← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الذين لا يستوى ظاهرهم وباطنهم في التصديق. وهكذا كان المتقدمون من أهل الزّلّة والفترة في الطريقة، والخيانة في أحكام المحبة فعذّبوا بالحرمان في عاجلهم، ولم يذوقوا من المعاني شيئا. قوله جل ذكره: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» ؟. أي: حقير. وإذ قد علمتم ذلك فلم لم تقيسوا أمر البعث عليه؟ ويقال: ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم فإنه لا جنس من المخلوقين والمخلوقات أشدّ دعوى من بنى آدم. فمن الواجب أن يتفكّر الإنسان في أصله ... كان نطفة وفي انتهائه يكون جيفة، وفي وسائط حاله كنيف في قميص!! فبالحريّ ألّا يدلّ ولا يفتخر: كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحشّ «١» ... بصغر فيطيعه؟!! ويقال: يذكّرهم أصلهم.. كيف كان كذلك.. ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة، قال تعالى: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» ، والذي يفعل ذلك قادر على أن يرقّيك من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة. قوله جل ذكره: [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٥ الى ٣١] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) «كِفاتاً» أي: ذات جمع فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياء وأمواتا فهم يعيشون على ظهرها، ويودعون بعد الموت في بطنها.. «وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً» .

стр. 1962

أي: جبالا مرتفعات، وجعلنا بها الماء سقيا لكم. يذكّرهم عظيم منّته بذلك عليهم. والإشارة فيه إلى عظيم منّته أنّه لم يخسف بكم الأرض- وإن عملتم ما عملتم. «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» يقال لهم: انطلقوا إلى النار التي كذّبتم بها. «انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» كذلك إذا لم يعرف العبد قدر انفتاح طريقه إلى الله بقلبه، وتعزّزه بتوكله.. فإذا رجع إلى الخلق عند استيلاء الغفلة نزع الله عن قلبه الرحمة، وانسدّت عليه طرق رشده، فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا. ويقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون. والاستقلال بالله جنّة المأوى، والرجوع إلى الخلق قرع باب جهنم ... وفي معناه أنشدوا: ولم أر قبلى من يفارق جنّة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم ثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصّل والاعتذار: [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٨] هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فإلى أن تنتهى مدّة العقوبة فحينئذ: ان استأنفت وقتا استؤنف لك وقت. فأمّا الآن ... فصبرا حتى تنقضى أيام العقاب. «هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ» فعلنا بكم ما فعلنا بهم في الدنيا من الخذلان، كذلك اليوم سنفعل بكم ما نفعل بهم من دخول النيران قوله جل ذكره: [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٤٨] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)

стр. 1963

اليوم ... فى ظلال العناية والحماية، وغدا ... هم في ظلال الرحمة والكلاءة. اليوم.. فى ظلال التوحيد، وغدا.. فى ظلال حسن المزيد. اليوم.. فى ظلال المعارف، وغدا.. فى ظلال اللطائف. اليوم.. فى ظلال التعريف، وغدا.. فى ظلال التشريف. «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» اليوم تشربون على ذكره.. وغدا تشربون على شهوده، اليوم تشربون بكاسات الصفاء وغدا تشربون بكاسات الولاء. «إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» والإحسان من العبد ترك الكلّ لأجله! كذلك غدا: يجازيك بترك كلّ الحاصل عليك لأجلك. قوله جل ذكره: «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» هذا خطاب للكفار، وهذا تهديد ووعيد، والويل يومئذ لكم. قوله جل ذكره: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ» كانوا يصروّن على الإباء والاستكبار فسوف يقاسون البلاء العظيم «١» . [ذكر في التفسير: أن المتقين دائما في ظلال الأشجار، وقصور الدرّ مع الأبرار، وعيون جارية وأنهار.، وألوان من الفاكهة والثمار ... من كل ما يريدون من الملك الجبّار. ويقال لهم في الجنة: كلوا من ثمار الجنات، واشربوا شرابا سليمان من الآفات. «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» من الطاعات. «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» من الكرامات. قيل: كُلُوا وَاشْرَبُوا «هَنِيئاً» : لا تبعة عليكم من جهة الخصومات، ولا أذيّة في المأكولات والمشروبات. وقيل: الهنيء الذي لا تبعة فيه على صاحبه، ولا أذيّة فيه من مكروه لغيره.]

стр. 1964

سورة النّبإ «١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك تجمّل عباده بطاعته، وتزيّن خدمه بعبادته، وهو سبحانه لا يتجمّل بطاعة المطيعين، ولا يتزيّن بخدمة العابدين فزينة العابدين صدار طاعتهم، وزينة العارفين حلّة معرفتهم، وزينة المحبّين تاج ولايتهم.. وزينة المذنبين غسل وجوههم بصوب «٢» عبرتهم. قوله جل ذكره: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) مختلفون بشدة إنكارهم أمر البعث، ولا لتباس ذلك عليهم، وكثرة مساءلتهم عنه، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول ﷺ في معناه. تكرّر من الله إنزال أمر البعث، وكم استدلّ عليهم في جوازه بوجوه من الأمثلة ... فهذا من ذلك، يقول: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ» : عن الخبر العظيم «الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً؟» ذلّلناهم لهم حتى سكنوها «وَالْجِبالَ أَوْتاداً؟» .

стр. 1965

أوتادا للأرض حتى تميد بهم. «وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» ذكرا وأنثى، وحسنا وقبيحا.. وغير ذلك «وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً» أي راحة لكم، لتنقطعوا عن حركاتكم التي تعبتم بها في نهاركم. «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً» تغطّى ظلمته كلّ شىء فتسكنوا فيه. «وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً» أي وقت معاشكم. «وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً» أي سبع سموات. «وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً» أي الشمس، جعلناها سراجا وقّادا مشتعلا. «وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً» «الْمُعْصِراتِ» الرياح التي تعصر السحاب «١» . «ماءً ثَجَّاجاً» مطرا صبّابا. «لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً» «حَبًّا» كالحنطة والشعير، «وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً» بساتين يلتفّ بعضها ببعض. وإذا قد علمتم ذلك فهلّا علمتم أنّى قادر على أن أعيد الخلق وأقيم القيامة؟

стр. 1966

فبعد أن عدّ عليهم بعض وجوه إنعامه، وتمكينهم من منافعهم.. قال: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٨ الى ٣٠] يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) مضى معناه «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً» أي في ذلك اليوم تأتون زمرا وجماعات. «وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» أي: تشقّقت وانفطرت. «وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً» أي كالسراب. «إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً» أي ممرا. ويقال: ذات ارتقاب لأهلها. «لِلطَّاغِينَ مَآباً» أي مرجعا. «لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً» أي دهورا، والمعنى مؤبّدين «لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً» مضى معناه. ثم يعذّبون بعد ذلك بأنواع أخر من العذاب. «جَزاءً وِفاقاً» أي: جوزوا على وفق أعمالهم. ويقال: على وفق ما سبق به التقدير، وجرى به الحكم. «إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً»

стр. 1967

لا يؤمنون فيرجون الثواب ويخافون العقاب. «وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً» «١» أي: تكذيبا. «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» أي: كتبناه كتابا، وعلمناه علما. والمسبّح الزاهد يحصى تسبيحه، والمهجور البائس يحصى أيام هجرانه، والذي هو صاحب وصال لا يتفرّغ من وصله إلى تذكّر أيامه في العدد، أو الطول والقصر. والملائكة يحصون زلّات العاصين، ويكتبونها في صحائفهم. والحق سبحانه يقول: «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» فكما أحصى زلّات العاصين وطاعات المطيعين فكذلك أحصى أيام هجران المهجورين وأيام محن الممتحنين، وإنّ لهم في ذلك لسلوة ونفسا: ثمان قد مضين بلا تلاق ... وما في الصبر فضل عن ثمان وكم من أقوام جاوزت أيام فترتهم الحدّ! وأربت أوقات هجرانهم على الحصر! قوله جل ذكره: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً» يا أيها المنعّمون في الجنة.. افرحوا وتمتعوا فلن نزيدكم إلا ثوابا. أيها الكافرون.. احترقوا في النار.. ولن نزيدكم إلا عذابا «٢» ويا أيها المطيعون.. افرحوا وارتعوا فلن نزيدكم إلا فضلا على فضل. يا أيها المساكين.. ابكوا واجزعوا فلن نزيدكم إلّا عزلا على عزل. قوله جل ذكره: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٨] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨)

стр. 1968

مسلّم للمتقين ما وعدناهم به.. فهنيئا لهم ما أعددنا لهم من الفوز بالبغية والظّفر بالسّؤل والمنية: من حدائق وأعناب، ومن كواعب أتراب وغير ذلك. فيا أيها المهيّمون المتيّمون هنيئا لكم ما أنتم فيه اليوم في سبيل مولاكم من تجرّد وفقر، وما كلّفكم به من توكل وصبر، وما تجرعتم من صدّ وهجر. أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به ... يوم التزاور «١» فى الثوب الذي خلعا قوله: «لا يَسْمَعُونَ فِيها ... » آذانهم مصونة عن سماع الأغيار، وأبصارهم محفوظة عن ملاحظة الرسوم والآثار. قوله جل ذكره: «رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً» وكيف تكون للمكوّن المخلوق الفقير المسكين مكنة أن يملك منه خطابا؟ أو يتنفّس بدونه نفسا؟ كلّا.. بل هو الله الواحد الجبّار. قوله جل ذكره: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً» إنما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم، وأمّا الخواص وأصحاب الحضور فهم أبدا بمشهد العزّ بنعت الهيبة، لا نفس «٢» لهم ولا راحة أحاط بهم سرادقها واستولت عليهم حقائقها.

стр. 1969

قوله جل ذكره: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) هم بمشهد الحقّ، والحكم عليهم الحقّ، حكم عليهم بالحق، وهم مجذوبون بالحقّ للحقّ. قوله جل ذكره: ِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً» وهو عند أهل الغفلة بعيد، ولكنّه في التحقيق قريب. َوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ «١» الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» . مضوا في ذلّ الاختيار والتعنّى «٢» ، وبعثوا في حسرة التمنّى، ولو أنهم رضوا بالتقدير لتخلّصوا «٣» عن التمنّى.

стр. 1970

سورة النّازعات «١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز لربّ عزيز، سماعه يحتاج إلى سمع عزيز، وذكره يحتاج إلى وقت عزيز، وفهمه يحتاج إلى قلب عزيز. وأنّى لصاحب سمع بالغيبة مبتذل، ووقت معطّل في الخسائس مستغرق، وقلب فى الاشتغال بالأغيار مستعمل.. أنّى له أن يصلح لسماع هذا الاسم؟!. قوله جل ذكره: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) أي الملائكة تنزع أرواح الكفّار من أبدانهم. «غَرْقاً» : أي إغراقا كالمغرق في قوسه «٢» . ويقال: هى النجوم تنزع من مكان إلى مكان. «وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً» هى أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت. ويقال: هى الملائكة تنشط أرواح الكفّار، وتنزعها فيشتدّ عليهم خروجها. ويقال: هى الوحوش تنشط من بلد إلى بلد. ويقال: هى الأوهاق «٣» .

стр. 1971

ويقال: هى النجوم تنشط من المشارق إلى المغارب ومن المغارب إلى المشارق. «وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً» الملائكة تسبح في نزولها. ويقال: هى النجوم تسبح في أفلاكها. ويقال: هى السفن في البحار. ويقال: هى أرواح المؤمنين تخرج بسهولة لشوقها إلى الله. «فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً» الملائكة يسبقون إلى الخير والبركة، أو لأنها تسبق الشياطين عند نزول الوحى، أو لأنها تسبق بأرواح الكفار إلى النار. ويقال: هى النجوم يسبق بعضها بعضا في الأفول. «فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً» الملائكة تنزل بالحرام والحلال. ويقال: جبريل بالوحى، وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل بالصّور، وملك الموت يقبض الأرواح.. ﵈. وجواب القسم قوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» «١» قوله جل ذكره: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ» تتحرك الأرض حركة شديدة. «تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ» النفخة الأولى في الصّور. وقيل: الراجفة النفخة الأولى والرادفة النفخة الثانية.

стр. 1972

«قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ» خائفة. «يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ» «١» أي إلى أول أمرنا وحالنا، يعنى أئذا متنا نبعث ونردّ إلى الدنيا (ونمشى على الأرض بأقدامنا) ؟. قالوه على جهة الاستبعاد. «أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً» أي بالية. «تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ» رجعة ذات خسران (مادام المصير إلى النار) . قوله جل ذكره: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٣ الى ١٩] فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) «٢» جاء في التفسير إنها أرض المحشر، ويقال: إنها أرض بيضاء لم يعص الله فيها «٣» ويقال: الساهرة نفخة الصّور تذهب بنومهم وتسهرهم. قوله جل ذكره: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» أي الأرض المطهرة المباركة. «طُوىً» اسم الوادي هناك. «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى» .

стр. 1973

قلنا له: اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل له: هل يقع لك أن تؤمن وتتطهر من ذنوبك. وفي التفسير: لو قلت لا إله إلا الله فلك ملك لا يزول، وشبابك لا يهرم، وتعيش أربعمائة سنة في السرور والنعمة.. ثم لك الجنة في الآخرة. «وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى» أقرّر لك بالآيات صحّة ما أقول، وأعرفك صحة الدين.. فهل لك ذلك؟ فلم يقبل. ويقال: أظهر له كل هذا التلطّف ولكنه في خفيّ سرّه وواجب مكره به أنه صرف قلبه عن إرادة هذه الأشياء، وإيثار مراده على مراد ربّه، وألقى في قلبه الامتناع، وترك قبول النّصح.. وأيّ قلب يسمع هذا الخطاب فلا ينقطع لعذوبة هذا اللفظ؟ وأيّ كبد تعرف هذا فلا تتشقّق لصعوبة هذا المكر؟ قوله جل ذكره: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) جاء في التفسير: هى إخراج يده بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس. فقال فرعون: حتى أشاور هامان «١» ، فشاوره، فقال له هامان: أبعد ما كنت ربّا تكون مربوبا؟! وبعد ما كنت ملكا تكون مملوكا؟ فكذّب فرعون عند ذلك، وعصى، وجمع السّحرة، ونادى: «فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» ويقال: إنّ إبليس لمّا سمع هذا الخطاب فرّ وقال: لا أطيق هذا! ويقال قال: أنا ادّعيت الخيرية على آدم فلقيت ما لقيت.. وهذا يقول: أنا ربّكم الأعلى. قوله جل ذكره: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٦ الى ٤١] إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)

стр. 1974

أي في إهلاكنا فرعون لعبرة لمن يخشى. قوله جل ذكره: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها» «فَسَوَّاها» جعلها مستوية. «وَأَغْطَشَ لَيْلَها» أظلم ليلها. «ضُحاها» ضوؤها ونهارها. «دَحاها» بسطها ومدّها. «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها» أخرج من الأرض العيون المتفجرة بالماء، وأخرج النبات.. «وَالْجِبالَ أَرْساها» أثبتها أوتادا للأرض. «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» أي أخرجنا النبات ليكون لكم به استمتاع، وكذلك لأنعامكم. «فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى» الداهية العظمى ... وهي القيامة. «يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى» وبرزت الجحيم لمن يرى، فأمّا من طغى وكفر وآثر الحياة الدنيا فإنّ الجحيم له المأوى والمستقرّ والمثوى. «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» «مَقامَ رَبِّهِ» : وقوفه غدا في محل الحساب. ويقال: إقبال الله عليه وأنّه راء له.. وهذا عين المراقبة، والآخر محلّ المحاسبة.

стр. 1975

«وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» أي لم يتابع هواه. قوله جل ذكره: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٢ الى ٤٦] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) أي متى تقوم؟ «فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها» من أين لك علمها ولم نعلمك ذلك «١» . «إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها» أي إنما يعلم ذلك ربّك. «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» أي تخوّف، فيقبل تخويفك من يخشاها ويؤمن. «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها» كأنهم يوم يرون القيامة لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها فلشدة ما يرون تقل عندهم كثرة ما لبثوا تحت الأرض.

стр. 1976

سورة عبس «١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» .. اسم كريم بسط للمؤمنين بساط جوده، اسم عزيز انسدّ على الأولين والآخرين طريق وجوده.. وأنّى بذلك ولا حدّ له؟ من الذي يدركه بالزمان والزمان خلقه؟ ومن الذي يحسبه في المكان والمكان فعله؟ ومن الذي يعرفه- إلّا وبه يعرفه؟ ومن الذي يذكره «٢» - إلا وبه يذكره؟ قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) نزلت في ابن أمّ مكتوم، وكان ضريرا.. أتى النبيّ ﷺ وكان عنده العباس ابن عبد المطلب وأمية بن خلف الجمحىّ «٣» - يرجو الرسول ﷺ إيمانهما، فكره أن يقطع حديثه معهما، فأعرض عن ابن أمّ مكتوم، وعبس وجهه، فأنزل الله هذه الآية. وجاء في التفسير: أن النبيّ ﷺ خرج على أثره، وأمر بطلبه، وكان بعد ذلك يبرّه ويكرمه، فاستخلفه على المدينة مرتين. وجاء في التفسير: أنه ﷺ لم يعبس- بعد هذا- فى وجه فقير قط، ولم يعرض عنه.

стр. 1977

ويقال: فى الخطاب لطف.. وهو أنه لم يواجهه بل قاله على الكناية «١» ، ثم بعده قال: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» أي يتذكر بما يتعلم منك أو. «أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى» . قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٥ الى ٨] أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) أمّا من استغنى عن نفسه فإنه استغنى عن الله. ويقال: استغنى بماله فأنت له تصدّى، أي تقبل عليه بوجهك. «وَما عَلَيْكَ..» فأنت لا تؤاحذ بألا يتزكّى هو فإنما عليك البلاغ. «وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى» لطلب العلم، ويخشى الله فأنت عنه تتلهّى، وتتشاغل ... وهذا كله من قبيل العتاب معه لأجل الفقراء. قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١١ الى ١٢] كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) القرآن تذكرة فمن شاء الله أن يذكره ذكره، ومن شاء الله ألا يذكره لم يذكّره أي بذلك جرى القضاء، فلا يكون إلا ما شاء الله. ويقال: الكلام على جهة التهديد ومعناه: فمن أراد أن يذكره فليذكره، ومن شاء ألا يذكره فلا يذكره! كقوله «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» «٢» . وقال سبحانه: «ذَكَرَهُ» ولم يقل «ذكرها» لأنه أراد به القرآن. قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٣ الى ٢٣] فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)

стр. 1978

أي صحف إبراهيم وموسى وما قبل ذلك، وفي اللوح المحفوظ. «مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ» مرفوعة في القدر والرتبة، مطهرة من التناقض والكذب. «بِأَيْدِي سَفَرَةٍ» أي: الملائكة الكتبة. «كِرامٍ بَرَرَةٍ» كرام عند الله بررة. قوله جل ذكره: «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ!» لعن الإنسان ما أعظم كفره!. «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» خلقه وصوّره وقدّره أطوارا: من نطفة، ثم علقة، ثم طورا بعد طور. قوله جل ذكره: «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» يسّر عليه السبيل في الخير والشرّ، وألهمه كيف التصرّف. ويقال: يسّر عليه الخروج من بطن أمّه يخرج أولا رأسه منكوسا. «ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ» أي: جعل له قبرا لئلا تفترسه السّباع والطيور ولئلا يفتضح. «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» بعثه من قبره. «كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» أي: عصى وخالف ما أمر به.

стр. 1979

ويقال: لم يقض الله له ما أمره به، ولو قضى عليه وله ما أمره به لما عصاه «١» . قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٥ الى ٣٧] أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) فى الإشارة: صببنا ماء الرحمة على القلوب القاسية فلانت للتوبة، وصببنا ماء التعريف على القلوب فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوار التجريد. «وَقَضْباً» أي القت «٢» . «وَحَدائِقَ غُلْباً» متكائفة غلاظا. «وَفاكِهَةً وَأَبًّا» الفاكهة: جميع الفواكه، و «أَبًّا» : المرعى. «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ... » «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» أي: القيامة فيومئذ يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، ثم بيّن ما سبب ذلك فقال: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» لا يتفرّغ إلى ذاك، ولا ذاك إلى هذه. كذلك قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت

стр. 1980

قيامة، فما من وليّ ولا عارف إلّا وهو- اليوم- بقلبه يفرّ من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. فالعارف مع الخلق ولكنه يفارقهم بقلبه- قالوا: فلقد جعلتك في الفؤاد محدّثى ... وأبحت جسمى من أراد جاوسى «١» قوله جل ذكره: [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٨ الى ٤١] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) وسبب استبشارهم مختلف فمنهم من استبشاره لوصوله إلى جنّته، ومنهم لوصوله إلى الحور العين من حظيته.. ومنهم ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربّه فرآه. «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» وهي غبرة الفسّاق. «تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» . وهي ذلّ الحجاب.

стр. 1981

سورة التّكوير قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة أثلجت من قوم قلوبا، وأوهجت من آخرين قلوبا من المطيعين أثلجتها، ومن العاصين أوهجتها، ومن المريدين أبهجتها، ومن العارفين أزعجتها. قوله جل ذكره: [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) ذهب ضوؤها. «وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» تناثرت وسقطت على الأرض. قوله جل ذكره: «وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ» «١» أزيلت عنها مناكبها. «وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ» وهي النّوق الحوامل التي أتى حملها عشرة أشهر.. أهملت في ذلك اليوم لشدة أهواله، (واشتغال الناس بأنفسهم عنها) . «وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ» أحييت، وجمعت في القيامة ليقتصّ لبعضها من بعض فيقتصّ للجمّاء من القرناء «٢» - وهذا على جهة ضرب المثل إذ لا تكليف عليها.

стр. 1982

ولا يبعد أن يكون بإيصال منافع إلى ما وصل إليه الألم- اليوم- على العوض.. جوازا لا وجوبا على ما قاله أهل البدع. «وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ» أو قدت- من سجرت التنور أسجره سجرا، أي: أحميته. «وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ» «١» بالأزواج. «وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ» نشرت، أي: بسطت. «وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ» أي: نزعت وطويت. «وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ» أوقدت. «وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» أي: قرّبت من المتقين. قوله جل ذكره: «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» هو جواب لهذه الأشياء، وهذه الأشياء تحصل عند قيام القيامة. وفي قيام قيامة هذه الطائفة (يقصد الصوفية) عند استيلاء هذه الأحوال عليهم، وتجلّى هذه المعاني لقلوبهم توجد هذه الأشياء.

стр. 1983

فمن اختلاف أحوالهم: أنّ لشموسهم في بعض الأحيان كسوفا وذلك عند ما يردّون «١» . ونجوم علومهم قد تنكدر لاستيلاء الهوى على المريدين في بعض الأحوال، فعند ذلك «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» . قوله جل ذكره: [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٤] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) أي: أقسم، والخنّس والكنّس هي النجوم إذا غربت «٢» . ويقال: البقر الوحشي «٣» . قوله جل ذكره: «وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» عسعس: أي جاء وأقبل. «تَنَفَّسَ» : خرج من جوف الليل. أقسم بهذه الأشياء، وجواب القسم: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» . إن هذا القرآن لقول رسول كريم، يعنى به جبريل ﵇. «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» «مَكِينٍ» من المكانة، وقد بلغ من قوته أنه قلع قرية آل لوط وقلبها. «وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» وهذا أيضا من جواب القسم. «وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ» رأى محمد جبريل ﵇ بالأفق المبين ليلة المعراج.

стр. 1984

ويقال: رأى ربّه وكان ﷺ بالأفق المبين. «وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» بمتّهم «١» قوله جل ذكره: [سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) إلى متى تتطوحون في أودية الظنون والحسبان؟ وإلى أين تذهبون عن شهود مواضع الحقيقة؟ وهلّا رجعتم إلى مولاكم فيما سرّكم أو أساءكم؟ «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» ما هذا القرآن إلّا ذكرى لمن شاء منكم أن يستقيم ... وقد مضى القول فى الاستقامة. «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» أن يشاءوا «٢» .

стр. 1985

سورة الانفطار قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة منيعة ليس يسمو إلى فهمها كلّ خاطر فإذا كان الخاطر غير عاطر فهو عن علم حقيقتها متقاصر. قوله جل ذكره: [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) أي: انشقت. «وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» تساقطت وتهافتت. «وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ» أي: فتح بعضها على بعض. «وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» أي: قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، وأخرج ما فيها من كنوز وموتى. «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ» جواب لهذه الأمور أي إذا كانت هذه الأشياء: علمت كلّ نفس ما قدّمت من خيرها وشرّها. قوله جل ذكره: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»

стр. 1986

أي: ما خدعك وما سوّل لك حتى عملت «١» بمعاصيه؟ ويقال: سأله وكأنما في نفس السؤال لقّنه الجواب يقول: غرّنى كرمك بي، ولولا كرمك لما فعلت لأنّك رأيت فسترت، وقدّرت فأمهلت. ويقال: إن المؤمن «٢» وثق بحسن إفضاله فاغترّ بطول إمهاله فلم يرتكب الزلّة لاستحلاله، ولكنّ طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله، وكما قلت «٣» : يقول مولاى: أما تستحى ... مما أرى من سوء أفعالك قلت: يا مولاى رفقا فقد ... جرّأنى «٤» كثرة أفضالك قوله جل ذكره: [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٧ الى ١٢] الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) أي: ركّب أعضاءك على الوجوه الحكميّة «٥» فى أي صورة ماشاء، من الحسن والقبح، والطول والقصر. ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصّفة، و «فِي» بمعنى «على» فيكون معناه: على أي صفة شاء ركّبك من السعادة أو الشقاوة، والإيمان أو المعصية.. قوله جل ذكره: «كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ» أي: القيامة «٦» . «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» هم الملائكة الذين يكتبون الأعمال. وقد خوّفهم برؤية الملائكة وكتابتهم الأعمال لتقاصر

стр. 1987

حشمتهم من اطّلاع الحق، ولو علموا ذلك حقّ العلم لكان توقّيهم عن المخالفات لرؤيته- سبحانه، واستحياؤهم من اطّلاعه- أتمّ من رؤية الملائكة. قوله جل ذكره: [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) «الْأَبْرارَ» : هم المؤمنون اليوم في نعمة العصمة، وغداهم في الكرامة والنعمة «الْفُجَّارَ» : اليوم في جهنم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشّرك الموجب للفرقة، وغدا فى النار على وجه التخليد والتأييد. ويقال: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ» . فى روح الذّكر، وفي الأنس في أوان خلوتهم. «وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» . فى ضيق قلوبهم وتسخّطهم على التقدير، وفي ظلمات تدبيرهم، وضيق اختيارهم. «يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ» «يَصْلَوْنَها» أي النار. «يَوْمَ الدِّينِ» . يوم القيامة. «وَما هُمْ عَنْها» عن النار. «وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ؟» قالها على جهة التهويل. «يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» الأمر لله يومئذ، ولله من قبله ومن بعده، ولكن «يَوْمَئِذٍ» تنقطع الدعاوى، إذ يتضح الأمر وتصير المعارف ضرورية.

стр. 1988

سورة المطفّفين قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وسناؤه علاؤه، وعلاؤه بهاؤه، وجلاله جماله، وجماله جلاله. الوجود له غير مستفتح، والموجود منه غير مستقبح. المعهود منه لطفه، المأمول منه لطفه.. كيفما قسم للعبد فالعبد عبده إن أقصاه فالحكم حكمه، وإن أدناه فالأمر أمره «١» . قوله جل ذكره: [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) «وَيْلٌ» : الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، فيقال: ويل لك، وويل عليك! و «المطفّف» . الذي ينقص الكيل والوزن، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلّى ذلك فى: الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء فمن لم يرض لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه

стр. 1989

فليس بمنصف. وأمّا الصّدّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلّ من لهم معهم معاملة- والصدق عزيز، وكذلك أحوالهم في الصّحبة والمعاشرة.. فالذى يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة- جملة المطففين- كما قيل: وتبصر في العين منّى القذى ... وفي عينك الجذع لا تبصر ومن اقتضى حقّ نفسه- دون أن يقضى حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه- فهو من جملة المطففين. والفتى من يقضى حقوق الناس ولا يقتضى من أحد لنفسه حقّا. قوله جل ذكره: «أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ؟ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» أي: ألا يستيقن هؤلاء أنهم محاسبون غدا، وأنهم مطالبون بحقوق الناس؟. ويقال: من لم يذكر- فى حال معاملة الناس- معاينة القيامة ومحاسبتها فهو فى خسران في معاملته. ويقال: من كان صاحب مراقبة لله ربّ العالمين استشعر الهيبة في عاجله، كما يكون حال الناس في المحشر لأنّ اطلاع الحقّ اليوم كاطلاعه غدا. قوله جل ذكره: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ» «سِجِّينٍ «١» » قيل: هى الأرض السابعة، وهي الأرض السفلى، يوضع كتاب أعمال الكفار هنالك إذلالا لهم وإهانة، ثم تحمل أرواحهم إلى ما هنالك.

стр. 1990

ويقال: «السّجين» جبّ في جهنم. وقيل: صخرة في الأرض السفلى، وفي اللغة السّجين: فعيل من السجن. «وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ» . استفهام على جهة التهويل «كِتابٌ مَرْقُومٌ» . أي مكتوب كتب الله فيه ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون. وإنما المكتوب على بنى آدم في الخير والشر، والشقاوة والسعادة فهو على ما تعلّق به علمه وإرادته، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون، وكما علم أنه يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون. ثم إنه سبحانه لم يطلع أحدا على أسرار خلقه إلّا من شاء من المقربين بالقدر الذي أراده فإنه يجرى عليهم في دائم أوقاتهم ما سبق لهم به التقدير. ثم قال: [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٠ الى ٢١] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) ويل للذين لا يصدّقون بيوم الدين، وما يكذّب به إلا كل مجاوز للحدّ الذي وضع له إذا يتلى عليه القرآن كفر به. «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» أي: غطّى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي.. وكما أنهم- اليوم- ممنوعون عن معرفته فهم غدا ممنوعون عن رؤيته. ودليل الخطاب يوجب أن يكون المؤمنون يرونه غدا كما يعرفونه اليوم. قوله جل ذكره: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ» «عِلِّيِّينَ» أعلى الأمكنة، تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفا لهم وإجلالا.

стр. 1991

ويقال: إنها سدرة المنتهى. ويقال: فوق السماء السابعة. كتاب مرقوم فيه أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون «١» من الملائكة. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) اليوم وغدا: اليوم في روح العرفان، وراحة الطاعة والإحسان، ونعمة الرضا وأنس القربة وبسط الوصلة. وغدا- فى الجنة وما وعدوا به من فنون الزلفة والقربة. قوله تعالى: «عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ» أثبت النظر ولم يبيّن المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم فمنهم من ينظر إلى قصوره. ومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم.. ومنهم الخواصّ فهم على دوام الأوقات إلى الله- سبحانه- ينظرون. قوله جل ذكره: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» من نظر إليهم علم أنّ أثر نظره إلى مولاه ما يلوح على وجهه من النعيم فأحوال المحبّ شهود عليه أبدا. فإن كان الوقت وقت وصال فاختياله ودلاله، وسروره وحبوره، ونشاطه وانبساطه. وإن كان الوقت وقت غيبة وفراق فالشهود عليه نحوله وذبوله، وحنينه وأنينه، ودموعه وهجوعه.. وفي معناه قلت «٢» . يا من تغيّر صورتى لمّا بدا ... - لجميع ما ظنوا بنا- تحقيق

стр. 1992

وقلت: ولمّا أتى الواشين أنّى زرتها ... جحدت حذارا أن تشيع السرائر فقالوا: نرى في وجهك اليوم نضرة ... كست محيّاك «١» .. وهاذاك ظاهر! وبردك لا ذاك الذي كان قبله ... به طيب نشر لم تشعه المجامر فما كان منّى من بيان أقيمه ... وهيهات أن يخفى مريب مساتر! قوله جل ذكره: [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) «مَخْتُومٍ» أي رحيق لا غشّ فيه. ويقال: عتيق طيّب. ويقال: إنهم يشربون شرابا آخره مسك. ويقال: بل هو مختوم قبل حضورهم. ويقال: «خِتامُهُ مِسْكٌ» . ممنوع من كلّ أحد، معدّ مدّخر لكلّ أحد باسمه. «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» . وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والسباق إلى القرب، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ عن الأخلاق الدّنيّة، وجولان الهمم فى الملكوت «٢» ، واستدامة المناجاة. قوله جل ذكره: «وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» «تَسْنِيمٍ» أي: عين تسنّم عليهم من علوّ. وقيل: ميزاب ينصبّ عليهم من فوقهم. ويقال: سمّى تسنيما لأن ماءه يجرى في الهواء متسنّما فينصبّ في أوانى أهل الجنة

стр. 1993

فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا.. الأولياء يسقون مزجا، والخواص يسقون صرفا «١» . قوله جل ذكره: [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٦] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) كانوا يضحكون استهزاء بهم.. فاليوم.. الذين آمنوا من الكفار يضحكون! «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ؟» «هَلْ ... » استفهام يراد منه التقرير. ويقال: إذا رأوا أهل النار في النار يعذّبون لا تأخذهم بهم رأفة، ولا ترقّ لهم قلوبهم، بل يضحكون ويستهزئون ويعيّرونهم.

стр. 1994

سورة الانشقاق قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١» «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم جليل جلاله لا بالأشكال، وجماله لا على احتذاء أمثال، وأفعاله لا بأغراض وأعلال، وقدرته لا باجتلاب ولا احتيال، وعلمه لا بضرورة ولا استدلال، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه فناء ولا زوال. قوله جل ذكره: [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) «انْشَقَّتْ» : انصدعت. «وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» أي قابلت أمر ربّها بالسمع والطاعة.. وحقّ لها أن تفعل ذلك. «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» بسطت باندكاك آكامها وجبالها حتى صارت ملساء، وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلّت عنها.. وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة. وجواب هذه الأشياء في قوله: «فَمُلاقِيهِ» أي يلقى الإنسان ما يستحقه على أعماله. «٢» قوله جل ذكره: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ» .

стр. 1995

«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ» : يا أيها المكلّف.. إنّك ساع بما لك سعيا ستلقى جزاءه بالخير خيرا وبالشّرّ شرّا. «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» وهو المؤمن المحسن. «فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً» أي حسابا لا مشقّة فيه. ويقال: «حِساباً يَسِيراً» أي يسمعه كلامه- سبحانه- بلا واسطة، فيخفّف سماع خطابه ما في الحساب من عناء. ويقال: «حِساباً يَسِيراً» : لا يذكّره ذنوبه. ويقال: يقول: ألم أفعل كذا؟ وألم أفعل كذا؟ يعدّ عليه إحسانه.. ولا يقول: ألم تفعل كذا؟ لا يذكّره عصيانه. «وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً» أي بالنجاة والدرجات، وما وجد من المناجاة، وقبول الطاعات، وغفران الزّلّات. ويقال: بأن يشفّعه فيمن يتعلّق به قلبه. ويقال: بألا يفضحه. ويقال: بأن يلقى ربّه ويكلّمه قبل أن يدخله الجنة فيلقى حظيّته من الحور العين. قوله جل ذكره: «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ» وهو الكافر. «فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً» .. أي ويلا. «وَيَصْلى سَعِيراً» جهنم. «إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً»

стр. 1996

من البطر «١» والمدح. «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» أنه لن يرجع إلينا، ولن يبعث. قوله جل ذكره: «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ» بالحمرة التي تعقب غروب الشمس. «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» وما جمع وضمّ. «وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» تمّ واستوى واجتمع. ويقال: الشّفق حين غربت شمس وصالهم، وأذيقوا الفراق في بعض أحوالهم، وذلك زمان قبض بعد بسط، وأوان فرق عقيب جمع «٢» . «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» : ليالى غيبتهم وهم بوصف الاستياق أو ليالى وصالهم وهم في روح التلاقي، أو ليالى طلبهم وهم بنعت القلق والاحتراق. «وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» : إذا ظهر سلطان العرفان على القلوب فلا بخس ولا نقصان. قوله جل ذكره: [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٩ الى ٢٥] لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) أي حالا بعد حال. وقيل: من أطباق السماء. ويقال: شدّة بعد شدّة. ويقال: تارات الإنسان طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا. ويقال: طالبا ثم واصلا ثم متّصلا. ويقال: حالا بعد حال، من الفقر والغنى، والصحة والسّقم. ويقال: حالا بعد حال في الآخرة.

стр. 1997

قوله جل ذكره: «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟» أي فما لكفّار أمّتك لا يصدّقون.. وقد ظهرت البراهين؟ «وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ» «يُوعُونَ» أي تنطوى عليه قلوبهم- من أوعيت المتاع في الظّرف أي جعلته فيه. «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فإنهم ليسوا منهم، ولهم أجر غير مقطوع.

стр. 1998

سورة البروج قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم من لا عقل يكتنهه «١» ، اسم من لا مثل يشبهه، اسم من لا فهم «٢» يرتقى إليه بالتصوير، اسم من لا علم ينتهى إليه بالتقدير «٣» ، اسم من لم يره بصر إلّا واحد- وهو أيضا مختلف فيه «٤» ، اسم من لا يجسر أحد أن يتكلّم بغير ما إذن فيه، اسم من لا قطر يحويه، ولا سرّ يخفيه، ولا أحد يصل إلى معرفته إلّا من يرتضيه. قوله جل ذكره: [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) أراد البروج الاثني عشر «٥» . «وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ» يوم القيامة. وجواب القسم قوله: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» . قوله جل ذكره: «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ» يقال: الشاهد الله، والمشهود الخلق.

стр. 1999

ويقال: الشاهد الخلق، والمشهود الله يشهدونه اليوم بقلوبهم، وغدا بأبصارهم. ويقال: الشاهد محمد ﷺ ، والمشهود القيامة، قال تعالى: «وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» «١» ، وقال في القيامة: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» «٢» . وقيل: الشاهد يوم الجمعة «٣» ، والمشهود يوم عرفة. ويقال: الشاهد الملك الذي يكتب العمل، والشاهد الإنسان يشهد على نفسه، وأعضاؤه تشهد عليه فهو شاهد وهو مشهود. ويقال: الشاهد يوم القيامة، والمشهود الناس. ويقال: المشهود هم الأمة لأنه ﷺ يشهد لهم وعليهم. ويقال: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم. ويقال: الشاهد الحجر الأسود لأنّ فيه كتاب العهد. ويقال: الشاهد جميع الخلق يشهدون لله بالوحدانية، والمشهود الله. ويقال: الشاهد الله شهد لنفسه بالوحدانية، والمشهود هو لأنه شهد لنفسه. قوله جل ذكره: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» أي لعنوا. والأخدود: الحفرة في الأرض إذا كانت مستطيلة، وقصتهم في التفسير معلومة «٤» و «الْوَقُودِ» الحطب. وهم أقوام كتموا إيمانهم فلمّا علم ملكهم بذلك أضرم عليهم نارا عظيمة، وألقاهم فيها.

стр. 2000

وآخر من دخلها امرأة كان معها رضيع، وهمّت أن ترجع، فقال لها الولد: قفى واصبري.. فأنت على الحقّ. وألقوها في النار، واقتحمتها، وبينما كان أصحاب الملك قعودا حوله يشهدون ما يحدث ارتفعت النار من الأخدود وأحرقتهم جميعا، ونجا من كان في النار من المؤمنين وسلموا. قوله جل ذكره: [سورة البروج (٨٥) : الآيات ٨ الى ١٣] وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) ما غضبوا منهم إلّا لإيمانهم. قوله جل ذكره: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» أي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا عن كفرهم «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ» : نوع من العذاب، «وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» : نوع آخر «١» . قوله جل ذكره: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» «ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» : النجاة العظيمة. «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» البطش الأخذ بالشدة. «إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ» يبدئ الخلق ثم يعيدهم بعد البعث.
следующие страницы →