Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولا، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فقصرك نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي ﷺ بهذه الآية والمراد الناس كلهم.
قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزها دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب «مرحا» بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحا، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحا فيترتب في «المرح» بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر:
[المتقارب]
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء خرق تشكى الكلالا
ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقرأ الجراح الأعرابي «تخرق» بضم الراء، وقال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج «سيئة» ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق «سيئه» على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيّء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ «سيئه» بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسيىء اسم كانَ ومَكْرُوهاً خبرها، وأما من قرأ «سيئة» فهي الخبر ل كانَ، واختلف الناس في إعراب قوله مَكْرُوهاً، فقالت فرقة هو خبر ثان ل كانَ حمله على لفظ كل، و «سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت ل سَيِّئُهُ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر.
قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: [المتقارب]
стр. 1577
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحا، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله مَكْرُوهاً أن يكون بدلا من سَيِّئُهُ، قال ويجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في قوله عِنْدَ رَبِّكَ ويكون قوله عِنْدَ رَبِّكَ في موضع الصفة ل سَيِّئُهُ، وقرأ عبد الله بن مسعود «كان سيئاته» ، وروي عنه «كان سيئات» بغير هاء، وروي عنه «كان خبيثة» ، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولا:
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] وليس ذلك بالبين، قوله ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ الآية.
الإشارة ب ذلِكَ إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، والْحِكْمَةِ قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله وَلا تَجْعَلْ على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي ﵇، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و «المدحور» ، المهان المبعد، وقوله أَفَأَصْفاكُمْ الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيما في المنكر والوخامة، و «أصفاكم» معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله.
قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)
قرأ الجمهور «صرّفنا» بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن «صرفنا» بتخفيف الراء على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله فِي زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور «ليذّكّروا» وقرأ حمزة والكسائي «ليذكروا» بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحة ويحيى والأعمش، وما في ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه هذا، و «النفور» عبارة عن شدة الإعراض تشبيها بنفور الدابة، وهو في هذه الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية:
يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا. وقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ الآية إحبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناها في قوله فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: ١٩] ، وقال سعيد بن جبير وأبو علي
стр. 1578
الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل تكون الآية بيانا للتمانع، وجارية مع قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .
قال القاضي أبو محمد: ونقتضب شيئا من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله ﵎ غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره: إنا لو فرضناه لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعا، فيكون الجسم لا متحركا ولا ساكنا، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلا، والجائز في حكم الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «كما يقولون» بالياء من تحت، وقرأ الجمهور «كما تقولون» ، وسُبْحانَهُ مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك عطف الفعل عليه في قوله وَتَعالى، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين، لأن الإنسان إذا صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو «عما يقولون» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي «تقولون» بالتاء من فوق. وعُلُوًّا، مصدر على غير الفعل، فهو كقوله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] وهذا كثير، وقوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله مَنْ فِيهِنَّ يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى:
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ [ص: ١٨] وقالت فرقة مِنْ شَيْءٍ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خوانا مدهونا أو نحوه صارت جمادا، وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمرا مفقوها، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه.
قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله لا تَفْقَهُونَ الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن: بلغني أن معنى هذه
стр. 1579
الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: «يسبح له» بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي «تسبح» بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش «سبحت له السماوات» ، وقوله إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولا ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فلذلك أمهلكم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧)
هذه الآية تحتمل معنيين: أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد ﵇ حجابا، فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين، وقوله مَسْتُوراً أظهر ما فيه أن يكون نعتا للحجاب، أي مستورا عن أعين الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستورا به على حذف العائد وقال الأخفش مَسْتُوراً بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويأمن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة أبدا إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجابا حاجبا لكان التنظير صحيحا، وقوله وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و «الوقر» الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله وَإِذا ذَكَرْتَ الآية، يريد إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فرّ كفار مكة من سماع ذلك إنكارا له واستبشاعا، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء: إن ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله ﷺ ، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال «يا معشر قريش قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم» ، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، وقوله نُفُوراً يصح أن يكون مصدرا في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد وشهود، لأن فعولا من أبنية فاعل في
стр. 1580
الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله أَنْ يَفْقَهُوهُ أَنْ نصب على المفعول أي «كراهة أن» ، أو «منع أن» ، والضمير في يَفْقَهُوهُ عائد على الْقُرْآنِ، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت:
إنما عنى بقوله: وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً الشياطين وأنهم يفرون من قراءة القرآن، يريد أن المعنى يدل عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير قول النبي ﷺ : «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له خصاص» . وقوله نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في بِهِ عائد على «ما» ، وهي بمعنى الذي، والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله بهذه الآية سرهم، والعامل في إِذْ الأولى وفي المعطوفة عليها يَسْتَمِعُونَ الأول، وقوله وَإِذْ هُمْ نَجْوى وصفهم بالمصدر، كما قالوا: قوم رضى وعدل، وقيل المراد بقوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله مَسْحُوراً الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون: ٢٥] ونحو هذا، وقال أبو عبيدة: مَسْحُوراً معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسحر بضم السين، ومنه قول عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري.
ومنه قولهم للجبان: انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار بهذا التنبيه على أنه بشر أي ذا رية، قال: ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر] ونسحر بالطعام وبالشراب وقول لبيد: [الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من السحر، كالصبوح من الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في الآية من السّحر، بكسر السين، لأن حينئذ في قولهم ضرب مثل له وأما على أنها من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم يضرب له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٨ الى ٥١]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١)
ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم متيقنا بأحد هذه،
стр. 1581
فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه الأمور على تخيل الطارين عليهم هو أنه ساحر، ثم حكم الله عليهم بالضلال، وقوله فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يحتمل معنيين: أحدهما لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان، فتجري الآية مجرى قوله وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الإسراء: ٤٦] [الأنعام: ٢٥] ونحو هذا، والآخر: لا يستطيعون سبيلا إلى فساد أمرك وإطفاء نور الله فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة في جهتك، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وقوله إِذا كُنَّا عِظاماً الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و «الرفات» من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتا فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: رُفاتاً غبارا، وقال مجاهد: ترابا، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو «أيذا كنا ترابا أينا» جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية «إنا» مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: «أإذا أإنا» بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر «إذا كنا» ، مكسورة الألف من غير استفهام «ء إنا» يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات، وجَدِيداً صفة لما قرب حدوثه من الأشياء، وهكذا يوصف به المذكر والمؤنث، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة، لغة ضعيفة، كذا قال سيبويه، وقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً الآية، المعنى: قل لهم يا محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي، لا بد من بعثكم، وقوله كُونُوا هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل، وبهذه الآية مثل بعضهم، وفي هذا عندي نظر: وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب، كقوله تعالى: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ [آل عمران: ١٦٨] ، ونحوه، وأما هذه الآية، فمعناها: كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا، الذي فطركم كذلك، هو يعيدكم، وقال مجاهد أراد ب «الخلق» ، الذي يكبر في الصدور: السماوات والأرض والجبال، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو والحسن وابن جبير والضحاك: أراد الموت، وقال قتادة ومجاهد: بل أحال على فكرتهم عموما، ورجحه الطبري، وهذا هو الأصح، لأنه بدأ بشيء صلب، ثم تدرج القول إلى أقوى منه، ثم أحال على فكرهم، إن شاؤوا في أشد من الحديد، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء، ثم احتج عليهم في الإعادة بالفطرة الأولى، من حيث خلقهم، واخترعهم من تراب، فكذلك يعيدهم إذا شاء، لا رب غيره، وقوله فَسَيُنْغِضُونَ معناه:
يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب، قال ابن عباس: والاستهزاء. قال الزجاج: تحريك من يبطل الشيء ويستبطئه، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطمعا
ويقال نغضت السنّ إذا تحركت وقال ذو الرمة: [الطويل]
ظعائن لم يسكن أكناف قرية ... بسيف ولم تنغض بهن القناطر
стр. 1582
قال الطبري وابن سلام وعَسى من الله واجبة والمعنى: وهو قريب.
قال القاضي أبو محمد: وهذه إنما هي من النبي ﵇، ولكنها بأمر الله، فيقربها ذلك من الوجوب، وكذلك قال ﵇ «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وفي ضمن اللفظ توعد لهم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٥]
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)
يَوْمَ: بدل من قوله قَرِيباً [الإسراء: ٥١] ، ويظهر أن يكون المعنى: هو يوم، جوابا لقولهم:
مَتى هُوَ [ذاته] ويريد: يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور، ليقام الساعة، وقوله فَتَسْتَجِيبُونَ أي بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة، وقوله: بِحَمْدِهِ، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال معناه:
بأمره، وكذلك قال ابن جريج، وقال قتادة معناه: بطاعته ومعرفته، وهذا كله تفسير لا يعطيه اللفظ ولا شك أن جميع ذلك بأمر الله تعالى وإنما معنى بِحَمْدِهِ: إما أن جميع العالمين، كما قال ابن جبير، يقومون وهم يحمدون الله ويحمدونه لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله بِحَمْدِهِ هو كما تقول لرجل خصمته وحاورته في علم قد أخطأت بحمد الله، فكان النبي ﷺ يقول لهم في هذه الآيات:
عسى، أن الساعة قريبة، يوم تدعون فيقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق خبري، نحا هذا المنحى الطبري ولم يخلصه، وقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا يحتمل معنيين:
أحدهما أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلا لمغيب علم مقدار الزمن عنهم، إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا، إذ هم لا محالة أشد مفارقة لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عول الطبري، واحتج بقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون: ١١٢- ١١٣] ، والآخر: أن يكون الظن بمعنى اليقين فكأنه قال لهم: يوم تدعون فتستجيبون بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلا، من حيث هو منقض منحصر، وهذا كما يقال في الدنيا بأسرها: متاع قليل، فكأنه قلة قدر على أن الظن بمعنى اليقين يقلق هاهنا لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما لم يخرج بعد إلى الكون والوجود، وفي الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول: أنت أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبدا، لا بد أن تدعى للبعث، فتقوم، وترى أنك إنما لبثت قليلا منقضيا منصرما، وحكى الطبري عن قتادة أنهم لما رأوا هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلا. وقوله تعالى: وَقُلْ لِعِبادِي الآية اختلف النحويون في قوله يَقُولُوا فمذهب سيبويه، أنه جواب شرط مقدر تقديره: وقل لعبادي: إنك إن تقل لهم يقولوا، وهذا على أصله، في أن الأمر لا يجاب، وإنما يجاب معه شرط مقدر، ومذهب الأخفش: أن الأمر
стр. 1583
يجاب، وأن قوله هاهنا يَقُولُوا إنما هو جواب قُلْ.
قال القاضي أبو محمد: ولا يصح المعنى على هذا بأن يجعل قُلْ مختصة بهذه الألفاظ على معنى أن يقول لهم النبي: قولوا التي هي أحسن وإنما يصح بأن يكون قُلْ أمرا بالمحاورة في هذا المعنى بما أمكن من الألفاظ، كأنه قال بين لعبادي، فتكون ثمرة ذلك القول والبيان قولهم الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وهذا المعنى يجوزه مذهب سيبويه الذي قدمنا ومذهب أبي العباس المبرد: أن يَقُولُوا جواب لأمر محذوف، تقديره: وقل لعبادي «قولوا التي هي أحسن» يقولوا فحذف وطوي الكلام، ومذهب الزجاج: أن يَقُولُوا جزم بالأمر، بتقدير قُلْ لِعِبادِي ليقولوا، فحذفت اللام لتقدم الأمر، وحكى أبو علي في الحلبيات في تضاعيف كلامه: أن مذهب أبي عثمان المازني في يَقُولُوا أنه فعل مبني، لأنه مضارع حل محل المبني الذي هو فعل الأمر لأن المعنى قُلْ لِعِبادِي قولوا، واختلف الناس في الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فقالت فرقة: هي لا إله إلا الله، ويلزم على هذا أن يكون قوله لِعِبادِي يريد به جميع الخلق، لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلا الله. ويجيء قوله بعد ذلك إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ غير مناسب للمعنى، إلا على تكره، بأن يجعل بَيْنَهُمْ بمعنى خلالهم، وأثناءهم، ويجعل النزع بمعنى الوسوسة والإضلال، وقال الجمهور: الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هي المحاورة الحسنى بحسب معنى قال الحسن: يقول: يغفر الله لك، يرحمك الله، وقوله لِعِبادِي خاص بالمؤمنين، فكأن الآية بمعنى قوله ﵇، «وكونوا عباد الله إخوانا» ثم اختلفوا، فقالت فرقة: أمر الله المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب، وخفض الجناح، وإلانة القول، واطراح نزغات الشيطان، وقالت فرقة: إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بإلانة القول للمشركين بمكة، أيام المهادنة، وسبب الآية: أن عمر بن الخطاب ﵁ شتمه بعض الكفرة، فسبه عمر وهم بقتله، فكاد أن يثير فتنة، فنزلت الآية وهي منسوخة بآية السيف، وقرأ الجمهور:
«ينزغ» بفتح الزاي، وقرأ طلحة بن مصرف: «ينزغ» ، بكسر الزاي على الأصل قال أبو حاتم: لعلها لغة، والقراءة بالفتح، ومعنى النزغ: حركة الشيطان بسرعة ليوجب فسادا، ومنه قول النبي ﵇ «لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزع الشيطان في يده» فهذا يخرج اللفظة عن الوسوسة، و «عداوة الشيطان البينة» هي قصته مع آدم ﵇ فما بعد، وقوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ الآية، هذه الآية تقوي أن التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة وذلك أن هذه المخاطبة في قوله رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ هي لكفار مكة بدليل قوله وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا فكأن الله أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار في الدين ثم قال للكفار إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم، ومعنى يَرْحَمْكُمْ بالتوبة عليكم من الكفر، قاله ابن جريج وغيره، ثم قال النبي ﷺ : فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم ولا بد، فتتناسب الآيات بهذا التأويل ثم قال ﵎ لنبيه ﵇ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهو الذي فضل بعض الأنبياء على بعض بحسب علمه فيهم، فهذه إشارة إلى محمد ﷺ وإلى استبعاد قريش أن يكون الرسول بشرا، المعنى: لا تنكروا أمر محمد ﵇، وإن أوتي قرآنا، فقد فضل النبيون، وأوتي داود زبورا، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وتفضيل بعض الرسل، هو إما بهذا الإخبار المجمل دون أن يسمى المفضول وعلى هذا يتجه لنا أن نقول محمد
стр. 1584
أفضل البشر، وقد نهى ﵇ عن تعيين أحد منهم في قصة موسى ويونس، وإما أن يكون التفضيل مقسما فيهم: أعطي هذا التكليم، وأعطيت هذه الخلفة، ومحمد الخمس، وعيسى الإحياء، فكلهم مفضول على وجه فاضل على الإطلاق، وقوله بِمَنْ فِي السَّماواتِ، الباء متعلقة بفعل تقديره: علم بمن في السماوات ذهب إلى هذا أبو علي لأنه لو علقها ب أَعْلَمُ لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم ويصح تعلقها ب أَعْلَمُ ولا يلتفت لدليل الخطاب وقرأ الجمهور: «زبورا» بفتح الزاي، وهو فعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش «زبورا» بضم الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا داود كتبا، ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيرا، ومن هذا قول النبي ﷺ ، في آخر كتاب مسلم: «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له» ، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩)
الذين أمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم في هذه الآية، ليسوا عبدة الأصنام، وإنما هم عبدة من يعقل، واختلف في ذلك. فقال ابن عباس: هي في عبدة العزيز والمسيح وأمه ونحوهم، وقال ابن عباس أيضا، وابن مسعود: هي في عبدة الملائكة، وقال ابن مسعود أيضا: هي في عبدة شياطين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، فأسلم أولئك الشياطين، وعبدتهم بقوا يعبدونهم فنزلت الآية في ذلك.
وقال ابن عباس أيضا: هي في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزيز والمسيح وأمه، وأي ذلك كان، فمعنى الآية: قل لهؤلاء الكفرة ادْعُوا عند الشدائد، والضُّرِّ هؤلاء المعبودين، فإنهم لا يملكون كشفه ولا تحويله عنكم، ثم أخبرهم على قراءة ابن مسعود وقتادة «تدعون» بالتاء، أو أخبر النبي ﵇ على قراءة الجمهور، «يدعون» بالياء من تحت، أن هؤلاء المعبودين، يطلبون التقرب إلى الله والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم، وقرأ ابن مسعود «إلى ربك» ، والضمير في رَبِّهِمُ للمتبعين أو
стр. 1585
للجميع، والْوَسِيلَةَ، هي القربة، وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل: إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما، وقال عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة ومنه قول النبي ﵇: «من سأل الله لي الوسيلة» الحديث. وأَيُّهُمْ ابتداء، وأَقْرَبُ خبر، وأُولئِكَ يراد به المعبودون وهو: ابتداء خبره يَبْتَغُونَ والضمير في يَدْعُونَ للكفار، وفي يَبْتَغُونَ للمعبودين، والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب وهذا كما قال عمر بن الخطاب في حديث الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها أي يتبارون في طلب القرب، وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله، وقال ابن فورك وغيره: إن الكلام من قوله أُولئِكَ الَّذِينَ راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم، ف يَدْعُونَ على هذا من الدعاء، بمعنى الطلبة إلى الله، والضمائر لهم في يَدْعُونَ وفي يَبْتَغُونَ وباقي الآية بين. وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ الآية: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءا أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة ومِنْ لبيان الجنس، وقيل المراد الخصوص وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ ظالمة، وحكى النقاش أنه وجد في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية استقراء البلاد المعروفة اليوم، وذكر لهلاك كل قطر منها صفة، ثم ذكر نحو ذلك عن وهب بن منبه، فذكر فيه أن هلاك الأندلس وخرابها يكون بسنابك الخيل واختلاف الجيوش فيها، وتركت سائرها لعدم الصحة في ذلك، والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط والخسف غرقا، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك كثيرة لا يعلمها إلا الله ، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو تقصير في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف. وقوله مُهْلِكُوها الضمير لها، وفي ضمن ذلك الأهل، وقوله مُعَذِّبُوها هو على حذف مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل، وقوله فِي الْكِتابِ يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم في اللوح المحفوظ، و «المسطور» المكتوب إسطارا، وقوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ الآية، هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعا، وأن الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، والتقدير: وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه الآية أن قريشا اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى الله إلى محمد ﵇، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول الله ﷺ «بل تستأني بهم يا رب» ، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد سلفت عادته بمعاجلة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج: أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [القمر: ٤٦] ، فهذه الآية تنظر إلى ذلك، ثم ذكر أمر ثمرد، احتجاجا إن قال منهم قائل نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقترحناها ولا نكفر بوجه، فذكر الله تعالى ثمود، بمعنى: لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ الجمهور: «ثمود» بغير
стр. 1586
تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون «ثمودا» في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن «ثمود» في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله مُبْصِرَةً على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال: آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: ١٢] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم «مبصرة» بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة «مبصرة» بفتح الميم والصاد، وهي مفعلة من البصر ومثله قول عنترة: [الكامل] .
الكفر مخبثة لنفس المنعم وقوله فَظَلَمُوا بِها أي وضعوا الفعل غير موضعه، أي بعقرها، وقيل بالكفر في أمرها، ثم أخبر الله تعالى أنه إنما يرسل بِالْآياتِ غير المقترحة تَخْوِيفاً للعباد، وهي آيات معها إمهال لا معاجلة، فمن ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، قال الحسن والموت الذريع، وروي أن الكوفة رجفت في مدة عبد الله بن مسعود. فقال: أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، ومن هذا قول النبي ﵇ في الكسوف: «فافزعوا إلى الصلاة» الحديث، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام: فقسم عام في كل شيء إذ حيثما وضعت نظرك وجدت آية، وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد غبا كالرعد والكسوف ونحوه، وهنا فكرة الجهلة فقط، وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوءة، وإنما يعتبر به توهما لما سلف منه.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : آية ٦٠]
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)
قال الطبري: معنى قوله: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي في منعك يا محمد وحياطتك وحفظك، فالآية إخبار له بأنه محفوظ من الكفرة، آمن أن يقتل أو ينال بمكروه عظيم، أي فالتبليغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحدا من المخلوقين، وهذا تأويل بيّن جار مع اللفظ، وقد روي نحوه عن الحسن بن أبي الحسن والسدي، إلا أنه لا يناسب ما بعده مناسبة شديدة، ويحتمل أن يجعل الكلام مناسبا لما بعده، توطئة له، فأقول: اختلف الناس في الرُّؤْيَا، فقال الجمهور: هي رؤيا عين ويقظة، وهي ما رأى رسول الله ﷺ في ليلة الإسراء، قالوا: فلما أخبر رسول الله ﷺ صبيحة الإسراء بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفار إن هذا لعجيب تحث الحداة إلى بيت المقدس شهرين إقبالا وإدبارا، ويقول محمد إنه جاءه من ليلة وانصرف منه، فافتتن بهذا التلبيس قوم من ضعفة المسلمين، فارتدوا وشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآيات فعلى هذا، يحسن أن يكون معنى قوله وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما
стр. 1587
خلق له، أي فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك إن الله محيط بهم مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر، وسميت الرؤية في هذا التأويل «رؤيا» ، إذ هما مصدران من رأى، وقال النقاش جاء ذلك على اعتقاد من اعتقد أنها منامة وإن كانت الحقيقة غير ذلك.
وقالت عائشة الرُّؤْيَا في الإسراء رؤيا منام، وهذا قول الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقتضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها، وقد ذكر هذا مستوعبا في صدر السورة، وقال ابن عباس: الرُّؤْيَا التي في هذه الآية، هي رؤيا رسول الله ﷺ أنه يدخل مكة، فعجل في سنة الحديبية فرد، فافتتن المسلمون بذلك، فنزلت الآيات، وقال سهل بن سعد: إنما هذه «الرؤيا» أن رسول الله ﷺ كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات، فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم المنابر، إنما يجعلها الله فتنة للناس وامتحانا، ويجيء قوله أَحاطَ بِالنَّاسِ أي بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [الأنبياء: ١١١] ، وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه «الرؤيا» عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية، وقوله وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ: معطوفة على قوله الرُّؤْيَا، أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة وَالشَّجَرَةَ هنا في قول الجمهور هي شجرة الزقوم، وذلك أن أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له، فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه تزقموا، فافتتن أيضا بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله نبيه أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان، كما روي أن أبا بكر الصديق، قيل له، صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة بيت المقدس وانصرف منه فقال إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه، قال: أين عقولكم، أنا أصدقه بخبر السماء فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس والسماء أبعد منها بكثير. وقالت فرقة: وَالشَّجَرَةَ: إشارة إلى القوم المذكورين قبل في الرُّؤْيَا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا مثله، وقال الطبري عن ابن عباس: إن الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ يريد الملعون آكلها، لأنها لم يجر لها ذكر.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد الْمَلْعُونَةَ، هنا فأكد الأمر بقوله فِي الْقُرْآنِ وقالت فرقة: الْمَلْعُونَةَ، المبعدة المكروهة، وهذا أراد لأنها لعنها بلفظ اللعنة المتعارف، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، وأيضا فما ينبت في أصل الجحيم، فهو في نهاية البعد من رحمة الله، وقوله وَنُخَوِّفُهُمْ يريد: إما كفار مكة، وإما الملوك من بني أمية بعد الخلافة التي قال فيها النبي ﷺ ، «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا» والأول منها أصوب كما قلنا قبل، وقوله فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً يريد كفرهم وانتهاكهم فيه كقول أبي جهل في الزقوم والتزقم، فقد قال النقاش إن في ذلك نزلت، وفي نحوه وقرأ الأعمش «ويخوفهم» وقرأ الجمهور و «ونخوفهم» بالنون.
стр. 1588
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦١ الى ٦٥]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)
المعنى: واذكر إذ قلنا، وكذلك إِذْ [الإسراء: ٦٠] في الآية المتقدمة: هي منصوبة بفعل مضمر، وقد تقدم في غير موضع ذكر خلق آدم وأمر السجود، واختلف في قوله إِلَّا إِبْلِيسَ فقيل هو استثناء منقطع، لأن إِبْلِيسَ لم يكن من الملائكة، وقيل هو متصل لأن إبليس من الملائكة، وقوله طِيناً يصح أن يكون تمييزا، ويصح أن يكون حالا، وقاس إِبْلِيسَ في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه رأى الفضيلة لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما تكون حيث خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها. وذكر الطبري عن ابن عباس أن إبليس هو الذي أمره الله فأخذ من الأرض طينة آدم، والمشهور أنه ملك الموت، وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى، حين لحقته الأنفة، والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل: إن أول ما عصي الله بالحسد، وظهر ذلك من إبليس، من قوله أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١١] حسبما ذكر الله في آية أخرى. فهذا هو النص بأن فعلك غير مستقيم، والكاف في قوله أَرَأَيْتَكَ هي كاف خطاب ومبالغة في التنبيه، لا موضع لها من الإعراب، فهي زائدة، ومعنى أرأيت: أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه عليه بعد، وقال سيبويه: هي بمعنى أخبرني، ومثل بقوله أرأيتك زيدا أبو من هو؟ وقاله الزجاج: في آياتِنا [طه: ٥٦] ولم يمثل، وقول سيبويه: صحيح حيث يكون بعدها استفهام كمثاله، وأما في هذه الآية، فهي كما قلت، وليست التي ذكر سيبويه ﵀، وقرأ ابن كثير «أخرتني» بياء في الوصل والوقف، وهذا هو الأصل، وليس هذا الموضع كالقافية التي يحسن فيها الحذف، كمثل قول الأعشى: [المتقارب]
فهل يمنعني ارتياد البلاد ... من حذر الموت أن يأتين
وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وبحذفها في الوقف، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «أخرتن» بحذف الياء في الوصل والوقوف، وهذا تشبيه بياء قاض ونحوه، لكونها ياء متطرفة قبلها كسرة، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٥] وقوله لَأَحْتَنِكَنَّ معناه: لأميلن
стр. 1589
ولأجرن، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد، وألسنة تحتنك المال، أي تجتره، ومنه قول الشاعر:
نشكو إليك سنة قد أجحفت ... جهدا إلى جهد بنا فأضعفت
واحتنكت أموالنا وجلفت ومن هذا الشعر، قال الطبري لَأَحْتَنِكَنَّ معناه: لاستأصلن، وعبر ابن عباس في ذلك ب «لأستولين» ، وقال ابن زيد لأضلن، وهذا بدل اللفظ لا تفسير، وحكم إبليس بهذا الحكم على ذرية آدم، من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء وما اقترن بها من الشهوات والعوارض، كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل، لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله، وقوله: اذْهَبْ وما بعده من الأوامر، هو صيغة افعل من التهديد، كقوله تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] وتَبِعَكَ معناه في طريق الكفر الذي تدعو إليه، فالآية في الكفار وفي من ينفذ عليه الوعيد من العصاة وقوله جَزاءً مصدر في موضع الحال، و «الموفور» المكمل وَاسْتَفْزِزْ معناه استخف واخدع حتى يقع في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن الخفة قيل لولد البقرة فز ومثله قول زهير:
كما استغاث بسيىء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
و «الصوت» هنا: قيل هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى الشَّيْطانُ، قاله مجاهد، وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس: صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله وَأَجْلِبْ أي هول والجلبة: الصوت الكثير المختلط الهائل، وقرأ الحسن: «واجلب» بوصل الألف وضم اللام. وقوله بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى: اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه: أن له من الجن خيلا ورجلا، قاله قتادة، وقيل المراد: فرسان الناس ورجالتهم، المتصرفون في الباطل،، فإنهم كلهم أعوان لإبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ الجمهور «ورجلك» بسكون الجيم، وهو جمع راجل، كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقرأ حفص عن عاصم: «ورجلك» بكسر الجيم على وزن فعل، وكذلك قرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة تقول فلان يمشي رجلا، غير راكب، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
أنا أقاتل عن ديني على فرسي ... ولا كذا رجلا إلا بأصحابي
وقرأ قتادة وعكرمة: «ورجالك» . وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ عام: لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأبا. وقوله وَالْأَوْلادِ عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، وأبا الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الوأد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك صنعهم في أديان الكفر،
стр. 1590
وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف كله. وقوله وَعِدْهُمْ أي منّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم غُرُوراً منه، لأنه لا يغني عنهم شيئا، وقوله إِنَّ عِبادِي الآية، قول من الله تعالى لإبليس، وقوله عِبادِي يريد المؤمنين في الكفر، والمتقين في المعاصي، وخصهم باسم العباد، وإن كان اسما عاما لجميع الخلق، من حيث قصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد بنيه إذا رأى منه ما يحب:
هذا ابني، على معنى التنبيه منه والتشريف له، ومنه قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص:
«هذا خالي فليرني امرؤ خاله» ، و «السلطان» الملكة والتغلب، وتفسيره هنا بالحجة قلق، ثم قال تعالى لنبيه ﵇: وَكَفى بِرَبِّكَ يا محمد حافظا للمؤمنين، وقيما على هدايتهم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦٦ الى ٦٩]
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩)
«الإزجاء» : سوق الثقيل السير، إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره، فالإبل الضعاف تزجى، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] على زواحف تزجيها محاسير والسحاب تزجى ومنه قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [النور: ٤٣] والبضاعة المزجاة هي التي تحتاج لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي يقبضها، وإزجاء الْفُلْكَ سوقه بالريح اللينة والمجاديف، والْفُلْكَ والْبَحْرِ الماء الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب الاسم على هذا المشهور، والْفُلْكَ تجري فيها. وقوله لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ لفظ يعم البصر، وطلب الأجر، في حج أو غزو ونحوه، ولا خلاف في جواز ركوبه للحج والجهاد والمعاش، واختلف في وجوبه للحج، أعني الكثير منه، واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال، وقد روي عنه أنه قال «البحر لا أركبه أبدا» ، وهذا حديث يحتمل أنه رأي رآه لنفسه، ويحتمل أنه أوحي إليه ذلك، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده.
والضُّرُّ لفظ يعم خوف الغرق، والامتساك في المشي، وأهول حالاته: اضطرابه وتموجه. وقوله ضَلَّ معناه تلف وفقد، وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلها من دون الله، والمعنى في هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوفقهم الله من ذلك على حالة البحر. وقوله
стр. 1591
أَعْرَضْتُمْ أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله كَفُوراً أي بالنعم. والْإِنْسانُ هنا للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وقال الزجاج الْإِنْسانُ يراد به الكفار، وهذا غير بارع. وقوله أَفَأَمِنْتُمْ الآية، المعنى أَفَأَمِنْتُمْ أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى الرخاء «أن يخسف الله بكم مكانكم من البر» إذا أنتم في قبضة القدرة في البحر والبر. و «الحاصب» العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
ومنه قول الأخطل: [الكامل]
ترمي العصاة بحاصب من ثلجها ... حتى يبيت على العضاه جمالا
ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب: الرمي بالحصباء، وهي الحجارة الصغار، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «يخسف» بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك «يرسل» و «يعيد» و «يرسل» و «يغرق» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد «تغرقكم» بالتاء أي الريح، وقرأ حميد «نغرقكم» بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء «يغرّقكم» بشد الراء. و «الوكيل» القائم بالأمور، و «القاصف» الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه، وتارَةً، جمعها تارات وتير، معناه: مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر: «من الرياح» بالجمع.
و «التبيع» الذي يطلب ثأرا أو دينا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
غدوا وغدت غزلانهم فكأنها ... ضوامن عزم لزهن تبيع
ومن هذه اللفظة قول النبي ﵇: «إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع» فالمعنى لا تحدون من يتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٥]
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤)
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)
كَرَّمْنا تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرما، أي شرفا وفضلا، وهذا هو كرم نفي النقصان، لا كرم المال وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي جمة محاسنه.
стр. 1592
قال القاضي أبو محمد: ﵁: وهذه الآية، عدد الله تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرادته وقصده وتدبيره فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ جميعا، والرزق مِنَ الطَّيِّباتِ، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحما نيا، أو طعاما غير مركب، و «الرزق» ، كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: «التفضيل» هو أن يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائما، ونحو هذا من التفضيل، وهذا كله غير محذق وذلك للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس، وسمعه، وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوان كله، وبه يعرف الله ، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، وقالت فرقة: هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
، [النساء: ١٧٢] وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضع أخر من الشرع، وقوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا الآية، يحتمل قوله يَوْمَ أن يكون منصوبا على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره أنكر، أو فعل يدل عليه، قوله وَلا يُظْلَمُونَ تقديره «ولا يظلمون يوم ندعو» . ثم فسره يُظْلَمُونَ الأخير، ويصح أن يعمل فيه وَفَضَّلْناهُمْ، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيّن، لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان، إذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا، ولا يعمل فيه نَدْعُوا لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون يَوْمَ منصوبا على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعا بالابتداء والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله فَمَنْ أُوتِيَ إلى قوله وَمَنْ كانَ. وقرأ الجمهور «ندعو» بنون العظمة، وقرأ مجاهد «يدعو» ، بالياء على معنى يدعو الله ورويت عن عاصم. وقرأ الحسن «يدعو» بضم الياء وسكون الواو، وأصلها يدعى ولكنها لغة لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واوا، فيقولون افعو حبلو، ذكرها أبو الفتح وأبو علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن: «كل» بالرفع، على معنى يدعى كل، وذكر أبو عمرو الداني عن الحسن، أنه قرأ «يدعى كل» وأُناسٍ اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقوله بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم، فعلى التأويل الأول: يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا، وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف المفسرون في «الإمام» ، فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن:
كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة «الإمام» تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحا: [الطويل]
وقومته حتى إذا تم واستوى ... كمخة ساق أو كمتن إمام
ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد وقوله: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ
стр. 1593
بِيَمِينِهِ
حقيقة في أن في يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا أقل ولا أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، [الإسراء: ٢٣] وكقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠] وهذا كثير ومعنى الآية: أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئا، و «الفتيل» هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر، وقوله وَمَنْ كانَ، الآية، قال محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها أَعْمى.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أَعْمى الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد: الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى إما أن يكون على حذف مضاف، أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى، على معنى أنه حيران، لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح، قال مجاهد «فهو في الآخرة أعمى» عن حجته.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا جعلنا قوله فِي الْآخِرَةِ بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «أعمى» في الموضعين، بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم يمله، قال أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، وأَعْمى ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذا ليس بآخر، ويقوي هذا التأويل قوله عطفا عليه وَأَضَلُّ سَبِيلًا فإنما عطف أَضَلُّ الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة أَضَلُّ سَبِيلًا، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو أَضَلُّ سَبِيلًا، وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه ﵀: لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين. وقوله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآية، إِنْ هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله لَيَفْتِنُونَكَ لام تأكيد، وإِنْ هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله كادُوا قيل هو لقريش وقيل لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول الله ﷺ : لا
стр. 1594
ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمس أيضا أوثاننا على معنى التشرع بذلك، قال الطبري وغيره: فهمّ رسول الله ﷺ أن يظهر لهم ذلك، وقلبه منكر فنزلت الآية في ذلك قال الزجاج: فقال رسول الله ﷺ في نفسه «وما علي أن أفعل لهم ذلك والله تعالى يعلم ما في نفسي» ، وقال ابن إسحاق وغيره، إنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه، وقالوا له: أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك، فنزلت الآية في ذلك فهي في معنى قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] .
وحكى الزجاج أن الآية قيل إنها فيما أرادوه من طرد فقراء أصحابه، وأما لثقيف، فقال ابن عباس وغيره:
لأنهم طلبوا من رسول الله ﷺ أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات، وقالوا إنا نريد أن نأخذ ما يهدى لنا، ولكن إن خفت أن تنكر ذلك عليك العرب، فقل: أوحى الله ذلك إلي، فنزلت الآية في ذلك، ويلزم قائل هذا القول أن يجعل الآية مدنية، وقد روي ذلك، وروى قائلو الأقوال الأخر أنها مكية.
قال القاضي أبو محمد: وجميع ما أريد من النبي ﷺ بحسب هذا الاختلاف قد أوحى الله إليه خلافه، إما في معجز وإما في غير معجز، وفعله هو أن لو وقع افتراء على الله إذ أفعاله وأقواله إنما هي كلها شرع. وقوله وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا توقيف على ما نجاه الله منه من مخالفة الكفار والولاية لهم، وقوله لَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ الآية، تعديد نعمة على النبي ﷺ ، وروي أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية قال «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . و «الركون» شد الظهر إلى الأمر أو الحزم على جهة السكون إليه، كما يفعل الإنسان بالركن من الجدران ومنه قوله تعالى حكاية.
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠] ، وقرأ الجمهور «تركن» بفتح الكاف، وقرأ ابن مصرف وقتادة وعبد الله بن أبي إسحاق «تركن» بضم الكاف، ورسول الله ﷺ لم يركن، لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعا منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباري إلى أن معناه لقد كاد أن يخبروا عنك أنك ركنت، ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم بذلك عن النبي ﵇، فحمل اللفظ ما لا يحتمل، وقوله شَيْئاً قَلِيلًا يبطل ذلك، وهذا الهم من النبي ﵇ إنما كانت خطرة مما لا يمكن دفعه، ولذلك قيل كِدْتَ، وهي تعطي أنه لم يقع ركون، ثم قيل شَيْئاً قَلِيلًا إذ كانت المقاربة التي تتضمنها كِدْتَ قليلة خطرة لم تتأكد في النفس، وهذا الهمّ هو كهمّ يوسف ﵇، والقول فيهما واحد وقوله إِذاً لَأَذَقْناكَ الآية، يبطل أيضا ما ذهب إليه ابن الأنباري، وقوله ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات.
قال القاضي أبو محمد: على معنى أن ما يستحقه هذا المذنب من عقوبتنا في الدنيا والآخرة كنا نضعفه لك، وهذا التضعيف شائع مع النبي ﵇ في أجره، وفي ألمه وعقاب أزواجه، وباقي الآية بين.
قوله :
стр. 1595
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٦ الى ٧٩]
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩)
قال حضرمي الضمير في كادُوا ليهود المدينة وناحيتها، كحيي بن أخطب وغيره، وذلك أنهم ذهبوا إلى المكر برسول الله ﷺ ، فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام، ولكنك تخاف الروم، فإن كنت نبيا، فاخرج إليها فإن الله سيحميك كما حمى غيرك من الأنبياء، فنزلت الآية في ذلك، وأخبر الله أن رسول الله ﷺ لو خرج لم يلبثهم بعده إِلَّا قَلِيلًا، وحكى النقاش أن رسول الله ﷺ خرج بسبب قولهم، وعسكر بذي الحليفة، وأقام ينتظر أصحابه، فنزلت الآية عليه، فرجع، وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا في كتاب يعتمد عليه، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة، وقالت فرقة الضمير في كادُوا هو لقريش، وحكى الزجاج أن «استفزازهم» هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله، والْأَرْضِ على هذا عامة في الدنيا، كأنه قال لِيُخْرِجُوكَ من الدنيا، وعلى سائر الأقوال هي أرض مخصوصة، إما مكة وإما المدينة، كما قال تعالى أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣] . فإنما معناه من الأرض التي فيها تصرفهم وتمعسهم، وقال ابن عباس وقتادة: واستفزاز قريش هو ما كانوا ذهبوا إليه من إخراج رسول الله ﷺ من مكة، كما ذهبوا قبل إلى حصره في الشعب، ووقع استفزازهم هذا بعد نزول الآية، وضيقوا عليه حتى خرج واتبعوه إلى الغار وغير ذلك، ونفذ عليهم الوعيد في أن لم يلبثوا خلفه إِلَّا قَلِيلًا يوم بدر، وقال مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها، لأنه لما أراد الله استبقاء قريش وأن لا يستأصلها، أذن لرسوله بالهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله لا يقهر قريش، واستبقيت قريش ليسلم منها ومن أعقابها من أسلم، قال: ولو أخرجته قريش لعذبوا، فذهب مجاهد ﵀ إلى أن الضمير في يَلْبَثُونَ عام في جميعهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وإذا لا يلبثوا» بحذف النون، وإعمال إِذاً، وسائر القراء ألغوها وأثبتوا النون، وقرأ عطاء بن أبي رباح «يلبّثون» بضم الياء وفتح اللام وشد الباء، وروي مثله عن يعقوب إلا أنه كسر الباء، وقرأ عطاء «بعدك إلا قليلا» ، وقرأ الجمهور «خلفك» ، وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي وحفص عن عاصم «خلافك» ، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
عقب الرذاذ خلافها فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا
ومنه قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ٨١] ، على بعض تأويلاته أي بعد خروج رسول الله ﷺ ، وهذه اللفظة قد لزم حذف المضاف لأن التقدير في آياتنا خلاف خروجك، وفي بيت الشاعر خلاف انبساط الشمس أو نحوه، قال أبو علي: أصابوا هذه الظروف تضاف إلى الأسماء الأعيان التي ليست أحداثا فلم يستحبوا إضافتها إلى غير ما جرى عليه كلامهم كما أنها لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على حالها إذا وقعت في غير موضع النصب، كقوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا
стр. 1596
الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
[الجن: ١١] ، وقوله يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ٣] ، وقوله سُنَّةَ نصب على المصدر، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض، لأن المعنى كسنة، فحذفت الكاف ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله قَلِيلًا، ومعنى الآية الإخبار أن سنة الله تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا قليلا، وقوله أَقِمِ الصَّلاةَ الآية، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة، فقال ابن عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور: «دلوك الشمس» زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقِ اللَّيْلِ أشير به إلى المغرب والعشاء، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ أريد به صلاة الصبح، فالآية على هذا تعم جميع الصلوات وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حين زالت فصلى بي الظهر» ، وروى جابر أن النبي ﷺ خرج من عنده وقد طعم وزالت الشمس، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس، وقال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن أسلم:
«دلوك الشمس» غروبها، والإشارة بذلك إلى المغرب، وغَسَقِ اللَّيْلِ اجتماع ظلمته، فالإشارة إلى العتمة، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ صلاة الصبح، ولم تقع إشارة على هذا إلى الظهر والعصر، والقول الأول أصوب لعمومه الصلوات، وهما من جهة اللغة حسنان، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ميل، فذكر الله الصلوات التي في حالة «الدلوك» وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ويصح أن تكون المغرب داخلة في غَسَقِ اللَّيْلِ، ومن الدلوك الذي هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن أيدالك الرجل امرأته يريد أيميل بها إلى المطل في دينها فقال له الحسن نعم إذا كان ملفجا، أي عديما، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل]
مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك
ومن ذلك قول الشاعر: [الرجز]
هذا مكان قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح
يروى براح بكسر الباء، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه براحة الناظر يستكف بها أبدا لينظر كيف ميلها وما بقي لها، وهذا نحو قول الحجاج: [الرجز]
والشمس قد كادت تكون دنفا ... دفعها بالراح كي تزحلقا
وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال: دلكت براح يعني براح مكانا. قال: فإن كان هذا من تفسير ابن مسعود فهو أعلم، وإن كان من كلام راو فأهل الغريب أعلم بذلك، ويروى أن البيت الأول: «غدوة حتى هلكت براح» ، بفتح الباء على وزن قطام وحذام، وهو اسم من أسماء الشمس، وغسق الليل اجتماعه وتكاثف ظلمته، وقال الشاعر: [المديد] آب هذا الليل إذ غسقا
стр. 1597
وقال ابن عباس: غَسَقِ اللَّيْلِ بدؤه، ونصب قوله وَقُرْآنَ بفعل مضمر تقديره واقرأ قرآن، ويصح أن ينصب عطفا على الصلاة، أي «وأقم قرآن الفجر» ، وعبر عن صلاة الصبح خاصة ب «القرآن» لأن القرآن هو عظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، ويصح أن ينصب قوله وَقُرْآنَ على الإغراء وقوله إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور من قوله ﵇: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» ، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة وغيره، وعلى القول بذلك مضى الجمهور، وذكر الطبري حديثا عن ابن عسكر من طريق أبي الدرداء، في قوله كانَ مَشْهُوداً قال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته، وذكر في ذلك الحديث أن الله تعالى ينزل في آخر الليل، ونحو هذا مما ليس بالقوي، وقوله وَمِنَ اللَّيْلِ مِنَ للتبعيض، التقدير ووقتا من الليل أي وقم وقتا، والضمير في بِهِ عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على «القرآن» وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما هو الضمير مطلق، لكن جرى مضافا إلى الفجر، وفَتَهَجَّدْ معناه: فاطرح الهجود عنك، والهجود النوم، يقال هجد يهجد بضم الجيم هجودا إذا نام، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل]
ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات النوال تجود
ومنه قول الحطيئة: [الطويل]
فحياك ود ما هداك لفتية ... وخوص بأعلى ذي طوالة هجد
وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث، ومثله فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] معناه تندمون، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي انبساط النفس وسرورها، يقال رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك، فالمعنى وقتا من الليل اسهر به في صلاة وقراءة، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود: «التهجد» بعد نومة، وقال الحجاج بن عمرو إنما «التهجد» بعد رقدة، وقال الحسن: «التهجد» ما كان بعد العشاء الآخرة، وقوله نافِلَةً لَكَ قال ابن عباس وغيره: معناه زيادة لك في الفرض، قالوا: وكان قيام الليل فرضا على النبي ﷺ .
قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله «أقم الصلوات» الآية. وقال مجاهد: إنما هي نافِلَةً للنبي ﷺ لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، وبين أن النبي ﷺ منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل من العمل وقربا أشرف من نوافل أمته، لأن هذا إما أن تجبر بها فرائصهم حسب الحديث، وإما أن تحط بها خطاياهم، وقد يتصور من لا ذنب له ينتفل فيكون تنفله فضيلة، كنصراني يسلم وصبي يحتلم، وضعف الطبري قول مجاهد. وقوله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً عزة من الله لرسوله، وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه ﵇، والحديث بطوله في البخاري ومسلم، فلذلك اختصرناه، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال: «أنا سيد، ولد آدم
стр. 1598
ولا فخر» . وعَسى من الله واجبة، ومَقاماً نصب على الظرف، ومن غريب حديث الشفاعة اقتضابه المعنى، وذلك أن صدر الحديث يقتضي أن النبي ﷺ يستنهض للشفاعة في أن يحاسب الناس وينطلقون من الموقف، فيذهب لذلك، وينص بإثر ذلك على أنه شفع في إخراج المذنبين من النار، فمعناه الاقتضاب والاختصار. لأن الشفاعة في المذنبين لم تكن إلا بعد الحساب والزوال من الموقف، ودخول قوم الجنة ودخول قوم النار، وهذه الشفاعة لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» .
قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن يتأول هذا على ما قلناه لأمته وغيرها، أو يقال إن كل مقام منها محمود، قال النقاش: لرسول الله ﷺ ثلاث شفاعات، شفاعة العامة، وشفاعة السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر، والمشهور أنهما شفاعتان فقط، وحكى الطبري عن فرقة منها مجاهد أنها قالت: «المقام المحمود» هو أن الله يجلس محمدا معه على عرشه، وروت في ذلك حديثا، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله، وقد ذكر النقاش عن أبي داود السختياني أنه قال من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا.
قال القاضي أبو محمد: من أنكر جوازه على تأويله.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)
ظاهر هذه الآية والأحسن فيها أن يكون دعاء في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه رَبِّ أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري، وذهب المفسرون إلى أنها في غرض مخصوص، ثم اختلفوا في تعيينه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: أراد أَدْخِلْنِي المدينة وَأَخْرِجْنِي من مكة، وتقدم في هذا التأويل المتأخر في الوقوع، فإنه متقدم في القول لأن الإخراج من مكة هو المتقدم، اللهم إن مكان الدخول والقرار هو الأهم، وقال أبو صالح ومجاهد: أَدْخِلْنِي في أمر تبليغ الشرع وَأَخْرِجْنِي منه بالأداء التام، وقال ابن عباس: الإدخال بالموت في القبر والإخراج البعث، وما قدمت من العموم التام الذي يتناول هذا كله، أصوب، وقرأ الجمهور «مدخل» «ومخرج» بضم الميم، فهو جرى على أَدْخِلْنِي
стр. 1599
وَأَخْرِجْنِي وقرأ أبو حيوة وقتادة وحميد، «مدخل» «ومخرج» بفتح الميم، فليس بجار على أَدْخِلْنِي ولكن التقدير «أدخلني فأدخل مدخل» ، لأنه إنما يجري على دخل، و «الصدق» هنا صفة تقتضي رفع المذام واستيعاب المدح، كما تقول رجل صدق أي جامع للمحاسن، وقوله وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال مجاهد وغيره: حجة، يريد تنصرني ببيانها على الكفار، وقال الحسن وقتادة يريد سعة ورياسة وسيفا ينصر دين الله، فطلب رسول الله ﷺ ذلك بأمر الله إياه به رغبة في نصر الدين، فروي أن الله وعده بذلك ثم أنجزه له في حياته وتممه بعد وفاته، وقوله وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ الآية، قال قتادة: الْحَقُّ القرآن، والْباطِلُ الشيطان، وقالت فرقة: الْحَقُّ الإيمان، والْباطِلُ الكفر، وقال ابن جريج: الْحَقُّ الجهاد، والْباطِلُ الشرك، وقيل غير ذلك، والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه، وَزَهَقَ الكفر بجميع ما انطوى فيه، والْباطِلُ كل ما لا تنال به غاية نافعة. وقوله كانَ زَهُوقاً ليست كانَ إشارة إلى زمن مضى، بل المعنى كان وهو يكون، وهذا كقولك كان الله عليما قادرا ونحو هذا، وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن رسول الله كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما في السيرة لابن هشام وفي غيرها، وقرأ الجمهور «وننزل» بالنون، وقرأ مجاهد «وينزل» بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقوله مِنَ الْقُرْآنِ يصح أن تكون مِنَ لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال وننزل ما فيه شفاء مِنَ الْقُرْآنِ وأنكر بعض المتأولين أن يكون مِنَ للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه.
قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ شيئا شيئا ما فيه كله شِفاءٌ، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل أن يراد ب «الشفاء» نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه، وكونه رحمته ظاهر، وقوله وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن. وقوله وَإِذا أَنْعَمْنا الآية، الْإِنْسانِ في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب: لا خير في الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ذكر الظالمين، و «الخسار» في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون الْإِنْسانِ في هذه الآية عاما للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله ﷺ في مؤمن: «فأعرض فأعرض الله عنه» ، ومعنى أَعْرَضَ ولانا عرضه، ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده «وناء» ، ومعناه نهض أي متباعدا، هذا قول طائفة، وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من نَأى بعينه وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول الشاعر في صفة رام: [الرجز]
حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شق الشمال كاهله
стр. 1600
أي نهض متوركا على شماله، والذي عندي أن «ناء ونأى» فعلان متباينان، وناء بجانبه عبارة عن التحيز والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره، ثم قال قُلْ يا محمد كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له، وهذه الآية تدل دلالة ما على أن الْإِنْسانِ أولا لم يرد به العموم، أي إن الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد: عَلى شاكِلَتِهِ معناه على طبيعته، وقال أيضا معناه على حدته، وقال ابن عباس: معناه على ناحيته، وقال قتادة:
معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد: معناه على دينه، وأرجح هذه العبارات قول ابن عباس وقتادة وفي قوله فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا توعد بين.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٨]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨)
الضمير في يَسْئَلُونَكَ قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن مسعود، أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فمر على حرث بالمدينة، ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحدا من عباده، قال ابن مسعود: وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يأتي فيه بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال فسألوه فوقف رسول الله ﷺ متوكئا على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية، وقيل الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: نسأل عن محمد أهل الكتاب من اليهود، فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فقال اليهود لهما: جرباه بثلاث مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت عن الروح فهو نبي، فسألته قريش عن الروح، فيروى أن النبي ﷺ قال لهم «غدا أخبركم به» ، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يوما، معاتبة على وعده لهم دون استثناء، ثم نزلت هذه الآية، واختلف الناس في الرُّوحِ المسئول عنه أي روح هو؟ فقالت فرقة هي الجمهور: وقع السؤال عن الروح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي؟ ف الرُّوحِ اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له، وقال قتادة: الرُّوحِ المسئول عنه جبريل، قال وكان ابن عباس يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب: «ملك له سبعون ألف وجه في كل
стр. 1601
وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك اللغات يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة» ، ذكره الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت فرقة الرُّوحِ القرآن، وهذه كلها أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله مِنْ أَمْرِ رَبِّي يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون «الأمر» اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي استأثر بعلمها، فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدرا من أمر يأمر أي الروح مما أمره أمرا بالكون فكان.
وقرأ ابن مسعود والأعمش «وما أوتوا» ، ورواها ابن مسعود عن النبي ﷺ وقرأ الجمهور «وما أوتيتم» ، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له قُلِ الرُّوحُ إنما هو أمر بالقول لجميع العالم إذ كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من مخاطبة الكل، ويحتمل أيضا أن تكون مخاطبة من الله للنبي ولجميع الناس ويتصف ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله الذي هو بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جدا، كما قال الخضر ﵇ لموسى ﵇، «ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر» ، وأراد الخضر علم الله تعالى بهذه الموجودات التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في قول الخضر كما نقص هذا العصفور، أي إما لا ينقص علمنا شيئا من علم الله تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم النقص، إذ نقصه غير محسوس، فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله ﷺ ، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فعارضهم رسول الله ﷺ بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله ﷺ ، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فعارضهم رسول الله ﷺ بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله ﷺ بقوله في بعض الأحاديث «كلّا» يعني أن المراد ب أُوتِيتُمْ جميع العالم، وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك؟ فقال «كلّا» ، وفي هذا المعنى نزلت وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لقمان: ٢٧] ، حكى ذلك الطبري ﵀، وقوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا الآية فيها شدة على النبي ﷺ ، وهي عتاب على قوله غدا أعلمكم، فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن بالتسليم لله في أنه يعلم بما شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له وَما أُوتِيتُمْ أنت يا محمد وجميع الخلائق مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن شاء لذهب بالوحي الذي أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن الصدور وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية. أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن الأمر جائز الوقوع ليظهر مصداق خبره من كتاب الله تعالى. و «الوكيل» القائم بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود النفع، وقوله إِلَّا رَحْمَةً استثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصا ما، وليس كالمتصل، لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع
стр. 1602
يخصص أجنبيا من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ذلك عن ابن خويز منداد، ثم عدد عليه كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى. وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ الآية، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالت لرسول الله ﷺ : يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر على المجيء بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع الخلائق لو تعاونوا إنسا وجنا على ذلك لم يقدروا عليه، والعجز في معارضة القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه، وعلة ذلك الإحاطة التي لا يتصف بها إلا الله ، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع النقص
، فإذا نظم كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى، وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا الديوان، وقوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ في موضع رفع، ولا متلقية قسما، واللام في قوله لَئِنِ مؤذنه غير لازمة قد تحذف أحيانا، وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط، ويجيء الفعل المنفي مجزوما، وهذا اعتماد على الشرط ومنه قول الأعمش: [البسيط]
لئن منيت بنا عن غر معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل
و «الظهير» المعين، ومنه قوله وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [التحريم: ٤] الآية: وفهمت العرب بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن، ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس بعدهم استدلالا ونظرا، ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة واحدة، وهذا كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر من ذلك بنقل التواتر، فحصل للجميع القطع، لكن في مرتبتين، وفهم إعجاز القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم غرائب في ميز الكلام، ألا ترى إلى فهم الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله: يعد الناسبون إلى تميم.
الأبيات كلها، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق في قول الفرزدق: على م تلفتين، وفي قوله: تلفت أنها تحت ابن قين.
وألا ترى إلى قول الأعرابي: عز فحكم فقطع، وألا ترى إلى استدلال الآخر على البعث بقوله حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [التكاثر: ٢] فقال إن الزيارة تقتضي الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن العلاء في شعر الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت، ومنه قول الأعرابي للأصمعي: من أحوج الكريم إلى أن يقسم؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر، وأمثلة ذلك محفوظة، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في الفصاحة، وكونهم فيها النهاية، كما كان السحر في زمن موسى، والطب في زمن عيسى، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز، ولجأ المحاد منهم إلى السيف، ورضي بالقتل والسبا وكشف الحرم، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة، وكذلك التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم خاصة، وقيد العشر بالافتراء لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى، فدعاهم بعقب ذكر ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات، ولم يذكر
стр. 1603
الافتراء في السورة لأنه لم يجر عنهم ذكر ذلك قبل، بل قال إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [البقرة: ٢٣] على أنه قد جاء ذكر السورة مع ذكرهم الافتراء في سورة هود وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقيل دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، فلما عسر عليهم خفق بالدعوة إلى المفتريات، وقيل غير هذا مما ينحل عند تحصيله.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٩ الى ٩٢]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩) وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢)
هذه الآية تنبه على فضل الله في القرآن على العالم، وتوبيخ للكفار منهم على قبيح فعلهم، وتصريف القول هو ترديد البيان عن المعنى، وقرأ الجمهور «صرّفنا» بتشديد الراء، وقرأ الحسن «صرفنا» بفتح الراء خفيفة، وقوله مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يجوز أن تكون مِنْ لابتداء الغاية، ويكون المفعول ب صَرَّفْنا مقدرا تقديره «ولقد صرفنا في هذا القرآن التنبيه والعبر من كل مثل ضربناه» ، ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة، التقدير «ولقد صرفنا كل مثل» ، وهذا كقوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] . وقوله فَأَبى عبارة عن تكسب الكفار الكفر وإعراضهم عن الإيمان، وفي العبارة يأبى تغليظ، والكفر بالخلق والاختراع هو من فعل الله تعالى، وبالتكسب والدؤوب هو من الإنسان، وكُفُوراً مصدر كالخروج. وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «حتى تفجّر» ، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى «تفجر» بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠] ، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و «الينبوع» الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله ﷺ بمكة، وإياها عنوا ب الْأَرْضِ، وإنما يراد بإطلاق لفظة الْأَرْضِ هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضا اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور «جنة» ، وقرأ «حبة» المهدوي، وقوله فَتُفَجِّرَ. تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، كغلقت الأبواب، وخِلالَها ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله ﷺ حديث طويل، مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وسادتها، اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه إن أراد الملك، أو يجمعوا له كثيرا من المال إن أراد الغنى، أو يطبوه إن كان به داء ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله ﷺ عند ذلك
стр. 1604
إلى الله، وقال «إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء» ، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقا ففجر ينبوعا ونؤمن لك، ولتكن لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «هذا كله إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله» ، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، فاختصرت لذلك. وقوله تعالى: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ الآية، قرأ الجمهور «أو تسقط» بضم التاء، «السماء» نصب، وقرأ مجاهد «أو تسقط السماء» برفع «السماء» وإسناد الفعل إليها، وقوله كَما زَعَمْتَ إشارة إلى ما تلي عليهم قبل ذلك في قوله إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [سبأ: ٩] ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «كسفا» بسكون السين إلا في الروم، فإنهم حركوها، ومعناه قطعا واحدا، قال مجاهد: السماء جميعا وتقول العرب: كسفت الثوب ونحوه قطعته، ف «الكسف» بفتح السين المصدر، والكسف الشيء المقطوع، قال الزجاج: المعنى أو تسقط السماء علينا قطعا، واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته.
قال القاضي أبو محمد: وليس بمعروف في دواوين اللغة كسف بمعنى غطى، وإنما هو بمعنى قطع، وكأن كسوف الشمس والقمر قطع منهما، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «كسفا» بفتح السين أي قطعا جمع كسفه، وقوله قَبِيلًا قيل معناه مقابلة وعيانا، وقيل معناه ضامنا وزعيما بتصديقك، ومنه القبالة وهي الضمان والقبيل، والمتقبل الضامن، وقيل معناه نوعا وجنسا لا نظير له عندنا، وقرأ الأعرج «قبلا» وقيل بمعنى المقابلة.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥)
قال المفسرون: «الزخرف» الذهب في هذا الموضع، والزخرف ما تزين به، كان بذهب أو غيره، ومنه حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها [يونس: ٢٤] وفي قراءة عبد الله بن مسعود «أو يكون لك بيت من ذهب» ، قال مجاهد ما كنا نعرف الزخرف حتى قرأنا في حرف عبد الله «من ذهب» ، وقوله فِي السَّماءِ يريد في الهواء علوا، والعرب تسمي الهواء علوا سماء لأنه في حيز السمو. ويحتمل أن يريدوا السماء المعروفة، وهو أظهر لأنه أعلمهم أن إله الخلق فيها وأنه تأتيه خبرها، وتَرْقى معناه تصعد، والرقي الصعود، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية، فإنه قال لرسول الله ﷺ :
أنا لا أؤمن لك حتى تأتي بكتاب أراك هابطا به فيه من الله إلى عبد الله بن أبي أمية، وروي أن جماعتهم طلبت هذا النحو منه، فأمره الله أن يقول سُبْحانَ رَبِّي أي تنزيها له من الإتيان مع
стр. 1605
الملائكة قبيلا، ومن أن يخاطبكم بكتاب كما أردتم، ومن أن اقترح أنا عليه هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر منكم، أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما علي التبليغ فقط، وقرأ ابن كثير وابن عامر «قال سبحان ربي» على معنى الخبر عن رسول الله ﷺ أنه سبح عند قولهم، وقوله تعالى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي ﵇ والبشر، كأنه يقول متعجبا منهم ما شاء الله كان، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة والاستبعاد الذي لا يستند إلى حجة، وبعثة البشر رسلا غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يسكنونها مُطْمَئِنِّينَ، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر فلو بعث إليهم ملك لنفرت طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله جري أحوالهم على معتادها.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٦ الى ٩٨]
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨)
روى البخاري أن الملأ من قريش الذين قالوا لرسول الله ﷺ المقالات التي تقدم ذكرها من عرض الملك عليه والغنى وغير ذلك، قالوا له في آخر قولهم: فلتجىء معك طائفة من الملائكة تشهد لك بصدقك في نبوتك، قال المهدوي: روي أنهم قالوا له: فمن يشهد لك؟.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى أقوالهم إنما هو طلب شهادة دون أن يذكروها، ففي ذلك نزلت الآية، أي الله يشهد بيني وبينكم الذي له الخبر والبصر لجميعنا صادقنا وكاذبنا، ثم رد الأمر إلى خلق الله تعالى واختراعه الهدى والضلال في قلوب البشر، أي ليس بيدي من أمركم أكثر من التبليغ، وفي قوله فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وعيد، ثم أخبر أنهم يحشرون على الوجوه عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا، وهذا قد اختلف فيه، فقيل هي استعارات إما لأنهم من الحيرة والهم والذهول يشبهون أصحاب هذه الصفات، وإما من حيث لا يرون ما يسرهم ولا يسمعونه ولا ينصفونه بحجة، وقيل هي حقيقة كلها، وذلك عند قيامهم من قبورهم، ثم يرد الله إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم، فعند رد ذلك إليهم يرون النار ويسمعون زفيرها ويتكلمون بكل ما حكي عنهم في ذلك، ويقال للمنصرف عن أمر خائفا مهموما: انصرف على وجهه، ويقال للبعير المتفه كأنما يمشي على وجهه، ومن قال ذلك في الآية حقيقة، قال: أقدرهم الله على النقلة على الوجوه، كما أقدر في الدنيا على النقلة على الأقدام، وفي هذا المعنى حديث قيل يا رسول الله: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين قادرا أن يمشيه في
стр. 1606
الآخرة على وجهه» ؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا، وقوله كُلَّما خَبَتْ أي كلما فرغت من إحراقهم فسكن اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون، ثم تثور، فتلك «زيادة السعير» قاله ابن عباس، فالزيادة في حيزهم، وأما جهنم فعلى حالها من الشدة لا يصيبها فتور، وخبت النار معناه سكن اللهيب والجمر على حاله، وخمدت معناه سكن الجمر وضعف، وهمدت معناه طفيت جملة، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الهزج]
أمن زينب ذي النار قبيل الصبح ما تخبو ... إذا ما خبت يلقى عليها المندل الرطب
ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف]
وسطة كاليراع أو سرج المج ... دل طورا تخبو وطورا تثير
ومنه قول القطامي:
فتخبو ساعة وتهب ساعا وقوله ذلِكَ جَزاؤُهُمْ الآية، الإشارة إلى الوعيد المتقدم بجهنم، وقوله بِآياتِنا يعم الدلائل والحجج التي جاء بها محمد ﵇، ويعم آيات القرآن وما تضمن من خبر وأمر ونهي، ثم عظم عليهم أمر إنكار البعث، وخصه بالذكر مع كونه في عموم الكفر بآيات القرآن، ووجه تخصيصه التعظيم له والتنبيه على خطارة الكفر في إنكاره، وقد تقدم اختلاف القراء في الاستفهامين في غير هذا الموضع، و «الرفات» بقية الشيء التي قد أصارها البلى إلى حال التراب، و «البعث» تحريك الشيء الساكن، وهذا الاستفهام منهم هو على جهة الإنكار والاستبعاد للحال بزعمهم.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٩ الى ١٠١]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١)
هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من البعث، وذلك أنهم قرروا على خلق الله تعالى واختراعه لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه من خمول العدم وينكرون إعادته للبعض؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل معجزاته بوقوع ذلك الجائز، و «الرؤية» في هذه الآية رؤية القلب، و «الأجل» هنا يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت، و «الأجل» على هذا التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد هذا الكلام بيان قدرة الله وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا هو، وقوله فَأَبَى عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفا، وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ
стр. 1607
تَمْلِكُونَ
الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهرا وإما مضمرا يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، ف أَنْتُمْ رفع على تبع الضمير، و «الرحمة» في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت رَحْمَةِ، والْإِنْفاقِ المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله «وكان الإنسان قتورا» أي ممسكا، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود: [الخفيف]
لا أعد الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس: هي يده ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب القرطبي: هي البحر والعصا والطمسة والحجر، وقال سألني عن ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبرته، فقال لي: وما الطمسة؟ فقلت دعا موسى وآمن هارون فطمس الله أموالهم وردها حجارة، فقال عمر: وهل يكون الفقه إلا هكذا؟ ثم دعا بخريطة فيها غرائب كانت لعبد العزيز بن مروان، جمعها بمصر، فاستخرج منها الحوزة والبيضة والعدسة وهي كلها حجر كانت من بقايا أموال آل فرعون، وقال الضحاك: هي إلقاء العصا مرتين، واليد، وعقدة لسانه، وقال عكرمة ومطر الوراق، والشعبي: هي العصا واليد والسنون ونقص الثمرات، وقال الحسن: هي العصا في كونها ثعبانا وتلقف العصا ما يأفكون، وقال ابن عباس: هي السنون في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا، وروى مطرف عن مالك أنها العصا، واليد، والجبل إذ نتق، والبحر، وروى ابن وهب عنه مكان البحر الحجر، والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى إذ هي كثيرة جدا تنيف على أربع وعشرين، تسعا بالذكر ووصفها بالبيان ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات موسى إنما أريد بها آيات التوراة التي هي أوامر ونواه، روى في هذا صفوان بن عسال، أن يهود المدينة قال لآخر: سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لا تقل إنه نبي، فإنه لو سمعك صار له أربع أعين، قال: فسارا إلى رسول الله ﷺ فسألاه، فقال «هن أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت» ، وقرأ الجمهور «فاسأل بني إسرائيل» وروي عن الكسائي «فسل» على لغة من قال سأل يسأل، وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى
الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال إِذْ جاءَهُمْ يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد فَسْئَلْ
стр. 1608
بَنِي إِسْرائِيلَ
الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزخرف: ٤٥] وهذا كما تقول لمن تعظه: سل الأمم الخالية هل بقي منها مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن: سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس «فسأل بني إسرائيل» أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب، وقوله مَسْحُوراً اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة هو مفعول على بابه، أي إنك قد سحرت، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وقال الطبري: هو مفعول بمعنى فاعل كما قال حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥] وكما قالوا مشؤوم وميمون وإنما هو شايم ويأمن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يتخرج إلا على النسب أي ذا سحر ملكته وعلمته، فأنت تأتي بهذه الغرائب لذلك، وهذه مخاطبة تنقص، فيستقيم أن يكون مَسْحُوراً مفعولا على ظاهره، وعلى أن يكون بمعنى ساحر يعارضنا ما حكي عنهم أنهم قالوا له على جهة المدح يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] فإما أن يكون القائلون هنالك ليس فيهم فرعون وإما أن يكون فيهم لكنه تنقل من تنقصه إلى تعظيمه، وفي هذا نظر.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٤]
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)
روي عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره أنه قرأ «علمت» بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول مَسْحُوراً [الإسراء: ١٠١] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور «لقد علمت» بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى ﵇ رماه بأنه يكفر عنادا، ومن قال بوقوع الكفر عنادا فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] ، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى ﵇ إبلاغا على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عنادا فإنما يجعل هذا خبرا من موسى عن علم فرعون، والإشارة ب هؤُلاءِ إلى التسع الآيات، وقوله بَصائِرَ جمع بصيرة، وهي الطريقة أي طرائق يهتدى بها، وكذلك غلب على البصيرة أنها تستعمل في طريقة النفس في نظرها واعتقادها، ونصب بَصائِرَ على الحال، و «المثبور» المهلك، قاله مجاهد، وقال ابن عباس والضحاك هو المغلوب، وقال ابن زيد هو المخبول، وروي عن ابن عباس أنه فسره بالملعون، وقال بعض العلماء: كان موسى عليه
стр. 1609
السلام في أول أمره يجزع، ويؤمر بالقول اللين، ويطلب الوزير، فلما تقوت نفسه بقوى النبوءة، تجلد وقابل فرعون بأكثر مما أمره به بحسب اجتهاده الجائر له، قال ابن زيد: اجترأ موسى أن يقول له فوق ما أمره الله به، وقالت فرقة بل «المثبور» المغلوب المختدع، وما كان موسى ﵇ ليكون لعانا، ومن اللفظة قول عبد الله بن الزبعرى: [الخفيف]
إذا جاري الشيطان في سنن الغ ... ي ومن مال ميله مثبورا
وقوله فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ الآية، يَسْتَفِزَّهُمْ معناه يستخفهم ويقلعهم، إما بقتل أو بإجلاء، والْأَرْضِ أرض مصر، وقد تقدم أنه متى ذكرت الأرض عموما فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض القصص.
قال القاضي أبو محمد: واقتضبت هذه الآية قصص موسى مع فرعون وإنما ذكرت عظم الأمر وخطيره، وذلك طرفاه، أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء الأمر «فأغرقه» الله وأغرق جنوده وهذا كان نهاية الأمر، ثم ذكر تعالى أمر «بني إسرائيل» بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام، ووَعْدُ الْآخِرَةِ هو يوم القيامة، و «اللفيف» الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض، فليس ثم قبائل ولا انحياز، قال بعض اللغويين: هو من أسماء الجموع ولا واحد له من لفظه، وقال الطبري هو بمعنى المصدر كقول القائل لففته لفا ولَفِيفاً وفي هذا نظر فتأمله.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٨]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨)
الضمير في قوله أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن المذكور، وفي قوله وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الإسراء: ٨٩] ويجوز أن يكون الكلام آنفا. وأشار بالضمير إلى القرآن على ذكر متقدم لشهرته، كما قال حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] .
وهذا كثير، قال الزهراوي: معناه بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس بِالْحَقِّ في نفسه، وقوله وَبِالْحَقِّ نَزَلَ، يريد بِالْحَقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره فبهذا التأويل يكون تكرار اللفظ لمعنى غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره وبذلك نزل، وقوله وَقُرْآناً مذهب سيبويه أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعد، أي «وفرقنا قرآنا» ، ويصح أن يكون معطوفا على الكاف في أَرْسَلْناكَ من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا لمعنى واحد، وقرأ جمهور من الناس «فرقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقانا، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد «فرّقناه» بتشديد الراء، إلا أن
стр. 1610
في قراءة ابن مسعود وأبيّ «فرقناه عليه لتقرأه» أي أنزلناه شيئا بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة، وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله ﷺ ، وذلك أن الوحي بدأ وهو ابن أربعين، وتم بموته، وحكى الطبري عن الحسن البصري أنه قال: نزل القرآن في ثمان عشرة سنة، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن والله أعلم، وتأولت فرقة قوله عَلى مُكْثٍ
أي على ترسل في التلاوة، وهو ترتيل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد، والتأويل الآخر أي عَلى مُكْثٍ وتطاول في المدة شيئا بعد شيء، وقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية، وأجمع القراء على ضم الميم من مُكْثٍ، ويقال مكث ومكث بفتح الميم ومكث بكسرها، وقوله قُلْ آمِنُوا بِهِ الآية تحقير للكفار، وفي ضمنه ضرب من التوعد، والمعنى أنكم لستم بحجة، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم، وإنما ضرّ ذلك على أنفسكم، وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة، واختلف الناس في المراد ب الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ، فقالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب وقالت فرقة: هم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ومن جرى مجراهما.
وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي ﷺ وما أنزل عليه، وقرئ عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا لله، وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح، فنزلت الآية فيهم، وقالت فرقة: المراد ب الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ محمد ﷺ ، والضمير في قَبْلِهِ عائد على القرآن حسب الضمير في بِهِ، ويبين ذلك قوله إِذا يُتْلى، وقيل الضميران لمحمد. واستأنف ذكر القرآن في قوله إِذا يُتْلى، وقوله لِلْأَذْقانِ أي لناحيتها، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما، وعليهما قال ابن عباس: المعنى للوجوه، وقال الحسن: المعنى للحى، و «الأذقان» أسافل الوجوه حيث يجتمع اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده، وقال الشاعر: [الطويل]
فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم ... سباع من الطير العوادي وتنتف
وإِنْ في قوله إِنْ كانَ هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة، واللام بعدها لام التوكيد، وهي عند الفراء النافية، واللام بمعنى إلّا، ويتوجه في هذه الآية معنى آخر وهو أن يكون قوله آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا مخلصا للوعيد دون التحقير، والمعنى فسترون ما تجازون به، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن تقدم من أهل الكتاب، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة في الجملة، إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا.
قوله :
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)
стр. 1611
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه الرتبة، وحكى الطبري عن التميمي أنه قال: إن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية كلها، وقوله قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله ﷺ يدعو «يا الله يا الرحمن» ، فقالوا كان محمد أمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس، وقال مكحول: تهجد رسول الله ﷺ ليلة، فقال في دعائه «يا رحمن يا رحيم» ، فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة، فنزلت مبينة أنها لمسمى واحد، فإن دعوتموه بالله فهو ذلك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف «أيّا ما تدعوا فله الأسماء» ، أي وله سائر الأسماء الحسنى، أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم الله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث، وقد روي أن لله تسعة وتسعين اسما الحديث، ونصها كلها الترمذي وغيره بسند، وتقدير الآية أي الأسماء تدعوا به فأنت مصيب له الأسماء الحسنى، ثم أمر رسول الله ﷺ أن «لا يجهر» بصلاته وأن «لا يخافت بها» ، وهو الإسرار الذي لا يسمعه المتكلم به، هذه هي حقيقته، ولكنه في الآية عبارة عن خفض الصوت وإن لم ينته إلى ما ذكرناه، واختلف المتأولون في الصلاة ما هي؟ فقال ابن عباس وعائشة وجماعة: هي الدعاء، وقال ابن عباس أيضا: هي قراءة القرآن في الصلاة، فهذا على حذف مضاف، التقدير وَلا تَجْهَرْ بقراءة صلاتك، قال: والسبب أن رسول الله ﷺ جهر بالقرآن فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله ﷺ بالوسط، ليسمع أصحابه المصلون معه، ويذهب عنه أذى المشركين، قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم، فنزلت الآية في ذلك، وكان أبو بكر ﵁ يسر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي، وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع أنت قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا، وقالت عائشة أيضا: «الصلاة» يراد بها في هذه الآية التشهد، وقال ابن عباس والحسن: المراد والمعنى: ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر، بل اتبع طريقا وسطا يكون دائما في كل حالة، وقال ابن زيد: معنى الآية النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانا فيرفع الناس معه، ويخفض أحيانا فيسكت من خلفه، وقال ابن عباس في الآية: إن معناها وَلا تَجْهَرْ بصلاة النهار وَلا تُخافِتْ بصلاة الليل، واتبع سبيلا من امتثال الأمر كما رسم لك، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي، وقال عبد الله بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه، وما روي من أنه قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلا يرد هذا، ولكن الذي قال ابن مسعود هو أصل اللغة، ويستعمل الخفوت بعد ذلك في ارفع من ذلك، وقوله تعالى:
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الآية، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا: عزير وعيسى
стр. 1612
والملائكة ذرية لله عن أقوالهم، ورادة على العرب في قولهم لولا أولياء الله لذل وقيد لفظ الآية نفي الولاية لله بطريق الذل وعلى جهة الانتصار، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى من صالحي عباده، قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد، وقوله وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها بالمصدر تحقيقا لها وإبلاغا في معناها، وروى مطرف عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة.
نجز تفسير سورة سبحان والحمد لله رب العالمين
стр. 1613
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكهف
هذه السورة مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة أن أول السور نزل بالمدينة إلى قوله جُرُزاً [الكهف: ٨] والأول أصح، وهي من أفضل سور القرآن، وروي أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا:
أي سورة هي يا رسول الله؟ قال: سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، في رواية أنس، ومن قرأ بها أعطي نورا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤)
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥)
كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله عِوَجاً سكتة خفيفة، وعند مَرْقَدِنا [ص: ٥٢] في سورة يس، وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله ﷺ لما سألته قريش عن المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله ﷺ غدا أخبركم، بجواب سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله بأن استمسك الوحي عنه خمسة عشر يوما، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمدا قد تركه ربه الذي كان يأتيه من الجن، وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله تعالى عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا كما تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل بي كذا على جهة النقمة عليه، والْكِتابَ هو القرآن، وقوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً أي لم يزله عن طريق الاستقامة، و «العوج» فقد الاستقامة، وهو بكسر العين في الأمور والطرق وما لا يحس متنصبا شخصا، و «العوج» بفتح العين في الأشخاص كالعصا والحائط ونحوه، وقال ابن عباس: معناه ولم يجعله مخلوقا، وقوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
стр. 1614
عِوَجاً يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ولا اختلاف فيه. وقوله قَيِّماً نصب على الحال من الْكِتابَ، فهو بمعنى التقديم، مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب قيما، واعترض بين الحال وذي الحال قوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله قَيِّماً، وفي بعض مصاحف الصحابة «ولم يجعل له عوجا لكن جعله قيما» قاله قتادة، ومعنى «قيم» مستقيم، هذا قول ابن عباس والضحاك، وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها، ذكره المهدوي، وهذا محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن يكون معنى «قيم» قيامه بأمر الله على العالم، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عما العالم. و «البأس الشديد» عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها، ونصبه على المفعول الثاني، والمعنى لينذر العالم، وقوله مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده ومن قبله، والضمير في لَدُنْهُ عائد على الله تعالى، وقرأ الجمهور من «لدنه» بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «من لدنه» بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء، وفي «لدن» لغات، يقال «لدن» مثل سبع، «ولدن» بسكون الدال «ولدن» بضم اللام، «ولدن» بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية على السكون، ويلحقها حذف النون مع الإضافة، وقرأ عبد الله وطلحة «ويبشر» بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقوله أَنَّ لَهُمْ أَجْراً تقديره بأن لهم أجرا، والأجر الحسن نعيم الجنة، ويتقدمه خير الدنيا، و، ماكِثِينَ حال من الضمير في لَهُمْ وأَبَداً ظرف لأنه دال على زمن غير متناه.
قال القاضي أبو محمد: وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشا بسؤال النبي ﷺ عن المسائل الثلاث، وينبغي أن تنص كيف كان ذلك.
ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند، أنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح. فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، وكان الأمر ما ذكرناه، وقوله وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ الآية، أهل هذه المقالة هم بعض اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وبعض العرب في الملائكة، والضمير في بِهِ يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه قالُوا المتقدم، وتكون جملة قوله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ في موضع الحال، أي قالوا جاهلين، ويحتمل أن يعود على «الولد» الذي ادعوه، فتكون الجملة صفة للولد، قاله المهدوي، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا القائل، وهم ليس في قصدهم أن يصفوه، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر الله تعالى بجهلهم في ذلك، فلا موضع للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يعود على الله ، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى بالجهل التام عليهم، وهو قول الطبري. وقوله وَلا لِآبائِهِمْ يريد الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم،
стр. 1615
وقرأ الجمهور «كبرت كلمة» بنصب الكلمة، كما تقول نعم رجلا زيد، وفسر «الكلمة» ووصفها بالخروج من أفواههم، وقال بعضهم: نصبها على التفسير على حد نصب قوله تعالى وَساءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف: ٢٩] وقالت فرقة نصبها على الحال، والتقدير كَبُرَتْ فريتهم أو نحو هذا كَلِمَةً، وسميت هذه الكلمات كَلِمَةً من حيث هي مقالة واحدة، كما يقولون للقصيدة كلمة، وهذه المقالة قائمة في النفس معنى واحدا، فيحسن أن تسمى كلمة، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير «كبرت كلمة» برفع الكلمة على أنها فاعلة ب كَبُرَتْ، وقوله إِنْ يَقُولُونَ أي ما يقولون.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦ الى ٩]
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩)
هذه الآية تسلية للنبي ﵇، وقوله فَلَعَلَّكَ تقرير وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن كلذلك، و «الباخع نفسه» هو مهلكها وجدا وحزنا على أمر ما، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
يريد نحته فخفف وقوله عَلى آثارِهِمْ، استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان، وإعراض عن الشرع فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله بِهذَا الْحَدِيثِ أي بالقرآن الذي يحدثك به، وأَسَفاً نصب على المصدر، قال الزجاج: و «الأسف» المبالغة في حزن أو غضب.
قال القاضي أبو محمد: و «الأسف» في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا يملكه ولا هو تحت يد الأسف ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه لكان غضبا، كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا [الزخرف: ٥٥] أي أغضبونا وإذا تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره منذر بن سعيد وقال قتادة: هنا أَسَفاً غضبا، قال مجاهد أَسَفاً جزعا وقال قتادة أيضا: حزنا، ومن هذه اللفظة قول الأعشى:
[الطويل]
أرى رجلا منكم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفّا مخضبا
يريد حزينا كأنه مقطوع اليد، وقوله إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً، الآية بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحانا وخبرة، واختلف في المراد ب ما، فقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد الرجال وقاله مجاهد، وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء، وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكل ما لا زين فيه كالحيات والعقارب، وقالت
следующие страницы →