القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤١]
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ إما بدل من الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ وإما صفة للمنافقين:
أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو هزيمة فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أي:
نصر وتأييد وظفر وغنيمة قالُوا لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي: مظاهرين لكم، فلنا دخل في فتحكم، فليكن لنا شركة في غنيمتكم وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ أي:
إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلي ثم تكون لها العاقبة قالُوا أي: الكفرة توددا إليهم، ومصانعة لهم، ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم لضعف إيمانهم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بأن ثبطناهم عنكم، وتوانينا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم. وإلا لكنتم نهبة للنوائب. وتسمية (ظفر المسلمين) فتحا، و (ما للكافرين) نصيبا لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ الكافرين.
قال في (الانتصاف) : وهذا من محاسن نكت القرآن. فإن الذي كان يتفق للمسلمين فيه، استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع. والله أعلم.
قال بعض الزيدية: في الآية دلالة على وجوب محبة نصرة المؤمنين وكراهة أن تكون اليد عليهم. وتحريم خذلانهم. وإن المنافق لا سهم له. لأن في الآية إشارة إلى أنهم طلبوا لما منعوا، فقالوا: ألم نكن معكم؟ ثم قال. يجوز التأليف من الغنيمة للمنافقين، كما فعل الرسول ﷺ يوم حنين. حتى أعطى الواحد منهم مائة ناقة، والواحد من المسلمين الشاة أو البعير. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب. أي: فلا يغترّ المنافقون بحقن دمائهم في الدنيا لتلفظهم بالشهادة. لما له تعالى في ذلك من الحكمة. فيوم القيامة لا ينفعهم ظواهرهم. وقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ردّ على المنافقين فيما أمّلوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين. وفيما سلكوه من
стр. 1367
مصانعتهم الكافرين خوفا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم. كما قال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ إلى قوله نادِمِينَ [المائدة: ٥٢] . أي: لن يسلط الله الكافرين على المؤمنين فيستأصلوهم بالكلية. وإن حصل لهم ظفر حينا مّا. أفاده ابن كثير وهذا التأويل روعي فيه سابق الآية ولا حقها، وأن السياق في (المنافقين) وهو جيد. ويقرب منه ما في تفسير ابن عباس من حمل (الكافرين) على يهود المدينة. ومن وقف مع عمومها، قال: المراد بالسبيل الحجة. وتسميتها (سبيلا) لكونها موصلا للغلبة. أو المراد: ما دام المؤمنون عاملين بالحق غير راضين بالباطل ولا تاركين للنهي عن المنكر. كما قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] . قال: فلا يراد أنه قد يدال للكافرين.
تنبيه:
قد يستدل بهذه الآية على أن الكافر لا ينكح مؤمنة. وأنه لا يلي على مؤمنة في نكاح ولا سفر. وأن الكافر لا يشفع المؤمن. وهذا قول الهادي في (الأحكام) والنفس الزكية والراضي بالله. وروي مثله عن الحسن الشعبيّ وأحمد. وقال في (المنتخب) والمؤيد بالله والحنفية والشافعية: له الشفعة. لعموم أدلة الشفعة.
وبالقياس على رد المعيب فيما شرى من مسلم. ويستدل بأن المرتد تبين منه امرأته المسلمة. والخلاف: هل بنفس الردة كما يقول الحنفية، أو بانقضاء العدة كما يقول المؤيد بالله والشافعية؟ وكذلك بيع العبد المسلم من الذميّ. أجازه الحنفية ومنعه المؤيد والشافعية. لكن على الأول، يجبر على بيعه، فلا يستخدمه. قيل: والأمة مجمع على تحريم بيعها من الكافر إذا كانت مسلمة. ولا خلاف أن الآية مخصوصة بأمور. منها: الدّين يثبت للكافر على المؤمن. ومنها: أنه ينفق المؤمن على أبويه الكافرين ونحو ذلك. وإذا خص العموم فقد اختلف الأصوليون: هل تبقى دلالته على الباقي حقيقة أم مجازا؟ انتهى. وزاد بعض المفسرين: إن الكافر لا يرث المسلم. وإن المسلم لا يقتل بالذميّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٢]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢)
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي: يفعلون ما يفعل المخادع من
стр. 1368
إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والله يفعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع. حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
أي: أتوها قامُوا كُسالى
أي: متثاقلين كالمكر على الفعل. قال ابن كثير: هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها.
وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها. لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. كما روى ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان. ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح. فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه، يغفر له ويجيبه إذا دعاه.
ثم يتلو هذه الآية: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
انتهى.
قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أن من علامات المنافق الكسل في الصلاة.
والكسل: التثاقل عن الشيء لمشقته. فهذه الآية في صفة ظواهرهم كما قال وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [التوبة: ٥٤] ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة فقال يُراؤُنَ النَّاسَ
أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين. لا لإخلاص ومطاوعة أمر الله. ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا.
كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. كما
ثبت في الصحيحين «١» أن رسول الله ﷺ قال: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلا فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار.
وفي رواية «٢» : والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم.
وروى الحافظ وأبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربّه
. وقوله وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
فيه وجوه: الأول- معناه ولا يصلون إلا قليلا لأنهم إنما يصلون رياء ما دام من يرقبهم. فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. وتأويل (الذكر) بالصلاة، روي في غير ما آية عن السلف. الثاني- ولا يذكرون الله في
стр. 1369
صلاتهم إلا قليلا. لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون. بل هم في صلاتهم ساهون لا هون.
وقد روى الإمام مالك «١» عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله ﷺ : تلك صلاة المنافق. تلك صلاة المنافق. تلك صلاة المنافق.
يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وكذا رواه مسلم والترمذيّ والنسائيّ
. الثالث- معناه: ولا يذكرون الله بالتهليل والتسبيح إلا ذكرا قليلا في الندرة. على أن الذكر بمعناه المتبادر منه.
وعليه، فمن علامات النفاق استغراق الأوقات بحديث الدنيا، وقلة ذكره تعالى بتحميد أو تهليل أو تسبيح. كما أن من صفات المؤمنين ذكر الله تعالى كثيرا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٣]
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل (يراؤن) أو منصوب على الذم و (ذلك) إشارة إلى الإيمان والكفر. المدلول عليهما بمعونة المقام. أو إلى (المؤمنين والكافرين) ، فيكون ما بعده تفسيرا له. أي: مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى. وحقيقة المذبذب الذي يذبّ عن كلا الجانبين. أي: يذاد ويدفع، فلا يقرّ في جانب واحد. إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب. كأنّ المعنى كلما مال إلى جانب ذبّ عنه لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي: لا منضمين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين. وقال مجاهد:
لا إِلى هؤُلاءِ، يعني أصحاب محمد ﷺ . وَلا إِلى هؤُلاءِ، يعني اليهود. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه وحجته فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي: طريقا إلى الصواب والهدى.
روى الشيخان عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال «٢» : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة: «العائرة المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع» .
стр. 1370
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً هذا نهي عن موالاة الكفرة. يعني مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. كما قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] . أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي: حجة عليكم في عقابكم بموالاتكم إياهم. وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه. لا المخالقة والإحسان. قال الزمخشريّ: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن. قال أبو السعود: وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: أتجعلون ... إلخ، للمبالغة في إنكار ذلك، وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر على العاقل إرادته، فضلا عن صدور نفسه. كما في قوله : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ [البقرة: ١٠٨] .
لطيفة:
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كل سلطان في القرآن حجة. وكذا قال غيره من أئمة التابعين. قال محمد بن يزيد: هو من (السليط) . وهو دهن الزيت لإضاءته. أي: فإن الحجة من شأنها أن تكون نيّرة. وفي (البصائر) إنما سمى الحجة سلطانا لما يلحق من الهجوم على القلوب. لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٥]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥)
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ قرئ بسكون الراء وفتحها الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ أي الطبق الذي في قعر جهنم. والدرك كالدرج. إلا أنه يقال باعتبار الهبوط. والدرج
стр. 1371
باعتبار الصعود. وإنما عوقبوا بذلك لأنهم أخبث الكفرة. إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين.
قال الرازيّ: وبسبب أنهم لمّا كانوا يظهرون الإسلام، يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك. فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين. فلهذه الأسباب عوقبوا بذلك. ونقل عن ابن الأنباريّ أنه قال: إنه تعالى أخبر عن آل فرعون بقوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦] ، وعن المنافقين بما في هذه الآية. فأيهما أشد عذابا؟ فأجاب: بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل. وقد اجتمع فيه الفريقان. والله أعلم.
روى الترمذيّ «١» عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان على منبر البصرة، إن النبيّ ﷺ قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما، وما تفضي إلى قرارها
. وكان عمر ﵁ يقول: أكثروا ذكر النار. فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد.
وروى الترمذيّ «٢» عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره
وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي: ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٦]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي: عن النفاق وَأَصْلَحُوا أي: أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي: وثقوا به بترك موالاة الكفار وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فلم يبق لهم فيه تردد.
ولم يريدوا بطاعتهم إلا وجهه سبحانه، لا رياء الناس كما كانوا قبل. فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيّز الصلة. وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة. أي: لعلو رتبتهم بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الأسفل، بل مع المؤمنين المستمرين على الإيمان بلا نفاق. أي: معهم في درجات الجنان. وقد بيّن ذلك بقوله سبحانه وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ثوابا وافرا في الجنة. فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. وحذفت
стр. 1372
(الياء) في الخط هنا اتباعا للفظ. لسكونها وسكون اللام بعدها. ومثله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: ٦] ، و: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] ، و: يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ [ق: ٤١] ونحوها. فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. فجاء الرسم تابعا للّفظ. والقراء يقفون عليه دون ياء، اتباعا للخط الكريم. إلا يعقوب والكسائيّ وحمزة. فإنهم يقفون بالياء، نظرا إلى الأصل. كذا في (الفتح) .
تنبيه:
قال الزمخشريّ: فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ب (المنافق) فللتغليظ،
كقوله «١» : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا.
ومنه قوله ﵊ «٢» : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان
. وقيل لحذيفة ﵁: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه. فقال: كنا نعده من النفاق:
انتهى كلامه.
أقول: قول الزمخشريّ (فللتغليظ) يوجد مثله لثّلة من شراح الحديث وغيرهم. وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبيّ ﷺ . وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه. وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى. وقال بعض المحققين: عليك أن تقر الأحاديث كما وردت، لتنجو من معرة الخطر. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٧]
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ قال أبو السعود: هو استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم، وجودا وعدما، إنما هو كفرهم. لا شيء آخر. فيكون مقررا
стр. 1373
لما قبله من إثابتهم عند توبتهم. و (ما) استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده. أي: أيّ شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم؟ أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثار؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنيّ المتعالي عن أمثال ذلك. وإنما هو أمر يقتضيه كفركم. فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر، انتفى التعذيب لا محالة. وتقديم (الشكر) على (الإيمان) لما أنه طريق موصل إليه. فإن الناظر يدرك أوّلا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما. ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً الشكر منه تعالى المجازاة والثناء الجميل. كما في (القاموس) . ويرحم الله ابن القيم حيث يقول في (الكافية الشافية) :
وهو الشكور فلن يضيّع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان
ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذّبوا فبعدله، أو نعّموا ... فبفضله، والحمد للرحمن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٨]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨)
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالقبيح من القول إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء. فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه، حتى إنه يجيب دعاءه. ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة. فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه، فليس المراد حصر معنى الآية فيه. بل القصد تنبيه المستمع على النوع. فمن ذلك ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس «١» في الآية، يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما. فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه. وذلك قوله إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وإن صبر فهو خير له. ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق وابن إسحاق وهنّاد بن السريّ عن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلا فأساء قراه، فتحول عنه.
فجعل يثني عليه بما أولاه. فرخص له أن يثني عليه بما أولاه. وفي رواية عنه: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وفي
стр. 1374
رواية: هو الضيف المحول رحله. فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
قال ابن كثير: وقد روى الجماعة (سوى النسائيّ والترمذيّ) عن عقبة بن عامر «١» قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم.
وروى الإمام أحمد «٢» عن المقدام أبي كريمة عن النبيّ ﷺ أنه قال: أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله.
وروى هو وأبو داود «٣» عنه أيضا. سمع رسول الله ﷺ يقول: ليلة الضيف واجبة على كل مسلم.
فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه. فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه
. ومن هذا القبيل
الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إن لي جارا يؤذيني. فقال له: أخرج متاعك فضعه على الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق. فكل من مرّ به قال: ما لك؟ قال جاري يؤذيني.
فيقول: اللهم! العنه. اللهم! أخزه. قال فقال الرجل: ارجع إلى منزلك. والله! لا أوذيك أبدا. ورواه أبو داود «٤» في كتاب الأدب.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزريّ، في هذه الآية. هو الرجل يشتمك فتشتمه. ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه. لقوله تعالى وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] . وقال قطرب: معنى الآية: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول، من كفر أو نحوه. فهو مباح له. وسئل المرتضى عنها فقال: لا يحب الله ذلك ولا يجيزه لفاعله. إلا من ظلم. وذلك مثل ما كان من مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول الله ﷺ ، من العقاب والضرب، ليشتموا رسول الله ﷺ ويتبرءوا منه. ففعل ذلك عمار. فخلّوه وصلبوا صاحبه. فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه. وفي عمار وصاحبه نزل قول الله في سورة النحل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦] . فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من شحنه بالإيمان. انتهى.
стр. 1375
وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها. وما نقله السمرقنديّ وغيره عن الفراء في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أن إِلَّا بمعنى (لا) يعني: ولا من ظلم- فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه: فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه. ويؤيده
الحديث الذي رواه الإمام أحمد «١» وأبو داود والنسائيّ وابن ماجة والحاكم، عن الشريد بن سويد عن رسول الله ﷺ أنه قال «٢» : ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته.
وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة.
فوائد:
قال بعض مفسري الزيدية: أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه. ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها، لم يكفر. لأنه مظلوم. وإذا ثبت بطلان حكم لفظ (الكفر) مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال: والمحبة هاهنا بمعنى الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى.
أقول: هذه نزغة اعتزالية.
ثم قال: وتسميته سوءا، لكونه يسوء المقول فيه. وإلا فليس بقبيح في هذه الحال.
ثم قال: وقول من قال (إلا) هنا بمعنى (الواو) أي: ومن ظلم، مثل:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
فخلاف الظاهر. انتهى.
وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة. قال الشعبيّ: يعجبني الرجل إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبلغ كلامه الحجاج فقال: لله دره! أي رجل بين جنبيه! وتمثل:
ولا خير في عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه
وقال أعرابيّ لابن عباس ﵄: أتخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل
стр. 1376
فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى. فقال: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.
وقال المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
لطيفة:
الاستثناء في قوله تعالى إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إما متصل أو منقطع. فعلى الأول فيه وجهان: الأول- قول أبي عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظلم. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني- قول الزجاج: المصدر هاهنا بمعنى الفاعل. أي: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى أنه منقطع، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه. كما قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢] . ووعيد له أيضا بأن يتعدّى في الجهر المأذون فيه.
بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك. ثم حث سبحانه على العفو بعد ما جوّز الجهر بالسوء وجعله محبوبا، حثّا على الأحب إليه والأفضل عنده. وإلا دخل في الكرم والتخشع والعبودية، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٤٩]
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أي: طاعة وبرّا أَوْ تُخْفُوهُ أي: تعملوه سرّا أَوْ تَعْفُوا أي: تتجاوزوا عَنْ سُوءٍ أي: ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام. فعليكم أن تقتدوا بسنة الله بالعفو مع القدرة. فثمرة هذه الآية الحث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء، وإن كان على وجه الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق. وإنما كان المقصود العفو لأن ما قبلها في ذكر السوء والجهر به. فمقتضى السياق: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظلم. فإن عفا المظلوم عنه، ولم يدع على ظالمه ويتظلم منه، فإن الله عفوّ قدير. وإنما ذكر قبله إبداء الخير وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء. لأنه يعلم من مدح حالي الخير: السر والعلانية، أن السوء ليس كذلك جهرا وإخفاء. فينبغي العفو عنه وتركه. وإنما عطف
стр. 1377
(العفو) ب (أو) مع دخوله في الخير بقسميه، للاعتداد به، والتنبيه على منزلته، وكونه من الخير بمكان مرتفع. وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود وأنه من قبيل:
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٨] . لأن مثله يعطف بالواو لا ب (أو) ولذا حمل الخير على الطاعة والبر مما هو عبادة وقربة فعلية. لتغاير العفو. فالمراد بالتوطئة ذكر ما هو مناسب وقدم عليه. كذا في (العناية) .
قال ابن كثير.
ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله. فيقول بعضهم:
سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك.
وفي الحديث الصحيح «١» : ما نقصت صدقة من مال. وما زاد الله عبدا يعفو إلا عزّا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
وقال الرازيّ: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق وخلق مع الخلق والذي يتعلق مع الخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم.
ودفع ضرر عنهم. فقوله: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ إشارة إلى إيصال النفع إليهم.
وقوله أَوْ تَعْفُوا إشارة إلى دفع الضرر عنهم. فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.
ثم نزل في اليهود إلى أواخر السورة قوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس: يعني كعبا وأصحابه وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي في الإيمان وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرسل وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم. كما قالوا: نؤمن بموسى والتوراة، ونكفر بما وراء ذلك. وما ذاك إلا كفر بالله تعالى ورسله، وتفريق بين الله تعالى ورسله في الإيمان.
لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بكل نبيّ يأتي مصدقا لما معهم، ونصره. ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل، وبالله تعالى من حيث لا يحتسب. لأنهم لما تساووا
стр. 1378
في المعجزات والدعوة إلى الحق، والقيام بالخيرات في أنفسهم، كان الكفر بواحد منهم كفرا بالكل. بل وبالله. إذ يعتقدون فيه أنه صدّق الكاذب بخلق المعجزات.
كذا في (التبصير) وَيُرِيدُونَ أي: بقولهم ذلك أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي بين الإيمان ببعض، والكفر ببعض سَبِيلًا دينا يسلكونه. مع أنه لا واسطة بينهما قطعا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥١]
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١)
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي الذين كفروا كفرا ثابتا لا ريب فيه. فلا عبرة بمن ادعوا الإيمان به. لأنه ليس شرعيّا. إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون به. وهو عذاب جهنم. أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه، وإقبالهم على جمع حطام الدنيا. وإما بكفرهم به، بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبارهم في عهده ﷺ .
حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة. وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه.
فسلط الله عليهم الذل الدنيويّ الموصول بالذل الأخرويّ. وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله في الدنيا والآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٢]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بهم أمة محمد ﷺ . فإنهم يؤمنون بكل نبيّ بعثه الله. ولا يفرقون بين أحد منهم، بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين. كما فعله الكفرة أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أي: يعطيهم أُجُورَهُمْ ثواب إيمانهم بالله ورسله في الآخرة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً أي: لما فرط منهم رَحِيماً مبالغا في الرحمة عليهم، بتضعيف حسناتهم.
ثم بيّن تعالى ما جبل عليه اليهود من اللجاج والعناد، والبعد عن طريق الحق، بقوله:
стр. 1379
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٣]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣)
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ قال ابن عباس: كعب وأصحابه أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ أي: كما نزلت التوراة على موسى جملة في الألواح. مع أنه لا حاجة لهم إلى طلب ذلك بعد ما وضحت البراهين على نبوتك، لا سيما بإعجاز ما نزل عليك من الفرقان. إلا أن الذي حملهم على سؤالهم هو التعنت والكفر. كما قال قبلهم كفار قريش نظير ذلك: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ...
[الإسراء: ٩٠] الآيات. ولهذا قال تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ أي: مما سألوك فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي: رؤية ظاهرة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي النار النازلة من السماء بِظُلْمِهِمْ أي: جراءتهم على الله وعتوّهم وعنادهم. إذ لا يرون آية إلا يطلبون أكبر منها. حتى يروا آية ملجئة إلى الإيمان. بحيث لا يفيد الإيمان معها.
فلا يكادون يؤمنون إيمانا يفيدهم أصلا، ولا يبعد منهم الكفر، بعد رؤية الآيات.
فإنهم رأوا آيات موسى ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي: إلها وعبدوه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي: الدلائل القاطعة على نفي الشرك. ثم تابوا عنه فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي:
تركناهم ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي: حجة بينة وتسلطا ظاهرا على إهلاك من خالفه. وفي ذلك بشارة للنبيّ ﷺ بنصره، وإن بالغوا في العناد والإلحاد. ثم أشار إلى أنهم مع رؤيتهم الآيات، لم ينقادوا لأوامر موسى. كما قال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٤]
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤)
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ أي: الجبل ليتحملوا التكليف بِمِيثاقِهِمْ أي:
بسبب أخذ ميثاقهم. ليخافوا فلا ينقضوه.
قال ابن كثير: وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء على ما جاءهم به موسى ﵇، رفع الله على رؤوسهم جبلا. ثم ألزموا
стр. 1380
وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم. كما قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ... [الأعراف: ١٧١] الآية، وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أي: ادخلوا باب إيلياء مطأطئين، عند الدخول، رؤوسكم. فخالفوا ما أمروا به. وقد تقدم في سورة البقرة إيضاح هذه الآيات مفصلا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعا لهم وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي: عهدا شديدا. فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله . كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ... [الأعراف: ١٦٣] . ثم بين تعالى ما أوجب لعنهم وطردهم ومسخهم من مخالفتهم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٥]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥)
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (ما) مزيدة للتأكيد، أو نكرة تامة. و (نقضهم) بدل منها. والباء متعلقة بفعل محذوف. أي فبسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم، فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم، أو على أعقابهم وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي: حججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ كزكريا ويحيى ﵉.
قال العلامة البقاعيّ: وهو أعظم من مطلق كفرهم. لأن ذلك سدّ لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم. لأن الأنبياء سبب الإيمان. ولما كان الأنبياء معصومين من كل نقيصة، ومبرأين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه، قال تعالى بِغَيْرِ حَقٍّ أي: كبير ولا صغير أصلا. وهذا الحرف لكونه في سياق طعنهم في القرآن، الذي هو أعظم الآيات، وقع التعبير فيه بأبلغ مما في آل عمران. لأن هذا مع جمع الكثرة. وتنكير الحق، عبر فيه بالمصدر، المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة. بخلاف ما مضى. فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض.
ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع (أغلف) أي: هي مغشاة بأغشية جبلّية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد ﷺ . كما قال تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ...
стр. 1381
[فصلت: ٥] . أي: فلا ذنب لنا: لأن قلوبنا خلقت بعيدة عن فهم ما يقول الأنبياء. وذلك سبب قتلهم ورد قولهم. وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبيّ الكريم ويشهدون له بالرسالة، وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفونه بأشهر صفاته ويترقبون إتيانه. لا جرم ردّ الله عليهم بقوله، عطفا على ما تقديره (وقد كذبوا) لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان. فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفا بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ أي:
ليس كفرهم، وعدم وصول الحق إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلّة. بل الأمر بالعكس. حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم. لأنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر. فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقص عن الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وتركوا ما تدعو إليه عقولهم، طبع سبحانه عليهم فجعلها قاسية محجوبة. ولذا سبب عنه قوله فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم. كعبد الله بن سلام وأضرابه. أو: إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به لتمرن قلوبهم على الكفر والطغيان.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٦]
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦)
وَبِكُفْرِهِمْ أي: بعيسى ﵇. وهو عطف على (قولهم) وإعادة الجار لطول ما بينهما. وقد جوز عطفه على (بكفرهم) فيكون هو وما عطف عليه من أسباب الطبع. وقيل هذا المجموع معطوف على مجموع ما قبله. تكرير الكفر للإيذان بتكرر كفرهم. حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام. كذا في أبي السعود وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً أي: مع قولهم الذي يجترءون به على مريم ﵍، بعد ظهور كراماتها وإرهاصات ولدها ومعجزاته، يبهتونها به.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٧]
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ.
قال أبو السعود: نظم قولهم هذا في سلك سائر جناياتهم التي نعيت عليهم
стр. 1382
ليس لمجرد كونه كذبا، بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبيّ ﵇ والاستهزاء به. فإن وصفهم له ﵇ بعنوان الرسالة إنما هو بطريق التهكم به ﵇.
كما في قوله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر: ٦] . ولإنبائه عن ذكرهم له ﵇ بالوجه القبيح، على ما قيل من أن ذلك وضع للذكر الجميل من جهته تعالى، مكان ذكرهم القبيح. وقيل: هو نعت له ﵊ من جهته تعالى. مدحا له، ورفعا لمحله، وإظهارا لغاية جراءتهم، في تصديهم لقتله، ونهاية وقاحتهم في افتخارهم بذلك.
لطيفة:
قال الراغب: سمي عيسى بالمسيح لأنه مسحت عنه القوة الذميمة، من الجهل والشره والحرص وسائر الأخلاق الذميمة. كما أن الدجال مسحت عنه القوة المحمودة من العلم والعقل والحلم والأخلاق الحميدة. وقال شمر: لأنه مسح بالبركة. وهو قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [مريم: ٣١] . أو لأن الله مسح عنه الذنوب.
وذكر المجد في كتابه (البصائر) في اشتقاقه ستة وخمسين قولا. وتطرّق شارح القاموس لبعضها. فانظره وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي: لا يصح لهم الفخر بقتله. لأنهم ما قتلوه. ولا متمسك لهم فيما يزعمونه من صلبهم إياه. لأنهم ما صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من ألقى عليه شبهه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في شأن عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: من قتله. وسنبينه بعد ما لَهُمْ بِهِ أي: بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع. أي: لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي: قتلا يقينا بمعنى متيقنين أنه عيسى ﵇، بل فعلوه شاكّين فيه. أو المعنى: انتفى قتله انتفاء يقينا بمعنى انتفائه على سبيل القطع.
قال البرهان البقاعي: وهو أولى لقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٨]
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ردّ وإنكار لقتله. وإثبات لرفعه. أي: اليقين إنما هو في رفعه إليه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي: لا يبعد رفعه على الله. لأنه عزيز لا يغلب على ما يريده. وحكيم اقتضت حكمته رفعه. فلا بد أن يرفعه. وهي حفظه لتقوية دين محمد ﷺ ، حين انتهائه إلى غاية الضعف بظهور الدجال، فيقتله. أفاده المهايميّ.
стр. 1383
تنبيه:
لا خفاء في أن هذه الآية الكريمة لتكذيب اليهود في دعوى الصلب التي تابعهم عليها أكثر النصارى، ولتبرئة ساحة مقام عيسى ﵇ مما توهموه في ذلك. ولما كانت هذه الآية من مباحث الأمتين، ومعارك الفرقتين- أردت بسط الكلام في هذا المقام. انتهاجا للحق. وأخذا بناصر الصدق. وردّ أباطيل المكذبين.
وتزييف أقوال الملحدين. نورد أولا ما زعموه ورووه. مما نفاه التنزيل الكريم. ثم بطلان المرويّ عندهم وتهافته بالحجج الدامغة. ثم ما رواه أئمة سلفنا ﵃ في هذه القصة. ثم رد زعمهم أن إلقاء الشبه سفسطة. ثم سقوط دعواهم التواتر في الصلب. ثم تزييف تفسير بعض النصارى لهذه الآية، وأنها مطابقة لمعتقدهم على زعمه. مع ذكر من رفض عقيدة الصلب من فرق النصارى. وذكر ما روي في إنجيل خامس يوافق عقيدة المسلمين، ويطابق هذه الآية. ونختم هذه المباحث بما قاله شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية ﵁ في هذه الآية، وأبدع، على عادته قدس سره. فهذا المطالب ينبغي معرفتها لكل طالب. إذ تفرعت إلى مباحث فائقة. وفوائد شائقة. فنقول وبالله التوفيق:
ذكر ما زعموه ورووه مما نفاه التنزيل الكريم
جاء في الفصل الثاني والعشرين من إنجيل لوقا ما نصه:
٢- كان رؤساء الكهنة والكتبة يلتمسون كيف يقتلون يسوع لكنهم كانوا يخافون من الشعب.
٣٨- أي لأن الشعب كلهم كانوا يبكرون إليه في الهيكل (وهو الكنيسة) ليستمعوه.
إنجيل لوقا
الأصحاح الحادي والعشرون
(٣٧) وكان في النهار يعلّم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون.
(٣٨) وكان كل الشعب يبكّرون إليه في الهيكل ليسمعوه.
٣٧- وكان في النهار يعلم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل المسمى
стр. 1384
جبل الزيتون. كما ذكر لوقا قبل الفصل.
٣- فدخل الشيطان في يهوذا الملقب بالأسخريوطيّ وهو أحد الاثني عشر.
٤- فمضى وفاوض رؤساء الكهنة والولاة كيف يسلمه إليهم.
٥- ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة.
٦- فواعدهم وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم بمعزل عن الجمع.
٧- وبلغ يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح.
٨- فأرسل بطرس ويوحنا قائلا: امضيا فأعدّا لنا الفصح لنأكل.
٩- فقالا له: أين تريد أن نعدّ.
١٠- فقال لهما: إذا دخلتما المدينة يلقاكما رجل حامل جرة ماء. فاتبعاه إلى البيت الذي يدخله.
الأصحاح الثاني والعشرون
١- وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح.
٢- وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه. لأنهم خافوا الشعب.
٣- فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطيّ وهو من جملة الاثني عشر.
٤- فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقوّاد الجند كيف يسلّمه إليهم.
٥- ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة.
٦- فواعدهم. وكان يطلب فرصة ليسلّمه إليهم خلوا من جمع.
٧- وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح.
٨- فأرسل بطرس ويوحنّا قائلا اذهبا وأعدّا لنا الفصح لنأكل.
٩- فقالا له أين تريد أن نعدّ.
١٠- فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حامل جرّة ماء. اتبعاه إلى البيت حيث يدخل.
١١- وقولا لرب البيت: المعلم يقول لك أين يكون المنزل الذي آكل فيه الفصح مع تلاميذي.
١٢- فهو يريكما غرفة كبيرة مفروشة. فأعدّا هناك.
١٣- فانطلقا فوجدا كما قال لهما وأعدا الفصح.
стр. 1385
١٤- ولما كانت الساعة اتكأ هو والرسل الاثنا عشر معه.
١٥- فقال لهم: لقد اشتهيت شهوة أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.
١٦- فإني أقول لكم: إني لا آكله بعد حتى يتم في ملكوت الله.
١٧- ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم.
١٨- فإني أقول لكم: إني لا أشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله.
١٩- وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا: هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلهم.
اصنعوا هذا لذكري.
٢٠- وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا: هذه هي الكأس العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم.
٢١- ومع ذلك فها إن يد الذي يسلمني معي على المائدة.
٢٢- وابن البشر ماض كما هو محدود ولكن الويل لذلك الرجل الذي يسلمه.
٢٣- فطفقوا يسألون بعضهم بعضا: من كان منهم مزمعا أن يفعل ذلك.
٢٤- ووقعت بينهم مجادلة في أيهم يحسب الأكبر.
٢٥- فقال لهم: إن ملوك الأمم يسودونهم والمسلطين عليهم يدعون محسنين.
٢٦- وأما أنتم فلستم كذلك. ولكن ليكن الأكبر فيكم كالأصغر. والذي يتقدم كالذي يخدم.
٢٨- وأنتم الذين ثبتّم معي في تجاربي.
٢٩- فأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي.
٣٠- لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.
٣١- وقال يسوع: سمعان سمعان هو ذا الشيطان سأل أن يغربلكم مثل الحنطة.
٣٢- لكني صليت من أجلك لئلا ينقص إيمانك وأنت متى رجعت فثبّت إخوتك.
٣٣- فقال له: أنا مستعد أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت.
٣٤- قال: إني أقول لك يا بطرس إنه لا يصيح الديك اليوم حتى تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني.
٣٩- ثم خرج ومضى على عادته إلى جبل الزيتون وتبعه التلاميذ.
٤٠- فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا في تجربة.
стр. 1386
٤١- ثم فصل عنهم نحو رمية حجر وخر على ركبتيه وصلى.
٤٢- قائلا: يا رب إن شئت فأجز عني هذه الكأس لكي لا تكن مشيئتي بل مشيئتك.
٤٣- وتراءى له ملاك من السماء يشدّده.
٤٤- ولما أخذ في النزاع أطال في الصلاة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض.
٤٥- ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن.
٤٦- فقال لهم: ما بالكم نائمين. قوموا فصلوا لئلا تدخلوا في تجربة.
٤٧- وفيما هو يتكلم وإذا بجمع يتقدمهم المسمى يهوذا أحد الاثني عشر فدنا من يسوع ليقبله.
٤٨- فقال له يسوع: يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن البشر.
٤٩- فما رأى الذي حوله ما سيحدث قالوا له: أنضرب بالسيف.
٥٠- وضرب أحدهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى.
٥١- فأجاب يسوع وقال: قفوا لا تزيدوا. ثم لمس أذنه فأبرأه.
٥٢- ثم قال يسوع للذين جاءوا إليه من رؤساء الكهنة وولاة الهيكل والشيوخ:
كأنما خرجتم إلى لص بسيوف وعصي.
٥٣- إني كل يوم كنت معكم في الهيكل ولم تمدوا علي أيديكم ولكن هذه ساعتكم وهذا سلطان الظّلمة.
حينئذ تركه تلاميذه وهربوا.
٥٤- فارتموا على يسوع قبضوا عليه وقادوه إلى بيت رئيس الكهنة.
وكان الكتبة والرؤساء مجتمعين. وهناك أعطى يهوذا الحواري الثلاثين درهما التي أخذها رشوة على تسليم المسيح.
وكان بطرس يتبعه من بعيد ...
٥٤- فجلس داخلا مع الخدام لينظر الغاية.
٥٥- وأضرموا نارا في وسط الدار وجلسوا حولها فجلس بطرس بينهم.
٥٦- فرأته جارية جالسا عند الضوء فتفرست فيه ثم قالت: إن هذا أيضا كان معه.
٥٧- فكفر أمام الجمع وأنكره قائلا: إني لست أعرفه.
стр. 1387
٥٨- وبعد قليل رآه آخر فقال: أنت أيضا منهم. فأخذ بطرس يحلف لا أعرف هذا الرجل ولست منهم.
٥٩- وبعد نحو ساعة أكد عليه آخر قائلا: في الحقيقة هذا أيضا كان معه فإنه جليلي.
٦٠- فقال بطرس: يا رجل لا أدري ما تقول.
قال مفسروهم: إن خطأ بطرس هذا كان ثقيلا: لأن المسيح قال: من ينكرني أمام الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات.
٦٠- وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك.
٦١- فالتفت يسوع ونظر إلى بطرس فتذكر كلامه إذ قال: إنك قبل أن يصيح الديك. تنكرني ثلاث مرات.
٦٢- فخرج بطرس وبكى بكاء مرّا.
٦٣- وكان الرجال الذين قبضوا عليه يهزئون به ويضربونه.
٦٤- وغطوه وطفقوا يلطمونه ويسألونه قائلين: تنبأ من الذي ضربك.
٦٥- وأشياء آخر كانوا يقولونها عليه مجدفين.
٦٦- ولما كان النهار اجتمع شيوخ الشعب ورؤساء الكهنة عليه ليميتوه وأحضروه إلى محفلهم.
٦٧- وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تؤمنون.
٦٨- وإن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني.
٦٩- ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله.
٧٠- فقال الجميع: أفأنت ابن الله. فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو.
٧١- فقالوا ما حاجتنا إلى شهادة إنا قد سمعنا من فمه.
فأوثقوه. وأما يهوذا الأسخريوطي الدافع، لما رأى يسوع قد دين ندم ومضى فأعاد الثلاثين الفضة إلى رؤساء الكهنة قائلا: لقد أخطأت بتسليمي دما زكيا. فقالوا له: ما علينا أنت أخبر. فطرح الفضة في الهيكل وذهب فخنق نفسه، وأما رؤساء الكهنة فأخذوا الفضة وقالوا لا يحل لنا أن نضعها في بيت التقدمة لأنها ثمن دم.
١- ثم ذهب جميع جمهورهم ومضوا بيسوع إلى بيلاطس.
٢- وطفقوا يشكونه قائلين: إنا وجدنا هذا يفسد أمتنا ويمنع من أداء الجزية لقيصر
стр. 1388
ويدعي أنه هو المسيح الملك.
٣- فسأله بيلاطس قائلا: هل أنت ملك اليهود؟ فأجابه قائلا: أنت قلت.
٤- فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة وللجموع: إني لم أجد على هذا الرجل علة.
٥- فلجّوا وقالوا: إنه يهيج الشعب إذ يعلم في اليهودية كلها مبتدئا من الجليل إلى هاهنا.
٦- فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليليّ.
٧- ولما علم أنه من إيالة هيرودس أرسله إلى هيرودس وكان في تلك الأيام في أورشليم.
٨- فلما رأى هيرودس يسوع فرح جدّا لأنه من زمان طويل كان يشتهي أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة ويرجو أن يعاين آية يصنعها.
٩- فسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء.
١٠- وكان رؤساء الكهنة والكتبة واقفين يشكونه بلجاجة.
١١- فازدراه هيرودس مع جنوده وهزأ به وألبسه ثوبا لا معا وردّه إلى بيلاطس.
١٢- وتصادق هيرودس وبيلاطس في ذلك اليوم وقد كانا من قبل متعاديين.
١٣- فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب.
١٤- وقال لهم: قد قدمتم إليّ هذا الرجل كأنه يفتن الشعب. وها أنا قد فحصته أمامكم فلم أجد على هذا الرجل علة مما تشكونه به.
١٥- ولا هيرودس أيضا لأني أرسلتكم إليه وهو ذا لم يصنع به شيء من حكم الموت.
١٦- فأنا أؤدبه وأطلقه.
١٧- وكان لا بد له أن يطلق لهم في كل عيد رجلا.
١٨- فصاحوا كلهم جملة قائلين: ارفع هذا وأطلق لنا برأبّا.
١٩- كان ذاك قد ألقي في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل.
٢٠- فناداهم بيلاطس مرة أخرى وهو يريد أن يطلق يسوع.
٢١- فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه.
٢٢- فقال لهم مرة ثالثة: وأي شر صنع هذا؟ إني لم أجد عليه علة للموت فأنا أؤدبه وأطلقه.
٢٣- فألحوا عليه بأصوات عالية طالبين أن يصلب واشتدت أصواتهم.
стр. 1389
٢٤- فحكم بيلاطس أن يجرى مطلبهم.
٢٥- فأطلق لهم الذي طلبوه ذاك الذي ألقي في السجن لأجل فتنة. وجلد يسوع بالسياط وأسلمه ليصلب.
قال مفسروهم: ولذا يظهر أن اللصين اللذين صلبا معه جلدا أيضا والجلادون كانوا ستين نفرا. وأرشاهم اليهود ليميتوه بالجلد خشية أن يطلقه بيلاطس ونزعوا ثيابه وألبسوه لباسا قرمزيا وضفروا إكليلا من شوك العوسج ووضعوه على رأسه، وأنشبوا في رأسه عنفا أشواكه الحادة. ومن هنا أخذت الكنيسة العادة على إبقاء إكليلا من شعر في رأس الكهنة تذكارا لإكليل المسيح الشوكيّ. ثم جثوا على ركبهم مستهزئين به وقائلين: السلام يا ملك اليهود وتناولوا قصبة يضربون بها رأسه.
ولما هزؤا به نزعوا عنه ذلك اللباس وألبسوه ثيابه واستاقوه ليصلب. وكان يتقدمه مبوّق يدعو الشعب إلى هذا المنظر بحسب عادة اليهود. وخشبة الصلب على منكبيه.
٣٢- وانطلق معه بآخرين مجرمين ليقتلا.
ولما بلغوا إلى المكان المسمى الجمجمة صلبوه هناك هو والمجرمين، أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار ...
وناولوه خلّا بمرارة أو خمرا ممزوجا بعلقم بعد أن طلب الماء فذاقه ولم يشرب.
ولما صلبوه بالمسامير وبالحبال معها. وكانت المسامير في راحة اليدين والرجلين، ضربوا جنبه بالحربة فنفذت من صدره. وفي الصليب محل يسند إليه رجليه. واقتسموا ثيابه بالقرعة وهي ثلاثة: القميص والرداء والجبة. ولم يكن يلبس السروال كعادة تلك البلاد. وجلسوا هناك يحرسونه لئلا يسرقه أحد.
وكان الشعب واقفين ينظرون. والرؤساء يسخرون منه معهم قائلين: قد خلص آخرين فليخلص نفسه إن كان هو مسيح الله المختار.
٣٦- وكان الجند أيضا يهزئون به.
٣٧- وقائلين: إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك.
٣٨- وكان عنوان فوقه مكتوبا بالحروف اليونانية واللاتينية والعبرانية: هذا هو ملك اليهود.
стр. 1390
٤٤- ولما كان نحو الساعة السادسة حدثت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة.
٤٥- وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه.
٤٦- ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا: إيل إيل لم شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لم ذا تركتني؟ فكان أناس من القائمين يقولون: دعوا ننظر هل يأتي إيليا فيخلصه.
ثم صرخ أيضا بصوت عال وأسلم الروح.
٤٧- فلما رأى قائد المائة ما حدث مجّد الله قائلا: في الحقيقة كان هذا الرجل صديقا.
٤٨- وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين على هذا المنظر، لما عاينوا ما حدث، رجعوا وهم يقرعون صدورهم.
٤٩- وكان جميع معارفه والنساء اللواتي تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرون ذلك.
٥٠- وإذا برجل اسمه يوسف وهو صالح صديق.
٥١- ولم يكن موافقا لرأيهم وعملهم.
٥٢- فدنا إلى بيلاطس وسأله جسد يسوع فأعطاه إياه.
٥٣- فأنزله ولفه في كتان ووضعه في قرب منحوت لم يكن وضع فيه أحد.
٥٤- وكان يوم التهيئة أي: الجمعة وقد أخذ السبت يلوح ...
وفي يوم السبت اجتمع عظماء الكهنة عند بيلاطس قائلين له: قد تذكرنا أن ذاك المضل كان يقول وهو حيّ: إني أقوم بعد ثلاثة أيام. فمر أن يحرسوا القبر حتى اليوم الثالث. لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ليلا ويقولوا للشعب: إنه قام من بين الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة شرّا من الأولى. فأمر لهم بجنود يحرسون وحصنوا القبر وختموا الحجر مع الجنود. وفي عشية السبت المسفر صباحه عن الأحد أتت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر.
قال مفسروهم: إن هذه الآية أتعبت العلماء في تفسيرها والتوفيق بين أجزائها وبين أقوال باقي الإنجيليين. انتهى.
وإذا بزلزلة عظيمة قد ضارت لأن ملك الرب انحدر من السماء. وكان الملك جبريل ظهر بهيئة شاب وجاء فدحرج الحجر عن باب القبر وجلس فوقه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. ومن الخوف منه اضطرب الحراس وصاروا كالأموات.
стр. 1391
فقال للنسوة: لا تخفن. فقد عرفت أنكن تطلبن يسوع المصلوب. إنه ليس هاهنا.
فإنه قد قام.
وقال لوقا:
٥٥- كانت النساء اللواتي أتين معه من الجليل. يتبعن. فأبصرن القبر وكيف وضع فيه جسده.
٥٦- ثم رجعن وأعددن حنوطا وأطيابا. وفي السبت قررن على حسب الوصية.
١- وفي أول الأسبوع باكرا جدّا أتين إلى القبر وهن يحملن الحنوط الذي أعددناه.
٢- فوجدن الحجر قد دحرج عن القبر.
٣- فدخلن فلم يجدن جسد يسوع.
٤- وبينما هن متحيرات في ذلك إذا برجلين قد وقفا عندهن بلباس برّاق.
٥- وإذ كن خائفات ونكّسن وجوههن إلى الأرض قالا لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات.
٦- إنه ليس هاهنا لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو في الجليل.
٧- إذ قال إنه ينبغي لابن البشر أن يسلم إلى أيدي أناس خطأة ويصلب ويقوم في اليوم الثالث.
فذكرن كلامه.
ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله.
وقلن لهم: قد أخذوا يسوع من القبر ولا نعلم أين وضعوه.
١٠- ومريم المجدلية وحنّة ومريم أم يعقوب وأخر معهن هن اللواتي أخبرن الرسل بهذا.
فكان عندهم عند الكلام كالهذيان ولم يصدقوهن.
١٢- فقام بطرس وأسرع إلى القبر وتطلع فرأى الأكفان موضوعة على حدة فانصرف متعجبا في نفسه مما كان.
١٣- وإن اثنين منهم كانا سائرين في ذلك اليوم إلى قرية اسمها عمّاوس بعيدة عن أورشليم ستين غلوة.
١٤- وكانا يتحادثان عن تلك الحوادث كلها.
١٥- وفيما هما يتحادثان ويتساءلان دنا منهما يسوع نفسه وكان يسير معهما.
стр. 1392
١٦- ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته.
١٧- فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتحاوران فيه وأنتما سائران مكتئبين.
١٨- فأجاب أحدهما: أفأنت غريب في أورشليم ولم تعلم ما حدث بها في هذه الأيام.
١٩- فقال لهما: وما هو؟ قالا له ما يخص يسوع الناصري الذي كان رجلا نبيّا ذا قوة في العمل والقول أمام الله والشعب كله.
٢٠- وكيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه.
٢١- واليوم هو اليوم الثالث لحدوث ذلك.
٢٢- إلا أن نساء منا أدهشننا لأنهن بكرن إلى القبر.
٢٣- فلم يجدن جسده فأتين وقلن: إنهن رأين مظهر ملائكة قالوا إنه حي.
٢٤- فمضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا كما قالت النساء لكنهم لم يروه.
٢٥- فقال لهما: يا قليلي الفهم وبطيئي القلب في الإيمان بكل ما نطقت به الأنبياء.
٢٦- أما كان ينبغي للمسيح أن يتألم هذه الآلام ثم يدخل إلى مجده.
٢٧- ثم أخذ يفسر لهما، من موسى ومن جميع الأنبياء، ما يختص به في الأسفار كلها.
٢٨- فلما اقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها تظاهر بأنه منطلق إلى مكان أبعد.
٢٩- فألزماه قائلين: امكث معنا لأن المساء مقبل وقد مال النهار. فدخل ليمكث معهما.
٣٠- ولما اتكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما.
٣١- فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما.
٣٢- فقال أحدهما للآخر: أما كانت قلوبنا مضطرمة فينا حين كان يخاطبنا في الطريق ويشرح لنا الكتب.
٣٤- وقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم فوجدا الأحد عشر والذين معهم مجتمعين.
وهم يقولون: لقد قام يسوع في الحقيقة وتراءى لسمعان.
٣٥- فأخذا يخبران بما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز.
٣٦- وبينما هم يتحدثون بهذه وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم. أنا هو لا تخافوا.
стр. 1393
٣٧- فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم يرون روحا.
٣٨- فقال لهم: ما بالكم مرتعدين ولماذا ثارت الأوهام في قلوبكم.
٣٩- انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو جسّوني وانظروا فإن الروح لا لحم له ولا عظام كما ترون لي.
٤٠- ثم أراهم يديه ورجليه.
٤١- وإذ كانوا غير مصدقين بعد من الفرح ومتعجبين قال: أعندكم هاهنا طعام.
٤٢- فأعطوه قطعة من سمك مشويّ وشهد عسل.
٤٣- فأخذ وأكل أمامهم.
ثم أخذ الباقي وأعطاهم ...
وبعد مفاوضته معهم.
٥٠- خرج بهم إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم.
٥١- وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء.
هذا ما جاء في إنجيل لوقا ممزوجا ببعض تفاسيرهم. وإنما آثرت النقل عنه لزعمهم أن كلامه أصح وأفصح، وأشد انسجاما من كلام باقي مؤلفي العهد الجديد.
كما في (ذخيرة الألباب) من كتبهم.
فصل في بطلان ما رووه وتهافته بالحجج الدامغة
اعلم أن في كتبهم الموجودة من التضارب في هذه القصة ما يقضي بالعجب ويبرهن على عدم الوثوق بها. كما قال تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] .
قال البرهان البقاعيّ ﵀ في (تفسيره) بعد (أن ساق أزيد مما سقناه عن أناجيلهم، وقال: أحسن ما ردّ على الإنسان بما يعتقده) ما نصه: فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد. وهو الأسخريوطيّ.
وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه. وإنه إنما وضع يده عليه ولم يقل بلسانه إنه هو. وأن الوقت كان ليلا. وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكّون فيّ هذه الليلة. وأن تلاميذه كلهم هربوا فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره. وإن
стр. 1394
بطس إنما تبعه من بعيد. وإن الذي دل عليه خنق نفسه. وإن الناقل لأن الملك قال إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد. وما يدري النسوة الملك من غيره. ونحو ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن. وأما الآيات التي وقعت على تقدير تسليمها لا يضرنا التصديق بها.. وتكون لجراءتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح. وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه. ويدل على أن المصلوب، إن صح أنهم صلبوه، من ظنوه إياه، هو الذي دل عليه.
قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه. ويؤيد ذلك قولهم إنه خنق نفسه.
فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه: فجزموا به. والله أعلم.
انتهى.
وقال العلامة خير الدين الآلوسي في (الجواب الفسيح) : اعلم أن ما ذكره هذا النصرانيّ من أن المسيح ﵇ مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن، وأقام في القبر إلى صبيحة يوم الأحد، ثم انبعث حيّا بلاهوته وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وظهر بعد لحوارييه ... إلى آخر ما قاله- هو ما أجمع عليه النصارى. ويرد ذلك العقل والنقل.
وإن صدقتهم اليهود في قتله. فاستمع من المنقول ما يتلى عليك بأذن واعية. وخذ ما يأتيك من المعقول بالدلائل الهادية. على أن المقتول هو الشبه. وأن الحال عند صالبيه اشتبه. وأن المسيح رفعه الله تعالى، قبل القتل، إليه. لشرفه عنده ومكانته.
لديه. قال الله تعالى في بيان حال اليهود: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ... الآية. وفي الإنجيل أن رئيس الكهنة أقسم على المأخوذ بالله أأنت المسيح بن الله؟ فقال له:
أنت قلت. ولم يجبه بأنه المسيح. فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: نعم.
ولم يورّ ولم يتلعثم. وهو محلّف بالله. لا سيما وهو بزعمهم الإله. الذي نزل لخلاص عباده بإفداء نفسه ودخول الجحيم ولأواه.
وقال لوقا في الفصل التاسع من إنجيله.
٢٨- إن المسيح صعد قبل الصلب إلى جبل الخليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا.
٢٩- فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه وصارت تلمع كالبرق.
٣٠- وإذا موسى بن عمران وإيليا.
٣١- قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم.
стр. 1395
٣٢- وأما الذين كانوا مع المسيح فوقع عليهم النوم فناموا.
وهذا من أوضح الدلالات على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور موسى وإيليا ووقوع النوم على أصحابه إلا رفعه. ألا ترى أن اليهود كانوا يسمعون منه، ﵇ أن إيليا يأتي. فلما رفعوه على الخشبة، كما في الأناجيل، قالوا: دعوه حتى نرى أن إيليا يأتي فيخلصه. فصاروا في شك يريدون تحقيقه. فإن أتى إيليا فما رفعوه هو المسيح. وإن لم يأت فهو غيره كما في ظنهم.
فلما لم يأت ازدادوا ريبة في أمره. ومن رآه الحواريون بعد يقظتهم، يجوز أن يكون طورا من أطوار روحه. لأنه ﵇ لا يبعد أن يكون له قوة التطور. وتشكل الروح بعد الموت أمر ممكن. لا سيما وقد صدرت على يديه معجزات أعظم من ذلك. كإحياء الموتى وكثرة الخبز والحيتان وإبراء الأكمه والأبرص.
وقال يوحنا التلميذ:
١- كان يسوع مع تلاميذه بالبستان فجاء اليهودي في طلبه.
٤- فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟
قالوا: يسوع. (وقد خفي شخصه عنهم) . فقال: أنا يسوع. وفعل ذلك مرتين وقد أنكروا صورته.
فانظر أيها العاقل كيف اعترف هنا أنه يسوع لما علم أن الله تعالى تولّى حراسته منهم، وأنهم لا يقدرون أن ينالوه بسوء. وكيف لم يعترف بأنه المسيح لما سأله رئيس الكهنة عن نفسه. فعدم اعترافه هناك واعترافه هنا دليل واضح أيضا على أن ما قاله الله سبحانه في القرآن العظيم هو الحق.
ثم من الأدلة على عدم قتله ما اشتملت عليه الأناجيل من اختلاف المباني والمعاني والمقاصد والاضطراب في حكاية هذه الواقعة والتناقص في ألفاظها.
كدعواهم الألوهية مع قوله ﵊ (عند صلبه بزعمهم) : إلهي! إلهي! لم تركتني. وقوله كما في الفصل السادس والعشرين من إنجيل متى:
يا أبتاه إن كان لا يمكنك أن تفوتني هذه الكأس أي: الموت ولا بد لي أن أشربها فلتكن مشيئتك. وقام يصلي. وقوله لرئيس الكهنة: إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء. يريد بالقوة البارئ تعالى شأنه. وفي الفصل السابع من إنجيل يوحنا: إن المريسيين ورؤساء الكهنة
стр. 1396
أرسلوا شرطا ليقبضوا على المسيح (يعني ليقتلوه كما قال مفسروهم) قال أنا ماكث أيضا معكم زمانا. ثم أنطلق إلى من أرسلني وتطلبونني فلا تجدونني. وحيثما أكن فلا تستطيعون إليه سبيلا. قال اليهود في ذواتهم: فإلى أين؟ هذا عتيد أن ينطلق حتى لا نجده نحن، قال مفسروهم أي: يصعد إلى السماء. وغير ذلك مما لو أردنا ذكره والتنقير عنه لطال البحث.
ثم نقل خير الدين نحوا مما أسلفناه عن أناجيلهم وقال بعض ذلك: فأجل في تناقضها قداح فكرك. وفي تهافتها خيول ذهنك. لترى في هذه القصة ما يدلك على وقوع الشبه ونجاة المسيح عقلا ونقلا. كما قال تعالى: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.
وليتبين لك عبوديته ورسالته ﵇. فإن ذلك ظاهر من العبارات. ولنزدك في البيان وضوحا بما ننبهك عليه بكلمات يسيرة مقدوحا ومشروحا.
منها: قولهم إنه صلب قبل غروب يوم الجمعة ودفن مساءها. ولما جاءت النسوة عشية السبت المفسر صباحه عن الأحد، وجدنه فارغا، وقد قام منه المدفون.
مع أن النصارى يزعمون، كما في أناجيلهم، أنه يبقى في قبره ثلاثة أيام. كما بقي يونان، أي: يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها، فما هذا إلا دليل على الاختلاف والتهافت في هذا الأمر.
ومنها: سؤالة اليهود مرتين من تطلبون؟ وهم يقولون: يسوع الناصريّ. فلم يعرفوه وهو يقول لهم: أنا.
ومنها: أن يهوذا ارتشى ليدلهم عليه. وجعل العلامة على تعيينه لهم تقبيل يده. فلو كان معلوما لهم لعرفوه بلا دلالة وبلا سؤال. مع أنه كان بين أظهرهم وفي غالب الأيام في هيكلهم.
ومنها: أنه لما أقسم عليه رئيس الكهنة أنه هو المسيح لم يقل له: أنا المسيح. بل قال له: أنت قلت.
ومنها: إنكار بطرس له وهو من أعظم رسله. وإنكاره كفر.
ومنها: أنه لما سأله الوالي: أنت هو؟ لم يردّ له جوابا. فلو كان هو لاعترف وأقرّ.
ومنها: أنه لما كان أخذه ليلا، وقد شوهت صورته وتغيرت محاسنه بالضرب والنكال، فهي حالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟
стр. 1397
فمن أين يحصل القطع بأنه هو؟ لا سيما والنصارى قد حكموا أن المسيح ﵇ قد أعطي قوة التحوّل من صورة إلى صورة. ويحتمل أن المسيح ذهب في الجماعة الذين أطلقهم الأعوان، وكان المتكلم معهم تلميذ أراد أن يبيع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح. فألقى الله تعالى عليه الشبه. وأتباع الأنبياء يفدون أنفسهم لأنبيائهم. وهذا فدى نفسه لإلهه، بزعم النصارى.
ومنها: أنه يحتمل أن الأعوان ارتشوا على إطلاقه كما ارتشى يهوذا على الدلالة عليه. وأخذوا غيره ممن يريد أن يفدي نفسه للمسيح. والدليل عليه عدم اعترافه بأنه المسيح.
ومنها: قوله ﵇ الذي تقدم آنفا: أنا ماكث معكم زمانا. ثم أنطلق إلى من أرسلني. فتطلبوني فلا تجدوني. وحيثما أكن فلا تستطيعون إليّ سبيلا، فهذا صريح في الثاني عشر من (إنجيل يوحنا) ما لفظه: قال له الجموع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يمكث إلى الأبد. فكيف تقول أنت أن ابن البشر سوف يرتفع.
من هو هذا ابن البشر؟ قال لهم يسوع: إن النور معكم زمانا آخر يسيرا. امشوا ما دام لكم النور. لئلا يدرككم الظلام. ومن يمش في الظلام فلا يدري أين يذهب. آمنوا بالنور ما دام لكم النور. قال يسوع هذا وذهب متواريا عنهم. انتهى.
ففي هذا الكلام أدلة كثيرة مؤيدة لقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٨] .
منها: أن اليهود قالوا لعيسى: إن المسيح المذكور في العهد القديم يمكث إلى الأبد.
أي: فإن كنت أنت المسيح فأنت لا تموت في هذا الزمان. بل تبقى إلى قيام الساعة. ولم يكذبهم في نقلهم ذلك. والمسلمون يقولون: إنه رفع حيّا إلى السماء وهو الآن حيّ فيها. وسينزل آخر الزمان عند قرب الساعة. ويقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية. ويتوفى ويدفن عند النبيّ ﷺ . فهو حيّ إلى الأبد، يعني إلى قرب قيام الساعة ونزوله وموته من أمارات الساعة الكبرى. وفي هذا القول دلالات ظاهرات أيضا على أنه ليس بإله: أحدها- أنه قال: ابن البشر. يعني لا تظنوا أني أدعي الألوهية وإن أحييت الموتى. لأن ذلك معجزة خلقها الله تعالى على يده للإيمان بنبوّته.
ثانيها: لو كان إلها لما توارى منهم خائفا من قتلهم له. لأن الإله هو خالق لهم ولعملهم. وعالم بزمن قدرتهم عليه. فكيف يفرّ وهو يعلم وقت موته؟ وهو خالق
стр. 1398
الموت والحياة؟ ثم إنه يحتمل أن الله تعالى ألقى شبهه على شيطان أو مارد من مردة الجن ليخلص نبيه ورسوله من أيدي أعدائه، ويرفعه إليه محفوظا مكرما. كما أجرى عليه يديه إحياء الموتى، وخلقه من غير أب، وأبرأ الأكمه والأبرص. لا سيما وهو بزعمهم إله العالم وخالق الإنس والجن وبني آدم. فأي ضرورة تدعو لإثبات أنواع الإهانة والعذاب، على ما زعموا، لرب الأرباب. مع وجود التناقض فيما نقلته أناجيلهم في هذا الفصل والباب.
عجبا للمسيح بين النصارى ... وإلى أيّ والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنهم بعد ضربه صلبوه
فإذا كان ما يقولون حقّا ... وصحيحا، فأين كان أبوه؟
حين خلى ابنه رهين الأعادي ... أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟
فلئن كان راضيا بأذاهم ... فاحمدوهم لأنهم عذّبوه
ولئن كان ساخطا فاتركوه ... واعبدوهم لأنهم غلبوه
وفي كتاب (الفاصل بين الحق والباطل) ما نصه: وفي الذي اتخذتموه شهيدا على صلبه من كلام عاموص النبيّ. أن الله تعالى قال على لسانه: ثلاثة ذنوب أقبل لبني إسرائيل. والرابعة لا أقبلها. بيعهم الرجل الصالح- حجة عليكم لا لكم. لأنه لم يقل بيعهم إياي. ولا قال بيعهم إلها متساويا معي.
ويجزي تأويل ذلك على وجهين: إما أن يكون عنى بالمبيع عيسى كما تزعمون فقولوا حينئذ إنه (الرجل الصالح) كما قال عاموص، وليس بالإله المعبود.
وإما أن يريد بالمبيع غيره وهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه. ويلزمكم وقتئذ إنكار مصلوبية عيسى ﵇. كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم الصلب لعيسى ﵇. ووقوع الشبه على غيره. وذلك من وجوه: أحدها- يوجد في الإنجيل أن عيسى ﵇ صعد إلى جبل الجليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا. فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه فصارت تلمع كالبرق. وإذا بموسى بن عمران وإيليا قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم. فوقع النوم على الذين معه. فأي مانع يمنع من أن يكون ذلك قد وقع في اليوم الذي طلبته فيه اليهود. وإنما قد اختلفتم في نقلها كما اختلفتم وتناقضتم في غير ذلك. وغيرتم الكلم عن مواضعه. وظهور الأنبياء ﵈ وتظليل السحابة ووقوع النوم على التلاميذ، يكون حينئذ دليلا ظاهرا على الرفع إلى
стр. 1399
السماء وعدم الصلب. وإلا فلا معنى لظهور هذه الآيات. وثانيها- ما في الإنجيل أيضا أن المصلوب قد استسقى اليهود فأعطوه خلّا مضافا بمر. فذاقه ولم يشربه.
فنادى: إلهي إلهي لم خذلتني؟ والأناجيل كلها مصرحة بأنه ﵇ كان يطوي أربعين يوما وأربعين ليلة. ويقول للتلاميذ: إن لي طعاما لستم تعرفونه. ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يوما وليلة كيف يظهر الحاجة والمذلة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد؟ هذا لا يفعله أدنى الناس، فكيف بخواصّ الأنبياء؟ أو كيف بالرب على ما تدعونه؟ فيكون حينئذ المدعى للعطش غيره. وهو الذي شبه لكم. وثالثها- قوله: إلهي إلهي لم خذلتني وتركتني؟ هو كلام يقتضى عدم الرضا بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الله تعالى. وعيسى ﵇ منزّه عن ذلك. فيكون المصلوب غيره.
لا سيما وأنتم تقولون: إن المسيح ﵇ إنما نزل ليؤثر العالم على نفسه، ويخلّصه من الشيطان ورجسه. فكيف تروون عنه ما يؤدي إلى خلاف ذلك، مع روايتكم في توراتكم أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون، ﵈، لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم، فرحين بانقلابهم إلى سعيهم، لم يجزعوا من الموت ولم يستقيلوا منه. ولم يهابوا مذاقه. مع أنهم عبيده. والمسيح بزعمكم ولد وربّ. فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم. ولما لم يكن كذلك دلّ على أن المصلوب غيره، وهو الذي شبه لكم.
فصل
فيما روي عن سلفنا الكرام ﵃ في تفسير هذه الآية.
قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقيّ رحمه الله تعالى في (تفسيره) هنا ما نصه: وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات. التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. ويصوّر من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله . إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه. ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم. حتى جعل نبيّ الله عيسى ﵇ لا يساكنهم في بلدة. بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉. ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد
стр. 1400
على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور. وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه. ويكفّ أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ﵇. وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفرا. وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت. فحصروه هنالك. فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم.
فكأنه استصغره عن ذلك. فأعادها ثانية وثالثة. وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب.
فقال: أنت هو. وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى سنة من النوم فرفع إلى السماء. وهو كذلك كما قال الله: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ... الآية.
فلما رفع، خرج أولئك النفر. فلما رأى أولئك النفر ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه. وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم. ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم. حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت. ويقال إنه خاطبها. والله أعلم. وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبيّنه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات، والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان ويكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧] . أي: رأوا شبهه فظنوا أنه إياه. ولهذا قال: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] . يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه إليهم من جهال النصارى. كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر. ولهذا قال: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [النساء: ١٥٧] . أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكّين متوهمين: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً، أي:
منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه. حَكِيماً أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها. وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان
стр. 1401
العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين. يعنى فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء. فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشر مرة بعد أن آمن بي. قال ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكن معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنّا فقال له: اجلس.
ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا فقال: هو أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه. فكفر به بعضهم اثني عشر مرة بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه إليه. وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ورواه النسائيّ عن أبي كريب عن أبي معاوية نحوه. وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟
وقال ابن جرير «١» حدثنا ابن حميد. حدثنا يعقوب القميّ عن هارون بن عنترة عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت. فأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه صورهم الله كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم:
سحرتمونا. لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى. وقد صوره الله على صورة عيسى. فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى. وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى. ورفع الله عيسى من يومه ذلك. قال ابن كثير: وهذا سياق غريب جدا. ثم قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول وهو «٢» ما حدثني المثنى. حدثنا إسحاق. حدثنا إسماعيل عن عبد الكريم. حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم لما
стр. 1402
أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقّ عليه. فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه. فتعاظموا ذلك وتكارهوه. فقال: ألا من ردّ عليّ الليلة شيئا مما أصنع فليس مني ولا أنا منه. فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة.
فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها، فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها. فقالوا: والله! ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا. وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال:
يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى نفسه. ثم قال:
الحقّ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات. وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه. وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه.
فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟
فجعلوا له ثلاثين درهما. فأخذها ودلهم عليه. وكان شبّه عليهم قبل ذلك. فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل. فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك. حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها. فرفعه الله إليه. وصلبوا ما شبّه لهم. فمكث سبعا. ثم إن أمّه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇ فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب. فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير. وإن هذا شيء شبّه لهم. فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام يتّبعهم يقال له يحنّى. فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه يصبح كلّ
стр. 1403
إنسان يحدث بلغة قوم. فلينذرهم وليدعهم.
قال ابن كثير: سياق غريب جدا. وقال ابن جريج عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه بعيسى. ورفع الله عيسى إلى السماء حيّا.
فصل في رد زعم النصارى أن إلقاء الشبه يفضي إلى السفسطة
قال خير الدين في (الجواب الفسيح) قال النصارى: القول بإلقاء الشبه على عيسى ﵇ قول يفضي إلى السفسطة، والدخول في الجهالات، وما لا يليق بالعقلاء. لأنا إذا جوزنا ذلك فينبغي إذا رأى الإنسان ولده أو زوجته لم يثق بأنه ولده أو زوجته. وكذلك سائر المعارف. لا يثق الإنسان بأحد منهم ولا يسكن إليه. ونحن نعلم بالضرورة أن الإنسان يقطع بأن ولده هو ولده. وإن كل واحد من معارفه هو، من غير شك ولا ريبة. بل القول بالشبه يمنع من الوثوق بمدينة الإنسان ووطنه إذا دخله.
ولعله مكان آخر ألقي عليه الشبه. بل إذا غمض الإنسان عينه عن صديقه بين يديه لحظة، ثم فتحها، ينبغي أن لا يقطع بأنه صديقه. لجواز إلقاء الشبه على غيره. وكل ذلك خلاف الضرورة. فالقول بإلقاء الشبه على غير عيسى خلاف الضرورة. كالقول بأن الواحد نصف العشرة مثلا، فلا يسمع.
والجواب عنه من وجوه: أحدها- أن هذا تهويل ليس عليه تعويل. بل البراهين القاطعة، والأدلة الساطعة قائمة على أن الله تعالى خلق الإنسان وجملة أجزاء العالم. وإن حكم الشيء حكم مثله: فما من شيء خلقه الله تعالى في العالم إلا هو قادر على خلق مثله. لتعذر خلقه في نفسه. فيلزم أن يكون خلق الإنسان مستحيلا.
بل جملة العالم، وهو محال بالضرورة. وإذا ثبت أن الله تعالى قادر على خلق مثل لكل شيء في العالم، فجميع صفات جسد عيسى ﵇ لها أمثال في حيز الإمكان في العدم، يمكن خلقها في محل آخر غير جسد المسيح. فيحصل الشبه قطعا. فالقول بالشبه قول بأمر ممكن. لا بما هو خلاف الضرورة. ويؤنس ذلك أن التوراة مصرحة بأن الله تعالى خلق جميع ما للحية في عصا موسى ﵇. وهو أعظم من الشبه. فإنّ جعل حيوان يشبه حيوانا، وإنسان يشبه إنسانا- أقرب من جعل نبات يشبه حيوانا. وقلب العصا مما أجمع عليه اليهود والنصارى. كما أجمعوا على قلب النار بردا وسلاما. وعلى قلب لون يد موسى ﵇. وعلى انقلاب الماء
стр. 1404
خمرا وزيتا للأنبياء ﵈. وإذا جوزوا مثل هذا فيجوز إلقاء الشبه من غير استحالة. على أن عيسى ﵇ قد خولفت عادة الله تعالى الأغلبية في خلقه من ماء واحد. ونفخ جبريل في جيب مريم. فجعل شبهه على غيره ليس بأبعد من العادة، من خلقه. على أن إحياءه للموتى وإبراءه للأبرص والأكمه أعظم من إلقاء شبهه على غيره. على أن عروجه إلى السماء بناسوته وخرق السماء والتئامها، ليس بأهون من ذلك. على أن رد الشمس ليوشع بن نون، ومشي عيسى وحواريّه على الماء، وسائر معجزات أنبياء بني إسرائيل، ليس بأهون مما هنالك. وإذا صح عند النصارى انقلاب الخبز إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه في العشاء السرّي، لم لا يمكن أن يوقع شبهه على أحدهم؟ كما لا يخفى.
وثانيها- أن الإنجيل ناطق بأن المسيح ﵇ نشأ بين ظهراني اليهود.
وحضر مرارا عديدة في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم. يعظهم ويعلمهم ويناظرهم.
ويتعجبون من براعته وكثرة تحصيله. حتى إنهم (كما في الإنجيل) يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ أليست أمه مريم؟ أليس إخوته عندنا؟ فمن أين له هذه الحكمة؟
وإذا، كان في غاية الشهرة والمعرفة عندهم. وقد نص الإنجيل على أنهم عند إرادة الصلب لم يحققوه، حتى دفعوا لتلميذه ثلاثين درهما ليدلهم عليه. فما حاجتهم حينئذ أن يكتروا رجلا من تلاميذه ليعرفهم شخصه؟ لولا وقوع الشبه الذي نقول به.
وثالثها- أنه كما تقدم في الأناجيل، أخذ في حندس من الليل المظلم في حالة شوّهت صورته وغيّرت محاسنه وهيئته، بالضرب والسحب وأنواع النكال الموجبة لتغير الحال. ومثل ذلك يوجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟ حتى إن رئيس الكهنة عند إحضاره أقسم عليه هل هو يسوع المسيح ابن الله؟ فلم يجبه. ولو كان هو لأجابه. فمن أين للنصارى واليهود القطع بأن المصلوب هو عين عيسى ﵇ دون شبهه؟ بل إنما يحصل الظن والتخمين كما قال تعالى في كتابه المبين: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
رابعها- قد تقدم في الأناجيل أنه لما جاء اليهود إلى محله خرج إليهم وقال:
من تريدون؟ قالوا: يسوع. وقد خفى شخصه عليهم. ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون صورته. وهذا دليل الشبهة، ورفع عيسى ﵇. ولا سيما وقد نقل غير واحد من العلماء عن بعض النصارى القول بأن المسيح ﵇ كان قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة.
خامسها- قول متى في (الفصل الخامس والعشرين) من (إنجيله) ما لفظه:
стр. 1405
حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ هذه الليلة. لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل. فأجاب بطرس وقال له:
وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدا. قال له يسوع: الحق أقول لك. إنك هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. انتهى.
فقد شهد عليهم بالشك. بل خيرهم بطرس الذي هو خليفة عليهم، شك.
فقد انخرمت الثقة بأقوالهم. وصح قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ.
سادسها- إن في (الفصل السابع والعشرين) من (إنجيل متى) ما لفظه:
حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا. فقالوا: ما علمنا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. انتهى.
فهذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه. بل فيها اختلافات. فيحتمل أن يهوذا كذب عليهم في قوله (هو هذا) ويدل على وقوع ذلك، ويقرّبه ظهور ندمه بعد هذا.
ولا سيما وهو من جملة الاثني عشر الذين شهد لهم المسيح بالسعادة الأبدية.
والسعيد لا يتم منه مثل هذا الفساد العظيم. فيلزم إما أنّ يهوذا ما دل عليه، أو كون المسيح ما شهد لهم بالسعادة الدائمة. أو إن أناجيلهم محرفة مبدلة. ويحتمل أن أحد أتباع المسيح باع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح ﵇. وادعى أنه هو. ومثل هذا كثير في أتباع الأنبياء. حيث يريدون أن يفدوا أنفسهم بدل أنبيائه.
ويحتمل أن الأعوان أخذوا عليه رشوة وأطلقوه، وأخذوا بدله. كما أن يهوذا، مع أنه صديقه ورسوله، أخذ رشوة ودلهم عليه. ويحتمل أن الله تعالى أرسل شيطانا على صورته وصلبوه. ويحتمل أن الملك الذي نزل عليه ليقويه، كما تقدم في إنجيل لوقا بزعمهم، صار فداء له. ويحتمل أن هذا الذي نزل إنما نزل لرفعه. لأنه لو كان نازلا لتقويته لقوّاه. فلما لم نر أنه قواه فيقتضي أنه رفعه إلى السماء، أو فدى نفسه له.
وقال بعض الأفاضل: ومن الأدلة على رفعه وصلب شبهه ما في الفصل التاسع من (إنجيل لوقا) ما لفظه: أن المسيح صعد إلى جبل ليصلي وأخذ بطرس ويوحنا ويعقوب معه. وفيما هو يصلي صارت هيئته ووجهه متغيرة، ولباسه مضيئا لامعا. إلخ.
فهذا فيه دلالة على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور موسى وإيلياء، ووقوع النوم على أصحابه، وتغير وجهه وإضاءة لباسه، إلا رفعه..