← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين. يعنى فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء. فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشر مرة بعد أن آمن بي. قال ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكن معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنّا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا فقال: هو أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه. فكفر به بعضهم اثني عشر مرة بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه إليه. وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ورواه النسائيّ عن أبي كريب عن أبي معاوية نحوه. وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟ وقال ابن جرير «١» حدثنا ابن حميد. حدثنا يعقوب القميّ عن هارون بن عنترة عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت. فأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه صورهم الله كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم: سحرتمونا. لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى. وقد صوره الله على صورة عيسى. فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى. وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى. ورفع الله عيسى من يومه ذلك. قال ابن كثير: وهذا سياق غريب جدا. ثم قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول وهو «٢» ما حدثني المثنى. حدثنا إسحاق. حدثنا إسماعيل عن عبد الكريم. حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم لما

стр. 1402

أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقّ عليه. فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه. فتعاظموا ذلك وتكارهوه. فقال: ألا من ردّ عليّ الليلة شيئا مما أصنع فليس مني ولا أنا منه. فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة. فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها، فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها. فقالوا: والله! ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا. وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى نفسه. ثم قال: الحقّ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات. وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه. وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه. فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما. فأخذها ودلهم عليه. وكان شبّه عليهم قبل ذلك. فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل. فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك. حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها. فرفعه الله إليه. وصلبوا ما شبّه لهم. فمكث سبعا. ثم إن أمّه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇ فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب. فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير. وإن هذا شيء شبّه لهم. فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام يتّبعهم يقال له يحنّى. فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه يصبح كلّ

стр. 1403

إنسان يحدث بلغة قوم. فلينذرهم وليدعهم. قال ابن كثير: سياق غريب جدا. وقال ابن جريج عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه بعيسى. ورفع الله عيسى إلى السماء حيّا. فصل في رد زعم النصارى أن إلقاء الشبه يفضي إلى السفسطة قال خير الدين في (الجواب الفسيح) قال النصارى: القول بإلقاء الشبه على عيسى ﵇ قول يفضي إلى السفسطة، والدخول في الجهالات، وما لا يليق بالعقلاء. لأنا إذا جوزنا ذلك فينبغي إذا رأى الإنسان ولده أو زوجته لم يثق بأنه ولده أو زوجته. وكذلك سائر المعارف. لا يثق الإنسان بأحد منهم ولا يسكن إليه. ونحن نعلم بالضرورة أن الإنسان يقطع بأن ولده هو ولده. وإن كل واحد من معارفه هو، من غير شك ولا ريبة. بل القول بالشبه يمنع من الوثوق بمدينة الإنسان ووطنه إذا دخله. ولعله مكان آخر ألقي عليه الشبه. بل إذا غمض الإنسان عينه عن صديقه بين يديه لحظة، ثم فتحها، ينبغي أن لا يقطع بأنه صديقه. لجواز إلقاء الشبه على غيره. وكل ذلك خلاف الضرورة. فالقول بإلقاء الشبه على غير عيسى خلاف الضرورة. كالقول بأن الواحد نصف العشرة مثلا، فلا يسمع. والجواب عنه من وجوه: أحدها- أن هذا تهويل ليس عليه تعويل. بل البراهين القاطعة، والأدلة الساطعة قائمة على أن الله تعالى خلق الإنسان وجملة أجزاء العالم. وإن حكم الشيء حكم مثله: فما من شيء خلقه الله تعالى في العالم إلا هو قادر على خلق مثله. لتعذر خلقه في نفسه. فيلزم أن يكون خلق الإنسان مستحيلا. بل جملة العالم، وهو محال بالضرورة. وإذا ثبت أن الله تعالى قادر على خلق مثل لكل شيء في العالم، فجميع صفات جسد عيسى ﵇ لها أمثال في حيز الإمكان في العدم، يمكن خلقها في محل آخر غير جسد المسيح. فيحصل الشبه قطعا. فالقول بالشبه قول بأمر ممكن. لا بما هو خلاف الضرورة. ويؤنس ذلك أن التوراة مصرحة بأن الله تعالى خلق جميع ما للحية في عصا موسى ﵇. وهو أعظم من الشبه. فإنّ جعل حيوان يشبه حيوانا، وإنسان يشبه إنسانا- أقرب من جعل نبات يشبه حيوانا. وقلب العصا مما أجمع عليه اليهود والنصارى. كما أجمعوا على قلب النار بردا وسلاما. وعلى قلب لون يد موسى ﵇. وعلى انقلاب الماء

стр. 1404

خمرا وزيتا للأنبياء ﵈. وإذا جوزوا مثل هذا فيجوز إلقاء الشبه من غير استحالة. على أن عيسى ﵇ قد خولفت عادة الله تعالى الأغلبية في خلقه من ماء واحد. ونفخ جبريل في جيب مريم. فجعل شبهه على غيره ليس بأبعد من العادة، من خلقه. على أن إحياءه للموتى وإبراءه للأبرص والأكمه أعظم من إلقاء شبهه على غيره. على أن عروجه إلى السماء بناسوته وخرق السماء والتئامها، ليس بأهون من ذلك. على أن رد الشمس ليوشع بن نون، ومشي عيسى وحواريّه على الماء، وسائر معجزات أنبياء بني إسرائيل، ليس بأهون مما هنالك. وإذا صح عند النصارى انقلاب الخبز إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه في العشاء السرّي، لم لا يمكن أن يوقع شبهه على أحدهم؟ كما لا يخفى. وثانيها- أن الإنجيل ناطق بأن المسيح ﵇ نشأ بين ظهراني اليهود. وحضر مرارا عديدة في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم. يعظهم ويعلمهم ويناظرهم. ويتعجبون من براعته وكثرة تحصيله. حتى إنهم (كما في الإنجيل) يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ أليست أمه مريم؟ أليس إخوته عندنا؟ فمن أين له هذه الحكمة؟ وإذا، كان في غاية الشهرة والمعرفة عندهم. وقد نص الإنجيل على أنهم عند إرادة الصلب لم يحققوه، حتى دفعوا لتلميذه ثلاثين درهما ليدلهم عليه. فما حاجتهم حينئذ أن يكتروا رجلا من تلاميذه ليعرفهم شخصه؟ لولا وقوع الشبه الذي نقول به. وثالثها- أنه كما تقدم في الأناجيل، أخذ في حندس من الليل المظلم في حالة شوّهت صورته وغيّرت محاسنه وهيئته، بالضرب والسحب وأنواع النكال الموجبة لتغير الحال. ومثل ذلك يوجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟ حتى إن رئيس الكهنة عند إحضاره أقسم عليه هل هو يسوع المسيح ابن الله؟ فلم يجبه. ولو كان هو لأجابه. فمن أين للنصارى واليهود القطع بأن المصلوب هو عين عيسى ﵇ دون شبهه؟ بل إنما يحصل الظن والتخمين كما قال تعالى في كتابه المبين: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. رابعها- قد تقدم في الأناجيل أنه لما جاء اليهود إلى محله خرج إليهم وقال: من تريدون؟ قالوا: يسوع. وقد خفى شخصه عليهم. ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون صورته. وهذا دليل الشبهة، ورفع عيسى ﵇. ولا سيما وقد نقل غير واحد من العلماء عن بعض النصارى القول بأن المسيح ﵇ كان قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة. خامسها- قول متى في (الفصل الخامس والعشرين) من (إنجيله) ما لفظه:

стр. 1405

حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ هذه الليلة. لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل. فأجاب بطرس وقال له: وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدا. قال له يسوع: الحق أقول لك. إنك هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. انتهى. فقد شهد عليهم بالشك. بل خيرهم بطرس الذي هو خليفة عليهم، شك. فقد انخرمت الثقة بأقوالهم. وصح قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. سادسها- إن في (الفصل السابع والعشرين) من (إنجيل متى) ما لفظه: حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا. فقالوا: ما علمنا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. انتهى. فهذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه. بل فيها اختلافات. فيحتمل أن يهوذا كذب عليهم في قوله (هو هذا) ويدل على وقوع ذلك، ويقرّبه ظهور ندمه بعد هذا. ولا سيما وهو من جملة الاثني عشر الذين شهد لهم المسيح بالسعادة الأبدية. والسعيد لا يتم منه مثل هذا الفساد العظيم. فيلزم إما أنّ يهوذا ما دل عليه، أو كون المسيح ما شهد لهم بالسعادة الدائمة. أو إن أناجيلهم محرفة مبدلة. ويحتمل أن أحد أتباع المسيح باع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح ﵇. وادعى أنه هو. ومثل هذا كثير في أتباع الأنبياء. حيث يريدون أن يفدوا أنفسهم بدل أنبيائه. ويحتمل أن الأعوان أخذوا عليه رشوة وأطلقوه، وأخذوا بدله. كما أن يهوذا، مع أنه صديقه ورسوله، أخذ رشوة ودلهم عليه. ويحتمل أن الله تعالى أرسل شيطانا على صورته وصلبوه. ويحتمل أن الملك الذي نزل عليه ليقويه، كما تقدم في إنجيل لوقا بزعمهم، صار فداء له. ويحتمل أن هذا الذي نزل إنما نزل لرفعه. لأنه لو كان نازلا لتقويته لقوّاه. فلما لم نر أنه قواه فيقتضي أنه رفعه إلى السماء، أو فدى نفسه له. وقال بعض الأفاضل: ومن الأدلة على رفعه وصلب شبهه ما في الفصل التاسع من (إنجيل لوقا) ما لفظه: أن المسيح صعد إلى جبل ليصلي وأخذ بطرس ويوحنا ويعقوب معه. وفيما هو يصلي صارت هيئته ووجهه متغيرة، ولباسه مضيئا لامعا. إلخ. فهذا فيه دلالة على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور موسى وإيلياء، ووقوع النوم على أصحابه، وتغير وجهه وإضاءة لباسه، إلا رفعه..

стр. 1406

ورؤيتهم له بعد ذلك، إنما هو من تطور روحه. لأنه ﵇ كان له قوة التطور: وهذا من أحكام الروح والنفس. ولئن قلنا إنه لا يدل على الرفع بالوجه التام، غير أنا نتنزل ونقول: ما دام في هذه المرة تغيرت هيئته ووجهه ولباسه، واجتمع بالأنبياء وسمع من الغمامة هذا الصوت، فلا أقل من أن يكون ذلك مقدمة لرفعه ومقياسا، ومبدأ لتقويته وإيناسا. واليهود لم يتحققوا من أنفسهم أنه هو المسيح. بل اعتمدوا على قول يهوذا كما تقدم لك. ويهوذا قوله قول فرد، وغير صالح للاحتجاج. للاحتمالات والأدلة التي ذكرناها لك. فلم يبق في قول الفرقتين حجة أن المصلوب هو المسيح ﵇، لا شبهه. وأنا جيلهم حالها معلوم لديك. وبيان اشتباههم المحكيّ لك في القرآن، لا يخفى عليك. انتهى. وهنا سؤال يورده بعض النصارى وهو: أن عيسى ﵇ إذا كان لم يصلب حقيقة، وإنما صلب رجل ألقي عليه شبهه، ورفع هو إلى السماء، فلم لم يخبر الحواريين بذلك قبل رفعه أو بعده؟ والجواب: أن عيسى ﵇ لم يخبر بذلك لعلمه بأن أناسا سيفترون عليه ويقولون بألوهيته. فأبهم الأمر ليكون ذلك أدل على كونه عبدا من عبيد الله. لا يقدر على جلب نفع ولا دفع ضر. بخلاف ما لو أخير بأنه لا يصلب، أو لم يصلب، وأن المصلوب شبهه، فإنه ربما كان ذلك مقويا لشبهة أولئك الجماعة. ولعدم كون هذه المسألة من المسائل الاعتقادية في الأصل. إذ لو اعتقد أحد، قبل إرسال نبينا ﵊، بصلب عيسى، لم يضره ذلك. لكن لما ورد نبينا الذي لا ينطق عن الهوى، أبان خطأ النصارى في الوجهين: أحدهما- اعتقاد أن عيسى إله- والآخر اعتقاد أنه قد قتل وصلب. وأبان أنه عبد من عبيد الله تعالى تولاه بالرسالة. واصطفاه وحفظه من أيدي أعدائه وحماه، كذا في (منية الاذكاء في قصص الأنبياء) . فصل في سقوط دعواهم التواتر في أمر الصلب قال القرافيّ: اعلم أن النصارى قالوا: إنهم واليهود أمتان عظيمتان طبقوا مشارق الأرض ومغاربها. وكلهم يخبر أن المسيح ﵇ صلب. وهم عدد

стр. 1407

يستحيل تواطؤهم على الكذب. والإنجيل أيضا مخبر عن الصلب. فإن جوزتم كذبهم، وكذب ما يدعي أنه الإنجيل، وإن مثل هؤلاء ممكن تواطؤهم على الكذب- لزم المحال من وجوه: أحدها- أنه يتعذر عليكم أيها المسلمون، جعل القرآن متواترا. وثانيها- أن قاعدة التواتر تبطل بالكلية. فإن غاية خبر التواتر يصل إلى مثل هذا. وثالثها- أن إنكار الأمور المتواترة. جحد للضرورة، فلا يسمع. فلو قال إنسان: الخبر عن وجود بغداد ودمشق كذب، لم يسمع ذلك منه، وعدّ خارجا عن دائرة العقلاء. وحينئذ يتعين أن القول بالصلب حق وأن إخبار المسلمين والقرآن عن عدم ذلك، مشكل. والجواب من وجوه: أحدها- أن جميع النصارى واليهود يوردون هذا السؤال ولا يعلمون حقيقة التواتر ولا شروطه. وإنما فهم ذلك وغيره هذه الأمة المحمدية والملة الإسلامية! لعلو قدرها وشرفها واختصاصها بمعاقد العلوم وأزمتها. دون غيرها. كما هو مسلم عند كل درّي (كذا) منصف. وها نحن نوضح ذلك إن شاء الله تعالى فنقول: إن التواتر له شروط: الشرط الأول- أن يكون المخبر عنه أمرا محسوسا. ويدل على اعتبار هذا الشرط، أن الأمة العظيمة قد تخبر عن القضايا الجسيمة وهي باطلة. كإخبار المعطلة عن عدم الصانع والفلاسفة عن قدم العالم. مع بطلان ذلك عند أمم كثيرة. وسببه أن مجال النظر يكثر فيه وقوع الخطأ. فلا يثق الإنسان بالخبر عن العقليات، حتى ينظر فيجد البرهان العقليّ يعضد ذلك الخبر. فحينئذ يقطع بصحة ذلك الخبر. أما الأمور المحسوسة، مثل المبصرات ونحوها فشديدة البعد على الخطأ. وإنما يقع الخلل من التواطؤ على الكذب. فإذا كان المخبرون يستحيل تواطؤهم على الكذب حصل القطع بصحة الخبر. الشرط الثاني- استواء الطرفين والواسطة. وتحرير هذا الشرط أن المخبرين لنا، إذا كانوا يستحيل تواطؤهم على الكذب وكانوا هم المباشرين لذلك الأمر المحسوس، المخبر عنه، حصل العلم بخبرهم. وإن لم يكن المخبر لنا هو المباشر لذلك الأمور المحسوس، بل ينقلون عن غيرهم أنه أخبرهم بذلك، فلا بد أن يكون الغير المباشر عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإنه إن جاز الكذب عليه، وهو أصل هؤلاء المخبرين لنا، فإذا لم يبق الأصل لم يبق المفرع عليه. فلا يلزم من كون المخبر لنا يستحيل تواطؤهم على الكذب حصول العلم بخبرهم. لجواز فساد أصلهم المعتمدين عليه. فيتعين أن يكون الأصل عددا يستحيل توطؤهم على الكذب. فهذا معنى قولنا: (استواء الطرفين) في كونهما عددا يستحيل تواطؤهما على

стр. 1408

يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأصلهم الذي ينقلون عنه كذلك، لكن أصلهم لم يباشر ذلك الأمر المحسوس، بل ينقل عن غيره أيضا، فأصل ذلك الأصل يجب أن يكون عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب أيضا. لما تقدم. وفي هذه الصورة حصل طرفان وواسطة. فالطرفان المخبر لنا. والمباشر الأول الواسطة الذي بينهما. فيجب استواء الطرفين والواسطة. والوسائط تكثرت في كونهم عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب. فينقسم، بهذا التحرير، التواتر إلى طرف فقط، وإلى طرفين بلا وساطة، وإلى طرفين وواسطة. والثلاثة أقسام مشتركة في هذا الشرط. فإذا تقرر حقيقة التواتر فنقول: الحس إنما يتعلق بأن هذا مصلوب على هذه الخشبة. وأما أنه عيسى ﵇ نفسه أو غيره، فهذا لا يفيده الحس البتة. بل إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت، أو بأخبار الأنبياء ﵈ عن الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما. وأحصى كل شيء عددا. والذي يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات، أنا لو وضعنا في إناء رطلا من الماء مثلا. وأريناه لإنسان، ثم رفعنا ذلك الماء ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك الماء ثم أريناه ذلك الإنسان. وقلنا له: هذا الماء هو عين الماء الأول أو مثله؟ فإنه إذا أنصف يقول: الذي أدركه بحسّي أن هذا ماء بالضرورة. أما أنه عين الأول أو غيره مماثلا له، فلا أعلم. لكون الحس لا يحيط بذلك. هذا في المائعات. وكذلك كفّ من تراب أو أوراق الأشجار أو أنواع الحبوب. كالحنطة مثلا. إذا أخذ منها حفنتان ونحو ذلك. وكذلك الحيوانات الوحشية والطيور شديدة الالتباس على الحس. إذا اتحد النوع في اللون والسن والغلظ. وإنما كثرت الفروق في الحيوانات الإنسية كالفرس ونحوها. مطلب: وسر ذلك أن أسباب النشأة في الوحشية مشتركة بالمياه والمراعي والبراري. والحيوان الإنسيّ يختلف ذلك فيه، بحسب مقتنيه، اختلافا كثيرا. فينشأ بحسب دواعي بني آدم في السعة والضيق، وإيثار نوع من العلف على غيره، ومكان مخصوص على غيره، وإلزام الحيوان أنواعا من الأعمال والرياضة دون غيرها، فيختلف الحيوان الإنسيّ بحسب ذلك. ثم يتصل ذلك بالنّطف في التوليد، مضافا إلى ما يحصل للولد من داعية مريبة فيعظم الاختلاف. والحيوان الوحشيّ سلم عن جميع ذلك. فتشابهت أفراد نوعه. ولا يكاد الحس يفرق بين اثنين منه البتة. فإذا تقرر أن الحس لا سلطان له على الفرق بين المثلين، ولا التمييز بين الشيئين، فيجب القطع أن كون المصلوب هو خصوص عيسى ﵇ دون شبهه أو مثله- ليس مدركا بالحس.

стр. 1409

وإذا لم يكن مدركا بالحس، جاز أن يخرق الله تعالى العادة لعيسى ﵇ شبهه في غيره. كما خرق له العادة في إحيائه الموتى وغيره. ثم يرفعه ويصونه عن إهانة أعدائه. وهو اللائق بكريم آلائه. في إحسانه لخاصة أنبيائه وأوليائه وإذا جوز العقل مثل هذا مع أن الحس لا مدخل له في ذلك، بقي إخبار القرآن الكريم عن عدم الصلب سالما عن المعارض. مؤيدا بكل حجة. وسقط السؤال بالكلية. وثانيها- سلمنا أن الحس يتعلق بالتفرقة بين المثلين. والتمييز بين الشبهين. لكن لا نسلم أن العدد المباشر للصلب كانوا بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب. ويدل على أنهم ليسوا كذلك، أن الحواريين فرّوا عنه. لأنه لو وجد أحد منهم لقتله اليهود. فحينئذ عدد التواتر متعذر من جهة شيعة النصارى عن أسلافهم. لا يفيد علما بل هو ظن وتخمين لا عبرة به. لذلك قال الله سبحانه في قرآنه المبين: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. أي: هم لا يتيقنون ذلك. بل يحزرون بالظن والتخمين. وأما من جهة الملة اليهودية، فلأن المباشر منهم للصلب إنما هو الوزعة وأعوان الولاة. وذلك في مجرى العادة يكون نفرا قليلا. كالاثنين أو الثلاثة ونحوها. يجوز عليهم الكذب ولا يفيد خبرهم العلم بكون العادة وخرج الصلب عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب يفتقر إلى نقل متواتر. فإنه لو وقع ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب. فإن المتواترات إذا نقلت بأخبار الآحاد، سقط اعتبارها في إفادة العلم. لجواز كذب الناقل. فلا يكون عدد التواتر حاصلا في نفس الأمر. والنصارى واليهود إنما يعتمدون على التوراة والإنجيل. ولا يوجد يهوديّ ولا نصرانيّ على وجه الأرض يروي التوراة والإنجيل، عدلا عن عدل، إلى موسى وعيسى ﵉. وإذا تعذرت عليهم رواية العدل عن العدل، فأولى أن يتعذر التواتر. ولم يبق في الكتابين إلا أخبار وتواريخ بعيدة الزمان جدا. بحيث إن التواريخ الإسلامية أصح منها، لقرب عهدها. مع أنه لا يجوز الاعتقاد في فروع الديانات على شيء من التواريخ. فضلا عن أصول الأديان. وإذا ظهر أن مستند هاتين الأمتين العظيمتين في العدد، في غاية الضعف- كانت أخبارها في نفسها في غاية الضعف. لأن الفرع لا يزيد على أصله. وثالثها- أن نصوص الإنجيل مشعرة بعدم صلب عيسى ﵇ بخصوصه. كما نقلنا بعضها آنفا. وقال في (تخجيل الأناجيل) : فيقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه، أتنقلونه تواترا أم آحادا؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حجة، ولم يثبت العلم الضروريّ. إذ الآحاد لم يأمن عليهم فيها السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب.

стр. 1410

وإذا كان الآحاد يعرض عليهم ذلك، فلا يحتج بهم في القطعيات. وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والوسط. وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين شاهدوا المشهود به، وهو المصلوب. وعلموا أنه هو ضرورة. فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر. فإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة، أكذبتم نصوص أناجيلهم التي بأيديهم. إذ قال لهم نقلتها الذين دوّنوها لهم وعليها معوّلهم: إنه لما أخذ فقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه. فلما أقبل عليه هربوا بأسرهم. ولم يتبعه إلا بطرس من بعيد. ولما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته. فقالت: هذا كان مع يسوع. فحلف أنه لا يعرف يسوع بقوله. وخادعهم حتى تركوه. وذهب ولم يكد يذهب. وأن شابّا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به. فترك إزاره بأيديهم وذهب عريانا. فهؤلاء أصحابه وأتباعه، لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة أناجيلهم. وأما أعداؤه اليهود، الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر، فلم يبلغوا عدد التواتر. بل كانوا آحادا وأفرادا. لأن عموم الناس الذين حضروا لا يرون إلا شخصا على خشبة ومعه لصّان مصلوبان. ولا شك أن هيئتهم وصفتهم متغيرة عن الحالة التي قبل أخذهم. وأما المشايخ ونحوهم فلم يعرفوه أيضا. ففي الأصحاح الثاني والعشرين من (إنجيل لوقا) ما لفظه: فلما كان النهار اجتمع مشايخ الشعب ورؤساء الكهنة وأدخلوه إلى مجمعهم. وقالوا له: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. قال لهم: إن قلت لكم لم تؤمنوا لي. وإن سألتكم لم تجيبوني ولم تخلوني. انتهى. وهذا يحتمل أنهم يسألونه عن ذاته أو عن رسالته. على أنا لو سلمنا كثرة عددهم وصدق معرفتهم فيمكن تواطؤهم على الكذب. لأنهم لما لم يجدوه هو، ولم يعلموا محل المسيح، وكان ذلك من تلاميذه، واستحلوا قتله أيضا، أشاعوا أنه هو المسيح ليترك الناس متابعته، ولئلا يتخذوا المسيح نبيّا. وصمموا، أنهم إذا وجدوا المسيح بعد هذا أيضا، يعملون به كما عملوا بصاحبه. ويؤيد هذا أنهم جعلوا على القبر حراسا لئلا ينبش القبر ويرى أنه غير المسيح. ومما يزيد الأمر وضوحا قول (إنجيل متى) في (الأصحاح الثامن والعشرين) : أن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت ملكا قد نزل من السماء برجّة عظيمة. فدحرج الحجر عن فم القبر. وجلس عنده. فكاد الحراس أن يموتوا من هيبته. وبادروا من فورهم إلى المشايخ فأعلموهم بالقصة. فأرشاهم المشايخ برشوة أن يستروا القصة وأن يشيعوا أن التلاميذ سرقوه ونحن نيام. فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود. كما أنهم

стр. 1411

ستروا الآية التي ذكرتم، صلبوا شخصا من أتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح. فإذا تبين عدم الاحتجاج بإجماع اليهود والنصارى الآن على صلبه، فنرجع إلى القرائن العقلية والنقلية. فأما العقل فلا يجوّز أن الإله القادر على كل شيء يقتله أذل عباده، وهم اليهود. ويضربونه ويعملون به ما هو محرر في أناجيل النصارى المضطربة المحرفة المكتوبة بعد رفعه بسنين عديدة وأعوام مديدة. مع أنه يفرّ منهم مرات كثيرة ويستغيث ويطلب من الله تعالى تأخير أجله بقوله: أجز عني هذه الكأس. ويصرخ ويقول: إلهي! إلهي! لم تركتني؟ ويسلم روحه. وعند الصلب يطلب منهم الماء لكثرة عطشه. فيعطوه خلّا بدله. وأيّ خلاص لعباده في هذه الحالة، وهو بزعمهم أتى ليخلص العالم من الخطيئة. بل صار موقعا لهم في الإثم بسبب عدم إيمانهم به. فكيف يكون مخلصا بنفسه؟ وأما النقل، فقد تبين لك تهافت أناجيلهم واضطرابها، والدلالة على عدم المعرفة به، وعدم وجوده في قبره. والأعظم من ذلك عند كل ذي عقل سليم قوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وأما قول متى في (الأصحاح السابع والعشرين) : فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا للكثيرين- فهو قول بهت ومحال. لا يخفى بطلانه على ذوي العقول من النساء والرجال. لأنه لو كان صحيحا لأطبق الناس على نقله. ولم يتفق إخفاء مثله. ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع. فحيث داموا على الجحد له والتكذيب، دلّ على كذب ما نقله عباد الصليب. وإذا كان اليهود أعطوا دراهم رشوة، كما علمت سابقا، لحراس القبر حتى لا يخبروا القائد وسائر الناس بملك نزل من السماء على قبر يسوع، كي لا يظن براءته مما نسب إليه أعداؤه، فكيف تكون هذه الآيات العظيمة؟ وتقوم الأموات من قبورها؟ ويدخلون المدينة؟ ولا يكون ذلك حجة على من لا يؤمن به إذ ذاك؟ وأيضا، ما معنى تفتح القبور وقيام القديسين من قبورهم؟ فهل كان استبشارا بمصابه؟ فهم إذا ذاك ليسوا من أحبابه. أو كان جزعا على مماته؟ وخرجوا إعانة له قبل فواته؟ فوا عجبا لرب أحياهم بعد أن كانوا رفات. ولم يعينوه حتى قضى ومات. وأحيي الرمم، وصرخ عند تسليم الروح. ولم يقدر على إبراء ما فيه من جروح. وليت شعري ما عمل هؤلاء القديسون؟ أبقوا في المدينة المقدسة؟ أم كروا إلى قبورهم فهم راجعون؟ وهل التأم الهيكل والصخور؟ أم دامت على انشقاقها إلى كثير من الدهور؟

стр. 1412

فإن قيل: إنما لم يشتهر ذلك، لأن أصحاب المسيح لم يحضر منهم أحد خوفا من اليهود، والذين شاهدوا هذه الآيات من اليهود تواطؤوا على الكتمان حسدا وبغيا. قلنا: مثل هذه الآيات العظيمة إذا وقعت، علمها من حضر ومن غاب، من الأعداء والأحباب. لأنها آيات نهارية. ومعجزات تشتهر في البرية. ويتناقلها أهل البلدان. وتبقى مؤرخة بكل لسان. في سائر الملل بكل أرض وزمان. فعلم بالضرورة أن هذه الأقوال. مما اخترعها وحررها أئمة الضلال. ليخدعوا بها ضعفاء العقول. ويتوصلوا إلى جذب الدنيا بالكذب على هذا الرسول. انتهى. وقال الإمام ابن حزم ﵀ في كتابه (الملل) عند الكلام على النصارى: ومما يعترض به علينا اليهود والنصارى، ومن ذهب إلى إسقاط الكوافّ (جمع كافة) من سائر الملحدين، أن قال قائلهم: قد نقلت اليهود والنصارى أن المسيح ﵇ قد صلب وقتل. وجاء القرآن بأنه ﷺ لم يقتل ولم يصلب. فقولوا لنا: كيف كان هذا؟ فإن جوزتم على هذه الكواف العظام المختلفة الأهواء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس، نقل الباطل فليست بذلك أولى من كافتكم التي نقلت أعلام نبيكم وشرائعه وكتابه. فإن قلتم: اشتبه عليهم فلم يتعمدوا نقل الباطل، فقد جوزتم التلبيس على الكواف. فلعل كافتكم أيضا ملتبس عليها. فليس سائر الكواف أولى بذلك من كافتكم، وقولوا لنا: كيف فرض الإقرار بصلب المسيح عندكم قبل ورود الخبر عليكم ببطلان صلبه وقتله؟ فإن قلتم: كان الفرض على الناس الإقرار بصلبه، وجب من قولكم الإقرار أن الله فرض على الناس الإقرار بالباطل. وأن الله تعالى فرض على الناس تصديق الباطل والتديّن به. وفي هذا ما فيه. وإن قلتم: كان الفرض عليكم الإنكار لصلبه، فقد أوجبتم أن الله تعالى فرض على الناس تكذيب الكواف. وفي هذا إبطال قول كافتكم. بل إبطال جميع الشرائع. بل إبطال كل خبر كان في العالم، عن كل بلد وملك، ونبي وفيلسوف وعالم، ووقعتم. وفي هذا ما فيه. قال أبو محمد ﵁: هذه الإلزامات كلها فاسدة في غاية الحوالة والاضمحلال بحمد الله تعالى. ونحن مبيّنون ذلك بالبراهين الضرورية بيانا لا يخفى على من له أدنى فهم. بحول الله تعالى وقوته فنقول وبالله التوفيق: إن صلب المسيح لم يقله قط كافة. ولا صح بالخبر قط. لأن الكافة التي يلزم قبول نقلها هي إما الجماعة التي يوقن أنها لم تتواطأ، لتنابذ طرقهم، وعدم التقائهم، وامتناع اتفاق خواطرهم، على الخبر الذي نقلوه عن مشاهدة، أو رجع إلى مشاهدة، ولو كانوا اثنين فصاعدا. وإما أن يكون عدد كثير يمتنع منه الاتفاق في الطبيعة على التمادي على

стр. 1413

سنن ما تواطؤوا عليه، فأخبروا بخبر شاهدوه، ولم يختلفوا فيه، فما نقلوه أحد أهل هاتين الصفتين على مثل إحداهما. وهكذا حتى يبلغ إلى مشاهدة. فهذه صفة الكافة التي يلزم قبول نقلها، ويضطر خبرها سامعها إلى تصديقه. وسواء كانوا عدولا أو فساقا أو كفارا. ولا يقطع على صحته إلا ببرهان. فلما صحّ ذلك نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح ﵇، فوجدناه كوافّ عظيمة. صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل. إلى الذين ادّعوا مشاهدة صلبه. فإن هناك تبدلت الصفة ورجعت إلى شرط مأمورين مجتمعين. مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل. والنصارى مقرّون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة. وأنهم أخذوه ليلا عند افتراق الناس عن الفصح. وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من النهار. وأنه أنزل أثر ذلك. وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة. في بستان فخّار متملك للفخار. ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب. ولا موقوفا لذلك. وأنه بعد هذا كله رشي الشّرط على أن يقولوا إن أصحابه سرقوه. ففعلوا ذلك. وإن مريم المجدلانية، وهي امرأة من العامة، لم تقدم على حضور موضع صلبه. بل كانت واقفة على بعد تنظر. هذا كله في نص الإنجيل عندهم. فبطل أن يكون صلبه منقولا بكافة. بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه. وما كان الحواريون ليلتئذ، بنص الإنجيل، إلا خائفين على أنفسهم، غيّبا عن ذلك المشهد. هاربين بأرواحهم مستترين. وإن شمعون الصفا غرّر ودخل دار قيقان الكاهن أيضا بضوء النهار. فقال له: أنت من أصحابه؟ فانتفى وجحد وخرج هاربا عن الدار. فبطل أن ينقل خبر صلبه أحد تطيب النفس عليه. على أن نظن به الصدق. فكيف أن ينقله كافة. وهذا معنى قوله تعالى: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. إنما عنى تعالى أن أولئك الفساق، الذين دبّروا هذا الباطل، وتواطؤوا عليه، هم شبهوا على من قلدهم. فأخبروهم أنهم صلبوه وقتلوه. وهم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة. ولو أمكن أن يشبه ذلك على ذي حاسة سليمة، لبطلت النبوات كلها. إذ لعلها شبهت على الحواس السليمة. ولو أمكن ذلك لبطلت الحقائق كلها. لأمكن أن يكون كل واحد منا يشبه عليه فيما يأكل ويلبس. وفيمن يجالس. وفي حيث هو فلعله نائم، أو مشبه على حواسه. وفي هذا خروج إلى السخف وقول السفسطائية والحماقة. وقد شاهدنا نحن مثل ذلك. وذلك أننا أنذرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر. فرأيت أنا وغيري نعشا فيه شخص مكفن. وقد شاهد غسله شيخان جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة، في بيت. وخارج البيت

стр. 1414

أبي ﵀ وجماعة عظماء البلد. ثم صلينا في ألوف من الناس عليه. ثم لم يلبث شهورا نحو السبعة حتى ظهر حيّا. وبويع بعد ذلك بالخلافة. ودخلت عليه أنا وغيري وجلست بين يديه. ورأيته. وبقي ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام. قال أبو محمد ﵁: وأما قوله: قد جوّزتم التمويه على الكافة، فقد بيّنا أنها لم تكن كافة قط. وحتى لو صح أنها كافة فكيف لا يجوز ذلك في كل آية تحيل الطبائع والحواس؟ فهو ضرورة لا يحمل على الممكنات. فلو صح أنها كانت كافة، لكان خبر الله تعالى أنه شبه لهم، حاكما على حواسهم ومحيلا لها. كخروج النبيّ ﷺ ليلة هاجر بحضرة مائة رجل من قريش. وقد حجب الله سبحانه أبصارهم عنه فلم يروه. وأما ما لم يأت خبر عن الله بأنه شبه على الكافة، فلا يجوز أن يقال ذلك. لأنه قطع على المحال وإحالة طبيعة. وإحالة الطبائع لا تدخل في الممكن. إلا أن يأتي بذلك يقين عن الله ، فيلزم قبوله. وأما التشبيه على الواحد والاثنين ونحو ذلك فإنه جائز. وكذلك فقد العقل والسخافة يجوز ذلك على الواحد والاثنين ونحو ذلك. ولا يجوز على الجماعة كلها. وقوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، إنما هو إخبار عن الذين يقولون تقليدا لأسلافهم من النصارى واليهود أنه ﵇ قتل وصلب. فهؤلاء شبّه لهم القول. أي: أدخلوا في شبهة منه. وكان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت. وشرطهم المدّعون أنهم قتلوه. وهم يعلمون أنه لم يكن ذلك. وإنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه وصلبوه في استتار ومنع من حضور الناس. ثم أنزلوه ودفنوه تمويها على العامة التي شبه الخبر لها. ثم نقول لليهود والنصارى، بعد أن بينا بحول الله وقوته بيان ما شنعوه في هذه المسألة: إن كوافكم قد نقلت عن بعض أنبياءكم فسوقا ووطء إماء. وهو حرام عندكم. وعن هارون ﵇ أنه هو الذي عمل العجل لبني إسرائيل وأمرهم بعبادته والرقص أمامه. وقد نزه الله تعالى الأنبياء ﵈ عن عبادة غيره. وعن الأمر بذلك، وعن كل معصية ورذيلة. فإذا جوزوا كلهم هذا على أنبياء، منهم موسى ﵇ وسائر أنبيائهم- كان كل ما أمروهم به، مع جنس عمل العجل والرقص والأمر بعبادته. ومن جنس وطء الإماء وسائر ما نسبوه إلى داود وسليمان ﵉ وسائر أنبيائهم. لا سيما وهم يقرون بأن العجل كان يحور بطبعه. وأما نحن فجوابنا في هذا كله بأن ليس شيء منه نقل كافة. ولكن نقل آحاد كذبوا فيه. وأما خوار العجل فإنما هو على ما روينا عن ابن عباس ﵁، من أنه إنما كان

стр. 1415

صفير الريح تدخل من فيه وتخرج من دبره. لا أنه خار بطبعه قط. وحتى لو صح أنه خار بطبعه، لكان ذلك من أجل القوة التي كانت في القبضة التي قبضها السامريّ من أثر جبريل ﵇. والذي يعتمد عليه فهو قول ابن عباس ﵁ الذي ذكرناه. وبالله تعالى التوفيق. وأما قوله: كيف كان الفرض قبل ورود النص ببطلان صلبه؟ الإقرار بصلبه أم الإنكار له؟ فهذه قسمة فاسدة شغبية. قد حذر منها الأوائل كثيرا. ونبه عليها أهل المعرفة بحدود الكلام. وذلك أنهم أوجبوا فرضا ثم قسموه على قسمين: إما فرض بإنكار، وإما فرض بإقرار. وأضربوا عن القسم الصحيح فلم يذكروه. وهذا لا يرضى به لنفسه إلا جاهل أو سخيف مغابط غابن لنفسه، غاش لمن اغترّ به. وإنما الحقيقة هاهنا أن يقول. هل يلزم الناس، قبل ورود القرآن، فرض بالإقرار بصلب المسيح، أو بإنكار صلبه، أولم يلزمهم فرض بشيء من ذلك؟ فهذه هي القسمة الصحيحة والسؤال الصحيح. وحق الجواب أنه لم يلزم الناس قط، قبل ورود القرآن، فرض بشيء من ذلك. لا بإقرار ولا بإنكار. وإنما كان خبرا لا يقطع العذر ولا يوجب العلم الضروريّ. ممكن صدق قائله. فقد قتل أنبياء كثيرة وممكن أن يكون ناقله كذب في ذلك. وهو بمنزلة شيء مغيب في دار. فيقال لهذا المعرّض بهذا السؤال الفاسد: ما الفرض على الناس فيما في هذه الدار؟ الإقرار بأن فيها رجلا أم الإنكار لذلك؟ فهذا كله لا يلزم منه شيء. ولم ينزل الله كتابا قبل القرآن بفرض إقرار بصلب المسيح ﷺ ولا بإنكاره. وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه. فإن قالوا: قد نقل الحواريون صلبه وهم أنبياء وعدول. قيل لهم وبالله التوفيق: الناقلون لنبوتهم وأعلامهم ولقولهم بصلبه ﵇، هم الناقلون عنهم الكذب في نسبه والقول بالتثليث الذي من قال به فهو كاذب على الله تعالى، مفتر عليه، كافر به. فإن كان الناقل لذلك عنهم صادقا أو كانوا كافة، فما كان يوحنا ومتى وبولس إلا كفارا كاذبين. وما كانوا قط من صالحي الحواريين. وإن كان ناقل ما ذكرنا عنهم كاذبا، فالكاذب لا يقوم بنقله حجة. فبطل التمويه المتقدم. والحمد لله رب العالمين. فصل أخذ بعض نصارى هذا العصر يتذبذب في الاعتقاد. فطفق يرد على المسيحيين قولهم بتثليث الآلهة. وأنه مضاد لصريح نصوص الوحي. أخذ يسلم بحقية القرآن

стр. 1416

وكذا التوراة والإنجيل الموجودين وأنهما لم يحرفا تحريفا جوهريا. واعتقد بصلب المسيح يقينا. وصار يناقش المفسرين فيما فسروا به الآية المذكورة، أعني آية الصلب. زاعما أن المنفيّ عن اليهود فيها هو نسبه الفعل لهم توبيخا لتهكمهم وازدرائهم. وردّ فعل الصلب إليه تعالى. وقد توسع في هذا الموضوع وألف كتابا سماه (المعتقد الصحيح في صلب السيد المسيح) ولما كان مبحثه غريبا جدّا، أردت أن أورد هنا بعض تمويهاته في رسالته. وأعقبها بما فوّق عليه من سهام ردود تهافته. قال في أول رسالته: إن التباس فهم آية الصلب هو غالبا في تقدير نائب الفاعل لفعل (شبّه لهم) فإنا إن قدرنا نائب الفاعل مصدرا مأخوذا من الفعل السابق المذكور في الآية (وما قتلوه وما صلبوه) وكان التقدير شبه لهم أنهم قتلوه وأنهم صلبوه. أو شبه لهم قتلهم له وصلبهم إياه. والمعنى أنه مثل أو خيّل لهم أنهم كانوا هم القاتلين وهم الصالبين- انحلت المسألة تقريبا. وزالت كل صعوبة تأويل. حيث إن السيد المسيح لم يقتل أصلا. ولا صلب قهرا. أو مات جبرا. أو اضطرارا. بل هو من نفسه (على زعمه) قدم ذاته للصلب عن رغبته واختياره ورضاه. فكأنّ اليهود لم يفعلوا شيئا بقدرتهم ومجرد إرادتهم. حتى يحق لهم الافتخار بأنهم قتلوه. وأما إن قدّر المسيح نائب الفاعل ل (شبه) تعقدت المسألة وضاع السياق اللغويّ. لأنه لا وجه، لغويا، في الآية يثبت وقوع الصلب على رجل آخر غيره. إذ لم يذكر صريحا ولا إشارة. ثم ذكر في الفصل السادس أن القرآن العزيز لم يؤنب النصارى، ولا مرة، على ضلال اعتقادهم بصلب المسيح وموته وقيامته. ولا كذب الإنجيل أو الحواريين. ولا لام الذين آمنوا بصلب المسيح. حال كونه نبههم مرارا على غير ضلالات عندهم. وذكر فيه أيضا: لم ترد أحاديث صحيحة عن الرسول ﷺ بنفي صلبه. وفيه أيضا: أن هذه الآية يصح تأويلها إيجابيا طبقا لما في الإنجيل. بما أن عدة آيات أخرى قرآنية مجانسة لها أوّلت بخلاف ظاهرها اللفظيّ. كأفعال المبايعة والرمي والموت والحياة وما أشبه ذلك. التي نسبت صريحا لغير فاعلها الظاهر. وقال في الفصل العاشر: أما قولنا إن القرآن العزيز قصد نفي نسبة فعل الصلب لليهود وإسناده لله حقيقة، فهو استناد على قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ

стр. 1417

إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] ، فهنا الفاعل الظاهر حسّا وفعلا إنما هو الرسول محمد ﵊. ولكن الفاعل الحقيقيّ إنما هو الله الفاعل كل شيء في الكل. ثم قال: وربما يعترض أنه ذكر في الآية نفسها أن الله رمى، وإنه تعالى هو المبايع، فنقول: كذلك في آي الصلب وإخباره مرارا عديدة صرح في الإنجيل أن الفاعل والمسلّم والبازل والحاكم والآذن في أمر الصلب إنما هو الله ﷻ . ثم قال: نقول أخيرا: إن آية الصلب القرآنية هي صحيحة في ذاتها تماما وكمالا. ومطابقة أشد المطابقة لما ورد في نفس القرآن بهذا الشأن. ولكلّ فحوى أسفار الميثاقين أو العهدين. بكل بيان. إنما تفسيرها بمطلق النفي كان وما زال غلطا وضدّ الحقيقة والذوق اللغويّ. وضد ما جانسها في الآي الأخرى من نفس القرآن. ومن نصوص سائر الكتب المنزلة. ولا سيما الإنجيل، الذي زبدته وروحه وقوامه وخلاصته هي كون المسيح صلب ومات وقام وعرج إلى السماء. وأرسل البارقليط الآخر الرسول محمدا مبلغ القرآن العظيم، الحاوي روح الصدق والحق، والمذكر بكل ما قال المسيح في الإنجيل الشريف. ثم قال: إن إنكار أمر الصلب أو إثباته ليس من الأركان في الدين عند المحمديين. ولا هو محرّم قطعا الاختلاف في تفسير بعض آيات. وقد وجد ويوجد عدة اختلافات عند اليهود والنصارى والمسلمين. وليس ذلك محرما إلا إذا آل لإنكار أو لإفساد نفس الآيات. أو إيقاع الشبهة على ذات نصوص الوحي. ففي آية الصلب ليس شيء من ذلك. بل بالعكس تأييد كل النصوص الإلهية. هذا خلاصة ما أورده في رسالته. وقد رد عليه من الفضلاء المسلمين عدد وافر، في تآليف بديعة. منها كتاب (السيوف البتّارة) اعتمد مؤلفها في إيراد حججها على التواريخ الإفرنجية المعول عليها. فإن الإفرنج أعرف من غيرهم بحقيقة ما يهمهم، وأبعد من مظنة التشيّع في شهادتهم على أنفسهم، في أمر دينهم. قال رعاه الله: يعلم الواقف على حقائق التاريخ أن مسألة الصلب من أهم المسائل التي ولدت الشقاق والنفرة فيما بين النصارى عموما ونصارى مصر والشام في الأجيال الأولى خصوصا. فإنهم كانوا غالبا يرفضون حصول الصلب رفضا باتا. لأن بعضهم كان يعتبره إهانة لشرف المسيح، ونقصا فاضحا. والبعض الآخر كان يجحده ارتكانا على الأدلة التاريخية. وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة. منها:

стр. 1418

الساطر نيوسيون والمركيونيون والبارديسيانيون والتاتيانيسيون والكاربوكراتيون والمانيسيون والبارسكاليونيون والبوليسيون. إذ كلهم اعتقدوا، مع كثيرين غيرهم، بأنه لا يمكنهم أن يسلموا بنوع من الأنواع، أن المسيح سمّر فعلا، أو مات على الصليب حقيقة. حتى استخفّوا بالصليب والصلب. وقال بعض المؤرخين الأفاضل: إن الخلاف الذي وقع بين النصارى في مبدأ الأمر كان سببا في انسلاخ جملة طوائف وتشتتها واعتبارها في رأي آخرين مارقة من الدين. ولكن هذه الطوائف المضطهدة المهضومة كانت أفكارها منطبقة على الأصول النصرانية عقلا ونقلا. بخلاف أفكار مضطهديهم، فإن هذه الطوائف بنت على ألوهية عيسى ﵊ أنه لا يجوز أن يمتهن. واستنتجت من هذا أنه لم يصلب قطعا. وأن ألفاظ التوجع والتضجر، التي نسبتها إليه كتب النصارى المتأخرين، لم يتفوّه بها ولا تصح نسبتها إليه. وبالجملة إن الشخص المصلوب غير عيسى قطعا. وأنه ﵊ لم تسلط عليه أيدي مضطهديه. بل رفع إلى السماء. ومن القائلين. بهذه الأفكار الدوسيتية والمرسيونية والفلنطانيائية. وغير خاف أنه حتى على فرض البنوة فقط، لا يمكن عقلا أن يتصور صلبه. انتهى. ويؤيد هذا ما قاله الباحث الشهير الموسيو إدوار سيوس، أحد أعضاء (الانستيتو دي فرنس) في باريس. المشهور بمعارضته المسلمين في كتابه (عقيدة المسلمين في بعض المسائل النصرانية) صحيفة (٤٩) : إن القرآن ينفي قتل عيسى وصلبه. ويقول بأنه ألقي شبهه على غيره فغلط اليهود فيه وظنوا أنهم قتلوه. وإن ما قاله القرآن موجود عند طوائف النصرانية منه الباسيليديون. كانوا يعتقدون، بغاية السخافة، أن عيسى وهو ذاهب لمحل الصلب، ألقي شبهه على سيمون السيرناي تماما، وألقي شبه سيمون عليه. ثم أخفى نفسه ليضحك استهزاء على مضطهديه الغالطين. ومنهم السيرنتيون، فإنهم قرروا أن أحد الحواريين صلب بدل عيسى. وقد عثر على فصل من كتب الحواريين. وإذا كلامه نفس كلام الباسيليديين. وقد صرح (إنجيل القديس برنابا) باسم الذي صلب بدل عيسى قال: إنه يهوذا. انتهى. ولم يردّ المؤرخ، المترجم كلامه، على هذا الإنجيل، إلا بدعوى أنه كلام لا يعول عليه. وهذا الرد من رجل صدر نفسه للرد على المسلمين غير كاف. فيستفاد من جميع ما ذكر أن جمّا غفيرا من طوائف النصارى ذوات البال والأهمية، كانت تنبذ عقيدة صلب المسيح نبذا، وتفندها تفنيدا وما زالوا كذلك حتى جاء الإسلام فدخلوا فيه أفواجا. لإنكار القرآن. وما أنكروه من الصلب وغيره. وبالجملة فإن أغلب

стр. 1419

الشعوب الشرقية، قبل الفتح الإسلاميّ، رفضت القتل والصلب. حتى قال ياسيليوس الباسليدي: إن نفس حادثة القيامة، المدعى بها بعد الصلب الموهوم، هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب. ومن المعلوم أن نصارى الشام هم الذين وقعت هذه الحادثة بينهم. فهم أقرب الناس إلى العمل بحقيقتها. وكذلك من جاورهم من نصارى المصريين وغيرهم. لحصول الجوار وقرب المسافة. فكيف لا تكون شهادتهم هي عين الصواب؟ وبذلك يتبين أن دعوى (صاحب جريدة شهادة الحق) الإجماع على الصلب وانفراد القرآن الشريف بنفيه- غير مسلمة، مع وجود هذه الطوائف المنازعة في الصلب. وقد صرح القرآن بأن رسول الله ﷺ إنما بعث لتصديق ما بين يديه من الحق وتبيين ما اختلف فيه طوائف النصارى مع اليهود، والنصارى مع بعضهم بعضا. ولو حكمنا التاريخ لشهد لهؤلاء الناس وبرّز أقوالهم. وذلك أن أهل فلسطين كانوا يعبدون الأوثان ويخالفون بني إسرائيل في ديانتهم. فكان من مبادئهم، العاملين عليها في سياستهم العمومية، بذل المجهود وإفراغ الوسع في معاكسة عقائد اليهود. لإدخالهم في الديانة الوثنية وتقويض دعائم الشريعة الموسوية. والضغط على شعائرهم الملية. يشهد لهذا أقوال الكاتب الشهير (أرنست رنان) العضو في (الأكاديمية الفرنساوية) المنفرد بالإجادة والشهرة، في رسالة نشرت في جريدة العالمين في ١٥ مارس ١٨٩٣. معنونة ب (اليهود تحت حكم الرومان) حيث قال: إن كل المناصب ذوات المرتب الباهظ كانت تعطى غنيمة باردة لليهود الذين يطرحون دينهم ظهريا. ويجعلون شعائرهم الملية شينا. ويعتنقون ديانة الرومان الوثنية. فكان من ضغط الرومان ومن تزلف اليهود إليهم، ومن أطماعهم إلى الرتب والألقاب، أن ارتد غالب سواد اليهود وعبدوا جوبيتر الألومبي. وكان الواحد منهم يخفي الاختتان بعملية شاقة جدّا (ذكرها سلس المؤرخ الروماني الشهير) ثم يتزيى بزي الرومان ويسحب ذيوله تيها وإعجابا بنفسه وبعوائد الرومان. وازدراء واحتقارا لبني جلدته وذوي ملته. فرحا بلقمة يلتقمها. أو مرتبة يتربع في دستها. وما زالت اليهود تترومن حتى أن الأحبار غادروا الهيكل والمجامع. واشتغلوا بملاعب الرومان الرياضية. وأخيرا آل الأمر، قبل وجود عيسى ﵇، إلى إدخال صنمهم الأكبر ووضعه في محل تقريب القربان نفسه. بحيث أن القربانات كانت تعمل أمامه. حتى كادت معالم اليهودية أن تنمحي من صحيفة الوجود. ووقع ذلك سيء الوقع وأثّر أردأ تأثير في نفوس البقية القليلة من اليهود التي اعتصمت بدينها. انتهى.

стр. 1420

وبهذا يعلم مقدار ضغط الرومان على اليهود لمحو آثار دينهم من الوجود. فليس من المعقول أن الحكومة، وهي ما ترى من الكراهة الدينية لليهود، تجيبهم إلى ما طلبوا من تنفيذ أمر الصلب. أو تعيره أدنى ذرة من الأهمية. خصوصا والحاكم الرومانيّ على فلسطين في ذلك الوقت، كان يكره اليهود كما يكره أن يلقى في النار. وهم يكرهونه أشد من ذلك. دليلنا على ذلك ما كتبه المسيو رنان المذكور في كتابه المشهور المسمى (حياة المسيح) حينما تكلم على شكاية اليهود من عيسى بدعوى أنه غيّر التوراة. وكان ذلك على زعمهم ليستوجب قتله. حيث قال: إن حاكم فلسطين المسمى (بونسيوس) الملقب (بيلاطس) - أظهر عدم عنايته بمنازعات اليهود الداخلية وشكاويهم وخصوماتهم. بل كان يعتبر أن هذه الأعمال صادرة عن عقول مختلفة وأفكار معتلة. وبالإجمال، كان يكره اليهود وهم يكرهونه أشد من كراهته لهم. لأنهم كانوا يجدونه قاسيا ذا أنفة وكبر. غير مكترث بهم. ولقد رموه وعابوه بجنايات لا يسعها عقل عاقل. والمتمسكون بدينهم منهم رأوا أن غرض بيلاطس هذا، سحق أثر الشريعة الموسوية سحقا ومحوها محوا. وتعصبهم الأعمى وكراهتهم الدينية له جعلاه يأنف من أفكارهم. فإنه كان يميل كل الميل إلى الأحكام الوضعية الرومانية. التي كانت نهاية فخر كل رومانيّ في ذلك الحين. وكان يرى أفكار اليهود سخيفة تقهقرية. لأنه كلما هم بجلب النافع العام، وسن مشروع يضمن الراحة والرفاهية، قام الأحبار عن آخرهم وعارضوه بتفسير التوراة التي كانت تسدّ في وجهه أبواب التحسين والتغيير. فلم يعتن بجرح حواسهم ومسّ شرفهم ومعالمهم الدينية. وعاملهم بالقسوة والكبر وعدم تنفيذ رغباتهم. فانشعب الأمر ودام الفشل. وأخيرا اضطرت الحكومة إلى إقالته من منصبه بسبب قيامة اليهود عليه. ولقد كانت نفس بيلاطس تضيق، وصدره يحرج عند مجيء شكوى ضد عيسى ﵊. حيث كان لا يسمح بتنفيذ أمر القتل عليه. وعيسى ضد اليهود، ويعيب التوراة كما يقولون. فكان ذلك عن رغبة الحاكم. وجلّ ما يتمنى. فكيف يكون هو الآمر والمنفذ لقتله؟ مع أنه كان قادرا على تنفيذ رغباته المضادة لليهود على خط مستقيم. والحقيقة أن بيلاطس كان ميالا كل الميل لخلاص السيد المسيح من هؤلاء الظلمة. ولعله رأى ما فيه من جميل الشيم والأخلاق الكريمة الطاهرة. فراقه ذلك، زيادة عن كراهته لليهود. فعمل على خلاصه من الصلب. كما يتضح من إنجيل متى ٢٧ و ٢٤. ولوقا ٢٣ و ١٢. ويوحنا ١٣- ٢٣ وفي بعض آيات الإنجيلين أن عيسى سوعد من زوجة بيلاطس الحاكم القائلة (كما هو مذكور في إنجيل متى

стр. 1421

٢٧ و ١٩) : إياك وهذا البارّ. لأني تألمت اليوم كثيرا في حلم من أجله. ولعلها رأته فبهرها كماله ووقاره وحشمته وبلوغه الغاية في الأدب والشمائل الطاهرة. والظاهر أنها رأت هذا الشاب البريء المبجّل من إحدى نوافذ قصرها المطلة على أفنية هيكل سليمان ﵇. فظهر لها بكماله الحقيقي فاستفظعت إهدار دم هذا البريء الوقور. وكيفما كان السبب، فالذي لا يشك فيه أحد، أن بيلاطس كان محبا لعيسى ﵇ حبّا شديدا. ولذلك سأله بكمال اللطف والأدب ليفرغ ما في وسعه لتبرئته. انتهى. فيؤخذ من كلام (رنان) أن الحاكم المنوط به الأمر والتنفيذ، كان مضادّا للصلب. فلا غرابة في عدم حصوله للمسيح ﵇، وتبديله بآخر. وكراهة هذا الحاكم لليهود مشهورة لا تحتاج لزيادة إيضاح. حتى إن ترتوليانوس، أحد آباء الكنيسة النصرانية، جزم بأن بيلاطس الحاكم كان نصرانيّا في الباطن. وفي الجزء الأول من تاريخ الديانة النصرانية لمؤلفه (ملمن) : إن تنفيذ الحكم كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام. فيستنتج من ذلك أيضا إمكان استبدال السيد المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس، منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم. كما اعتقد بعض الطوائف. وصدقهم القرآن. ولقد جرى على هذا الرأي جماعة من المؤرخين المهمّين (كالمسيوشارل بيكار) و (أرنست دي بونس) وغيرهما. فإن الأول قال: إن مسألة صلب المسيح كلها مبتكرة مخترعة لا غير. لتوافق اعتقادات قديمة. مآلها أن الله لا يسكن غضبه إلا بسفك دم القربان من بني آدم. وكانت اليهود تقدم أولادها قربانا للذبح استجلابا لإسكان غضب الخالق وجلب رضاه. ويقول: إنهم ربما أكلوا لحوم القربان الآدميّ وشربوا دمه. ولما قامت الأنبياء في بني إسرائيل واضطهدت هذه العادة الشنعاء، بدّل ذبح الآدميّ قربانا بذبح الحيوان. وأطال المسيو (بيكار) في شرح ارتباط تضحية سيدنا عيسى ﵊ مع هذه العوائد القديمة. فأفاد أن نفس الصليب كان مستعملا رمزا عن شيء عندهم اسمه (اللنجام) وهو عبارة عن خشبتين متصلبتين متداخلتين في بعضهما. وأما المسيو (أرنست دي بونس الألمانيّ) فإنه قال في كتابه المسمى ب (النصرانية الحقة) صحيفة ١٤٢ ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء، هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه، من الذين لم يروا المسيح ﵊. لا من أصول النصرانية الأصلية. فوضح وضوح الشمس لذي عينين أن التاريخ، فضلا عن كونه لم يثبت مسألة

стр. 1422

الصلب والقتل، يرجح نفي حصوله رجحانا لا يكاد يفارق اليقين الحقيقيّ. ومعلوم أن أخذ الأمور التاريخية في هذا الصدد عن طوائف مصر والشام أولى، لأنهم أبناء جلدتها، وأدرى بحوادث بلادهم الحقيقية. فيؤخذ من كل ذلك: أولا- أن كافة الظروف التي حصل فيها تنفيذ الحكم كانت مساعدة لتخليص المسيح ﵊. وبالأخص اضطهاد الحكومة الرومانية للعقائد الموسوية. وعدم الاعتناء بها لا يسهل تنفيذها. ثانيا- وقت الغلس الذي حصل فيه ذلك الصلب الموهوم. وكان يمكننا لدرس هذا الموضوع التكلم على جملة مسائل تفند دعوى الصلب تفنيدا لا مزيد عليه. ومن ضمنها، أن نصارى اليوم تدعي أن سيدنا عيسى ﵊ حكم عليه من مجمع اليهود بالقتل بسبب تغييره لأحكام التوراة. ومن المعلوم أن الحكم، في ذلك الموضوع، الرجم لا الصلب. فهذا مما يرتكن عليه مثل الموسيو (شارل بيكار) في ادعائه أن النصارى الحديثين احتاجوا لعلامة الصليب رمزا لبعض عقائد كانوا يريدون إدخالها في الديانة. وهي مسألة الفدا. انتهى كلام صاحب السيوف البتارة. ولما اطلع عليها ذلك النصرانيّ المذبذب المردود عليه، أعياه الرد من الطريقة التاريخية، فأخذ يرد عليها تشبثا بأسباب واهية. فعدّ، كل من رفض الصلب من نصارى الأيام الأول، هرطوقيا. أي: مارقا من الدين. ورمى أصحاب التواريخ من أهل أوروبا الذين وافقوا المسلمين في عدم حصول الصلب بأنهم كفرة الإفرنج. ثم تمسك بالأناجيل الأربعة الرسمية وقال: أنه لا يمكنه أن يزيف شيئا منها ما دامت شاهدة من أولها إلى آخرها بحصول الصلب حقيقة. وأنه يلزم حينئذ تأويل ما جاء في القرآن المجيد حتى يصل للوفاق. فعاد صاحب (السيوف البتارة) وألف رسالة ثانية في شهادة علماء الإفرنج بحفظ القرآن وتحريف ما سواه. تكملة للأول. فتوسع جزاه الله خيرا في هذا الموضوع ثم قال (في الكلام على الإنجيل) ما لفظه: أما الإنجيل فإنه أبعد عن الصحة من التوراة بكثير. إذ لا يفهم أحد للآن كيف تعدد الإنجيل الأصليّ إلى نسخ شتى متباينة. ولأي مرجح استحسنت منها النصارى الحاليون أربعة أناجيل، مختلفة كل الاختلاف، متضاربة كل التضارب. ولا يدري لماذا عدلوا عن (إنجيل برنابا) مثلا الذي وافق القرآن قبل ظهوره في المسائل التي أبتها الكتب الحالية. فإنا نجد هذا الإنجيل يخبر أن السيد المسيح نبيّ، عبد، مخلوق. ليس بإله. وأنه لم يصلب. وفيه البشارة بسيدنا محمد ﷺ مذكورا بلفظه (كذا) . وهاك ما قاله السيد المسيح

стр. 1423

في الإنجيل المذكور (وإني وإن كنت بريا، لكن بعض الناس لما قالوا في حقي إنه الله وابن الله، كره الله هذا القول واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة عليّ ولا يستهزءون. فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا. ويظن كل شخص أني صلبت. لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله. فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط. وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس) . وقد استشهد العلامة (سيل) الإنكليزيّ، المشهور في أوروبا بترجمة المصحف الشريف، بهذه الآية الإنجيلية، تفسيرا لقوله تعالى في سورة آل عمران: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] وإنجيل برنابا أثبته العلماء قبل الإسلام بنحو ثلاثمائة سنة. حتى أن العالم الإنكليزي (تولاند) قال: وعلى النصرانية السلام، بمجرد رؤيته هذا الإنجيل. ثم قال: قال العلامة (هيردر) وجماعة آخرون: إن الإنجيل الأصليّ كان واحدا. إلا أنه لم يكتب. بل قاله المسيح مشافهة. ورواه الحواريون عنه للناس شفاهيّا أيضا. فحفظ الخلق منه بعض أقوال أضافوا إليها ما استحسنوه من السير والقصص. ونقصوا منها ما لم يوافق أذواقهم. وما زالت تنتقل الروايات المختلفة من شخص إلى آخر، ومن زمن إلى غيره حتى تشعبت، وكتب أخيرا منها أناجيل شتى، فاختارت الكنائس منها أربعة جعلتها الرسمية. ثم قال مؤلف (السيوف البتارة) : فوضح وضوحا تامّا لذي بصيرة، أن الحجة على دعوى صلب المسيح قد سقطت سقوطا لا تقوم بعده أبدا. سواء من جهة التاريخ الصحيح الذي دحضها وخذل مدعيها بأجلى برهان، أو من جهة الأناجيل المعتبرة عندهم. لذهاب أصلها أدراج الرياح، بثبوت التحريف والتغيير لها. ثم قال: وأما قوله (يعني المذبذب) . بأن طوائف النصارى الرافضة للصلب هراقطة- فغريب. لأنهم مثله في العقيدة لا يمتازون إلا بإنكارهم الصلب الحقيقيّ للمسيح. وهل الاقتصار، في الرد من باحث، على قوله (كفرة) يعد من باب نقض الدليل بالدليل وتزييف الحجة بالحجة؟ أو من باب المكابرة في المحسوس والانقطاع عن المناظرة للعجز الواضح. وإذا جاز إطلاق (كفرة) على هؤلاء وهم أمناء النصرانية واليهودية- جاز أن تصف بهذه الصفة كل يهوديّ ونصرانيّ. وحينئذ لا يصح احتجاجك بإجماعهم ولا بشيء من آرائهم. وتكون في ردك بكلمة (هراقطة. كفرة) أشبه بمن اقتصر في مناظرة خصمه على كلمة (لا) فقط. فهو يكررها ولا يسأم من الرد بها.

стр. 1424

ثم قال: فقد برح الخفاء وانكشف الغطاء وبان للقراء أن لا إجماع بين النصارى أنفسهم على حصول الصلب منذ تكلم الناس فيه حتى الآن. وتفرقت فيه آراؤهم أيدي سبا. وذهبوا فيه كل مذهب. فلا تكاد تجد قولا لأحدهم في أيّ عصر إلا وهو مضادّ لأقوال آخرين منهم على خط مستقيم. حتى لا ترى إلا غوغاء وجلبة المناقضات. فلم يتفقوا على كيفية الصلب ولا على معناه ولا على المراد منه. ولا اجتمع فيه رأيان. كان ذلك من باب التقليد والتسليم، الذي لا يقام عليه دليل أعظم من أن يقال: إن الدين ينبغي أن لا يفهم ولا يدخل معناه السريّ تحت تصور. هذا مع أن الصلب عند النصارى هو قلب دينهم (كما يقولون) وأساس معتقدهم. حتى كأنه بمنزلة التوحيد عند المسلمين. ومع أن نفي الصلب عندنا ليس من الأصول التي انبنى عليها ديننا في شيء، بل لا تخرج مسألته عن كونها من قصص الأولين، كالإخبار عن نوح وإبراهيم وموسى، مما سيق لنحو الوعظ والاعتبار- فلم يهجس بخلد مسلم منذ وجد الإسلام إلى يومنا هذا أن عيسى ﷺ صلب أو قتل. ولم يخرق إجماع المسلمين على ذلك واحد منهم في كل عصر ومكان. وما ذلك إلا لضبط القرآن الكريم وصيانته. ولو حكّمنا غير متدين في هذه المسألة، ونظر لأهمّيّتها عند النصارى، مع عدم قدرتهم على إثباتها، ولفرعيّتها عند المسلمين، مع إجماعهم على نفيها إجماعا لا مثيل له في العالم- لا نبهر من همة المسلمين في ضبط وحفظ كتابهم، وثباتهم في صغير الأمر وكبيره. وتمنى أن تتدلى الأنجم الزهر ليصوغ منها عقود ثناء ومدح لهم، على عنايتهم بدينهم إلى هذا الحد الذي لا نظير له. ولم يسعه إلا أن يقلب أكف الأسف، ويعضّ بنان الندم على تزعزع دين غيرهم. لدرجة أن أعظم أصل فيه لا يثبت إلا في مخيلات بعض المقلدين. من غير استناد على دليل نقليّ صحيح. أو عقليّ مسلم، حتى قام عقلاؤهم نافضين غبار التقليد، ناشدين الحقيقة. فانجلت، لكثير منهم، عن تدمير هذا البناء التقليديّ. والرجوع إلى ما ثبت بالدليل في ديانة غيرهم. ومما هو جدير بالتنبه له أن بولس الذي عزا إليه كل محققي التاريخ من الإفرنج وغيرهم، أنه وحده المخترع لمسائل الصلب والفداء، وألوهية عيسى إلى غير ذلك- قد أبان أن الصلب والقتل ليسا حقيقيين. كما جاء في رسالته لأهل غلاطية. حيث قال: أنتم الذين رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا. وقال في رسالته لأهل رومية: نحن نقوم بشبه موته. إلى أن قال: فدفنا معه بالمعمودية، لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضا بارتفاعه، عالمين أن إنساننا العتيق قد صلب معه إلخ. فيستفاد من مجموع أقوال بولس هذه أن المسيح لم يصلب ولم يقتل حقيقة. وإنما ذلك مجاز عن الشبه المقتول المصلوب.

стр. 1425

كما جاء في إنجيل برنابا. وقد يدعوك حب التمسك بهذه المسألة إلى أن تؤوّل كلام بولس بما لا يحتمله اللفظ والسياق. وأنت لاه عن أنه متى وقع الاحتمال سقط الاستدلال. وإنما أتينا بكلامه تنزلا معك على التسليم الجدليّ بصحة ما روي عنه في رسالته لأهل غلاطية. فنقول: حتى على فرض صحة ما روي عن بولس نفسه، فإنه يشهد لنفي الصلب والقتل. لا لحصولهما حقيقة. هذا ولو قارنت دعوى الصلب والفداء بما جاء في التوراة من قولها (الشرّير فدية الصدّيق) لكان معناه، على مقتضى زعمك، أن عيسى شرّ بالإضافة لكل أحد. وهذا لا يجوز لا عقلا ولا شرعا. فوجب، أخذا من عبارة التوراة، أن يكون المصلوب شرّيرا فداء لصدّيق، هو عيسى ﵊. كما جاء في إنجيل برنابا انتهى ملخصا. ولن يعدم الحق أنصارا، والباطل خزيا وانكسارا. فصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ في كتابه (الفرقان) وهو من آخر مصنفاته. صنفه بقلعة دمشق، ما لفظه: (فإن قيل) فإذا كان في كتب الأناجيل التي عندهم أن المسيح صلب وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم، وقال لهم: أنا المسيح. ولا يقولون إن الشيطان تمثل على صورته- فالشيطان ليس هو لحم وعظم. وهذه أثر المسامير. أو نحو هذا الكلام- فأين الإنجيل الذي قال الله فيه: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٧] . وقال قبل هذا: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [المائدة: ٤٦- ٤٧] وقال قبل هذا: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [المائدة: ٤٣- ٤٤] . وقال أيضا: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٦] . وقال أيضا: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨] . وهذا أمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم

стр. 1426

بأن يقول لأهل الكتاب، الذين بعث إليهم، وهو من كان في وقتهم ومن يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة. لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم. وكذلك قوله: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [المائدة: ٤٣] ، إخبار عن اليهود الموجودين وأن عندهم التوراة فيها حكم الله. وكذلك قوله: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة: ٤٧] ، هو أمر من الله على لسان محمد لأهل الإنجيل. ومن لا يؤمر على لسان محمد ﷺ ، قيل قبل هذا: إنه قد قيل ليس في العالم نسخة بنفس ما أنزل الله في التوراة والإنجيل بل ذلك مبدّل. فإن التوراة انقطع تواترها. والإنجيل إنما أخذ عن أربعة. ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام الله. ومنهم من قال: بل ذلك قليل. وقيل: لم يحرف أحد شيئا من حروف الكتب وإنما حرّفوا معانيها بالتأويل. وهذان القولان، قال كلّا منهما كثير من المسلمين. والصحيح القول الثالث، وهو أن في الأرض نسخا صحيحة وبقيت إلى عهد النبي ﷺ ، ونسخا كثيرة محرّفة. ومن قال: إنه لا يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه. ومن قال: جميع النسخ بعد النبيّ ﷺ حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ. والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه. وليس في القرآن خبر أنهم غيّروا جميع النسخ. وإذا كان كذلك فنقول: هو سبحانه قال: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة: ٤٧] . وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح. فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى ﵇. ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل، من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما، ليس هو مما أنزله الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى. بل هو مما كبتوه مع ذلك للتعريف بحال توفيهما. وهذا خبر محض من الموجودين بعدهما عن حالهما، ليس هو مما أنزله الله عليهما، ولا هو مما أمرا به في حياتهما، ولا مما أخبرا به الناس وكذلك: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة: ٦٨] . وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٦] . فإن إقامة الكتاب، العمل بما أمر الله به في الكتاب، ومن التصديق بما أخبر به على لسان الرسول. وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك، ليس هو مما أنزله الله على الرسول، ولا مما أمر به، ولا أخبر به. وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة. يصنّف الشخص كتابا فيذكر ناسخه، في آخره، عمر المصنف ونسبه

стр. 1427

وسنه. ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف. ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن. وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن. فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا (آمين) . ولا غير ذلك. والمصاحف القديمة والتي كتبها أهل العلم، على هذه الصفة. وفي المصاحف من قد كتب ناسخها أسماء السور والتخميس والتعشير والوقف والابتداء. وكتب في آخر المصحف تصديقه. ودعا وكتب اسمه ونحو ذلك. وليس هذا من القرآن. فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلي الحواريين، ليس هو مما قاله المسيح، وإنما هو مما رآه من بعده. والذي أنزله الله هو ما سمع من المسيح المبلغ عن الله. فإن قيل: فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا أن المسيح صلب، وأنه أتاهم بعد أيام، وهم الذين نقلوا عن المسيح الإنجيل والدين، فقد دخلت الشبهة. قيل: الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء، إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن الأنبياء، فإن الحجة في كلام الأنبياء. وما سوى ذلك فموقوف على الحجة. إن كان حقّا قبل وإلّا ردّ. ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبيّ ﷺ من القرآن والحديث يجب قبوله. لا سيما المتواتر، كالقرآن وكثير من السنن. وأما ما قالوه، فما أجمعوا عليه فإجماعهم معصوم. وما تنازعوا فيه، ردّ إلى الله والرسول. وعمر قد كان أوّلا أنكر موت النبيّ ﷺ . حتى ردّ ذلك عليه أبو بكر. وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث «١» الذي رواه. وتنازعوا في تجهيز جيش أسامة. وتنازعوا في قتال «٢» مانعي الزكاة. فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبيّ ﷺ . والنصارى

стр. 1428

ليسوا متفقين على صلب المسيح. ولم يشهد أحد منهم صلبه. فإن الذي صلب إنما صلبه اليهود. ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا. وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح. وقد قيل إنهم عرفوا أنه ليس هو المسيح. ولكن هم كذبوا وشبهوا على الناس. والأول هو المشهور وعليه جمهور الناس. وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب. لكن عمدتهم على ذلك، الشخص الذي جاء الشيطان بعد أيام وقال. أنا المسيح. وذاك شيطان. وهم يعترفون بأن الشياطين كثيرا ما تجيء ويدّعي (كذا) إنه نبيّ أو صالح. ويقول. أنا فلان النبيّ والصالح. ويكون شيطانا. وفي ذلك حكايات متعددة مثل حكاية الراهب الذي جاءه جاء وقال: أنا المسيح. جئت لأهديك. فعرف أنه الشيطان. فقال. أنت قد بلغت الرّسالة ونحن نعمل بها. فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل منك. فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب. كما قال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] . وأضاف الخبر عن قتله، إلى اليهود بقوله: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء: ١٥٧] ، فإنهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة. إذ كانوا يعتقدون جواز قتل المسيح. ومن جوز قتله فهو كمن قتله. فهم في هذا القول كاذبون. وهم آثمون. وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر. لأنهم لم يقتلوه. وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه. وقد قال النبيّ «١» ﷺ : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول! فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه. وقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ: قيل هم اليهود والنصارى. والآية تعم الطائفتين. وقوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ. من قتله. وقيل: منه، أي: في شك منه. هل صلب أم لا؟ كما اختلفوا فيه. فقالت اليهود: هو ساحر. وقالت النصارى: إنه إله. فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا؟ وهم في شك من ذلك ما لهم به من علم. فإذا كان هذا في الصلب فكيف في الذي جاء بعد الرفع وقال إنه هو المسيح؟

стр. 1429

فإن قيل: كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا في إيمانهم، فأين المؤمنون به الذين قال فيهم: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] . وقوله: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [الصف: ١٤] . (قيل) ظنّ من ظن منهم أنه صلب لا يقدح في إيمانه. إذا كان لم يحرف ما جاء به المسيح. بل هو مقر بأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه- فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح في إيمانه. فإن هذا اعتقاد موته على وجه معيّن. وغاية الصلب أن يكون قتلا له. وقتل النبيّ لا يقدح في نبوته. وقد قتل بنو إسرائيل كثيرا من الأنبياء. وقال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦] الآية. وقال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٣] . وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم. هو مثل اعتقاد كثير من مشايخ المسلمين أن النبيّ ﷺ جاءهم في اليقظة. فإنهم لا يكفرون بذلك. بل هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتّباعا للسنة وأتباعا لها. وكان في الزهد والعبادة أعظم من غيره. وكان يأتيه من يظن أنه رسول الله فهذا غلط منه لا يوجب كفره. فكذلك ظنّ من ظن من الحواريين أن ذلك هو المسيح، لا يوجب خروجهم عن الإيمان بالمسيح، ولا يقدح فيما نقلوه عنه. وعمر- لما كان يعتقد أن النبيّ ﷺ لم يمت «١» ، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه- لم يكن هذا قادحا في إيمانه. وإنما كان غلطا ورجع عنه. وقوله تعالى:

стр. 1430

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ هو ذم لهم على اتباع الظن بلا علم. انتهى كلام ابن تيمية ﵁. ولإمام الأدباء، شرف الدين البوصيريّ ﵀، قصيدة في هذا المقام. نظمها في سلك ما تقدم تكملة للمرام. قال قدس سره: جاء المسيح من الإله رسولا ... فأبى أقل العالمين عقولا قوم رأوا بشرا كريما فادّعوا ... من جهلهم لله فيه حلولا وعصابة ما صدقته وأكثرت، ... بالإفك والبهتان، فيه القيلا لم يأت فيه مفرط ومفرّط ... بالحق تجريحا ولا تعديلا فكأنما جاء المسيح إليهم ... ليكذبوا التوراة والإنجيلا فاعجب لأمته التي قد صيرت ... تنزيهها لإلهها التنكيلا وإذا أراد الله فتنة معشر ... وأضلهم، رأوا القبيح جميلا هم بجّلوه بباطل فابتزّه ... أعداؤه بالباطل التبجيلا وتقطعوا أمر العقائد بينهم ... زمرا. ألم تر عقدها محلولا هو آدم في الفضل إلا أنه ... لمن يعط حال النفخة التكميلا أسمعتموا أنه الإله لحاجة ... يتناول المشروب والمأكولا؟ وينام من تعب ويدعو ربه ... ويروم من حرّ الهجير مقيلا ويمسّه الألم الذي لم يستطع ... صرفا له عنه ولا تحويلا يا ليت شعري، حين مات بزعمهم ... من كان بالتدبير عنه كفيلا؟ هل كان هذا الكون دبر نفسه ... من بعده أم آثر التعطيلا؟ زعموا الإله فدى العبيد بنفسه ... وأراه كان القاتل المقتولا اجزوا اليهود بصلبه خيرا. ولا ... تجزوا (يهوذا) الآخذ البرطيلا أيكون قوم في الجحيم ويصطفى ... منهم كليما ربّنا، وخليلا وإذا فرضتم أن عيسى ربكم، ... أفلم يكن لفدائكم مبذولا؟ وأجلّ روحا قامت الموتى به ... عن أن يرى بيد اليهود قتيلا فدعوا حديث الصلب عنه ودونكم ... من كتبكم ما وافق التنزيلا شهد الزبور بحفظه ونجاته ... افتجعلون دليله مدخولا؟ أيكون من حفظ الإله مضيعا ... أو من أشيد بنصره مخذولا؟ أيجوز قول منزه لإلهه: ... سبحان قاتل نفسه مقتولا؟ أو جلّ من جعل اليهود بزعمكم ... شوك القتاد لرأسه إكليلا ومضى لحبل صليبه مستسلما ... للموت مكتوف اليدين ذليلا كم ذا أبكتكم ولم تستنكفوا ... أن تسمعوا التبكيت والتخجيلا ضل النصارى في المسيح وأقسموا ... لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا

стр. 1431

وهي سابغة الذيل، كلها من هذا النفس البديع. واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم. وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى ﵇، وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجلّ المراتب- بيّن تعالى تحقيق ما أثبته في الآية السابقة، من القطع بكذبهم. مثبتا أنهم في مبالغتهم في عداوته، سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره، الذي منه التصديق بمحمد ﷺ . مؤكدا له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٥٩] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي: ما أحد من أهل الكتاب يدرك نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، إلا ليؤمنن به قبل موته. أي: موت عيسى ﵇. أي: لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان يؤيد الله به دين الإسلام. حتى يدخل فيه جميع أهل الملل. إشارة إلى أن موسى ﵇، إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زمانا طويلا، فالنبيّ الذي ينسخ شريعة موسى، وهو عيسى ﵉، هو الذي يؤيد الله به هذا النبيّ العربيّ، في تجديد شريعته، وتمهيد أمره، والذود عن دينه. ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة، وأتباع مستكثرة. أمر قضاه الله تعالى في الأزل. فاقصروا أيها اليهود. فمعنى الآية إذن، والله أعلم: إنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى ﵇ على شك، إلا وهو يوقن بعيسى ﵇ قبل موته، بعد نزوله من السماء، أنه ما قتل وما صلب. ويؤمن به عند زوال الشبهة أفاده البقاعي. روى البخاريّ «١» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرا له من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم:

стр. 1432

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً. وأخرجه مسلم «١» أيضا وابن مردويه وزاد بعد قوله (قبل موته) : موت عيسى ابن مريم. ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات. ورواه الإمام أحمد «٢» عن حنظلة عن أبي هريرة أيضا مرفوعا ولفظه: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطى المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما. قال وتلا أبو هريرة: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ.... فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى. فلا أدري هذا كله حديث النبيّ ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة. ورواه حامد «٣» أيضا عن عبد الرحمن عن أبي هريرة وفيه: ويهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام. ويمكث أربعين ثم يتوفى ويصلّي عليه المسلمون. وفي حديث النّوّاس بن سمعان عند مسلم «٤» : فينزل عند المنارة شرقيّ دمشق. وقد ذكر الحافظ ابن كثير، هنا، الأحاديث المتواترة في نزوله ﵇، من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنوّاس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمّع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃. وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية. وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح. قال ابن كثير: وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، منارة للجامع الأمويّ، بيضاء من حجارة منحوتة، عوضا عن المنارة التي هدمت

стр. 1433

بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. وكان أكثر عمارتها من أموالهم. وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى ابن مريم ﵇. وهذا من إخبار النبيّ ﷺ بذلك. انتهى. قلت: وقد اشتهرت هذه المنارة بمئذنة عيسى. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في (تاريخه) عن بعض السلف أن عيسى ﵇، بعد نزوله، يدفن مع النبيّ ﷺ في حجرته. فالله أعلم. والتأويل المذكور في الآية رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير «١» والعوفي «٢» ، كلاهما عن ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك عن ابن عباس في الآية قال: يعني اليهود خاصة. وبه إلى الحسن: يعني النجاشيّ أصحابه. وبه إليه قال: إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة، مقاما يؤمن به البر والفاجر. وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. قال ابن كثير: وهذا القول هو الحق. وروي عن ابن عباس أيضا ومحمد بن الحنفية ومجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين والضحاك وجويبر أن المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت ذلك الكتابيّ عند الغرغرة. حين لا ينفعه الإيمان. ذهابا إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل. لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال عكرمة: قال ابن عباس: لا يموت اليهوديّ حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله. ولو عجل بالسلاح. قال الزمخشريّ: فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت: فائدته الوعيد. وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب، عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم- بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به. وليكون إلزاما للحجة لهم. انتهى.

стр. 1434

قال الأصبهانيّ: ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ بن كعب ﵁ (إلا ليؤمننّ به قبل موتهم) بضم النون وإلحاق ميم الجمع. والأسانيد إلى ابن عباس في هذا التأويل كلهم صحيحة. كما قاله ابن كثير. وثمة وجه آخر وهو أن الضمير الأول للنبيّ ﷺ . والثاني للكتابيّ. رواه ابن جرير «١» : عن عكرمة قال: لا يموت النصرانيّ ولا اليهوديّ حتى يؤمن بمحمد ﷺ وتلا الآية. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول. وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب، بعد نزول عيسى ﵇، إلا آمن به قبل موته أي: قبل موت عيسى ﵇. قال ابن كثير: ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح. لأنه المقصود من سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك. وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه. وهم لا يتبيّنون ذلك. ثم إنه رفعه إليه. وإنه باق حيّ. وإنه سينزل قبل يوم القيامة. كما دلت عليه الأحاديث المتواترة. فيقتل مسح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف) . فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ. ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم. ثم قال: فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابيّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد ﵉ فهذا هو الواقع. وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلا به فيؤمن به. ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك. كما قال تعالى: في أول هذه السورة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ... [النساء: ١٨] . وقال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... الآية وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ أي: عيسى ﵇ عَلَيْهِمْ أي: على أهل الكتاب شَهِيداً أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء. وبعد نزوله إلى الأرض. قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلّغهم الرسالة من الله، وأقرّ بعبوديته لله . وهكذا كقوله تعالى:

стр. 1435

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ... إلى قوله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٦] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٦٠] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) فَبِظُلْمٍ أي: بسبب ظلم عظيم فالتنوين للتفخيم. وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف عليه مما استحلوه، بعد أن حرمته التوراة مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي تلبسوا باليهودية. وفيه تعظيم ظلمهم أيضا. إذ صدر عنهم بعد ما ادعوا أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ قال ابن كثير: هذا التحريم قد يكون قدريّا. بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم. فحرموها على أنفسهم تضييقا وتنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيّا. بمعنى أنه تعالى حرّم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آل عمران: ٩٣] . أي: ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرّم أشياء كثيرة في التوراة. كما قال في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام: ١٤٦] . أي: إنما حرمنا عليهم ذلك، لطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه. ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته بقوله تعالى وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم كَثِيراً أي: ناسا كثيرا. أو صدّا كثيرا. فهم صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق. وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه. ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقا من الأنبياء. وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٦١] وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أي: في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ

стр. 1436

بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ أي: من اليهود المصرّين على الكفر. لا لمن تاب وآمن من بينهم عَذاباً أَلِيماً وجيعا يخلص إلى قلوبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٦٢] لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أي: الثابتون في العلم المستبصرون فيه. كعبد الله بن سلام. قال الرازيّ: الراسخون في العلم: الثابتون فيه. وهم في الحقيقة المستدلون. لأن المقلد يكون بحيث إذا شكّك يشكّ. وأما المستدل فإنه لا يتشكك، البتة. فالراسخون هم المستدلون وَالْمُؤْمِنُونَ أي: من الأميين اللاحقين بهم في الرسوخ، بصحبة رسول الله ﷺ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على سائر الأنبياء لاطلاعهم على كمالات المنزل عليك وأنه صدق ما أنزل من قبلك. فلا بد من الإيمان به أيضا وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال ابن كثير: هكذا هو في مصاحف الأئمة. وكذا هو في مصحف أبيّ بن كعب. قال الزمخشريّ: ارتفاع (الراسخون) على الابتداء. و (يؤمنون) خبره و (المقيمين) نصب على المدح. لبيان فضل الصلاة. وهو باب واسع قد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان. وغبي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم. وقيل: هو عطف على (بما أنزل إليك) أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله (والمقيمون) بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار والجحدريّ وعيسى الثقفيّ. انتهى. وجوز عطف (المقيمين) على الضمير في (منهم) وعطفه على الضمير في

стр. 1437

(إليك) . والكتاب أنزل للنبيّ ولأتباعه. قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: ٥٧] كذا في حواشي الشذور. وقد أشار الزمخشريّ بقوله (كانوا أبعد همة) إلى ردّ ما نقل، أن عثمان ﵁، لما فرغ من المصحف أتى به إليه. فقال: قد أحسنتم وأجملتم. أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها. ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش، لم يوجد فيه هذا. قال الحافظ السخاويّ: هذا الأثر ضعيف. والإسناد فيه اضطراب وانقطاع. لأن عثمان ﵁ جعل للناس إماما يقتدون به. فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟ وقد كتب مصاحف سبعة وليس فيها اختلاف قط، إلا فيما هو من وجوه القراءات. وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع، كيف يقيمه غيرهم؟ وتأول قوم اللحن في كلامه (على تقدير صحته عنه) بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله: منطق رائع وتلحن أحيا ... نا. وخير الكلام ما كان لحنا أي: المراد به الرمز. بحذف بعض الحروف خطّا. كألف (الصّابرين) مما يعرفه القراء إذا رأوه. وكذا زيادة بعض الحروف. كذا في (عناية الراضي) وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ رفعه بالعطف على الرَّاسِخُونَ أو على الضمير في يُؤْمِنُونَ أو على أنه مبتدأ، والخبر أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ. والوجوه المذكورة تجري في الْمُقِيمِينَ على قراءة الرفع وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: والمصدقون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت وبالثواب والعقاب. وإنما قدم الإيمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع، لأنه المقصود في هذا المقام. لأنه لبيان حال أهل الكتاب وإرشادهم. وهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك ويتركون بعضه. فبيّن لهم ما يلزمهم ويجب عليهم أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً يعني الجنة. لجمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح. لطيفة: في الآية وجوه من الإعراب. أحسنها ما اعتمده أبو السعود، من أن جملة أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ إلخ خبر للمبتدأ الذي هو الرَّاسِخُونَ وما عطف عليه. وأن جملة يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلخ حال من الْمُؤْمِنُونَ مبينة لكيفية إيمانهم. أو اعتراض مؤكد لما قبله. قال: وهذا أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم. كأنه قيل إثر قوله تعالى

стр. 1438

وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً لكن المؤمنون منهم سنؤتيهم أجرا عظيما. وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلخ خبرا للمبتدأ، ففي كمال السداد، خلا أنه غير متعرض لتقابل الطرفين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٦٣] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يسألون استرشادا، ولكن للتعنت واللجاج، وبيّن أنواعا من فضائحهم- أشار إلى رد شبهتهم. فاحتج عليهم بأنه ليس بدعا من الرسل. وأمره في الوحي كسائر الأنبياء الذين يوافقون على نبوتهم. ولم ينزل على كل واحد منهم كتاب بتمامه مثل ما أنزل على موسى. وإذ لم يكن هذا من شرط النبوة، وضح أن سؤالهم محض تعنت. تنبيه: قيل: بدأ بنوح لأنه أول نبيّ شرع الله تعالى على لسانه الأحكام، والحلال والحرام. وفي (العناية) بدأ به تهديدا لهم. لأنه أول نبيّ عوقب قومه. لا أنه أول مشرع، كما توهم. وظاهر الآية يدل على أن من قبل نوح لم يكن يوحى له كما أوحي لنبينا ﷺ . لا أنه غير موحى إليه أصلا، كما قيل. انتهى. وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب ﵈ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ١٦٤] وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ أي: في السور المكية وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي: لم نسمهم لك في القرآن. وقد أحصى بعض المدققين أنبياء

стр. 1439

اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين. روى في عدتهم أحاديث تكلّم في أسانيدها. منها حديث أبي ذر: إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر . صححه ابن حبان. وخالفه ابن الجوزيّ فذكره في (موضوعاته) واتهم به إبراهيم بن هاشم. وقد تكلم فيه غير واحد وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة. لأن تأكيد (كلّم) بالمصدر يدلّ على تحقيق الكلام. وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بلا شك. لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر. فلا يقال: أراد الحائط يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلاما في محلّ. فسمع موسى ذلك الكلام. قال الفراء: العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل. لكن لا تحققه بالمصدر. وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. فدل قوله تعالى تَكْلِيماً على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم: كما أن الله تعالى خص موسى ﵇ بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء. كذا في (اللباب) . تنبيه: يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام. فإنها من أعظم مسائل الدين. وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين. واضطربت فيها الأقوال. وكثرت بسببها الأهوال. وأثارت فتنا وجلبت محنا. وكم سجنت إماما. وبكت أقواما. وتشعبت فيها المذاهب. واختلفت فيها المشارب. ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة. المقتفين لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃. فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه: فصل ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان. مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال: ما زلت أسمع

стр. 1440

الناس يقولون ذلك. القرآن الذي أنزله الله على رسول الله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم. وهو كلام الله لا كلام غيره. وإن تلاه العباد وبلّغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام لمن قاله مبتدئا، لا لمن قاله مبلغا مؤديا. قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] . وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١- ٢٢] . وقال تعالى: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ٢- ٣] . وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧- ٧٨] . والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه. كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف. كما قال النبيّ ﷺ : من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات . وقال أبو بكر وعمر ﵄: حفظ إعراب القرآن أحبّ إلينا من حفظ بعض حروفه. ثم قال ﵀: والتصديق بما ثبت عن النبيّ ﷺ ، أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم ﵇ بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة. لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل. ولا يقال غير مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد. ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة. بل أنكروا على من قال (لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق) وأما من قال: إن المداد قديم- فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف: ١٠٩] ، فأخبر أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال (ليس القرآن في المصحف. وإنما في المصحف مداد وورق وحكاية وعبارة) فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء. وكذلك من زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، مبتدع ضال. كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت- فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم- فهو ضال. كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله. وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط، كلام الله- فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل
следующие страницы →