؟
ويقال: ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم فإنه لا جنس من المخلوقين والمخلوقات أشدّ دعوى من بنى آدم. فمن الواجب أن يتفكّر الإنسان في أصله ... كان نطفة وفي انتهائه يكون جيفة، وفي وسائط حاله كنيف في قميص!! فبالحريّ ألّا يدلّ ولا يفتخر:
كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه
وهو يدعوه إلى الحشّ «١» ... بصغر فيطيعه؟!!
ويقال: يذكّرهم أصلهم.. كيف كان كذلك.. ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة، قال تعالى:
«وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» ، والذي يفعل ذلك قادر على أن يرقّيك من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة.
قوله جل ذكره:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٥ الى ٣١]
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)
«كِفاتاً» أي: ذات جمع فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياء وأمواتا فهم يعيشون على ظهرها، ويودعون بعد الموت في بطنها..
«وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً» .
стр. 1962
أي: جبالا مرتفعات، وجعلنا بها الماء سقيا لكم. يذكّرهم عظيم منّته بذلك عليهم.
والإشارة فيه إلى عظيم منّته أنّه لم يخسف بكم الأرض- وإن عملتم ما عملتم.
«انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» يقال لهم: انطلقوا إلى النار التي كذّبتم بها.
«انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» كذلك إذا لم يعرف العبد قدر انفتاح طريقه إلى الله بقلبه، وتعزّزه بتوكله.. فإذا رجع إلى الخلق عند استيلاء الغفلة نزع الله عن قلبه الرحمة، وانسدّت عليه طرق رشده، فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا.
ويقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون. والاستقلال بالله جنّة المأوى، والرجوع إلى الخلق قرع باب جهنم ... وفي معناه أنشدوا:
ولم أر قبلى من يفارق جنّة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم
ثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصّل والاعتذار:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٨]
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)
فإلى أن تنتهى مدّة العقوبة فحينئذ: ان استأنفت وقتا استؤنف لك وقت. فأمّا الآن ...
فصبرا حتى تنقضى أيام العقاب.
«هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ» فعلنا بكم ما فعلنا بهم في الدنيا من الخذلان، كذلك اليوم سنفعل بكم ما نفعل بهم من دخول النيران قوله جل ذكره:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٤٨]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)
стр. 1963
اليوم ... فى ظلال العناية والحماية، وغدا ... هم في ظلال الرحمة والكلاءة.
اليوم.. فى ظلال التوحيد، وغدا.. فى ظلال حسن المزيد.
اليوم.. فى ظلال المعارف، وغدا.. فى ظلال اللطائف.
اليوم.. فى ظلال التعريف، وغدا.. فى ظلال التشريف.
«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» اليوم تشربون على ذكره.. وغدا تشربون على شهوده، اليوم تشربون بكاسات الصفاء وغدا تشربون بكاسات الولاء.
«إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» والإحسان من العبد ترك الكلّ لأجله! كذلك غدا: يجازيك بترك كلّ الحاصل عليك لأجلك.
قوله جل ذكره: «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» هذا خطاب للكفار، وهذا تهديد ووعيد، والويل يومئذ لكم.
قوله جل ذكره: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ» كانوا يصروّن على الإباء والاستكبار فسوف يقاسون البلاء العظيم «١» .
[ذكر في التفسير: أن المتقين دائما في ظلال الأشجار، وقصور الدرّ مع الأبرار، وعيون جارية وأنهار.، وألوان من الفاكهة والثمار ... من كل ما يريدون من الملك الجبّار. ويقال لهم في الجنة: كلوا من ثمار الجنات، واشربوا شرابا سليمان من الآفات. «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» من الطاعات. «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» من الكرامات. قيل: كُلُوا وَاشْرَبُوا «هَنِيئاً» :
لا تبعة عليكم من جهة الخصومات، ولا أذيّة في المأكولات والمشروبات.
وقيل: الهنيء الذي لا تبعة فيه على صاحبه، ولا أذيّة فيه من مكروه لغيره.]
стр. 1964
سورة النّبإ
«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك تجمّل عباده بطاعته، وتزيّن خدمه بعبادته، وهو سبحانه لا يتجمّل بطاعة المطيعين، ولا يتزيّن بخدمة العابدين فزينة العابدين صدار طاعتهم، وزينة العارفين حلّة معرفتهم، وزينة المحبّين تاج ولايتهم.. وزينة المذنبين غسل وجوههم بصوب «٢» عبرتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧)
مختلفون بشدة إنكارهم أمر البعث، ولا لتباس ذلك عليهم، وكثرة مساءلتهم عنه، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول ﷺ في معناه.
تكرّر من الله إنزال أمر البعث، وكم استدلّ عليهم في جوازه بوجوه من الأمثلة ...
فهذا من ذلك، يقول: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ» : عن الخبر العظيم «الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم:
«أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً؟» ذلّلناهم لهم حتى سكنوها «وَالْجِبالَ أَوْتاداً؟» .
стр. 1965
أوتادا للأرض حتى تميد بهم.
«وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» ذكرا وأنثى، وحسنا وقبيحا.. وغير ذلك «وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً» أي راحة لكم، لتنقطعوا عن حركاتكم التي تعبتم بها في نهاركم.
«وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً» تغطّى ظلمته كلّ شىء فتسكنوا فيه.
«وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً» أي وقت معاشكم.
«وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً» أي سبع سموات.
«وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً» أي الشمس، جعلناها سراجا وقّادا مشتعلا.
«وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً» «الْمُعْصِراتِ» الرياح التي تعصر السحاب «١» .
«ماءً ثَجَّاجاً» مطرا صبّابا.
«لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً» «حَبًّا» كالحنطة والشعير، «وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً» بساتين يلتفّ بعضها ببعض.
وإذا قد علمتم ذلك فهلّا علمتم أنّى قادر على أن أعيد الخلق وأقيم القيامة؟