← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ويقال: أغناك عن السؤال حينما أعطاك ابتداء بلا سؤال منك. قوله جل ذكره: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ» فلا تخفه، وارفق به، وقرّبه. «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» أي: إمّا أن تعطيه.. أو تردّه برفق، أو وعد. ويقال: السائل عنّا، والسائل المتحيّر فينا- لا تنهرهم، فإنّا نهديهم، ونكشف مواضع سؤالهم عليهم.. فلاطفهم أنت في القول. «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» فاشكر، وصرّح بإحسانه إليك، وإنعامه عليك.

стр. 2032

سورة ألم نشرح قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز عزّ من التجأ إليه، وجلّ من توكّل عليه، وفاز في الدنيا والعقبى من توسّل به إليه فمن تقرّب منه قرّبه ومن شكا إليه حقّق له مطلبه، ومن رفع قصّته إليه قضى مأربه. قوله جل ذكره: [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ألم نوسّع قلبك للإسلام؟ ألم نليّنه للإيمان؟ ويقال: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسّع صدرك لقبول ما نورد عليك. «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» أي: إثمك قبل النبوّة. ويقال: عصمناك عن ارتكاب الوزر فوضعه عنه بأنّه لم يستوجبه قطّ. ويقال: خفضنا عنك أعباء النبوّة وجعلناك محمولا لا متحمّلا «١» . ويقال: قويناك على التحمّل من الخلق، وقوّيناك لمشاهدتنا، وحفظنا عليك ما استحفظت «٢» ، وحرسناك عن ملاحظة الخلق فيما شرّفناك به.

стр. 2033

«الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» : أي: أثقله، ولولا حملنا عنك لكسر. «وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» بذكرنا فكما لا تصحّ كلمة الشهادة إلا بي، فإنها لا تصحّ إلا بك. «١» ويقال: رفعنا لك ذكرك بقول الناس: محمد رسول الله! ويقال: أثبتنا لك شرف الرسالة. «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» وفي الخبر: «لن يغلب عسر يسرين» «٢» ومعناه: أن العسر بالألف واللام في الموضعين للعهد- فهو واحد، واليسر منكّر في الموضعين فهما شيئان. والعسر الواحد: ما كان في الدنيا، واليسران: أحدهما في الدنيا من الخصب، وزوال البلاء، والثاني في الآخرة من الجزاء وإذا فعسر جميع المؤمنين واحد- وهو ما نابهم من شدائد الدنيا، ويسرهم اثنان: اليوم بالكشف والصّرف «٣» ، وغدا بالجزاء. قوله جل ذكره: «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» فإذا فرغت من الصلاة المفروضة عليك فانصب في الدعاء. ويقال: فإذا فرغت من العبادة فانصب في الشفاعة. ويقال: فإذا فرغت من عبادة نفسك فانصب بقلبك. «وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ» فى جميع الأحوال. ويقال: فإذا فرغت من تبليغ الرسالة فارغب في الشفاعة.

стр. 2034

سورة التّين قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» اسم «اللَّهِ» يدلّ على جلال من لم يزل، ويخبر عن جمال من لم يزل، ينبه على إقبال من لم يزل، يشير إلى إفضال من لم يزل فالعارف شهد «١» جلاله فطاش، والصفىّ شهد جماله فعاش، والوليّ شهد إقباله فارتاش، والمريد يشهد إفضاله فلا يطلب مع كفايته المعاش. قوله جل ذكره: [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أقسم بالتين لما به من عظيم المنّة على الخلق حيث لم يجعل فيه النّوى، وخلّصه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللّقمة لتكمل به اللذّة. وجعل فى «الزَّيْتُونِ» من المنافع مثل الاستصباح والتأدّم والاصطباغ به. «وَطُورِ سِينِينَ» الجبل الذي كلّم الله موسى عليه. ولموضع قدم الأحباب حرمة. «وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» يعنى: مكة، ولهذا البلد شرف كبير، فهى بلد الحبيب، وفيها البيت ولبيت الحبيب وبلد الحبيب قدر ومنزلة. «٢»

стр. 2035

قوله جل ذكره: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» فى اعتدال قامته، وحسن تركيب أعضائه. وهذا يدل على أنّ الحقّ- سبحانه- ليس له صورة ولا هيئة لأنّ كلّ صفة اشترك فيها الخلق والحقّ فالمبالغة للحقّ ... كالعلم، فالأعلم الله، والقدرة: فالأقدر الله فلو اشترك الخلق والخالق في التركيب والصورة لكان الأحسن في الصورة الله ... فلمّا قال: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» علم أنّ الحقّ- سبحانه- منزّه عن التقويم وعن الصورة. «١» قوله جل ذكره: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» أي: إلى أرذل العمر وهو حال الخرف «٢» والهرم. ويقال: «أَسْفَلَ سافِلِينَ» : إلى النار والهاوية في أقبح صورة فيكون أوّل الآية عامّا وآخرها خاصّا بالكفّار ... كما أنّ التأويل الأول- الذي هو حال الهرم- خاصّ في البعض إذ ليس كلّ الناس يبلغون حال الهرم. «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي: غير منقوص. ويقال: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» أي: إلى حال الشقاوة والكفر إلّا المؤمنين. قوله جل ذكره: «فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ» أيها الإنسان.. مع كل هذا البرهان والبيان؟ «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ» ؟

стр. 2036

سورة العلق قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها يوجب أحد أمرين: «إمّا صحوا وإمّا محوا صحوا لمن سمعها بشاهد العلم فيستبصر بواضح برهانه، أو محوا لمن سمعها بشاهد المعرفة لأنه يتحيّر في جلال سلطانه. قوله جل ذكره: [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) هذه السورة من أوّل ما نزل على المصطفى ﷺ لما تعرّض له جبريل فى الهواء، ونزل عليه فقال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» . فالناس كلّهم مريدون وهو ﷺ كان مرادا. فاستقبل الأمر بقوله: «ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ كما أقول لك اقرأ باسم ربك الذي خلق. أي خلقهم على ما هم به. «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» العلق جمع علقة كشجر وشجرة ... (والعلقة الدم الجامد فاذا جرى فهو المسفوح) . «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» «الْأَكْرَمُ» : أي الكريم. ويقال: الأكرم من كلّ كريم. «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» علّمهم ما لم يعلموا: الضروريّ، والكسبيّ.

стр. 2037

[سورة العلق (٩٦) : الآيات ٦ الى ١٦] كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) «١» أي: يتجاوز جدّه إذا رأى في نفسه أنه استغنى لأنه يعمى عن مواضع افتقاره. ولم يقل: إن استغنى بل قال: «أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» فإذا لم يكن معجبا بنفسه، وكان مشاهدا لمحلّ افتقاره- لم يكن طاغيا «٢» . قوله جل ذكره: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى» أي: الرجوع يوم القيامة. قوله جل ذكره: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى» أليس لو لم يفعل هذا كان خيرا له؟ ففى الآية هذا الإضمار. «أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى» لكان خيرا له؟ «أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» كذّب بالدّين، وتولّى عن الهداية. قوله جل ذكره: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» ؟ أي: ما الذي يستحقّه من هذه صفته؟ والتخويف برؤية الله تنبيه على المراقبة- ومن لم يبلغ حال المراقبة لم يرتق منه إلى حال المشاهدة. قوله جل ذكره: «كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ»

стр. 2038

لنأخذنّ بناصيته (وهي شعر مقدّم الرأس) أخذ إذلال. ومعناه لنسوّدنّ وجهه. وقوله: «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» بدل من قوله: «لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» «١» [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١٧ الى ١٩] فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) فليدع أهل ناديه وأهل مجلسه، وسندعو الزبانية ونأمرهم بإهلاكه. قوله جل ذكره: أي: اقترب من شهود الربوبية بقلبك، وقف على بساط العبودية بنفسك. ويقال: فاسجد بنفسك، واقترب بسرّك «٢» .

стр. 2039

سورة القدر قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة تحضر قلوب العلماء لتأمّل الشواهد، وتسكر قلوب العارفين إذا وردوا المشاهد ... فهؤلاء أحضرهم فبصّرهم، وعلى استدلالهم نصرهم. وهؤلاء بشراب محابّه أسكرهم، وفي شهود جلاله حيّرهم. قوله جل ذكره: [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) فى ليلة قدّر فيها الرحمة لأوليائه، فى ليلة يجد فيها العابدون قدر نفوسهم، ويشهد فيها العارفون قدر معبودهم.. وشتان بين وجود قدر ... وشهود قدر! فلهؤلاء وجود قدر ولكن قدر أنفسهم، ولهؤلاء شهود قدر ولكن قدر معبودهم. «وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ» ؟ استفهام على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة. «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» أي: هى خير من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر. هى ليلة قصيرة على الأحباب لأنهم فيها فى مسامرة وخطاب.. كما قيل: يا ليلة من ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر ولم تكن عن شفق وفجر ... حتى تولّت وهي بكر الدهر

стр. 2040

قوله جل ذكره: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» «الرُّوحُ فِيها» : قيل جبريل. وقيل: ملك عظيم «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» : أي بأمر ربهم. «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ» : أي مع كل مأمور منهم سلامى على أوليائى «١» . «هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» : أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر.

стр. 2041

سورة لم يكن قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم عزيز تنصّل إليه المذنبون فغفر لهم وجبرهم «١» وتوسّل إليه المطيعون فوصلهم ونصرهم. تعرّف إليه العالمون فبصّرهم، وتقرّب منه العارفون فقرّبهم ... لكنه- سبحانه- فى جلاله حيّرهم «٢» . قوله جل ذكره: [سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) «مُنْفَكِّينَ» : منّتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البيّنة: وهي رسول الله ﷺ ، أي لم يزالوا مجتمعين على تصديقه لما وجدوه في كسب إلى أن بعثه الله تعالى. فلمّا بعثه حسدوه وكفروا. «رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» .

стр. 2042

أي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كتبا مطهّرة عن تبديل الكفار. «فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» «١» : مستوية ليس فيها اعوجاج. قوله جل ذكره: «وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» يعنى: القرآن. قوله جل ذكره: «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» أي موحّدين لا يشركون بالله شيئا فالإخلاص ألّا يكون شىء من حركاتك وسكناتك إلّا لله. ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل. «حُنَفاءَ» : مائلين إلى الحقّ، عادلين عن الباطل «٢» . «وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ.. وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» : أي دين الملّة القيمة، والأمة القيّمة، والشريعة القيّمة. قوله جل ذكره: [سورة البينة (٩٨) : الآيات ٦ الى ٨] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) «خالِدِينَ فِيها» : مقيمين. «الْبَرِيَّةِ» : الخليقة. «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» .

стр. 2043

أي: خير الخلق، وهذا يدل على أنهم أفضل من الملائكة. قوله جل ذكره: «جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» «جَزاؤُهُمْ» : أي ثوابهم في الآخرة على طاعاتهم. «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» أي: من تحت أشجارها الأنهار. «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» . فلم تبق لهم مطالبة إلّا حقّقها لهم. «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» . أي: خافه في الدنيا. والرضا سرور القلب بمرّ القضا. ويقال: هو سكون القلب تحت جريان الحكم.

стр. 2044

سورة الزّلزلة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من تأمّلها بمعانيها ووقف على ما أودع فيها رتعت أسراره في رياض من الأنس مونقة، وأينعت أفكاره بلوائح من اليقين مشرقة، فهى على جلال الحقّ شاهدة، وهي على ما يحيط به الذّكر ويأتى عليه الحصر زائدة. قوله جل ذكره: [سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) أي: أمواتها، وما فيها من الكنوز والدفائن. «وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها» ؟ يعنى الكافر الذي لا يؤمن بها أي بالبعث «١» . «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» يومئذ تخبّر الأرض: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» أي: إنما تفعل ذلك بأمر الله.

стр. 2045

«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا «١» أَعْمالَهُمْ» «أَشْتاتاً» : متفرّقين. «لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» ليحاسبوا. قوله جل ذكره: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» فيقاسى عناءه.

стр. 2046

سورة العاديات قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة غيور لا يصلح لذكرها إلّا لسان مصون «١» ، عن اللّغو والغيبة، ولا يصلح لمعرفتها إلّا قلب محروس عن الغفلة والغيبة «٢» ، ولا يصلح لمحبتها إلّا روح محفوظة عن العلاقة والحجبة. قوله جل ذكره: [سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) «الْعادِياتِ» : الخيل التي تعدو «٣» . «ضَبْحاً» أي إذا ضبحن ضبحا، والضبح: هو صوت أجوافها إذا عدون. ويقال: ضبحها هو شدة نفسها عند العدو. وقيل: «الْعادِياتِ» الإبل «٤» . وقيل: أقسم الله بأفراس الغزاة «٥» . «فَالْمُورِياتِ قَدْحاً» تورى بحوافرها النار إذا عدت وأصابت سنابكها الحجارة بالليل.

стр. 2047

ويقال: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب. ويقال: هى الأسنّة. «فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً» تغير على العدوّ صباحا. «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» أي: هيّجن به غبارا. «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» أي: توسّطن المكان، أي: تتوسط الخيل بفوارسها جمع العدوّ. «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» هذا هو جواب القسم. «لَكَنُودٌ» : أي لكفور بالنعمة «١» . «وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ» أي: وإنه على كنوده لشهيد «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» أي: وإنه لبخيل لأجل حبّ المال «٢» . قوله جل ذكره: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ» أي: بعث الموتى. «وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» بيّن ما في القلوب من الخير والشرّ. «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .

стр. 2048

أفلا يعلم أن الله يجازيهم- ذلك اليوم- على ما أسلفوا، ثم قال على الاستئناف: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» . ويقال في معنى الكنود «١» : هو الذي يرى ما إليه من البلوى، ولا يرى ما هو به من النّعمى. ويقال: هو الذي رأسه على وسادة النعمة، وقلبه في ميدان الغفلة. ويقال: الكنود: الذي ينسى النّعم ويعدّ المصائب. وقوله: «وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ» ، يحتمل: وإنّ الله على حاله لشهيد.

стр. 2049

سورة القارعة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة إذا سمعها العاصون نسوا زلّتهم في جنب رحمته، وإذا سمعها العابدون نسوا صولتهم في جنب إلهيته. كلمة من سمعها ما غادرت له شغلا إلّا كفته، ولا أمرا إلّا أصلحته، ولا ذنبا إلّا غفرته، ولا أربا إلّا قضته. قوله جل ذكره: [سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) القارعة: اسم من أسماء القيامة، وهي صيغة «فاعلة» من القرع، وهو الضرب بشدّة. سمّيت قارعة لأنها تقرعهم. «وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ» ؟. تهويلا لها. «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» أي: المتفرّق ... وعند إعادتهم يركب بعضهم بعضا. «وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» أي: كالصوف المصبوغ. والمعنى فيه: أن أصحاب الدعاوى «١» وأرباب القوة في الدنيا يكونون- فى القيامة إذا

стр. 2050

بعثوا- أضعف من كلّ ضعيف لأن القوى هنالك تسقط، والدعاوى تبطل. قوله جل ذكره: «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» من ثقلت موازينه بالخيرات فهو في عيشة راضية أي مرضية. ووزن الأعمال يومئذ يكون بوزن الصحف. ويقال: يخلق بدل كلّ جزء من أفعاله جوهرا، وتوزن الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال. «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» من خفّت موازينه من الطاعات- وهم الكفار- فمأواه هاوية. «وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ» سؤال على جهة التهويل «١» . ولم يرد الخبر بأن الأحوال توزن، ولكن يجازى كلّ بحالة مما هو كسب له، أو وصل إلى أسبابها بكسب منه. «٢»

стр. 2051

سورة التكاثر قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم عزيز تقدّس في آزاله عن كل مكان، ولم يحتج في آباده إلى زمان أو إلى مكان لا يقطعه حدّ فأنّى يجوز في وصفه المكان؟ ولا يقطعه عدّ فأنّى تجوز في وصفه الزيادة والنقصان؟ «١» قوله جل ذكره: [سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أي: شغلكم تفاخركم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أن متّم. ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن مضى من أسلافهم. فقال لهم: شغلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عددتم أمواتكم مع أحيائكم. وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعة الله. «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» على جهة التهويل. «كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ» أي: لو علمتم حقّ اليقين لارتدعتم عمّا أنتم فيه من التكذيب.

стр. 2052

«لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» أراد جميع ما أعطاهم الله من النعمة، وطالبهم بالشكر عليها. ومن النعيم الذي يسأل عنه العبد تخفيف الشرائع والرّخص في العبادات. ويقال: الماء الحار في الشتاء، والماء البارد في الصيف. ويقال: منه الصحّة في الجسد، والفراغ. «١» ويقال: الرضاء بالقضاء. ويقال: القناعة في المعيشة. ويقال: هو المصطفى ﷺ .

стр. 2053

سورة العصر قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» كلمة من سمعها لم يدّخر عنها «١» ماله لأنّه علم أنه- سبحانه- يحسن مآله، ومن عرفها لم يؤثر عليها نفسه لأنّه لم يجد بدونها أنسه. كلمة من صحبها لم يمنع عنها روحه إذ وجد الحياة الأبدية له ممنوحة. «٢» قوله جل ذكره: [سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) «الْعَصْرِ» : الدهر- أقسم به ويقال: أراد به صلاة العصر. ويقال: هو العشيّ. «الْإِنْسانَ» : أراد به جنس الإنسان. و «الخسر» : الخسران. والمعنى: إن الإنسان لفى عقوبة من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقّ، وتواصوا بما هو حسن وجميل، وتواصوا بالصبر. وفي بعض التفاسير: قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» يعنى أبابكر، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : يعنى عمر

стр. 2054

و «وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ» يعنى عثمان، و «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» يعنى عليّا- رضى الله عنهم أجمعين. «١» والخسران الذي يلحق الإنسان على قسمين: فى الأعمال ويتبيّن ذلك في المآل، وفي الأحوال ويتبيّن ذلك في الوقت والحال وهو القبض بعد البسط، والحجبة بعد القربة، والرجوع إلى الرّخص بعد إيثار الأشقّ والأولى. «وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ» : وهو الإيثار مع الخلق، والصدق مع الحقّ. «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» : على العافية ... فلا صبر أتمّ منه. ويقال: بالصبر مع الله ... وهو أشدّ أقسام الصبر «٢»

стр. 2055

سورة الهمزة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم من لا غرض له في أفعاله، اسم من لا عوض عنه في جلاله وجماله. اسم من لا يصبر العبد عنه مختارا، اسم من لا يجد الفقير «١» من دونه قرارا، اسم من لا يجد أحد من حكمه فرارا. قوله جل ذكره: [سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) يقال: رجل همزة لمزة: أي كثير الهمز والّلمز للناس وهو العيب والغيبة. ويقال: الهمزة الذي يقول في الوجه، والّلمزة الذي يقول من خلفه. ويقال: الهمز الإشارة بالرأس والجفن وغيره، واللّمز باللسان. ويقال: الهمزة الذي يقول ما في الإنسان، واللّمزة الذي يقول ما ليس فيه. قوله جل ذكره: «الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ» «جمّع» بالتشديد «٢» على التكثير، وبالتخفيف. «يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ» أي: يبقيه في الدنيا.. كلّا ليس كذلك:

стр. 2056

«كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» ليطرحنّ في جهنّم. «وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ» ؟ على جهة التهويل لها. فهم في نار الله الموقدة التي يبلغ ألمها الفؤاد. «إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ» مطبقة. «فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» «عَمَدٍ» : جمع عماد. وقيل: إنها عمد من نار تمدّد وتضرب عليهم كقوله: «أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها» «١» ويقال: الغنى بغير الله فقر، والأنس بغيره وحشة، والعزّ بغيره ذلّ. ويقال: الفقير من استغنى بماله، والحقير: من استغنى بجاهه، والمفلس: من استغنى بطاعته، والذليل: من استغنى بغير الله، والجليل: من استغنى بالله. ويقال: بيّن أن المعرفة إذا اتّقدت في قلب المؤمن أحرقت كلّ سؤل وأرب فيه، ولذلك تقول جهنّم- غدا- للمؤمن: «جز، يا مؤمن ... فإنّ نورك قد أطفأ لهبى» !

стр. 2057

سورة الفيل قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم غنيّ من أطاعه أغناه، ومن خالفه أضلّه وأعماه. اسم عزيز من وافقه رقّاه إلى الرتبة العليا، ومن خالفه ألقاه في المحنة الكبرى. قوله جل ذكره: [سورة الفيل (١٠٥) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) ألم ينته إليك فيما أنزل عليك علم ما فعل ربّك بأصحاب الفيل؟. وفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص الله البيت العتيق بالحفظ والكلاءة. وذلك: أنّ أبرهة- ملك اليمن- كان نصرانيا، وبنى بيعة لهم بصنعاء، وأراد هدم الكعبة ليصرف الحجّ إلى بيعتهم. وقيل: نزل جماعة من العرب ببلاد النجاشي، وأوقدوا نارا لحاجة لهم، ثم تغافلوا عنها ولم يطفئوها، فهبّت الريح وحملت النار إلى الكنيسة وأحرقتها، فقصد أبرهة الكعبة ليهدمها بجيشه. فلمّا قرب من مكة أصاب مائتى جمل لعبد المطلب، فلمّا أخبر بذلك ركب إليهم، فعرفه رجلان، فقالا له: ارجع.. فإن الملك غضبان.

стр. 2058

فقال: واللات والعزّى لا أرجع إلّا بإبلى. فقيل لأبرهة: هذا سيّد قريش ببابك فأذن له، وسأله عن حاجته فأجاب أبرهة: إنها لك غدا، إذا تقدّمت إلى البيت «١» . فعاذ عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم بما حدث، ثم قام وأخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: لا همّ إنّ العبد ... يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك إن يدخلوا البلد الحرا ... م فأمر ما بدا لك «٢» فأرسل الله عليهم طيرا أخضر «٣» من جهة البحر طوال الأعناق، فى منقار كل طائر حجر وفي مخلبه حجران. قيل: الحجرة منها فوق العدس دون الحمص. وقيل: فوق الحمص دون الفستق، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها. وقيل: مخطّطة بالسّواد. فأمطرت عليهم، وماتوا كلّهم. وقيل: كان الفيل ثمانية وقيل: كان فيلا واحدا. وفي رواية: إنه كان قبل مولده ﷺ بأربعين سنة. وقيل: بثلاثة وعشرين سنة. وفي رواية «ولدت عام الفيل» «٤» . قوله جل ذكره: [سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ٢ الى ٥] أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) أي: مكرهم في إبطال.

стр. 2059

«وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ» «أَبابِيلَ» : مجتمعة ومتفرّقة. «تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ» قيل بالفارسية: سنگك أو گل- أي طين طبخ بالنار كالآجر «١» . «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» «كَعَصْفٍ» : كأطراف الزرع قبل أن يدرك. «مَأْكُولٍ» أي ثمره مأكول. ويقال: إذا كان عبد المطلب- وهو كافر- أخلص في التجائه إلى الله في استدفاع البلاء عن البيت- فالله لم يخيّب رجاءه ... ، وسمع دعاءه ... فالمؤمن المخلص إذا دعا ربّه لا يردّه خائبا. ويقال: إنما أجيب لأنّه لم يسأل الله لنفسه، وإنما لأجل البيت.. وما كان لله لا يضيع.

стр. 2060

سورة قريش قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ» : الباء فى «بِسْمِ» تشير إلى براءة سرّ الموحّدين عن حسبان الحدثان، وعن كلّ شىء ممّا لم يكن فكان، وتشير إلى الانقطاع إلى الله في السّرّاء والضرّاء، والشّدّة والرخاء. والسين تشير إلى سكونهم في جميع أحوالهم تحت جريان ما يبدو من الغيب بشرط مراعاة الأدب. والميم تشير إلى منّة الله عليهم بالتوفيق «١» لما تحقّقوا به من معرفته، وتخلّقوا به من طاعته «٢» . قوله جل ذكره: [سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) «الإيلاف» : مصدر آلف، إذا جعلته يألف ... وهو ألف إلفا «٣» . والمعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي ليألفوا رحلتهم في الشتاء والصيف. وكانت لهم رحلتان للامتيار «٤» : رحلة إلى الشام في القيظ، ورحلة إلى اليمن في الشتاء.

стр. 2061

والمعنى: أنعم الله عليهم بإهلاك عدوّهم ليؤلّفهم رحلتيهم. وقيل: فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش، كأنه أعظم المنّة عليهم. وأمرهم بالعبادة: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» فليعبدوه لما أنعم به عليهم. وقيل: فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسول ﷺ «١» . «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» . حين جعل الحرم آمنا، وأجارهم من عدوّهم. ويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلب الناس الميرة إليهم من الشام ومن اليمن. ووجه المنّة في الإطعام والأمان هو أن يتفرّغوا إلى عبادة الله فإنّ من لم يكن مكفىّ الأمور لا يتفرّغ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلب- إلّا عند السلامة بكلّ وجه وقد قال تعالى. «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ «٢» » فقدّم الخوف على جميع أنواع البلاء.

стр. 2062

سورة الدّين «١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها غذاء أرواح المحبين، ضياء أسرار الواجدين، شفاء قلوب المتيّمين بلاء مهج المساكين، دواء كلّ فقير مسكين «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) نزلت الآية على جهة التوبيخ، والتعجّب من شأن تظلّم اليتيم من الكفار. فقال: أرأيت الذي يكذّب بالدين، وبالحساب والجزاء؟ «فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ» يدفعه بجفوة، ويقال: يدفعه عن حقّه «٣» . «وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» أي: لا يحثّ على إطعام المسكين، وإنما يدعّ اليتيم لأنّ الله تعالى قد نزع الرحمة من قلبه، ولا تنزع الرحمة إلّا من قلب شقيّ. وهو لا يحث على طعام المسكين، لأنه في شحّ نفسه وأمر بخله. قوله جل ذكره: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ»

стр. 2063

السّاهى عن الصبرة الذي لا يصلّى. ولم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون.. ولو قال ذلك لكان الأمر عظيما. «الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ» : أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس- لا إخلاص لهم «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» الماعون. مثل الماء، والنار، والكلأ، والفأس، والقدر وغير ذلك من آلة البيت، ويدخل في هذا: البخل، والشّحّ بما ينفع الخلق مما هو ممكن ومستطاع.

стр. 2064

سورة الكوثر قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» اسم يجلّ العبد بإجلاله ولا يجل هو إلا باستحقاق علوّه في آزاله. اسم عزيز أعزّ من شاء بأفضاله وإقباله وأذلّ أعداءه بسلاسله وأغلاله، والتخليد فى جحيمه وأنكاله. قوله جل ذكره: [سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) «الْكَوْثَرَ» : أي الخير الكثير. ويقال: هو نهر في الجنة. ويقال: النبوّة والكتاب. وقيل: تخفيف الشريعة. ويقال: كثرة أمّته. ويقال: الأصحاب والأشياع. ويقال: نور في قلبه. ويقال: معرفته بربوبيته. «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» أي صلّ صلاة العيد «وَانْحَرْ» النّسك «١» ويقال: جمع له في الأمر بين: العبادة البدنية، والمالية. ويقال «وَانْحَرْ» أي استقبل القبلة بنحرك. أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك «٢»

стр. 2065

ويقال: ضع يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نحرك. «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» أي: لا يذكر بخير، منقطع عنه كل خير. «١»

стр. 2066

سورة الكافرون «١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من آمن بها أمن من زوال النّعمى، وحظى بنعيم الدنيا والعقبى، وسعد سعادة لا يشقى، ووجد ملكا لا يفنى، وبقي في العزّ والعلى. قوله جل ذكره: [سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) من أصنامكم. «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» «ما» أعبد أي «من» أعبد. «وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ» فى زمانكم. «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» كرّر اللفظ على جهة التأكيد. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» أي: لكم جزاؤكم على دينكم، ولى الجزاء على دينى.

стр. 2067

والعبودية «١» القيام بأمره على الوجه الذي به أمر، وبالقدر الذي به أمر، وفي الوقت الذي فيه أمر. ويقال: صدق العبودية في ترك الاختيار، ويظهر ذلك في السكون تحت تصاريف الأقدار من غير انكسار. ويقال: العبودية انتفاء الكراهية بكلّ وجه من القلب كيفما صرّفك مولاك.

стр. 2068

سورة النّصر قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» : اسم كريم يبصر ويستر، ويعلم ويحلم «١» ، ويمدح ولا يفضح، ويعفو عن جميع ما يجترم العبد ويصفح يعصى العبد على التوالي، ويغفر الحقّ ولا يبالى. قوله جل ذكره: [سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) النصر الظّفر بالعدوّ، و «الْفَتْحُ» فتح مكة. «وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً» يسلمون جماعات جماعات. «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ» أكثر حمد ربّك، وصلّ له، وقدّسه. ويقال: صلّ شكرا لهذه النعمة. «وَاسْتَغْفِرْهُ» وسل مغفرته. «إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» . لمن تاب فإنه يقبل توبته. ويقال: نصرة الله- سبحانه- له بأن أفناه عن نفسه، وأبعد عنه أحكام البشرية، وصفّاه من الكدورات النفسانية. وأمّا «الْفَتْحُ» : فهو أن رقّاه إلى محلّ الدنوّ، واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لباس الجمع، واصطلمه عنه، وكان له عنه، ولنفسه- سبحانه- منه، وأظهر عليه ما كان مستورا من قبل من أسرار الحقّ، وعرّفه- من كمال معرفته به- ما كان جميع الخلق متعطشا إليه «٢» .

стр. 2069

سورة أبى لهب قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة جبّارة للمذنبين، تجبر أعمالهم، وتحقّق آمالهم، وهي للعارفين تصغر فى أعينهم أحوالهم، وتكمّل- عن شواهدهم- امتحاءهم «١» واستئصالهم، وتحقّق لهم- بعد فنائهم عنهم- وصالهم. قوله جل ذكره: [سورة المسد (١١١) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) أي: خسرت يداه. «ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» ما أغنى عنه ماله ولا كسبه الخبيث- شيئا. وقيل: «ما كَسَبَ» : ولده «٢» . قوله جل ذكره: «سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ «٣» الْحَطَبِ» يلزمها إذا دخلها فلا براح له منها. وامرأته أيضا ستصلى النار معه. «فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» .

стр. 2070

«مَسَدٍ» شىء مفتول، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريق رسول الله ﵊. ويقال: سحقا لمن لا يعرف قدرك- يا محمد. وبعدا لمن لم يشهد ما خصصناك به من رفع محلّك، وإكبار شأنك ... ومن ناصبك كيف ينفعه ماله؟ والذي أقميناه لأجلك وقد (أساء) «١» أعماله.. فإنّ إلى الهوان والخزي مآله، وإنّ على أقبح حال حال امرأته وحاله.
следующие страницы →