← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الرابع: قوله تعالى: وَما جاءَنا يجوز أن يكون في موضع جرّ، أي: وبما جاءنا، ومِنَ الْحَقِّ حال من الفاعل المستتر، أو لغو متعلق بجاء أي: وبما جاءنا من عند الله. ويجوز أن يكون مبتدأ ومِنَ الْحَقِّ الخبر، والجملة في موضع الحال. وقوله تعالى: وَنَطْمَعُ يجوز أن يكون معطوفا على نُؤْمِنُ أي: وما لنا لا نطمع. ويجوز أن يكون التقدير: ونحن نطمع، فتكون الجملة حالا من ضمير الفاعل في نُؤْمِنُ- أفاده أبو البقاء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٨٦] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي: الذين جحدوا الحقّ الذي جاءهم وكذّبوا بحجج الله وبراهينه أولئك أصحاب الجحيم، أي: النار الشديدة الحرارة. جزاء وفاقا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٨٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي: ما طاب ولذّ منه. كأنه- لما تضمن ما سلف مدح النصارى على الترهب، والحث على كسر النفس. ورفض الشهوات- عقبه النهي عن الإفراط في ذلك بتحريم اللذائذ من المباحات الشرعية. ثم أشار إلى أنه اعتداء بقوله سبحانه وَلا تَعْتَدُوا أي: عمّا حدّ الله بجعل الحلال حراما. أو: ولا تعتدوا في تناول الحلال فتجاوزوا الحدّ فيه إلى الإسراف كما قال تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] . وقال وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: ٦٧] . أو: ولا تعتدوا على النفس والأهل بمنع الحقوق. أو: ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في كل ما ذكر، وهو تعليل لما قبله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٨٨] وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أي: كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم

стр. 1717

الله. فيكون حَلالًا مفعول كُلُوا ومِمَّا حال منه، أو متعلقة ب كُلُوا، أو هو المفعول وحَلالًا حال من ما أو من عائده المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا حلالا. وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدا بقوله: الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ لأن الإيمان به يوجب التقوى، في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه. قال المهايميّ: مقتضى إيمانكم أن لا تغيروا شيئا من أحكام دينكم، وأن لا تعارضوا في أحكامه ولو بكراهة من أنفسكم، وأن تتقوه في وضع قواعد تخالف قواعد الشرع، بل غاية ما يجوز أخذ معان من علم الشريعة مؤكدة لمقتضاه. تنبيهات . الأول: فيما روي في سبب نزولها: أخرج الترمذيّ «١» عن ابن عباس ﵄: أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليّ اللحم. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا.. الآية. وروى ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبيّ ﷺ ، قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ . فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم. فقال النبيّ ﷺ : لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء. فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني. وروى ابن مردويه نحوه. وفي (الصحيحين) «٢» من حديث عائشة ﵂، أنّ ناسا من أصحاب

стр. 1718

رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبيّ ﷺ عن عمله في السرّ؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم. وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنّتي فليس منّي. وروى ابن أبي حاتم، أن عبد الله بن مسعود جاءه معقل بن مقرن فقال: إني حرمت فراشي. فتلا عليه هذه الآية. وأخرج أيضا عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود. فجيء بضرع فتنحّى رجل. فقال عبد الله: ادن. فقال: إني حرمت أن آكله. فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفّر عن يمينك. وتلا هذه الآية. ورواه الحاكم أيضا. الثاني: قال بعض الزيدية: ثمرة الآية النهي عن تحريم الطيبات من الحلال. وذكر الحاكم: أن هذا النهي يحتمل وجوها لا مانع من الحمل على جميعها: أحدهما لا تعتقدوا التحريم. ومنها: لا تحرّموا على غيركم بالفتوى والحكم. ومنها: لا تجروه مجرى الحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: لا تلتزموا تحريمه بنذر أو غيره. وقال القاضي: لا تحرموا الحلال بفعل يصدر منكم.، كالبياعات الربوية وخلط الحلال بالمغصوب والطاهر بالنجس. ثم قال: ويتعلق بهذا أمرين: الأول إذا حرم الحلال، هل يجب عليه الحنث والرجوع؟ قلنا: ظاهر الآية يدل على ذلك، ويلزم مع ذلك التوبة. الأمر الثاني: هل يلزمه في ذلك كفارة؟ قلنا: هذه الآية قد يستدل بها على اللزوم، لأن النهي يقتضي فساد المنهيّ عنه. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. انتهى. وقال ابن كثير: ذهب الشافعيّ إلى أنه من حرّم مأكلا أو ملبسا أو شيئا، ما عدا النساء، أنّه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا. لإطلاق هذه الآية. ولأن الذي حرم اللحم على نفسه- كما في الحديث المتقدم- لم يأمره النبي ﷺ بكفارة. وذهب آخرون- منهم الإمام أحمد- إلى أنّ من حرم شيئا- مما ذكر- فإنه يجب عليه كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين. فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

стр. 1719

[التحريم: ١] . ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم: ٢] .. الآية. وكذلك هنا. لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدلّ على أنّ هذا منزل منزلة اليمين في اقتصاء التكفير. والله أعلم. وفي (زاد المعاد) لابن القيّم فصل مهمّ في حكم من حرم أمته أو زوجته أو متاعه. تنبغي مراجعته. الثالث: هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدّد في التعبّد- كذا في (الإكليل) . قال ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء، ممّا أحلّ الله لعباده المؤمنين، على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك ردّ النبيّ ﷺ التبتّل على عثمان بن مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحلّه الله لعباده. وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده، وعمل به رسول الله ﷺ وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون. إذ كان خير الهدى هدى نبيّنا محمد ﷺ .. فإذا كان ذلك كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، إذا قدر على لباس ذلك من حله. وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.. قال: فإن ظنّ ظان أن الفضل في غير الذي قلنا- لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل منهما من القيمة إلى أهل الحاجة- فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربّها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة. لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته.. انتهى. وللرازيّ هنا مبحث جيّد في حكمة هذا النهي. مؤيد لما ذكر. فليراجع فإنه نفيس. وقد أخرج الترمذيّ «١» عن عائشة قالت: كان رسول الله يحب الحلواء والعسل. وله «٢» عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع- وكانت تعجبه- فنهش منها. قالت «٣» عائشة: ما كان الذراع أحبّ إلى رسول الله ﷺ ولكن كان لا يجد اللحم إلّا غبّا، وكان يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها نضجا. أخرجه الترمذيّ.

стр. 1720

وحكى الزمخشريّ عن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السّبخيّ وأصحابه. فقعدوا على المائدة- وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك- فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد! أترى لعاب النحل، بلباب البر، بخالص السمن، يعيبه مسلم.؟ وعنه: أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا نعم، قال: إنه جاهل. إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. وعنه: أن الله تعالي أدب عباده فأحسن أدبهم قال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: ٧] . ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعّموا وأطاعوا. ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه. الرابع: قال الرازي: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، ولكن قال مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وكلمة من للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات، لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال وَلا تُسْرِفُوا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٨٩] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ تقدم الكلام على اللغو في اليمين في (سورة البقرة) وإنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم في اللغو ولا كفارة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ أي: بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها عليه بأن حلفتم عن قصد منكم، أي: إذا حنثتم. أو بنكث ما عقدتم، فحذف للعلم به. وقرئ بالتخفيف، وقرئ (عاقدتم) بمعنى عقدتم فَكَفَّارَتُهُ أي: فكفارة نكثه، أي الخصلة الماحية لإثمه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أي: لا من أجوده فضلا عما تخصونه

стр. 1721

بأنفسكم. ولا من أردأ ما تطعمونهم فضلا عن الذي تعطونه السائل أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: عتقها فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي: شيئا مما ذكر فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ كفارته ذلِكَ أي: المذكور كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ أي: التي اجترأتم بها على الله تعالى إِذا حَلَفْتُمْ أي: وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي: عن الإكثار منها- أو عن الحنث- إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرا، لئلا يذهب تعظيم اسم الله عن قلوبكم كَذلِكَ أي: مثل هذا البيان الكامل يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي: أعلام شرائعه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج. قال المهايمي: أي: تشكرون نعمه بصرفها إلى ما خلقت له، ومن جملتها صرف اللسان، الذي خلق لذكر الله وتعظيمه، إلى ذلك. فإذا فات صرف بعض ما ملكه إلى بعض ما يجبره ليقوم مقام الشكر باللسان، إذ به يتم تعظيمه. فإذا لم يجد كسر هوى النفس من أجله فهو أيضا من تعظيمه. فافهم. وفي هذه الآية مباحث: الأول: معنى: (أو) التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث. فإذا لم يجد انتقل إلى الصوم. فأما الإطعام فليس فيه تحدي بقدر. لا في وجبة ولا وجبتين، ولا في قدر من الكيل. ولذا روي عن الصحابة والتابعين فيه وجوه. جميعها مما يصدق عليه مسماه، فبأيها أخذ أجزأه. فمنها ما رواه ابن أبي حاتم عن عليّ ﵁ قال: يغديهم ويعشيهم . كأنه ذهب- ﵁ إلى المراد بالإطعام الكامل- أعني قوت اليوم وهو وجبتان- وإلا فالإطعام يصدق على الوجبة الواحدة. ولذا قال الحسن ومحمد بن الحنفية: يكفيه إطعامهم أكلة واحدة خبزا ولحما. زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا. وعن عمر وعلي أيضا وعائشة وثلّة من التابعين: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر أو نحوهما. وعن ابن عباس: لكل مسكين مدّ من بر ومعه إدامه. وفي (فتح القدير) من كتب الحنفية: يجوز أن يغديهم ويعشيهم بخبز. إلا أنه إن كان برّا لا يشترط الإدام، وإن كان غيره فبإدام.

стр. 1722

وحكي عن الهادي: اشتراط الأكل لإشعار (الإطعام) بذلك. والأكثرون: أن الأكل غير شرط. لأنه ينطلق لفظ (الإطعام) على التمليك. الثاني: إطلاق (المساكين) يشمل المؤمن والكافر الذميّ والفاسق. فبعضهم أخذ بعموم ذلك. ومذهب الشافعية والزيدية: خروج الكافر بالقياس على منع صرف الزكاة إليه، وأما الفاسق فيجوز الصرف إليه مهما لم يكن في ذلك إعانة له على المنكر. ولم يجوزه الهادي. وظاهر الآية اشتراط العدد في المساكين. وقول بعضهم: إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام- عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص. الثالث: لم يبين في الآية حدّ الكسوة وصفتها فالواجب حينئذ الحمل على ما ينطلق عليها اسمها. قال الشافعيّ، ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة- من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة- أجزأه ذلك. وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كلّ واحد منهم من الكسوة ما يصحّ أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة، كل بحسبه. وقال العوفيّ عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة. وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. وعن ابن المسيّب: عمامة يلفّ بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. وعن الحسن وابن سيرين: ثوبان ثوبان. وروى ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: أَوْ كِسْوَتُهُمْ قال: عباءة لكلّ مسكين . قال ابن كثير: حديث غريب. أقول: لا يخفى الاحتياط والأخذ بالأكل والأفضل في الإطعام والكسوة. الرابع: قال الرازيّ: المراد ب (الرقبة) الجملة. قيل: الأصل في هذا المجاز أنّ الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حلّ ذلك الحبل. فسمّي (الإطلاق من الرقبة) فكّ الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعيّ وآخرون: لا بدّ أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها من كفارة القتل لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب.

стр. 1723

ومن حديث معاوية بن الحكم السلميّ- الذي هو في (موطأ مالك) «١» و (مسند الشافعيّ) و (صحيح مسلم) «٢» - أنه ذكر أنّه عليه عتق رقبة. وجاء معه بجارية سوداء. فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة ... الحديث بطوله. قال الشعرانيّ، قدس سعره في (الميزان) : قال العلماء: عدم اعتبار الإيمان في الرقبة مشكل. لأن العتق ثمرته تخليص رقبة لعبادة الله . فإذا أعتق رقبة كافرة فإنما خلّصها لعبادة إبليس. وأيضا فإن العتق قربة، ولا يحسن التقرب إلى الله تعالى بكافر. انتهى. الخامس: للعلماء في حدّ الإعسار الذي يبيح الانتقال إلى الصوم أقوال. وظاهر الآية هو أنه لا يملك قدر إحدى الكفارات الثلاثة- من الإطعام أو الكسوة أو العتق- فإن وجد قدر إحداها كان ذلك مانعا من الصوم، اللهمّ إذا فضل عن قومه وقوت عياله في يومه ذلك. وقد روى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام، وإلّا صام.

стр. 1724

السادس: إطلاق قوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ صادق على المجموعة والمفرّقة. كما في قضاء رمضان، لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] . ومن أوجب التتابع استدلّ بقراءة أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقرءان فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقراءتهما لا تتخلف عن روايتهما. قال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك. قال ابن كثير: وهذه، إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا. فلا أقلّ أن يكون خبر واحد أو تفسير من الصحابة. وهو في حكم المرفوع. وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله! نحن بالخيار؟ قال: أنت بالخيار، إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت. وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدّا. ونقل بعض الزيدية، رواية عن ابن جبير، أنه كان يصلّي تارة بقراءة ابن مسعود وتارة بقراءة زيد. السابع: قال الناصر في (الانتصاف) : في هذه الآية- يعني قوله تعالى ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ- وجه لطيف المأخذ في الدلالة على صحة وقوع الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث، وهو المشهور من مذهب مالك. وبيان الاستدلال بها أنه جعل ما بعد الحلف ظرفا لوقوع الكفارة المعتبرة شرعا. حيث أضاف إِذا إلى مجرد الحلف وليس في الآية إيجاب الكفارة حتى يقال: قد اتفق على أنها إنما تجب بالحنث. فتعين تقديره مضافا إلى الحلف. بل إنما نطقت بشرعية الكفارة ووقوعها على وجه الاعتبار. إذ لا يعطي قوله ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إيجابا، إنما يعطي صحة واعتبارا. والله أعلم. وهذا انتصار على منع التكفير قبل الحنث مطلقا، وإن كانت اليمين على برّ. والأقوال الثلاثة في مذهب مالك، إلّا أن القول المنصور هو المشهور. انتهى. وقال الرازيّ: احتجّ الشافعيّ بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز. لأنها ذلت على أن كل واحد من الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف. فإذا أدّاها بعد الحلف، قبل الحنث، فقد أدّى الكفارة. وقوله تعالى: إِذا حَلَفْتُمْ فيه دقيقة. وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز. انتهى.

стр. 1725

وفي (الصحيحين) «١» من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير. وعند أبي داود: فكفّر عن يمينك ثم أت الذي هو خير. الثامن قال السيوطيّ في (الإكليل) : في قوله تعالى وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ استحباب ترك الحنث إلّا إذا كان خيرا، أي: لما تقدم من حديث ابن سمرة. وهذا على أحد وجهين في الآية. والآخر النهي عن الإكثار من الحلف كما سبق. قال كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الأليّة برّت! التاسع: حكمة تقديم الإطعام على العتق- مع أنه أفضل- من وجوه: (أحدها) : التنبيه من أول الأمر على أنّ هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب. وإلّا لبدئ بالأغلظ (ثانيها) : كون الطعام أسهل لأنه أعمّ وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف و (ثالثها) : كون الإطعام أفضل، لأن الحرّ الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعان، فيقع في الضرّ. أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته، أفاده الرازيّ. العاشر: سرّ إطعام العشرة، أنه بمنزلة الإمساك عن الطعام عشرة أيام العدد الكامل، الكاسرة للنفس المجترئة على الله تعالى. وسرّ الكسوة كونه يجزي بستر العورة سرّ المعصية. وسرّ التحرير فكّ رقبة عن الإثم. وسرّ صوم الثلاثة، أنّ الصيام لما كان ضيرا بنفسه اكتفى فيه بأقلّ الجمع. أفاده المهايميّ، قدس سره. الحادي عشر: قال شمس الدين بن القيّم في (زاد المعاد) : «كان ﷺ يستثني في يمينه تارة، ويكفرّها تارة، ويمضي فيها تارة. والاستثناء

стр. 1726

يمنع عقد اليمين. والكفارة تحلّها بعد عقدها. ولهذا سمّاها الله تَحِلَّةَ. وحلف ﷺ في أكثر من ثمانين موضعا. وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع: فقال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ، قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣] وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣] وقال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ، وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧] . وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهريّ ولا يسميه بالفقيه. فتحاكم إليه يوما هو وخصم له. فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود. فتهيّأ للحلف. فقال له القاضي إسماعيل: وتحلف، ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف؟ وقد أمر الله تعالى نبيّه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه. قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ أي: الشراب الذي خامر العقل، أي خالطه فستره وَالْمَيْسِرُ أي: القمار وَالْأَنْصابُ أي: الأصنام المنصوبة للعبادة وَالْأَزْلامُ أي: القداح رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي: خبيث من تزيين الشيطان، وقذر تعاف عنه القول. قال المهايميّ: لأن الخمر تضيع العقل، وما دون السكر داع إلى ما يستكمله، فأقيم مقامه في الشرع الكامل. والميسر يضيع المال. والأنصاب تضيع عزة الإنسان بتذلّله لما هو أدنى منه. والأزلام تضيع العلم للجهل بالثمن والمثمن. انتهى. وما ذكره هو شذرة من مفاسدها فَاجْتَنِبُوهُ أي: اتركوه، يعني: ما ذكر. أو (الرجس) الواقع على الكل لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: رجاء أن تنالوا الفلاح فتنجوا من السخط والعذاب وتأمنوا في الآخرة. ثم أكد تعالى تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية. فالأولى في قوله:

стр. 1727

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩١] إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ أي: المشاتمة والمضاربة والمقاتلة وَالْبَغْضاءَ القاطعة للتعاون الذي لا بد للإنسان منه في معيشته فِي الْخَمْرِ أي إذا صرتم نشاوى وَالْمَيْسِرِ إذا ذهب مالكم. وقد حكى أنه ربّما قامر الرجل بأهله وولده فإذا أخذه الخصم وقعت العداوة بينهما أبدا. ثم أشار إلى مفاسدهما الدينية بقوله: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إذ يغلب السرور والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذّ الجسمانية فيلهى عن ذكر الله. والميسر، إن كان صاحبه غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلبة والقهر عن ذكر الله. وإن كان مغلوبا، مما حصل من الانقباض أو الاحتيال إلى أن يصير غالبا، لا يخطر بباله ذكر الله وَعَنِ الصَّلاةِ أي: ويصدكم عن مراعاة أوقاتها. وقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع. فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ أفاده الزمخشريّ. تنبيهات: الأول: سبق الكلام على الخمر والميسر في سورة البقرة في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وسلف أيضا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ فتذكر. الثاني: إنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا، ثم أفردا آخرا، وخصصا بشرح ما فيهما من الوبال- للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما. وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة. كأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر. روى الحارث بن أبي أسلمة في (مسنده) عن ابن عمرو مرفوعا: شارب الخمر كعابد وثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزّى. وإسناده حسن. وتخصيص الصلاة بالإفراد، مع دخولها في الذكر، للتعظيم والإشعار بأن الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان، لما أنها عماده.

стр. 1728

الثالث: هذه الآية دالة على تأكيد تحريم الخمر والميسر من وجوه: (منها) : تصدير الجملة ب (إما) وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا الخمر والميسر وما ذكر معهما. و (منها) : أنه قرنهما بعبادة الأوثان. و (منها) : أنه جعلهما رجسا كما قال تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] . و (منها) : أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحث. و (منها) أنه أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب. و (منها) : أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة ومحقة. و (منها) : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال- وهو وقوع التعادي والتباغض- وما يؤديان إليه من الصدّ عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. و (منها) : إعادة الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أصناف الصوارف بقوله سبحانه فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فآذن بأن الأمر في الزجر والتحذير، وكشف ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية. وأنّ الأعذار قد انقطعت بالكلية- و (منها) : قوله تعالى بعد ذلك: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٢] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي: في جميع ما أمرا به ونهيا عنه وَاحْذَرُوا أي: مخالفتهما في ذلك. فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا أوليّا. و (منها) : قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: إن أعرضتم عن الامتثال بما أمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر، فقد قامت عليكم الحجة

стр. 1729

وانتهت الأعذار. والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ إذ أدّاه بما لا مزيد عليه. فما بقي بعد ذلك إلّا العقاب. وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حقّ من خالف وأعرض عن حكم الله وبيانه. الرابع: قال الرازيّ: اعلم أن من أنصف وترك الاعتساف، علم أنّ هذه الآية نصّ صريح في أن كل مسكر حرام. وذلك لأنه تعالى رتب النهي عن شرب الخمر على كونها مشتملة على تلك المفاسد الدينية والدنيوية، ومن المعلوم في بدائه العقول أن تلك المفاسد إنما تولّدت من كونها مؤثرة في السكر. وهذا يفيد القطع بأن علة قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ هي كون الخمر مؤثرا في الإسكار، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن كلّ مسكر حرام. قال: ومن أحاط عقله بهذا التقرير، وبقي مصرّا على قوله، فليس لعناده علاج. انتهى. ثم بيّن تعالى رفع الإثم عمّن مات وهو يشرب الخمر قبل التحريم- كما سنفصّله- بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٣] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ أي إثم فِيما طَعِمُوا مما حرّم بعد تناولهم إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وهنا مسائل الأولى: قال بعض المفسرين: إن قيل: لم خصّ المؤمنين بنفي الجناح في الطيبات إذا ما اتقوا، والكافر كذلك؟ قال الحاكم: لأنه لا يصحّ نفي الجناح عن الكافر، وأما المؤمن فيصحّ أن يطلق عليه، ولأن الكافر سدّ على نفسه طريق معرفة الحلال والحرام. انتهى. وفي (العناية) : تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها، فإن عدم الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يشترط بشرط. بل على سبيل المدح والثناء والدلالة على أنهم بهذه الصفة. قال الزمخشريّ: ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول

стр. 1730

- وقد علمت أن ذلك أمر مباح- ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنا محسنا، تريد: إن زيدا تقيّ مؤمن محسن، وإنه غير مؤاخذ بما فعل. وقال العلامة أبو السعود: ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة، لا دخل لها في انتفاء الجناح. وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة باتصاف الذين سئل عن حالهم بها، ومدحا لهم بذلك، وحمدا لأحوالهم. وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها وبين ما له دخل في الحكم، فإنّ مساق النظم الكريم بطريق العبارة- وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة (إذا ما) - لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكليّ على الوجه البرهانيّ بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى. مع ما لهم من الصفات الحميدة- بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال- وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك. ولو حرّما في عصرهم، لاتقوهما بالمرة. وقال الطيبيّ: المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات. وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال. وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك، وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به، وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج (أن تعبد الله كأنّك تراه) وهو المعنيّ بقوله تعالى: وَأَحْسَنُوا ... إلخ. وبه ينتهى للزلفى عند الله ومحبته. والله يحب المحسنين. قال الخفاجيّ: وهذا دفع للتكرير وأنه ليس لمجرد التأكيد، لأنه يجوز فيه العطف ب (ثم) كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: ٣- ٤] . بل به باعتبار تغاير ما علق به مرة بعد أخرى. والله أعلم. الثانية: الإحسان المذكور في الآية: إمّا إحسان العمل، أو الإحسان إلى الخلق، أو إحسان المشاهدة المتقدم، ولا مانع من الحمل على الجميع.

стр. 1731

الثالثة: روي في سبب نزولها عن أنس قال «١» : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة. فنزل تحريم الخمر. فأمر ﷺ مناديا فنادى. فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت. قال، فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرّمت. فقال لي: اذهب فأهرقها. قال، فجرت في سكك المدينة. قال، وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ. فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم. قال، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا.. الآية. رواه البخاري «٢» في (التفسير) . وروى الترمذيّ «٣» عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبيّ ﷺ وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب النبيّ ﷺ : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال، فنزلت: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ.. الآية. وقال: حسن صحيح. وعن ابن عباس قال «٤» : قالوا: يا رسول الله! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ (لما نزل تحريم الخمر) ، فنزلت: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ.. الآية. أخرجه الترمذيّ وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1732

وروى الإمام أحمد «١» عن أبي هرير قال: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر. فسألوا رسول الله ﷺ عنهما؟ فأنزل الله على نبيه ﷺ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] ... إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرّم علينا. إنما قال: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ. وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين. أمّ أصحابه في المغرب. خلط في قراءته فأنزل الله آية أغلظ منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] . فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... - إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] . فقالوا: «انتهينا. ربّنا» ؟ فقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا.. الآية. فقال النبيّ ﷺ : لو حرّمت عليهم، لتركوها كما تركتم. قال ابن كثير: انفرد به أحمد. وعن «٢» أبي ميسرة قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهمّ! بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.. الآية، فدعي عمر فقرأت عليه فقال: اللهمّ! بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قال: حيّ على الصلاة- نادى: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ! بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة. فلما بلغ قول الله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر: انتهينا! انتهينا! رواه الإمام أحمد. وأصحاب السنن. وروى البيهقيّ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في

стр. 1733

قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض. فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي فلان. وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله! لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا. حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. إِنَّمَا الْخَمْرُ ... - إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. فقال ناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد. فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ... الآية. ورواه النسائيّ في (التفسير) . وأخرج أبو بكر البزار عن جابر ﵁ قال: أصطبح ناس الخمر من أصحاب النبيّ ﷺ ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فنزلت: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ.. الآية. قال البزار. إسناده صحيح. قال ابن كثير: هو كما قال. وقد ساق ابن كثير- هنا- أحاديث كثيرة في تحريم الخمر مما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، فمن شاء فليرجع إليه. ولا يخفى أن تحريمها معلوم من الدين بالضرورة. وقد روى السيوطيّ في (الجامع الكبير) عن ابن عساكر بسنده إلى سيف بن عمر عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر ﵄: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب. منهم ضرار وأبو جندل. فسألناهم فتأولوا وقالوا: خيرنا فاخترنا. قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ ولم يعزم. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يعني: فانتهوا. وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة ويضمنوا النفس، ومن تأول عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل. وقالوا: من تأول على ما فرّ رسول الله ﷺ منه، يزجر بالفعل والقتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن ادعهم. فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم. وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الأشهاد فقالوا: حرام. فجلدهم ثمانين. وحدّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثن فيكم- يا أهل الشام! - حادث، فحدث الرمادة. ورواه سيف بن عمر أيضا عن الشعبيّ والحكم بن عيينة.

стр. 1734

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أي: يرسله إليكم وأنتم محرمون تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ لتأخذوه، وهو الضعيف من الصيد وصغيره وَرِماحُكُمْ لتطعنوه، وهو كبار الصيد لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فيمتنع عن الاصطياد لقوة إيمانه. قال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية. فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون. قال ابن كثير: يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرّا وجهرا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: ١٢] . وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى أي: بالصيد بَعْدَ ذلِكَ يعني بعد الإعلام والإنذار فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ لمخالفته أمر الله وشرعه. لطيفة: قال الزمخشريّ: فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ؟ قلت: قلل وصغّر أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابيتن- كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال- وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه..؟ قال الناصر في (الانتصاف) : قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة في قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٥] . فلا خفاء في عظم هذه البلايا والمحن التي يستحق الصابر عليها أن يبشر، لأنه صبر عظيم. فقول الزمخشريّ: إنه قلل وصغّر تنبيها على أن هذه الفتنة ليست من الفتن العظام- مدفوع باستعمالها مع الفتن المتفق على عظمها. والظاهر- والله أعلم- أنّ المراد بما أشعر به اللفظ من التقليل

стр. 1735

والتصغير، التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء به من هذه البلايا بعض من كلّ، بالنسبة إلى مقدور الله تعالى. وإنه تعالى قادر على أن يكون ما يبلوهم به من ذلك أعظم مما يقع وأهول. وأنه مهما اندفع عنهم ممّا هو أعظم في المقدور فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل، لطفا بهم ورحمة. ليكون هذا التنبيه باعثا لهم على الصبر، وحاملا على الاحتمال. والذي يرشد إلى أن هذا مراد، أنّ سبق التوعد بذلك لم يكن إلّا ليكونوا متوطنين على ذلك عند وقوعه. فيكون أيضا باعثا على تحمله. لأن مفاجأة المكروه بغتة أصعب. والإنذار به قبل وقوعه مما يسهل موقعه. وحاصل ذلك لطف في القضاء ... فسبحان اللطيف بعباده. وإذا فكّر العاقل فيما يبتلى به من أنواع البلايا، وجد المندفع عنه منها أكثر، إلى ما لا يقف عند غاية. فنسأل الله العفو والعافية واللطف في المقدور ... انتهى. وللزمخشريّ أن يجيب بأن آية وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ شاهدة له لا عليه. لأنه المقصود فيه أيضا بالنسبة إلى ما دفعه الله عنهم- كما صرح به الناصر- مع أنه لا يتم دفعه بالآية إلّا إذا كان وَنَقْصٍ معطوفا على مجرور (من) ، ولو عطف على (شيء) لكان مثل هذه الآية بلا فرق.. كذا في (العناية) . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي: محرمون بحج أو عمرة. قال المهايميّ: لأن قتله تجبّر. والمحرم في غاية التذلّل. انتهى. وذكر القتل، دون الذبح والذكاة، للتعميم. أو للإيذان بكونه في حكم الميتة. و (الصيد) ما يصاد مأكولا أو غيره. ولا يستثنى إلّا ما ثبت في (الصحيحين) «١» عن

стр. 1736

عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. وفي رواية (الحية) بدل (العقرب) . قال زيد بن أسلم وابن عيينة: الكلب العقور يشمل السباع العادية كلها. ويستأنس لهذا بما روي أنّ رسول الله ﷺ لمّا دعا على عتبة بن أبي لهب قال: اللهمّ! سلّط عليه كلبك. فأكله السبع بالزرقاء. وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ أيها المحرمون مُتَعَمِّداً ذاكرا لإحرامه فَجَزاءٌ بالتنوين ورفع ما بعده، أي: فعليه جزاء هو مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي: شبهه في الخلقة. وفي قراءة بإضافة (جزاء) يَحْكُمُ بِهِ أي: بالمثل مجتهدان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به. وقد حكم ابن عباس وعمر وعليّ ﵃ في النعامة ببدنه. وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة. وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة. وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرها في الحمام، لأنه يشبهها في العبّ هَدْياً حال من (جزاء) بالِغَ الْكَعْبَةِ أي: يبلغ به الحرم. فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه. فلا يجوز أن يذبح حيث كان أَوْ عليه كَفَّارَةٌ غير الجزاء. وإن وجده. هي طَعامُ مَساكِينَ من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء. لكل مسكين مدّ. وفي قراءة بإضافة (كفارة) لما بعده، وهي للبيان أَوْ عليه عَدْلٍ مثل ذلِكَ الطعام صِياماً يصوم، عن كل مدّ، يوما لِيَذُوقَ أي: هاتك حرمة الله وَبالَ أَمْرِهِ أي: شدة وثقل هتكه لحرمة الإحرام. و (ليذوق) متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور. أي: فعليه جزاء ليذوق. أو بفعل يدلّ عليه الكلام. أي: شرع ذلك عليه ليذوق عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد قبل تحريمه. وَمَنْ عادَ إليه فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بطلب الجزاء في الدنيا والمعاقبة في الآخرة. وكيف يترك ذلك وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره. ومقتضى عزته الانتقام من هاتك حرمته، فهو لا محالة ذُو انْتِقامٍ ممّن عصاه. تنبيهات: الأول- روى ابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدا. قال ابن كثير: وهذا مذهب غريب. وهو تمسك بظاهر الآية. ورأيت في بعض تفاسير الزيدية نسبة هذا القول إلى ابن عباس وعطاء ومجاهد وسالم وأبي ثور وابن جبير والحسن (في إحدى الروايتين) ، والقاسم والهادي والناصر وغيرهم. انتهى.

стр. 1737

والجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهريّ: دلّ الكتاب على العابد. وجرت السنّة على الناسي. الثاني: إذا لم يكن الصيد مثليّا حكم ابن عباس بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقيّ. الثالث: ذهب معظم الأئمة إلى التخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، لأنه جيء بلفظ (أو) وحقيقتها التخيير. وعن بعض السلف أن ذلك على الترتيب. قالوا: إنما دخلت (أو) لبيان أن الجزاء لا يعدو أحد هذه الأشياء، ولأنا وجدنا الكفارات من الظهار والقتل على الترتيب. قلنا: هذا معارض بكفارة اليمين وبدم الأذى، فلا يخرج عن حقيقة اللفظ وهو التخيير. الرابع: تعلق بظاهر قوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ من قال: لا كفارة على العائد. لأنه تعالى لم يذكرها. وهو مرويّ عن ابن عباس وشريح. والجمهور: على وجوبها عليه. لأن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه. وإنما لم يصرح به لعلمه فيما مضى. مع أن الآية يحتمل أن معناها: من عاد بعد التحريم إلى ما كان قبله. الخامس: قال الحاكم: كما دلت الآية على الرجوع إلى ذوي العدل في المماثلة. ففي ذلك دلالة على جواز الاجتهاد وتصويب المجتهدين. وجواز تعليق الأحكام بغالب الظن. وجواز رجوع العاميّ إلى العالم، وأن عند التنازع في الأمور يجب الرجوع إلى أهل البصر.. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٦] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) أُحِلَّ لَكُمْ خطاب للمحرمين صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ قال المهايميّ: إذ ليس فيه التجبّر المنافي للتذلل الإحراميّ. وصَيْدُ الْبَحْرِ ما يصاد منه طريّا، وطَعامُهُ ما يتزود منه مملحا يابسا، كذا في رواية عن ابن عباس. والمشهور عنه أن صيده

стр. 1738

ما أخذ منه حيّا، وطعامه ما لفظه ميتا. قال ابن كثير: وهذا ما روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاريّ ﵃، وعن غير واحد من التابعين. روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر قال: طعامه كل ما فيه. وعن ابن المسيب: طعامه ما لفظه حيّا أو حسر عنه فمات. مَتاعاً لَكُمْ أي: تمتيعا للمقيمين منكم يأكلونه طريا وَلِلسَّيَّارَةِ منكم يتزودونه قديدا. و (السيارة) القوم يسيرون. أنّث على معنى الرفقة والجماعة. تنبيهان: الأول: قال ابن كثير: استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية، وبما رواه الإمام مالك «١» عن ابن وهب وابن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل الساحل. فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة- قال وأنا فيهم- قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش. فجمع ذلك كله فكان مزوديّ تمر، قال: فكان يقوّتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فقدت. قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظّرب. فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا. ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتها ولم تصبها. وهذا الحديث مخرج من (الصحيحين) «٢» وله طرق عن جابر. وفي (صحيح مسلم) » عن جابر: وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. وفي بعض روايات مسلم: أنهم كانوا مع النبيّ ﷺ حين وجدوا هذه السمكة.

стр. 1739

فقال بعضهم: هي واقعة أخرى. وقال بعضهم: هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولا مع النبيّ ﷺ ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة. فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أي عبيدة. والله أعلم؟ وعن أبي هريرة «١» : أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته. رواه مالك والشافعيّ وأحمد وأهل السنن. وصححه البخاري والترمذيّ وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. وعن ابن عمر «٢» قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. رواه الشافعيّ وأحمد وابن ماجة والدّارقطنيّ، والبيهقيّ، وله شواهد. وروي موقوفا . فهذه حجج الجمهور. الثاني: احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئا. وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد «٣» وأبو داود عن أبي عبد الرحمن التيميّ، أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع. وللنسائيّ عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح. وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً أي: محرمين فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم. أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله. لأنه في حقه كالميتة وَاتَّقُوا اللَّهَ في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام، ثم حذرهم بقوله سبحانه: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: تبعثون فيجازيكم على أعمالكم.

стр. 1740

لطيفة: قال المهايميّ: إنما حرّم الصّيد على المحرم، لأنه قصد الكعبة التي حرّم صيد حرمها، فجعل كالواصل إليه. وإنما حرم صيد حرمها لأنها مثال بيت الملك، لا يتعرض لما فيه أو في حرمه. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٧] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي: مدارا لقيام أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبى ثمرات كلّ شيء إليه. قال المهايميّ: جعله الله مقام التوجه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم، ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتألف، الذي يحتاجون إليه في تمدّنهم، الذي به كمال معاشهم ومعادهم، لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما. وَالشَّهْرَ الْحَرامَ بمعنى الأشهر الحرم- ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب- قياما لهم بأمنهم من القتال فيها. لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها وَالْهَدْيَ وهو ما يهدى إلى مكة وَالْقَلائِدَ جمع قلادة. وهي ما يجعل في عنق البدنة التي تهدى وغيره. والمراد ب (القلائد) ذوات القلائد وهي البدن. خصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. والمفعول الثاني محذوف، ثقة بما مرّ، أي: جعل الهدي والقلائد أيضا قياما لهم. فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم. وفيه قوام لمعيشة الفقراء ثمّت. وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوها أو قلّدوا أنفسهم، عند الإحرام، من لحاء شجر الحرم. فلا يتعرض لهم أحد ذلِكَ أي: الجعل المذكور لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإنّ جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها، دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن. وقد جوّد الرازيّ تقرير هذا المقام فأبدع، فلينظر. وقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم إثر تخصيص للتأكيد.

стр. 1741

وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٨] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وعيد لمن انتهك محارمه أو أصرّ على ذلك وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٩] ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ يعني: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، إلّا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. وفي الآية تشديد في إيجاب القيام بما أمر به. وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. وقامت عليكم الحجّة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من الخير والشرّ، فيجازيكم بذلك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٠] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ حكم عام في نفي المساواة عند الله بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيّدها. قصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فإنّ العبرة بالجودة والرداءة، دون القلّة والكثرة. فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب عامّ لكل معتبر- أي: ناظر بعين الاعتبار- ولذلك قال فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: فاتقوه في تحرّي الخبيث وإن كثر. وآثروا الطيّب وإن قلّ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: بمنازل القرب عنده تعالى المعدّ للطيّبين. تنبيهان: الأول- قال الرازي: أعلم أنه تعالى لمّا زجر عن المعصية ورغّب في الطاعة بقوله: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ... الآية ثم بما بعدها أيضا- أتبعه بنوع آخر من الترغيب والترهيب بقوله: قُلْ لا يَسْتَوِي ... الآية. وذلك لأنّ الخبيث

стр. 1742

والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيّا وهو ظاهر لكل أحد. والثاني الذي يكون روحانيّا. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة. وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما أنّ الخبيث والطيّب في عامل الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان. بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشدّ لأن مضرة خبث الخبيث الجسمانيّ شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأمّا خيث الخبيث الروحانيّ فمضرّته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطّيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. وهو القرب من جوار ربّ العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية. الثاني: قال بعض المفسّرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح. وأنّ الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميّز المؤمن في المجلس. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا أي: نبيكم عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ أي: تظهر لَكُمْ تَسُؤْكُمْ لما فيها من المشقة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي: وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه ف (حين) ظرف ل (تسألوا) . وثمة وجه آخر: وهو جعل (حين) ظرفا ل (تبد) ، والمعنى: وإن تسألوا عنها. تبد لكم حين ينزل القرآن. قال ابن القيّم: والمراد ب (حين النزول) زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن

стр. 1743

للنزول. وكأنّ في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا. ثم قال: وثمة قول ثان في قوله تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها ... إلخ، وهو أنّه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوؤكم: والمعنى: لا تتعرّضوا للسؤال عمّا يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم. انتهى. وقال بعضهم: إنه تعالى، بيّن أولا أنّ تلك الأشياء- التي سألوا عنها- إن أبديت لهم ساءتهم. ثم بيّن ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم. فكان حاصل الكلام إن سألوا عنا أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم، إن سألوا عنها، ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرّهم. قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ صفة ل (أشياء) داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا. فقيل: وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم. أي: تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل. والمراد به: ما يشق عليهم ويغمّهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أنّ السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عمّا يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله ، من غير بحث فيه ولا تعرّض لكيفيته وكمّيته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول الله ﷺ عمّا لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم- إن أفتاكم بها وكلّفكم إياها حسبما أوحي إليه- لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمور مستورة تكرهون بروزها. عَفَا اللَّهُ عَنْها أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلّا يسوءكم بيانها. فالجملة في موضع جرّ صفة أخرى ل أَشْياءَ. أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرّد صيانتهم عن المساءة. بل لأنها في

стр. 1744

نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها. وفيه من حثّهم على الجدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ اعتراض تذييليّ مقرّر لعفوه تعالى، أي: مبالغ في مغفرة الذنوب. ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٢] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرّض لما تعرّضوا له. تنبيهات: الأول: روى البخاريّ «١» في سبب نزولها في (التفسير) عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء. فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل، تضلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا ... حتى فرغ من الآية كلها. وأخرج «٢» أيضا عن موسى بن أنس عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ... قال: فغطّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. وروى البخاريّ «٣» أيضا في كتاب (الفتن) عن قتادة: أنّ أنسا حدثهم قال: سألوا النبيّ ﷺ حتى أحفوه بالمسألة. فصعد النبيّ ﷺ ذات يوم المنبر فقال: لا

стр. 1745

تسألوني عن شيء إلّا بينت لكم. فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فإذا كلّ رجل، رأسه في ثوبه يبكي. فأنشر رجل- كان إذ لا حي يدعى إلى غير أبيه- فقال: يا نبيّ الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذاقة. ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد رسولا. نعوذ بالله من سوء الفتن. فقال النبيّ ﷺ : ما رأيت في الخير والشرّ كاليوم قط. إنه صوّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط. فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ. وفي رواية: قال قتادة يذكر- بالبناء للمجهول- هذا الحديث ... إلخ وروى البخاريّ «١» أيضا في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنّة) في باب ما يكره من كثرة السؤال، عن الزهريّ قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنّ النبيّ ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلّى الظهر. فلما سلّم قام إلى المنبر فذكر الساعة. وذكر أن بين يديها أمورا عظاما. ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فو الله! لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله! قال: النار. فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: أبوك حذافة. قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني. فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا. قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي. فلم أر كاليوم في الخير والشر. وعند مسلم «٢» : قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قطّ أعقّ منك.

стр. 1746

أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله! لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وروى ابن جرير «١» عن السدّي قال: غضب رسول الله ﷺ يوما من الأيام فقام خطيبا فقال: سلوني. - نحو ما تقدم- وزاد: فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: رضينا بالله ربا ... إلخ. وزاد: وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به حتى رضي. وأخرج أيضا عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمارّ وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: في النار. - نحو ما مرّ- وفيه: فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا.. الآية. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وبهذه الزيادة- أي على ما في البخاريّ من قول رجل للنبيّ ﷺ : أين أنا؟ قال: في النار . - يتضح أن هذه القصة سبب نزول: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ... الآية، فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، بخلافها في حق حدافة فإنه بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه، فبيّن أباه الحقيقيّ، لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال. انتهى. وروى الإمام أحمد «٢» والترمذيّ «٣» عن أبي البختريّ عن عليّ ﵁ قال: لما نزلته هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كلّ عام؟ فسكت، قال ثم قالوا: أفي كلّ عام؟ فقال: لا. ولو قلت نعم لوجبت. ولو وجبت لما استطعتم. فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا ... الآية. قال الترمذيّ: غريب وسمعت البخاريّ يقول: أبو البختريّ لم يدرك عليّا. وروى ابن جرير ونحوه عن أبي هريرة «٤» وأبي أمامة «٥» ، وكذا عن ابن عباس «٦» ،

стр. 1747

قال في الآية: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإن نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل. إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة. الثاني- قال ابن كثير: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته. فالأولى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد «١» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا. فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر. ورواه أبو داود «٢» والترمذي «٣» . الثالث- قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقعين) : لم ينقطع حكم هذه الآية. بل لا ينبغي للعبد أن يتعرّض للسؤال عمّا إن بدا له ساءه. بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب ﵁: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا. لمّا سأله عن رفيقه عن مائه: أطاهر أم لا؟ وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعلّه يسوءه إن أبدي له. فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله. فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها. وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها. وأما المقصود أولا وبالذات- كما يفيده تتمتها- فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي. ويدل له، ما رواه البخاريّ «٤» عن سعد بن أبي وقاص: أنّ النبيّ ﷺ قال: إنّ أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته. فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه.

стр. 1748

وعن أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ قال: ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه رواه «١» الإمام أحمد ومسلم والنسائيّ. وعن أبي ثعلبة الخشنيّ: أن النبيّ ﷺ قال: إنّ الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحدّ حدودا فلا تعتدوها. وحرّم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها ... رواه الدارقطنيّ وأبو نعيم. وعن سلمان الفارسي «٢» : قال سئل رسول الله ﷺ عن أشياء فقال: الحلال ما أحلّ الله في كتابه. والحرام ما حرّم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلّفوا. رواه الترمذيّ والحاكم وابن ماجة. وأخرج الشيخان «٣» عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء. وكان يعجبنا أن يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وفي قصة «٤» اللعان من حديث ابن عمر: فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها.

стр. 1749

ولمسلم «١» عن النوّاس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله ﷺ سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلّا المسألة. كان أحدنا، إذا هاجر، لم يسأل النبيّ ﷺ . ومراده: أنه قدم وافدا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوقد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرا، فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودا كانوا أو غيرهم. وأخرج أحمد «٢» عن أبي أمامة قال: لمّا نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.. الآية، كنّا قد أتقينا أن نسأله ﷺ . فأتينا أعرابيّا فرشوناه برداء وقلنا: سل النبيه ﷺ . ولأبي يعلى عن البراء: إن كان ليأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيّب. وإن كنا لنتمنى الأعراب- أي قدومهم- ليسألوا، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها. وأمّا ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي عن الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصب. والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة. والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن. والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك. لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عمّا لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لمّا كانت سببا للتكليف بما يشق، فحقها أن تجتنب. وقد عقد الإمام الدارمي «٣» في أوائل (مسنده) لذلك بابا. وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك، منها:

стр. 1750

عن ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن. فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن. وعن عمر: أحرّج عليكم أن تسألوا عمّا لم يكن. فإن لنا فيما كان شغلا. وعن زيد بن ثابت، أنه كان إذا سئل عن الشيء؟ يقول: كان هذا؟ فإن قيل: لا! قال: دعوه حتى يكون. وعن أبيّ بن كعب، وعن عمار نحو ذلك. وأخرج أبو داود في (المراسيل) : عن أبي سلمة ومعاذ مرفوعا: لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها. فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدّد- أو وفق- وإن عجلتم تشتّتت بكم السبل. وعن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا: لا يزال في أمتي من إذا سدّد، حتى يتساءلوا عمّا لم ينزل. قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك، أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين: (أحدهما) أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه. بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين. (ثانيهما) - أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طرديّ مثلا. فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: هلك المتنطعون ... أخرجه مسلم «١» ، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته. ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى، لا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك- في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها. ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحسّ. كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة.. إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في

стр. 1751

الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن- أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها- ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. - كذا في (فتح الباري) . ثم رأيت في (موافقات) الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى، في أواخرها- في هذا الموضوع- مبحثا جليلا، قال في أوله: الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى ... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا- ثم قال: ... والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكان يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم.. ثم قال: ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع: (أحدها) : السؤال عمّا لا ينفع في الدين، كسؤال «١» عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وروي في (التفسير) أنه ﵇ سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط

стр. 1752

ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ... [البقرة: ١٨٩] الآية ، فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين. و (ثانيها) : أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج «١» : أكلّ عام؟ مع أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] ، قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... [البقرة: ٦٧] . و (ثالثها) : السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا- والله أعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ذروني ما تركتكم. وقوله: وسكت عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها. و (رابعها) : أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي «٢» عن الأغلوطات. و (خامسها) : أن يسأل عن علة الحكم- وهو من قبيل التعبدات، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال- كما في حديث «٣» قضاء الصوم دون الصلاة. و (سادسها) أن يبلغ بالسؤال إلى حدّ التكلف والتعمّق، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] ، ولما سئل

стр. 1753

الرجل «١» : يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإن نرد على السباع وترد علينا. و (سابعها) : أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقيّ أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه، وإلّا سكت. و (ثامنها) : السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ.. [آل عمران: ٧] الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهول، والسؤال عنه بدعة. و (تاسعها) : السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفّين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ألطّخ بها لساني. و (عاشرها) : سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ.. [البقرة: ٢٠٤] وقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨] وفي الحديث «٢» : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدا، بل فيها ما تشتدّ كراهيته، ومنها ما يخفّ، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محلّ اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: إن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ... [الأنعام: ٦٨] الآية. وأشباه ذلك من الآي والأحاديث ... فالسؤال في مثل ذلك منهيّ عنه، والجواب بحسبه. انتهى كلامه.

стр. 1754

التنبيه الرابع: قال بعض المفسّرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة) . لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] . وقال ﷺ «١» : «قاتلهم الله ألّا سألوا إذ لم يعلموا. فإنما شفاء العيّ السؤال ... » انتهى. ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني إِنْ تُبْدَ.. إلخ- غنية عن أن تقيّد بقيد آخر كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به- كما أسلفنا- مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه. وفيه خطر المفسدة. والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه. وأمّا ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية- كما يتضح من نظمها الكريم- مع ما بيّنته السنّة في سبب النزول، وتحرّج الصحابة عن المسائل المارّ بيانه- معلوم أنه فيما لا ضرورة إليها. وإلّا فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة، مما يبيّن أن هذه الآية في موضوع خاص. وقد كان ﷺ يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى حرج أو مسادة أو تعنّت.. روى الشيخان «٢» عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: أن النبيّ ﷺ كان

стр. 1755

ينهى عن قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وروى أحمد وأبو داود: أن النبيّ ﷺ نهى عن الأغلوطات - وهي صعاب المسائل- والآثار في ذلك كثيرة. ثم بيّن تعالى بطلان ما ابتدعه أهل الجاهلية- من تحريم بعض بهيمة الأنعام- بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٣] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ أي ما شرع وما وضع. و (من) مزيدة لتأكيد النفي. والبحيرة (كسفينة) فعيلة بمعنى المفعول من (البحر) وهو شق الأذن. يقال: بحر الناقة والشاة، يبحرها: شق أذنها. وفي البحرة أقوال كثيرة ساقها صاحب القاموس وغيره. قال أبو إسحاق النحويّ: أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحرة: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، فكان أخرها ذكرا، بحروا أذنها (أي: شقوها) وأغفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع من ماء ترده ولا من مرعى. وإذا لقيها المعيى المنقطع به، لم يركبها وَلا سائِبَةٍ وهي الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر أو لطواغيتهم. أي تترك ولا تركب ولا يحمل عليها كالبحيرة. أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف. أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: وهي (أي ناقتي) سائبة وَلا وَصِيلَةٍ كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطن عناقين عناقين. وولدت في السابع عناقا وجديا، قالوا وصلت أخاها. فلا يذبحون أخاها من أجلها. وأحلّوا لبنها للرجال وحرموه على النساء. والعناق (كسحاب) الأنثى من أولاد المعز. وقيل: الوصيلة كانت في الشاة خاصة، إذا ولدت الأنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم. وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وَلا حامٍ وهو الفحل من الإبل بضرب الضراب المعدود. فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس، وسيبوه للطواغيت. وقيل: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن. ثم هو
следующие страницы →