قال الجشمي: يحتمل مع الملائكة، إذ أرسلهم ردءا للمسلمين، ويحتمل مع المسلمين، كأنه قيل: أوحي إلى الملائكة أني مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم.
وقوله تعالى: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي بدفع الوسواس وبالقتال معهم والحضور مددا وعونا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي الخوف.
ثم علمهم تعالى كيفية الضرب بقوله تعالى: فَاضْرِبُوا أمر للمؤمنين أو للملائكة. وعليه، ففيه دليل على أنهم قاتلوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي أعالي الأعناق التي هي المذابح، تطييرا للرؤوس. أو أراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي أصابع. جمع (بنانة) قيل: المراد بالبنان، مطلق الأطراف مجازا، تسمية للكل بالجزء، لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل. والمعنى: اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٣]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)
ِكَ
أي الضرب أو الأمر به أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أي خالفوهما فيما شرعا. وقوله تعالى: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
تقرير لما قبله، إن أريد بالعقاب ما وقع لهم في الدنيا، أو وعيد بما أعدّ لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدنيا، وبيان لخسرانهم في الدارين.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٤]
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
ذلِكُمْ خطاب للكفرة على طريقة الالتفات فَذُوقُوهُ أي ذلك العذاب، أيها الكفار، في الدنيا وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ في الآخرة.
ثم نهى تعالى عن الفرار من الزحف، مبينا وعيده بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي الظهور
стр. 2312
بالانهزام. و (الزحف) الجيش الكثير، تسمية بالمصدر، والجمع زحوف، مثل فلس وفلوس. ويقال: زحف إليه، أي مشى، وزحف الصبيّ على استه قبل أن يقوم. شبه بزحف الصبيان مشي الجيش الكثير للقتال، لأنه لكثرته يرى كأنه يزحف، أي يدب دبيبا قبل التداني للضراب أو الطعان.
قال أبو السعود: زَحْفاً منصوب، إما على أنه حال من مفعول لَقِيتُمُ أي: زاحفين نحوكم، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر، هو الحال منه، أي يزحفون زحفا.
وأما كونه حالا من فاعله أو منه، ومن مفعوله معا كما قيل- فيأباه قوله تعالى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدوّ، أو بكثرتهم. بل توجه العدوّ إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة، والمحوج إلى النهي عنه.
وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين، حيث تولّوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثنا عشر ألفا- بعيد.
والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال، وهم كثير جمّ، وأنتم قليل، فلا تولوهم أدباركم، فضلا عن الفرار، بل قابلوهم وقاتلوهم، فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم.
قال الشهاب: عدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحا للانهزام، وتنفيرا عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٦]
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم اللقاء دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أي مائلا له.
يقال: تحرف وانحرف واحرورف: مال وعدل. وهذا التحرف إما بالتوجه إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء، وإما بالفرّ للكرّ، بأن يخيّل عدوه أنه منهزم ليغره، ويخرجه من بين أعوانه، فيفرّ عنه، ثم يكرّ عليه وحده أو مع من في الكمين من أصحابه، وهو باب من مكايد الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي منضمّا إلى جماعة أخرى من المسلمين ليستعين بهم فَقَدْ باءَ أي رجع بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي ما صار إليه من عذاب النار.
стр. 2313
تنبيهات:
الأول- دلت الآية على وجوب مصابرة العدو، أي الثبات عند القتال، وتحريم الفرار منه يوم الزحف، وعلى أنه من الكبائر. لأنه توعد عليه وعيدا شديدا.
الثاني- ظاهر الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلّا حالة التحرف أو التحيز، وهو مروي عن ابن عبّاس واختاره أبو مسلم. قال الحاكم:
وعليه أكثر الفقهاء.
وروي عن جماعة من السلف أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم (بدر) ، لقوله تعالى وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ وأجيب بأن الإشارة في يَوْمَئِذٍ إلى يوم لقاء الزحف كما يفيده السياق، لا إلى يوم بدر.
الثالث- ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي جماعة أخرى من المسلمين، سوى التي هو فيها، سواء قربت تلك الفئة أو بعدت وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر ﵁: لو تحيز إلي لكنت له فئة. وفي رواية عنه: أيها الناس! أنا فئتكم. وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة، الفارّ إلى النبيّ وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه. وجنح إلى هذا ابن كثير حيث قال: من فرّ من سرية إلى أميره، أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. ثم أورد
حديث عبد الله بن عمر المروي عند الإمام أحمد «١» وأبي داود»
والترمذيّ «٣» وغيرهم. قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا:
كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة.
فبتنا! ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا! فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون. فقال: لا، بل أنتم العكّارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده
. قال الترمذي: حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد- انتهى- أي وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال الحاكم في (مسألة الفرار) : إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده. فإن ظن المقاومة لم يحلّ الفرار. وإن ظن الهلاك، جاز الفرار
стр. 2314
إلى فئة وإن بعدت، وإذا لم يقصد الإقلاع عن الجهات. وحمل عليه حديث ابن عمر المذكور.
وعن الكرخي: أن الثبات والمصابرة واجب، إذا لم يخش الاستئصال، وعرف عدم نكايته للكفار، والتجأ إلى مصر للمسلمين، أو جيش، وهكذا أطلق في (شرح الإبانة) فلم يبح الفرار إلا بهذه الشروط الثلاثة، ولم يعتبر العدد الآتي بيانه.
الرابع- روي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] ، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ وأقول: كنا أسلفنا أن السلف كثيرا ما يعنون ب (النسخ) تقييد المطلق، أو تخصيص العامّ، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها.
قال بعض الأئمة: هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة، وإن تضاعف عدد المشركين أضعافا كثيرة. لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في السورة هذه:
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً [الأنفال: ٦٥] فأوجب الله المصابرة على الواحد للعشرة. لأنه خبر معناه الأمر. فلما شق ذلك على المسلمين رحمهم الله تعالى، وأوجب على الواحد مصابرة الاثنين، فقال تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦] .
وعن ابن عباس: من فرّ من اثنين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ.
وبالجملة، فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضّعف، فإن هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرما بشرط ما بينه الله في آية الضّعف.
وفي (المهذب) : إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين، جاز الفرار. لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون، فالأفضل الثبات. وإن ظنوا الهلاك، فوجهان:
يلزم الانصراف لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] .
والثاني: يستحب ولا يجب، لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة. وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، فإن لم يظنوا الهلاك، لم يجز الفرار. وإن ظنوه فوجهان:
يجوز لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] . ولا يجوز، وصححوه لظاهر الآية.
ثم بيّن تعالى أن نصرهم يوم بدر، مع قلتهم، كان بحوله تعالى وقوته، فقال سبحانه:
стр. 2315
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٧]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أي يقوّتكم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ أي سبّب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، وأذهب عنها الفزع والجزع وَما رَمَيْتَ أي أنت يا خاتم النبيين، أي ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين إِذْ رَمَيْتَ أي بالحصباء، لأن كفّا منها لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي بلغ بإيصال ذلك إليهم ليقهرهم. وقال أبو مسلم (في معنى الآية) : أي ما أصبت إذ رميت، ولكن الله أصاب. والرمي لا يطلق إلا عند الإصابة، وذلك ظاهر في أشعارهم.
وقد روي عن غير واحد أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النبيّ ﷺ وجوه المشركين يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته. فرماهم بها وقال (شاهت الوجوه) . ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، وانهزموا.
تنبيه:
قال الجشمي: تدل الآية أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ومعونته وتمكينه. إذ معلوم أنهم قتلوا، وأنه رمى، ولذلك قال إِذْ رَمَيْتَ ولهذا يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه. وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر، صارت أقوى، فلذلك قال فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ.
وقال في (العناية) : استدل بهذه الآية والتي قبلها على أن أفعال العباد بخلقه تعالى، حيث نفى القتل والرمي. والمعنى: إذ رميت أو باشرت صرف الآلات.
والحاصل: ما رميت خلقا إذ رميت كسبا. وأورد عليه أن المدعي، وإن كان حقا، لكن لا دلالة في الآية عليه، لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى في بادئ النظر، مدفوع بأن المراد ما رميت رميا تقدر به على إيصاله إلى جميع العيون، وإن رميت حقيقة وصورة، وهذا مراد من قال: (ما رميت حقيقة، إذ رميت صورة) فالمنفيّ هو الرمي الكامل، والمثبت أصله، وقدر منه. فالإثبات والنفي لم يردا على
стр. 2316
شيء واحد، حتى يقال: (المنفيّ على وجه الخلق، والمثبت على وجه المباشرة) ولو كان المقصود هذا لما ثبت المطلوب بها، الذي هو سبب النزول، من أنه أثبت له الرمي، لصدوره عنه، ونفى عنه، لأن أثره ليس في طاقة البشر، ولذا عدت معجزة له، حتى كأنه لا مدخل له فيها أصلا. فمبنى الكلام على المبالغة، ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع، لأن معناه الحقيقي غير مقصود. هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام، إذ لو كان المراد ما ذكر، لم يكن مخصوصا بهذا الرمي، لأن جميع أفعال العباد كذلك بمباشرتهم وخلق الله. انتهى.
وهذا التحقيق جيد، وقد نبه عليه أيضا العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) حيث قال: وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة، مذكورة في غير هذا الموضع.
ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ونفى عنه الإيصال. انتهى.
وقوله تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ أي ليمنحهم من فضله بَلاءً حَسَناً أي منحا جميلا، بالنصر والغنيمة والفتح، ثم بالأجر والمثوبة، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره، فيعرفوا حقه ويشكروه.
قال أبو السعود: واللام، إما متعلقة بمحذوف متأخر، فالواو اعتراضية، أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة، فعل ما فعل، لا لشيء غير ذلك، مما لا يجديهم نفعا. وإما، برمي، فالواو للعطف على علة محذوفة، أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي ... إلخ. وتفسير البلاء هنا بالمنحة هو ما اختاره المحققون من قولهم: (أبلاه الله ببلية إبلاء حسنا) إذا صنع به صنعا جميلا، وأبلاه معروفا، قال زهير (في قصيدته التي مطلعها:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التّعانيق والثّقل
والتعانيق والثقل: مواضع) :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
(أي إحسان فعلهما بكم. فأبلاهما خير البلاء، أي صنع الله إليهما خير الصنيع الذي يبتلي به عباده. والإنسان يبلى بالخير والشر) أي صنع بهما خير
стр. 2317
الصنيع الذي يبلو به عباده. واستظهر الطيبي تفسيره بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعده. قال ابن الأعرابيّ: يقال: أبلى فلان إذا اجتهد في صفة حرب أو كرم. ويقال:
أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لدعائهم واستغاثتهم عَلِيمٌ أي بمن يستحق النصر والغلب وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٨]
ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)
ذلِكُمْ إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي. ومحله الرفع. أي المقصود أو الأمر (ذلكم) . وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ معطوف عليه.
أي مضعف بأس الكافرين وحيلهم بنصركم وخذلانهم، أي أن المقصود إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين.
قال ابن كثير: هذه بشارة أخرى. مع ما حصل من النصر، فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنه في تبار ودمار. أي: وقد وجد المخبر على وفق الخبر، فصار معجزة للنبيّ ﷺ ، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٩]
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ خطاب للمشركين، أي إن تطلبوا الفتح، أي القضاء وأن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم القضاء بما سألتم.
روى الإمام أحمد «١» والنسائي والحاكم، وصححه، عن عبد الله بن ثعلبة. أن أبا جهل قال، حين التقى القوم: اللهم! أقطعنا للرحم. وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه- أي فأهلكه- الغداة. فكان المستفتح.
وعن السّدّي أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر: أخذوا بأستار
стр. 2318
الكعبة، فاستنصروا الله وقالوا: اللهم؟ انصر أعزّ الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ... الآية.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن هذه الآية إخبار عنهم بما قالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... الآية- قيل: في هذا الخطاب تهكم بهم، يعني في قوله تعالى فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ لأن الذي جاءهم الهلاك والذلة. كذا في (العناية) . وهو مبنيّ على أن الفتح بمعنى النصر، وله معنى آخر وهو الحكم بين الخصمين والقضاء. وبهما فسرت الآية أيضا. وَإِنْ تَنْتَهُوا أي عن الكفر وعداوة الرسول فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي في الدنيا والآخرة وَإِنْ تَعُودُوا أي لمحاربة الرسول نَعُدْ أي لنصره عليكم وَلَنْ تُغْنِيَ أي تدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي بالنصر. قرئ بكسر (إن) استئنافا، وفتحها، على تقدير اللام.
تنبيه:
جوّز أن يكون الخطاب في قوله تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا للمؤمنين، أي إن تطلبوا النصر باستغاثتكم ربكم، فقد حصل لكم ذلك، فاشكروا ربكم، والزموا طاعته. وقوله تعالى إِنْ تَنْتَهُوا أي عن المنازعة في أمر الأنفال، وعن طلب الفداء على الأسرى الذي عوتبوا عليه بقوله تعالى لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال:
٦٨] ، فقال تعالى: وَإِنْ تَنْتَهُوا- عن مثله- فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إلى تلك المنازعات نعد عليكم بالإنكار، وتهييج العدوّ لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة، وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة، إذا لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. وهذا الوجه قرره الرازي ونقله عن القاضي.
قال البيضاوي: ويؤكده الآية بعد فإن المراد بها الأمر بطاعة الرسول والنهي عن الإعراض عنه والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ أي تعرضوا عنه بمخالفة أمره وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أي القرآن الناطق بوجوب طاعته، والمواعظ الزاجرة عن مخالفته.
стр. 2319
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢١]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا أي ادعوا السماع وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون. فالمنفيّ سماع خاص، لكنه أتى به مطلقا للإشارة إلى أنهم نزّلوا منزلة من لم يسمع أصلا، بجعل سماعهم بمنزلة العدم. وقيل: السماع مجاز عن التصديق.
قال الزمخشري: والمعنى أنكم تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور، من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن.
ثم بيّن تعالى سوء حال المشبه بهم، مبالغة في التحذير، وتقريرا للنهي، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٢]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ أي ما يدبّ على الأرض، أو شر البهائم عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ أي عن سماع الحق الْبُكْمُ أي عن النطق به الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي لا يفهمونه.
جعلهم تعالى من جنس البهائم، لصرفهم جوارحهم عما خلقت له، ثم جعلهم شرّها لأنهم عاندوا بعد الفهم، وكابروا بعد العقل، وفي ذكرهم في معرض التشبيه، بهذا الأسلوب، غاية في الذم. وقد كثر، في التنزيل، تشبيه الكافرين بنحو هذا، كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١] ، وقال تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: ١٧٩] .
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٣]
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ أي في هؤلاء الصم البكم خَيْراً صدقا ورغبة لَأَسْمَعَهُمْ أي الحجج والمواعظ، سماع تفهم وتدبر، أي لجعلهم سامعين حتى
стр. 2320
يسمعوا سماع المصدقين. أي ولكن لم يعلم الله فيهم شيئا من ذلك، لخلوّهم عنه بالمرة، فلم يسمعهم كذلك، لخلوه عن الفائدة وخروجه عن الحكمة، وإليه أشير بقوله تعالى وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا أي: ولو أسمعهم سماع تفهم، وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية، لتولوا عما سمعوه من الحق وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي عن قبوله جحودا وعنادا. قال الرازي: كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه الله، فعدم علم الله بوجوده، من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده.
تنبيه:
قد يتوهم أن الشرطيتين في الآية مقدمتا قياس اقتراني. هكذا: لو علم فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا. ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا. وفساده بيّن.
وأجيب: بأنه إنما يلزم النتيجة الفاسدة لو كانت الثانية كلية، وهو ممنوع. واعترض بأن هذا المنع، وإن صح في قانون النظر، إلا أنه خطأ في تفسير الآية، لابتنائه على أن المذكور قياس مفقود شرائط الإنتاج، ولا مساغ لحمل كلام الله عليه. وأجيب: بأن المراد منع كون القصد إلى ترتيب قياس، لانتفاء شرط، لا أنه قياس فقد شرطه. كما أنه يمنع منه عدم تكرار الوسط أيضا، وإنما المقصود من المقدمة الثانية تأكيد الأولى، إذ مآله إلى أنه انتفى الإسماع، لعدم الخيرية فيهم، ولو وقع الإسماع، لا تحصل الخيرية فيهم، لعدم قابلية المحل. كذا في (العناية) . وقد حاول بعضهم تصحيح كونها قياسا شرطيّا، متحد الوسط، صحيح الإنتاج، بتقدير: لو علم فيهم خيرا في وقت، لتولوا بعده.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ الاستجابة:
بمعنى الإجابة. قال:
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
стр. 2321
(يريد: فلم يجبه. وقائله كعب بن سعد الغنوي. والقصيدة في الأصمعيات رقم ١٤) .
والمراد بها الطاعة والامتثال. وإنما وحدّ الضمير في قوله دَعاكُمْ- أي الرسول- لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله تعالى.
وقال الزمخشري: لأن استجابته ﷺ ، كاستجابته تعالى، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد. وقوله لِما يُحْيِيكُمْ، قال عروة بن الزبير- فيما رواه ابن إسحاق- أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقوّاكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوّكم بعد القهر منهم لكم. وإنما سمي الجهاد حياة، لأن في وهن عدوّهم بسببه حياة لهم وقوة، أو لأنه سبب الشهادة الموجبة للحياة الدائمة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة، كما قال تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت: ٦٤] أي الحياة الدائمة، فيكون مجازا مرسلا، بإطلاق السبب على المسبب، أو استعارة. وقيل: لِما يُحْيِيكُمْ أي من العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب، كما أن الجهل موته.
قال الشهاب: وإطلاق الحياة على العلم، والموت على الجهل، استعارة معروفة، ذكرها الأدباء، وأهل المعاني. وأنشد الزمخشري لبعضهم:
لا تعجبنّ الجهول حلّته ... فذاك ميت، وثوبه كفن
وقد ألمّ فيه بقول أبي الطيّب، من قصيدته التي أولها:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلوا من الهمّ أخلاهم من الفطن
ومنها:
لا تعجبنّ مضيما حسن بزّته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن
والأظهر أن يعنى ب (ما يحييكم) ما يصلحكم من أعمال البر والطاعة. فيدخل فيه ما تقدم وغيره.
تنبيه:
استدل النبيّ ﷺ بهذه الآية على وجوب إجابته إذا نادى أحدا وهو في الصلاة.
روى البخاري «١» عن أبي سعيد بن المعلّى ﵁ قال: كنت أصلي، فمرّ بي
стр. 2322
النبيّ ﷺ ، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا.. الآية.
وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوها من المعاني.
أحدهما: أنه تعالى يملك على المرء قلبه فيصرفه كيف يشاء، فيحول بينه وبين الكفر، إن أراد هدايته، وبينه وبين الإيمان، إن أراد ضلالته، وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس، وصححه، وقاله غير واحد من السلف. ويؤيده ما
روي أن النبيّ ﷺ كان يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.
فقيل: يا رسول الله! آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى، يقلبها- رواه الإمام أحمد «١»
والترمذي «٢» عن أنس ولفظ مسلم «٣» : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف شاء ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم! مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك- انفرد مسلم عن البخاري بإخراجه عن عبد الله بن عمرو-
وفي رواية: إن قلب الآدميّ بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه- رواه الإمام أحمد «٤» عن عائشة-
. وروي أيضا مثله عن جابر وبلال والنوّاس «٥» بن سمعان وأم سلمة، كما ساقه ابن كثير. وعلى هذا المعنى، فالآية استعارة تمثيلية، لتمكنه من قلوب العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليه صاحبها. شبه بمن حال بين شخص ومتاعه، فإنه يقدر على التصرف فيه دونه.
ثانيها: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة، قبل حلول المنية، فمعنى (يحول بينه وبين قلبه) يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهو التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليما، كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوها لطاعة الله ورسوله. فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه، الذي به يعقل، في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه.
стр. 2323
ثالثها: أنه مجاز عن غاية القرب من العبد، لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر، لاتصاله بهما، وانفصال أحدهما عن الآخر. و (يحول) إما استعارة تبعية معناه يقرب. أو استعارة تمثيلية. وهذا المعنى نقل عن قتادة حيث قال: الآية كقوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] وفيه تنبيه على أنه تعالى مطلع، من مكنونات القلوب، على ما عسى أن يغفل عنه صاحبها.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي فيجزيكم بأعمالكم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٥]
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً الفتنة: إما بمعنى الذنب، كإقرار المنكر، وافتراق الكلمة والتكاسل في الجهاد وإما بمعنى العذاب. فإن أريد الذنب فإصابته بإصابة أثره. وإن أريد العذاب، فإصابته بنفسه. ولا تُصِيبَنَّ جواب للأمر، أي: إن إصابتكم لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، بل تشملهم وغيرهم بشؤم صحبتهم، وتعدي رذيلتهم إلى من يخالطهم، كقوله تعالى ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] . قاله القاشانيّ.
وقد روى الإمام أحمد «١» عن جرير أن رسول الله ﷺ قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب.
وروي نحوه عن عدي بن عميرة وحذيفة والنعمان وعائشة وأم سلمة.
قال الكرخي: ولا يستشكل هذا بقوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] ، لأن الناس، إذا تظاهروا بالمنكر، فالواجب على كل من رآه أن يغيره، إذا كان قادرا على ذلك فإذا سكت فكلهم عصاة. هذا يفعله، وهذا برضاه.
وقد جعل تعالى، بحكمته، الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. انتهى.
وذكر القسطلاني أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له، إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن بهذه الحالة
стр. 2324
فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار. انتهى.
وعن ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي لمن يخالف أوامره.
ثم نبه تعالى عباده المؤمنين السابقين الأولين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، ورزقهم من الطيبات، ليشكروه بدوام الطاعة، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٦]
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)
وَاذْكُرُوا أي يا معشر المهاجرين إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ أي في العدد مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أي مقهورون في أرض مكة قبل الهجرة، تستضعفكم قريش تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي أهل مكة. و (تخطفه) و (اختطفه) بمعنى استلبه وأخذه بسرعة فَآواكُمْ أي إلى المدينة وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ يعني أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره، وذلك بمظاهرة الأنصار، وإمداد الملائكة، والتثبيت الرباني وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي الغنائم لأنها لم تطب إلا لهم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي المولى على ما تفضل به وأولى. وما ذكرنا من كون الخطاب في الآية للمهاجرين خاصة، هو أنسب بالمقام والسياق والسياق يشعر به. وقيل: الخطاب للعرب كافة، وعليه قول قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في هذه الآية: كان هذا الحيّ من العرب أذل الناس وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأثبته ضلالا. والله! ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. انتهى.
وأقول: الأمر في العرب، وإن كان كما ذكر، لكن في تنزيل بعض ألفاظ الآية عليه تكلف لا يخفى فالظاهر ما ذكرنا.
стр. 2325
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لما ذكّرهم تعالى بإسباغ نعمه عليهم ليشكروه، وكان من شكره الوقوف عند حدوده، بين لهم ما يحذر منها، وهو الخيانة. ويدخل في خيانة الله تعطيل فرائضه، ومجاوزة حدوده. وفي خيانة رسوله رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم، أي السرقة منها، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به. وقد روي في نزول الآية شيء مما ذكرنا. ولفظ الآية مطلق يتناوله وغيره. ومن ذلك ما
رواه سعيد بن منصور عن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت في أبي لبابة حين حاصر رسول الله ﷺ قريظة وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد، فاستشار قريظة من أبي لبابة في النزول على حكم سعد، وكان أهل أبي لبابة وأمواله فيهم، فأشار إلى حلقه- أنه الذبح- قال أبو لبابة: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ثم حلف ألا يذوق ذواقا حتى يموت، أو يتوب الله عليه. وانطلق إلى المسجد، فربط نفسه بسارية، فمكث أياما، حتى كان يخرّ مغشيا عليه من الجهد، ثم أنزل الله توبته، وحلف لا يحله إلا رسول الله ﷺ بيده، فحله، فقال: يا رسول الله! إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: يجزيك الثلث أن تصدق به.
قال بعض المفسرين: دل هذا السبب على جواز إظهار الجزع على المعصية، وإتعاب النفس وتوبيخها، لأنه ﷺ لم ينكر على أبي لبابة. ودل على أنه يستحب إتباع المعصية بالصدقة، لأنه ﵇
قال: يجزيك ثلث مالك
، وهذا سبيل قوله في هود إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] .
وفي قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه من غيره، لأنه المعنى: وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله.
قال الرازي: ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد، نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب فقال:
стр. 2326
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٨]
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي محنة من الله ليبلوكم، هل تقعون بهما في الخيانة، أو تتركون لهما الاستجابة لله ولرسوله، أو لا تلهون بهما عن ذكره، ولا تعتاضون بهما منه. فسموا (فتنة) اعتبارا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم.
ويجوز أن يراد (بالفتنة) الإثم أو العذاب، فإنهم سبب الوقوع في ذلك.
قال الحاكم: قد أمر الله بالعلم بذلك. وطريق العلم به التفكر في أحوالهما وزوالهما، وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر، وأنه قد يعصي الله بسببهما.
وقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
أي لمن آثر رضاه على جمع المال وحب الولد، فلم يورط نفسه من أجلهما. وقد جاء التحذير من فتنتهما صراحة مع الترهيب الشديد في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: ٩] . قيل:
هذه الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة، وما فرط منه لأجل ماله وولده.
ولما حذر تعالى، فيم تقدم، عن الفتنة بالأموال والأولاد، بشر من اتقاه في الافتتان بهما، وفي غيره بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال المهايمي: أشار تعالى إلى أن من ترك الخيانة، واستجاب لله، فلا يخاف على أهله وماله وعرضه، أي كما خاف أبو لبابة. فإن من اتقاه تعالى فلا يجترئ أحد على أهله وحوزته، لأنه يؤتى فرقانا يفارق به سائر الناس من المهابة والإعزاز. انتهى.
وقيل: فُرْقاناً أي نصرا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال: ٤١] . وقيل:
بيانا وظهورا يشهر أمركم، ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم: بت
стр. 2327
أفعل كذا حتى سطع الفرقان، أي طلع الفجر. وقيل: فصلا بين الحق والباطل، ومخرجا من الشبهات. كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٢٨] .
والفرقان (كالفرق) ، مصدر (فرق) ، أي فصل بين الشيئين، سواء كان بما يدركه البصر، أو بما تدركه البصيرة. إلا أن الفرقان أبلغ، لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل، والحجة والشبهة.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٠]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ لما ذكّر الله تعالى المؤمنين نعمه عليهم بقوله تعالى:
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ذكر نبيه ﷺ نعمته عليه خاصة، في حفظه من مكر قريش به ليشكره تعالى في نجاته من مكرهم، واستيلائه عليهم. وذلك أن قريشا، لما أسلمت الأنصار، وأخذ نور الإسلام في الانتشار، فرقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة (وهي دار بناها قصّي بن كلاب ليصلح فيها بين قريش. ثم صارت لمشاورتهم. وهي الآن مقام الحنفيّ. والندوة الجماعة من القوم، وندا بالمكان اجتمع فيه، ومنه النادي) ليتشاوروا في أمره ﷺ . فقال أبو البحتريّ بن هشام: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا بابه، غير كوّة، تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ريب المنون. وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ أي ليحبسوك ويوثقوك، لأن كل من حبس شيئا وربطه فقد جعله ثابتا لا يقدر على الحركة منه. ثم اعترض هذا الرأي شيخ نجدي دخل معهم، فقال: بئس الرأي! يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم! ثم قال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل، وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يسركم ما صنع، واسترحتم.
وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: أَوْ يُخْرِجُوكَ، يعني من مكة، ثم اعترض النجدي أيضا بقوله: بئس الرأي! يفسد قوما غيركم، ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل- لعنه
стр. 2328
الله-: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما، وتعطوه سيفا، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. وهذا ما ذكره تعالى بقوله: أَوْ يَقْتُلُوكَ. ثم قال النجدي اللعين: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي جهل، مجمعين على قتله. فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة. فأمر عليا. فنام في مضجعه،
وقال له: اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه. ثم خرج النبيّ ﷺ ، وأخذ قبضة من تراب، فأخذ الله بأبصارهم عنه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ١- ٩] . ومضى مع أبي بكر إلى الغار، وبات المشركون يحرسون عليّا، يحسبون أنه النبيّ. فلما أصبحوا ساروا إليه ليقتلوه، فرأوا عليّا، فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدري! فاتبعوا أثره، فلما بلغوا الغار، رأوا نسج العنكبوت على بابه، فقالوا: لو دخله لم يبق لنسج العنكبوت أثر.
وخيب الله سعيهم، وأبطل مكرهم. ثم مكث ﷺ فيه ثلاثا، ثم خرج إلى المدينة.
روي ذلك عن ابن عباس من طرق عند ابن إسحاق والإمام أحمد والحاكم والبيهقي-
دخلت روايات بعضهم في بعض-.
وقوله تعالى: وَيَمْكُرُ اللَّهُ أي يدبر ما يبطل مكرهم. وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أعظمهم تأثيرا، قاله المهايمي وأفاد أيضا في مناسبة هذه الآية مع ما قبلها أن هذه تشير إلى أن المتقي كما يجعل الله له فرقانا يمنع من الاجتراء على أهله وماله وعرضه ظاهرا، يحفظه من مكر من مكر به، بل يمكر له على ماكره.
انتهى.
ثم أخبر تعالى عن كفر قريش وعتوّهم وتمردهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته تعالى بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣١]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا أي مثل هذا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا أي المتلوّ. وهذا غاية المكابرة، ونهاية العناد. كيف لا؟ ولو استطاعوا شيئا من ذلك،
стр. 2329
فما الذي كان يمنعهم من المشيئة، وقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، وقرّعوا على العجز، وذاقوا من ذلك الأمرين، ثم قورعوا بالسيف، فلم يعارضوا سواه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان الذي هم فرسانه، المالكون لأزمته، وغاية ابتهاجهم به.
وقوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما سطروه وكتبوه من القصص.
قيل: (أساطير) لا واحد له، وقيل: هو جمع أسطر وسطور وأسطار، جموع سطر، بسكون الطاء وفتحها، فهو جمع الجمع. وقيل: هو جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث. والأصل في السطر الخط والكتابة. يقال: سطر: كتب، ويطلق على الصف من الشيء كالكتاب والشجر. كذا في القاموس وشرحه.
وقد روي أن قائل هذا. النضر بن الحارث من كلدة، وأنه كان ذهب إلى بلاد فارس، وجاء منها بنسخة حديث رستم وإسفنديار، ولما قدم ووجد رسول الله ﷺ قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس ما قصه تعالى من أحاديث القرون. قال: لو شئت لقلت مثل هذا، فزعم أنه مثل ما تلقفه. وكان ﵊ إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر فحدثهم من متلقفاته، ثم يقول: بالله! أينا أحسن قصصا، أنا أو محمد؟ وقد أمكن الله تعالى منه يوم بدر، وأسره المقداد، ثم أمر ﷺ به، فضربت عنقه. وإسناده قوله إلى الجميع، إما لرضا الباقين به أو لأن قائله كبير متبع.
وقد كان اللعين قاصّهم الذي يعلمهم الباطل ويقودهم إليه، ويغرهم بمثل هذه الجعجعة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٢]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ هذا أسلوب من الجحود بليغ، لأنهم عدوّا حقية القرآن محالا، فلذا علقوا عليه طلب العذاب الذي لا يطلبه عاقل، ولو كان ممكنا لفرّوا من تعليقه عليه. والمعنى، إن كان هذا القرآن حقّا منزلا، فعاقبنا على إنكاره بالسجّيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. وفي إطلاقهم (الحق) عليه، وجعله من عند الله تهكم بمن يقول ذلك من النبي أو المؤمنين. وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن
стр. 2330
المعلق به كونه حقّا على الوجه، يدعيه ﷺ ، وهو تنزيله، لا الحق مطلقا، لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع، غير منزل، كالأساطير. فالتعريف للعهد. وفَأَمْطِرْ استعارة أو مجاز ل (أنزل) قال الزمخشريّ: وقد كثر الإمطار في معنى العذاب. فإن قلت:
ما فائدة قوله مِنَ السَّماءِ، والإمطار لا يكون إلا منها؟ قلت: كأنه أريد أن يقال:
فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، موضع (السجيل) كما تقول: صبّ عليه مسرودة من حديد، تريد درعا. وقوله بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي سوى الإمطار المذكور، أو من عطف العامّ على الخاص.
وعن معاوية، أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك! قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة، ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
أي الذي هو الأصلح لهم، ولكن لشدة جهلهم وعتوهم وعنادهم استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا تقديم العقوبة، كقوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت: ٥٣] .
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: ١٦] . وقوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ [المعارج: ١- ٣] وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: ١٨٧] .
وعن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أن قائل ذلك النضر بن الحارث، صاحب القول السالف. قال عطاء: لقد أنزل في النضر بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر.
وروى البخاري «١» عن أنس أن قائل ذلك أبو جهل.
وروى ابن مردويه عن بريدة قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فاخسف بي وبفرسي.
وقوله تعالى:
стр. 2331
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٣]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ بيان للموجب لإمهالهم، وعدم إجابة دعائهم. واللام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم، والنبيّ بين أظهرهم، غير مستقيم في الحكمة، لأن سنته تعالى، وقضية حكمته، ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها، لأنه لو نزل العذاب في مكانهم لأصاب كل من كان فيه. وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم.
وقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ذكروا فيه ثلاثة أوجه:
الأول- أن المراد استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين.
قال الطيبي: وهذا الوجه أبلغ، لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة.
والثاني- أن المراد به دعاء الكفرة بالمغفرة، وقولهم: (غفرانك) في طوافهم بالبيت، كما رواه ابن أبي حاتم. فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعا من عذابه، ولو من الكفرة.
والثالث- أن المراد بالاستغفار التوبة، والرجوع عن جميع ما هم عليه من الكفر وغيره، فيكون القيد منفيّا في هذا، ثابتا في الوجهين الأولين.
قال القاشاني: العذاب سورة الغضب وأثره، فلا يكون إلا من غضب النبيّ، أو من غضب الله المسبب من ذنوب الأمة، والنبيّ ﵊ كان صورة الرحمة، لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] . ولهذا لما كسروا رباعيته قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ولم يغضب كما غضب نوح ﵇ وقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] .
فوجوده فيهم مانع من نزول العذاب، وكذا وجود الاستغفار، فإن السبب الأوّليّ للعذاب لما كان وجود الذنب، والاستغفار مانع من تراكم الذنب وثباته، بل يوجب زواله، فلا يتسبب لغضب الله، فما دام الاستغفار فيهم فهم لا يعذبون. انتهى.
روى الترمذي «١» عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل الله
стр. 2332
عليّ أمانين لأمتي وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ.. الآية. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة.
قال ابن كثير: ويشهد لهذا ما
رواه الإمام أحمد «١» والحاكم وصححه، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، ولا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني.
وروى الإمام أحمد «٢» عن فضالة بن عبيد عن النبيّ ﷺ أنه قال: العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله .
ثم بيّن تعالى أنهم أهل للعذاب لولا المانع المتقدم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٤]
وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وأيّ شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم، وحالهم الصد عن المسجد الحرام، كما صدوا رسول الله ﷺ عام الحديبية. ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الهجرة.
قال القاشاني: أي ليس عدم نزول العذاب لعدم استحقاقهم لذلك بحسب أنفسهم، بل إنهم مستحقون بذواتهم، لصدودهم، وصدهم المستعدين، وعدم بقاء الخيرية فيهم. ولكن يمنعه وجودك ووجود المؤمنين المستغفرين معك فيهم. ثم قال: واعلم أن الوجود الإمكاني يتبع الخير الغالب، لأن الوجود الواجبيّ هو الخير المحض. فما رجع خيره على شره فهو موجود بوجوده بالمناسبة الخيرية، وإذا غلب الشر لم تبق المناسبة، فلزم استئصاله وإعدامه. فهم ما داموا على الصورة الاجتماعية كان الخير فيهم غالبا، فلم يستحقوا الدمار بالعذاب. وأما إذا تفرقوا فما بقي إلا شرهم خالصا فوجب تدميرهم، كما وقع في وقعة بدر. ومن هذا يظهر تحقيق المعنى الثاني في قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
стр. 2333
[الأنفال: ٢٥] ، لغلبة الشرع على المجموع حينئذ. انتهى.
وقوله تعالى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ردّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، نصدّ من نشاء، وندخل من نشاء. أي ما كانوا مستحقين ولاية أمره، لشركهم إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي من الشرك، فلهم أن يصدوا المفسدين وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي أنهم لا ولاية لهم عليه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٥]
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً أي تصفيرا وَتَصْدِيَةً أي تصفيقا بالأكفّ.
روى ابن أبي حاتم أن ابن عمر ﵄ حكى فعلهم، فصفر، وأمال خده، وصفق بيديه.
وعن ابن عمر أيضا قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفرون ويصفقون.
وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، يصفرون ويصفقون.
وعن مجاهد أنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبيّ ﷺ صلاته.
وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين.
وهذه الجملة إما معطوفة على وَهُمْ يَصُدُّونَ، فيكون لتقرير استحقاقهم للعذاب، أو على قوله: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ، فيكون تقريرا لعدم استحقاقهم لولايته.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟ قلت: هو نحو من قوله (أي الفرزدق) :
وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
والمعنى أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء. ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة.
стр. 2334
وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون. وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ في صلاته، يخلطون عليه. ما كنت أخشى، أي: ما كنت أعلم. وأداهم: جمع (أدهم) وهو الأسود من الحيات. والعرب تذكر (الأدهم) وتريد به (القيد) كما في قصة القبعثري. والمحدرجة: السياط. انتهى.
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي اعتقادا وعملا، وفيه إشعار بأن هذا الفعل المبطل لحرمة البيت، كفر، للاستهانة بشعائره تعالى والسخرية بها. والعذاب المذكور هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، كما قاله غير واحد من السلف، واختاره ابن جرير.
تنبيه:
قال ابن القيّم في (إغاثة اللهفان) : المتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق، والمخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة، أشباه هؤلاء المشركين قال ابن عرفة وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا، مكان الصلاة التي أمروا بها، المكاء والتصدية. فألزمهم ذلك عظيم الأوزار. وهذا كقولك: زرته فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة. والمقصود أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار، ونحوه، فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق «١» للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء. فكيف إذا فعلوه، لا لحاجة، وقرنوا به أنواعا من المعاصي قولا وفعلا.
انتهى.
وقال قبله: ومن مكائد عدوّ الله ومصايده التي كاد بها من قلّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة الذي يصدّ القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان.
стр. 2335
وقال شيخه تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى، في بعض فتاويه: وأما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ بالشبابات والاجتماع على ذلك، دينا وطريقا إلى الله وقربة، فهذا ليس من دين الإسلام، وليس مما شرعه لهم نبيّهم محمد ﷺ ، ولا أحد من خلفائه، ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين. بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد أصحابه، ولا تابعيهم بإحسان، ولا تابعي التابعين. بل لم يكن أحد من أهل الدين من الأعصار الثلاثة، لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا العراق ولا بخراسان ولا المغرب ولا مصر يجتمع على مثل هذا السماع، وإنما ابتدع في الإسلام بعد القرون الثلاثة، ولهذا قال الشافعيّ- لما رأى ذلك-: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه (التغبير) ، يصدون به الناس عن القرآن. وسئل عنه أحمد فقال: أكرهه، هو محدث. قيل، أتجلس معهم؟ قال: لا! وكذلك كرهه سائر أئمة الدين، وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه. فلم يحضره مثل إبراهيم بن أدهم، ولا الفضيل بن عياض، ولا معروف الكرخي، ولا أبو سليمان الدارانيّ ولا أحمد بن أبي الحواريّ، ولا السري السقطي، وأمثالهم. والذين حضروه من الشيوخ من المحمودين، تركوه في آخر أمرهم. وأعيان المشايخ عابوا أهله، كما ذكر ذلك الشيخ عبد القادر، والشيخ أبو البيان وغيرهما من الشيوخ: وما ذكره الإمام الشافعيّ ﵃ أنه من إحداث الزنادقة، من كلام إمام خبير بأصول الإسلام. فإن هذا السماع لم يرغّب فيه، ويدعو إليه في الأصل، إلا من هو متهم بالزندقة، كابن الراونديّ والفارابيّ وابن سينا وأمثالهم.
ثم قال ﵀: نعم! قد حضره أقوام من أهل الإرادة والمحبة، وممن له نصيب في المحبة، لما فيه من التحريك لهم، ولم يعلموا غائلته، ولا عرفوا مغبته.
كما دخل قوم من الفقهاء في أنواع من كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام ظنّا منهم أنه حق موافق، ولم يعلموا غائلته. ولا عرفوا مغبته، فإن القيام بحقائق الدين علما وقولا وعملا وذوقا وخبرة لا يستقل به أكثر الناس، ولكن الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة.
ثم قال ﵀: ومن كان له خبرة بحقائق الدين، وأحوال القلوب، ومعارفها وأذواقها، عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلب منفعة ولا مصلحة، إلا وفي ضمن ذلك من المفسدة ما هو أعظم منه. فهو للروح، كالخمر للجسد، يفعل في النفوس، أعظم ما تفعله حميّا الكؤوس.
стр. 2336
ثم قال: وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أن النبيّ ﷺ لم يترك شيئا يقرّب إلى الجنة، إلا وقد حدث به، ولا شيئا يبعد عن النار، إلا وقد حدث به. وإن هذا السماع، لو كان مصلحة، لشرعه الله ورسوله، فإن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.. [المائدة: ٣] الآية. وإذا وجد السامع به منفعة لقلبه، ولم يجد شاهد ذلك من كتاب الله ولا من سنة رسوله، لم يلتفت إليه. كما أن الفقيه إذا رأى قياسا لا يشهد له الكتاب والسنة، لم يلتفت إليه انتهى.
وقد سلف لنا شيء من هذا البحث عند قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فليراجع.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ نزلت فيمن ينفق على حرب النبيّ ﷺ من المشركين، وبيان سوء مغبة هذا الإنفاق، وقد ذهب الضحاك إلى أنه عني بها المطعمون منهم يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم، كل يوم عشرة جزر.
وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي سفيان، ونفقته الأموال في (أحد) لقتال رسول الله ﷺ .
روى محمد بن إسحاق عن الزهري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير تجارة، قالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا. قال: ففيهم، كما ذكر عن ابن عباس، أنزلت الآية.
ولا يخفى شمول الآية لجميع ذلك. واللام في (ليصدوا) لام الصيرورة، ويصح أن تكون للتعليل، لأن غرضهم الصد عما هو سبيل الله بحسب الواقع، وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم. وسبيل الله طريقه وهو دينه، واتباع رسوله، ولما تضمن الموصول معنى الشرط، والخبر بمنزلة الجزاء، وهو فَسَيُنْفِقُونَها اقترن
стр. 2337
بالفاء. ويُنْفِقُونَ إما حال، أو بدل من كَفَرُوا وفي تضمن الجزاء من معنى الإعلام والإخبار، التوبيخ على الإنفاق، والإنكار عليه، كما في قوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] . وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط والجزاء، الدلالة على كمال سوء الإنفاق، كما في قوله: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: ١٩٢] . وقولهم: من أدرك الصّمّان. فقد أدرك المرعى. والمعنى: الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله، والصدّ عن اتباع رسوله ﷺ ، سيعلمون عن قريب سوء مغبة ذلك الإنفاق، وانقلابه إلى أشد الخسران، من القتل والأسر في الدنيا، والنكال في العقبي: قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
(والأذى هنا المنّ) وفي جعل ذات الأموال تصير حَسْرَةً أي ندما وتأسفا- وهي عاقبة أمرها- مبالغة. والمراد بالغلبة في قوله: ثُمَّ يُغْلَبُونَ الغلبة التي استقر عليها الأمر، وإن كانت الحرب بينهم سجالا قبل ذلك. فإن قلت: غلبة المسلمين متقدمة على تحسرهم، بالزمان، فلم أخرت بالذكر؟ قلت: المراد أنهم يغلبون في مواطن أخر بعد ذلك. كذا في (العناية) .
تنبيه:
قال بعضهم ثمرة الآية خطر المعاونة على معصية الله تعالى، وأن الإنفاق في ذلك معصية، فيدخل في هذا معاونة الظلمة على حركاتهم في البغي والظلم، وكذلك بيع السلاح والكراع، ممن يستعين بذلك على حرب المسلمين.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٧]
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ أي الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصلاح.
واللام متعلقة ب يُحْشَرُونَ أو يُغْلَبُونَ. أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ . مما أنفقه المسلمون في نصرته، واللام متعلقة بقوله ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ
стр. 2338
أي: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو يضم إلى الكافر ما أنفقه، ليزيد به عذابه، كمال الكانزين أُولئِكَ إشارة إلى الخبيث، لأنه مقدر بالفريق الخبيث، أو إلى المنفقين هُمُ الْخاسِرُونَ لخسرانهم أنفسهم وأموالهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٨]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني أبا سفيان وأصحابه. فالتعريف فيه للعهد أو للجنس، فيدخل هؤلاء دخولا أوليّا إِنْ يَنْتَهُوا أي عن الكفر وقتال النبيّ ﷺ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ أي من الكفر والمعاصي وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتاله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير، أو الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر. وقوله فَقَدْ مَضَتْ إلخ دليل الجزاء. والتقدير: انتقمنا منهم فقد مضت إلخ.
تنبيه:
استدل بالآية على أن
الإسلام يجبّ ما قبله، كما جاء في الحديث «١»
وأن الكافر إذا أسلم، لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب، لعموم الآية، واستدلوا بها على إسقاط ما على الذمي من جزية وجبت عليه قبل إسلامه. أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك: لا يؤاخذ كافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، ولم يعد طلاقهم شيئا، لأن الله تعالى قال إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ كذا في (الإكليل) .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٩]
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شرك أو إضلال لغيرهم، وفتن منهم للمؤمنين عن دينهم وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أي يخلص التوحيد لله، فلا يعبد غيره فَإِنِ انْتَهَوْا أي عن الكفر والمعاصي ظاهرا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ أي ببواطنهم
стр. 2339
بَصِيرٌ أي فيجازيهم، وعليه حسابهم، فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا ببواطنهم.
كقوله تعالى فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.. [التوبة: ٥] الآية- وفي الآية الأخرى فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [الأحزاب: ٥]
وفي الصحيحين «١» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » .
وفي الصحيح «٢» أن رسول الله ﷺ قال لأسامة: لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال لأسامة: أقتلته بعد ما قال:
لا إله إلا الله، فكيف تصنع ب (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوّذا، فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه: من لك ب (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٠]
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)
وَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته نِعْمَ الْمَوْلى فلا يضيع من تولاه وَنِعْمَ النَّصِيرُ فلا يغلب من نصره.
ثم بيّن تعالى مصرف ما أحله لهذه الأمة وخصها به، وهو الغنائم، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤١]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ أي قلّ أو كثر من الكفار فَأَنَّ لِلَّهِ أي الذي
стр. 2340
منه النصر المتفرع عليه الغنيمة خُمُسَهُ شكرا له على نصره وإعطائه الغنيمة وَلِلرَّسُولِ أي الذي هو الأصل في أسباب النصر وَلِذِي الْقُرْبى وهم بنو هاشم والمطلب وَالْيَتامى أي من مات آباؤهم ولم يبلغوا، لأنهم ضعفاء وَالْمَساكِينِ لأنهم أيضا ضعفاء كاليتامى وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر الذي قطع عليه الطريق ويريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ما يتبلغ بهم.
وفي هذه الآية مسائل:
الأولى- قال الفقهاء: (الغنيمة) المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، أي ما ظهر عليه المسلمون بالقتال. وهل هي والفيء والنفل شيء واحد أو لا؟ وسنفصله في آخر المسائل.
الثانية- (ما) في أَنَّما بمعنى الذي، والعائد محذوف، وكان حقها، على أصولهم، أن تكتب مفصولة. قال الشهاب: وقد أجيز في (ما) هذه أن تكون شرطية.
الثالثة- قوله تعالى: مِنْ شَيْءٍ، بيان للموصول، محله النصب، على أنه حال من عائد الموصول، قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة، وألا يشذ عنها شيء، أي ما غنمتموه كائنا ما كان يقع عليه اسم الشيء، حتى الخيط والمخيط.
الرابعة- (الخمس) بضم الميم، وسكونها، لغتان قد قرئ بهما.
الخامسة- أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربيّ ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبيّ ﷺ عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين. ومنهم من يقول: يسوى بين الفرس العربيّ والهجين في هذا.
الهجين يسمى البرذون والأكديش. ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابي أحد، لا لرئاسته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبيّ ﷺ وخلفاؤه يقسمونها.
وفي صحيح البخاري «١»
أن سعد بن أبي وقاص رأى أنّ له فضلا على من دونه،
стр. 2341
فقال النبيّ ﷺ : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟
وفي مسند أحمد «١» أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم. يكون سهمه وأسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أمّ سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم. كذا في (السياسة الشرعية) لابن تيمية.
وفي (زاد المعاد) لابن القيّم: كان ﷺ إذا ظفر بعدوّه، أمر مناديا فجمع الغنائم كلها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد، ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم. وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخمس. وجمع لسلمة بن الأكوع، في بعض مغازيه، بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم، لعظم غنائه في تلك الغزوة.
قال ابن تيمية: وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر.
السادسة- ذهب الجمهور إلى أن ذكر الله تعالى في قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ للتعظيم، أي تعظيم الرسول، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] . أو لبيان أنه لا بد في الخمسة من إخلاصها لله تعالى، وأن المراد قسمة الخمس على المعطوفين عليه، وتمسك بعضهم بظاهر ذلك، فأوجب سهما سادسا لله تعالى، يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة قال: لأن كلام الحكيم لا يعرّى عن الفائدة، ولأنه ثبت اختصاصه في آية الصدقات في قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٦٠] ، فكذا هنا. وهذا مروي عن أبي العالية، والربيع والقاسم وأسباطه ويؤيد ما للجمهور، ما
رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: أتيت النبيّ ﷺ ، وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله! ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش. قلت:
فما أحد أولى به من أحد؟ قال، لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم. ومن لطائف الحسن أنه أوصى بالخمس من ماله وقال: ألا
стр. 2342
أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟
السابعة- خمس النبيّ ﷺ الذي جعله الله له، كان أمره في حياته مفوّضا إليه، يتصرف فيه بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء.
روى الإمام أحمد «١»
أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت: يا عبادة! كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلّم قام رسول الله ﷺ ، فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلّوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس، في الله ﵎، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجي الله ﵎ به من الغم والهم.
قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم.
وروى أبو داود «٢» والنسائي عن عمرو بن عبسة، أن رسول الله ﷺ صلّى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلّم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ولا يحلّ لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود عليكم
- واستدل به على أنه ﵊ كان يصرفه لمصالح المسلمين.
وكان له ﷺ من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك، رواه أبو داود «٣» عن محمد بن سيرين والشعبي مرسلا، وأحمد والترمذي عن ابن عباس.
وللعلماء فيما يصنع بخمسه ﷺ من بعده مذاهب: فمن قائل: يكون لمن يلي الأمر من بعده. قال ابن كثير: روي هذا عن أبي بكر وعليّ وقتادة وجماعة. وجاء
стр. 2343
فيه حديث مرفوع. ومن قائل: يصرف في مصالح المسلمين. قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبيّ ﷺ في الكراع والسلاح. ومن قائل:
بأنه يصرف لقرابته ﷺ . ومن قائل: بأنه مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. واختاره ابن جرير. وللمسألة حظ من النظر.
الثانية- أجمعوا على أن المراد ب (ذوي القربى) قرابته ﷺ . وذهب الجمهور إلى أن سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب خاصة. لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية، وفي أول الإسلام ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ ، وحماية له. مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة، وأنفة وطاعة لأبي طالب عمّ رسول الله ﷺ . وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا ابني عمهم، لم يوافقوهم، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذمهم أبو طالب في قصيدته بقوله منها:
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شرّ عاجلا غير آجل
نوفل: هو ابن خويلد. كان من شياطين قريش. قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر) .
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
(لا يخيس، من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده. والعائل: الحائر)
لقد سفهت أحلام قوم تبدّلوا ... بني خلف قيضا بنا والغياطل
(قيضا: عوضا. والغياطل: بنو سهم) :
ونحن الصّميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصيّ في الخطوب الأوائل
(الصميم: الخالص من كل شيء. والذؤابة: الجماعة العالية، وأصله الخصلة من شعر الرأس) .
وقال جبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، إلى النبيّ ﷺ ، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك؟ فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد- رواه مسلم.
وفي رواية: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام- أفاده ابن كثير.
وقد روي عن ابن عباس وزين العابدين والباقر أنه يسوّى في العطاء بين غنيّهم وفقيرهم، ذكورهم وإناثهم، لأن اسم القرابة يشملهم، ولأنهم عوّضوه لما حرمت
стр. 2344
عليهم الزكاة، وقياسا على المال المقرّ به لبني فلان. واعتبر الشافعي أن سهمهم استحق بالقرابة، فأشبه الميراث. قال: فللذكر منه مثل حظ الأنثيين، انتهى.
وقال في (العناية) : إنه كان لعبد مناف، جد النبيّ ﷺ خمس بنين: هاشم وعبد شمس ونوفل والمطلب وأبو عمرو، وكلهم أعقبوا إلا أبا عمرو.
التاسعة- سهم اليتامى: قيل يخص به فقراؤهم، وقيل: يعم الأغنياء والفقراء.
حكاه ابن كثير. والأظهر الثاني. والسرّ فيه ما قدمناه في سورة البقرة، فتذكره فإنه مهم.
العاشرة- المساكين: المحاويج الذين لا يجدون ما يسدّ خلتهم ويكفيهم.
وابن السبيل: ذكرنا معناه أولا.
الحادية عشرة- قال بعضهم: يقتضي ما ذكر في هذه الآية، وما في صدر هذه السورة من الأنفال، وما في سورة الحشر من قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الحشر: ٦- ٧] ، أن القسمة في الأموال المظفور بها ثلاثية: نفل: وغنيمة، وفيء.
ويقتضي إطلاق جعل النفل لله ولرسوله، والغنيمة لمن ذكر مخمسة، والفيء لمن ذكر بلا قيد التخميس- أن لكل من الثلاثة حكما يخالف الآخر، وإن النفل ما يعطى لمن له من العناية والمقاتلة ما ليس لغيره، وفاء لعدته بذلك، قبل إحراز الغنيمة كالسّلب. وإن الغنيمة ما أحرز بالقتال، سوى ما شرط التنفيل به، لأنه لا بخمس.
والفيء ما أخذ من الكفار بغير قتال، كالأموال التي يصالحون عليها، والجزية والخراج، ونحو ذلك، وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور. وذهب بعضهم إلى اتحاد الثلاثة، وعدم التفرقة بينها، وإلى دخولها في الغنيمة، وقال: ما أطلق في آية الأنفال، وآية الحشر، مقيد بآية الغنيمة هذه. وهذا هو مراد قول بعضهم: إنهما منسوختان بهذه، بمعنى أن إطلاقهما مقيد بهذه. والله أعلم.
وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ أي فاعملوا بما ذكر، وارضوا بهذه القسمة فالإيمان يوجب العمل بالعلم، والرضا بالحكم.
وقد جاء في الصحيحين «١» من حديث عبد الله بن عباس، في حديث وفد عبد القيس: أن رسول الله ﷺ قال لهم: «وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم
стр. 2345
بالإيمان بالله. ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم» ،
الحديث- فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوّب البخاري على ذلك في باب الإيمان من صحيحه، فقال: (باب أداء الخمس من الإيمان) وساق الحديث المذكور.
وقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا معطوف على بِاللَّهِ أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل عَلى عَبْدِنا أي محمد ﵊، أي من الآيات والملائكة والنصر يَوْمَ الْفُرْقانِ أي يوم بدر، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. و (الفرقان) بمعناه اللغوي، والإضافة فيه للعهد يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع المؤمنين وجمع الكافرين. فالتعريف للعهد. وكان التقاؤهما يوم الجمعة. لسبع عشرة مضت من رمضان والمؤمنون يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على نصر القليل على الكثير، كما فعل بكم يوم بدر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٢]
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)
إِذْ أَنْتُمْ بدل من (يوم الفرقان) ، أو ظرف لمحذوف، أي: اذكروا إذ أنتم يا معشر المؤمنين بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا يعني بشفير الوادي الأدنى من المدينة وَهُمْ يعني المشركين أبا جهل وأصحابه بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي البعدى عن المدينة، مما يلي مكة وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي العير التي فيها أبو سفيان، بما معه من التجارة التي كان الخروج لأجلها، أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من (بدر) .
لطيفة:
قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن
стр. 2346
العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته وتكامل عدته، وتمهّد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال، ليست إلا صنعا من الله سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته، وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى الّتي أناخ بها المشركون، كان فيها الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار (ما لان من الأرض واسترخى) تسوخ فيه الأرجل، ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدوّ، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميّتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذبّ عن الحريم، والغيرة على الحرب، على بذل جهيداهم في القتال، وألا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط همومهم، ويوطن نفوسهم، على ألا يبرحوا موطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبّر سبحانه من أمر وقعة بدر، ليقضي أمرا كان مفعولا، من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين، مبهمة غير مبيّنة، حتى خرجوا ليأخذوا العير، راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا غيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا، وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان، انتهى.
قال الناصر في (الانتصاف) : وهذا الفصل من خواص حسنات الزمخشري، وتنقيبه عن أسرار الكتاب العزيز.
وقوله تعالى: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي ولو تواعدتم أنتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم، على الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيّب رسول الله ﷺ والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له. قاله الزمخشري.
وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عبر قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد.
وروى ابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر
стр. 2347
هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة وشهد الناس بعضهم إلى بعض.
وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ولكن جمع بينكم على هذه الحال على غير ميعاد، ليقضي ما أراد من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم. وقوله كانَ مَفْعُولًا أي حقيقا بأن يفعل. وقيل: كانَ بمعنى (صار) أي صار مفعولا، بعد أن لم يكن. وقيل: إنه عبر به عنه لتحققه حتى كأنه مضى. وقوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أي إنما جمعكم مع عدوّكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصركم عليهم، ويرفع حجة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة،، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنه مبطل لقيام الحجة عليه. ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ويقين، بأنه دين الحق، الذي يجب الدخول فيه، والتمسك به. وذلك أن ما كان من وقعة (بدر) ، من الآيات الغرّ المحجّلة، التي من كفر بعدها، كان مكابرا لنفسه، مغالطا لها.
لطائف:
الأولى- قوله تعالى لِيَهْلِكَ بدل من لِيَقْضِيَ أو متعلق ب مَفْعُولًا.
الثانية- الحياة والهلاك استعارة للكفر والإسلام، وقرئ لِيَهْلِكَ بفتح اللام.
الثالثة- حَيَّ يقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان متحركان، فهو مثل شدّ ومدّ. ومنه قول عبيدة بن الأبرص:
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
ويقرأ بالإظهار وفيه وجهان:
أحدهما- أن الماضي حمل على المستقبل، وهو (يحيا) فكما لم يدغم في المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك شدّ ومدّ، فإنه يدغم فيهما جميعا.
والوجه الثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين، كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لححت عليه، وضبب البلد، إذا كثر ضبة، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة، فكأن الياء الثانية ساكنة، ولو سكنت لم يلزم الإدغام، وكذلك إذا كانت في تقدير الساكن، والياءان أصل، وليست الثانية بدلا من (واو) ، فأما الحيوان، ف (الواو) فيه بدل من الياء. وأما
стр. 2348
الحواء، فليس من لفظ (الحية) ، بل من (حوى يحوي) إذا جمع- قاله أبو البقاء-.
وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ أي بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٣]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣)
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا منصوب ب (اذكر) ، أو بدل آخر من (يوم الفرقان) . وذلك أن الله أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي لجبنتم وهبتم الإقدام وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي أمر الإقدام والإحجام، فتفرقت كلمتكم وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع. ولذلك دبر ما دبر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٤]
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وذلك تصديقا لرؤيا رسول الله ﷺ ، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزداد يقينهم، ويجدّوا، ويثبتوا.
قال ابن مسعود ﵁: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة! فأسرنا رجلا منهم، فقلنا له: كم كنتم؟
قال: ألفا! - رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ أي في اليقظة، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور مثل في القلة، ك (أكلة رأس) أي أنهم لقلتهم يكفيهم ذلك. و (أكلة) بوزن (كتبة) ، جمع آكل، بوزن فاعل، والجزور الناقة، كذا في (العناية) . لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً أي من إظهار الخوارق الدالة على صدق دين الإسلام، وكذب دين الكفر كانَ مَفْعُولًا أي كالواجب فعله على الحكيم، لما فيه من الخير الكثير. قاله المهايمي.
стр. 2349
لطائف:
الأولى- قال الزمخشري: فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثّرهم فيها بعده، ليجترؤوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة، فيبهتوا ويهابوا، وتفلّ شوكتهم، حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا وكثرتهم آخرا.
الثانية- قال الزمخشري أيضا: فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلا؟
قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين- وكان بين يديه ديك واحد- فقال: مالي لا أرى هذين الديكين أربعة؟ انتهى.
قال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا- يعني كلام الزمخشري- دليل بيّن على أن الله تعالى هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة، غير موقوف على سبب من مقابلة، أو قرب، أو ارتفاع حجب، أو غير ذلك. إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة للرؤية عقلا، لما أمكن أن يستر عنهم البعض، وقد أدركوا البعض، والسبب الموجب مشترك. فعلى هذا يجوز أن يخلق الله الإدراك مع اجتماعها، فلا ربط إذن بين الرؤية ونفيها في مقدرة الله تعالى؟ وهي رادّة على القدرية المنكرين لرؤية الله تعالى، بناء على اعتبار هذه الأسباب في حصول الإدراك عقلا، وأنها تستلزم الجسمية، إذ المقابلة والقرب وارتفاع الحجب إنما تتأتى في جسم. فهذه الآية حسبهم في إبطال زعمهم، ولكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون، والله الموفق.
الثالثة: لا يقال: إن قوله تعالى: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مكرر مع ما سبق. لأنّا نقول: إن المقصود من ذكره أولا هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين، على وجه يكون معجزة دالة على صدقه ﷺ ، والمقصود منه هاهنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين، ثم تكثيرهم للحكمة المتقدمة.
وفي قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد.
ثم أرشد تعالى عباده المؤمنين إلى آداب اللقاء في ميدان الوغى، ومبارزة الأعداء، بقوله سبحانه:
стр. 2350
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أي إذا حاربتم جماعة فاثبتوا للقائهم واصبروا على مبارزتهم، فلا تفروا ولا تجبنوا ولا تنكلوا. وتفسير (اللقاء) ب (الحرب) لغلبته عليه، كالنزال ولم يصف الفئة بأنها كافرة، لأنه معلوم غير محتاج إليه وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي في مواطن الحرب، مستظهرين بذكره مستنصرين به، داعين له على عدوّكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة.
وقد ثبت في الصحيحين «١» عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه، التي لقي فيها العدوّ انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال:
«يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» .
ثم قال: اللهم! منزل الكتاب. ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم.
وفي الآية إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، أشغل ما يكون قلبا، وأكثر ما يكون همّا، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٦]
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في كل ما يأمران به وينهيان، وهذا عامّ،