← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

قال الكمال بن أبي شريف: عطفهما- يعني الإياس والأمن- في الحديث على (الإشراك بالله) المحمول على مطلق الكفر، ظاهر في أنهما غير الكفر. وقال أيضا. مراد الشافعية بكونه كبيرة، أن من غلب عليه الرجاء غلبة دخل بها في حد الأمن من المكر، كمن استبعد العفو عن ذنوبه لعظمها استبعادا دخل به في حد اليائس. وأما من كان أمنه لاعتقاد أن لا مكر، كمن كان يأسه لإنكار سعة الرحمة ذنوبه. فينبغي أن يكون كل منهما كافرا عند الشافعية أيضا، ويحمل عليه نص القرآن- انتهى-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٠] أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) أَوَلَمْ يَهْدِ أي يتبين لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أي المأخوذين. أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي كما أصبنا من قبلهم فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي نختم عليها فلا يقبلون موعظة ولا إيمانا. قال أبو البقاء: يقرأ (يهد) بالياء وفاعله (أن لو نشاء) . و (أن) مخففة من الثقيلة. أي: أو لم يبين لهم علمهم بمشيئتنا. ويقرأ بالنون. و (أن لو نشاء) مفعوله. وقيل: فاعل (يهدي) ضمير اسم الله تعالى- انتهى-. ويؤيده قراءة النون. وجوز أن يكون ضميرا عائدا على ما يفهم مما قبله، أي: أولم يهد ما جرى للأمم السابقة. وتعدية (يهد) باللام، لأنه بمعنى (يبين) إما بطريق المجاز، أو التضمين. قال الشهاب: وإنما جعل بمعنى (يبين) ، وإن كان (هدى) يتعدى بنفسه، وباللام وبإلى- لأن ذلك في المفعول الثاني لا في الأول، كما هنا، فهذا استعمال آخر. وقيل: لك أن تحمل اللام على الزيادة، كما رَدِفَ لَكُمْ [النمل: ٧٢] والمراد ب (الذين) أهل مكة ومن حولها، كما نقل عن ابن عباس ﵄ انتهى-. وقوله تعالى:

стр. 2207

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠١] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) تِلْكَ الْقُرى أي المذكورة وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها مما يدل على مؤاخذتهم بذنوبهم لإصرارهم عليها بعد التنبيه. ثم بين تعالى أنه أعذر إليهم بأن بيّن لهم بالحجج على ألسنة الرسل بقوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بالبينات والدلائل القاطعة بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ أي بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، إذ تمرنوا على التكذيب، فلم تفدهم الآيات، واستوت عندهم الحالتان، كقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... الآية [الأنعام: ١٠٩- ١١٠]- ولهذا قال كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ أي من المذكورين وغيرهم، فلا يكاد يؤثر فيها الآيات والنذر، لما علم أنهم يختارون الثبات على الكفر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٢] وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي من وفاء عهد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ أي: خارجين عن الطاعة مارقين، فلذلك أخذناهم. قال الزمخشري: الضمير (للناس) على الإطلاق، أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد. يعني: أن أكثر الناس نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى. والآية اعتراض. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا، إذا عاهدوا الله في ضرّ ومخافة، لئن أنجيتنا لنؤمنن، ثم نجاهم، نكثوا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٣] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: الرسل المتقدم ذكرهم، وهم نوح وهود وصالح

стр. 2208

ولوط وشعيب، أو الأمم المحكية من بعد هلاكهم مُوسى بِآياتِنا وهي العصا، واليد البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، حسبما يأتي مفصلا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر في عهد موسى وَمَلَائِهِ أي قومه فَظَلَمُوا بِها أي كفروا بها. أجرى الظلم مجرى الكفر في تعديته بالباء، وإن كان يتعدى بنفسه، لأنهما من واد واحد. إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] . أو هو بمعنى الكفر مجازا أو تضمينا، أي: كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان، لأنه أوتي الآيات لتكون موجبة للإيمان بما جاء به. فعكسوا، حيث كفروا فوضعوا الشيء في غير موضعه، أو الباء سببية، ومفعوله محذوف، أي ظلموا أنفسهم بسببها، بأن عرضوها للعذاب الخالد. أو ظلموا الناس لصدّهم عن الإيمان بها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا، كما يشير له قوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي لعقائد الخلق، أفسد الله عليهم ملكهم، وآتاه أعداءهم، فأغرقهم عن آخرهم، وبمرأى من موسى وقومه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٤] وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أرسلني إليك الذي هو خالق كل شيء وربه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٥] حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي جدير بذلك وحري به، لما علمت من حالي. والباء و (على) يتعاقبان. يقال: رميت بالقوس وعلى القوس. وجاء على حال حسنة وبحال حسنة. وقرأ أبيّ ﵁ (حقيق بأن لا أقول) قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي آية منه تشهد على صدقي فيما جئتكم به بالضرورة فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ روي أنه تعالى أمره أن يأتي فرعون ويقول له: إن إلهنا أمرنا أن نسير ثلاثة أيام في البرّية، ونقرّب له قرابين ونعبده. وقد علم تعالى أن فرعون لا يدعهم يمضون، ولكن ليظهر آياته على يد موسى، ويهلك عدوّه. فلما

стр. 2209

أتى موسى فرعون وكلمه في أن يرسل معه قومه، أنكر أمر الرب له، وقال: لماذا نعطل الشعب عن أعماله؟ وكانوا مسخرين لفرعون في عمل اللبن، وأمر بزيادة عملهم، بأن يجمعوا التبن من أنفسهم، بعد أن كانوا يعطونه من قبل فرعون. ثم طلب فرعون من موسى آية، كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٦] قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٧] فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) فَأَلْقى عَصاهُ التي هي جماد فَإِذا هِيَ أي من غير سترة ولا معالجة سبب ثُعْبانٌ أي حية كبيرة هائلة، فاضت عليه الحياة لتدل على فيضان الحياة العظيمة على يديه مُبِينٌ أي ظاهر لا متخيّل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٨] وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) وَنَزَعَ يَدَهُ أي أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي بيضاء بياضا نورانيّا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظارة تعجبا من أمرها. فيدلّ على أنه يظهر على يديه شرائع تغلب أنوارها المعنوية الأنوار الحسية، ويتقوى بها الحياة بالله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٩] قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أي الأشراف يكرهون شرف الغير عليهم، في دفع هذه الآيات الظاهرة عن خواطر الخلق إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي ماهر فيه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٠] يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أي من أرض مصر بسحره ليتملك عليها

стр. 2210

فَماذا تَأْمُرُونَ أي تشيرون في أمره. وهذا من تمام الحكاية عن قول الملأ، أو مستأنف من قول فرعون، تقديره فقال: ماذا تأمرون؟ ويدل عليه قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١١] قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخّر أمرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما، وتدبر شأنهما، لئلا تنسب إلى الظلم الصريح. قال أبو منصور: والأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر، وهو الهمّ بقتله، فقالوا أخّره ليتبين حاله للناس، وأصل أَرْجِهْ أرجئه، كما قرئ كذلك. من (أرجأت) وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ أي مدائن الصعيد من نواحي مصر حاشِرِينَ أي من يحشر لك السحرة ويجمعهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٢] يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ وقرى (سحّار) عَلِيمٍ أي ماهر في باب السحر، ليعارضوا موسى ما أراهم من البينات. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على عظيم معجزة لموسى، وتدل على جهل فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه غير الله تعالى، حتى نسبوه إلى السحر. وتدل على أن عادة البشر، أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه. فلذلك دعا فرعون بالسحرة. فدل على أن العرب لو قدروا على مثل القرآن، لعارضوه. وتدل على أن الطريق في المعجزات، المعارضة بإتيان مثله، ولذلك قال تعالى في القرآن: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨] . ولذلك لم يتكلف فرعون وقومه غير المعارضة وإيقاع الشبه. وتدل أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، لذلك قالوا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك الدين، المحافظة على الرياسة والمال والجاه، كما هو عادة الناس في هذا الزمن. انتهى. ثم تسابقت شرط فرعون، فحشروهم. كما قال تعالى:

стр. 2211

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٣] وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٤] قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ولما توثقوا من فرعون. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٥] قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ أي أول من ألقى، كما في الآية الأخرى. قيل خّيروا موسى إظهارا للجلادة، فلم يبالوا بتقدمه أو تأخره. وقال الزمخشريّ تخييرهم إياه أدب حسن، راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٦] قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) قالَ أي: موسى لهم أَلْقُوا أي ما أنتم ملقون. وإنما سوغ لهم التقدم ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الإلهيّ، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي خيلوا لها ما ليس في الواقع وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي وخوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر، كما في الآية الأخرى: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: ٦٦- ٦٨] . وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي: في باب السحر، أو في عين من رآه، فإنه ألقى كل واحد عصاه، فصارت العصي ثعابين.

стр. 2212

تنبيه: قال الجشمي: تدل الآيات على أن القوم أتوا بما في وسعهم من التمويه، وكان الزمان زمان سحر، والغالب عليهم الاشتغال به، فأتى موسى ﵇ من جنس ما هم فيه، ما لم يقدر عليه أحد، ليعلموا أنه معجز وليس بسحر. وهكذا ينبغي في المعجزات أن تكون من جنس ما هو شائع في القوم، ويتعذر عليهم مثله. وكان الطب هو الغالب في زمن عيسى، فجاء بإحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، وليس في وسع طبيب. وكان الغالب في زمن نبيّنا ﵇ الفصاحة والخطب والشعر، فجاء القرآن وتحداهم به. وتدل على أنهم بالحيل جعلوا الحبال والعصيّ متحركة حتى أوهموا أنها أحياء. ولكن لما وقف على أصل ما فعلوه وعلم، وكان مثله مقدورا لكل من يتعاطى صناعتهم، علم أنه شعبذة. ولهذا تتفارق المعجزة والشعبذة. أنه يوقف على أصلها، ويمكن إتيان مثلها، ويخفى أمرها، بخلاف المعجزة. ثم قال: وتدل على اعتراف فرعون بالذل والضعف، حيث استغاث بهم وبمهنتهم لدفع مكروه. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٧] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تبتلع ما يَأْفِكُونَ أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق، وهو باطل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٨] فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَوَقَعَ الْحَقُّ أي ثبت الإعجاز وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي من السحر لإبطال الإعجاز. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١٩] فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي في مكان الوعد الذي اجتمع فيه أهل مصر بدعوته، لظنه

стр. 2213

غلبة السحرة وَانْقَلَبُوا أي رجعوا صاغِرِينَ أي: ذليلين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٠] وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢١] قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٢] رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ. قال الجشمي: دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال. وتدل على أنهم بتلك الآيات استدلوا على التوحيد والنبوة، لذلك اعترفوا بهما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٣] قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا أي الصنع لَمَكْرٌ أي حيلة مَكَرْتُمُوهُ أي دبرتموه أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ أي في مصر قبل الخروج للميعاد لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وعيد أجمله ثم فصله بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٤] لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل جانب، عضوا مغايرا للآخر، كاليد من أحدهما، والرجل من آخر.

стр. 2214

قال الشهاب: مِنْ خِلافٍ حال، أي مختلفة. وقيل مِنْ تعليلية متعلقة بالفعل، أي لأجل خلافكم، وهو بعيد. ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أي تفضيحا لكم. وتنكيلا لأمثالكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٥] قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي فلا نبالي بما تهددنا به، لأنه هو الذي يقربنا إلى من آمنا به، فيحيينا بحياة خير من الحياة الدنيوية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٦] وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا أي ما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله. أي وما عبته وأنكرته هو أعظم محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي أفض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي ثابتين على الإسلام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٧] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أي خوفا من انقلاب الخلائق عليهم حين رأوا السحرة جاهروا بالإسلام، ولم يبالوا بالتوعد أَتَذَرُ أي أتترك مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي في أرض مملكتك بتغيير الناس عنك وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ الآلهة جمع (إله) ، بمعنى المعبود. وكان للمصريين آلهة كثيرة منها المسمى (أوسيرس) وكانوا يعتقدون أن روحه توجد في الثور المسمى (أبيس) ، فيعبدونه أيضا، ويعبدون كثيرا من الحيوانات. وكانوا يعبدون الظلام أيضا، ويعبدون (بعلز بوب) صنم (عقرون) يعتقدون أن وظيفته طرد الذبان. وبالجملة فقد فاقوا كل من سواهم في الضلال، فكانوا يسجدون للشمس والقمر والنجوم والأشخاص البشرية

стр. 2215

والحيوانات، حتى الهوامّ وأدنى حشرات الأرض. هكذا حكى عنهم بعض المدققين. وقد ذكر الشهرستانيّ في (الملل والنحل) أن فرعون كان أول أمره على مذهب الصابئة، ثم انحرف عن ذلك، وادعى لنفسه الربوبية، إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال والاستخدام. انتهى. وتقدم في سورة البقرة بيان مذهب الصابئة. فتذكّر. وقال بعضهم: إن كلمة (الآلهة) لفظة اصطلاحية عند العبرانيين، يراد بها القضاة والحكام الذين يقضون بأمر الله، وأنها لو حملت على هذا هاهنا، لم يبعد، ويكون المعنى: وبذرك وقضاتك وذوي أمرك، ويكون الغرض من ذكرهم معه تهويل الأمر، وإلهاب قلب فرعون على موسى، وإثارة غضبه. وقد صرح غير واحد بوقوع ألفاظ من غير العربية في القرآن، كما نقله السيوطي في النوع الثامن والثلاثين من (الإتقان) - انتهى- والأظهر ما قدمناه أولا. قالَ سَنُقَتِّلُ قرئ بالتخفيف والتشديد أَبْناءَهُمْ المولودين وَنَسْتَحْيِي أي نستبقي نِساءَهُمْ أي للاستخدام وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي بالغلبة والقدرة عليهم، ففعلوا بهم ذلك، فشكا بنو إسرائيل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٨] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا أي على أذاهم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها أي يعطيها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني أن النصر والظفر للمتقين على عدوّهم. وكان تعالى وعد موسى بأنه سيطرد المصريين من أرضهم، ويهلكهم وينجي قومه من عذاب آل فرعون لهم. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآيات على أن قوم فرعون، لما عجزوا عن موسى في آياته، عدلوا إلى إغراء فرعون بموسى، وأوهموه أن تركه فساد في الأرض، وأنه عند ذلك أوعده. وذلك من أدلّ الدليل على نبوة موسى، لأن قتل صاحب المعجزة لا يقدح في معجزته، ولهذا قال مشايخنا: إن العرب لما عدلوا عن معارضة القرآن، التي في إيرادها إبطال أمر النبي ﷺ ، إلى القتال، الذي لا يفيد ذلك- دلّ على عجزهم. وهكذا حال كل ضالّ مبتدع، إذا أعيته الحجة، عدل إلى التهديد والوعيد. وتدل على أن عند الخوف من الظّلمة يجب الفزع إلى الله تعالى، والاستعانة به، والصبر.

стр. 2216

ولا مفزع إلا في هذين: وهو الانقطاع إلى الله تعالى بطلب المعونة في الدفع، واللطف له في الصبر. وتدل على أن العاقبة المحمودة تنال بالتقوى، وهي اتقاء الكبائر والمعاصي. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢٩] قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) قالُوا أي قوم موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا أي فعلوا بنا من الهوان والإذلال من قبل بعثتك وبعدها. ثم صرح لهم موسى بما رمز إليه من البشارة قبل قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ أي فرعون وجنوده وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي فيرى الكائن منكم من العمل، حسنه وقبيحه، وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. ثم بيّن تعالى ما أحلّ بفرعون وقومه من الضرّاء، لما تأبى عن إجابة موسى وإرسال قومه معه، بقوله سبحانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٠] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي بالجدب والقحط وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر إلى أمر موسى. وذلك لأن الشدة ترقّق القلوب، وترغّب في الضراعة إلى الله تعالى. قال الجشمي: تدل الآية على أن الشدة والبؤس قد يكونان لطفا وصلاحا في الدين، لذلك قال: لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن عليهم، والشدائد، لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣١] فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي الصحة والخصب قالُوا لَنا هذِهِ أي لأجلنا

стр. 2217

واستحقاقنا، ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم، فيشكروه على إنعامه وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ شدة يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي يتشاءموا. وأصله (يتطيروا) . يعني أنهم يقولون: هذه بشؤمهم أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي شدتهم، وما طار إليهم من القضاء والقدر عند الله، لا عند غيره، أي من قبله تعالى وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي أن ما أصابهم من الله تعالى، ما يقولون، مما حكى عنهم. ثم أخبر تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوّهم، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٢] وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين بالرسالة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٣] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ أي على آل فرعون. وأما قوم موسى فلطف تعالى بهم، فلم ينلهم ولا محالّهم سوء من الطوفان ولا غيره. والطوفان (لغة) هو المطر الغالب، ويطلق على كل حادثة تطيف بالإنسان وتحيط به، فعمّ الطوفان الصحراء، وأتلف عشبها، وكسر شجرها، وتواصلت الرعود والبروق، ونيران الصواعق في جميع أرض مصر وَالْجَرادَ فأكل جميع عشب أرض مصر والثمر، مما تركه الطوفان، حتى لم يبق شيء من ثمرة ولا خضرة في الشجرة، ولا عشب في الصحراء وَالْقُمَّلَ فعمّ أرض مصر، وكان على الناس والبهائم، وهو بضم وتشديد ك (سكّر) صغار الذرّ، أو شيء صغير بجناح أحمر. أو دوابّ صغار من جنس القردان، أو الدبي الذي لا أجنحة له، وهو الجراد الصغار. قال أبو البقاء: (القمّل) يقرأ بالشديد والتخفيف مع فتح القاف وسكون الميم. قيل: هما لغتان. قيل: هما القمل المعروف في الثياب ونحوها، والمشدد يكون في الطعام- انتهى. وردّ ابن سيده، وتبعه المجد في (القاموس) القول بأن المراد به قمل الناس.

стр. 2218

وَالضَّفادِعَ فصعدت من الأنهار والخلج والمناقع، وغطّت أرض مصر وَالدَّمَ فصارت مياه مصر جميعها دما عبيطا، ومات السمك فيها، وأنتنت الأنهار، ولم يستطع المصريون أن يشربوا منها شيئا آياتٍ مُفَصَّلاتٍ أي مبينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته، أو مفرقات بعضها إثر بعض. و (آيات) حال من المنصوبات- قبل فَاسْتَكْبَرُوا أي عن الإيمان، فلم يؤمنوا لموسى. ويرسلوا معه بني إسرائيل وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ أي عاصين كافرين. قال الجشمي: تدل الآية على عناد القوم، وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد، أنهم لا يؤمنون بها، وليس هذه عادة من غرضه الحق. وتدل على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها. وتدل على وجوب التدبر في الآيات. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٤] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي نزل بهم العذاب المفصل قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بعهده عندك، وهو النبوة. ف (ما) مصدرية. قال الشهاب: سمّيت النبوة عهدا، لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقا تحفظ، كما تحفظ العهود. أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى- انتهى-. لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي الذين أرسلت لطلبهم، ليعبدوا ربهم تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٥] فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني إلى الوقت الذي أجّل لهم، وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليمّ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي ينقضون العهد الذي التزموه، فلم يفوا به. فإن فرعون كان كلما حلّ بمصر نقمة مما تقدم، يدعو موسى،

стр. 2219

ويطلب منه أن يشفع إلى الله تعالى بكشفها، ويعده أنها إذا كشفت أطلق شعبه لعبادته تعالى، حتى إذا كشفت أخلف ما وعد، وقسا قلبه. ولما لم يتعظوا بما شاهدوه مما تقدم، أتتهم النقمة القاضية، كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٦] فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي البحر بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم، وعدم تفكرهم ومبالاتهم بها. وقد روي أن فرعون، بعد أن أبصر ما أبصر من الضربات الربانية على مصر، أذن لموسى وقومه أن يخرجوا من مصر، ليقيموا عبادة الله تعالى حيث شاؤوا، فارتحل بنو إسرائيل على عجل ليلا، وساروا بكل ما معهم من غنم وبقر ومواش، من عين شمس إلى (سكّوت) وسلكوا طريق برية البحر الأحمر، ولما سمع فرعون بارتحالهم، ندم على ما فعل، من إطلاقهم من خدمته، فجمع جيشه ومراكبه الحربية، ولحقهم فأدركهم، وكانوا قد وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر. حينئذ خاف الإسرائيليون، وأخذوا يتذمرون على موسى، فقال لهم: لا تخافوا، إن الله معنا. ثم أمر تعالى موسى، فمد يده إلى البحر الأحمر، فانشق ماؤه، وصار فيه طريق واسعة، وأرسل الله ريحا شرقية شديدة، فيبس قعره، فعبر فيه الإسرائيليون، والماء عن يمينهم وشمالهم، فتبعهم فرعون وجنوده وتوسطوا البحر، فمدّ موسى يده، بإذن الله، على البحر، فارتدّ ماؤه سريعا، وغمر فرعون وجنوده ومراكبه، فغرقوا جميعا، ثم طفت جيفهم على وجه الماء، وانقذفت إلى الساحل، فشاهدها الإسرائيليون عيانا. هذا ملخص ما روي هنا. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية أنه تعالى أهلكهم بعد أن أزاح العلة بالآيات، وتدل على أن ما أصابهم كان عقوبة وجزاء على فعلهم، وتدل على قبح الاعتراض على آيات الله، وتدل على وجوب النظر، وتدل على أن النكث فعلهم، والاعراض، فلذلك عاقبهم عليهما. انتهى.

стр. 2220

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٧] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أي بالاستعباد وقتل الأبناء. وفي التعبير عنهم بهذا، إظهار لكمال لطفه تعالى بهم، وعظيم إحسانه إليهم، وفي رفعهم من حضيض المذلة إلى أوج العزة مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا أي الأرض المقدسة، أي جوانبها الشرقية والغربية، حيث ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا في أكنافها حيث شاءوا. وقوله تعالى: الَّتِي بارَكْنا فِيها أي بالخصب وسعة الأرزاق وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي مضت واستمرت عليهم، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه. قال الزمخشري: وحسبك به حاثّا على الصبر، ودالّا على أن من قابل البلاء بالجزع، وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. وعن الحسن: عجبت ممن خفّ كيف خفّ، وقد سمع قوله تعالى- وتلا الآية- ومعن (خفّ) طاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزن أولي الصبر. وَدَمَّرْنا أي خربنا وأهلكنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أي ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (بكسر الراء وضمها) أي من الجنّات. أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان. وهذا كما قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٥- ٦] . وقال تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: ٢٥- ٢٨] . قال الزمخشري: وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله، وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل، وما أحدثوه بعد

стр. 2221

إنقاذهم من ملكة فرعون، واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر: من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والعاصي، ليعلم حال الإنسان وأنه، كما وصفه لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] ، جهول كنود، إلا من عصمه الله وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] ، وليسلّي رسول الله ﷺ مما أري من بني إسرائيل بالمدينة، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٨] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي الذي أغرق فيه أعداءهم، وهو بحر القلزم ك (قنفذ) ، بلد كان في شرقيّ مصر، قرب جبل الطور، أضيف إليه، لأنه على طرفه، ويعرف البلد الآن ب (السويس) ومن زعم أن البحر هو نيل مصر، فقد أخطأ، كما في (العناية) . فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ قرئ بضم الكاف وكسرها عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي شأن الألوهية وعظمتها، وأنه لا يستحقها إلا الله وحده. قال البغوي ﵀: ولم يكن ذلك شكّا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى. وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٩] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) إِنَّ هؤُلاءِ يعني عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك ما هُمْ فِيهِ أي من الشرك وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي عبادة الأصنام، وإن كان قصدهم بذلك التقرب إلى الله تعالى، فإنه كفر محض. قال الرازي: أجمع كلّ الأنبياء، ﵈، على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقد أن عبادته تقرب إلى الله

стр. 2222

تعالى، لأن العبادة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر منه غاية الإنعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها. والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به. انتهى. وعن أبي واقد الليثي ﵁: أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة حنين مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم يقال لها (ذات أنواط) فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ والذي نفسي بيده! لتركبنّ سنن من كان قبلكم- أخرجه الإمام أحمد «١» والترمذيّ «٢» وابن جرير وغيرهم-. وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. وقال الحافظ أبو شامة الشافعي الدمشقي في كتاب (البدع والحوادث) : وقد عم الابتلاء بتزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظّمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر. ثم شرح شجرة مخصوصة فقال: ما أشبهها بذات أنواط، التي في الحديث. وروى ابن وضاح في كتابه قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعت، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. ولهذا البحث تتمة مهمة في (إغاثة اللهفان) لابن القيّم. فلتنظر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٠] قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) قالَ أي موسى، مذكّرا لقومه نعمه تعالى عليهم، الموجبة لتخصيصه

стр. 2223

تعالى بالعبادة أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أي أطلب لكم معبودا. يقال: أبغاه الشيء طلبه له، ك (بغاه إياه) ، يتعدى إلى مفعولين، وليس من باب الحذف والإيصال. وفي الحديث «١» : أبغني أحجارا أستطيب بها، بهمزة القطع والوصل. وقال الشاعر: وكم آمل من ذي غنى وقرابة ... لتبغيه خيرا وليس بفاعل والاستفهام في الآية للإنكار والتعجب والتوبيخ وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي والحال، أنه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤١] وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي: من فرعون وقومه يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يكلفونكم إياه، أو يولونكم إياه، يقال: سامه الأمر يسومه، كلفه إياه وجشمه وألزمه. أو أولاه إياه يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي فنجاكم منه وحده، من غير شفاعة أحد. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على أن هلاك الأعداء نعمة من الله يجب مقابلتها بالشكر. وتدل على أن المحن في الأولاد والأهل بمنزلة المحن في النفس، ويجري مجراه. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٢] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً روي أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر، نزلوا في برّية طور سيناء، وكانت مدة خروجهم إلى أن نزلوا شهرا ونصفا. ولما نزلوا تلقاء الجبل، صعد موسى إليه،

стр. 2224

وسمع كلامه تعالى وأوامره ووصاياه.. ثم انحدر موسى إلى قومه، وأعلمهم بما أمروا به، وصاروا يشاهدون على الجبل ضبابا، وصوت رعود، وبروقا. ثم أمر تعالى موسى أن يصعد إلى الجبل ليؤتيه الشرائع التي كتبها على قومه. فصعد موسى الجبل، وكان مغطى بالغمام، فدخل موسى في وسط الغمام وأقام في الجبل أربعين يوما، لم يأكل ولم يشرب، لما أمدّ من القوة الروحانية، والتجليات القدسية، وأوتي في برهتها الألواح التي كتبت فيها شرائعهم، ولما رجع إلى قومه، كان على وجهه أشعة نور مدهشة، فخافوا من الدنوّ منه. فجعل على وجهه برقعا، فكان إذا صعد الجبل للمناجاة، رفعه، وإذا أتاهم وضعه. والله أعلم. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ أي حين توجه للمناجاة اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي: كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي لا تتبع من سلك الإفساد ولا تطع من دعاك إليه. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على أنه استخلف هارون عند خروجه، لما رأى أنهم أشد طاعة له، وأكثر قبولا منه، ومخاطبات موسى ﵇ لهارون وجوابه له كقوله: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه: ٩٣] ، وقول هارون تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي [طه: ٩٤] فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [الأعراف: ١٥٠] كل ذلك كالدال على أن موسى كان يختص بنوع من الولاية، وإن اشتركا في النبوة. والظاهر أنه استخلفه إلى أن يرجع، لأنه المعقول من الاستخلاف عند الغيبة. وتدل على أنه يجوز أن ينهاه عن شيء يعلم أنه لا يفعله، ويأمره بما يعلم أنه سيفعله، عظة له، واعتبارا لغيره، وتأكيدا ومصلحة للجميع. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٣] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي حضر الجبل لوقتنا الذي وقّتنا له وحددنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي خاطبه من غير واسطة ملك قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي

стр. 2225

وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي أي لن تطيق رؤيتي، لأن هذه البنية الآدمية في هذه النشأة الدنيوية، لا طاقة لها بذلك، لعدم استعدادها له. بل ما هو أكبر جرما، وأشد خلقا وصلابة- وهو الجبل- لا يثبت لذلك، بل يندكّ. ولذا قال تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ أي الذي هو أقوى منك فَإِنِ اسْتَقَرَّ أي ثبت مكانه، حين أتجلى له، ولم يتزلزل فَسَوْفَ تَرانِي، أي تثبت لرؤيتي، إذا تجليت عليك، وإلا فلا طاقة. وفيه من التلطيف بموسى، والتكريم له، والتنزل القدسي- ما لا يخفى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: ظهر له وبان- قاله الزجاج- جَعَلَهُ أي: التجلي دَكًّا أي مفتّتا، فلم يستقر مكانه. فنبه تعالى على أن الجبل، مع شدته وصلابته، إذا لم يستقر، فالآدميّ مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. وفيه تسكين لفؤاد موسى، بأن المانع من الانكشاف الإشفاق عليه، وأما أن المانع محالية الرؤية، فليس في القرآن إشارة إليه وَخَرَّ أي وقع مُوسى صَعِقاً أي مغشيا عليه من هول ما رأى فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ أي من الإقدام على سؤالي الرؤية وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي بأنه لا يستقر لرؤيتك أحد في هذه النشأة. قال في (الانتصاف) : إنما سبح موسى ﵇ لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق. فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم، سبح الله، وقدس علمه وخبره عن الخلف. وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزها مبرأ من كل ما ينحط به. ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل. وقد ورد: (سيئات المقربين، حسنات الأبرار) . تنبيه: قال المتكلمون: دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين: الأول- أن سؤال موسى ﵇ الرؤية يدل على إمكانها. لأن العاقل، فضلا عن النبيّ ﷺ ، لا يطلب المحال. ولا مجال للقول بجهل موسى ﵇ بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله، لا يصلح للنبوة. إذ الغرض من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة، والأعمال الصالحة. ولا ريب في نبوة موسى ﵇، وأنه من أولي العزم. الثاني- أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه،

стр. 2226

والمعلق على الممكن ممكن، لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به. والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله أَرِنِي أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا- خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول ب (إلى) نص في الرّؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروريّ لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى ﵇، كان سألها لقومه حيث قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] ، فسأل ليعلموا امتناعها- فإنه خلاف الظاهر، وتكلّف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية. وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة، بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح، عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة. قال في فتح البيان: رؤيته تعالى في الآخرة، ثبتت بها الأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة. والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة. ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه، وأدرك عليه أباه، وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة- يوقع في التعصب. والمتعصب، وإن كان بصره صحيحا، فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه، وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجّا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية: يأبى الفتى إلا اتّباع الهوى ... ومنهج الحقّ له واضح - انتهى-. وهذا تعريض بالمعتزلة، وفي مقدمتهم الزمخشري. وقد انتقل، عفا الله عنه، أخيرا إلى هجاء أهل السنة بما أنشده: لجماعة سمّوا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا ... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه

стр. 2227

والبلكفة نحت، كالبسملة، أي بقولهم (بلا كيف) قال في (الانتصاف) : ولولا الاستنان بحسّان بن ثابت الأنصاريّ، صاحب رسول الله ﷺ وشاعره، والمنافح عنه، وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين ب (العدلية) وب (الناجين) سلاما، ولكن كما نافح حسان عن رسول الله ﷺ أعداءه، فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله ﷺ أعداءهم، فنقول: وجماعة كفروا برؤية ربّهم ... حقّا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقّبوا عدليّة. قلنا: أجل ... عدلوا بربهم. فحسبهمو سفه وتلقّبوا الناجين. كلّا! إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه وقال أبو حيّان في الرد عليه: شبهت جهلا صدر أمة أحمد ... وذوي البصائر بالحمير الموكفه وجب الخسار عليك. فانظر منصفا ... في آية الأعراف فهي المنصفه أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه إن الوجوه إليه ناظرة. بذا ... جاء الكتاب. فقلتم: هذا سفه نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهوى الهوى بك في المهاوى المتلفة وقال العلامة الجاربردي: عجبا لقوم ظالمين تستّروا ... بالعدل. ما فيهم لعمري معرفه قد جاءهم من حيث لا يدرونه ... تعطيل ذات الله مع نفي الصّفه وقد ساق السبكي في (طبقاته) في ترجمة الجاربرديّ عدة قصائد ومقاطيع في الرد عليه، ثم ذكر الله تعالى أنه خاطب موسى باصطفائه، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٤] قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي اخترتك على أهل زمانك، وآثرتك عليهم بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي أي: وبتكليمي إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي ما أعطيتك من شرف النبوة والمناجاة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي على النعمة في ذلك.

стр. 2228

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٥] وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ من الحلال والحرام فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي بعزم على العمل بما فيها وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي بما أمروا به دون ما نهوا عنه سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ وهي الأرض التي وعدوا بها من فلسطين، فإنهم لم يعطوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر، وبقائهم في البرّية. فإن موسى ﵇، لما مات، خلفه يشوع بن نون، فحارب الأمم والملوك الذين كانوا يسكنون أرض كنعان، وفتح بلادهم، وصارت ملكا للإسرائيليين. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على حدوث كلامه، لأن قوله: اصْطَفَيْتُكَ أي اختصصتك به، ولو كان قديما لكان موسى وغيره سواء، ولما صحّ الاختصاص. ويدل قوله: وَكَتَبْنا أنه أعطاه التوراة مكتوبة في الألواح عند الميقات، لتكون محروسة، وليبلغه الحاضرون إلى الباقين، ليقع لهم العلم ضرورة. ويدل على أن في التوراة شرائع، وجميع ما يحتاج إليه. ويدل قوله: بِقُوَّةٍ أن العبد قادر على الفعل قبل الفعل، وأنه يفعل بقدرة. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٦] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، قلوب المتكبرين عن طاعتي، والمتكبرين على الناس. أي فكما استكبروا أذلهم الله بالجهل، كقوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠] . وقوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] . وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ إما صلة للفعل، أي

стр. 2229

يتكبرون بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. أو حال من فاعله، أي يتكبرون غير محقين وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ أي حجة من الآيات والحجج المنزلة عليهم لا يُؤْمِنُوا بِها تكبرا عليها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعني طريق الحق والهدى والاستقامة واضحا ظاهرا لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لمنافاته أهويتهم وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي الضلال عن الحق والهلاك يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي طريقا يميلون إليه ذلِكَ أي الصرف عن الآيات، أو اتخاذهم الغي سبيلا بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها. أو غافلين عما ينزل بهم من مخافة الرسل. ثم بين وعيد المكذبين بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٧] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي القيامة، وهي الكرّة الثانية. سميت (آخرة) لتأخرها عن الدنيا حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت: فلم تعقب نفعا. والمراد جزاء أعمالهم، لأن الحابط إنما يصح في المنتظر، دون ما تقضّى، وهذا كقوله لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [الزلزلة: ٦] هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إلّا جزاء عملهم من الكفر والمعاصي. تنبيه: ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ إلخ كلام مع قوم رسول الله ﷺ ، وهو متصل بما سبق من قصصهم، وهو أَوَلَمْ يَهْدِ ... إلخ. وإيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار. وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى ﵇ به من إهلاك أعدائه. ومعنى صرفهم إهلاكهم، فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها، وهو شبيه بقوله: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] ، فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى ﵇ من إيذائه، ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. انتهى. والله أعلم.

стр. 2230

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٨] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل، في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حليّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، جسدا لا روح فيه. وقد احتال بإدخال الريح فيه، حتى صار يسمع له خوار، أي صوت كصوت البقر. وإنما أضاف الصوت إليه، لأنه كان محله عند دخول الريح جوفه. وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول إخبارا عن نفسه الكريمة فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه: ٨٥] . لطائف: قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى ... عِجْلًا والمتخذ هو السامري؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما- أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلا منهم باشره، ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: (بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا) والقائل والفاعل واحد. ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه، راضين له، فكأنهم أجمعوا عليه. والثاني: أن يراد: واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت: لم قال: مِنْ حُلِيِّهِمْ ولم يكن الحليّ لهم، إنما كانت عواري في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها في أيديهم عواري، كفى به ملابسة. على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين، كما قال تعالى: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ٥٩] انتهى. قال النسفي: وفيه دليل على أن من حلف أن لا يدخل دار فلان، فدخل دارا استعارها يحنث. وأن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها- انتهى-. والحليّ بضم الحاء والتشديد، جمع (حلي) بفتح فسكون. ك (ثدي وثديّ) وهو اسم لما يتحسّن به من الذهب والفضة.

стр. 2231

وقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا تقريع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر. والمعنى: ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر؟ فهو جماد لا ينفع ولا يضر. فكيف يكون إلها؟ وقوله تعالى: اتَّخَذُوهُ تكرير لتأكيد الذم، أي: اتخذوه إلها وعبدوه. وَكانُوا ظالِمِينَ أي: واضعين الأشياء في غير مواضعها. والجملة إما استئنافية، أو اعتراض تذييلي للإخبار بأن ذلك دأبهم وعادتهم قبل ذلك، فلا ينكر هذا منهم. أو حالية، أي: اتخذوه في هذه الحالة المستقرة لهم. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، وأنه تعالى دلهم، في بطلان اتخاذ العجل إلها، بأنه لا يتكلم ولا يهدي. وإنما ذكر الكلام لأن الخوار تنفد فيه الحيلة، ولا تنفد في الكلام. وتدل على أن إزالة الشبه في الدين واجب، كما أزالها الله تعالى. وتدل على أن القوم كانوا جهالا غير عارفين حقيقة الأشياء، لذلك عبدوا العجل. وتدل على أن تلك الحلي كانت ملكا لبني إسرائيل، لذلك قال حُلِيِّهِمْ. فإن ثبت أنهم استعاروه، فيدل على زوال ملكهم، وانتقال الملك إلى بني إسرائيل، كما تملك أموال أهل الحرب. وتدل على أن الاتخاذ فعلهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٩] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي: ندموا على عبادة العجل وَرَأَوْا أي علموا وأيقنوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي: عن الحق والهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا أي بقبول توبتنا وَيَغْفِرْ لَنا أي: ما قدمنا من عبادة العجل لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ أي: بالعقوبة. أي: ممن خسروا أعمالهم وأعمارهم. لطيفة: يقال للنادم على ما فعل، الحسر على ما فرط منه (قد سقط في يده) و (أسقط) مضمومتين- قاله الزجاج-.

стр. 2232

وقال الفراء: يقال سقط في يده وأسقط، من الندامة، و (سقط) أكثر وأجود. وأنكر أبو عمرو (أسقط) بالألف، وجوزه الأخفش. قال الزمخشري: من شأن من اشتد ندمه وحسرته، أن يعض يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وقال الزجاج: معناه: سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم. كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد، ويرى بالعين- انتهى-. وقال الفارسي: أي: ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم. فإن صح ذلك فهو إذن من السقوط. وفي (العباب) : هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن، ولا عرفته العرب، والأصل فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام (سقط) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه، فيسقط، وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر في اليد، كقوله تعالى: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [الكهف: ٤٢] ، ولأن اليد هي الجارحة العظمى، فربما يسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [الحج: ١٠]- انتهى-. وعليه، فيكون (سقط) من السقاط، وهو كثرة الخطأ كما قال: كيف يرجون سقاطي بعد ما ... لفع الرأس بياض وصلع وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه، ويضعه على يده، معتمدا عليه، وتارة يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكانت اليد مسقوطا فيها، لتمكن السقوط فيها. ويكون قوله: سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ بمعنى سقط على أيديهم، كقوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] ، أي عليها. و (سقط) عده بعضهم من الأفعال التي لا تتصرف، ك (نعم وبئس) . وقرئ (سقط) معلوما، أي الندم، أو العض، أو الخسران، وكله تمثيل. وقرئ (أسقط) رباعيّ مجهول، وهي لغة نقلها الفراء والزجاج، كما قدمنا. ثم بين تعالى ما جرى من موسى ﵇ بعد رجوعه من الميقات. وكان أعلمه تعالى بفتنة قومه. فقال سبحانه:

стр. 2233

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٠] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً أي: شديد الغضب على قومه لعبادتهم العجل، وحزينا أي على ما فاته من مناجاة ربه قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي بئسما عملتم خلفي، أو قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعدي. والخطاب إما لعبدة العجل، من السامري وأشياعه. أو لوجوه بني إسرائيل، وهم هارون ﵇ والمؤمنون معه. ويدل عليه قوله: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [الأعراف: ١٤٢] ، وعلى التقدير يكون المعنى: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى- قاله الرازي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أي: ميعاده الذي وعدنيه من الأربعين، فلم تصبروا إلى تمامها. وكانوا استبطئوا نزوله من الجبل، فتآمروا في صنع وثن يعبدونه، وينضمون إليه، وفعلوا ذلك، وجعلوا يغنون ويرقصون ويأكلون ويشربون ويلعبون حوله ويقولون: هذا الإله الذي أخرجنا من مصر- عياذا بالله-. وقال أبو مسلم: معناه سبقتم أمر الله، فعبدتم ما لم يأمركم به وَأَلْقَى الْأَلْواحَ أي طرحها من شدة الغضب، وفرط الضجرة، بين يديه فتكسرت. وهي ألواح من حجارة كتب فيها الشرائع والوصايا الربانية. وإنما ألقاها، ﵇، لما لحقه من فرط الدهش عند رؤيته عكوفهم على العجل. فإنه، ﵇، لما نزل من الجبل، ودنا من محلتهم، رأى العجل ورقصهم حوله، اتقد غضبه فألقاها غضبا لله، وحمية لدينه. وكان هو في نفسه حديدا، شديد الغضب. وكان هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان محببا إلى قومه. تنبيه: قال السيوطي في (الإكليل) : استدلّ ابن تيمية بقوله تعالى: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ على أن من ألقى كتابا على يده، إلى الأرض، وهو غضبان، لا يلام- انتهى- وهو ظاهر. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي بشعره يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ظنا أن يكون قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى

стр. 2234

قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه: ٩٢- ٩٤] . وقال هاهنا: قالَ ابْنَ أُمَّ قرئ بالفتح والكسر، وأصله يا ابن أمي، خفف بحذف حرف النداء والياء، وذكر الأم ليرققه عليه. وقوله: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي إزاحة لتوهم التقصير في حقه. والمعنى: بذلت وسعي في كفّهم حتى قهروني واستضعفوني، وقاربوا قتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ أي بالإساءة إليّ. والشماتة سرور الأعداء بما يصيب المرء وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي في عقوبتك لي، في عدادهم. أو لا تعتقد أني منهم، مع براءتي وعدم تقصيري. قال الجشمي: تدل الآية على أن الأمر بالمعروف قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع. لذلك قال هارون اسْتَضْعَفُونِي. وتدل على أن الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥١] قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) قالَ أي موسى ﵇، متضرعا إلى ربه، استنزالا لرحمته، وتعوذا بمغفرته من سخطه. ولا يخفى اقتضاء المقام لذلك رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وقال الزمخشري: لما اعتذر إليه أخوه، وذكر له شماتة الأعداء قال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم. واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٢] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي من افترى بدعة، فإن ذل البدعة، ومخالفة الرسالة على كتفيه كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة الجرميّ أنه قرأ هذه الآية

стр. 2235

وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ قال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل التوبة من أي ذنب كان، ولو كفرا بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٣] وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها إلى الله وَآمَنُوا أي أخلصوا الإيمان إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي: محّاء لذنوبهم. منعم عليهم بالجنة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٤] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَلَمَّا سَكَتَ أي سكن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ أي التي كان ألقاها من شدة الغضب فتكسرت وَفِي نُسْخَتِها أي فيما نسخ منها، أي كتب. و (النسخة) فعلة بمعنى مفعول، كالخطبة هُدىً وَرَحْمَةٌ بالشرائع والوصايا الربانية، المرشدة لما فيه الخير والصلاح لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي يخشون. لطيفتان: الأولى: قال أبو السعود: في هذا النظم الكريم، يعني قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ، من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب، الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول، منزلة الآمر بذلك، المغرى عليه، بالتحكم والتشديد، والتعبير عن سكونه بالسكوت- ما لا يخفى. انتهى. وأصله للزمخشري حيث قال: هذا مثل. كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم، وذوق صحيح- إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة. وإلا، فما لقراءة معاوية بن قرة (ولما سكن عن موسى الغضب) لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهمزة، وطرفا من تلك الروعة؟ انتهى. ومراده بالمثل كونه استعارة مكنية، حيث شبه الغضب بشخص آمر ناه، وأثبت له السكوت تخييلا.

стр. 2236

وعدّ بعض أهل العربية الآية من المقلوب، أي من نمط قلب الحقيقة إلى المجاز، وكان الأصل (ولما سكت موسى عن الغضب) كما في خرق الثوب المسمار. قال في (الانتصاف) والتحقيق أنه ليس منه، وأن هذا القلب أشرف وأفصح، لما فيه من المعنى البليغ، وهو أن الغضب كان متمكنا من موسى، حتى كأنه كان يصرفه في أوامره. ومثل هذه النكتة الحسناء، لا تلفى في (خرق الثوب المسمار) . انتهى. وقرئ سكن وسكّت وأسكت، أي أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه. الثانية- اللام في (للذين) متعلقة بمحذوف، صفة (لرحمة) أي كائنة لهم. أو هي لام الأجل، أي هدى ورحمة لأجلهم: واللام في (لربهم) لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] ، أو هي أيضا لام العلة، والمفعول محذوف. أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم، لا للرياء والسمعة. أفاده أبو السعود. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٥] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا روى محمد بن إسحاق أن موسى ﵇، لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل، وذرّاه في اليمّ، اختار من بين إسرائيل سبعين رجلا، الخيّر فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون- فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه،

стр. 2237

فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم، فقالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة: ٥٥] وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد، فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قد سفهوا، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل؟ وفي رواية السدّي: فقام موسى يبكي ويقول: يا رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم، وقد أهلكت خيارهم، رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ. وقال ابن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلا، الخيّر فالخير، أرجع إليهم، وليس معي رجل منهم واحد، فما الذي يصدقونني أو يأمنونني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني. وقال الزجاج: المعنى لو شئت أمتّهم من قبل أن تبتليهم، بما أوجب عليهم الرجفة. انتهى. قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) بعد نقل كلام من ذكرنا: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود، والذي يظهر- والله أعلم بمراده ومراد نبيه- أن هذا استعطاف من موسى ﵇ لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حتى عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم، يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل. وهذا كمن واخذه سيده بجرم يقول: لو شئت واخذتني قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولا، فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فقال ابن الأنباري وغير: هذا استفهام على معنى الجحد، أي لست تفعل ذلك. والسفهاء هنا عبدة العجل. قال الفرّاء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ وإنما كان إهلاكهم بقولهم أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. انتهى. واستظهار أن هذا استفهام استعطاف، سبقه إليه المبرّد. تنبيه: قال في (اللباب) : معظم الروايات أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة، أي ثم

стр. 2238

أحيوا. وقال وهب بن منبه: لم تكن تلك الرجفة موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة، أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك، راحمهم وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا موسى وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام الله. والله أعلم. إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أي ما الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت. فنحن عائدون بك منك، ولاجئون منك إليك. يعني إن الأمر إلّا أمرك، والحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء. قال الواحدي: هذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية، التي لا يبقى لهم معها عذر. أَنْتَ وَلِيُّنا أي متولي أمورنا القائم بها فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٦] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً أي أثبت لنا فيها خصلة حسنة، كالعافية والحياة الطيبة، والتوفيق للطاعة وَفِي الْآخِرَةِ أي حسنة أيضا، وهي المثوبة الحسنى والجنة. إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا إليك. يقال: هاد إليه يهود، إذا رجع وتاب، فهو هائد. ولبعضهم: يا راكب الذنب هد، هد ... واسجد كأنك هدهد وقال آخر: إني امرؤ مما جنيت هائد قال أبو البقاء: المشهور ضم الهاء، وهو من (هاد يهود) إذا تاب. وقرئ بكسرها، من (هاد يهيد) إذا تحرك أو حرك، أي حركنا إليك نفوسنا، وعلى القراءتين، يحتمل الوجهين، البناء للفاعل وللمفعول، بمعنى ملنا أو أمالنا غيرنا، أو حركنا

стр. 2239

أنفسنا، أو حركنا غيرنا، وذلك لاتحاد الصيغة وصحة المعنى، وإن اختلف التقدير. قالَ استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: فمذا قال تعالى في جواب دعاء موسى؟ فقيل قال: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي تعذيبه من العصاة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، كما قال تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان: ٣١] ، ولعلها هي المراد هنا، بدليل مقابلتها ب (العذاب) قبل، كما قابل الآية التي ذكرناها بقوله وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] ، والله أعلم. فَسَأَكْتُبُها أي هذه الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي الكفر والشرك والفواحش وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي يعطون زكاة أموالهم وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا أي بكتابنا ورسولنا يُؤْمِنُونَ أي يصدقون. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على حسن سؤال نعيم الدنيا، كما يحسن سؤال نعيم الآخرة، وتدل على أن الواجب على الداعي أن يقرن بدعائه التوبة والإخلاص، لذلك قالوا إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ. وتدل على أنه تعالى ينعم على البر والفاجر، ويخص بالثواب المؤمن، فلذلك فصل. ومن تأمل هذا السؤال والجواب، عرف عظيم محل هذا البيان، لأنه ﵇، سأل نعيم الدنيا والدين عقيب الرجفة، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم، وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها. وتدل على أن الرحمة لا تنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، حتى ينضم إليه الطاعات، فيبطل قوله المرجئة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٧] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) الَّذِينَ بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو

стр. 2240

مرفوع عليه، أي أعني الذين أو هم الذين يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ أي الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم النَّبِيَّ أي الذين نبئ بأكمل الاعتقادات، والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي الْأُمِّيَّ أي الذي لم يحصل علما من بشر الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً أي باسمه (محمد وأحمد) ونعوته عِنْدَهُمْ زيد هذا لزيادة التقرير، وأن شأنه ﵊ حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني الإيمان بالله. ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أي التي حرمت عليهم لمعاصيهم وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ أي التي كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم- هذا في باب المأكولات وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ جمع (غلّ) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي يخفف عنهم ما كلفوه منها- وهذا في باب العبادات فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أي بالنبيّ الأمي وهو محمد ﷺ وَعَزَّرُوهُ أي عظموه ووقروه وَنَصَرُوهُ أي على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرّموا حرامه. ولا يقال: القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى أُنْزِلَ مَعَهُ؟ لأن المراد أنزل مع نبوّته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به، ويجوز أن يعلق ب اتَّبَعُوا أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمرا بالعلم بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب النُّورَ المنبئ عن كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة. تنبيهات: الأول- يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى: قالَ عَذابِي ... إلخ جواب لموسى ﵇، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، كتابه حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، برّا أو فاجرا، لما سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ الحسن

стр. 2241

وزيد بن عليّ هنا (لمن أساء) فعل ماض من (الإساءة) ، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، والمتبعون للنبيّ الأميّ، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك، ولا يقال- على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنا نقول الاتباع أعم من الاتباع (بالقوة) ، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما (بالفعل) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبيّ ﷺ ، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ بدلا من الموصول الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي: أعني الذين، أو هم الذين. وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهى إلي قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمّن يتبع النبيّ الأمي بأنهم المفلحون حقّا، وعليه فيكون قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مبتدأ خبره أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبيّ الأمي، كانوا هم المفلحين. وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: قالَ عَذابِي ارتجال خطاب للنبيّ ﷺ . قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، ﷺ بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبيّ ﷺ وأتباعه المتقين، ما لا يخفى. الثاني- تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. وعني أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان: ٣١] ، بدليل المقابلة بقوله: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] ، فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم.

стр. 2242

وقال أبو المنصور: ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادّون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظّ للكافر فيها. وذلك قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٥٦] أي: معصية الله، والخلاف له، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، كقوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: ٣٢] ، جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظّ للكافر فيها. فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-. وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ [الأعراف: ١٥٦] أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى. الثالث- إنما أفرد (الزكاة) بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوّها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرّطوا فيها. الرابع- كونه ﷺ لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور «١» ، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه أصدر منه ذلك معجزة؟ - انظر في (فتح الباري) تفصيله-. و (الأمي) نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث «٢» : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) وأما نسبته إلى (أم القرى) فلأن أهله كانوا كذلك. أو إلى (أمّه) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل: إنه منسوب (إلى الأمّ) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضمّ الهمزة من تغيير النسب. ويؤيده قراءة يعقوب (الأميّ) - بفتح الهمزة-، وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلوّ كعب، لأنها معجزة له، كما قال البوصيري.

стр. 2243

كفاك بالعلم في الأمّي معجزة كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في (العناية) . الخامس- في قوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ إشارة إلى بشائر الأنبياء ﵈، بنبوته ﷺ . قال الماوردي في (إعلام النبوة) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته ﵊: إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائره، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد ﷺ ، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصّه بأفعاله، ومنهم من ميّزه بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم. وجاء في (إظهار الحق) ما نصه: إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ ، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولا طريق إخبار النبيّ المتقدم، عن النبيّ المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا ﵊ قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة

стр. 2244

من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبيّ ﵊. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم: فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا: ١١- وقال لها ملاك الربّ أنت حبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. ١٢- وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده علي كل واحد ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن. هذه بشارة بمحمد ﷺ ، لا بجده إسماعيل، لأن إسماعيل ﵇، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أخرج من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله ﷺ ، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كلّ بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل! ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله وتعمل له) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى (اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكثر وتنعم) ونظائره كثيرة. فظهر أنه قد يذكر اسم الأب، ويراد الابن مجازا، بقرينة الحال، وإلا لزم الخلف في خبره تعالى. ومنها: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية هكذا: ١- وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. ٢- فقال: جاء الربّ من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمنيه نار شريعة لهم.

стр. 2245

ولا غموض بأن مجيء الله جل وعلا من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على موسى بطور سينا- هكذا يفسره أهل الكتاب- والأمر كذلك فيجب أن يكون إشراقه من سعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح يسكن أرض الجليل من سعير بقرية تدعى (ناصرة، واسم النصارى مأخوذ منها. واستعلاؤه من جبال فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد في جبل فاران. وفاران هي مكة، لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇ هكذا: ٢٠- وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرّيّة. وكان ينمو رامي قوس. ٢١- وسكن في برّيّة فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر. ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفهيا مات، وبها دفن. وهذه البشارة صريحة في نبينا ﷺ ، ظاهرة لا تخفى إلا على أكمة لا يعرف القمر. فأي نبيّ ظهر في مكة بعد موسى غير محمد، وأنتشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها، كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة. ومنها: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا: ١٧- قال لي الربّ قد أحسنوا في ما تكلموا. ١٨- أقيم لهم نبيّا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلّمهم بكل ما أوصيه به. ١٩- ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. هذا البشارة في حق نبينا ﷺ قطعا، لأنه من ذرية إسماعيل، وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل وأنه قبالة إخوته، ينصب المضارب. وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء الأعمام، عن بعد بعيد، إخوة كما دعى في القرآن هود وصالح، إخوة لعاد وثمود مع أنهما على بعد بعيد من أولاد الأعمام. وكما قيل في سفر العدد في الباب العشرين: ١٤- وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم. وهكذا يقول أخوك إسرائيل قد عرفت كلّ المشقة التي أصابتنا (مع أنهما أبناء أعمام على بعد بعيد) . وليست هذه الشهادة في حق أحد من أنبياء بني إسرائيل، وإلّا، لقال: وسوف
следующие страницы →