← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته وتكامل عدته، وتمهّد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال، ليست إلا صنعا من الله سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته، وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى الّتي أناخ بها المشركون، كان فيها الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار (ما لان من الأرض واسترخى) تسوخ فيه الأرجل، ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدوّ، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميّتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذبّ عن الحريم، والغيرة على الحرب، على بذل جهيداهم في القتال، وألا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط همومهم، ويوطن نفوسهم، على ألا يبرحوا موطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبّر سبحانه من أمر وقعة بدر، ليقضي أمرا كان مفعولا، من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين، مبهمة غير مبيّنة، حتى خرجوا ليأخذوا العير، راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا غيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا، وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان، انتهى. قال الناصر في (الانتصاف) : وهذا الفصل من خواص حسنات الزمخشري، وتنقيبه عن أسرار الكتاب العزيز. وقوله تعالى: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي ولو تواعدتم أنتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم، على الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيّب رسول الله ﷺ والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له. قاله الزمخشري. وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عبر قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. وروى ابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر

стр. 2347

هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة وشهد الناس بعضهم إلى بعض. وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ولكن جمع بينكم على هذه الحال على غير ميعاد، ليقضي ما أراد من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم. وقوله كانَ مَفْعُولًا أي حقيقا بأن يفعل. وقيل: كانَ بمعنى (صار) أي صار مفعولا، بعد أن لم يكن. وقيل: إنه عبر به عنه لتحققه حتى كأنه مضى. وقوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أي إنما جمعكم مع عدوّكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصركم عليهم، ويرفع حجة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة،، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنه مبطل لقيام الحجة عليه. ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ويقين، بأنه دين الحق، الذي يجب الدخول فيه، والتمسك به. وذلك أن ما كان من وقعة (بدر) ، من الآيات الغرّ المحجّلة، التي من كفر بعدها، كان مكابرا لنفسه، مغالطا لها. لطائف: الأولى- قوله تعالى لِيَهْلِكَ بدل من لِيَقْضِيَ أو متعلق ب مَفْعُولًا. الثانية- الحياة والهلاك استعارة للكفر والإسلام، وقرئ لِيَهْلِكَ بفتح اللام. الثالثة- حَيَّ يقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان متحركان، فهو مثل شدّ ومدّ. ومنه قول عبيدة بن الأبرص: عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه ويقرأ بالإظهار وفيه وجهان: أحدهما- أن الماضي حمل على المستقبل، وهو (يحيا) فكما لم يدغم في المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك شدّ ومدّ، فإنه يدغم فيهما جميعا. والوجه الثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين، كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لححت عليه، وضبب البلد، إذا كثر ضبة، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة، فكأن الياء الثانية ساكنة، ولو سكنت لم يلزم الإدغام، وكذلك إذا كانت في تقدير الساكن، والياءان أصل، وليست الثانية بدلا من (واو) ، فأما الحيوان، ف (الواو) فيه بدل من الياء. وأما

стр. 2348

الحواء، فليس من لفظ (الحية) ، بل من (حوى يحوي) إذا جمع- قاله أبو البقاء-. وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ أي بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٣] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا منصوب ب (اذكر) ، أو بدل آخر من (يوم الفرقان) . وذلك أن الله أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي لجبنتم وهبتم الإقدام وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي أمر الإقدام والإحجام، فتفرقت كلمتكم وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع. ولذلك دبر ما دبر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٤] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وذلك تصديقا لرؤيا رسول الله ﷺ ، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزداد يقينهم، ويجدّوا، ويثبتوا. قال ابن مسعود ﵁: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة! فأسرنا رجلا منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفا! - رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ أي في اليقظة، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور مثل في القلة، ك (أكلة رأس) أي أنهم لقلتهم يكفيهم ذلك. و (أكلة) بوزن (كتبة) ، جمع آكل، بوزن فاعل، والجزور الناقة، كذا في (العناية) . لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً أي من إظهار الخوارق الدالة على صدق دين الإسلام، وكذب دين الكفر كانَ مَفْعُولًا أي كالواجب فعله على الحكيم، لما فيه من الخير الكثير. قاله المهايمي.

стр. 2349

لطائف: الأولى- قال الزمخشري: فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثّرهم فيها بعده، ليجترؤوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة، فيبهتوا ويهابوا، وتفلّ شوكتهم، حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا وكثرتهم آخرا. الثانية- قال الزمخشري أيضا: فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلا؟ قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين- وكان بين يديه ديك واحد- فقال: مالي لا أرى هذين الديكين أربعة؟ انتهى. قال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا- يعني كلام الزمخشري- دليل بيّن على أن الله تعالى هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة، غير موقوف على سبب من مقابلة، أو قرب، أو ارتفاع حجب، أو غير ذلك. إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة للرؤية عقلا، لما أمكن أن يستر عنهم البعض، وقد أدركوا البعض، والسبب الموجب مشترك. فعلى هذا يجوز أن يخلق الله الإدراك مع اجتماعها، فلا ربط إذن بين الرؤية ونفيها في مقدرة الله تعالى؟ وهي رادّة على القدرية المنكرين لرؤية الله تعالى، بناء على اعتبار هذه الأسباب في حصول الإدراك عقلا، وأنها تستلزم الجسمية، إذ المقابلة والقرب وارتفاع الحجب إنما تتأتى في جسم. فهذه الآية حسبهم في إبطال زعمهم، ولكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون، والله الموفق. الثالثة: لا يقال: إن قوله تعالى: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مكرر مع ما سبق. لأنّا نقول: إن المقصود من ذكره أولا هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين، على وجه يكون معجزة دالة على صدقه ﷺ ، والمقصود منه هاهنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين، ثم تكثيرهم للحكمة المتقدمة. وفي قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد. ثم أرشد تعالى عباده المؤمنين إلى آداب اللقاء في ميدان الوغى، ومبارزة الأعداء، بقوله سبحانه:

стр. 2350

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أي إذا حاربتم جماعة فاثبتوا للقائهم واصبروا على مبارزتهم، فلا تفروا ولا تجبنوا ولا تنكلوا. وتفسير (اللقاء) ب (الحرب) لغلبته عليه، كالنزال ولم يصف الفئة بأنها كافرة، لأنه معلوم غير محتاج إليه وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي في مواطن الحرب، مستظهرين بذكره مستنصرين به، داعين له على عدوّكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة. وقد ثبت في الصحيحين «١» عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه، التي لقي فيها العدوّ انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال: «يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . ثم قال: اللهم! منزل الكتاب. ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم. وفي الآية إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، أشغل ما يكون قلبا، وأكثر ما يكون همّا، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٦] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في كل ما يأمران به وينهيان، وهذا عامّ،

стр. 2351

والتخصيص بالذكر هنا فيه تأكيد وَلا تَنازَعُوا أي باختلاف الآراء، أو فيما أمرتم به فَتَفْشَلُوا أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض. وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي قوتكم وغلبتكم، ونصرتكم ودولتكم، شبه ما ذكر في نفوذ الأمر وتمشيته، بالريح وهبوبها، ويقال: هبت رياح فلان، إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، قال: إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... فإن لكلّ خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون وَاصْبِرُوا أي على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهويتكم الداعية إلى التنازع، فالصبر مستلزم للنصر إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أي بالنصر. قال ابن كثير ﵀: وقد كان للصحابة ﵃، في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم، والقرون قبلهم ولا يكون لأحد من بعدهم. فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم. من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. تنبيه: قال بعض المفسرين في قوله تعالى: وَلا تَنازَعُوا، أي لا تختلفوا فيما أمركم به من الجهاد، بل ليتفق رأيكم. قال: ولقائل أن يقول: استثمر من هذا وجوب نصب أمير على الجيش ليدبّر أمرهم. ويقطع اختلافهم، فإن بلزوم طاعته، ينقطع الاختلاف. وقد فعله ﷺ في السرايا، وقال «١» : اسمعوا وأطيعوا، وإن أمّر عليكم عبد حبشي. انتهى. ولما أمر تعالى المؤمنين بالثبات والصبر عند اللقاء، أمرهم بالإخلاص فيه، بنهيهم. عن التشبه بالمشركين، في انبعاثهم للرياء، بقوله سبحانه:

стр. 2352

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٧] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً أي فخرا بالشجاعة وَرِئاءَ النَّاسِ أي طلبا للثناء بالسماحة والشجاعة وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي لا تكونوا كأبي جهل وأصحابه، وقد أتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ارجعوا، فقد سلمت عيركم. فأبوا وقالوا: لا نرجع حتى نأتي بدرا، فننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا فيه القيان، وتسمع بنا العرب. فذلك بطرهم ورثاؤهم الناس بإطعامهم. فوافوها، فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، أي: لا يكن أمركم رياء ولا سمعة ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة، في نصر دينكم، ومؤازرة نبيّكم، لا تعملوا إلا لذلك، ولا تطلبوا غيره، و (الرئاء) مصدر (راءى) ، إذا أظهر العمل للناس ليروه غفلة عن الخالق، وقد يقال رأياه مراياة ورياء، على القلب. وبَطَراً وَرِئاءَ إما مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال. و (يصدون) إما حال، بتأويل اسم الفاعل، أو بجعله مصدر فعل هو حال، وإما مستأنف. ونكتة التعبير بالاسم أولا ثم الفعل، الإعلام بأن البطر والرياء دأبهم، بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٨] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي في معاداة الرسول والمؤمنين، بأن وسوس إليهم وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي من النبيّ ﷺ وأصحابه وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أي مجير ومعين لكم فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي تلاقتا، وتراءت كل واحدة صاحبتها، فرأى الملائكة نازلة من السماء لإمداد المؤمنين نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ أي

стр. 2353

ولّى هاربا على قفاه وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ أي من عهد جواركم إِنِّي أَرى أي من الملائكة النازلة لإمداد المؤمنين ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي أن يعذبني قبل يوم القيامة وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ أي فلا يبعد مع إمهالي إلى القيامة، أن يعذبني لشدة عقابه. تنبيه: ذكروا في التزيين وجهين: أحدهما: أن الشيطان وسوس لهم من غير تمثيل، في صورة إنسان، وهو مروي عن الحسن والأصم. فالقول على هذا مجاز عن الوسوسة. والنكوص وهو الرجوع استعارة لبطلان كيده. وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان، لأنهم لما أرادوا المسير إلى بدر، خافوا من بني كنانة، لأنهم كانوا قتلوا رجلا، وهم يطلبون دمه، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل إبليس اللعين في صورة سراقة الكناني، وقال: أنا جاركم من بني كنانة، فلا يصل إليكم مكروه منهم. فقوله (إني جار لكم) على الحقيقة. وقال الإمام: معنى (الجار) هنا الدافع للضرر عن صاحبه، كما يدفع الجار عن جاره. والعرب تقول: أنا جار لك من فلان، أي حافظ لك، مانع منه. وهذا القول الثاني ذهب إلى جمهور المفسرين. روى مالك «١» في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ، منه في يوم عرفة. وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام. إلا ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة. قال الإمام: وكان في تغيير صورة (إبليس) إلى صورة (سراقة) معجزة عظيمة للرسول ﷺ ، وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني هزيمتكم، فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة، بل كان شيطانا.

стр. 2354

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٩] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ أي بالمدينة. و (إذ) منصوب ب (اذكر) مقدرا، أو ب (زين) وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يجوز أن يكون من صفة المنافقين، وتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، لأن هذه صفة للمنافقين، لا تنفك عنهم. قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠] . أو تكون الواو داخلة بين المفسّر والمفسّر نحو: أعجبني زيد وكرمه. ويجوز أن يراد: الذين هم على حرف، ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام. وعن الحسن: هم المشركون. غَرَّ هؤُلاءِ يعنون المؤمنين دِينُهُمْ فظنوا أنهم ينصرونهم به على أضعافهم وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي من يعتمد عليه فإنه ينصره على أضعافه، بالغين ما بلغوا، لأنه عزيز غالب على ما أراد، وهو يريد نصر أوليائه حكيم، وحكمته تقتضي نصرهم. وهو جواب لهم من جهته تعالى، ورد لمقالتهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٠] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا أي يقبض أرواحهم الْمَلائِكَةُ أي ملائكة القهر والعذاب مما يناسب هيئات نفوسهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ لإعراضهم عن الحق، ولهيآت الكبر والعجب والنخوة فيها وَأَدْبارَهُمْ لميلهم إلى الباطل، وشدة انجذابهم إليه، ولهيئات الشهوة والحرص والشره وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ عطف على (يضربون) بإضمار القول. أي: ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة. وجواب (لو) محذوف، لتفظيع الأمر وتهويله. وقال ابن كثير: وهذا السياق، وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عامّ في حق كل كافر. وفي سورة القتال مثل هذه الآية. وتقدم في الأنعام نحوها، وهو قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ [الأنعام: ٩٣] ، أي بالضرب فيهم بأمر ربهم.

стр. 2355

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥١] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي ما كسبتم من الكفر والمعاصي وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي بأن يأخذهم بلا جرم. فإن قيل: ما سر التعبير ب (ظلّام) بالمبالغة، مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد؟ وأجيب بأجوبة: منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالم لفلان ولفلان وهلم جرّا. فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلّام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه. ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير، انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا. ومنها: أن (ظلاما) للنسب، ك (عطار) ، أي لا ينسب إليه الظلم أصلا. ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالما، كان ظلاما، فنفى اللازم، لنفي الملزوم. ومنها: أن نفي (الظلام) لنفي الظالم، ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله، فجعل نفي المبالغة كناية عن نفي أصله، انتقالا من اللازم إلى الملزوم. ومنها: أن العذاب من العظم بحيث، لولا الاستحقاق، لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه. فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة. وأيضا: لو عذب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب، لكان ظلما عظيما، لصدوره عن العدل الرحيم. كذا في (العناية) . وفي صحيح مسلم «١» عن أبي ذرّ ﵁ عن رسول الله ﷺ أن الله

стр. 2356

تعالى يقول: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه . والحديث طويل جليل. معروف، عند المحدثين، بالحديث المسلسل بالدمشقيين. ثم بين تعالى أن سير المشركين المستمر، وعادتهم الدائمة، مع ما أرسل به النبيّ ﷺ كسير الأمم السالفة مع رسلهم، بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٢] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خبر لمقدر، أي دأب هؤلاء، كدأب آل فرعون ومن تقدمهم من الأمم، كقوم نوح، وهو عملهم الذي دأبوا، أي استمروا عليه، ثم فسره فقال: كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أي قبل يوم القيامة بِذُنُوبِهِمْ أي كما أخذ هؤلاء، لأنهم اجترءوا على معاصيه بما رأوا لأنفسهم من القوة. فضعّفهم، إظهارا لقوته إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ قال المهايمي: تأخير العذاب إنما يكون للرحمة، لكنه لما اشتد عنادهم، اشتد غضبه، لأنه شديد العقاب لمن اشتد عناده معه، فلا يكون في حقه رحمة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٣] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) ذلِكَ أي التعذيب الذي علم كونه مؤاخذة بالذنوب بِأَنَّ اللَّهَ أي بسبب أنه تعالى لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ بتبديله إياها بالنقمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من موجبات تلك النعم من اعتقاد أو قول أو عمل. وهذا إخبار عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] . قال القاشاني. كل ما يصل إلى الإنسان هو الذي يقتضيه استعداده، ويسأله بدعاء الحال، وسؤال الاستحقاق. فإذا أنعم على أحد النعمة الظاهرة أو الباطنة

стр. 2357

لسلامة الاستعداد، وبقاء الخيرية فيه لم يغيرها حتى أفسد استعداده، وغير قبوله للصلاح، بالاحتجاب وانقلاب الخير الذي فيه بالقوة إلى الشر، لحصول الرين وارتكام الظلمة فيه، بحيث لم يبق له مناسبة للخير، ولا إمكان لصدوره منه، فيغيرها إلى النقمة عدلا منه وجودا، وطلبا من ذلك الاستعداد إياها بجاذبة الجنسية والمناسبة، لا ظلما وجورا. انتهى. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي فيغير إذا غيّروا، غضبا عليهم بما يسمع منهم أو يعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٤] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فكان مبدأ تغييرهم أنهم كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي الذي رباهم بالنعم، فصرفوها إلى غير ما خلقت له بمقتضى تلك الآيات، فكانت ذنوبا فَأَهْلَكْناهُمْ أي زيادة على سلبه النعم بِذُنُوبِهِمْ أي بما صرفوا بها النعم إلى غير ما خلقت له وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ لإغراقهم النعم في بحر الإنكار بنسبتها إلى فرعون حيث أقروا بآلهيته وَكُلٌّ أي من الفرق المكذبة الكافرة،. أو من آل فرعون، ومن قبلهم، وكفار قريش: كانُوا ظالِمِينَ أي بصرف النعم إلى غير ما خلقت له، وهو نوع من الإغراق لها في بحر الإنكار لأنه مرجع التغيير لها. كذا أوّل المهايمي. وفيه إشارة إلى دفع ما يتوهم من التكرار في الآيتين، بتغاير التشبيهين فيهما، فلا يحتاج إلى دعوى التأكيد. فمعنى الأول: حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر، فأخذهم وآتاهم العذاب. ومعنى الثاني: حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم وقيل: إن النظم يأباه، لأن وجه التشبيه في الأول كفرهم المترتب عليه العقاب، فينبغي أن يكون وجهه في الثاني قوله كَذَّبُوا لأنه مثله، إذ كل منهما جملة مبتدأة بعد تشبيه، صالحة لأن تكون وجه الشبه، فتحمل عليه، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: ٥٩] وأما قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً ... فكالتعليل لحلول النكال، معترض بين التشبيهين، غير مختص بقوم، فجعله وجها للتشبيه بعيد عن الفصاحة. كذا في (العناية) .

стр. 2358

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٥] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أصرّوا على كفرهم ورسخوا فيه فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي فلا يتوقع منهم إيمان. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٦] الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ أي لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون بما فيه من العار والنار. تنبيهات: الأول- قال المهايمي: أشار تعالى إلى أنه كيف يترك نعمه على من غيّر أحواله التي كانت أسباب النعم، وقد كان بها إنسانيته، فبتغييرها لحق بالدوابّ، وبإنكار المنعم صار شرّا منها. والنعم تسلب ممن لا يعرف قدرها، فكيف لا تسلب ممن ينكر المنعم؟. الثاني- دلت الآية على جواز تحقير العصاة، والاستخفاف بهم، حيث سماهم تعالى (دوابّ) وأخبر أنهم (شرّ الدواب) . الثالث- قالوا: نزلت الآية في يهود بني قريظة، رهط كعب بن الأشرف، فإن رسول الله ﷺ ، كان عاهدهم ألا يحاربوه، ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا. فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد أيضا. ومالئوا الكفار على رسول الله ﷺ يوم الخندق. وركب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافقهم على مخالفة رسول الله ﷺ . الرابع- (الذين) بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان له، أو نصب له على الذم. وضمن (عاهدت) معنى الأخذ، حتى عدّي ب (من) أي أخذت منهم عهدهم. وقيل: (من) صلة، وقال أبو حيّان: هي للتبعيض، لأن المباشر بالذات للمعاهدة بعض القوم، وهم الرؤساء والأشراف. الخامس- قوله: وَهُمْ لا يَتَّقُونَ، حال من فاعل (ينقضون) ، أي يستمرون على النقض، والحال أنهم لا يتقون العار فيه، لأن عادة من يرجع إلى دين وعقل وحزم

стр. 2359

أن يتقي نقض العهد، حتى يسكن الناس إلى قوله، ويثقون بكلامه. فبيّن الله أن من جمع بين الكفر ونقض العهد، فهو شرّ من الدواب. ثم شرع تعالى في بيان أحكام الناقضين، بعد تفصيل أحوالهم، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٧] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ أي فإما تصادفنهم وتظفرنّ بهم فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي فرّق بهم من وراءهم من المحاربين يعني: بأن تفعل بهم من النكال وتغليظ العقوبة، ما يشرّد غيرهم خوفا، فيصيروا لهم عبرة. كما قال: لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي لعل المشرّدين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين، فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر. قال في (التاج) : وقيل: معنى فَشَرِّدْ بِهِمْ فسمّع بهم، وقيل: فزّع بهم، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة. وأصل التشريد الطرد والتفريق. ويقال. شرد به تشريدا، سمّع الناس بعيوبه. قال: أطوّف بالأباطح كلّ يوم ... مخافة أن يشرّد بي حكيم معناه أنّ يسمّع بي و (حكيم) رجل من بني سليم كانت قريش ولّته الأخذ على أيدي السفهاء. استشهد به في اللسان في مادة (ش ر د) . وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٨] وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد، إثر بيان الناقضين له بالفعل. و (الخوف) مستعار للعلم. أي: وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر، ومخايل الشرّ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي فاطرح إليهم عهدهم عَلى سَواءٍ أي على طريق مستو قصد، بأن تظهر لهم النقض، وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، كي لا يكون من قبلك شائبة خيانة أصلا، وإن كانت في مقابلة خيانتهم.

стр. 2360

وقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال، لكونها خيانة، فيكون تحذيرا له ﷺ منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثّا له ﷺ على النبذ أولا، وعلى قتالهم ثانيا، كأنه قيل. وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم، إنّ الله لا يحب الخائنين، وهم من جملتهم، لما علمت من حالهم. أفاده أبو السعود. تنبيه: دلت الآية على جواز معاهدة الكفار لمصلحة، ووجوب الوفاء بالعهد إذا لم يظهر منهم أمارة الخيانة، وتدل على إباحة نبذ العهد لمن توقع منهم غائلة مكر، وأن يعلمهم بذلك، لئلا يعيبوا علينا بنصب الحرب مع العهد. روى أصحاب السنن «١» أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب، حتى إذا انقضى العهد غزاهم. فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر! الله أكبر! وفاء لا غدر. فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء: فرجع معاوية. وروى الإمام أحمد «٢» عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم فلكم مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها. هذا، وما ذكر من وجوب إعلامهم، إنما هو عند خوف الخيانة منهم وتوقعها، كما هو منطوق الآية. وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد، بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة رسول الله ﷺ ، فلم يرعهم إلا وجيش رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة.

стр. 2361

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥٩] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَلا يَحْسَبَنَّ قرئ بالياء والتاء الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أي لا يفوتون الله من الانتقام منهم، إما في الدنيا بالقتل، وإما في الآخرة بعذاب النار. وقرئ بفتح (أن) على تقدير لام التعليل، وهذا كقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا، ساءَ ما يَحْكُمُونَ [العنكبوت: ٤] ، وقوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَأْواهُمُ النَّارُ، وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [النور: ٥٧] وقوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران: ١٩٦- ١٩٧] . وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٠] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَأَعِدُّوا لَهُمْ أي لقتال ناقضي العهد السابق ذكرهم، أو الكفار مطلقا، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أي من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها، أطلق عليه القوة مبالغة. قال الشهاب: وإنما ذكر لأنه لم يكن لهم في (بدر) استعداد تام، فنبّهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان. وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ (الرباط) في الأصل مصدر ربط، أي شدّ، ويطلق بمعنى المربوط مطلقا، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله. فالإضافة، إما باعتبار عموم المفهوم الأصلي، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر، كانتظار الصلاة وملازمة ثغر العدوّ، والمواظبة على الأمر، فإضافته لأحد معانيه للبيان، ك (عين الشمس) ومنه يعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركا. وإذا كان من إضافة المطلق للمقيد، فهو على معنى (من) التبعيضية. وقد يكون (الرباط) جمع ربيط، كفصيل وفصال. قال في (التاج) : يقال: نعم الربيط هذا، لما

стр. 2362

يرتبط من الخيل. ثم إن عطفها على (القوة) مع كونها من جملتها للإيذان بفضلها على بقية أفرادها، كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة تُرْهِبُونَ بِهِ أي تخوّفون بذلك الإعداد عَدُوَّ اللَّهِ وهو المثبت له شريكا، المبطل لكلمته وَعَدُوَّكُمْ أي الذي يظهر عداوتكم، فتخوفونهم لئلا يحاربوكم باعتقاد القوة في أنفسهم دونكم. تنبيه: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس العدوّ وهجومه. ولما عمل الأمراء بمقتضي هذه الآية، أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزا، عظيما، أبي الضيم، قوي القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الإفطار والأمصار، وخضد شوكة المستبدين الكافرين، وزحزح سجوف الظلم والاستعباد، وعاش بنوه أحقابا متتالية وهم سادة الأمم، وقادة مشعوب، وزمام الحول والطول وقطب روحي العز والمجد، لا يستكينون لقوة، ولا يرهبون لسطوة. وأما اليوم، فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف فأهملوا فرضا من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض. ولذا تعاني اليوم من غصته ما تعاني. وكيف لا يطمع العدوّ بالممالك الإسلامية، ولا ترى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد العدوّ؟ أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، وتنشئ معامل لصنع المدافع والبنادق والقذائف والذخائر الحربية؟ فلقد ألقي عليها تنقص العدوّ بلادها من أطرافها درسا يجب أن تتدبره، وتتلافى ما فرطت به. قبل أن يداهم ما بقي منها بخيله ورجله، فيقضي- والعياذ بالله- على الإسلام وممالك المسلمين، لاستعمار الأمصار، واستعباد الأحرار، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار. وبالله الهداية. وقوله تعالى آخَرِينَ أي وترهبون قوما آخرين مِنْ دُونِهِمْ أي من دون من يظهر عداوتكم، وهم المنافقون لا تَعْلَمُونَهُمُ أي أنهم يعادونكم اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ أي أنهم أعداؤكم، يظهرون عداوتهم إذا رأوا ضعفكم. ثم شجعهم سبحانه على إنفاق المال في إعداد القوة، ورباط الخيل، مبشرا لهم بتوفية جزائه كاملا، بقوله تعالى وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الذي أوضحه الجهاد يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي في الدنيا من الفيء والغنيمة والجزية والخراج، وفي الآخرة بالثواب المقيم وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي بترك الإثابة.

стр. 2363

تنبيهات: الأول- هذه الآية أصل في كل ما يلزم إعداده للجهاد من الأدوات. الثاني- في قوله تعالى تُرْهِبُونَ بِهِ إشارة إلى التجافي عن أن يكون الإعداد لغير الإرهاب كالخيلاء. وفي حديث الإمام مالك عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر ولرجل وزر. فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر. الثالث- ما ذكرناه في تأويل (الآخرين) من أنهم المنافقون، يشهد له قوله تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ، نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة: ١٠١] . ثم بين تعالى جواز مصالحة الكفار بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦١] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ جَنَحُوا أي مالوا وانقادوا لِلسَّلْمِ بكسر السين وفتحها، لغتان، وقد قرئ بهما. أي الصلح والاستسلام، بوقوع الرهبة في قلوبهم، بمشاهدة ما بكم من الاستعداد، وإعتاد العتاد فَاجْنَحْ لَها أي فمل إلى موافقتهم وصالحهم وعاهدهم، وإن قدرت على محاربتهم، لأن الموافقة أدعى لهم إلى الإيمان. ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسع سنين، أجابهم إلى ذلك، مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. و (السلم) يذكر ويؤنث- كما في القاموس- قال الزمخشري: (السلم) تؤنث تأنيث نقيضها، وهي الحرب. قال العباس بن مرداس: السّلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي لا تخف في الصلح مكرهم، فإنه يعصمك من مكرهم إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ أي بأحوالهم، فيؤاخذهم بما يستحقون، ويردّ كيدهم في نحرهم.

стр. 2364

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٢] وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ أي بالصلح لتكفّ عنهم ظاهرا، وفي نيتهم الغدر فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي كافيك بنصره ومعونته. قال مجاهد: يريد قريظة. ثم علل كفايته له، بما أنعم عليه من تأييده ﷺ بنصره وبالمؤمنين، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ أي يوم بدر بعد الضعف، من غير إعداد قوة ولا رباط وَبِالْمُؤْمِنِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٣] وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي جمع بين قلوبهم وكلمتهم، بالهدى الذي بعثك الله به إليهم، بعد ما كان فيها العصيبة والضغينة لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي من الذهب والفضة ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ إذ لا يدخل ذلك تحت قدرة البشر، لكونه من عالم الغيب وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ أي بين قلوبهم بدينه الذي جمعهم إليه إِنَّهُ عَزِيزٌ أي غالب في ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن حَكِيمٌ أي فاقتضت حكمته ذلك، لما فيه من تأييد دينه، وإعلاء كلمته. قال الزمخشري رحمه الله تعالى: التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ ، من الآيات الباهرة. لأن العرب، لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة، في أدنى شيء، وإلقائه بين أعينهم، إلى أن ينتقموا، لا يكاد يأتلف منهم قلبان. ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله ﷺ ، واتحدوا وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحابّ والتوادّ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله، والبغض في الله ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كما شاء، ويصنع فيها ما أراد. وقيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم. ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى. وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس. وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه، ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارا وعادوا أعوانا،

стр. 2365

وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته. انتهى. وإنما ضعف القول الثاني لأنه ليس في السياق قرينة عليه. كذا في (العناية) . أقول: لكن شهرة ما كان بين هذين البطنين من التعادي الذي تطاول أمده، واستحال قبل البعثة نضوب مائه، يصلح أن يكون قرينة. ونقل علماء السيرة أن النبيّ ﷺ ، لما لقي في الموسم الرهط من الخزرج، ودعاهم إلى الله تعالى. فأجابوه وصدقوه، قالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، نعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك. رواه ابن إسحاق وغيره. وفي الصحيحين «١» أن رسول الله ﷺ لما خطب الأنصار في شأن غنائم (حنين) قال لهم يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ كلما قال شيئا قال: الله ورسوله أمنّ. لطيفة: روى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء. ثم يقرأ: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ ... الآية. وعند البيهقي نحوه. وقال: ذلك موجود في الشعر: إذا بتّ ذو قربى إليك بزلة ... فغشّك واستغنى فليس بذي رحم ولكنّ ذا القربى الذي إن دعوته ... أجاب، وأن يرمي العدوّ الذي ترمي قال: ومن ذلك قول القائل: ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم ... وبلوت ما وصلوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأسباب قال البيهقي: لا أدري هذا موصولا بكلام ابن عباس، أو هو قول من دونه من الرواة.

стр. 2366

قال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية، على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات، كلها من خلق الله تعالى. وذلك لأن الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ . انتهى. ولما بين تعالى كفايته لنبيه ﷺ عند مخادعة الأعداء، في الآية المتقدمة، أعلمه بكفايته له في جميع أموره مطلقا، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٤] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال العلامة ابن القيّم في مقدمة (زاد المعاد) في تفسير هذه الآية: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وها هنا تقديران: أحدهما- أن تكون الواو عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، على المذهب المختار، وشواهد كثيرة، وشبه المنع منه واهية. والثاني- أن تكون الواو واو (مع) ، وتكون (من) في محل نصب عطفا على الموضع فإن (حسبك) في معنى كافيك، أي الله يكفيك، ويكفي من اتبعك، كما يقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهنّد وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث، أن تكون (من) في موضع رفع بالابتداء، أي ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢] ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل

стр. 2367

عمران: ١٧٣] ، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه، قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل. ونظير هذا قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ [التوبة: ٥٩] ، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٧] ، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ [التوبة: ٥٩] ، ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده. كما قال تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: ٧] ، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب، لله وحده. كما أن العبادة والتقوى والسجود، لله وحده. والنذر والحلف لا يكون إلا له ونظير هذا قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] ، ف (الحسب) هو (الكافي) ، فأخبر أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد، أكثر من أن نذكرها هنا. انتهى. قال الخفاجي (في العناية) : وتضعيفه الرفع لا وجه له، فإن الفراء والكسائي رجّحاه، وما قبله وما بعده يؤيده. انتهى. وأقول: هذا من الخفاجيّ من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيّم وأيده بما لا يبقى معه وقفة، لما ضعفه. والفراء والكسائيّ من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر. فتبصر، ولا تكن أسير التقليد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٥] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي حثهم عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ

стр. 2368

صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٦] الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. في الآية مسائل: الأولى- مشروعية الحضّ على القتال، والمبالغة في الحث عليه. وقد كان النبيّ ﷺ يحرض أصحابه عند صفهم، ومواجهة العدوّ، كما قال لهم «١» يوم بدر، حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم! فقال: بخ بخ. فقال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁. الثانية- ذهب الأكثرون إلى أن قوله تعالى إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً شرط في معنى الأمر بوجوب مصابرة الواحد للعشرة أي بألا يفرّ منهم. روى البخاري «٢» عن ابن عباس قال: لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم نزلت الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... الآية- فكتب أن لا يفر مائة من مائتين.

стр. 2369

وفي رواية أخرى عنه قال: لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ شق ذلك على المسلمين، فنزلت الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... الآية- فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص عنهم من الصبر، بقدر ما خفف عنهم. قال في (اللباب) : فظاهر هذا أن قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ناسخ لما تقدم في الآية الأولى، وكان هذا الؤمر يوم بدر. فرض الله على الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين، فثقل ذلك على المؤمنين، فنزلت الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ- أيها المؤمنون- وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يعني في قتال الواحد للعشرة، فإن تكن منكم مائة صابرة محتسبة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله. فردّ العشرة إلى الاثنين. فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوّهم لا يجوز لهم أن يفروا. فأيما رجل فرّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فرّ. انتهى. قال في (العناية) : وذهب مكيّ إلى أنها مخففة لا ناسخة، كتخفيف الفطر للمسافر. وثمرة الخلاف أنه لو قاتل واحد عشرة، فقتل، هل يأثم أو لا؟ فعلى الأول يأثم، وعلى الثاني لا يأثم. وقال الرازي: أنكر أبو مسلم الأصفهاني دعوى النسخ في الآية، وقال: الأمر الذي فهم من الآية مشروط بكون العشرين قادرين على الصبر، أي إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم. ثم دل قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ على أن ذلك الشرط غير حاصل منهم، فلم يكن التكليف لازما عليهم. وبالجملة، فالآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص، والثانية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هؤلاء الجماعة، فلم يثبت ذلك الحكم. وعلى هذا فلا نسخ، ولا يقال إن قوله تعالى الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ مشعر بأن هذا التكليف كان متوجها عليهم قبله، لأن لفظ التخفيف لا يستلزم الدلالة على حصول التثقيل قبله، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام، كقوله تعالى في ترخيصه للحرّ في نكاح الأمة يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء: ٢٨] وليس هناك نسخ، وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر. فكذا هاهنا. ومما يدل على عدم النسخ ذكر هذه الآية مقارنة للأولى وجعل الناسخ مقارنا للمنسوخ، لا يجوز إلا بدليل قاهر. قال الرازي: بعد تقرير كلام أبي مسلم: إن ثبت إجماع الأمة قبل أبي مسلم

стр. 2370

على حصول النسخ في الآية، فلا كلام عليه، وإلا فقول أبي مسلم صحيح حسن. انتهى. الثالثة- في قوله تعالى: بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار، فالظرف متعلق ب يَغْلِبُوا أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى واليوم الآخر، لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله تعالى، وإعلاء لكلمته، وابتغاء لرضوانه، كما يفعله المؤمنون، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان، وإثارة نائرة البغي والعدوان، فلا يستحقون إلا القهر والخذلان. أفاده أبو السعود. الرابعة- قال الرازي: احتج هشام على قوله (إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها) بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً إذ يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت. وأجاب المتكلمون بأن معناه: الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله. وأما قبل ذلك فقد كان الحاصل العلم بأنه سيقع أو سيحدث. انتهى. وقال الطيبي ﵀: معناه الآن خفف الله عنكم لما ظهر متعلق علمه تعالى، أي كثرتكم الموجبة لضعفكم بعد ظهور قتلكم وقوتكم. الخامسة- في (الضعف) لغتان: الفتح والضم، وبهما قرئ. وهو يؤكد كونهما بمعنى فيكونان في الرأي والبدن. وقيل: (الفتح) في الرأي والعقل، (الضم) في البدن. وهو منقول عن الخيل. وقرئ (ضعفاء) بصيغة الجمع. السادسة- إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغني عن كفاية مائة لألف وكفاية مائة لمائتين تغني عن كفاية ألف لألفين، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأولى، وثبات الواحد للاثنين في الثانية، فما سر هذا التكرير؟ أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التكرير المفيد لزيادة الاطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة، لا تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين. وتغلب المائة الألف. وأما الترتيب في المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعي. قال في (الفتح) : وقد قيل، في سر ذلك، إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. السابعة- قال في (البحر) : انظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت في

стр. 2371

الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة وحذفه من الأولى. ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف وحذف من الثانية، لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ مبالغة في شدة المطلوبية. ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر، اكتفاء بما قبله. قال الشهاب: هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف بِإِذْنِ اللَّهِ وهو قيد لهما. وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ إشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتما لأن من كان الله معه لا يغلب. وبقي فيها لطائف. فلله درّ التنزيل ما أحلى ماء فصاحته! وأنضر رونق بلاغته! القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٧] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ روى الإمام «١» أحمد عن أنس قال: استشار النبيّ ﷺ في الأسارى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبيّ ﷺ . ثم عاد رسول الله ﷺ لمقالته وقال: إنما هم إخوانكم بالأمس، وعاد عمر لمقالته، فأعرض عنه ﷺ . فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله! نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغمّ، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. وأخرج مسلم «٢» في (أفراده) من حديث عمر بن الخطاب قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى. قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من

стр. 2372

العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ أبكي على أصحابك- من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة من نبيّ الله ﷺ فأنزل الله ما كانَ لِنَبِيٍّ ... الآية. ذكره الحميديّ في (مسنده) عن عمر بن الخطاب، من أفراد مسلم بزيادة فيه. ومعنى ما كانَ لِنَبِيٍّ ما صح له وما استقام وقرئ (للنبيّ) على العهد. والمراد على كلّ، نبيّنا ﷺ ، وإنما نكّر تلطفا به، حتى لا يواجه بالعقاب. وقرئ أُسارى. ومعنى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر، ويقل حزبه، ويعز الإسلام، ويستولي أهله. يقال: أثخن في العدوّ، بالغ في قتلهم. كما في (الأساس) وأثخن في الأرض قتلا إذا بالغ. وقال ابن الأعرابي: أثخن إذا غلب وقهر. قال الرازي: وإنما حمله الأكثرون على القتل، لأن الدولة إنما تقوى به. قال المتنبّي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم ولأنه يوجب قوة الرعب، وشدة المهابة، فلذلك أمر تعالى به. وقوله تعالى تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي متاعها الزائل، بفداء أسارى بدر. و (العرض) ما لا ثبات له ولو جسما. ومنه استعار المتكلمون (العرض) المقابل (للجوهر) ، قاله الشهاب. وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يريد لكم ثوابها وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي فيما يأمر به عباده. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٨] لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ أي لأصابكم فِيما أَخَذْتُمْ أي بسببه، وهو الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ أي شديد، بقدر إبطالكم الحكمة العظيمة، وهي قتلهم، الذي هو أعزّ للإسلام، وأهيب لمن وراءهم وأفلّ لشوكتهم. والمراد ب (الكتاب)

стр. 2373

الحكم، وإنما أطلق عليه لأنه مكتوب في اللوح. ولأئمة التفسير أقوال في تفسيره. فقيل: هو أنه لا يعذب قوما إلا بعد تقديمهم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك، وقيل: هو أنه لا يعذب المخطئ في اجتهاده. وقيل: هو كون أهل بدر مغفورا لهم. وقيل: هو حلّ المغانم. وللرازي مناقشة في هذه الأقوال. واختار أن (الكتاب) هو حكمه في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة، لأنه كتب على نفسه الرحمة، وسبقت رحمته غضبه. أقول: لعل الأمسّ في تهويل ما اكتسبوه، تفسير (الكتاب) بما في قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: ٣٣] . والله أعلم. تنبيهات: الأول- قال الرازي: قال ابن عباس: هذا الحاكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين. فلما كثروا وقوي سلطانهم، أنزل الله بعد ذلك في الأسارى حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤] . وأقول: هذا الكلام يوهم أن قوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً يريد حكم الآية التي نحن في تفسيرها. وليس الأمر كذلك، لأن الآيتين متوافقتان، فإن كلتيهما تدلّ على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء. انتهى. وقال بعضهم: لا تظهر دعوى النسخ من أصلها، إذ النهي الضمني، كما هنا، مقيد ومغيّا بالإثخان. أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته. وما في سورة القتال من التخيير، محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال، فلا تعارض بين الآيتين، إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا. نقله في (الفتح) . الثاني- قال القاضي: في الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرّون عليه. الثالث- قال ابن كثير: وقد استمرّ الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء أن الإمام مخيّر فيهم، إن شاء قتل، كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال، كما فعل بأسرى بدر، وبمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين.

стр. 2374

وإن شاء استرقّ من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة. وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه. الرابع- قال بعض مفسري الزيدية: في هذه الآية سؤال وهو أن يقال: إن كان فعلهم اجتهادا وخطأ، فلم عوتبوا؟ ويلزم أن لا معصية. وإن تمكنوا من العلم وقصروا، فكيف أقرّهم الرسول ﷺ ؟ وجواب ذلك من وجهين: الأول- عن أبي عليّ أن ذلك كان معصية صغيرة. قال الحاكم: وكانوا متمكنين من العلم، إذا ما عاتبهم. وقيل: كان خطأ وقصروا فعوتبوا على التقصير انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٩] فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً أي كلوا بعضه، بعد إخراج الخمس حلالا، أي مطلقا عن العتاب والعقاب، من (حل العقال) . طَيِّباً أي لذيذا هنيئا. أو حلالا بالشرع، طيبا بالطبع. قيل: هذا الأمر تأكيد لحل المغانم، لأنه علم مما تقدم من قوله وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ... الآية- وإشارة لاندراج مال الفداء في عمومها، ف (ما غنمتم) هنا، إما الفدية، لأنها غنيمة، أو مطلق الغنائم. والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية وجعل الفاء عاطفة على سبب مقدر، أي أبحت لكم الغنائم، فكلوا- قد يستغنى عنه بعطفه على ما قبله لأنه بمعناه، أي لا أؤاخذكم بما أخذ من الفداء فكلوه. كذا في (العناية) . قال أبو السعود: والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي دعوه فكلوا مما غنمتم. ثم قال: وقيل (ما) عبارة عن الفدية، فإنها من جملة الغنائم، ويأباه اتساق النظم الكريم وسياقه. انتهى. وهو متجه. وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في مخالفة أمره ونهيه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيغفر لكم ويرحمكم إذا اتقيتموه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٠] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى أي لمن في ملكتكم، كأن

стр. 2375

أيديكم قابضة عليهم وذلك تخليصا لهم من أسر الضلال بضعف الإيمان إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أي قوة إيمان وإخلاصا فيه يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ أي من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧١] وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) وَإِنْ يُرِيدُوا أي الأسرى خِيانَتَكَ أي نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة، أو منع ما ضمنوا من الفداء فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل (بدر) بالكفر به فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي فأمكنك منهم، أي أظفرك بهم قتلا وأسرا، كما رأيتم يوم بدر، فسيمكن منهم إن عادوا إلى الخيانة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بما في بواطنهم من إيمان وتصديق، أو خيانة ونقض عهد. حكيم يجازي كلا بعمله، الخير بالثواب، والشر بالعقاب. روى ابن هشام في السيرة أن فداء المشركين يوم بدر كان أربعة آلاف درهم بالرجل إلى ألف درهم، إلا من لا شيء له. فمنّ رسول الله ﷺ عليه. وقال ابن إسحاق: كان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس، وذلك أنه كان رجلا موسرا، فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا. وفي صحيح البخاري «١» عن أنس أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله! ائذن لنا، فنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: لا والله! لا تذرون منه درهما. وروى ابن إسحاق «٢» أن العباس قال: يا رسول الله! قد كنت مسلما. فقال رسول الله ﷺ : الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فإن الله يجزيك. وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل وعقيل وحليفك عتبة. قال: ما ذاك عندي يا رسول الله! قال: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني: الفضل وعبد الله وقثم؟ قال: والله! يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري

стр. 2376

وغير أم الفضل، فاحسب لي، يا رسول الله، ما أصبتم من عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله ﷺ : لا. ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل الله فيه: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ ... الآية. قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام، عشرين عبدا كلهم في يده مال، يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله . وروى ابن إسحاق أيضا أن العباس كان يقول: فيّ نزلت، والله! حين ذكرت لرسول الله ﷺ إسلامي. وروى ابن جريج عن عطاء بن عباس أن عباسا وأصحابه قالوا للنبيّ ﷺ : آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحنّ لك على قومنا، فأنزل الله تعالى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ ... [الأنفال: ٧٠] الآية. قال، فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف. وقال: وَيَغْفِرْ لَكُمْ وأرجو أن يكون قد غفر لي. وروي البيهقي عن أنس قال: أتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين، فقال: انثروه في مسجدى. قال، وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج إلى الصلاة، ولم يلتفت إليهم، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله! أعطني، فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال رسول الله ﷺ : خذ! فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه، فلم يستطع. فقال: مرّ بعضهم يرفعه إلىّ، قال: لا، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: لا! فنثر منه، ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه ببصره حتى خفى عنه، عجبا من حرصه. فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم. وفي رواية: وما بعث إلى أهله بدرهم. ورواه البخاري «١» تعليقا. وفي رواية: فجعل العباس يقول وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد

стр. 2377

أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى! ثم ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين وأنصار فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٢] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا أي من مكة إلى المدينة لنصر الله ورسوله وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أي وطنوا المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وبذلوا إليهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، ونصروهم على أعدائهم أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي يتولّى بعضهم بعضا في النصرة والمظاهرة، ويقوم مقام أهله ونفسه، ويكون أحق به من كل أحد. ولهذا آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار. قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا: تآخوا أخوين أخوين ثم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: هذا أخي. وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعمّ النبيّ ﷺ ، وزيد بن حارثة مولى النبيّ ﷺ أخوين. وإليه أوصى حمزة يوم (أحد) حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت. وجعفر ذو الجناحين الطيار في الجنة ومعاذ بن جبل أخوين. وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين. وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين. وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين. وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين. والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة أخوين، وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخوين وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين. وسعيد بن زيد وأبيّ بن كعب أخوين. ومصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين. وأبو حذيفة وعباد بن بشر أخوين. وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين. وأبو ذرّ الغفاري والمنذر بن عمرو أخوين. وسلمان الفارسي وأبو الدرداء أخوين. وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين. وبلال الحبشي وأبو رويحة الخثعمي أخوين.

стр. 2378

ولما خرج بلال إلى الشام، وأقام فيها مجاهدا، قال له عمر: إلى من نجعل ديوانك؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوّة التي كان رسول الله ﷺ عقد بينه وبيني. فضم إليه، وضم ديوان الحبشة إلى خثعم، لمكان بلال منهم. قال ابن إسحاق. فهؤلاء من سمى لنا ممن كان رسول الله ﷺ آخى بينهم من أصحابه. تنبيه: نقل الواحدي عن ابن عباس وغيره، أن المراد من هذه الولاية، هي الولاية في الميراث. قال ابن كثير: لما تآخوا كانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله ذلك بالمواريث. ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد. قال الخفاجي: فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري، إذا لم يكن له بالمدينة وليّ مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري. واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بالنسب بعد، إذ لم تكن هجرة. و (الولي) القريب والناصر. لأن أصله القرب المكانيّ، ثم جعل للمعنوي، كالنسب والدين والنصرة. فقد جعل ﷺ ، في أول الإسلام، التناصر الديني أخوّة، وأثبت لها أحكام الأخوّة الحقيقة من التوارث، فلا وجه لما قيل إن هذا التفسير لا تساعده اللغة، فالولاية على هذا، الوراثة المسببة عن القرابة الحكمية. انتهى. ومراده ب (ما قيل) ما ذكره الرازي في تضعيف تفسير الولاية بالوراثة، حيث قال: واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى، لأن هذا اللفظ مشعر بالقرب على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب. ويقال: السلطان وليّ من لا وليّ له، ولا يفيد الإرث. وقال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] ، ولا يفيد الإرث، بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظما للبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ومناصرته. والمقصود أن يكونوا يدا واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جاريا مجرى حبه لنفسه. وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى، كان حمله على الإرث بعيدا عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون: إن ذلك الحكم صار منسوخا بقوله تعالى في آخر الآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٧٥] ، وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم

стр. 2379

الحكم بأنه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه؟ هذا في غاية البعد، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك، فحينئذ يجب المصير إليه. إلا أن دعوى الإجماع بعيدة. انتهى. وأقول: لعموم هذا الخطاب ونظمه وجه في إثبات التوارث، لا سيما وقد نفى تعالى ولاية من لم يهاجر نفيا استغرق أقرب الأقارب حيث قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا أي بأن أقاموا في بواديهم ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا أي إلى المدينة. وقوله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ أي إذا استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال دينيّ، فيجب عليكم أن تنصروهم على أعدائهم المشركين، لأنهم إخوانكم في الدين إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد ومهادنة إلى مدة، فلا تعينوهم عليهم، لئلا تخفروا ذمتكم، وتنقضوا عهدكم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي فلا تخالفوا أمره. تنبيهات: الأول- احتج من ذهب إلى أن المراد من قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي من توليتهم في الميراث، وأنه هو المراد في الآية السابقة أيضا، بقوله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فإن هذا موالاة في الدين، فحينئذ لا يجوز حمل الموالاة المنفية، على النصرة والمظاهرة، لأنها لازمة لكل حال لكلا الفريقين. وأجاب الرازي بما معناه: إن الولاية هنا ليس المراد بها مطلق التولي حتى يرد ما ذكروه، بل عنى بها معنى خاص، وهو علاقة شديدة، ومحبة أكيدة، وإيثار قويّ، وأخوة وثيقة. ولا يلزم من النصر التولي. فقد ينصر المرء ذميّا لأمر ما ولا يتولاه، ويدافع عن عبده أو أمته ويعينهما ولا يتولاهما- والله أعلم-. الثاني- يظهر أن هذه الآية كسوابقها مما نزل إثر واقعة بدر، وطلب من كل من آمن من البادين أن يهاجر، ليكثر سواد المسلمين، ويظهر اجتماعهم، وإعانة بعضهم لبعض، فتتقوى بألفتهم شوكتهم، ولم يزل طلب الهجرة إلا بفتح مكة، لقوله ﷺ : لا هجرة بعد فتح مكة. رواه البخاري «١» عن مجاشع بن مسعود.

стр. 2380

الثالث- شمل نفي الموالاة عن الذين لم يهاجروا وقتئذ، حرمانهم من المغانم والفيء. روى الإمام أحمد «١» عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرّية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. وقال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتها ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفّ عنهم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكفّ عنهم. ثم ادعهم من التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم، وكفّ عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. قال ابن كثير: انفرد به مسلم «٢» ، وعنده زيادات أخر. الرابع- قرأ حمزة (ولايتهم) بكسر الواو، والباقون بفتحها. قال الشهاب: جاء في اللغة: (الولاية) مصدرا بالفتح والكسر، فقيل: هما لغتان فيه بمعنى واحد، وهو القرب الحسي والمعنوي، وقيل: بينهما فرق، فالفتح ولاية مولى النسب ونحوه. والكسر ولاية السلطان. قاله أبو عبيدة. وقيل الفتح من النصرة والنسب. والكسر من الإمارة. قاله الزجاج. وخطأ الأصمعيّ قراءة الكسر، وهو المخطئ لتواترها. واختلفوا في ترجيح إحدى القراءتين. ولما قال المحققون من أهل اللغة: إن (فعالة) بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيء، ويجعل فيه كاللفافة والعمامة. وفي المصادر يكون في الصناعات وما يزاول بالأعمال، كالكتابة والخياطة- ذهب الزجاج وتبعه غيره إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تمرن وتدرب شبهت بالصناعة، لذا جاء فيها الكسر، كالإمارة. وهذا يحتمل أن الواضع حين وضعها شبهها بذلك، فتكون حقيقة ويحتمل- كما في بعض شروح الكشاف- أن تكون استعارة، كما سموا الطب صناعة. انتهى.

стр. 2381

وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٣] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي فلا يتولاهم إلا من كان منهم، ففيه إشارة إلى نهي المسلمين عن موالاتهم. وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا أقرب وقد استدل به على أنه لا توارث بين المسلمين والكفار. روى الحاكم في (مستدركه) عن أسامة عن النبيّ ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما، ثم قرأ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية رواه الشيخان عنه «١» بلفظ: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم. وقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التواصل، وتولّي بعضكم بعضا، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار، تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهرا، والفساد زائدا، في الاعتقادات والأعمال. وقيل: الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو النصر أو الإثبات. وقيل إنه للاستنصار المفهوم من الفعل. والفتنة: إهمال للمؤمنين المستنصرين بنا، حتى يسلط علينا الكفار. إذ فيه وهن للدين. قال الشهاب: وفيه تكلف، أي فالأوجه عوده للتولي والتواصل- كما بينا-. قال الرازي: بيان هذه الفتنة والفساد عن وجوه: الأول- أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار، وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار. الثاني- أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببا لجرأة الكفار عليهم. الثالث أنه إذا كان جميع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدد والعدد صار ذلك سببا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه، ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. انتهى.

стр. 2382

وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٤] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ عود لذكر المهاجرين والأنصار، للثناء عليهم، والشهادة لهم، مع الموعد الكريم. فلا تكرار، لما أن مساق الأول لإيجاب التواصل بينهم، فذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم، وعلوّ درجتهم. قال الرازي: وبيانه من وجهين: الأول- أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم، وذلك يدل على الشرف والتعظيم. والثاني- وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه: أولها- قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يفيد الحصر، وقوله: حَقًّا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين، وقد كانوا كذلك، لأن من لم يكن محقّا في دينه، لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين. وثانيها- قوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ والتنكير يدل على الكمال، أي مغفرة تامة كاملة. وثالثها- قوله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ والمراد منه الثواب الرفيع الشريف انتهى. وقد أثنى تعالى على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه الكريم والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٥] وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم، أي المهاجرون والأنصار، في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة، وكمال

стр. 2383

الإيمان والمغفرة والرزق الكريم. وهل المراد من قوله مِنْ بَعْدُ هو من بعد الهجرة الأولى، أو من بعد الحديبية. وهي الهجرة الثانية، أو من بعد نزول هذه الآية، أو من بعد يوم بدر؟ أقول- واللفظ الكريم يعمها كلها، والتخصيص بأحدهما تخصيص بلا مخصص. وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمته وقسمته، أو في اللوح، أو في القرآن، لأن (كتاب الله) يطلق على كل منها إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه التي هي منتهى الصواب والحكمة والصلاح. تنبيهات: الأول إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والمناصرة عند من فسر ما تقدم من قوله بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وما بعده بالتوارث. أخرج أبو داود «١» من حديث ابن عباس قال: كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك آية الأنفال فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ ... إلخ إلا أن في إسناده من فيه مقال. وأما من فسر الموالاة المتقدمة بالنصرة والمعونة والتعظيم، فيجعل هذه الآية إخبارا منه بأن القرابات بعضهم أولى ببعض. وذلك أن تلك الآية، لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث، بيّن الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من الآية إزالة هذا الوهم. قال الرازي: وهذا أولى. لأن تكثير النسخ، من غير ضرورة وحاجة، لا يجوز. الثاني- استدل بالآية من ورّث ذوي الأرحام، وهم من ليسوا بعصبات، ولا ذوي سهام. قال: ويعضده حديث «٢» : (الخال وارث من لا وارث له) وأجاب من منع توريثهم بأن المراد من الآية من ذكر الله من ذوي السهام والعصبات. ومن الحديث: (من كان وارثه الخال فلا وارث له) . وردّ بأنها عامة فلا موجب للتخصيص، وبأن معنى الحديث: من كان لا وارث له غيره، لحديث: (أنا عماد من لا عماد له) .

стр. 2384

ثم إن الذين أثبتوا ميراثهم اختلفوا في أنهم هل يرثون بالقرب، أو بالتنزيل، وهل يرث القريب مع البعيد، وهل يفضل الذكر على الأنثى أو لا؟ والآية محتملة. أفاده بعض مفسري الزيدية. قال ابن كثير: ليس المراد بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال، والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة. بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورّثهم يحتج بأدلة، من أقواها حديث «١» : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك، لم يكن وارثا. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، إذ لا يلزم من ثبوت الحق تعيين الفرض. على أن معنى الحديث، أعطى كل ذي حق حقه مفصلا ومجملا، وقد أعطاهم حق الأولوية العامة، ووكل بيان ما يفهم من إجمال الإرث بعمومها لاستنباط الراسخين وفهمهم على قاعدة عمومات التنزيل. وقد رأيت في هذه المسألة مقالة بديعة أوردها الحسن الصابئ في (تاريخ الوزراء) في أخبار وزارة أبي الحسن بن الفرات، نأثرها هنا، لأنها جمعت فأوعت، قال ﵀: ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابة إليه في أمر المواريث: وصل كتاب الأمير، يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجبا من مال المواريث لبيت المال، ومالا أراه واجبا منه، وتلخيص ذلك وتبيينه- وأنا أذكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل عنه ليقف على ذلك إن شاء الله-. الناس مختلفون في توريث الأقارب، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة- إذا لم يكن للمتوفى من يرثه من عصبة وذي سهم- لجماعة من المسلمين وبيت

стр. 2385

مالهم. وكذلك يقول في الفصل بعد السّهمان المسماة، إذا لم تكن عصبة. ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت. وقد خالفه عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجعلوا ما يفضل من السّهمان ردا على أصحاب السهام من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه. والسنّة تعاضد ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت وتأويل القرآن يوجب ما ذهبوا إليه. وليس لأحد أن يقول في خلاف السنة والتنزيل بالرأي. قال الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فصيّر القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعليّ وعبد الله ﵃ ومن تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا- والله أعلم. ولو كان في هذه المسألة ما يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة، لكان الواجب تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين، وترك قبول من سواهم ممن لا يلحق بدرجتهم بسابقته. وإذا ردّ أمر الناس إلى التخيير من أقاويل السلف فهل يحيل أو يشكل على أحد أن زيدا لا يفي علمه بعلم عمر وعليّ وعبد الله؟ وإذا فضلوا في السابقة والهجرة، فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن زيد بن ثابت، واطّراح ما روي عنهم، وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا إليه، وبالسنة فيما أفتوا به؟ والرواية ثابتة عن النبيّ ﷺ بتوريث من لا فرض له في الكتاب من القرابة. فمن ذلك ما ذكر لنا عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهرويّ عن المقدام ابن معدي كرب عن النبيّ ﷺ «١» أنه قال: الخال وارث من لا وارث له يرث ماله، ويعقل عنه. وكذلك بلغنا عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ مثله. وعن ابن جريج عن عمر بن سلم عن طاوس عن عائشة أن النبيّ ﷺ قال مثل ذلك. وذكر عن عبادة بن أبي عباد عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن محمد بن يحيا بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: توفي ثابت بن أبي الدحداح، فقال النبيّ ﷺ لعاصم بن عدي: أله فيكم نسب؟. قال: فدفع تركته إلى ابن أخته فقد أوجب ﵇، بما نقلته عنه هذه الرواية، توريث من لا سهم له من القرابة مع عدم أصحاب السّهمان المبينة في الكتاب. وأعطى الجدة السدس من الميراث، ولا فرض لها، وفي ذلك الاتفاق، وفيما صير لها من السدس، دليل على أن من لا سهم له من القرابة في معناها؟ إذا بطلت السهام، ولم يكن من أهلها، وأنه أولى بالميراث من الأجنبيّ.
следующие страницы →