← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وزيد بن عليّ هنا (لمن أساء) فعل ماض من (الإساءة) ، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، والمتبعون للنبيّ الأميّ، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك، ولا يقال- على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنا نقول الاتباع أعم من الاتباع (بالقوة) ، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما (بالفعل) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبيّ ﷺ ، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ بدلا من الموصول الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي: أعني الذين، أو هم الذين. وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهى إلي قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمّن يتبع النبيّ الأمي بأنهم المفلحون حقّا، وعليه فيكون قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مبتدأ خبره أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبيّ الأمي، كانوا هم المفلحين. وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: قالَ عَذابِي ارتجال خطاب للنبيّ ﷺ . قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، ﷺ بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبيّ ﷺ وأتباعه المتقين، ما لا يخفى. الثاني- تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. وعني أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان: ٣١] ، بدليل المقابلة بقوله: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] ، فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم.

стр. 2242

وقال أبو المنصور: ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادّون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظّ للكافر فيها. وذلك قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٥٦] أي: معصية الله، والخلاف له، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، كقوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: ٣٢] ، جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظّ للكافر فيها. فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-. وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ [الأعراف: ١٥٦] أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى. الثالث- إنما أفرد (الزكاة) بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوّها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرّطوا فيها. الرابع- كونه ﷺ لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور «١» ، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه أصدر منه ذلك معجزة؟ - انظر في (فتح الباري) تفصيله-. و (الأمي) نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث «٢» : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) وأما نسبته إلى (أم القرى) فلأن أهله كانوا كذلك. أو إلى (أمّه) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل: إنه منسوب (إلى الأمّ) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضمّ الهمزة من تغيير النسب. ويؤيده قراءة يعقوب (الأميّ) - بفتح الهمزة-، وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلوّ كعب، لأنها معجزة له، كما قال البوصيري.

стр. 2243

كفاك بالعلم في الأمّي معجزة كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في (العناية) . الخامس- في قوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ إشارة إلى بشائر الأنبياء ﵈، بنبوته ﷺ . قال الماوردي في (إعلام النبوة) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته ﵊: إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائره، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد ﷺ ، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصّه بأفعاله، ومنهم من ميّزه بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم. وجاء في (إظهار الحق) ما نصه: إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ ، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولا طريق إخبار النبيّ المتقدم، عن النبيّ المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا ﵊ قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة

стр. 2244

من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبيّ ﵊. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم: فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا: ١١- وقال لها ملاك الربّ أنت حبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. ١٢- وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده علي كل واحد ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن. هذه بشارة بمحمد ﷺ ، لا بجده إسماعيل، لأن إسماعيل ﵇، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أخرج من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله ﷺ ، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كلّ بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل! ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله وتعمل له) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى (اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكثر وتنعم) ونظائره كثيرة. فظهر أنه قد يذكر اسم الأب، ويراد الابن مجازا، بقرينة الحال، وإلا لزم الخلف في خبره تعالى. ومنها: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية هكذا: ١- وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. ٢- فقال: جاء الربّ من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمنيه نار شريعة لهم.

стр. 2245

ولا غموض بأن مجيء الله جل وعلا من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على موسى بطور سينا- هكذا يفسره أهل الكتاب- والأمر كذلك فيجب أن يكون إشراقه من سعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح يسكن أرض الجليل من سعير بقرية تدعى (ناصرة، واسم النصارى مأخوذ منها. واستعلاؤه من جبال فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد في جبل فاران. وفاران هي مكة، لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇ هكذا: ٢٠- وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرّيّة. وكان ينمو رامي قوس. ٢١- وسكن في برّيّة فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر. ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفهيا مات، وبها دفن. وهذه البشارة صريحة في نبينا ﷺ ، ظاهرة لا تخفى إلا على أكمة لا يعرف القمر. فأي نبيّ ظهر في مكة بعد موسى غير محمد، وأنتشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها، كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة. ومنها: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا: ١٧- قال لي الربّ قد أحسنوا في ما تكلموا. ١٨- أقيم لهم نبيّا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلّمهم بكل ما أوصيه به. ١٩- ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. هذا البشارة في حق نبينا ﷺ قطعا، لأنه من ذرية إسماعيل، وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل وأنه قبالة إخوته، ينصب المضارب. وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء الأعمام، عن بعد بعيد، إخوة كما دعى في القرآن هود وصالح، إخوة لعاد وثمود مع أنهما على بعد بعيد من أولاد الأعمام. وكما قيل في سفر العدد في الباب العشرين: ١٤- وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم. وهكذا يقول أخوك إسرائيل قد عرفت كلّ المشقة التي أصابتنا (مع أنهما أبناء أعمام على بعد بعيد) . وليست هذه الشهادة في حق أحد من أنبياء بني إسرائيل، وإلّا، لقال: وسوف

стр. 2246

أقيم لهم نبيا مثلك منهم أو من أنفسهم كما قال تعالى إخبارا بدعوة إبراهيم ﵇ لولد إسماعيل رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وكما قال تعالى في خطاب بني إسماعيل: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وأما زعمته اليهود من أن المراد يوشع فتى موسى، فهو باطل من وجوه: ١- أن المبشر به من إخوة بني إسرائيل، لا من نفس بني إسرائيل، ويوشع كان من نفس بني إسرائيل. ٢- أن يوشع لم يكن مثل موسى ﵇ لما في آخر سفر التثنية. (الأصحاح الرابع والعشرون) . ١٠- ولم يقم بعد نبيّ في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه. ولأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواه، ويوشع ليس كذلك، بل هو مأمور باتباع شريعة موسى. ٣- أن يوشع ﵇ كان حاضرا هناك، وقد أشير بعبارة صريحة قبل هذه ففي الباب الأول من هذا السفر. ٣٨- يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك. شدّده لأنه هو يقسمها لإسرائيل. فأي مقتض للرمز والتلويح، بعد هذا التصريح؟ وأي موجب لإدخال (سوف) الدالة على الاستقبال على فعل حاصل في الحال؟ وأما ما زعمته النصارى من أن المراد به عيسى ﵇، فهو أيضا باطل، لوجوه: ١- أنه من بني إسرائيل، والمبشّر به هنا من غيرهم. ٢- أن موسى بّشر بنبيّ مثله، وهم يدّعون أن عيسى إله، وينكرون كونه نبيّا مرسلا، وإلا لزم اتحاد المرسل والمرسل، وهو غير معقول. على أن مشابهة موسى لنبينا عليهما الصلاة والسلام، أقوى من مشابهته لعيسى، لاتحادهما في أمور: ١- كونهما ذوى والدين وأزواج بخلاف عيسى ﵇. ٢- كونهما مأمورين بالجهاد، بخلاف عيسى ﵇. وقد أشار في هذه البشارة بقوله: ١٩- ويكون أي الإنسان الذي لا يسمع لكلامي، الذي يتكلم به

стр. 2247

باسمي، أنا أطالبه. إلى كون هذا النبيّ مأمورا بجهاد من كفر بما جاء به من عند الله، والانتقام منه بسيفه البتّار. وزعمت النصارى أن الانتقام هنا بمعنى العذاب الأخرويّ لمنكريه، وهو خطأ، لأن ذلك لا يختص بهذا النبيّ، بل كل من أنكر ما جاء به نبيّ من الأنبياء ينتقم منه في الآخرة، فلا معنى لتخصيص هذا النبيّ بالذكر حينئذ. ٣- كون شريعتهما مشتملة على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب والحائض والنفساء، وإيجاب الطهارة وقت العبادة، وهذه كلها ليست موجودة في شريعة عيسى ﵇ على ما تقول النصارى- ونظائر ذلك كثيرة. وفي هذه البشارة إشارة إلى كون هذا النبيّ أميّا لا يقرأ، حيث قال (يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي) وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... الآية التي نحن في صددها. ومنها- في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلا الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه، ولا يعرفه. وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم) . وهذه بشارة من المسيح ﵇ بأن الله تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه، وينوب في تبليغ رسالته، وسياسة خلقه، منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا، وهل هذا إلا محمد ﷺ . و (الأب) هنا بمعنى الرب والإله، لأنه اصطلاح أهل الكتابين. وقد أشار عيسى ﵇ بكونه (روح الحق) إلى أن الحق قبل مبعثه، يكون كالميت لا حراك له، ولا انتعاش، وأنه إذا بعث يكون كالروح له، فيرجع حينئذ قائما في الأرض. ولا خفاء أنه ﵊، هو الذي أحيى الله به الحق بعد عيسى ﵇ بعد ما اندرس، ولم يبق فيه نفس. ثم قال: (الفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلته لكم) . ولا شك بأن محمدا ﷺ هو الذي علم كل شيء من الحقائق، وأوضح ما خفي من الدقائق، وذكّر أمة عيسى ما نسوه من أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد الله تعالى، قربه إليه بالرسالة واصطفاه، وأنه لم يدع لسوى عبادة الله وتوحيده، وتنزيهه وتمجيده. وقوله (باسمي) أي بالنبوة. ثم أبان لهم سبب إخبارهم به قبل أن يأتي فقال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون. حتى إذا كان، تؤمنون) . وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور: (فأما إذا جاء الفارقليط الذي

стр. 2248

أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق، وهو يشهد لأجلي، وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء) . وفي الباب السادس عشر منه: (لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق، لم يأتكم الفارقليط. فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذ جاء ذاك، فهو يوبخ العالم على خطيئة، وعلى بر، وعلى حكم. أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي. وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب، ولستم ترونني بعد. وأما على الحكم، فإن رئيس هذا العالم قد دين. وإن لي كلاما كثيرا أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله. وإذا جاء روح الحق ذاك، فهو يعلمكم جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما سيأتي، وهو يمجدني، لأنه يأخذ مما هو لي، ويخبركم جميع ما هو للأب، فهو لي. من أجل هذا قلت (إن مما هو لي يأخذ ويخبركم) . ومن أمعن النظر في هذه العبارات، ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوى والإشارات جزم بأن (الفارقليط) هو محمد ﷺ ، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى ﵇، وشهد لعيسى بالنبوة والرسالة، ومجده وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى الربوبية، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحرا كذابا، وعلى والدته من كونها غير طاهرة الذيل، بريئة الساحة، وهو الذي وبخ العالم، سيما اليهود، على الخطايا، لا سيما خطيئة الكفر بعيسى ﵇، والطعن في والدته الطاهرة البتول، وهو الأمين الصادق، الذي علم جميع الحقائق، وهو الذي أبان من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار، وهو الذي، لا ينطق عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٣] . وفسر العلامة ابن قتيبة (روح الحق الذي من الأب ينبثق) أي يصدر بكلام الله المنزل، وأستدل بقوله تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] ، والمراد به هنا القرآن الكريم، لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة والنزهة، عما افترى عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كما شهد الحواريون الذين كانوا معه، واهتدوا بهديه. ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن بذلك، فتعيّن أن يكون هو المراد. وفي قول عيسى ﵇ (إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط إشارة إلى أن نبينا ﵊ أفضل. ولفظ (فارقليط) يوناني الأصل، قيل: أصله باراكلي طوس، بمعنى كان لسان

стр. 2249

قومه، وما كان يتكلم باليونانيّ، لأنه كان عبرانيّا ابن عبرانية، نشأ في قومه العبرانيين، فنقل أقواله في هذه الأناجيل، نقل بالمعنى. فترجيح من رجح من النصارى، أن أصل فارقلط هو الأول ترجيح بلا مرجح، والتفاوت بين اللفظين يسير جدّا، والحروف اليونانية متشابهة. وأيّا كان أصله، فالاستدلال صحيح، لصدق اللفظ بمعانيه كلها على النبي ﷺ صدقا جليا، لا يخفى إلا على مشاغب. وقد كانت هذه البشائر سبب إسلام الفاضل عبد الله الترجمان، كما بينه في كتابه (تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب) . وقد نبذ النصارى بعد الأناجيل المصرحة باسم (محمد) لكونها شجى في حلوق أهوائهم، كإنجيل (برنابا) ففيه التصريح بقوله (إلى أن يجئ محمد رسول الله) كما نقله في (إظهار الحق) . وإذا كان حالهم في تراجمهم، في لقب إلههم، ولقب خليفته ما علم- فكيف يرجى منهم صحة بقاء (محمد أو أحمد) ؟! إلا أن سيف الحق أمضى، وسهام الصوب أنفذ، فثمة من الأوصاف الصريحة، والأشائر الصحيحة، ما لا يبق معه وقفه لحائر. هذا، وفي كتبهم بشائر كثيرة، تعرض لذكرها جلة من العلماء، مما أناف على العشرين. قال الماوردي: لعل ما لم يصل إلينا منها أكثر. وقد اقتصرنا على ما قدمنا، روما للاختصار، ولسهولة الوقوف على البقية، من مثل (أعلام النبوّة للماوردي) و (إظهار الحق) وغيرهما. وقد قال صاحب (إظهار الحق) الشيخ ﵀، عليه رحمة الله: إن من أسلم من علماء اليهود والنصارى في القرن الأول، شهد بوجود البشارات المحمدية في كتب العهدين، مثل عبد الله بن سلام، وأبني سعية، وبنيامين، ومخيريق، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود. ومثل بحيرا ونسطورا الحبشي، وضغاطر، وهو الأسقف الروميّ الذي أسلم على يد دحية الكلبيّ وقت الرسالة فقتلوه. والجارود. والنجاشي، والسوس، والرهبان الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب ﵁، وغيرهم من علماء النصارى. وقد اعترف بصحة نبوته، وعموم رسالته، هرقل قيصر الروم، ومقوقس صاحب مصر، وابن صوريا، وحييّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وغيرهم، ممن حملهم الحسد على الشقاء ولم يسلموا.

стр. 2250

ولما ورد على النبيّ ﷺ نصارى نجران، وحاجّهم في شأن عيسى ﵇ وحجّهم، دعاهم إلى المباهلة بأمره تعالى، فنكصوا على أعقابهم، خوفا من شؤم مغبتها، فكانوا كقوم فرعون آمنوا بها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل: ١٤] . - السادس- قوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يحتمل أن يكون مستأنفا، وأن يكون مفسّرا مَكْتُوباً أي لما كتب. السابع: الطيبات أعم من الطيبات في المأكل كالشحوم، وكذا البحائر والسوائب والوصائل والحام. ومن الطيبات في حكم الشريعة كالبيع، وما خلا كسبه عن سحت. وكذا الخبائث ما يستخبث، من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة. قيل: يستعبد إرادة ما طاب أو خبث في الحكم، لأن معناه حينئذ ما حكم الشرع بحله، أو حكم بحرمته، فيرجع الكلام إلى أنه يحل ما يحكم بحله، ويحرّم ما يحكم بحرمته، ولا فائدة فيه. وردّوه بأن يفيد فائدة وأيّ فائدة! لأن معناه أن الحل والحرمة بحكم الشرع، لا بالعقل والرأى. الثامن- في قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ إشارة إلى أنه ﷺ جاء بالتيسير والسماحة، كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال «١» : بعثت بالحنيفية السمحة. وقال ﷺ «٢» لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعريّ، لما بعثهما إلى اليمن: بشرا ولا تنفراص، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا. وقدمنا أن (الإصر والأغلال) استعارة لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة. فمنها تحريم طبخ الجدي بلبن أمه. ومنها نظام الأعياد التي يعيدونها لله في السنة وهي عيد الفطير وعيد الحصاد وعيد المظال. وكذلك عيد كل سبت، لا يعمل فيه أدنى عمل. وكذلك سبت المزارع. ففي كل سنة سابعة سبت للأرض، لا يزرع فيها، ولا يقطف الكرم، بل تترك الأراضي عطلا، وغلت الكروم مأكلا لفقراء شعبهم ووحوش البرية. ومنه أن من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو تمرد عليهما وعصاهما

стр. 2251

يقتل حدّا. وكذا من يعمل يوم السبت يقتل. ومن كان به جن أو تابعة يرجم بالحجارة حتى يموت. ومن تزوج فتاة فادعى أنه لم يجد لها عذرة، ثم تبيّن كذبه، جميعا يقتلان. وإذا أمسكت امرأة عورة رجل تقطع يدها. وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات المنطوح يرجم الثور ولا يؤكل لحمه. ومن اضطجع مع امرأة طامث يقطعان من شعبهم. ومن طلق امرأته ثم تزوجت آخر، وطلقها أو مات عنها، فلا يجوز لزوجها الأول أن يرجعها. وغير ذلك من الآصار التي تقدم بعضها في آخر سورة البقرة- فراجعه-. التاسع- قال الجشمي: تدل الآية على أن شريعته ﷺ أسهل الشرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم الماضية. وذلك نعمة عظيمة على هذه الأمة. وتدل على وجوب تعظيم الرسول، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر يؤدي إلى توهين ما يتصل بذلك، لأن جميع ذلك من باب النصرة. وهذا لا يختص بعصره. فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف. ولعل الجهاد بالبيان، وإيراد الحجة، ووضع الكتب فيه، وحلّ شبه المخالفين، يزيد في كثير من الأوقات على الجهاد بالسيف، ولهذا قلنا (منازل العلماء في ذلك أعظم المنازل) . العاشر- قال العلامة البقاعي: لما تراسلت الآي، وطال المدى في أقاصيص موسى ﵇، وبيان مناقبه العظام، ومآثره الجسام، وكان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصبا، وأعظمهم رتبة- ساق سبحانه هذه الآيات، هذا السياق، على هذا الوجه، الذي بين أعلاهم مراتب، وأزكاهم مناقب، الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه، قوة أو فعلا. وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل، اهتماما به، وتعجيلا له، مع ما سيذكر، مما يظهر أفضليته، ويوضح أكمليته، بقصته مع قومه، في مبدأ أمره وأوسطه ومنتهاه، في سورة (الأنفال) و (براءة) بكمالها) . ثم قال البقاعي: لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص، من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم، حث على الإيمان به، إيجابا على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف، تقدم زمانه أو تأخر- أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه، تحقيقا لعموم رسالته، وشمول دعوته، فقال سبحانه:

стр. 2252

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً أي كافة الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ نعوت للفظ الجلالة، أي الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة. والآية نصّ في عموم بعثته للأحمر والأسود، والعربي والعجمي. وفي الحديث: «أعطيت خمس لم يعطهن نبيّ قبلي- ولا أقولهن فخرا- بعثت إلى الناس كافة، الأحمر والأسود، ونصرن بالرعب مسيرة شهر، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا» . رواه الإمام أحمد «١» عن ابن عباس مرفوعا، ورواه «٢» أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «قال رسول الله ﷺ : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي. أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدوّ بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا، وأحلت لي الغنائم، آكلها، وكان من قبلي يعظّمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسّحت وصليت وكان من قبلي يعظّمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي! قيل لي: سل، فإن كل نبيه قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ومن يشهد أن لا إله إلا الله» . قال الحافظ ابن كثير: إسنادهما جيد قوي. وروى الإمام أحمد بمعناه عن ابن عمر وأبي موسى، وهو ثابت في الصحيحين «٣» عن جابر: وأخرج مسلم «٤» عن أبي موسى قال: «قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي

стр. 2253

بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أي الذي نبئ ما يرشد الخلائق كلهم، مع كونه أميّا. وفي نعته بذلك زيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٩] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي: موقنين ثابتين، يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم وَبِهِ يَعْدِلُونَ وبالحق يعدلون بينهم في الحكم، لا يجورون. والآية سيقت لدفع ما عسى يوهمه تخصيص كتب الرحمة والتقوى والإيمان بمتبعي رسول الله ﷺ من حرمان أسلاف قوم موسى ﵇، من كل خير، وبين أن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم. وقيل هم الذين آمنوا بالنبي ﷺ . ويأباه أنه قد مرّ ذكرهم فيما سلف. أفاده أبو السعود. وهذه الآية كقوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران: ١١٣] ، وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران: ١٩٩] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٠] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَقَطَّعْناهُمُ أي قوم موسى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أي صيّرناهم قطعا، أي فرقا، وميزنا بعضهم من بعض. والأسباط: أولاد الولد، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة، من اثني عشر ولدا، من ولد يعقوب ﵇ أُمَماً أي عظيمة وجماعة كثيفة

стр. 2254

العدد وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أي في التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فَانْبَجَسَتْ أي انفجرت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً بعدد الأسباط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ أي سبط منهم مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حرّ الشمس وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث أوجبوا لها العذاب الدائم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦١] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ يعني بيت المقدس، والقائل موسى ﵇، دعاهم إلى دخول بيت المقدس، أو يوشع، فإنه دعاهم، بعد وفاة موسى، إلى غزو بيت المقدس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ أي قولوا حطّ عنا ذنوبنا، وقيل: أمروا بكلمة إذا قالوها حطّ عنهم أوزارهم وَادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية سُجَّداً أي ساجدين أو خاضعين. أمروا بأن يدخلوها بالتواضع، وكان ذلك شرطا في قبول فعلهم نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٢] فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً أي عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ وقد تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة بما يغني عن إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٣] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)

стр. 2255

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] . فقوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عطف على (اذكر) المقدر عند قوله: وَإِذْ قِيلَ أي وأسأل اليهود المعاصرين لك، سؤال تقريع وتقرير، بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله، وإعلاما بأن هذا من علومهم التي لا تعلم إلا بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي. وقال ابن كثير: أي: واسأل هؤلاء اليهود بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، وحذّر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم، لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم. و (هذه القرية) هي أيلة، بين مدين والطور، وقيل هي متنا، بين مدين وعينونا. ومعنى كونها حاضِرَةَ الْبَحْرِ أنها قريبة منه، راكبة لشاطئه. وقوله تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ أي يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه، فقد أخذت عليهم العهود والمواثيق أن يحفظوا السبوت من عمل ما. و (الحيتان) السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت، في معنى السمكة. وشُرَّعاً جمع شارع، من (شرع) بمعنى دنا. يقال: شرع علينا فلان، إذا دنا منا، وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته، فرأيته يفعل كذا، وهو حال من حِيتانُهُمْ أي تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم أصلا إلى السبت المقبل. قرئ يَسْبِتُونَ ثلاثيّا، ومزيدا فيه، من (أسبت) معلوما ومجهولا أيضا، بمعنى، لا يدخلون في السبت ولا يدار عليهم. وقوله تعالى: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي مثل ذلك البلاء العجيب الفظيع، نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء، في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده، أي نعاملهم معاملة من يختبرهم، بسبب فسقهم، فيظهر عدوانهم، فيستحقون المؤاخذة.

стр. 2256

ثم بين تعالى تماديهم في العدوان. وعدم انزجارهم عنه، بعد العظات والإنذارات، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٤] وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي جماعة من صلحائهم، يحاورون فريقا ممن دأب في عظتهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أي: مخترمهم ومطهّر الأرض منهم أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً أي بل معذبهم عذابا شديدا، إذ مجرد الإهلاك قد يوجد معه لطف، وأما شدة العذاب فتلك القاصمة قالُوا أي: الوعاظ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي نعظهم معذرة إليه تعالى، لئلا ننسب إلى التفريط في وصيته بالنهي عن المنكر. وقرئ بالرفع. أي موعظتنا معذرة وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي ورجاء في أن يتقوا فيتوبوا فينجوا من الإهلاك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٥] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم، ترك الناسي للشيء، وأعرضوا عنه إعراضا كليّا، بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلا أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: المرتكبين المنكر. بِعَذابٍ بَئِيسٍ أي: شديد، وزنا ومعنى بِما كانُوا يَفْسُقُونَ بفعل المنكر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٦] فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ، أي تكبروا وأبوا أن يتركوا ما نهوا عنه قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي صاغرين أذلاء، بعداء من الناس. قال الزجاج: أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع.

стр. 2257

وقال غيره: المراد بالأمر هو الأمر التكويني، لا القولي، أي: التكليفي، لأنه ليس في وسعهم حتى يؤمروا به. وفي الكلام استعارة تخييلية. شبه تأثير قدرته تعالى في المراد من غير توقف. ومن غير مزاولة عمل واستعمال آلة، بأمر المطاع للمطيع، في حصول المأمور به، من غير توقف. كذا في (العناية) . وظاهر الآية يقتضي أن الله تعالى عذبهم أوّلا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم. ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا لما قبلها. تنبيهات: الأول: قال الجشمي: تدل الآية على أنهم تعبدوا بتحريم الصيد يوم السبت، وأنه شدد التكليف عليهم بظهورها يومئذ، وأنهم خالفوا أمر الله، وهذا القدر يقتضيه الظاهر. ومتى قيل: أفظهور الحيتان يوم السبت دون غيره من الأيام، هل كانت معجزة؟ قلنا: اختلفوا فيه. فقيل: كان معجزة لنبيّ ذلك الزمان، لأنه لا يتفق للسمك أن يأتي الأنهار كثيرا في يوم واحد، ولا يظهر في سائر الأيام. فإن كان كذلك، فلا بد أن الله تعالى قوى دواعي الحيتان يوم السبت، فظهروا. وصرفهم في سائر الأيام، فلم يظهروا، فكانت معجزة. وقيل: كانت جرت عادتهم بترك الصيد يوم السبت، فعلموا ذلك فكثروا في ذلك اليوم على عادتهم، كما اعتاد الدواب كثيرا من الأشياء. انتهى. وقد روي في اعتدائهم في السبت روايات: منها- أنهم تحيلوا لاصطياد الحيتان فيه بوضع الحبائل والبرك قبل يوم السبت، حتى إذا جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل، فلم تخلص منها يومها، فإذا كان الليل، أخذوها بعد انقضاء السبت. ومنها- أنهم كانوا يأخذونها يوم السبت بالفعل، ولكن يأكلونها في غيره من الأيام، فتأول لهم الشيطان أن النهي عن الأكل فيه منها، لا عن صيدها. فنهتهم طائفة منهم عن ذلك وقالت: ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف، أو قذف، أو بعض ما عنده من العذاب. فلما أصبحوا وجدوهم أصابهم من المسخ ما أصابهم، وإذا هم قردة- رواه عبد الرزاق وابن جرير- وثمة روايات أخر. وروي عن مجاهد أنهم مسخت قلوبهم، لا أبدانهم- والله أعلم-. الثاني- استدلّ بهذه القصة على تحريم الحيل.

стр. 2258

قال الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : ومن مكايد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع، الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته في أمره ونهيه. وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه. فإن الرأي رأيان: رأي يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي اعتبره السلف، وعملوا به. ورأي يخالف النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذي ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه، والتخلص من الحرام، وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود، يثاب فاعله ومعلمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا، فهذا الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. ثم ساق الوجوه العديدة على تحريمه وإبطاله. وقال في سادسها: إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لمّا احتالوا على إباحة ما حرم الله تعالى عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد، قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه، وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها. ليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى ﵇ وكفرا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل. واحتيال ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا- والله أعلم- مسخوا قردة، لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي أوصافه شبه منهم، وهو مخالف له في الحد والحقيقة. فلما نسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره، دون حقيقته، مسخهم الله قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم، دون الحقيقة، جزاء وفاقا. ثم روي في عاشرها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل» . الثالث- دلت الآيات على أن أهل هذه القرية صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على صيد السمك يوم السبت، كما بيّنا. وفرقة نهت

стр. 2259

عن ذلك واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ فأجابتها المنكرة: بأنا نفعل ذلك اعتذارا إلى ربنا فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم نص الله على نجاة الناهين، وهلاك الظالمين. وقال ابن كثير: وسكت عن الساكتين، لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين، أو من الناجين؟ على قولين. ويروى أن ابن عباس كان توقف فيهم، ثم صار إلى نجاتهم، لما قال له غلامه عكرمة: ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ فكساه حلة. الرابع- دل قوله تعالى: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ على أن النهي عن المنكر لا يسقط، ولو علم المنكر عدم الفائدة فيه. إذ ليس من شرطه حصول الامتثال عنه، ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، والغيرة على حدود الله، والاعتذار إليه تعالى، إذ شدد في تركه- لكفاه فائدة. ولما ذكر تعالى بعض مساوئ اليهود، تأثره ببيان. أنه حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٧] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي آذن، (كتوعد بمعنى أوعد) . من (الإيذان) بمعنى (الإعلام) أجري مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ والمعنى: وإذ حتم ربك وحكم، ليسلطن على اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك، بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم. وقد بعث الله تعالى، بعد سليمان ﵇، بختنصر مالك بابل، فخرب ديارهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وجلا كثيرا منهم إلى بابل- قصبة ممكلته- وأقاموا فيها سبعين سنة، ثم تسلطت عليهم ملوك شتى، ولبثوا زمانا طويلا يكابدون بلاء عنيفا، من تواتر

стр. 2260

الحروب على بلادهم، إلى أن صاروا جميعا تحت سلطة الرومان، بعد ولادة عيسى ﵇ بإحدى وسبعين سنة، واستؤصلوا من أرضهم، وتفرقوا في البلاد شذر مذر، صاغرين مقهورين. ومن هاهنا، استدل من استدل بأنهم لا يكون لهم دولة ولا عز، وباتصال ذلهم. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ لمن أقام على كفره، ونبذ وصاياه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن تاب وآمن وعمل صالحا. ثم أخبر تعالى عن تبددهم في الأقطار بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٨] وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقنا بني إسرائيل في الأرض، وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها، بحث لا تخلو ناحية منها، منهم، تكملة لإدبارهم، حتى لا تكون لهم شوكة مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي من ينحط عن درجة الصلاح، لكفر أو فسق وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ أي النعم والنقم التي هي أمثلة أجزاء الصلاح والفسق لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن أسباب السيئات إلى الحسنات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٩] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هؤلاء المذكورين خَلْفٌ أي بدل سوء. والمراد بهم الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ . (والخلف) مصدر، ولذا يوصف به المفرد وغيره، وقد شاع في الطالح، ومفتوح اللام ب (الصالح) ، وربما جاء عكسه وَرِثُوا الْكِتابَ أي التوراة من أسلافهم المختلفين، يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها كما قال: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا، وما يتمتع به منها. وفي قوله هذَا الْأَدْنى تخسيس وتحقير. و (العرض) بفتح الراء، ما لا ثبات له، ومنه استعار

стр. 2261

المتكلمون (العرض) لمقابل (الجوهر) . و (الأدنى) إما من الدنوّ، بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب بالنسبة إلى الآخرة. وإما من دنوّ الحال وسقوطها وقلتها وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا أي يعتاضون عن بذل الحق ونشره، بعرض الحياة الدنيا، ويتحكمون على الله تعالى بأنه لا يؤاخذهم بما أخذوا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ الواو للحال، أي يرجون المغفرة، وهم مصرّون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين، كلما لاح لهم مثل الأول أخذوه. أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي الميثاق الوارد فيه أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي فلوا صح ما تحكموا به على الله، لم يكن لأخذ هذا الميثاق معنى. ثم أخبر تعالى أن أخذهم ليس عن جهلهم بذلك الميثاق بقوله: وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي قرءوا ما في الكتاب من الميثاق مرة بعد مرة وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ أي من ذلك العرض الخسيس لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي أخذ هذا الأدنى بدل كتم الحق أَفَلا تَعْقِلُونَ أي فتعلموا ذلك، فلا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العقاب، بالنعيم المخلد. وقرئ بالياء. وفي الالتفات تشديد للتوبيخ. ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ ، كما هو مكتوب فيه، بقوله سبحانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٠] وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي يتمسكون به في أمور دينهم. يقال: مسّك بالشيء وتمسك به. وقرئ يمسكون، من (الإمساك) وتمسكوا واستمسكوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ من وضع الظاهر موضع المضمر، تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، لأن التعليق بالمشتق يفيد علة مأخذ الاشتقاق فكأنه قيل: لا نضيع أجرهم لإصلاحهم. فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ أجيب: بأن إفرادها، إظهارا لمزية الصلاة- لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان. قال الجشمي: تدل الآية على وعيد المعرض عن الكتاب، ووعد من تمسّك به، تنبيها لنا وتحذيرا عن سلوك طريقتهم. وتدل على أن الاستغفار باللسان، وتمني المغفرة لا ينفع حتى يكون معهما التوبة والعمل.

стр. 2262

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧١] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي رفعناه كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي سحابة وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي ساقط عليهم، لأن الجبل لا يثبت في الجوّ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي وقلنا، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من أحكام التوراة بِقُوَّةٍ أي عزيمة وجد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي بالعمل ولا تتركوه كالمنسي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي مساوئ الأعمال، أو راجين أن تنظموا في سلك المتقين. وهذه الآية كقوله تعالى وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ [النساء: ١٥٤] . وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف: أنهم راجعوا موسى في فرائض التوراة وشرائعها، حتى رفع الله الجبل فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى: (ألا ترون ما يقول ربي ؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها، لأرمينكم بهذا! فخرّوا سجّدا، فرقا من أن يسقط عليهم) - رواه النسائي وسنيد-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٢] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، من أنهم كانوا نطفة قذفت إلى رحم الأمهات، ثم جعلت علقة، ثم مضغة، ثم أنشأهم بشرا سويا حيّا مكلفا، فجعل خلقه إياهم كذلك، إخراجا من أصلابهم، لأن أصلهم خرج منها، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بَنِي آدَمَ بدل البعض. وقرئ (ذرياتهم) وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي أشهد كل واحدة من أولئك الذريات المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها، تقريرا لهم بربوبيته التامة. قال الجشمي: أي أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقته، وغرائب صنعته، من أعضاء سوية، وحواس مدركة، وجوارح ظاهرة، وأعصاب وعروق وغير ذلك، مما يعلمه من تفكر فيه، وكلها تدل عليه وعلى صفاته ووحدانيته، فبالإشهاد بالأدلة، صار كأنه أشهدهم بقوله.

стр. 2263

وقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ على إرادة القول، أي قائلا: ألست بربكم، ومالك أمركم ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤونكم، فينتظم استحقاق المعبودية، ويستلزم اختصاصه به تعالى: قالُوا بَلى شَهِدْنا أي على أنفسنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك، لأنهم بما ظهر عليهم من آثار الصنعة صاروا كأنهم قالوا بَلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان. فالآية من باب التمثيل المعروف في كلام العرب. مثّل تعالى خلقهم على فطرة التوحيد، وإخراجهم من ظهور آبائهم، شاهدين بربوبيته شهادة لا يخالجها ريب، بحمله إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلا. والقصد من الآية الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته تعالى معرفة فطرية، لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠] ، والفطرة هي معرفة ربوبيته. وفي الصحيحين «١» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟» . والجمعاء سالمة الأذن، والجدعاء مقطوعتها. وفي صحيح مسلم «٢» عن عياض بن حمار قال رسول الله ﷺ : «يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» . وروى الطبري عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله ﷺ : «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها» . قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... الآية- رواه الإمام أحمد «٣» والنسائي، بدون استشهاد الحسن بالآية.

стр. 2264

وأما الأخبار المروية في إخراج الذرية من صلب آدم ﵇، وتكليمه تعالى إياهم، ونطقهم، ثم إعادتهم إلى صلب أبيهم- فغير صحيحه الإسناد. وما حسن إسناده منها فغير صريح في ذلك، بل هو أقرب إلى ألفاظ الآية، كما بينه الحافظ ابن كثير. قال ﵀: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض والأسود. وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا: ومعنى (أشهدهم) أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله: الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا [الأنعام: ١٣٠] ، الآية- وتارة تكون حالا كقوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: ١٧] ، أي حالهم شاهدا عليهم بذلك، لأنهم قائلون ذلك. وكذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات: ٧] ، كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كقوله: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] . قالوا: مما يدل على أن المراد هذا، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع كما قاله من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. أَنْ تَقُولُوا أي كراهة أن تقولوا: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي الذي يسأل فيه عن الربوبية والتوحيد إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا أي عن ربوبيته وتوحيده غافِلِينَ أي لم ننبّه عليه. فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر، صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك. إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٣] أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا أي سنوا الإشراك واخترعوه مِنْ قَبْلُ أي من

стр. 2265

قبل زماننا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أي فنشأنا على طريقتهم، احتجاجا بالتقليد، وتعويلا عليه، فقد قطعنا العذر بما بيّنا من الآيات أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أي أتؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك، وأسسوا من الباطل، أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول، وأقوال الرسل؟ والاستفهام للإنكار، أي أنت حكيم لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء، وقد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل. والمعنى: أزلنا الشبهتين بأن الإقرار بالربوبية والتوحيد، هو في أصل فطرتكم، فلم لم ترجعوا إليه عند دعوة العقول والرسل؟ والفطرة أكبر دليل، فهي تسد باب الاعتذار بوجه ما. لا سيما والتقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الاستدلال بها، مما لا مساغ له أصلا. تنبيهات الأول- وافق الإمام ابن كثير، في هذا المقام أيضا الجشمي في تفسيره، قال: ويروي أصحاب الحديث عن أسلافهم من الآثار موقوفة ومرفوعة، ويجعلون ذلك تأويلا للآية، وهو أنه تعالى مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته، أمثال الذر، فقال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى طائعين. ثم أعادهم في صلب آدم. وإن تأويل الآية على ذلك. قال: وقد ذكر مشايخنا ﵏ أن ذلك فاسد، وأن ظاهر الآية يخالف ذلك، وذكروا في الرواية ما نذكره. قالوا: فمما يدل على فساده وجوه: منها: أنه لو كان حال كما ذكروا، لذكرناه، لأن مثل ذلك الأمر العظيم لا ينساه العاقل، خصوصا إذا كان إشهادا عليه، ليعمل به. ومنها: ما ذكره شيخنا أبو عليّ، أن ظهر آدم لا يسع هذا الجمع العظيم، وهذا شنيع من الكلام. ومنها: أنه ذكر أنه خلقنا من نطفة، وكل ولد ولد من أب ومن نطفة، فلو خلقهم ابتداء لا من شيء، لم يصح ذلك. ومنها: أن الجزء الواحد، لا يجوز أن يكون حيّا عاقلا، لأن تلك البنية، لا تحمل الحياة، فلا بد من أن يكون مؤلفا من أجزاء، وحينئذ لا يصح أن يكون الجميع في ظهر آدم. ومنها: أنه يفتح باب التناسخ، والقول بالرجعة، لأن لهم أن يقولوا: إذا جاز الإعادة ثمة، لم ينكر التناسخ.

стр. 2266

ومنها: أنه لا بد أن يكون فيه فائدة، وفائدته أن يذكره ليجري على تلك الطريقة، وإذا لم يذكره بطلت فائدته. ومنها: أن الاعتراف لا يصح إلا وقد تقدم حال لهم عرفوا ذلك، فكيف يصح في ابتداء الخلق، إلى غير ذلك مما لا يقبله العقل. ثم قال: قال مشايخنا ﵏: والآية ظاهرها بخلاف قولهم من وجوه: منها: أنه قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل (من آدم) . وقال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل (من ظهره) . وقال: ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل (ذريته) . ومنها: أنه قال: أَنْ تَقُولُوا يعني فعل ذلك، لكيلا تقولوا: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ. وأي غفلة أعظم من أن جميع العقلاء لا يذكرون شيئا من ذلك. ومنها: أنه قال: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك. وكل ذلك يبين فساد ما قالوا. ولم يصحح أحد من مشايخنا هذه الرواية، ولا قبلها، بل ردها. غير أبي بكر أحمد بن عليّ، فإنه جوّز ذلك من غير قطع على صحته. غير أنه قال: ليس ذلك بتأويل الآية، وذكر أن فائدة ذلك أن يجروا على الأعراق الكريمة في شكر النعمة، والإقرار بالربوبية. كما قال: إنهم ولدوا على الفطرة. قال: وأخرجهم كالذر ثم الهمهم حتى قالوا بلى. انتهى ما قاله الجشمي. الثاني- تدل الآية على فساد التقليد في الدين، وتدل على أنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره الجشمي. الثالث- استدل بهذه الآية والأحاديث المتقدمة في معناها، أن معرفته تعالى فطرية ضرورية، قال تعالى: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] ، وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] . قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون: ٨٦- ٨٧] . وعن عمران بن حصين قال: قال النبيّ ﷺ لأبي: «يا حصين: كم تعبد اليوم إلها؟ قال أبي: سبعة ستا في الأرض، وواحدا في السماء؟ قال: فأيهم تعدّ لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء» - رواه الترمذي «١» - فالله تعالى فطر الخلق كلهم

стр. 2267

على معرفته فطرة توحيد، حتى من خلق مجنونا مطبقا مصطلما لا يفهم شيئا، ما يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس، فطرة بالغة. قال التقي ابن تيمية: إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس. وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته، حتى يحتاج إلى نظر يحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار أن المعرفة تحصل بالضرورة، وقد تحصل بالنظر لمن فسدت فطرته، كما اعترف بذلك خلائق من أئمة المتكلمين. وقال أيضا: ذهب طوائف من النظار إلى أن معرفة الله واجبة، ولا طريق لها إلا بالنظر فأوجبوا النظر على كل أحد. وهذا القول إنما اشتهر في الأمة عن المعتزلة ونحوهم. ولهذا قال أبو جعفر السمناني وغيره: إيجاب الأشعري النظر في المعرفة بقية بقيت عليه من الاعتزال. وذكر ﵀ أن الذي يدل عليه كلامه الأئمة والسلف- وهو أعدل الأقوال- أن النظر يجب في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال، لا من اللوازم العامة. والذين أوجبوا النظر ليس معهم ما يدل على عموم وجوبه، إنما يدل على أنه قد يجب، كقوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس: ١٠١] . وقوله فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: ٥] ، فإنه خطاب مع المتكبرين الجاحدين، أمروا بالنظر، ليعرفوا الحق، ويقرّوا به، ولا ريب أن النظر يجب على هؤلاء. قال أبو حيّان التوحيدي في (مقابساته) في المقابسة الثانية والأربعين: قيل لأبي الخير: حدثنا عن معرفة الله، تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب أن يحصل لنا جواب، فيفسر على حد الاختصار مع البيان. فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحسّ. ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، ساغ أن يظن مرة أن معرفته تعالى اكتساب واستدلال، لأن الحسن يتصفح ويستقوي بمؤازرة العقل ومظاهرته وتحصيله. وأن يظن تارة أنها ضرورة، فإن العقل السليم من الآفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه جحده وإنكاره والتشكك فيه لكن ضرورة لائقة بالعقل. لأن ضرورة العقل ليست

стр. 2268

كضرورة الحس. لأن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه، وضرورة العقل لطيفة جدّا. لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويخفف. ثم ضرب مثلا لطيفا، وقال بعده: فعلى هذا، فإن الله تقدس اسمه، معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيرا ولا يثبت أصلا، فمن أستدل ترقى من الجزئيات. ومن ادعى الاضطرار انحدر من الكليات. وكلا الطريقين قد وضح بهذا الاعتبار وكفي مؤونة الخبط والإكثار. فأما ما ينظر منه في الجدال، فلا يرث منه إلا الشك والفرقة والحمية والعصبيّة. وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استيلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة. أخذ الله بأيدينا، وكفانا الهوى الذي يؤذينا- انتهى-. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٤] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي مثل ما ذكرنا، نبيّن الأدلة والحجج، ليرجعوا إلى الحق. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٥] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي على قومك أو على اليهود نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا أي علم الكتاب، فلطف به حتى تعلم وفهم المعاني، وصار عالما بها فَانْسَلَخَ مِنْها بأن نزع العلم عنه فكفر بها، وخرج منها خروج الحية من جلدها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ أي فلحقه وأدركه وصار قرينا له حتى أضله فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٦] وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أي لعظمناه بالعمل بها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ أي

стр. 2269

مال إلى الدنيا، ورغب فيها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات، والتكليف بها، والتعظيم من أجلها، وعدم ذلك. كالكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه، أي تشدّ عليه وتهيجه، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه، فلهثه موجود في الحالتين جميعا ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي من التوراة أو غيرها فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٧] ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) ساءَ مَثَلًا أي ما مثل به الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي حيث شبهوا بالكلاب، إما في استواء الحالتين في النقصان، وأنهم ضالون، وعظوا أم لم يوعظوا كما قدمنا. وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز الهدى والعلم، وأقبل على هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله. ولهذا ثبت في الصحيح عنه ﷺ قال «١» : ليس لنا مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه . وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ اعلم أن من السلف من ذهب إلى أن هذه الآية مثل ضربه الله لمن عرض عليه الإيمان فأبى أن يقبله وتركه، وهو قول قتادة وعكرمة واختاره أبو مسلم، حيث قال: قوله آتَيْناهُ آياتِنا أي بيناها، فلم يقبل، وعرى منها. وسواء قولك: انسلخ وعرى وتباعد. وهذا يقع على كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر. قال: ونظيره قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [النساء: ٤٧] ، وقال في حق فرعون: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى [طه: ٥٦] . ومنهم من ذهب إلى أن الموصول فيها أريد به معيّن، فروي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم وأبي روق أنه أمية بن أبي الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمدا ﵊، حسده، ثم مات كافرا، ولم يؤمن بالنبيّ ﷺ . وهو الذي قال فيه رسول

стр. 2270

الله «١» (إنه آمن شعره وكفر قلبه) يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده) . وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب، الذي سماه النبيّ ﷺ (الفاسق) ، كان يترهب في الجاهلية. فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق، وأتى قيصر واستنجده على النبي ﷺ ، فمات هناك طريدا وحيدا. وهو قول سعيد بن المسيّب. وقيل نزلت في منافقي أهل الكتاب. كانوا يعرفون النبيّ ﷺ ، فأنكروه. عن الحسن والأصم. وقيل: إنه فرعون. والآيات آيات موسى، كأنه لما اقتص أنبياء بني إسرائيل عاد إلى قصة فرعون وضرب له المثل. ومن الأقوال التي تناقلها المفسرون أنها نزلت في بلعام بن بعور، ويحكون عنه قصة لم ترو في جوامع الآثار الصحيحة عندنا، ولا هي مطابقة لما عند أهل الكتاب. فقد ذكر نبؤه في الفصل الثاني والعشرين والثالث والعشرين من سفر العدد، من تاريخ التوراة، بغير ما يرويه المفسرون عنه. ثم رأيت الجشميّ لم يصحح ذلك، فحمدت المولى على الموافقة. وعبارته: «وعن مجاهد قال: هو نبي يقال له بلعم. رشاه قومه فكفر. وهذا لا يجوز، لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر. لأن ذلك ينفّر الخلق عن الأنبياء، والقبول منهم، ويحقرهم في النفوس، ولأنهم حجج الله على خلقه، اصطفاهم. فالأقرب أنه لا يصح عن مجاهد» - انتهى- وهو كذلك لأن من قرأ نبأه السفر المتقدم، رأى من ثباته، وعدم موافقته لبالاق، ملك موأب، على ما أراد منه- ما يبرئه عن ذلك. تنبيه: قال الجشمي: إن قيل: كيف تتصل الآية بما قبلها؟ قلنا: على القول بأنه عنى بها فرعون فقد اتصلت قصته بقصة بني إسرائيل. وقيل لما نهى عن تقليد الآباء في الدين، بيّن في هذه الآية حال علماء السوء، الذين يختارون الدنيا على الآخرة. نهيا عن تقليدهم واتباعهم، كما نهى عن تقليد الآباء. وقيل: لما تقدم ذكر أخذ الميثاق، بين حال من آتاه الله الآيات فانسلخ منها ولم يتبعها.

стр. 2271

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٨] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال أبو السعود: لما أمر النبي ﷺ بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين الذين مثلهم كمثله، ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة، ويهتدوا إلى الحق- عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله ، وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء، من غير تأثير لها فيه، سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره نحو تحصيله، حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، كسائر أفعال العباد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٩] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلَقَدْ ذَرَأْنا أي خلقنا لِجَهَنَّمَ أي لدخولها والتعذيب بها كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وهم الكفار من الفريقين، الموصوفون بقوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها أي آيات الله الهادية إلى الكمالات وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها أي دلائل وحدته، بصر اعتبار وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أي الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، يعني أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ. [الأحقاف: ٢٦] ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ أي السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها، إلا في الذي يقيتها، كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١] ، أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. وقوله تعالى: بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي الأنعام، إذ ليس للأنعام قوة تحصيل تلك الكمالات ودفع تلك النقائص. وهم مع ما لهم من تلك القوة قد خلوا عن الكمالات، وعن دفع أضدادها، فكانوا أردأ حالا منها، لنقصهم مع وجود قوة الكمال فيهم. وأيضا: الأنعام تبصر

стр. 2272

منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره. وهؤلاء، أكثرهم يعلم أنه معاند، فيقدم على النار. وأيضا: الأنعام قد تستجيب لراعيها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، وأيضا: إنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها، وإما بتسخيرها، بخلاف هؤلاء، فإنهم خلقوا ليعبدو الله، ويوحدوه، فكفروا به وأشركوا أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي عن تلك الكمالات والنقائص، ليهتموا لتحصيلها ودفعها، اهتمامهم لجر المنافع الدنيوية، ودفع مضارّها. تنبيه: قال أبو السعود: المراد بهؤلاء الذين ذرئوا لجهنم، الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، لكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا، بل يصرّون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر. فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيّا بها، كما أن جميع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطريّ للعبادة، وتمكنهم التام منها، جعل خلقهم مغيّا بها. كما نطق به قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] . وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٠] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى روى مقاتل أن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن. فقال بعض المشركين: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربّا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فنزلت الآية . و (الحسنى) تأنيث (الأحسن) . والمعنى: لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ أي يميلون عن الإقرار بها ويجحدونها، ويعدلون عنها كفرا بها. كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً [الفرقان: ٦٠] أي زادهم ذكر الرحمن نفورا. ولذا قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: ١١٠] ، وقوله تعالى: سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان بها.

стр. 2273

تنبيهات الأول- قال السيد محمد بن المرتضى اليمانيّ في (إيثار الحق) : مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم. وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة. ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم. ولذلك عدّ مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها، من أعظم مكائدهم للإسلام. فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا. فذموا الأمر المحمود ومدحوا الأمر المذموم، القائم مقام النفي والجحد المحض. وضادّوا كتاب الله ونصوصه الساطعة. قال الله ﷻ وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ... الآية. وقال قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠] الآية- فما كان منها منصوصا في كتاب الله، وجب الإيمان به على الجميع، والإنكار على من جحده، أو زعم أن ظاهره اسم ذم لله سبحانه. وما كان في الحديث وجب الإيمان به على من عرف صحته. وما نزل عن هذه المرتبة، أو كان مختلفا في صحته، لم يصح استعماله. فإن الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق أنه تسمى به. انتهى. الثاني: روى الشيخان «١» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر» . وفي رواية: من أحصاها . قال البخاري «٢» : أحصيناه: حفظناه وأخرجه الترمذيّ «٣» وزاد سوق الأسماء معدودة: ثم قال: ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن ماجة «٤» أيضا. فسرد الأسماء بزيادة ونقصان. قال الحافظ ابن كثير: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعانيّ عن زهير بن محمد بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي. انتهى.

стр. 2274

وقال النووي: اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه . وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود من الحديث الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصرها. ولهذا جاء في الحديث «١» الآخر: أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم، أن لله ألف اسم. انتهى. وقال السيد اليمانيّ في (إيثار الحق) : عادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء، ولا ينبغي ترك شيء منها، ولا اختصاره! فإن ذلك كالاختصار للقرآن الكريم. ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره، ما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم. وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها، مع الاختلاف الشهير في صحته. وحسبك أن البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله. واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه، ولكن الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده، من أحصاها، بالجنة كما اتفق على صحته. وليس يستيقن إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الأسماء. فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصى، بطل اليقين بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما اتفق على صحته بعد ذلك، وهو النادر وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المرويّ بالضرورة والنص. أما الضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك. وأما النص، فحديث ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «٢» : «ما قال عبد أصابه همّ أو حزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكان حزنه فرحا» - رواه أحمد، وأبو عوانة في (صحيحه) وأبو يعلى والبزار. ثم أخذ اليمانيّ يذكر ما وجده من الأسماء منصوصا، غير معرّج على التقليد. فانظره في (إيثار الحق) فإنه جوّد البحث بمنزع شريف.

стр. 2275

الثالث- قال بعض مفسري الزيدية في قوله تعالى فَادْعُوهُ بِها: المعنى سموه بها، وفي ذلك أمر بدعائه بالأسماء الحسنى، وهو أمر ندب إذا حمل على التلاوة بالتسعة والتسعين، وحث على ذلك في الحديث عنه ﷺ . وإن أريد بالتسمية بما فيه مدح، دون ما فيه إلحاد، فذلك وجوب. الرابع- قال السيد اليماني في (إيثار الحق) : هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له ؟ قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: ٦٠] ، وذكر أهل التفسير واللغة أنه الوصف الأعلى، وكذلك جاء في كلام علي ﵇ أنه قال: فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته- ذكره السيد أبو طالب في (الأمالي) بإسناده، والسيد الرضي في (النهج) كلاهما في جوابه ﵇، على الذي قال له: صف لنا نار ربنا- وهذا لا يعارض قوله سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ [الأنعام: ١٠٠] ، لأنه لم ينزه ذاته عن الوصف مطلقا، حتى يعم الوصف الحسن، وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل القبيح. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨١] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي للجنة، لأنه في مقابلة وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الأعراف: ١٧٩]- قاله النسفيّ- أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يدعون إليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي يعملون ويقضون. وقد جاء في الآثار، أن المراد بالأمة، هذه الأمة المحمدية. وقال قتادة: بلغنا أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها. وعن الربيع بن أنس- في هذه الآية- قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل» . وفي الصحيحين «١» عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة» . وفي رواية: حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

стр. 2276

قال الشهاب: استدل بالآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٢] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي سنأخذهم بالعذاب من طريق لا يعلمونها، أو نفتح لهم من الأحوال ما يلائم أهويتهم، ثم نهلكهم. وأصل الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء قليلا قليلا، تشبيها بمن يرقى درجة درجة، حتى ينتهي إلى العلوّ. وقيل: أصله من الدرج الذي يطوى فكأنه يطوى منزلة بعد منزلة، كما يطوى الدرج. وقيل: لأنه من الدرجة فيكون، لأنه ينحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى حال الهلاك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٣] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) وَأُمْلِي لَهُمْ أي أمهلهم ليزدادوا إثما إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي قويّ شديد. والمعنيّون بهذا الخطاب كفار مكة. قال في (التنوير) : هم أبو جهل وأصحابه المستهزئون، أخذهم الله بعذابه في يوم (أحد) ، وأهلك كل واحد بهلاك غير هلاك صاحبه. انتهى. ويدل قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٤] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي كما يختلقون. والاستفهام، للإنكار والتوبيخ. أي: أو لم يتفكروا في أنه ليس بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق، شيء من جنة. وجوّز أن يكون الكلام تمّ عند قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا إنكارا لعدم تفكرهم في شأنه، الموقف على صدقه، وصحة نبوته. ثم ابتدأ نفي الجنة عنه تعجيبا وتبكيتا. و (الجنة) مصدر، كالجلسة، بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن. كما في قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦] ، لأنه يحوج إلى تقدير

стр. 2277

مضاف، أي مسه جنة أو تخبطها. والتعبير عنه ﷺ ب (صاحبهم) للإيذان بأن طول مصاحبتهم له، مما يطلعهم على نزاهته عما ذكر، ففيه تأكيد للنكير، وتشديد له إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ أي رسول مخوّف مُبِينٌ أي موضح إنذاره، مبالغة في الإعذار. ولما نعى عليهم تفكرهم في شأنه ﷺ ، أنكر إخلالهم في التأمل بالآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس، الشاهدة بصحة الآيات المنزلة، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٥] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا أي نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم والسحاب. والملكوت: الملك العظيم وَالْأَرْضِ أي وفي ملكوت الأرض، من البحار والجبال والدواب والشجر وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم (الشيء) ، من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ عطف على (ملكوت) . أي في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي القرآن يُؤْمِنُونَ أي إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسا، ونفي له بالكلية. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على وجوب النظر في الأدلة، وأنها طريق المعرفة. وتدل على أنه لا شيء ينظر فيه، إلا ويعرف الله تعالى به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٦] مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي في كفرهم يتحيرون. يعني أن من كتب عليه الضلالة، فلا يهديه أحد، ولا يغنيه النظر، ولا الإنذار. كما قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [المائدة: ٤١] .

стр. 2278

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي عن قيامها وحينها أَيَّانَ مُرْساها أي متى إرساؤها أو وقت إرسائها، أي إثباتها وإقرارها. والرسوّ يستعمل في الأجسام الثقيلة، وإطلاقه على المعاني، تشبيها لها بالأجسام قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا يظهرها في وقتها إلا هو ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي عظمت وكبرت على أهلها لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة. أو ثقل علم وقتها على أهلهما. أو عظم وصفها على أهل السموات والأرض، من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي فجأة على حين غفلة منكم يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي عالم بها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي أن علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه. لطيفة: قال الزمخشري: فإن قلت. لم كرر يَسْئَلُونَكَ وإِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؟ قلت: للتأكيد، وما جاء به من زيادة قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدة زائدة. انتهى. وقال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجلّ من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير، أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته. وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي إلى قوله بَغْتَةً أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطرّي ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول، مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل: يَسْئَلُونَكَ

стр. 2279

ولم يذكر المسؤول عنه، وهو (الساعة) اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا، فقال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ. ويلاحظ هذه في تلخيص الكلام بعد بسطه. ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد، تتطرية للذكر، قوله: عجّل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... شحم إن قد مللناه بجل أي فقط، فذكر الألف واللام، خاتمة للأول من الرجزين، ثم لما استفتح الرجز الثاني، استبعد العهد بالأولى، فطرّي ذكرها، وأبقى الأول في مكانها. ومن ثم استدلّ ابن جني. على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء، فهو بيت كامل، وليس بنصف، كما ذهب إليه أبو الحسن. قال: ولو كان بيتا واحدا، لم يكن عهد الأولى متباعدا، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها. ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات، وجعل آخر المصراع الأول (أل) لم يعدها أول المصراع الثاني، لأنها بيت واحد، فلم ير عهدها بعيدا، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي: يا خليليّ أربعا واستخبرا ال ... منزل الدّارس عن أهل الحلال مثل سحق البرد عفّى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشّمال (أربعا: أقيما. الحلال: اسم امراة. سحق البرد: يريد مثل البرد المسحوق أي البالي. وعفى، بالتشديد: محا. القطر: المطر. مغناه. هو الموضع الذي كانوا يسكنونه. والشمال- بالفتح والكسر- من الرياح، ما مهبّه من مطلع الشمس وبنات نعش. وهي لا تكاد تهب ليلا. وتأويبها: هبوبها النهار كله) ثم استرسل فيها كذلك بضعة عشر بيتا. فانظر هذه النكتة، كيف بالغت العرب في رعايتها، حتى عدت القريب بعيدا، والمتقاصر مديدا. فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند الحذاق الأعيان، في صناعتي العربية والبيان، والله المستعان- انتهى-. (والقصيدة بتمامها في (مختارات ابن الشجريّ) بالصفحة رقم ٣٧) ثم أمره تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٨] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا أقدر، لأجل نفسي، على جلب نفع مّا،

стр. 2280

ولا على دفع ضرّ ما إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي تمليكه لي من ذلك بأن يلهمنيه، فيمكنني منه، ويقدرني عليه. وهذا كقوله تعالى في سورة يونس وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يونس: ٤٨- ٤٩] . وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ أي النفع، بترتيب أسبابه، فكنت مثلا أعد للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي الضر، للتوقي عن أسبابه إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب. وقوله تعالى: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يجوز أن يتعلق ب نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ جميعا، لأن المؤمنين هم المنتفعون بالنذارة والبشارة، أو يتعلق ب بَشِيرٌ وحده، ومتعلق النذير محذوف، أي للكافرين، وحذف للعلم به. وقال الشهاب: ليطهر اللسان منهم. ثم بيّن تعالى عظم جناية الكفرة في جراءتهم على الإشراك، بتذكير مبادئ أحوالهم المنافية له، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٩] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نفس آدم ﵇ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من جنسها، كقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الروم: ٢١] ، لِيَسْكُنَ إِلَيْها أي ليطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده، ويحبه محبة لكونه بضعة منه. وذكّر لِيَسْكُنَ بعد ما أنث في قوله واحِدَةٍ ومِنْها زَوْجَها ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده الزمخشري. فَلَمَّا تَغَشَّاها أي وطئها. و (التغشي) كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة فَمَرَّتْ بِهِ أي فاستمرت به خفيفة، وقامت وقعدت فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً أي ولدا سويا قد صلح بدنه، أو
следующие страницы →