← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن- أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها- ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. - كذا في (فتح الباري) . ثم رأيت في (موافقات) الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى، في أواخرها- في هذا الموضوع- مبحثا جليلا، قال في أوله: الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى ... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا- ثم قال: ... والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكان يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم.. ثم قال: ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع: (أحدها) : السؤال عمّا لا ينفع في الدين، كسؤال «١» عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وروي في (التفسير) أنه ﵇ سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط

стр. 1752

ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ... [البقرة: ١٨٩] الآية ، فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين. و (ثانيها) : أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج «١» : أكلّ عام؟ مع أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] ، قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... [البقرة: ٦٧] . و (ثالثها) : السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا- والله أعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ذروني ما تركتكم. وقوله: وسكت عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها. و (رابعها) : أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي «٢» عن الأغلوطات. و (خامسها) : أن يسأل عن علة الحكم- وهو من قبيل التعبدات، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال- كما في حديث «٣» قضاء الصوم دون الصلاة. و (سادسها) أن يبلغ بالسؤال إلى حدّ التكلف والتعمّق، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] ، ولما سئل

стр. 1753

الرجل «١» : يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإن نرد على السباع وترد علينا. و (سابعها) : أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقيّ أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه، وإلّا سكت. و (ثامنها) : السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ.. [آل عمران: ٧] الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهول، والسؤال عنه بدعة. و (تاسعها) : السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفّين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ألطّخ بها لساني. و (عاشرها) : سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ.. [البقرة: ٢٠٤] وقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨] وفي الحديث «٢» : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدا، بل فيها ما تشتدّ كراهيته، ومنها ما يخفّ، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محلّ اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: إن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ... [الأنعام: ٦٨] الآية. وأشباه ذلك من الآي والأحاديث ... فالسؤال في مثل ذلك منهيّ عنه، والجواب بحسبه. انتهى كلامه.

стр. 1754

التنبيه الرابع: قال بعض المفسّرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة) . لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] . وقال ﷺ «١» : «قاتلهم الله ألّا سألوا إذ لم يعلموا. فإنما شفاء العيّ السؤال ... » انتهى. ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني إِنْ تُبْدَ.. إلخ- غنية عن أن تقيّد بقيد آخر كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به- كما أسلفنا- مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه. وفيه خطر المفسدة. والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه. وأمّا ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية- كما يتضح من نظمها الكريم- مع ما بيّنته السنّة في سبب النزول، وتحرّج الصحابة عن المسائل المارّ بيانه- معلوم أنه فيما لا ضرورة إليها. وإلّا فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة، مما يبيّن أن هذه الآية في موضوع خاص. وقد كان ﷺ يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى حرج أو مسادة أو تعنّت.. روى الشيخان «٢» عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: أن النبيّ ﷺ كان

стр. 1755

ينهى عن قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وروى أحمد وأبو داود: أن النبيّ ﷺ نهى عن الأغلوطات - وهي صعاب المسائل- والآثار في ذلك كثيرة. ثم بيّن تعالى بطلان ما ابتدعه أهل الجاهلية- من تحريم بعض بهيمة الأنعام- بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٣] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ أي ما شرع وما وضع. و (من) مزيدة لتأكيد النفي. والبحيرة (كسفينة) فعيلة بمعنى المفعول من (البحر) وهو شق الأذن. يقال: بحر الناقة والشاة، يبحرها: شق أذنها. وفي البحرة أقوال كثيرة ساقها صاحب القاموس وغيره. قال أبو إسحاق النحويّ: أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحرة: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، فكان أخرها ذكرا، بحروا أذنها (أي: شقوها) وأغفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع من ماء ترده ولا من مرعى. وإذا لقيها المعيى المنقطع به، لم يركبها وَلا سائِبَةٍ وهي الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر أو لطواغيتهم. أي تترك ولا تركب ولا يحمل عليها كالبحيرة. أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف. أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: وهي (أي ناقتي) سائبة وَلا وَصِيلَةٍ كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطن عناقين عناقين. وولدت في السابع عناقا وجديا، قالوا وصلت أخاها. فلا يذبحون أخاها من أجلها. وأحلّوا لبنها للرجال وحرموه على النساء. والعناق (كسحاب) الأنثى من أولاد المعز. وقيل: الوصيلة كانت في الشاة خاصة، إذا ولدت الأنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم. وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وَلا حامٍ وهو الفحل من الإبل بضرب الضراب المعدود. فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس، وسيبوه للطواغيت. وقيل: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن. ثم هو

стр. 1756

حام حمى حمى ظهره. فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وحكى أبو مسلم: إذا أنتجت الناقة عشرة أبطن، قالوا: حمت ظهرها. وقد روي في تفسير هذه الأربعة، أقوال أخر. ولا تنافي في ذلك. لأن أهل الجاهلية لهم في أضاليلهم تفنّنات غريبة. هذا وروى ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه مالك بن نضلة، قال: أتيت النبيّ ﷺ في خلقان من الثياب. فقال لي: هل لك من مال؟ فقلت: نعم. قال: من أيّ المال؟ قالت فقلت: من كل المال: الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا أتاك الله مالا كثيرا فكثّر عليك. ثم قال: تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال قلت: نعم. قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم؟ قلت: نعم. قال: فلا تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حلّ. ثم قال: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ. أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها. فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة فهي التي يسيبون لآلهتهم يذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة فالشاة تلد ستة أبطن. فإذا ولدت السباع جدعت وقطعت قرنها فيقولون: قد وصلت، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض. قال ابن كثير: هكذا ذكر تفسير ذلك مدرجا في الحديث. وقد روي من وجه آخر عن أبي الأحوص من قوله، وهو أشبه. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد «١» عن مالك بن نضلة. وليس فيه تفسير هذه. والله أعلم. وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي: ما شرع

стр. 1757

الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة. ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم. وفي البخاريّ «١» أن التبحير والتسييب وما بعدهما، كله لأجل الطواغيت. يعني أصنامهم، وفي الصحيحين «٢» عن أبي هريرة أن النبيه ﷺ قال رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجر قصبه في النار. وكان أول من سيّب السوائب وبحر البحيرة وغيّر دين إسماعيل. لفظ مسلم. زاد ابن جرير: وحمى الحامي. وروى الإمام أحمد «٣» عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار» . قال ابن كثير: عمرو هذا هو ابن لحيّ بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم. وكان أول من غيّر دين إبراهيم الخليل. فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودعا الرعاء من الناس إلى عبادتها والتقرب بها. وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها. كما ذكره الله تعالى في (سورة الأنعام) عند قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ... الآيات. انتهى.

стр. 1758

لطيفة: قال الرازي: فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء، فلم لا يجوز إعتاق هذه البهائم من الذبح والإتعاب والإيلام؟ قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته. فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادته تعالى، فكان ذلك قربة مستحسنة. وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع الناس. فإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها وعلى غيره. أي وهو خلاف الحكمة التي خلقت هي لأجلها. على أن الرقيق إذا أعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، بخلاف البهيمة. ففي تسيبها إيقاع لها في أنواع من المحنة والمشقة. قال المهايمي: قاسوه (يعني التبحير) على عتق الإنسان مع ظهور الفرق. لما في عتق الإنسان من تمليك التصرفات، ولا تصرف للحيوانات العجم. ثم قال: الأول كالعتق بلا نذر. والثاني كالعتق بالنذر. والثالث مشبه بما يشبه العتق. والرابع ملك النفس بلا تمليك. ولا معنى للتمليك في الحيوانات العجم، فهذه الأمور غير معقولة ظاهرا وباطنا، فلا يفعلها الحكيم. تنبيه: قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تحريم هذه الأمور. واستنبط منه تحريم جميع تعطيل المنافع. ومن صور السائبة: إرسال الطائر ونحوه. واستدل ابن الماجشون بالآية على منع أن يقول لعبده: أنت سائبة. وقال: لا يعتق. انتهى. وقال بعض مفسري الزيدية: قال الحاكم: استدل بعضهم على بطلان الوقف بالآية الكريمة. لأن الملك لا يخرج عن ملك صاحبه إلا إلى مالك آخر. أو على وجه القربة إلى الله. كتحرير الرقاب. قال الحاكم: وليس بصحيح. لأن الوقف قربة كالعتق. ولقائل أن يقول: يستدل بالآية على نظير ذلك. وهو ما يلقى في الأنهار والطريق وقرب الأشجار، من طرح البيض والفراريج ونحو ذلك. فلا يجوز فعله، ولا يزول ملك المالك. ويحتمل أن يقال: قد رغب عنه وصيره مباحا. وأما كسر البيض على العمارة والطريق والأبواب، فالظاهر عدم الجواز. لأن في ذلك إضاعة مال، ولم يرد بفعله دليل. انتهى. ولما بيّن تعالى أن أكثرهم لا يعقلون أن تحريم هذه الأشياء افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق، وإنما يقلدون قدماءهم- أشار إلى عنادهم واستعصائهم حينما هدوا إلى الحق، وإلى ضلالهم ببقائهم في أسر التقليد، بقوله سبحانه:

стр. 1759

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٤] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب المبيّن للحلال والحرام وَإِلَى الرَّسُولِ أي: الذين أنزل هو عليه، لتقفوا على حقيقة الحال، وتميزوا بين الحرام والحلال، فترفضوا تقليد القدماء المفترين على الله الكذب بالضلال قالُوا أي: لإفراط جهلهم وانهماكهم في التقليد حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي كافينا ذلك. وحَسْبُنا مبتدأ والخبر ما وَجَدْنا و (ما) بمعنى الذي. والواو في قوله تعالى أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ للحال. دخلت عليها همزة الإنكار. أي: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً أي لا يعرفون حقّا ولا يفهمونه وَلا يَهْتَدُونَ أي: إليه. قال الزمخشري: والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي. وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. انتهى. وقال الرازي: واعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي. وإنما يكون عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل. فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا. فوجب أن لا يجوز الاقتداء به. انتهى. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية قبح التقليد ووجوب النظر واتباع الحجة. ثم قال: وقد فسر التقليد بأنه قبول قول الغير من غير حجة انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي الزموا أن تصلحوها باتباع كتاب الله وسنة رسوله لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ أي ممن قال حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أو أخذ بشبهة. أو عاند في قول أو فعل إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أي إلى الإيمان. وكأن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى. لا يضركم ضلال الضالين وجهل الجاهلين، إذا كنتم مهتدين. كما قال لنبيه ﷺ : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ

стр. 1760

عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: ٨] . قال الزمخشريّ: وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم، فهو مخاطب بهذه الآية إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ بعد الموت جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ أي يخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي في الدنيا من أعمال الهداية والضلال. فهو وعد ووعيد للفريقين. و تنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره. تنبيه: لا يستدل بالآية على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن الظاهر من الآية أن ضلال الغير لا يضر، وأن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي. وإلا فمن تركهما مع القدرة عليهما، فليس بمهتد. وإنما هو بعض الضلال الذي فصلت الآية بينهم وبينه. قال الحاكم: ولو استدل على وجوبهما بقوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ كان أولى. لأنه يدخل في ذلك كل ما لزم من الواجبات. أي كما فعل المهايميّ في تفسيره حيث قال عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. أي ألزموا أن تصلحوها باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله. والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإخوان إلى ذلك. بإقامة الحجج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل. لا تقصروا في ذلك. إذ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، بدعوتهم إلى ما أنزل وإلى الرسول وإقامة الحجج لهم، ودفع الشبه عنهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بما أمكن من القول والفعل. ولا تقصروا في ذلك. إذ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون، من التقصير أو الإيفاء قولا وفعلا، في حق أنفسكم أو غيركم. انتهى. ونقل الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنه قال عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني عليكم أهل دينكم. ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤] يعني أهل دينكم. فقوله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغّب بعضكم بعضا في الخيرات وينفّره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ معناه: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. فكان ذلك أمرا بأن نحفظ أنفسنا. فإذا لم يكن

стр. 1761

ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك واجبا. انتهى. وروى الإمام أحمد «١» عن أبي بكر الصديق ﵁. أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إلى آخر الآية. وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس، إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك أن يعمهم الله بعقابه» . ورواه أصحاب السنن وابن حبان في صحيحه وغيرهم. وروى الترمذي «٢» عن أبي أمية الشعباني. قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: آية آية؟ قلت: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قال: أما والله! لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوامّ. إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون مثل علمكم. قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله! أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين منكم. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب. وكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير «٣» وابن أبي حاتم. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أن ابن مسعود ﵁ سأله رجل عن قوله الله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال: إن هذا ليس بزمانها. إنها اليوم مقبولة. ولكنه قد يوشك أن يأتي زمانها. تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يقبل منكم. فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا. فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس. حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه. فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك. فإن الله يقول عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ

стр. 1762

الآية. قال، فسمعها ابن مسعود فقال: مه. لم يجئ تأويل هذه بعد. إن القرآن أنزل حيث أنزل. ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن. ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ . ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبيّ ﷺ بيسير. ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب، ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا. وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمر نفسك. وعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. أخرجه ابن جرير. وأخرج أيضا «١» أنه قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي. لأن رسول الله ﷺ قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب. فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب. ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا. إن قالوا لم يقبل منهم . وقد ضعف الرازي ما روي عن ابن مسعود وابن عمر مما سقناه. قال: لأن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب عام، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين. فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب؟ انتهى. أقول: ليس مراد ابن مسعود وابن عمر ﵄، إخراج الحاضرين عن الخطاب، وأنه لم يعن بها إلا الغيب. وإنما مرادهما الردّ على من تأولها بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأعلماه بأنه لا يسوغ الاستشهاد بها في ترك ذلك. والاسترواح لظاهرها، إلا في الزمن الذي بيّناه. وحاصله: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ما قبلا، فإن ردّا في مثل ذلك الزمن فليقرأ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. هذا مرادهما. والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)

стр. 1763

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي: ظهرت أماراته حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل من الظرف، لا ظرف (للموت) ولا لحضوره. فإن في الإبدال تنبيها على أن الوصية من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها. وقوله تعالى: اثْنانِ خبر شَهادَةً بتقدير مضاف. أي شهادة بينكم حينئذ، شهادة اثنين. أو فاعل (شهادة) على أن خبرها محذوف. أي: فيما نزل عليكم، أن يشهد بينكم اثنان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من المسلمين: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي من أهل الذمة إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما أي: توقفونهما للتحليف مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر. كما قاله ابن عباس وثلّة من التابعين. وعدم تعيينها، لتعيينها عندهم بالتحليف بعدها. لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. واجتماع طائفتي الملائكة، فيه تكثير للشهود منهم على صدقه وكذبه. فيكون أقوى من غيره وأخوف. وعن الزهريّ: بعد أيّ صلاة للمسلمين كانت. وذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور، كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] . فالتعريف في الصَّلاةِ إما للعهد أو للجنس. فَيُقْسِمانِ أي: يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي: شككتم فيهما بخيانة وأخذ شيء من تركة الميت. وقوله تعالى: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً جواب للقسم. أي يقولان: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من الله. أي: من حرمته عرضا من الدنيا بأن نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب. أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال وَلَوْ كانَ أي: من نقسم له ونشهد عليه، المدلول عليه بفحوى الكلام ذا قُرْبى أي: قريبا منا. تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا. ومبالغة في التنزه عنه. كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا. ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء. فكيف إذا لم يكن كذلك؟ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ أي: الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها. وإضافتها إلى الاسم الكريم تشريفا لها وتعظيما لأمرها إِنَّا إِذاً إن كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ أي: المعدودين من المستقرين في الإثم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٧] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) فَإِنْ عُثِرَ أي اطلع بعد التحليف عَلى أَنَّهُمَا أي: الشاهدين الوصيين

стр. 1764

اسْتَحَقَّا إِثْماً أي: فعلا ما يوجبه من خيانة أو غلول شيء من المال الموصى به إليهما فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما أي: فرجلان آخران يقومان مقام اللذين عثر على خيانتهما أي: في توجه اليمين عليهما لإظهار الحق وإبراز كذبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديها مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ أي: من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان، أي: الأقربان إلى الميت، الوارثان له، الأحقّان بالشهادة، أي: اليمين. ف (الأوليان) فاعل (استحقّ) . ومفعول (استحقّ) محذوف، قدّره بعضهم (وصيتهما) وقدره ابن عطية (مالهم وتركتهم) ، وقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين. وقرئ على البناء للمفعول أي: من الذين استحق عليهم الإثم. أي: جنى عليهم. وهم هل الميت وعشيرته. ف (الأوليان) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هو بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران) وقد جوز ارتفاعه (استحقّ) على حذف المضاف. أي: استحق عليهم ندب الأوليين منهم للشهادة. وقرئ الأوّلين جمع (أوّل) على أنه صفة للذين، مجرور أو منصوب على المدح. ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها. وقرئ الأوليين، علي التثنية. وانتصابه على المدح. أفاده أبو السعود. وقرئ الأوّلين تثنية (أول) نصبا على ما ذكر. كما في البيضاويّ. قال أبو البقاء: ويقرأ الأوليين وهو جمع (أولى) وإعرابه كاعراب الأوّلين. ويقرأ الأولان، تثنية (الأول) وإعرابه كإعراب (الأوليان) فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ عطف على (يقومان) لَشَهادَتُنا أَحَقُّ أي: بالقبول مِنْ شَهادَتِهِما أي: لقولنا: إنهما خانا وكذبا فيما ادعيا من الاستحقاق، أحق من شهادتهما المتقدمة. لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم وَمَا اعْتَدَيْنا أي: ما تجاوزنا الحق فيها أو فيما قلنا فيهما من الخيانة إِنَّا إِذاً أي: إن اعتدينا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه، بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى. أو من الواضعين الحق في غير موضعه. ومعنى الآية الكريمة أن الرجل إذا حضرته الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجدهما، فرجلين من أهل الكتاب. يوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه. فإذا قدما بتركته، فإن صدّقهما الورثة وعرفوا ما لصاحبهم قبل قولهما وتركا. وإن

стр. 1765

اتهموهما، رفعوهما إلى السلطان فحلفا بعد صلاة العصر بالله، ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنّا ولا غيرنا، فإن اطلع الأوليان على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد. فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء، هكذا روى ابن جرير «١» عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما. قال الإمام ابن كثير: وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما، والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول، إذا ظهر لوث في جانب القاتل. فيقسم المستحقون على القاتل. فيدفع برمته إليهم. كما هو مقرر في (باب القسامة) . وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداريّ في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.. إلى آخرها قال: برئ الناس منها غيري وغير عديّ بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام. فأتيا الشام لتجارتهما. وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل (بدال أو زاي مصغرا. وضبطه بالثانية ابن ماكولا) ابن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد به الملك. وهو أعظم تجارته. فمرض فأوصى إليهما. وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم. واقتسمناه أنا وعديّ. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألونا عنه. فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت، بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك. فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم. وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها. فوثبوا عليه. فأمرهم النبيّ ﷺ أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه. فحلف فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ- إلى قوله- فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما. فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عديّ بن بداء. وهكذا رواه الترمذيّ «٢» وابن جرير «٣» عن محمد بن إسحاق به، فذكره.

стр. 1766

وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البيّنة فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف. فأنزل الله هذه الآية. فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عديّ بن بداء. ثم تكلم الترمذيّ على إسناده. وأسند «١» بعد ذلك هذه القصة مختصرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بداء. فمات السهميّ بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوّصا بذهب. فأحلفهما رسول الله ﷺ . ثمّ وجد الجام بمكة. فقيل: اشتريناه من تميم وعديّ. فقام رجلان من أولياء السهميّ فحلفا بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما. وأنّ الجام لصاحبهم. وفيهم نزلت هذه الآية. وكذا رواه أبو داود. ثم قال الترمذيّ: حديث حسن غريب! وأقول: أخرجه البخاريّ «٢» أيضا في كتاب (الوصايا) تحت باب عقده لهذه الآية بخصوصها. و (الجام) الإناء، وتخويصه أن يجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل. قال ابن كثير: وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين. منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن جرير. وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك. وهذا يدلّ على اشتهارها في السلف وصحتها. ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه ابن جرير «٣» بإسنادين صحيحين، وأبو داود بإسناد- رجاله ثقات- عن الشعبيّ: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقاء، قال: فحضرته الوفاة- ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيّته- فأشهده رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعريّ ﵁ فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعريّ: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ . قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنّها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما.

стр. 1767

وقوله (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ الظاهر- والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعديّ بن بداء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٨] ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) ثم بيّن وجه الحكمة والمصلحة المتقدم تفصيله بقوله: ذلِكَ أي: الحكم المذكور أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي: أقرب إلى أن يؤدي الشهود- أو الأوصياء- الشهادة في نحو تلك الحادثة على حقيقتها من غير تغيير لها، خوفا من العذاب الأخرويّ. ف (الوجه) بمعنى الذات والحقيقة. قال أبو السعود: وهذه- كما ترى- حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور! وقوله تعالى: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ بيان لحكمة شرعية ردّ اليمين على الورثة، معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة. أو يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، ويغرموا فيمتنعوا من ذلك. وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: في مخالفة أحكامه التي منها هذا الحكم، وهو ترك الخيانة والكذب وَاسْمَعُوا أي: ما تؤمرون به سماع قبول وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته، أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم. وقد استفيد من الآية أحكام: الأول- لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه. لأنه تعالى قال حِينَ الْوَصِيَّةِ أي: وقت أن تحق الوصية وتلزم. الثاني- قال بعضهم: دلّ قوله تعالى: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ على أن الحكم شرطه أن يشهد فيه اثنان عدلان. وهذا إطلاق لم يفصل فيه بين حقّ الله وحق غيره، ولا بين الحدود وغيرها، إلّا شهادة الزنى. فلقوله تعالى في النور: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤] ، وهذا مجمع عليه. قال ابن القيّم في (أعلام الموقّعين) : إنه سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من

стр. 1768

الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلّا بذلك. فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا بأيمان القسامة، ولا بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه. والشارع- في جميع المواضع- يقصد ظهور الحقّ بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له. ولا يردّ حقّا قد ظهر بدليله أبدا. فيضيع حقوق الله وحقوق عباده ويعطلها. ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غير في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه. وقد أطال في ذلك بما لا يستغنى عن مراجعته. الثالث- في قوله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ دلالة على صحة شهادة الذميّ على المسلم عموما. لكن خرج جوازها فيما عدا وصية المسلم في السفر بالإجماع. قال بعض المفسّرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت. وعن الحسن وابن أبي ليلى والأوزاعيّ وشريح والراضي بالله وجدّه الإمام عبد الله بن الحسين: أنها صحيحة ثابتة. وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ. وقال طاوس والحسن والهادي: إنه ثابت. انتهى. أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرّض لدفعها. قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقّعين) : أمر تعالى في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم. وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على وصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين. وقد حكم به النبيّ ﷺ والصحابة بعده، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فإنّ (المائدة) من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتة. ولا يصح أن يكون المراد بقوله مِنْ غَيْرِكُمْ من غير قبيلتكم فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية. ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: مِنْ غَيْرِكُمْ أيتها القبيلة، والنبيّ ﷺ لم يفهم هذا من الآية. بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) :

стр. 1769

واستدلّ بالآية على جواز شهادة الكفار بناء على المراد بال (غير) الكفار. وخصّ جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ. منهم: ابن عباس وأبو موسى الأشعريّ، وسعيد بن المسيّب، وابن سيرين، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأبو عبيد، وأحمد- وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية- وقوّى ذلك حديث الباب- يعني حديث ابن عباس المتقدم- فإن سياقه مطابق لظاهر الآية. وقيل: المراد بال (غير) العشيرة. والمعنى (منكم) أي: من عشيرتكم أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي: من غير عشيرتكم، وهو في قول الحسن واحتجّ له النحاس بأن لفظ (آخر) لا بدّ أن يشارك الذي قبله في الصفة، حتى لا يسوغ أن تقول: مررت برجل كريم ولئيم آخر. فعلى هذا فقد وصف (الاثنان) بالعدالة. فيتعيّن أن يكون (الآخران) كذلك. وتعقب بأن هذا- وإن ساغ في الآية الكريمة- لكن الحديث دلّ على خلاف ذلك. والصحابيّ إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا. وأيضا، ففي ما قال ردّ المختلف فيه بالمختلف فيه. لأن اتّصاف الكافر بالعدالة مختلف فيه. وهو فرع قبول شهادته، فمن قبلها وصفه بها، ومن لا، فلا. واعترض أبو حيّان على المثال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق. فلو قلت: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، صحّ. بخلاف ما لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر. والآية من قبيل الأول لا الثاني. لأن قوله أَوْ آخَرانِ من جنس قوله (اثنان) ، لأن كلاهما منهما صفة (رجلان) ، فكأنه قال: فرجلان اثنان ورجلان آخران. وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة. وأن ناسخها قوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ واحتجوا بالإجماع على ردّ شهادة الفاسق. والكافر شرّ من الفاسق. وأجاب الأولون: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. حتى صحّ عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف، أن سورة المائدة محكمة. وعن ابن عباس أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، فإن اتّهما استحلفا. أخرجه الطبريّ بإسناد رجاله ثقات. وأنكر أحمد على من قال: إن هذه الآية منسوخة. وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ أن عمل بذلك بعد النبيّ ﷺ كما تقدّم. ورجّح الفخر الرازيّ- وسبقه الطبريّ- لذلك. أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمؤمنين. فلما قال أَوْ آخَرانِ وضح أنه أراد غير المخاطبين.

стр. 1770

فتعيّن أنهما من غير المؤمنين. وأيضا: فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا بالسفر. وأن أبا موسى حكم بذلك فلم ينكره أحد من الصحابة. فكان حجة. انتهى كلام الحافظ. وفي (فتح البيان) : الحق أن الآية محكمة لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فهما عامّان في الأشخاص والأزمان والأحوال. وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين. ولا تعارض بين خاصّ وعامّ. انتهى. وقد أطنب الرازيّ في (تفسيره) في الاحتجاج على عدم نسخها بوجوه عديدة، وجوّد الكلام- في أن المراد من غَيْرِكُمْ أي: من غير ملّتكم- تجويدا فائقا. الرابع: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : ذهب الكرابيسيّ ثم الطبريّ وآخرون إلى أنّ المراد بالشهادة في الآية اليمين. قال: وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان. وأيدوا ذلك بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول: أشهد بالله. وأنّ الشاهد لا يمين عليه أنه شهد بالحق. قالوا: فالمراد بالشهادة اليمين لقوله فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ أي: يحلفان. فإن عرف أنهما حلفا على الإثم رجعت اليمين على الأولياء. وتعقب بأن اليمين لا يشترط فيها عدد ولا عدالة، بخلاف الشهادة. وقد اشترطا في هذه القصة، فقوي حملها على أنها شهادة. وأما اعتلال من اعتل في ردّها بأنها تخالف القياس والأصول- لما فيها من قبول شهادة الكافر وحبس الشاهد وتحليفه وشهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرّد اليمين- فقد أجاب من قال به بأنه حكم بنفسه مستغن عن نظيره. وقد قبلت شهادة الكافر في بعض المواضع، كما في الطبّ. وليس المراد بالحبس السجن. وإنما المراد: الإمساك لليمين ليحلف بعد الصلاة. وأما تحليف الشاهد فهو مخصوص بهذه الصورة عند قيام الريبة. وأما شهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرّد اليمين، فإن الآية تضمّنت نقل الأيمان إليهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيّين. فيشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما يشرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلف ويستحق فليس هو من شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه

стр. 1771

القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه. وأيّ فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وحكى الطبريّ: أنّ بعضهم قال: المراد بقوله اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الوصيان. قال: والمراد بقوله شَهادَةُ بَيْنِكُمْ معنى الحضور لما يوصيهما به الموصي. ثم زيف ذلك. انتهى كلام (الفتح) . ولا يخفاك أنّ الآية بنفسها- مع ما ورد في نزولها- غنيّة عن تكلف إدخالها تحت القياس والقواعد والتمحّل لتأويلها. الخامس: في قوله تعالى مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ دلالة على تغليظ اليمين. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) وبعض المفسّرين: ذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ بالزمان والمكان. فأما في الزمان فبعد العصر. وأما في المكان: ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أنّ ذلك في الدماء والمال الكثير، لا في القليل. انتهى. وذهبت الزيدية والحنفية والحنابلة إلى أن اليمين لا تغلظ بزمان ولا بمكان. وأخذوا بعموم قوله «١» ﷺ : البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر، ولم يفصل. قالوا: وقوله تعالى في هذه الآية مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ يحتمل أن ذكره لأنهم كانوا لا يعتادون الحكم إلّا في ذلك الوقت. قال بعض الزيدية: وهل التغليظ في المكان والزمان على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة: المختار، التغليظ في الأيمان لفساد أهل الزمان. وذلك مرويّ عن أمير المؤمنين المرتضى وأبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس ومالك والشافعيّ. قال: والمختار أنّه مستحبّ غير واجب. انتهى. وفي كتاب (الشهادات) من (صحيح البخاريّ) بابان في هذه المسألة. فليراجع مع شروحه. السادس: قال ابن أبي الفرس: في قوله تعالى: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ دليل على أن (أقسم بالله) يمين، لا (أقسم) فقط. السابع: في قوله تعالى: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ.. الآية دليل على تحريم كتمان الشهادة. وذلك لا إشكال فيه.

стр. 1772

الثامن: قال السيوطيّ: تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة (يعني على قراءة الأوليان) لخصوص الواقعة التي نزلت لها. ثم ساق رواية البخاريّ السابقة. أي: وللإشارة إلى الاكتفاء باثنين من أقرب الورثة أيضا وإن كان فيهم كثرة. غريبة: قال مكيّ في كتابه المسمّى ب (الكشف) : هذه الآيات الثلاث- عند أهل المعاني- من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما وتفسيرا. ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفّون عنها. قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر. وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. قال ابن عطيّة: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بيّن من كتابه رحمه الله تعالى- يعني من كتاب مكيّ-. قال القرطبيّ: ما ذكره مكيّ، ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. قال السعد في (حاشيته على الكشاف) : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما.. انتهى. أقول: هذه الآية الكريمة غنيّة بنفسها- مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها- عن التشكيك فيها، والتكلّف لإدخالها تحت القواعد، والتمحّل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٩] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) يَوْمَ منصوب ب (اذكروا) أو (احذروا) يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ وذلك يوم القيامة، وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم. كيف لا؟ وذلك يوم مجموع له الناس، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم. بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم فَيَقُولُ أي: للرسل ماذا أُجِبْتُمْ أي: ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهدة الرسالة. إذا لم يقل: هل بلّغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا- من الإنباء عن شدة الغضب الإلهيّ ما لا يخفى.

стр. 1773

وفي (الصحيح) «١» في حديث الشفاعة: إنّ ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. قالُوا من هيبته تعالى، وتفويضا للأمر إلى علم سلطانه وتأدّيا بليغا في ذاك الموقف الجلاليّ لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي: ومن علم الخفيات، لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم. تنبيهات: الأول: قال الرازيّ: اعلم أنّ عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنّه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إمّا بالإلهيات، وإمّا بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع. فلا جرم، لمّا ذكر- فيما تقدم- أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة. الثاني: قال الزمخشريّ فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه، وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفتّ في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم. إذا اجتمع توبيخ الله وتشكّي أنبيائه عليهم. ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان، خاصة من خواصّه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجيّ؟ (وهو عالم بما فعل به) يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حلّ به منه. انتهى. واستظهر الرازيّ أن نفي العلم لهم على حقيقته عملا بما تقرر من أن العلم غير الظن. قال: لأن الحاصل من حال الغير عن كل أحد إنما هو الظن لا العلم. وفي

стр. 1774

الحديث: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، وقال «١» ﷺ : «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» ، فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم. إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن. والظن كان معتبرا في الدنيا. وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن. لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا. ولم يذكروا ما معهم من الظن. لأن الظن لا عبرة به في القيامة. والله أعلم. الثالث: دلت الآية عل جواز إطلاق لفظ (العلّام) عليه. كما جاز إطلاق لفظ (الخلّاق) عليه. وأما العلّامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقه في حقه. ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث. أفاده الرازيّ. على أن المختار أن أسماءه تعالى توقيفية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٠] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين، من المفاوضة، على التفصيل. إثر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال، ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين. وتخصيص شأن عيسى ﵇ بالبيان، تفصيلا بين شؤون سائر الرسل ﵈، مع دلالتها على كمال هول ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل-

стр. 1775

لما أن شأنه ﵇ متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم. فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم وندامتهم، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم. أفاده أبو السعود. اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ أي: منّتي عليك وَعَلى والِدَتِكَ بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين إِذْ أَيَّدْتُكَ أي: قوّيتك بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: بجبريل ﵇ لتثبيت الحجة. أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية. بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر، فيشهد ببراءتك وبراءة أمك. ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة. لذلك تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي: في أضعف الأحوال وأقواها. بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة. الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد. قال ابن كثير: أي جعلتك نبيّا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في المهد صغيرا. فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي. لهذا قال تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن تُكَلِّمُ تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. انتهى. وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي: الخط وظاهر العلم الذي يكتب وَالْحِكْمَةَ أي: الفهم وباطن العلم الذي لا يكتب. بل يخص به أهله وَالتَّوْراةَ وهي المنزلة على موسى الكليم ﵇ وَالْإِنْجِيلَ وهو الذي أنزله عليه، ﷺ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي: تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي أي: لك في ذلك فَتَنْفُخُ فِيها أي: في تلك الهيئة المصورة فَتَكُونُ أي: فتصير تلك الهيئة طَيْراً لحصول الروح من نفختك فيها بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي: الذي يولد أعمى مطموس البصر وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى أي: من القبور أحياء بِإِذْنِي فهذا مما فعل به من جرّ المنافع. ثم أشار إلى ما دفع عنه من المضارّ، فقال سبحانه وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أي: منعت اليهود الذين أرادوا بك السود وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ورفعتك إليّ وطهرتك من دنسهم إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: المعجزات التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر.

стр. 1776

لطيفة: إن قيل: إن السياق في تعديد نعمه تعالى على عيسى ﵇ وقول الكفار في حقه. إن هذا إلا سحر مبين، ليس من النعم بحسب الظاهر. فما السر في ذكره؟ فالجواب: إن من الأمثال المشهورة: إن كل ذي نعمة محسود. فطعن اليهود فيه بهذا الكلام يدل علي أن نعم الله في حقه كانت عظيمة. فحسن ذكره عند تعديد النعم، للوجه الذي ذكرناه. أفاده الرازيّ. ولما بين تعالى النعم اللازمة، تأثّرها بنعمه عليه المتعدية، فقال سبحانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١١] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي: بطريق الإلهام والإلفاء في القلب أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي أي: عن دعوته قالُوا آمَنَّا وأكدوا إيمانهم بقولهم وَاشْهَدْ أي: لتؤديها عند ربك بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ أي: منقادون لكل ما تدعونا إليه. وهاهنا لطائف: الأولى- إنما قدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب. والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر. يعني آمنا بقلوبنا وانقدنا بظواهرنا. الثانية- إنما ذكر تعالى هذا في معرض تعديد النعم. لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس. محبوبا في قلوبهم. من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان. كذا قاله الرازيّ. قال المهايميّ: ليحصل له رتبة التكميل وثواب رشدهم. الثالثة: قال الرازيّ: إن قيل: إنه تعالى قال في أول الآية اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى ﵇، وليس لأمه تعلق بشيء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية، فهو حاصل، على سبيل التضمن والتبع للأم. ولذلك قال تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠] . فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر. انتهى.

стр. 1777

وقال بعضهم: قيل: أريد بالذكر في قوله تعالى: اذْكُرْ نِعْمَتِي الشكر. ففي ذلك دلالة على وجوب شكر النعمة. وإن النعمة على الأم نعمة على الولد. والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٢] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا إلهيته أو ولديته، ليستقل بإنزال المائدة هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال: سورة المائدة. وهاهنا قراءتان: الأولى يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بالياء على أنه فعل وفاعل وأَنْ يُنَزِّلَ المفعول. والثانية- بالتاء ورَبُّكَ نصب أي سؤال ربك. فحذف المضاف. والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة عليّ وعائشة وابن عباس ومعاذ ﵃. وسعيد بن جبير والكسائيّ. في آخرين. قال أكثر المفسرين: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز. إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكّوا في قدرة الله تعالى. لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي. وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل يخف أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية. لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله ، ومعترفين بكمال قدرته. وسؤالهم ليس لإزاحة شك. بل ليحصل لهم مزيد الطمأنينة. كما قال إبراهيم ﵇ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] . ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب. ولهذا السبب قالوا: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وحاصله أن هَلْ يَسْتَطِيعُ سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، تعبيرا عنه بلازمه. أو عن المسبب بسببه. وقيل المعنى: هل يطيع ربك؟ أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع) وهما بمعنى واحد. والسين زائدة. كاستجاب وأجاب واستجب وأجب و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع. وذكر أبو شامة أن النبيّ ﷺ عاد أبا طالب في مرض. فقال له: يا ابن أخي! ادع ربك أن يعافيني. فقال: اللهمّ! اشف عمي. فقام كأنما نشط من عقال. فقال: يا

стр. 1778

ابن أخي! إن ربك الذي تعبده ليطيعك. فقال: يا عم! وأنت لو أطعته لكان يطيعك. أي يجيبك لمقصودك. وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى. قال الخازن: وقال بعضهم: هو على ظاهره. وقال: غلط القوم وقالوا ذلك قبل استحكام الإيمان والمعرفة في قلوبهم. وكانوا بشرا، فقالوا هذه المقالة. فرد عليهم غلطهم بقوله قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني اتقوا الله أن تشكّوا في قدرته. والقول الأول أصح. انتهى. وعليه فمعنى اتَّقُوا اللَّهَ من أمثال هذا السؤال، وأن توقفوا إيمانكم على رؤية المائدة إِنْ كُنْتُمْ به وبرسالتي مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات. لطيفة: في المائدة قولان: الأول- أنها الطعام نفسه، من (ماد) إذا أفضل. كما في (اللسان) وهذا القول جزم به الأخفش وأبو حاتم. أي: وإن لم يكن معه خوان. كما في (التقريب) و (اللسان) وصرح به ابن سيده في (المحكم) . قال الفاسيّ: والآية صريحة فيه، قاله أرباب التفسير والغريب. والثاني- أنها الخوان عليه الطعام. قال الفارسيّ: لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان، وصرّح به فقهاء اللغة. وجزم به الثعالبيّ وابن فارس. واقتصر عليه الحريريّ في (درة الغوّاص) وزعم أن غيره من أوهام الخواص. وذكر الفاسيّ في (شرحها) أنه يجوز إطلاق (المائدة) على (الخوان) مجرّدا عن الطعام. باعتبار أنه وضع أو سيوضع. وقال ابن ظفر: ثبت لها اسم المائدة بعد إزالة الطعام عنها. كما قيل (لقحة) بعد الولادة. وقال أبو عبيد: المائدة في المعنى مفعولة، ولفظها فاعلة. وهي مثل عيشة راضية. وقيل: من (ماد) إذا أعطى. يقال: ماد زيدا عمرا، إذا أعطاه. وقال أبو إسحاق: الأصل عندي في (مائدة) أنها فاعلة. من (ماد يميد) إذا تحرّك. فكأنها تميد بما عليها. أي: تتحرك. وقال أبو عبيدة: سميت (مائدة) لأنها ميد بها صاحبها. أي: أعطيها وتفضّل عليه بها. وفي (العناية) : فكأنها تعطي من حولها مما حضر عليها. وفي (المصباح) : لأن المالك مادها للناس. أي: أعطاهم إياها. ومثله في كتاب (الأبنية لابن القطاع) : ويقال في المائدة ميدة. قاله الجرميّ وأنشد:

стр. 1779

وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للإخوان والجيران كذا في (القاموس وشرحه) . والخوان بضم الخاء وكسرها ما يؤكل عليه الطعام كما في (القاموس) . معرّب كما في (الصحاح) و (العين) . وقيل: إنه عربيّ مأخوذ من (تخونه) أي نقص حقه. لأنه يؤكل عليه فينقص. كذا في (العناية) . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٣] قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أي آمنا. لكنا نريد الأكل منها من غير مشقة تشغلنا عن عبادة الله تعالى وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا أي فلا تعتريها شبهة لا يؤمن من ورودها، لولا مثل هذه الآية. فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلاليّ مما يوجب قوة اليقين وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا أي في دعوى النبوة، وفيما تعدنا من نعيم الجنة، مع أنها سماوية وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي فنشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا. ويؤمن بسببها كفارهم. أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر. ثم لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك. وأنهم لا يقلعون عنه، أزمع على استدعائها واستنزالها. روى ابن أبي حاتم، أنه توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلّى ما شاء الله. فلما قضى صلاته قام مستقبل القبلة. وصفّ قدميه، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره وطأطأ برأسه، خشوعا. ثم أرسل عينيه بالبكاء. فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه، من خشوعه. فعند ذلك دعا الله تعالى فقال: اللهمّ! ربنا. كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٤] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أي: يا الله المطلوب لكل مهمّ، الجامع للكمالات، الذي ربانا بها. ناداه مرتين بوصف الألوهية والربوبية، إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ. أي التي

стр. 1780

فيها ما تعدنا من نعيم الجنة تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونسرّ به، نحن الذين يدركونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها فيتقوّون في دينهم. و (العيد) العائد. مشتق من (العود) لعوده في كل عام بالفرح والسرور. وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد، قال الأعشى: فوا كبدي من لا عج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها كذا في (العناية) . وفي (القاموس) (العيد) بالكسر، ما اعتادك من هم أو مرض أو حزن ونحوه. وكل يوم فيه جمع وَآيَةً مِنْكَ أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي وَارْزُقْنا أي: أعطنا ما سألناك وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي: خير من يرزق. لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٥] قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ إجابة لدعوتكم فَمَنْ يَكْفُرْ أي: بي وبرسولي بَعْدُ أي بعد تنزيلها، المفيد للعلم الضروريّ بي وبرسولي مِنْكُمْ أيها المنعّمون بها فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي من عالمي زمانهم. أو من العالمين جميعا. روى «١» ابن جرير بسنده إلى قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ إلخ قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. روى «٢» منصور بن زاذان عن الحسن أيضا. أنه قال، في المائدة: أنها لم تنزل. وروى» ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء. أي مثل ضربه الله لخلقه. نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.

стр. 1781

قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس هو في كتابهم. ولو كانت قد نزلت، لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد والله أعلم. ثم قال: ولكن الجمهور أنها نزلت. وهو الذي اختاره ابن جرير. قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ووعد الله ووعيده حق وصدق. وهذا القول هو، والله أعلم، الصواب. كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. ومن الآثار ما أخرجه الترمذيّ «١» عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد. فخانوا وادخروا ورفعوا لغد. فمسخوا قردة وخنازير . قال الترمذيّ: وقد روي عن عمار، من طريق، موقوفا وهو أصح. وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم. قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. وقد ساق ابن كثير آثار في نزولها لا تخلو عن غربة ونكارة في سياقها، كما لا يخفى. روى الإمام أحمد «٢» عن ابن عباس قال قالت قريش للنبيّ ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم: قال فدعاه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة. ورواه الحاكم في مستدركه وابن مردويه.

стр. 1782

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٦] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل ماذا أُجِبْتُمْ توبيخ من تمرد من أممهم. وأشد الأمم افتقار إلى التوبيخ والملامة النصارى. الذي يزعمون أنهم أتباع عيسى ﵇. لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء. وطعن هؤلاء الملحدة تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق أن يوصف مقامه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد. فلا جرم، ذكر تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة. إشعارا بعبوديته، فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله، ثم أتبع ذلك باستفهامه لينطق بإقراره، ﵇، على رؤوس الأشهاد، بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله . إكذابا لهم في افترائهم عليه، وتثبيتا للحجة على قومه فهذا سر سؤاله تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك. وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول الآية ومن تأثرهم، على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم. تنبيهات: الأول: روي عن قتادة: أن هذا القول يكون يوم القيامة لقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. وقال السدّيّ: هذا الخطاب والجواب. في الدنيا وصوّبه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى السماء. واحتج ابن جرير على ذلك بوجهين: أحدهما: أن الكلام بلفظ المضيّ. و (الثاني) قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ. قال الحافظ ابن كثير: وهذان الدليلان فيهما نظر. لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضيّ ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الآية: التبرؤ منهم وردّ المشيئة فيهم إلى الله تعالى. وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه. كما في نظائر ذلك من الآيات. فالذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر. فالله أعلم أنّ ذلك كائن يوم القيامة، ليدلّ على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد.

стр. 1783

وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه، أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم. ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها فيقول: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ الآية، ثم يقول: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك! قال: فيطول شعر عيسى ﵇. فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار! قال ابن كثير: وهذا حديث غريب عزيز! الثاني: إيثار قوله تعالى أُمِّي على مَرْيَمَ توبيخ للمتخذين، على توبيخ، أي مع أنك بشر تلد وتولد قبل هذا. الثالث: توهم بعضهم أن كلمة (من دون الله) تفيد أنّ النصارى يعتقدون أن عيسى وأمه، ﵉. مستقلان باستحقاق العبادة، بدلا عن الله تعالى. كما يقال: اتخذت فلانا صديقا دوني. فإن معناه أنه استبدله به، لا أنه جعله صديقا معه. وهم لم يقولوا بذلك. بل ثلّثوا. فأجاب: بأن من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى. لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون مِنْ دُونِ اللَّهِ مجازا عن (مع الله) . ولا يخفى أن هذا تكلف. لأن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل. فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [البقرة: ١٦٥] . وقوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ- إلى قوله تعالى- سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: ١٨] . إذ به يتأتى التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت. هذا ما حققوه هنا. وأقول: إن كلمة (دون) في هذه الآية وأمثالها بمعنى (غير) كما حققه اللغويون. ولا تفيد، وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم وسر ذكرها إفهام الشركة. لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ذلك. ولا

стр. 1784

يفهم من نحو (اتّخذت صديقا من دوني) الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. وإلا فالمثال لا يعينه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفي. فتبصر قالَ سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يقال هذا وينطق به ما يَكُونُ لِي أي ما يتصور مني بعد إذ بعثتني لهداية الخلق أَنْ أَقُولَ أي في حق نفسي ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي ما استقر في قلوب العقلاء عدم استحقاقي له مما يضلهم إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ استئناف مقرر لعدم صدور القول المذكور عنه ﵇، بالطريق البرهانيّ. فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعا. فحيث انتفى علمه تعالى به، انتفى صدره عنه حتما. ضرورة. أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم. قاله أبو السعود تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي استئناف جار مجرى التعليل لما قبله. كأنه قيل: لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي. فكيف بما أعلنه؟ وقوله تعالى: وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ بيان للواقع، وإظهار لقصوره. أي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. أفاده أبو السعود إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٧] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به. وإنما قيل: ما قُلْتُ لَهُمْ نزولا على قضية حسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ تفسير للمأمور به وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ. أي: رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك، ويتأتى لي نهيهم عما أشاهده فيهم مما لا ينبغي فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي: بالرفع إلى السماء. كما في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥] . والتوفي: أخذ الشيء وافيا. والموت نوع منه. قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: ٤٢] . وسبق في قوله تعالى: يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ في (آل عمران) زيادة إيضاح على ما هنا. فتذكر كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أي: الناظر لأعمالهم. فمنعت من أردت عصمته من التفوّه بذلك. وخذلت من خذلت من الضالين، فقالوا ما قالوا: وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ اعتراض تذييليّ مقرر لما قبله. وفيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على الكل، حين كونه ﵇ فيما بينهم.

стр. 1785

تنبيه: دلت الآية على أن الأنبياء، بعد استيفاء أجلهم الدنيويّ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم. وقد روى البخاري «١» هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس! إنكم محشرون إلى الله حفاة عراة غرلا. ثم قال: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم. ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٨] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال الحافظ ابن كثير: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله . فإنه الفعال لما يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] . ويتضمن التبرؤ من النصارى الذين كذبوا على الله ورسوله. وجعلوا لله ندّا وصاحبة وولدا. تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا. انتهى. أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك. ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح. لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب. الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم. فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد. فلا امتناع فيه لذاته، ليمتنع الترديد والتعليق ب (إن) . أفاده البيضاوي. يعني أن المغفرة، وإن كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود، لكنها لما كانت بحسب العقل، تحتمل الوقوع واللاوقوع، استعمل فيها كلمة (إن) فسقط ما يتوهم

стр. 1786

أن تعذيبهم، مع أنه قطعيّ الوجود، كيف استعمل فيه (إن) وعدم وقوع العفو بحكم النص والإجماع. وفي كتب الكلام: إن غفران الشرك جائز عقلا عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة. لأن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة. وبالجملة: فليس قوله تعالى إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ تعريضا بسؤاله العفو عنهم. وإنما هو لإظهار قدرته على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته. ولذا قال: إنك أنت العزيز الحكيم، تنبيه ا على أنه لا امتناع لأحد عن عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته. قال الرازيّ: قال قوم: لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعا لهم. فلما قال: فإنك أنت العزيز الحكيم، دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه. وفي (العناية) ما ملخصه: أن ما ظنه بعضهم من أن مقتضى الظاهر الْغَفُورُ الرَّحِيمُ بدل الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كما وقع في مصحف عبد الله بن مسعود- فقد غاب عنه سر المقام. لأنه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط، لكونه جوابه. وليس كما توهم. بل هو متعلق بهما. ومن له الفعل والترك عزيز حكيم. فهذا أنسب وأدق وأليق بالمقام، أو هو متعلق بالثاني، وإنه احتراس، لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز ينافي القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة. فبيّن أن ثوابه وعقابه مع القدرة التامة والحكمة البالغة. تنبيه: قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب. وقد ورد في الحديث أن النبيّ ﷺ قام بها ليلة إلى الصباح يرددها. روى الإمام «١» أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: صلى النبيّ ﷺ ذات ليلة. فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلما أصبح قلت: يا رسول! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت. تركع بها وتسجد بها؟ قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها. وهي نائلة، إن شاء الله، لمن لا يشرك بالله شيئا.

стр. 1787

وأخرجه النسائي أيضا. وروى الإمام أحمد «١» أيضا عن أبي ذر قال: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء. فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون. فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله. فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى. فجئت فقمت خلفه فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه. ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي. وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله. فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو. وقام بآية من القرآن يرددها، حتى صلى الغداة. فلما أصبحنا اومأت إلى عبد الله بن مسعود. أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي! قمت بآية من القرآن ومعك القرآن. لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه. قال: دعوت لأمتي. قلت: فماذا أجبت؟ أو ماذا رد عليك؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة، تركوا الصلاة. قلت: أفلا أبشر الناس، قال: بلى. فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر. فقال عمر: يا رسول الله؟ إنك إن تبعث بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع. فرجع. وتلك الآية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبيّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ... الآية [إبراهيم: ٣٦] . وقول عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فرفع يديه وقال: اللهم! أمتي أمتي. وبكى. فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد. وربك أعلم، فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. ثم ختم تعالى حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل، عليهم الصلاة والسلام، مع الإشارة إلى نتيجة ذلك ومآله بقوله تعالى:

стр. 1788

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١١٩] قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) قالَ اللَّهُ هذا أي: يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لأنه يوم الجزاء. والمراد ب (الصّادقين) المستمرون على الصدق في الأمور الدينية، التي معظمها التوحيد، الذي الآية في صدده. وفيه شهادة بصدق عيسى ﵇ فيما قاله، جوابا عن قوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية. وقوله تعالى: لَهُمْ جَنَّاتٌ تفسير للنفع المذكور. ولذا لم يعطف عليه، أي: لهم بساتين من غرس صدقهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي: من تحت شجرها وسررها الْأَنْهارُ أنهار الماء واللبن والخمر والعسل خالِدِينَ فِيها مقيمين لا يموتون ولا يخرجون أَبَداً ﵃ لصدقهم وَرَضُوا عَنْهُ تحقيقا لصدقهم. فلم يسخطوا لقضائه في الدنيا ذلِكَ أي: الخلود والرضوان الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي: الكبير الذي لا أعظم منه. كما قال تعالى: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [الصافات: ٦١] . وكما قال تعالى: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: ٢٦] ، وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ١٢٠] لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا في المسيح وأمه. وذلك من تقديم الظرف. لأنه المالك لا غيره. فلا شريك له. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: مبالغ في القدرة. فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته ومشيئته. فلا نظير له ولا وزير. لا إله غيره ولا رب سواه. روى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. أخرجه الترمذي «١» والحاكم. وأخرجا أيضا عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت المائدة والفتح- كذا في (الإتقان) -. كمل ما قدره تعالى على عبيده من محاسن تأويل هذه السورة الشريفة بعد عصر يوم الجمعة في ١٩ رمضان عام ١٣٢٠ في السدّة اليمنى العليا من جامع السنانية. والحمد لله ربّ العالمين

стр. 1789

سورة الأنعام وهي مكية. وهي مائة وخمس وستون آية. روى العوفيّ وعكرمة وعطاء عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الأنعام بمكة. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية، نزلت جملة واحدة، نزلت ليلا وكتبوها من ليلتهم، غير ست آيات منها، فإنها مدنيات، وهي قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام: ١٥١- ١٥٣] . إلى آخر الثلاث آيات. وقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١] . الآية. وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الأنعام: ٢١- ٢٢] إلى آخر الآيتين. وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين، وهما قوله تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام: ١١٤] . الآية. وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [الأنعام: ٢٠] . الآية. وروي عن ابن عباس أيضا وقتادة أنهما قالا: إنها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة، قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١] . وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ [الأنعام: ١٤١] الآية. قال البيهقيّ في (الدلائل) : في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة، فألحقت بها. وكذا قال ابن الحصار: كل نوع من المكيّ والمدنيّ، منه آيات مستثناة. قالا: إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل. ثم ناقش هذه الآيات، قال: ولا يصح به نقل، خصوصا ما ورد أنها نزلت جملة. وردّ عليه السيوطيّ بأنه صح النقل عن ابن عباس، باستثناء: قُلْ تَعالَوْا

стр. 1790

[الأنعام: ١٥١- ١٥٣] . الآيات الثلاث، والبواقي: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١] ، لما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلت في مالك بن الصيف. وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الأنعام: ٢١] . نزلتا في مسيلمة، وقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [الأنعام: ٢٠] . وقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: ١١٤] . وأخرج أبو الشيخ عن الكلبيّ قال: نزلت الأنعام كلها بمكة، إلا آيتين نزلتا بالمدينة في رجل من اليهود، وهو الذي قال: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١]- كذا في (اللباب) و (الإتقان) . ومن خصائص هذه السورة ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا، جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك، يجأرون بالتسبيح. وروى السدّي عن ابن مسعود قال: نزلت سورة الأنعام يشيّعها سبعون ألفا من الملائكة. وروي نحوه من وجه آخر عنه أيضا. روى الحاكم في (مستدركه) عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبّح رسول الله ﷺ ثم قال: لقد شيّع هذه السورة من الملائكة ما سدّ الأفق . ثم قال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : نزلت سورة الأنعام معها موكب الملائكة سدّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج، ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم؟ سبحان الله العظيم! وأخرج أيضا عن ابن عمر: قال: قال رسول الله ﷺ : نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيّعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد. قال الرازيّ: قال الأصوليون: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة: أحدهما- أنها نزلت دفعة واحدة. والثاني- أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة. والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة. وأيضا فإنزال ما يدل على الأحكام، قد تكون المصلحة أن ينزله الله تعالى قدر حاجتهم، وبحسب الحوادث والنوازل. وأما ما يدل على علم الأصول، فقد أنزله الله تعالى جملة واحدة، وذلك
следующие страницы →