Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أعلم محمدا، وارتد ولحق بمكة، ونزلت الآية فيه.
قال القاضي أبو محمد: هذا نصراني أسلم وكتب، ثم ارتد ولحق بمكة ومات، ثم لفظته الأرض، وإلا فهذا القول يضعف لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا السبب ولغيره من نحوه هو عبد الله بن أبي سرح العامري، ولسانه ليس بأعجمي فتأمله.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
المفهوم من الوجود أن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بآياته، ولكنه قدم في هذا الترتيب وأخر، تهمما بتقبيح فعلهم والتشنيع لخطابهم، وذلك كقوله تعالى فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] والمراد ما ذكرناه فكأنه قال إن الذين لم يؤمنوا لم يهدهم الله، وقوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ بمعنى يكذب، وهذه مقاومة للذين قالوا لمحمد ﷺ : إنما أنت مفتر، وإِنَّما أبدا حاصرة، لكن حصرها يختلف باختلاف المعاني التي تقع فيها، فقد يربط المعنى أن يكون حصرها حقيقيا كقوله تعالى:
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: ١٧١] وقد يقتضي المعنى أن يكون حصرها تجوزا ومبالغة، كقولك: إنما الشجاع عنترة، وهكذا هي في هذه الآية، قال الزجاج: يفتري هذا الصنف لأنهم إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، كذبوا بها، فهذا أفحش الكذب، وكرر المعنى في قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ لفائدة إيقاع الصفة بالكذب عليهم إذ الصفة بالشيء أبلغ من الخبر به، لأن الصفة تقتضي الدوام أكثر مما يقتضه الخبر فبدأ في هذه الآية بالخبر، ثم أكد بالصفة، وقد اعترض هذا النظر مكي، وليس اعتراضه بالقوي، ومَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ بدل من قوله هُمُ الْكاذِبُونَ ولم يجز الزجاج غير هذا الوجه لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله، والذي أبى الزجاج سائغ على ما أورده الآن إن شاء الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يتأكد بما روي من أن قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ يراد به عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وأشباههما ممن كان آمن برسول الله ثم ارتد، فلما بين في هذه الآية أمر الكاذبين بأنهم الذين كفروا بعد الإيمان أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنون المعذبون بمكة، وهم بلال وعمار وسمية أمه وخباب وصهيب وأشباههم، وذلك أن كفار مكة كانوا في صدر الإسلام يؤذون من أسلم من هؤلاء الضعفة، يعذبونهم ليرتدوا، فربما سامعهم بعضهم بما أرادوا من القول، يروى أن عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيت الرخصة عامة في الأمر بعده، ثم ابتدأ الإخبار: «أن من شرح
стр. 1542
صدرا بالكفر فعليهم» ، وهذا الضمير على معنى من لا على لفظها.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا من الاعتراض أن أمر ابن أبي سرح وأولئك إنما كان ورسول الله ﷺ بالمدينة، والظاهر من هذه الآية أنها مكية وقالت فرقة مَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ ابتداء، وقوله مَنْ شَرَحَ تخصيص منه، ودخل الاستثناء لما ذكرنا من إخراج عمار وشبهه، وردنا من الاستثناء إلى المعنى الأول الاستدراك ب وَلكِنْ، وقوله فَعَلَيْهِمْ خبر مَنْ الأولى والثانية، إذ هو واحد بالمعنى، لأن الإخبار في قوله مَنْ كَفَرَ إنما قصد به الصنف الشارح بالكفر، وصَدْراً نصب على التمييز، وقوله شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه انبسط إلى الكفر باختياره، ويروى أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله ﷺ ما صنع به من العذاب، وما سامع به من القول، فقال رسول الله ﷺ ، كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنا بالإيمان، قال فأجبهم بلسانك فإنه لا يضرك وإن عادوا فعد.
قال القاضي أبو محمد: ويتعلق بهذه الآية شيء من مسائل الإكراه أما من عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان العذاب يؤدي إلى قتله فله الإجابة باللسان، قولا واحدا فيما أحفظ، فإن أراد منه الإجابة بفعل كالسجود إلى صنم ونحو ذلك ففي هذا اختلاف، فقالت فرقة هي الجمهور: يجيب بحسب التقية، وقالت فرقة: لا يجيب ويسلم نفسه، وقالت فرقة: إن كان السجود نحو القبلة أجاب، واعتقد السجود لله.
قال القاضي أبو محمد: وما أحراه أن يسجد لله حينئذ حيثما توجه، وهذا مباح في السفر لتعب النزول عن الدابة في التنفل، فكيف لهذا، وإذا احتجت فرقة المنع بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به، فقصر الرحمة على القول، ولم يذكر الفعل.
قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بحجة لأنه يحتمل أن جعل الكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه، فأما الإكراه على البيع والإيمان والطلاق والعتق والفطر في رمضان وشرب الخمر ونحو هذا من المعاصي التي بين العبد والله ، فلا يلزم المكره شيء من ذلك، قاله مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وروياه عن ابن القاسم عن مالك، وفرق ابن عباس بين ما هنا قول كالعتق والطلاق فجعل فيها التقية، وقال: لا تقية فيما كان فعلا كشرب الخمر والفطر في رمضان، ولا يحل فعلها لمكره، فأما المظلوم يضغط حتى يبيع متاعه فذلك بيع لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم، فإن أفات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه، قال مطرف: ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب، وأما من لا يعلم فلا يضمن العروض والحيوان وإنما يضمن ما كان تلفه بسببه مثل طعام أكله أو ثوب لبسه، والغلة إذا علم أو لم يعلم ليست له بحال، هو لها ضامن كالغاصب، وقاله أصبغ وابن عبد الحكم، قال مطرف: وكل ما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه، وأما الإكراه على قتل مسلم أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه فلا عذر فيه، ولا
стр. 1543
استكراه في ركوب معصية تنتهك مثل حد كالزنا والقتل أو نحوه، قال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم: لا يفعل أحد ذلك وإن قتل إن لم يفعله، فإن فعل فهو آثم، ويلزمه الحد والقود، قال مالك: والقيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنفاذه لما يتوعد.
قال القاضي أبو محمد: ويعتبر الإكراه عندي بحسب همة المكره وقدره في الدين، وبحسب قدر الشيء الذي يكره عليه، فقد يكون الضرب إكراها في شيء دون شيء، فلهذه النوازل فقه الحال، وأما يمين المكره كما قلنا فهي غير لازمة، قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو لله طاعة، أو فيما هو لله معصية، أو فيما ليس في فعله طاعة ولا معصية، فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق أن لا يشرب خمرا أو لا يفسق أو لا يغش في عمله، أو الوالد يحلف ولده في مثل هذا تأديبا له، فإن اليمين تلزم، وإن كان المكره قد أخطأ فيما تكلف من ذلك، وقال به ابن حبيب، وأما إن أكره رجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المسكن وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مطرف: لا تقية في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا عن ماله، وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه، وقال ابن القاسم بقول مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ وابن حبيب، قال مطرف وابن الماجشون: وإن بدر الحالف يمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من بدنه وماله فحلف له فإنه يلزمه، قاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب وإنما حلف خوفا من ضربه أو قتله أو أخذ ماله فإن كان إنما يتبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث، وإذا اتهم الوالي أحدا بفعل أمر فقال لا بد من عقوبتك إلا أن تحلف لي، فإن كان ذلك الأمر مما لذلك المكروه فعله إما أن يكون طاعة وإما أن يكون لا طاعة ولا معصية، فالتقية في هذا، وأما إن كان ذلك الأمر مما لا يحل لذلك الرجل فعله ويكون نظر الوالي فيه صوابا فلا تقية في اليمين، وهو حانث، قاله مالك وابن الماجشون.
قال القاضي أبو محمد: فهذه نبذة من مسائل الإكراه.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٧ الى ١١١]
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
قوله ذلِكَ إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية، والضمير في أنهم
стр. 1544
ل مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [النحل: ١٠٦] ، ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك وإن كانوا مصدقين بآخرة لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره، وهذه الآية علق فيها العقاب بتكسبهم وذلك أن استحبابهم زينة الدنيا ولذات الكفر هو التكسب، وقوله وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إشارة إلى اختراع الله تعالى الكفر في قلوبهم، ولا شك أن كفر الكافر الذي يتعلق به العقاب إنما هو باختراع من الله تعالى وتكسب من الكافر، فجمعت الآية بين الأمرين، وعلى هذا مرت عقيدة أهل السنة، وقوله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ عموم على أنه لا يهديهم من حيث إنهم كفار في نفس كفرهم، أو عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي، وقوله أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية، عبارة عن صرف الله لهم عن طريق الهدى، واختراع الكفر المظلم في قلوبهم، وتغليب الإعراض على نظرهم، فكأنه سد بذلك طرق هذه الحواس حتى لا ينتفع بها في اعتبار وتأمل، وقد تقدم القول وذكر الاختلاف في الطبع والختم في سورة البقرة، وهل هو حقيقة أو مجاز؟ و «السمع» اسم جنس وهو مصدر في الأصل، فلذلك وحد، ونبه على تكسبهم الإعراض عن النظر، فوصفهم ب «الغفلة» ، وقد تقدم شرح لا جَرَمَ في هذه السورة، وقوله ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا الآية، قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] إلى آخر الآية قال: وكتب بها إلى من بقي بمكة من المسلمين وأن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ٨ العنكبوت: ١٠] إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا الآية، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل.
قال القاضي أبو محمد: جاءت هذه الرواية هكذا أن بعد نزول الآية خرجوا فجيء الجهاد الذي ذكر في الآية جهادهم مع رسول الله ﷺ . وروت طائفة أنهم خرجوا وأتبعوا، وجاهدوا متبعيهم، فقتل من قتل، ونجا من نجا فنزلت الآية حينئذ، فعنى بالجهاد المذكور جهادهم لمتبعيهم، وقال ابن إسحاق: ونزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد.
قال القاضي أبو محمد: وذكر عمار في هذا عندي غير قويم، فإنه أرفع من طبقة هؤلاء، وإنما هؤلاء من شرح بالكفر صدرا فتح الله لهم باب التوبة في آخر الآية، وقال عكرمة والحسن: نزلت هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه، فكأنه يقول من بعد ما فتنهم الشيطان وهذه الآية مدنية، ولا أعلم في ذلك خلافا، وإن وجد فهو ضعيف، وقرأ الجمهور «من بعد ما فتنوا» بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده «فتنوا» بفتح الفاء والتاء، فإن كان الضمير للمعذبين فيجيء بمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل عمار، وإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم المشركون، وإن كان الضمير للمشركين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم الشيطان، والضمير في بَعْدِها عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، وإن لم يجر لها ذكر صريح، وقوله يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ
стр. 1545
نَفْسٍ
المعنى لغفور رحيم يوم، وقوله: كُلُّ نَفْسٍ أي كل ذي نفس، ثم أجري الفعل على المضاف إليه المذكور، فأتت العلامة، ونَفْسٍ الأولى هي النفس المعروفة، والثانية هي بمعنى الذات، كما تقول نفس الشيء وعينه أي ذاته، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي يجازى كل من أحسن بإحسانه وكل من أساء بإساءته.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أن كل نفس تُجادِلُ كانت مؤمنة أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن، وقالت فرقة: «الجدال» قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: نفسي نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج إنما هو مجرد رغبة.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٤]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)
قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة والقرية المضروب بها المثل مكة كانت بهذه الصفة التي ذكر الله لأنها كانت لا تغزى ولا يغير عليها أحد. وكانت الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها رسوله والمراد بهذه الضمائر كلها أهل القرية، فكفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم السنون والخوف، وسرايا رسول الله ﷺ وغزواته، هذا إن كانت الآية مدنية وإن كانت مكية فجوع السنين وخوف العذاب من الله بحسب التكذيب.
قال القاضي أبو محمد: وإن كانت هي التي ضربت مثلا فإنما ضربت لغيرها مما يأتي بعدها ليحذر أن يقع فيما وقعت هي فيه، وحكى الطبري عن حفصة أم المؤمنين أنها كانت تسأل في وقت حصر عثمان بن عفان ﵁ ما صنع الناس وهي صادرة من الحج من مكة، فقيل لها قتل فقالت: والذي نفسي بيده، إنها القرية تعني المدينة التي قال الله لها، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا الآية.
قال القاضي أبو محمد: فأدخل الطبري هذا على أن حفصة قالت: إن الآية نزلت في المدينة وإنها هي التي ضربت مثلا، والأمر عندي ليس كذلك وإنما أرادت أن المدينة قد حصلت في محذور الملل وحل بها ما حل بالتي جعلت مثلا، وكذلك يتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة، جعلت مثلا لكة على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة، ورَغَداً نصب على الحال و «أنعم» جمع نعمة كشدة وأشد كذا قال سيبويه وقال قطرب «أنعم» جمع نعم وهي بمعنى التنعيم، يقال هذه أيام
стр. 1546
طعم ونعم وقوله فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ استعارات أي لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى: [المتقارب]
إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت عليه فصارت لباسا
ونحوه قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] ، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما
كأن العار لما باشرهم وألصق بهم جعلهم لبسوه، قوله «أذاقها» نظير قوله تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] ونظير قول الشاعر:
دونك ما جنيته فأحسن وذق
وقرأ الجمهور: «والخوف» عطفا على الْجُوعِ وقرأ أبو عمرو: بخلاف عنه «والخوف» عطفا على قوله لِباسَ، وفي مصحف أبي بن كعب «لباس الخوف والجوع» ، وقرأ ابن مسعود، «فأذاقها الله الخوف والجوع» ولا بذكر لِباسَ، والضمير في جاءَهُمْ لأهل مكة، والرسول محمد ﷺ ، والْعَذابُ الجوع وأمر بدر ونحو ذلك إن كان التمثيل بمكة وكانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فهو الجوع فقط، وذكر الطبري أنه القتل ببدر، وهذا يقتضي أن الآية نزلت بالمدينة، وإن كان التمثيل بمدينة قديمة غير معينة، فيحتمل أن يكون الضمير في جاءَهُمْ لأهل تلك المدينة، ويكون هذا مما جرى فيها كمدينة شعيب وغيره ويحتمل أن يكون الضمير المذكور لأهل مكة وتأمل. وقوله فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الآية، هذا ابتداء كلام آخر، ومعنى حكم، والفاء في قوله فَكُلُوا الصلة الكلام واتساق الجمل خرج من ذكر الكافرين والميل عليهم إلى أمر المؤمنين بشرع ما فوصل الكلام بالفاء وليست المعاني موصولة، هذا قول، والذي عندي أن الكلام متصل المعنى، أي وأنتم أيها المؤمنون لستم كهذه القرية، فَكُلُوا واشكروا الله على تباين حالكم من حال الكفرة وهذه الآية هي بسبب أن الكفار كانوا سنوا في الأنعام سننا وحرموا بعضا وأحلوا بعضا فأمر الله تعالى المؤمنين بأكل جميع الأنعام التي رزقها الله عباده وقوله حَلالًا حال، وقوله طَيِّباً أي مستلذا، ووقع النص في هذا على المستلذات ففيه ظهور النعمة وهو عظم النعم وإن كان الحلال قد يكون غير مستلذ، ويحتمل أن يكون الطيب بمعنى الحلال وكرره مبالغة وتوكيدا وباقي الآية بين، وقوله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إقامة للنفوس كما تقول لرجل: إن كنت من الرجال فافعل كذا، على معنى إقامة نفسه، وذكر الطبري: أن بعض الناس قال نزلت هذه الآية خطابا للكافر عن طعام كان رسول الله ﷺ بعثه إليهم في جوعهم، وأنحى الطبري على هذا القول وكذلك هو فاسد من غير وجه.
قوله :
стр. 1547
[سورة النحل (١٦) : آية ١١٥]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)
حصرت إِنَّما هذه المحرمات وقت نزول الآية، ثم نزلت المحرمات بعد ذلك وقرأ جمهور الناس: «الميتة» ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «الميّتة» وهذا هو الأصل وتخفيف الياء طارئ عليه، والعامل في نصبها حَرَّمَ، وقرأت فرقة «الميتة» بالرفع على أن تكون «ما» بمعنى الذي.
قال القاضي أبو محمد: وكون «ما» متصلة «بإن» يضعف هذا ويحكم بأنها حاصرة و «ما» كافة، وإذا كانت بمعنى الذي فيجب أن تكون منفصلة، وذلك خلاف خط المصحف، وقرأ الجمهور «حرم» على معنى حرم الله، وقرأت فرقة «حرّم» على ما لم يسم فاعله، وهذا برفع «الميتة» ولا بد.
قال القاضي أبو محمد: والْمَيْتَةَ المحرمة هي ما مات من حيوان البر الذي له نفس سائلة حتف أنفه، وأما ما ليس له نفس سائلة كالجراد والبراغيث والذباب ودود التين وحيوان الفول وما مات من الحوت حتف أنفه وطفا على الماء ففيه قولان في المذهب، وما مات حتف أنفه من الحيوان الذي يعيش في الماء وفي البر كالسلاحف ونحوها ففيه قولان والمنع هنا أظهر إلا أن يكون الغالب عليه العيش في الماء وَالدَّمَ المحرم هو المنسفح الذي يسيل إن ترك مفردا وأما ما خالط اللحم وسكن فيه فحلال طبخ ذلك اللحم فيه، ولا يكلف أحد تتبعه، ودم الحوت مختلف فيه وإن كان ينسفح لو ترك، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ هو معظمه والمقصود الأظهر فيه، فلذلك خصه بالذكر، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه وغضاريفه ومن تخصيصه استدلت فرقة على جواز الانتفاع بجلده إذا دبغ ولبسه، والأولى تحريمه جملة، وأما شعره فالانتفاع به مباح، وقالت فرقة ذلك غير جائز، والأول أرجح، وقوله: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يريد كل ما نوي بذبحه غير التقرب إلى الله والقرب إلى سواء، وسواء تكلم بذلك على الذبيحة أو لم يتكلم، لكن خرجت العبارة عن ذلك ب أُهِلَّ، ومعناه صحيح على عادة العرب وقصد الغض منها وذلك أنها كانت إذا ساقت ذبيحة إلى صنم جهرت باسم ذلك الصنم وصاحت به، وقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ قالت فرقة: معناه أكره وقال الجمهور: معناه اضطره جوع واحتياج، وقرأت فرقة «فمن» بضم النون «اضطر» بضم الطاء، وقرأت فرقة «فمن» بكسر النون «اضطر» بكسر الطاء، على أن الأصل اضطرت، فنقلت حركة الراء إلى الطاء وأدغمت الراء في الراء، وقالت فرقة: «الباغي» صاحب البغي على الإمام، أو في قطع الطريق وبالجملة في سفر المعاصي، و «العادي» بمعناه في أنه ينوي المعصية، وقال الجمهور: غَيْرَ باغٍ معناه غير مستعمل لهذه المحرمات مع وجود غيرها، وَلا عادٍ معناه لا يعدو حدود الله في هذا، وهذا القول أرجح وأعم في الرخصة، وقالت فرقة: باغٍ وعادٍ في الشبع والتزود، واختلف الناس في صورة الأكل من الميتة، فقالت فرقة: الجائز من ذلك ما يمسك الرمق فقط، وقالت فرقة: بل يجوز الشبع التام، وقالت فرقة منهم مالك ﵀: يجوز الشبع والتزود، وقال بعض النحويين في قوله عادٍ إنه مقلوب من عائد، فهو كشاكي السلاح وكيوم راح وكقول الشاعر: لأن بها الأشياء والعنبري، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لفظ يقتضي منه الإباحة للمضطر، وخرجت الإباحة في هذه الألفاظ تحرجا وتضييقا في أمرها ليدل الكلام على عظم الخطر في هذه المحرمات، فغاية هذا المرخص له غفران الله له وحطه عنه ما كان يلحقه من الإثم لولا ضرورته.
стр. 1548
قال القاضي أبو محمد: وهذا التحريم الذي ذكرناه يفهمه الفصحاء من اللفظ وليس في المعنى منه شيء وإنما هو إيماء، وكذلك جعل في موضع آخر غايته أن لا إثم عليه، وإن كان لا إثم عليه وقوله هو له مباح يرجعان إلى معنى واحد فإن في هيئة اللفظين خلافا.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٦ الى ١١٩]
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)
هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة يدل على ذلك قوله حكاية عنهم وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ [الأنعام: ١٣٩] والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله افتراء منهم، ومنه ما جعلوه في الشهور، وقرأ السبعة وجمهور الناس «الكذب» بفتح الكاف وكسر الذال وفتح الباء، و «ما» مصدرية فكأنه قال لوصف ألسنتكم الكذب، وقرأ الأعرج وأبو طلحة وأبو معمر والحسن، «الكذب» بخفض الباء على البدل من «ما» ، وقرأ بعض أهل الشام ومعاذ بن جبل وابن أبي عبلة «الكذب» بضم الكاف والذال والباء على صفحة الألسنة، وقرأ مسلمة بن محارب «الكذب» بفتح الباء «الكذب» بفتح الباء على أنه جمع كذاب ككتب في جمع كتاب، وقوله هذا حَلالٌ إشارة إلى ميتة بطون الأنعام وكل ما أحلوا، وقوله وَهذا حَرامٌ إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا، وقوله لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إشارة إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها، وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سننا لا يرضاها الله افتراء عليه، لأن من شرع أمرا فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق، وهذا مراد الله، ثم أخبرهم الله إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يبلغون الأمل، و «الفلاح» بلوغ الأمل، فطورا يكون في البقاء كما قال الشاعر، والصبح والمسى لا فلاح معه، ويشبه أن هذه الآية من هذا المعنى، يقوي ذلك قوله مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقد يكون في المساعي ومنه قول عبيد: [الرجز]
أفلح بما شئت فقد يبلغ ... بالضعف وقد يخدع الأريب
وقوله مَتاعٌ قَلِيلٌ إشارة إلى عيشهم في الدنيا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد ذلك في الآخرة. وقوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الآية، لما قص تعالى على المؤمنين ما حرم عليهم أعلم أيضا بما حرم على اليهود ليبين تبديلهم الشرع فيما استحلوا من ذلك وفيما حرموا من تلقاء أنفسهم، وقولهم ما قَصَصْنا عَلَيْكَ، إشارة إلى ما في سورة الأنعام «من ذي الظفر والشحوم» الآية: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
стр. 1549
[الأنعام: ١٤٦] وقوله وَما ظَلَمْناهُمْ أي لم نضع العقوبة بتحريم تلك الأشياء عليهم في غير موضعها، بل هم طرقوا إلى ذلك وجاء من تسبيبهم بالمعاصي ما أوجب ذلك. وقوله ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ هذه آية تأنيس لجميع العالم، أخبر الله تعالى فيها أنه يغفر للتائب، والآية إشارة إلى الكفار الذين افتروا على الله وفعلوا الأفاعيل المذكورة، فهم إذا تابوا من كفرهم بالإيمان وأصلحوا من أعمال الإسلام غفر الله لهم، وتناولت هذه الآية بعد ذلك كل واقع تحت لفظها من كافر وعاص. وقالت فرقة «الجهالة» العمد، و «الجهالة» عندي في هذا الموضع ليست ضد العلم بل هي تعدي الطور وركوب الرأس، ومنه قول النبي ﷺ «أو أجهل أو يجهل علي» . وهي التي في قول الشاعر: [الوافر]
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
والجهالة التي هي ضد العلم تصحب هذه الأخرى كثيرا، ولكن يخرج منها المتعمد وهو الأكثر، وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم بخطر المعصية التي يواقع. والضمير في بَعْدِها عائد على التوبة.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٤]
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)
لما كشف الله تعالى فعل اليهود وتحكمهم في شرعهم بذكر ما حرم عليهم، أراد أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم والدعوى فيه أن يصف حال إبراهيم ليبين الفرق بين حاله وحال قريش أيضا، وأُمَّةً لفظة مشتركة تقع للعين والقامة والجمع الكثير من الناس، ثم يشبه الرجل العالم أو الملك أو المنفرد بطريقة وحده بالناس الكثير فيسمى أُمَّةً، وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم ﵇ أُمَّةً، قال ابن مسعود:
«الأمة» معلم الخير، وكان معاذ بن جبل «أمة قانتا» ، وقال في بعض أوقاته إن معاذا كان أُمَّةً قانِتاً فقال قرة الكندي أو فروة بن نوفل: ليس كذلك إنما هو إبراهيم، فقال أتدري ما الأمة، هو معلم الخير وكذلك كان معاذ يعلم الخير ويطيع الله ورسوله، وقال مجاهد: سمي إبراهيم أُمَّةً لانفراده بالإيمان في وقته مدة.
قال القاضي أبو محمد: وفي البخاري أنه قال لسارة ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك، وقال بعض النحويين، أظنه أبا الحسن الأخفش: «الأمة» فعلة من أم يؤم فهو كالهزأة والضحكة أي يؤتم به.
قال القاضي أبو محمد: ف أُمَّةً على هذا صفة، وعلى القول الأول اسم ليس بصفة، و «القانت» المطيع الدائم على العبادة، و «الحنيف» المائل إلى الخير والإصلاح، وكانت العرب تقول، لمن يختتن ويحج البيت حنيفا، وحذف النون من «لم يكن» لكثرة الاستعمال كحذفهم من لا أبال ولا أدر، وهو أيضا
стр. 1550
يشبه النون في حال سكونها حروف العلة لغنتها وخفتها وأنها قد تكون علامة وغير ذلك، فكأن «لم» دخلت على «يكن» في حال الجزم. ولا تحذف النون إذا لم تكن ساكنة في نحو قوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] ولا يحذف في مثل هذا إلا في الشعر فقد جاءت محذوفة، وقوله مِنَ الْمُشْرِكِينَ يشير إلى تبرؤ حال إبراهيم ﵇ من حال مشركي العرب ومشركي اليهود إذ كلهم ادعاه ويلزم الإشراك اليهود من جهة تجسيمهم، وشاكِراً، صفة لإبراهيم تابعة ما تقدم، و «الأنعم» جمع نعمة، واجْتَباهُ معناه تخيره، وباقي الآية بين. وقوله وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الآية، «الحسنة» لسان الصدق وإمامته لجميع الخلق، هذا قول جميع المفسرين وذلك أن كل أمة متشرعة فهي مقرة أن إيمانها إيمان إبراهيم وأنه قدوتها وأنه كان على الصواب. وقوله لَمِنَ الصَّالِحِينَ بمعنى المنعم عليهم أي من الصالحين في أحوالهم ومراتبهم، أو بمعنى أنه في الآخرة ممن يحكم له بحكم الصالحين في الدنيا، وهذا على أن الآية وصف حاليه في الدارين، ويحتمل أن يكون المعنى وأنه في عمل الآخرة، فعلى هذا هي وصف حالي في الدنيا الدنياوية والأخراوية. وقوله ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية، الوحي إلى محمد ﷺ بهذا من جملة الحسنة التي آتاها الله إبراهيم، قال ابن فورك وأمر الفاضل باتباع المفضول لما تقدم إلى الصواب والعمل به وأَنِ في قوله أَنِ اتَّبِعْ مفسرة، ويجوز أن تكون مفعولة، و «الملة» الطريقة في عقائد الشرع، وحَنِيفاً حال، والعامل فيه الفعلية التي في قوله مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، ويجوز أن تكون حالا من الضمير المرفوع في اتَّبِعْ قال مكي: ولا يكون حالا من إبراهيم، لأنه مضاف إليه: وليس كما قال لأن الحال قد تعمل فيه حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال، كقولك مررت بزيد قائما، وقوله إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي لم يكن من ملة إبراهيم وإنما جعله الله فرضا عاقب به القوم المختلفين فيه، قاله ابن زيد، وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة وأمرهم أن يكون الجمعة، فقال جمهورهم: بل يكون يوم السبت لأن الله فرغ فيه من خلق مخلوقاته، فقال غيرهم: بل نقبل ما أمر الله به موسى، فراجعهم الجمهور فتابعهم الآخرون فألزمهم الله يوم السبت إلزاما قويا عقوبة لهم منه، فلم يكن منهم ثبوت بل عصوا فيه وتعدوا فأهلكهم، وقرأ الأعمش «إنما أنزلنا السبت» ، وهي قراءة ابن مسعود وقرأ أبو حيوة «جعل» بفتح الجيم والعين.
قال القاضي أبو محمد: وورد في الحديث أن اليهود والنصارى اختلفوا في اليوم الذي يختص من الجمعة فأخذ هؤلاء السبت وهؤلاء الأحد فهدانا الله نحن إلى يوم الجمعة، قال رسول الله ﷺ «فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه» ، فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف الذي في الحديث، وباقي الآية وعيد بين.
قوله :
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٨]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)
стр. 1551
هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة المشركين، أمره الله تعالى أن يدعو إلى الله وشرعه بتلطف، وهو أن يسمع المدعو حكمه، وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ التخويف والترجية والتلطف بالإنسان بأن يحله ويبسطه ويجعله بصورة من يقبل الفضائل، ونحو هذا، فهذه حالة من يدعى وحالة من يجادل دون مخاشنة، ويبين عليه دون قتال، فالكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني لأن الله تعالى قد علم من يؤمن منهم ويهتدي، وعلم من يضل، فجملة المعنى اسلك هذا السبيل ولا تعن للمخاشنة لأنها غير مجدية لأن علم الله قد سبق بالمهتدي منهم والضال، وقالت فرقة: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة هي محكمة.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال وأن لا تتعدى مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة هو منسوخ لا محالة، وأما من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة إلى يوم القيامة، وأيضا فهي محكمة في جهة العصاة، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. وقوله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير وذهب النحاس إلى أنها مكية.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله، ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضا فقوله وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ يقلق بمعنى الآية على ما روى الجميع أن كفار قريش كما مثلوا بحمزة فنال ذلك من نفس رسول الله ﷺ ، وقال «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين» ، وفي كتاب النحاس وغيره «بتسعين» منهم فقال الناس: «إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن» ، فنزلت هذه الآية، ثم عزم على رسول الله ﷺ في الصبر في الآية بعدها، وسمى الإذناب في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، وهذا بعكس قوله مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ، وقوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] ، فإن الثاني هو المجاز، والأول هو الحقيقة، وقرأ ابن سيرين: «وإن عقبتم فعقبوا» ، وحكى الطبري عن فرقة: أنها قالت إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره، واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها، وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك، واحتجوا بقول رسول الله ﷺ : «أدّ الأمانة إلى من استأمنك ولا تخن من خانك» .
стр. 1552
قال القاضي أبو محمد: ووقع في مسند ابن سنجر أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنا بامرأة رجل آخر ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار الرجل رسول الله ﷺ ، فقال له: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ، ويتقوى في أمر المال قول مالك ﵀، لأن الخيانة لاحقة في ذلك وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن تتجنب لنفسها، وأما الرجل يظلم في المال ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز يرى أن الله حكم له كما لو تمكن له بالحكم من الحاكم، وقوله: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ الآية، هذه العزيمة على رسول الله ﷺ في الصبر عن المجازاة في التمثيل بالقتلى، قال ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال وجمهور الناس على أنها محكمة، ويروى أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «أما أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون؟» ، قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا، وقوله: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونة الله وتأييده لك على ذلك، والضمير في قوله عَلَيْهِمْ قيل يعود على الكفار أي لا تتأسف على أن لم يسلموا، وقالت فرقة: بل يعود على القتلى: حمزة وأصحابه الذين حزن عليهم رسول الله ﷺ ، والأول أصوب يكون عود الضمير على جهة واحدة، وقرأ الجمهور في «ضيق» بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير في «ضيق» بكسر الضاد ورويت عن نافع وهو غلط ممن رواه، قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر وقال أبو عبيدة: الضيق مصدر والضّيق مخفف من ضيّق كميت وميت، وهين وهيّن، قال أبو علي الفارسي: والصواب أن يكون الضيق لغة في المصدر لأنه إن كان مخففا من ضيّق لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف، وليس هذا موضع ذلك.
قال القاضي أبو محمد: الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكا فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت: رأيت باردا لم تحسن، وببارد مثل سيبويه ﵀ «وضيق» لا يخصص الموصوف، وقال ابن عباس وابن زيد: إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ، وقوله: مَعَ الَّذِينَ أي بالنصر والمعونة والتأييد، واتَّقَوْا يريد المعاصي، ومُحْسِنُونَ معناه يتزيدون فيما ندب إليه من فعل الخير.
كمل تفسير سورة النحل بعون الله وتأييده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 1553
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإسراء
هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات، قوله : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: ٧٣] ، وقوله:
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ [الإسراء: ٧٦] ، نزلت حين جاء رسول الله ﷺ وفد ثقيف، وحين قالت اليهود ليس هذه بأرض الأنبياء، وقوله : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: ٨٠] ، وقوله : إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] ، وقال مقاتل وقوله إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ [الإسراء: ٨٥] ، قال ابن مسعود في بني إسرائيل والكهف، إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي يريد أنهن من قديم كسبه.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)
لفظ الآية يقتضي أن الله أسرى بعبده، وهو محمد ﵇، ويظهر أن أَسْرى هي هنا معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف تقديره، أسرى الملائكة بعبده، وكذلك يقلق أن يسند أَسْرى وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى، إذ هو فعل يعطي النقلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يحسن إسناد شيء من هذا ونحن نجد مندوحة، فإذا صرحت الشريعة بشيء من هذا النحو كقوله في الحديث «أتيته سعيا، وأتيته هرولة» حمل ذلك بالتأويل على الوجه المخلص من نفي الحوادث، وأَسْرى في هذه الآية تخرج فصيحة كما ذكرنا ولا تحتاج إلى تجوز قلق في مثل هذا اللفظ، فإنه ألزم للنقلة من أتيته وفَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ [النحل: ٢٦] ويحتمل أن يكون أَسْرى بمعنى سرى على حذف مضاف كنحو قوله تعالى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: ١٧] ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابيا، فروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه ﷺ ، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، وروى حذيفة وغيره أن رسول الله ﷺ لم ينزل عن البراق في بيت المقدس ولا دخله، قال حذيفة ولو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، وأنه ركب البراق بمكة ولم ينزل عنه حتى انصرف إلى بيته، إلا في صعوده إلى السماء، وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري
стр. 1554
بنفس رسول الله ﷺ ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق من ربه ، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث، قال القاضي أبو محمد، مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري: البراق هو دابة إبراهيم الذي كان يزور عليه البيت الحرام.
قال القاضي أبو محمد: يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشا التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] ، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضا بأن في بعض الأحاديث: فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي ﵇، وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيرا، ولم يحدث عن النبي ﷺ ، وقوله:
سُبْحانَ مصدر غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ولا تدخل عليه الألف واللام ولم يجر منه فعل، وسبح إنما معناه قال سبحان الله فلم يستعمل سبح إلا إشارة إلى سُبْحانَ، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين وهو معرفة بالعلمية وإضافته لا تزيده تعريفا، هذا كله مذهب سيبويه فيه، وقالت فرقة: قال القاضي أبو محمد: نصبه على النداء كأنه قال: «يا سبحان» ، قال القاضي أبو محمد الذي، وهذا ضعيف ومعناه تنزيها لله، وروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي ﷺ ما معنى سبحان الله؟ قال: «تنزيها لله من كل سوء» ، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي هو من معناه لا من لفظه إذ يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء، فالتقدير عنده أنزه الله تنزيها فوقع سُبْحانَ مكان قولك تنزيها، وقال قوم من المفسرين: أَسْرى فعل غير متعد عداه هنا بحرف جر تقول سرى الرجل وأسرى إذ سار بالليل بمعنى، وقد ذكرت ما يظهر في اللفظ من جهة العقيدة، وقرأ حذيفة وابن مسعود «أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام» ، وقوله من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، قال أنس بن مالك: أراد المسجد المحيط بالكعبة نفسها ورجحه الطبري وقال: هو الذي يعرف إذا ذكر هذا الاسم، وروى الحسن بن أبي الحسن عن النبي ﵇ أنه قال: «بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل والملائكة» ، الحديث بطوله. وروى قوم أن ذلك كان بين زمزم والمقام، وروى مالك بن صعصعة عن النبي ﵇: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» ، وذكر عبد بن حميد الكشي في تفسيره عن سفيان الثوري أنه قال: أسري بالنبي ﵇ من شعب أبي طالب، وقالت فرقة: الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مكة كلها واستندوا إلى قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [الفتح: ٢٧] وعظم المقصد هنا إنما هو مكة، وروى بعض هذه الفرقة عن أم هاني أنها قالت: كان رسول الله ﷺ ليلة الإسراء في بيتي، وروي بعضها عن النبي ﵇، أنه قال: «خرج سقف بيتي» وهذا يلتئم مع قول أم هاني، وكان الإسراء فيما قال مقاتل قبل الهجرة بعام، وقاله قتادة، وقيل بعام ونصف، قاله عروة عن عائشة وكان ذلك
стр. 1555
في رجب، وقيل في ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول والنبي ﷺ ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما، والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه: وذلك قبل الوحي إليه، ولا خلاف بين المحدثين أن هذا وهم من شريك، والْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، مسجد بيت المقدس، وسماه الْأَقْصَى أي في ذلك الوقت كان أقصى بيوت الله الفاضلة من الكعبة، ويحتمل أن يريد ب الْأَقْصَى البعيد دون مفاضلة بينه وبين سواه، ويكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا البعد في ليلة. و «البركة حوله» هي من جهتين، إحداهما النبوءة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي نواحيه وبواديه، والأخرى النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة التي خص الله الشام بها، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «إن الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس» وقوله:
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا يريد لنري محمدا بعينه آياتنا في السماوات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك مما رآه تلك الليلة من العجائب، ويحتمل أن يريد لنري محمدا للناس آية، أي يكون النبي ﷺ آية في أن يصنع الله ببشر هذا الصنع وتكون الرؤية على هذا رؤية قلب، ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة. وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعيد من الله للكفار تكذيبهم محمدا في أمر الإسراء، فهي إشارة لطيفة بليغة إلى ذلك أي هُوَ السَّمِيعُ لما تقولون الْبَصِيرُ بأفعالكم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٤]
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤)
عطف قوله: وَآتَيْنا على ما في قوله أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] من تقدير الخبر، كأنه قال أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، والْكِتابَ التوراة، والضمير في جَعَلْناهُ يحتمل أن يعود على الْكِتابَ ويحتمل أن يعود على مُوسَى. وقوله أَلَّا تَتَّخِذُوا يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بتقدير كراهية أن موضع خفض بتقدير لأن لا تتخذوا، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي كما قال أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا [ص: ٦] فهي في هذا مع أمر موسى وهي في آياتنا هذه مع نهي، والمعنى مع هذه التقديرات فعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية، ويحتمل أن يكون ذُرِّيَّةَ مفعولا، ويحتمل أن تكون «أن» زائدة ويضمر في الكلام قول تقديره قلنا لهم: لا تتخذوا، وأما أن يضمر القول ولا تجعل «أن» زائدة فلا يتجه، لأن ما بعد القول إما يكون جملة تحكى، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه، فيعمل القول في الترجمة كما تقول لمن قال: لا إله إلا الله قلت حقا، وقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا ليس بواحد من هذين، قاله أبو علي وقرأ جمهور الناس «تتخذوا» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده «ألا يتخذوا» بالياء على لفظ الغائب، وهي قراءة بن عباس ومجاهد وقتادة وعيسى وأبي رجاء، و «الوكيل» هنا فعيل من التوكل أي
стр. 1556
متوكلا عليه في الأمور، فهو ند لله بهذا الوجه، قال مجاهد وَكِيلًا شريكا، وقرأ جمهور الناس «ذرية» بضم الذال وقرأ مجاهد بفتحها، وقرأ زيد بن ثابت وأبان بن عثمان ومجاهد أيضا بكسرها، وكل هذا بشد الراء والياء، ورويت عن زيد بن ثابت بفتح الذال وتسهيل الراء وشد الياء على وزن فعيلة، وذُرِّيَّةَ وزنها فعولة، أصلها ذرورة، أبدلت الراء الثانية ياء كما قالوا قصيت شعري أي قصصته، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت ثم كسرت الراء لتناسب الياء، وكل هؤلاء قرؤوا ذُرِّيَّةَ بالنصب، وذلك متجه إما على المفعول ب «يتخذوا» ويكون المعنى أن لا يتخذ بشر إلها من دون الله، وإما على النداء أي يا ذرية، فهذه مخاطبة للعالم، قال قوم: وهذا لا يتجه إلا على قراءة من قرأ «تتخذوا» بالتاء من فوق، ولا يجوز على قراءة من قرأ «يتخذوا» بالياء لأن الفعل الغائب والنداء لمخاطب والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على التكلف، وإما على النصب بإضمار أعني وذلك متجه على القراءتين على ضعف النزعة في إضمار أعني، وإما على البدل من قوله وَكِيلًا وهذا أيضا فيه تكلف، وقرأت فرقة «ذرية» بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في «يتخذوا» وهذا إنما يتوجه على القراءة بالياء، ولا يجوز على القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت: ضربتك زيدا على البدل لم يجز، وقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنما عبر بهذه العبارة عن الناس الذين عناهم في الآية بحسب الخلاف المذكور لأن في هذه العبارة تعديد النعمة على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، ويقبح الكفر والعصيان مع هذه النعمة، والذين حملوا مع نوح وأنسلوا هم بنوه لصلبه لأنه آدم الأصغر، وكل من على الأرض اليوم من نسله هذا قول الجمهور ذكره الطبري عن قتادة ومجاهد وإن كان معه غيرهم فلم ينسل قال النقاش: اسم نوح عبد الجبار، وقال ابن الكلبي: اسمه فرج، ووصفه ب «الشكر» لأنه كان يحمد الله في كل حال وعلى كل نعمة على المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك ﷺ ، قاله سلمان الفارسي وسعيد بن مسعود وابن أبي مريم وقتادة، وقوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ الآية، قال الطبري: معنى قَضَيْنا فرغنا وحكي عن غيره أنه قال: قَضَيْنا هنا بمعنى أخبرنا، وحكي عن آخرين أنهم قالوا قَضَيْنا معناه في أم الكتاب.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية ﵁: وإنما يلبس في هذا المكان تعدية قَضَيْنا ب إِلى، وتلخيص المعنى عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه الله تعالى في أم الكتاب على بني إسرائيل وألزمهم إياه ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى. فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعا في إيجاز، جعل قَضَيْنا دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن بها دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ معناه أعلمناهم، وقال مرة: معناه قضينا عليهم. والْكِتابِ هنا التوراة لأن القسم في قوله لَتُفْسِدُنَّ غير متوجه مع أن يجعل الْكِتابِ هو اللوح المحفوظ، وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية الرياحي «في الكتب» على الجمع، قال أبو حاتم: قراءة الناس على الإفراد، وقرأ الجمهور «لتفسدن» بضم التاء وكسر السين، وقرأ عيسى الثقفي «لتفسدن» بفتح التاء وضم السين والدال، وقرأ ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن زيد «لتفسدن» بضم التاء وفتح السين وضم الدال. قوله وَلَتَعْلُنَّ أي لتتجبرون عن طاعة
стр. 1557
الأمرين بطاعة الله وتطلبون في الأرض العلو والفساد وتظلمون من قدرتم على ظلمة ونحو هذا.
قال القاضي أبو محمد: ومقتضى هذه الآيات أن الله تعالى أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم الله تعالى عندهم في الرسل والكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكرّة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور، فيقع منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحا، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله وقيل: كان بين «المرتين» آخر الأولى وأول الثانية مائتا سنة وعشر سنين ملكا مؤبدا بأنبياء وقيل سبعون سنة.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥ الى ٧]
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)
الضمير في قوله أُولاهُما عائد على قوله مَرَّتَيْنِ [الإسراء: ٤] وعبر عن الشر ب «الوعد» لأنه قد صرح بذكر المعاقبة، وإذا لم يجىء «الوعد» مطلقا فجائز أن يقع في الشر، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن «عبيدا» ، واختلف الناس في العبيد المبعوثين، وفي صورة الحال اختلافا شديدا متباعدا عيونه: أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء ﵇ فغزاهم سنحاريب ملك بابل، كذا قال ابن إسحاق وابن جبير، وقال ابن عباس: غزاهم جالوت من أهل الجزيرة وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال في حديث طويل: غزاهم آخرا ملك اسمه خردوس، وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد لخردوس اسمه بيورزاذان، وكف عن بني إسرائيل وسكن بدعائه دم يحيى بن زكرياء، وقيل غزاهم أولا صنحابين ملك رومة، وقيل بختنصر، وروي أنه دخل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش، وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجدوا الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك، وقالت فرقة:
إنما غزاهم بختنصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحيى بن زكرياء، وصورة قتله: أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك على امرأته، فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها: إذا راودك الملك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين، فإذا قال لك تمني علي ما أردت، فقولي رأس يحيى بن زكرياء: ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك، وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب
стр. 1558
حتى ساوى سور المدينة والدم ينبعث، فلما غزاهم الملك الذي بعث الله عليهم بحسب الخلاف الذي فيه، قتل منهم على الدم حتى سكن بعد قتل سبعين ألفا، هذا مقتضى هذا الخبر، وفي بعض رواياته زيادة ونقص، فروت فرقة: أن أشعياء النبي ﵇ وعظهم في بعض الأمر وذكرهم الله ونعمه في مقام طويل قصة الطبري، وذكر أشعياء في آخره محمدا ﷺ وبشر به فابتدره بنو إسرائيل، ففر منهم فلقي شجرة فتفلقت له حتى دخلها فالتأمت عليه، فعرض الشيطان عليهم هدبة من ثوبه فأخذوا منشارا فنشروا الشجرة وقطعوه في وسطها فقتلوه، فحينئذ بعث الله عليهم في المرة الآخرة، وذكر الزهراوي عن قتادة قصصا، أن زكرياء هو صاحب الشجرة وأنهم قالوا لما حملت مريم: ضيع بنت سيدنا حتى زنت فطلبوه فهرب منهم حتى دخل في الشجرة فنشروه، وروت فرقة أن بختنصر كان حفيد سنحاريب الملك الأول، وروت فرقة أن الذي غزاهم آخرا هو سابور ذو الأكناف، وقال أيضا ابن عباس سلط الله عليهم حين عادوا ثلاثة أملاك من فارس سندابادان وشهرياران، وآخر، وقال مجاهد: إنما جاءهم في الأولى عسكر من فارس «فجاس خلال الديار» وتغلب ولكن لم يكن قتال، ولا قتل في بني إسرائيل، ثم انصرفت عنهم الجيوش وظهروا وأمدوا بالأموال والبنين حتى عصوا وطغوا فجاءهم في المرة الثانية من قتلهم وغلبهم على بيضتهم وأهلكهم آخر الدهر، وقوله فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وهي المنازل والمساكن. وقوله تعالى: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يرد على قول مجاهد إنه لم يكن في المرة الأولى غلبة ولا قتال وهل يدخل المسجد إلا بعد غلبة وقتال، وقد قال مؤرج، «جاسوا خلال الأزقة» ، وقد ذكر الطبري في هذه الآية قصصا طويلا منه ما يخص الآيات وأكثره لا يخص وهذه المعاني ليست بالثابت فلذلك اختصرتها، وقوله بَعَثْنا يحتمل أن يكون الله بعث إلى ملك تلك الأمة رسولا يأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقي في نفس الملك الذي غزاهم وقرأ الناس «فجاسوا» بالجيم، وقرأ أبو السمال «فحاسوا» بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسرا ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة «جاسوا» بالجيم فقال «جاسوا وحاسوا» واحد.
قال القاضي أبو محمد: فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه، وقرأ الجمهور: «خلال» ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «خلل» ونصبه في الوجهين على الظرف، وقوله ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ، الآية عبارة عما قاله الله لبني إسرائيل في التوراة، وجعل رَدَدْنا موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبلة بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجلوة الأولى لما وصفنا، فغلبت بنو إسرائيل على بيت المقدس وملكوا فيه، وحسنت حالهم برهة من الدهر، وأعطاهم الله الأموال والأولاد، وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس، قال الطبري معناه وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم، قال قتادة: كانوا أَكْثَرَ نَفِيراً في زمن داود ﵇، و «نفير» يحتمل أن يكون جمع نفر ككلب وكليب، وعبد وعبيد، ويحتمل أن يكون فعيلا بمعنى فاعل أي وجعلناكم أكثر نافرا.
قال القاضي أبو محمد: وعندي أن النفر اسم لا جمع الذي ينفر سمي بالمصدر، وقد قال تبع الحميري: [المتقارب]
стр. 1559
فأكرم بقحطان من والد ... وحمير أكرم بقوم نفيرا
وقالوا: لا في العير ولا في النفير، يريدون جمع قريش الخارج من مكة لا بإذن، فلما قال الله لهم إني سأفعل بكم هكذا عقب ذلك بوصيتهم في قوله إِنْ أَحْسَنْتُمْ والمعنى أنكم بعملكم تؤخذون لا يكون ذلك ظلما ولا تسرعا إليكم، ووَعْدُ الْآخِرَةِ معناه من المرتين المذكورتين، وقوله لِيَسُوؤُا اللام لام أمر، وقيل المعنى بعثناهم لِيَسُوؤُا فهي لام كي كلها، والضمير للعباد «أولي البأس الشديد» ، وقرأ الجمهور: «ليسوءوا» بالياء جمع همزة وبين واوين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «ليسوء» بالياء وهمزة مفتوحة على الإفراد، وقرأ الكسائي، وهي مروية عن علي بن أبي طالب «لنسوء» بنون العظمة، وقرأ أبي بن كعب «لنسوءن» بنون خفيفة، وهي لام الأمر، وقرأ علي بن أبي طالب «لنسوءن» ، وهي لام القسم والفاعل الله ، وفي مصحف أبي بن كعب «ليسيء» بياء مضمومة بغير واو، وفي مصحف أنس «ليسوء وجهكم» على الإفراد، وخص ذكر «الوجوه» لأنها المواضيع الدالة على ما بالإنسان من خير أو شر، والْمَسْجِدَ مسجد بيت المقدس، و «تبر» معناه أفسد بقسم وركوب رأس، وقوله ما عَلَوْا أي ما غلبوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد، وقيل ما ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد، و «تبر» معناه رد الشيء فتاتا كتبر الذهب والحديد، ونحوه وهو مفتتة.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨ الى ١١]
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)
يقول الله لبقية بني إسرائيل عَسى رَبُّكُمْ إن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أَنْ يَرْحَمَكُمْ وعَسى ترّج في حقهم وهذه العدة ليست برجوع دولة وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد فلم يفعلوا وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقاب الله فضرب عليهم الذل وقتلهم وأذلهم بيد كل أمة، وهنا قال ابن عباس سلط عليهم ثلاثة ملوك، و «الحصير» فعيل من الحصر فهو بمعنى السجن أي يحصرهم، وبنحو هذا فسر مجاهد، وقتادة وغيرهما، ويقال «الحصير» أيضا من الحصر للملك ومنه قول لبيد: [الكامل]
ومقامة غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام
ويقال لجنى الإنسان الحصيران لأنهما يحصرانه ومنه قول الطرماح: [الطويل]
قليلا تتلى حاجة ثم غولبت ... على كل معروش الحصيرين بادن
وقال الحسن البصري في الآية: أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عن الناس.
قال القاضي أبو محمد: وذلك الحصير أيضا هو مأخوذ من الحصر، وقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ
стр. 1560
الآية، يَهْدِي في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و «التي» يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ لا إله إلا الله.
قال القاضي أبو محمد: والأول أعم وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال «التي هي أقوم» من كل حال تجعل بإزائها، والاقتصار على أَقْوَمُ ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام، وقيد المؤمنين بعمل الصالحات إذ هو كمال الإيمان وإن لم يكن في نفسه، والمؤمن المفرط في العمل له بإيمانه حظ في عمل الصالحات: و «الأجر الكبير» الجنة، وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو الجنة، وقوله إِنَّ الأولى في موضع نصب ب يُبَشِّرُ، وإِنَّ الثانية عطف على الأولى، وهي داخلة في جملة بشارة المؤمنين، بشرهم القرآن بالجنة، وأن الكفار لهم عذاب أليم، وذلك أن علم المؤمنين بهذا مسرة لهم، وفي هذه البشارة وعيد للكفار بالمعنى، هذا الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وقرأ الجمهور، «ويبشّر» بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين، وقرأ ابن مسعود ويحيى بن وثاب وطلحة «ويبشر» بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وأَعْتَدْنا معناه أحضرنا وأعددنا ومنه العتاد، و «الأليم» الموجع، وقوله وَيَدْعُ الْإِنْسانُ الآية، سقطت الواو من يَدْعُ في خط المصحف لأنهم كتبوا المسموع، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما تدعون بالخير في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلكهم، لكنه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية، والْإِنْسانُ هنا قيل يريد به الجنس بحسب ما في الخلق من ذلك قاله مجاهد وغيره، وقال سلمان الفارسي وابن عباس:
إشارته إلى آدم في أنه لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلا لذلك فلم يقدر وأشارت ألفاظ هذه الآية إلى هذا والمعنى فأنتم ذوو عجلة موروثة من أبيكم، ويروى أن النبي ﷺ جعل أسيرا في قيد في بيت سودة بنت زمعة فسمعت سودة أنينه فأشفقت فقالت له ما بالك؟ فقال: ألم القيد، فقالت: فأرخت من ربطه فسكت، ثم نامت، فتحيل في الانحلال وفر، فطلبه رسول الله ﷺ عند الصبح، فأخبر الخبر، فقال قطع الله يدها ففزعت سودة ورفعت يديها نحو السماء وهي تخاف الإجابة، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد جعل دعائي في مثل هذا رحمة على المدعو عليه، لأني بشر أغضب وأعجل، فلترد سودة يديها، وقالت فرقة هذه الآية نزلت في شأن قريش الذين قالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وكان الأولى أن يقولوا فاهدنا إليه وارحمنا به فذمهم الله تعالى في هذه الآية بهذا، وقالت فرقة: معنى هذه الآية: معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شر وضرعوا وألحوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلتزمه من ذكر الله وحمده والرغبة إليه، لكنه يقصر حينئذ، فإذا مسه ضر ألح واستعجل الفرج، فالآية على هذا من نحو قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: ١٢] .
стр. 1561
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤)
«الآية» العلامة المنصوبة للنظر والعبرة، وقوله فَمَحَوْنا قالت فرقة: سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلفه وكونه منيرا فقط، وقالت فرقة، وهو الظاهر: إن قوله فَمَحَوْنا إنما يريد في أصل خلقته، وهذا كما تقول بنيت داري فبدأت بالأس، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب، وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي المبصرة، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية آيَتَيْنِ فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه، وقوله مُبْصِرَةً مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام، فكذلك «آية مبصرة» أي يبصر بها ومعها، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: سلوا عما شئتم فقال ابن الكوّاء: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له علي: قاتلك الله هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل وجعل الله تعالى النهار مبصرا ليبتغي الناس الرزق، وفصل الله، وجعل القمر مخالفا للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس، وقوله كُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلا وقيل: وكُلَّ عطف على وَالْحِسابَ فهو معمول لِتَعْلَمُوا، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه، وقوله وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ الآية، قوله كُلَّ منصوب بفعل مقدر، وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد «طيره في عنقه» ، قال ابن عباس طائِرَهُ ما قدر له وعليه، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلاة، وسميت ذلك كله تطيرا، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر، فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء. وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه، وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة» .
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان ب «الطائر» ، قال مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير، وقولهم في أمور على الطائر الميمون، وبأسعد طائر ومنه ما طار في المحاجة والسهم كقول أم العلا الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول الله ﷺ في الهجرة عثمان بن مظعون، أي كان ذلك حظنا، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي عندهم بلقاء الخير
стр. 1562
والشر وأبطل ذلك قول النبي ﷺ «لا عدوى ولا طيرة» ، وقوله فِي عُنُقِهِ جرى أيضا على مقطع العرب في أن تنسب ما كان إلزاما وقلادة وأمانة ونحو هذا إلى العنق كقولهم: دمي في عنق فلان وكقول الأعشى:
والشعر قلدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا
وهذا كثير، ونحوه جعلهم ما كان تكسبا وجناية وإثما منسوبا إلى اليد إذ هي الأصل في التكسب، وقرأ أبو جعفر ونافع والناس «ونخرج» بنون العظمة «كتابا» بالنصب، وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن:
و «يخرج» بفتح الياء وضم الراء على الفعل المستقبل «كتابا» أي طائره الذي كني به عن عمله يخرج له ذا كتاب، وقرأ الحسن من هؤلاء «كتاب» بالرفع، وقرأ أبو جعفر أيضا «ويخرج» بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله، «كتابا» أي طائره، وقرأ أيضا «كتابا» ، وقرأت فرقة «ويخرج» بضم الياء وكسر الراء أي يخرج الله، وفي مصحف أبي بن كعب «في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا» ، وهذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته، وقرأ الجمهور «يلقاه» بفتح الياء وسكون اللام وخفة القاف، وقرأ ابن عامر وحده، «يلقّاه» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف وهي قراءة الحسن بخلاف، وأبي جعفر والجحدري، وقوله اقْرَأْ كِتابَكَ حذف من الكلام يقال له اختصار الدلالة الظاهرة عليه، و «الحسيب» الحاسب ونصبه على التمييز، وأسند الطبري عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أو قلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك.
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل مع آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه، وهذا هو قول ابن عباس وقال قتادة في قوله: اقْرَأْ كِتابَكَ إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٥ الى ١٧]
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)
معنى هذه الآية أن كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، وروي أن سببها أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لأهل مكة: اكفروا بمحمد وإثمكم علي، فنزلت هذه الآية: أي إن الوليد لا يحمل إثمكم وإنما إثم كل واحد عليه، وقالت فرقة نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسد، والإشارة بالضلال إلى الوليد بن المغيرة، ووِزْرَ معناه حمل، والوزر الثقل، ومنه وزير السلطان أي يحمل ثقل دولته، وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين ﵂ في الرد على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي
стр. 1563
عليه، ونكتة ذلك المعنى إنما هي أن التعذيب إنما يعنّ إذا كان البكاء من سنة الميت، وسببه كما كانت العرب تفعل وقوله وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قالت فرقة هي الجمهور: هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة.
قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا المعنى: أن مقصد الآية في هذا الموضع الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعد من وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى [الملك: ٨- ٩] ، وظاهر كُلَّما [الملك: ٨] الحصر، وكقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] ، وأما من جهة النظر فإن بعثة آدم ﵇ بالتوحيد وبث المعتقدات في نبيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر يوجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في مدة نوح ﵇ بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم، وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضيه ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف، وقوله وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
الآية، في مصحف أبي «بعثنا أكابر مجرميها» ، و «القرية» ، المدينة المجتمعة مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وليست من قرأ الذي هو مهموز، وإن كان فيها جمعا معنى الجمع، وقرأ الجمهور «أمرنا» على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، «آمرنا» بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: «أمّرنا» بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد: قال أبو علي الفارسي: الجيد في «آمرنا» أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها فتقول آمر القوم وآمرهم الله أي كثرهم، قال «وآمرنا» مبالغة في «أمرنا» بالهمزة، و «أمّرنا» مبالغة فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون «أمّرنا» من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا واحدا بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم.
قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الذي قاله أبو علي بأن الأمر وإن كان يعم المترف وغيره فخص المترف بالذكر إذ فسقه هو المؤثر في فساد القرية وهم عظم الضلالة، وسواهم تبع لهم وأما «أمّرنا» من الإمارة فمتوجه على وجهين، أحدهما أن لا يريد إمارة الملك بل كونهم يأمرون ويؤتمر لهم، فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان وإن لم يكن ملكا هو أميره، ومنه قول الأعشى: [المتقارب]
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا
стр. 1564
ومنه قول معاوية لعمر ﵁ حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن العاص، إن علي أميرا لا أقطع أمرا دونه، أراد معاوية ﵁ أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ومنه قول الآخر: [الكامل]
والناس يلحون الأمير إذ هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وأيضا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك الله عليها مترفا ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر «أمرنا» بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجها لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا، ومنه قول لبيد:
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للقل والنفد
ومنه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر متعديا عن أبي زيد الأنصاري، و «المترف» الغني من المال المتنعم، والترفه النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب: «قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها» ، وقوله فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم، والتدمير الإهلاك، مع طمس الآثار وهدم البناء، ومنه قول الفرزدق: [المتقارب]
وكان لهم كبكر ثمود لمّا ... رغا دهرا فدمرهم دمارا
وقوله وَكَمْ أَهْلَكْنا الآية كَمْ في موضع نصب ب أَهْلَكْنا وهذا الذكر لكثرة من أهلك الله مِنَ الْقُرُونِ مثال لقريش ووعيد، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من العذاب إذا أنتم كذبتم نبيكم، واختلف الناس في القرن، فقال ابن سيرين: عن النبي ﵇ أربعون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال عبد الله بن أبي أوفى القرن مائة وعشرون سنة، وقالت طائفة القرن مائة سنة، وهذا هو الأصح الذي يعضده الحديث في قوله ﵇ «خير الناس قرني» ، وروى محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن بسر، قال وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي، وقال سيعيش هذا الغلام قرنا قلت: كم القرن؟ قال مائة سنة، قال محمد بن القاسم، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ومات ﵀، والباء في قوله بِرَبِّكَ زائدة التقدير وكفى بربك، وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا، وقد تجيء كَفى دون باء كقول الشاعر: [الطويل] كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وكقول الآخر: [الطويل]
ويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا
قوله :
стр. 1565
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢)
المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد أو ما يشاء الله على قراءة من قرأ «نشاء» بالنون، وقوله لِمَنْ نُرِيدُ شرط كاف على القراءتين ثم يجعل الله جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته، وقرأ الجمهور: «نشاء» بالنون، وقرأ نافع أيضا «يشاء» بالياء، و «المدحور» المهان المبعد المذلل المسخوط عليه، وقوله وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ الآية، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان وبها وبالله ورسالاته.
قال القاضي أبو محمد: وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملا ولا سعيا إلا أثاب عليه وغفر بسببه، ومنه قول النبي ﷺ في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر الله له فغفر له، وقوله كُلًّا نُمِدُّ الآية نصب كُلًّا ب نُمِدُّ، وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه، ومددته إذا زدت فيه من نوعه، وقيل هما بمعنى واحد، يقال مد وأمد. وهؤُلاءِ بدل من قوله كُلًّا فهو في موضع نصب، وقوله مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ب «العطاء» رزق الدنيا، وهذا هو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة، أي إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر، وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه، و «المحظور» الممنوع. وقوله انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد ﵇ إلى تفضيل الله لبعض على بعض في الرزق، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي ﵇ إن أعطى الله قوما الطاعات المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري: وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر أن التفصيل الأكبر إنما يكون في الآخرة. وقوله أَكْبَرُ دَرَجاتٍ ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ولا بد، أي أَكْبَرُ دَرَجاتٍ من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها، وكذلك قوله أَكْبَرُ تَفْضِيلًا.
стр. 1566
قال القاضي أبو محمد: وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثا نصه أن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها.
قال القاضي أبو محمد: ولكن قد رضي الله الجميع فما يغبط أحد أحدا، ولا يتمنى ذلك بدلا، وقوله لا تَجْعَلْ الآية، الخطاب لمحمد ﵇، والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره، والذم هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، و «الخذلان» في هذا يكون بإسلام الله وأن لا يكفل له بنصر، و «المخذول» الذي لا ينصره من يحب أن ينصره. والخاذل من الظبا التي تترك ولدها، ومن هذه اللفظة قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... وسعى فلم أر مثله مخذولا
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥)
قَضى في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول إن المعنى وَقَضى رَبُّكَ أمره أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكما، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود «ووصى ربك» وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى ب «قضى» حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنورا، قال الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا الطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في تَعْبُدُوا لجميع الخلق، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له: إنه طلق امرأته ثلاثا فقال له الحسن: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحا، ما قضى الله أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس: تكلم الحسن في القدر.
стр. 1567
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون قَضى على مشهورها في الكلام، ويكون الضمير في قوله تَعْبُدُوا للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة، لكن على التأويل الأول يكون قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً عطفا على «أن» الأولى أي أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرناه يكون قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً مقطوعا من الأول كأنه أخبرهم بقضاء الله ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإِمَّا شرطية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر «يبلغنّ» ، وروي عن ابن ذكوان «يبلغن» بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي «يبلغان» وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله أَحَدُهُما فاعلا، وقوله أَوْ كِلاهُما معطوفا عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله أَحَدُهُما بدلا من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل]
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
ويجوز أن يكون أَحَدُهُما فاعلا وقوله أَوْ كِلاهُما عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلا في القرآن، وقرأ أبو عمرو «أفّ» بكسر الفاء وترك التنوين، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وقرأ نافع والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى «أفّ» بالكسر والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر «أفّ» بفتح الفاء، وقرأ أبو السمال «أفّ» بضم الفاء، وقرأ ابن عباس «أف» خفيفة، وهذا كله بناء إلا أن قراءة نافع تعطي التنكير كما تقول آية، وفيها لغات لم يقرأ بها «أف» بالرفع والتنوين على أن هارون حكاها قراءة، «وأفّا» بالنصب والتنوين «وأفي» بياء بعد الكسرة حكاها الأخفش الكبير، «وأفا» بألف بعد الفتحة، «وأفّ» بسكون الفاء المشددة «وأف» مثل رب، ومن العرب من يميل «أفا» ، ومنهم من يزيد فيها هاء السكت فيقول «أفاه» .
قال القاضي أبو محمد: ومعنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول أضجر أو أتقذر أو أكره أو نحو هذا يعبر إيجازا بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعل المذكور، وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالا لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها، وإنما هي مثال الأعظم منها، والأقل فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، والانتهار إظهار الغضب في الصوت واللفظ، والقول الكريم الجامع للمحاسن من اللين وجودة المعنى وتضمن البر، وهذا كما تقول ثوب كريم تريد أنه جم المحاسن، و «الأف» وسخ الأظفار، فقالت فرقة إن هذه اللفظة التي في الآية مأخوذة من ذلك وقال مجاهد في قوله وفَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه في حال الصغر فلا تستقذرهما. وتقول أُفٍّ.
قال القاضي أبو محمد: والآية أعم من هذا القول وهو داخل في جملة ما تقتضيه، وقال أبو الهدّاج النجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظّ، وقوله وَاخْفِضْ لَهُما
стр. 1568
جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك، وبولغ بذكر الذُّلِّ هنا ولم يذكر في قوله وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] وذلك بحسب عظم الحق هنا، وقرأ الجمهور «الذّل» بضم الذال، وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير «الذل» بكسر الذال، ورويت عن عاصم بن أبي النجود، و «الذل» في الدواب ضد الصعوبة ومنه الجمل الذلول، والمعنى يتقارب وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله واستكانته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب والحديث أن رسول الله ﷺ قال: «أبعده الله وأسحقه» قالوا من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له» .
وقوله مِنَ الرَّحْمَةِ، مِنَ هنا لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالا، ويصح أن يكون لابتداء الغاية، ثم أمر الله عباده بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقا لهما وحنانا عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، وذكر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ، وليس هذا موضع نسخ، وقوله رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله، واختلفت عبارة الناس في «الأوابين» ، فقالت فرقة هم المصلحون، وقال ابن عباس: هم المسبحون، وقال أيضا: هم المطيعون المحسنون، وقال ابن المنكدر:
هم الذين يصلون العشاء والمغرب، وذلك أن رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في ذلك الوقت فقال: «تلك صلاة الأوابين» ، وقيل غير هذا من المستغفرين ونحوه، وقال عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى، وحقيقة اللفظة أنه من آب يؤوب إذا رجع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع أبدا إلى طاعة الله تعالى، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح، قال ابن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وفسر الجمهور «الأوابين» بالرجاعين إلى الخير، وقال ابن جبير: أراد بقوله غفورا للأوابين الزلة والفلتة تكون من الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه، وقالت فرقة «خفض الجناح» هو ألا يمتنع من شيء يريدانه.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٦ الى ٣٠]
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠)
اختلف المتأولون في «ذي القربى» ، فقال الجمهور: الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي ﷺ ، والمراد الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة
стр. 1569
والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي ﵇، أمر النبي ﵇ بإعطائهم حقوقهم من بيت المال.
قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، ويعضده العطف ب الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ. وَابْنَ السَّبِيلِ هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن اختلفا، «وابن السبيل» في آية الصدقة أخص، و «التبذير» إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى: الْمُبَذِّرِينَ أن يكون اسم جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى: إِخْوانَ يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبدا ساع في فساد، وإِخْوانَ جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ [النور: ٣١] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه قوله ﵎: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وقرأ الحسن والضحاك «إخوان الشيطان» على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعبا بينا، وقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ، الضمير في عَنْهُمُ عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني السبيل، فأمر الله تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد، فلم يجد عنده ما يعطيه فقابله رسول الله ﷺ بالإعراض تأدبا منه في أن لا يرده تصريحا، وانتظار الرزق من الله تعالى يأتي فيعطي منه، أن يكون يؤنسه بالقول الميسور، وهو الذي فيه الترجية بفضل الله تعالى والتأنيس بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة الله ﵎ وعطائه، وروي أنه ﵇ كان يقول بعد نزول هذه الآية، إذا لم يكن عنده ما يعطي: يرزقنا الله وإياكم من فضله، ف «الرحمة» على هذا التأويل الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقال ابن زيد «الرحمة» الأجر والثواب، وإنما نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله ﷺ فيأبى أن يعطيهم لأنه ﵊ كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم قَوْلًا مَيْسُوراً يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح.
قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل التأويل الأول، نزلت الآية في عمار بن ياسر وصنفه، و «الميسور» مفعول من لفظة اليسر، تقول يسرت لك كذا إذا أعددته، وقوله وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ الآية، روي عن قالون «كل البصط» بالصاد، ورواه الأعشى عن أبي بكر، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل «الغل إلى العنق» ، واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، وهذه الآية ينظر إليها قول النبي ﷺ : «مثل البخيل والمتصدق» ، والحديث بكامله، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطي، و «المسحور» المنفه الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسير، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لهد الوجى لم كن عونا على السرى ... ولا زال منها ظالع وحسير
стр. 1570
ومنه البصر الحسير وهو الكال، وقال ابن جريج وغيره في معنى هذه الآية، لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهيتك عنه، وقال قتادة: «التبذير» النفقة في معصية الله، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيرا، ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، ولا بعض البسط لم يبح فيما نهي عنه. ولا يقال في المعصية ولا تبذر، وإنما يقال ولا تنفق ولو باقتصاد وقوام، ولله در ابن عباس وابن مسعود فإنهما قالا: التبذير الإنفاق وفي غير حق، فهذه عبارة تعم المعصية والسرف في المباح، وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق عيالا ونحوه، ومن كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس، وقوله إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الآية، والمعنى كن أنت يا محمد على ما رسم لك من الاقتصاد وإنفاق القوام ولا يهمنك فقر من تراه كذلك فإنه بمرأى من الله ومسمع وبمشيئة، وَيَقْدِرُ معناه ويضيف، وقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى، وقال بعض المفسرين وحكاه الطبري: إن الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها الفقر، وكانت إذا شبعت طغت وقتلت غيرها وأغارت، وإذا كان الجوع والقحط شغلهم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣)
قرأ الأعمش وابن وثاب «ولا تقتّلوا» بتضعيف الفعل، وهذه الآية نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، وهو قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨] ، ويقال كان جهلهم يبلغ أن يغذو أحدهم كلبه ويقتل ولده، وخَشْيَةَ نصب على المفعول من أجله، و «الإملاق» الفقر وعدم الملك، أملق الرجل لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام الملس السود، وقرأ الجمهور «خطئا» بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر «خطئا» بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
الخطء فاحشة والبر نافلة ... كعجوة غرست في الأرض تؤتبر
قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأ مثل أثم إثما فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامدا، ومنه قوله تعالى: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [الحاقة: ٣٧] ، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: ٢٨٦] ، وقال أبو علي
стр. 1571
الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر: [الوافر]
عبادك يخطئون وأنت رب ... كريم لا يليق بك الذموم
وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل]
والناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وقد روي عن ابن عامر «خطأ» بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير «خطاء» بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجها، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطا. قال أبو علي الفارسي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب]
تخاطأت النبل احشاءه ... وخر يومي فلم أعجل
وقول الآخر في صفة كماة: [الطويل]
تخاطأه القنّاص حتى وجدته ... وخرطومه في منقع الماء راسب
فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه «خطاء» بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح: الخطاء من اخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وقرأ الحسن بخلاف «خطا» بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري «خطا» بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، وقوله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى تحريم. والزِّنى يمد ويقصر فمن قصره الآية، وهي لغة جميع كتاب الله، ومن مده قول الفرزدق: [الطويل]
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
ويروى أبا خالد، و «الفاحشة» ما يستتر به من المعاصي لقبحه، وسَبِيلًا نصب على التمييز، التقدير وساء سبيله سبيلا، أي لأنه يؤدي إلى النار، وقوله وَلا تَقْتُلُوا وما قبله من الأفعال جزم بالنهي، وذهب الطبري إلى أنها عطف على قوله وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا [الإسراء: ٢٣] والأول أصوب وأبرع للمعنى، والألف واللام التي في النَّفْسَ هي للجنس، و «الحق» الذي تقتل به النفس هو ما فسره النبي ﷺ في قوله: لا يحل دم المسلم إلا إحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى.
قال القاضي أبو محمد: وتتصل بهذه الأشياء هي راجعة إليها، فمنها قطع الطريق، لأنه في معنى قتل النفس وهي الحرابة، ومن ذلك الزندقة، ومسألة ترك الصّلاة لأنها في معنى الكفر بعد الإيمان، ومنه قتل أبي بكر ﵁ منعة الزكاة، وقتل من امتنع في المدن من فروض الكفاية، وقوله تعالى:
стр. 1572
مَظْلُوماً نصب على الحال، ومعناه بغير هذه الوجوه المذكورة، و «الولي» القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب، ولا مدخل للنساء في ولاية الدم عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند أخرى، و «السلطان» الحجة والملك الذي جعل إليه من التخير في قبول الدية أو العفو، قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة: «السلطان» القود، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم «فلا يسرف» بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله ﷺ : «إن من أعتى الناس على الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بذحل الجاهلية، أو قتل في حرم الله» ، وقالت فرقة: المراد بقوله فَلا يُسْرِفْ القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفسا فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «فلا تسرف في القتل» بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: على معنى الخطاب للنبي ﵇ والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، «فلا يسرف» بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط.
قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب: «فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصورا» ، والضمير في قوله إِنَّهُ عائد على الولي، وقيل على المقتول، وهو عندي أرجح الأقوال، لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبدا الظلم كقوله ﵇:
«ونصر المظلوم وإبرار القسم» ، وكقوله «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، إلى كثير من الأمثلة: وقيل على القتل، وقال أبو عبيد على القاتل لأنه إذا قتل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نصر، وهذا ضعيف بعيد المقصد، وقال الضحاك هذه أول ما نزل من القرآن في شأن القتل وهي مكية.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦)
الخطاب في هذه الآية للأوصياء الذين هم معدون لقرب مال اليتامى، ثم لمن تلبس بشيء من أمر يتيم من غير وصي، والْيَتِيمِ الفرد من الأبناء، واليتم الانفراد، يقال يتم الصبي يتيم إذا فقد أباه، قال ابن السكيت: اليتم في البشر من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، وفي كتاب الماوردي، أن اليتم في
стр. 1573
البشر من قبل الأم أيضا، وجمعه أيتام كشريف وأشراف وشهيد وأشهاد، ويجمع يتامى كأسير وأسارى كأنهما الأمور المكروهة التي تدخل على المرء غلبة، قال ابن سيده: وحكى ابن الأعرابي يتمان في يتيم، وأنشد في ذلك: [الطويل]
فبت أشوي ظبيتي وحليلتي ... طربا وجرو الذيب يتمان جائع
ويجوز أن يكون يتامى جمع يتمان، وفي الحديث «لا يتم بعد حلم» ، وقوله إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يريد إلا بأحسن الحالات.
قال القاضي أبو محمد: وذلك في الوصي الغني، أن يثمر المال ويحوطه ولا يمسّ منه شيئا على جهة الانتفاع به، هذا هو الورع والأولى الا أن يكون يشتغل في مال اليتيم ويشح فله بالفقه أن تفرض له أجرة، وأما الوصي الفقير الذي يشغله مال اليتيم عن معاشه، فاختلف الناس في أكله منه بالمعروف كيف هو؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: يتسلف منه، فإذا أيسر رد فيه، وقال ابن المسيب، لا يشرب الماء من مال اليتيم، قيل له فما معنى فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦] ؟ قال: إنما ذلك لخدمته وغسل ثوبه، وقال مجاهد: لا يقرب إلا التجارة ولا يستقرض منه، قال: وقوله فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ذاته] معناه من مال نفسه، وقال أبو يوسف: لعل قوله فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ذاته] منسوخ بقوله لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] [النساء: ٢٩] وقال ابن عباس: يأكل منه الشربة من اللبن والطرفة من الفاكهة ونحو هذا مما يخدمه، ويلط الحوض ويجد النخل، وينشد الضالة فليأكل غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وقال زيد بن أسلم: يأكل منه بأطراف أصابعه بلغة من العيش بتعبه.
قال القاضي أبو محمد: وهذه استعارة للتقلل، وقال مالك ﵀ وغيره: يأخذ منه أجرة بقدر تعبه، فهذه كلها تدخل فيما هو أحسن، وكمال تفسير هذه المعاني في سورة النساء بحسب ألفاظ تلك الآيات، وفي الخبر عن قتادة أن هذه الآية لما نزلت شقت على المسلمين وتجنبوا الأكل معهم في صحفة ونحوه، فنزلت وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] وقوله حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية الإمساك عن مال اليتيم، ثم ما بعد الغاية قد بينته آية أخرى، وما بعد هذه الغايات أبدا موقوف حتى يقوم فيه دليل شرعي أو يقتضي ذلك الاتفاق في النازلة، ومثل هذا قول عائشة ﵂ أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، وبعث بها، فلم يحرم علي رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي، و «الأشد» جمع شد عند سيبويه، وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه، ومعناها قواه في العقل والتجربة والنظر لنفسه، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ، ف «الأشد» في مذهب مالك أمران، البلوغ بالاحتلام أو ما يقوم مقامه حسب الخلاف في ذلك، والرشد في المال، واختلف هل من شروط ذلك الرشد في الدين على قولين، فابن القاسم لا يراعيه إذا كان ضابطا لماله، وراعاه غيره من بعض أصحاب مالك، ومذهب أبي حنيفة أن الأشد هو البلوغ فقط فلا حجر عنده على بالغ إلا أن يعرف منه السفه.
قال القاضي أبو محمد: ولست من هذا التقييد في قوله على ثقة، وقال أبو إسحاق الزجاج «الأشد»
стр. 1574
في قوله أن تأتي على الصبي ثمان عشرة سنة، وإنما أراد أنها بعض ما قيل في حد البلوغ لمن لا يحتلم، وأما أن يكون بالغ رشيد تقي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ هذه المدة فشيء لا أحفظ من يقوله، وقوله بِالْعَهْدِ لفظ عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي مطلوبا ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا؟
وقوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ الآية، أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجر والكيل والوزن أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، وروي عن ابن عباس أنه كان يقف في السوق ويقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان.
قال القاضي أبو محمد: وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، لأن المشتري لا يقال له أوف الكيل، هذا ظاهر اللفظ والسابق منه، و «القسطاس» قال الحسن هو القبان، ويقال القفان وهو القلسطون، ويقال القرسطون، وقيل: «القسطاس» الميزان صغيرا كان أو كبيرا، وقال مجاهد «القسطاس» العدل، وكان يقول هي لغة رومية، فكأن الناس قيل لهم زنوا بمعدلة في وزنكم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «القسطاس» بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «القسطاس» بكسر القاف، وهما لغتان، واللفظة منه للمبالغة من القسط، والمراد بها في الآية جنس الموازين المعدّلة على أي صفة كانت، قال أبو حاتم إنما قرأ بكسر القاف أهل الكوفة، وكل قراءة لا تجاوز الكوفة إلى الحرمين والبصرة فاقرأ بغيرها، وقرأت فرقة «القصطاس» بالصاد.
قال القاضي أبو محمد: وكان مذهب مجاهد في هذا وفي ميزان القيامة، وكل ذلك أنها استعارات للعدل، وقوله: في ميزان القيامة مردود، وعقيدة أهل السنة أنه ميزان له عمود وكفتان.
وسمعت أبي ﵁ يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه إن هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأصابع تجيء منها صورة المكتوبة ألف ولا مان وهاء فكأن الميزان يقول الله الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ جميل، و «التأويل» في هذه الآية المآل. قاله قتادة، ويحتمل أن يكون «التأويل» مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في جميع أموركم إذا أحسنتم في الكيل والوزن، والفرض من أمر الكيل والوزن تحري الحق، فإن غلب الإنسان تعد تحريه شيء يسير من تطفيف شاذا لم يقصده بذلك نزر موضوع عنه إثمه، وذلك ما لا يكون الانفكاك عنه في وسع، وقوله وَلا تَقْفُ معناه ولا تقل ولا تتبع.
قال القاضي أبو محمد: لكنها لفظة تستعمل في القذف والعضه، ومنه قول النبي ﷺ : «نحن بنو النضر لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» ، ونقول فلان قفوتي أي موضع تهمتي، وتقول العرب رب سامع عذرتي ولم يسمع قفوتي أي ما رميت به، وهذا مثل للذي يفشي سره ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر إليه، وقد قال ابن عباس أيضا ومجاهد: وَلا تَقْفُ معناه، ولا ترم، ومن هذه اللفظة قول الشاعر:
стр. 1575
ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا
وقال الكميت: [الوافر]
ولا أرم البرى بغير ذنب ... ولا أقفو الحواضن إن قفينا
وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول قفوت الأثر، ويشبه أن هذا من القفا مأخوذ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت، وتقول قفت الأثر، ومن هذا: هو القائف، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف، ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث، فمعنى الآية، ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية، وقرأ الجمهور «ولا تقف» ، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي «ولا تقف» بضم القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح «والفآد» بفتح الفاء وهي لغة، وأنكرها أبو حاتم وغيره، وعبر عن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ ب أُولئِكَ لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها ب أُولئِكَ، وقد قال سيبويه ﵀ في قوله تعالى: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤] إنه إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل، عبر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل ب «أولئك» ، وأنشد هو والطبري: [الكامل]
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه الأقوام، والضمير في عَنْهُ يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى أن الله تعالى يسأل سمع الإنسان، وبصره، وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي، ويحتمل أن يعود الضمير في عَنْهُ على كل التي هي للسمع والبصر والفؤاد، والمعنى أن الله تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصر وفؤاده، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولا، أي عما حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولا، فهو على حذف مضاف.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠)
قرأ الجمهور «مرحا» بفتح الراء مصدر من مرح يمرح إذا تسبب مسرورا بدنياه مقبلا على راحته،
стр. 1576
فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولا، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فقصرك نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي ﷺ بهذه الآية والمراد الناس كلهم.
قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزها دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب «مرحا» بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحا، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحا فيترتب في «المرح» بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر:
[المتقارب]
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء خرق تشكى الكلالا
ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقرأ الجراح الأعرابي «تخرق» بضم الراء، وقال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج «سيئة» ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق «سيئه» على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيّء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ «سيئه» بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسيىء اسم كانَ ومَكْرُوهاً خبرها، وأما من قرأ «سيئة» فهي الخبر ل كانَ، واختلف الناس في إعراب قوله مَكْرُوهاً، فقالت فرقة هو خبر ثان ل كانَ حمله على لفظ كل، و «سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت ل سَيِّئُهُ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر.
قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: [المتقارب]
стр. 1577
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحا، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله مَكْرُوهاً أن يكون بدلا من سَيِّئُهُ، قال ويجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في قوله عِنْدَ رَبِّكَ ويكون قوله عِنْدَ رَبِّكَ في موضع الصفة ل سَيِّئُهُ، وقرأ عبد الله بن مسعود «كان سيئاته» ، وروي عنه «كان سيئات» بغير هاء، وروي عنه «كان خبيثة» ، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولا:
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] وليس ذلك بالبين، قوله ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ الآية.
الإشارة ب ذلِكَ إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، والْحِكْمَةِ قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله وَلا تَجْعَلْ على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي ﵇، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و «المدحور» ، المهان المبعد، وقوله أَفَأَصْفاكُمْ الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيما في المنكر والوخامة، و «أصفاكم» معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله.
قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)
قرأ الجمهور «صرّفنا» بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن «صرفنا» بتخفيف الراء على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله فِي زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور «ليذّكّروا» وقرأ حمزة والكسائي «ليذكروا» بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحة ويحيى والأعمش، وما في ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه هذا، و «النفور» عبارة عن شدة الإعراض تشبيها بنفور الدابة، وهو في هذه الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية:
يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا. وقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ الآية إحبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناها في قوله فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: ١٩] ، وقال سعيد بن جبير وأبو علي
стр. 1578
الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل تكون الآية بيانا للتمانع، وجارية مع قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .
قال القاضي أبو محمد: ونقتضب شيئا من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله ﵎ غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره: إنا لو فرضناه لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعا، فيكون الجسم لا متحركا ولا ساكنا، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلا، والجائز في حكم الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «كما يقولون» بالياء من تحت، وقرأ الجمهور «كما تقولون» ، وسُبْحانَهُ مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك عطف الفعل عليه في قوله وَتَعالى، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين، لأن الإنسان إذا صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو «عما يقولون» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي «تقولون» بالتاء من فوق. وعُلُوًّا، مصدر على غير الفعل، فهو كقوله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] وهذا كثير، وقوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله مَنْ فِيهِنَّ يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى:
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ [ص: ١٨] وقالت فرقة مِنْ شَيْءٍ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خوانا مدهونا أو نحوه صارت جمادا، وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمرا مفقوها، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه.
قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله لا تَفْقَهُونَ الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن: بلغني أن معنى هذه
стр. 1579
الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: «يسبح له» بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي «تسبح» بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش «سبحت له السماوات» ، وقوله إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولا ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فلذلك أمهلكم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧)
هذه الآية تحتمل معنيين: أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد ﵇ حجابا، فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين، وقوله مَسْتُوراً أظهر ما فيه أن يكون نعتا للحجاب، أي مستورا عن أعين الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستورا به على حذف العائد وقال الأخفش مَسْتُوراً بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويأمن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة أبدا إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجابا حاجبا لكان التنظير صحيحا، وقوله وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و «الوقر» الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله وَإِذا ذَكَرْتَ الآية، يريد إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فرّ كفار مكة من سماع ذلك إنكارا له واستبشاعا، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء: إن ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله ﷺ ، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال «يا معشر قريش قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم» ، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، وقوله نُفُوراً يصح أن يكون مصدرا في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد وشهود، لأن فعولا من أبنية فاعل في
стр. 1580
الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله أَنْ يَفْقَهُوهُ أَنْ نصب على المفعول أي «كراهة أن» ، أو «منع أن» ، والضمير في يَفْقَهُوهُ عائد على الْقُرْآنِ، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت:
إنما عنى بقوله: وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً الشياطين وأنهم يفرون من قراءة القرآن، يريد أن المعنى يدل عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير قول النبي ﷺ : «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له خصاص» . وقوله نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في بِهِ عائد على «ما» ، وهي بمعنى الذي، والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله بهذه الآية سرهم، والعامل في إِذْ الأولى وفي المعطوفة عليها يَسْتَمِعُونَ الأول، وقوله وَإِذْ هُمْ نَجْوى وصفهم بالمصدر، كما قالوا: قوم رضى وعدل، وقيل المراد بقوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله مَسْحُوراً الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون: ٢٥] ونحو هذا، وقال أبو عبيدة: مَسْحُوراً معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسحر بضم السين، ومنه قول عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري.
ومنه قولهم للجبان: انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار بهذا التنبيه على أنه بشر أي ذا رية، قال: ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر] ونسحر بالطعام وبالشراب وقول لبيد: [الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من السحر، كالصبوح من الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في الآية من السّحر، بكسر السين، لأن حينئذ في قولهم ضرب مثل له وأما على أنها من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم يضرب له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٨ الى ٥١]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١)
ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم متيقنا بأحد هذه،
следующие страницы →