Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وقالت فرقة إن هلك يتعدى، تقول أهلكت الرجل وهلكته بمعنى واحد، وأنشد أبو علي في ذلك: [الرجز] ومهمه هالك من تعرجا فعلى هذا يكون المصدر في كل وجه مضافا إلى المفعول، وقوله وَإِذْ قالَ مُوسى الآية ابتداء قصة ليست من الكلام الأول، المعنى: اذكر واتل، ومُوسى هو موسى بن عمران بمقتضى الأحاديث والتواريخ وبظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران ولو كان في هذه الآية غيره لبينه، وقالت فرقة منها نوف البكالي أنه ليس موسى بن عمران، وهو موسى بن مشنى، ويقال ابن منسى، وأما «فتاه» فعلى قول من قال موسى بن عمران، فهو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب، وأما من قال هو موسى بن مشنى فليس الفتى يوشع بن نون، ولكنه قول غير صحيح، رده ابن عباس وغيره و «الفتي» في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا، قيل للخادم فتى، على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي ﷺ : «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي» ، فهذا ندب إلى التواضع، و «الفتى» في الآية هو الخادم، ويوشع بن نون يقال هو ابن أخت موسى ﵇، وسبب هذه القصة فيما روي عن النبي ﷺ أن موسى جلس يوما في مجلس لبني إسرائيل، وخطب فأبلغ، فقيل له هل تعلم أحدا أعلم منك قال لا، فأوحى الله إليه بلى:
عبدنا خضر، فقال يا رب دلني على السبيل إلى لقيه، فأوحى الله إليه أن يسير بطول سيف البحر حتى يبلغ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ فإذا فقدت الحوت فإنه هنالك، وأمر أن يتزود حوتا، ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ذلك وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة لا أَبْرَحُ أسير، أي لا أزال، وإنما قال هذه المقالة وهو سائر، ومن هذا قول الفرزدق: [الطويل]
فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ... ببطحاء ذي قار عياب اللطائم
وذكر الطبري عن ابن عباس: قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت الحال خطب يوما، فذكر بآلاء الله وأيامه عند بني إسرائيل، ثم ذكر نحو ما تقدم، وما مر بي قط أن موسى ﵇ أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام، وما أراه يصح، بل المتظاهر أن موسى مات بفحص التيه قبل فتح ديار الجبارين، وفي هذه القصة من الفقه الرحلة في طلب العلم، والتواضع للعالم، وقرأ الجمهور «مجمع» بفتح الميمين، وقرأ الضحاك «مجمع» بكسر الميم الثانية، واختلف الناس في مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أين هو؟ فقال مجاهد وقتادة هو مجتمع بحر فارس وبحر الروم.
قال القاضي أبو محمد: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام، هو مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
هو عند طنجة وهو حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه السائر من دبور إلى صبا. وروي عن أبي بن كعب أنه قال مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ بإفريقية، وهذا يقرب من الذي قبله، وقال بعض أهل العلم هو بحر الأندلس من البحر المحيط، وهذا كله واحد حكاه النقاش وهذا مما يذكر كثيرا، ويذكر أن القرية التي أبت أن تضيفهما هي الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ يريد بحرا ملحا وبحرا عذبا، فعلى هذا إنما كان
стр. 1647
الخضر عند موقع نهر عظيم في البحر، وقالت فرقة البحران إنما هما كناية عن موسى والخضر، لأنهما بحرا علم، وهذا قول ضعيف والأمر بين من الأحاديث أنه إنما رسم له ماء بحر، وقوله أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً معناه أو أمضي على وجهي زمانا، واختلف القراء، فقرأ الحسن والأعمش وعاصم «حقبا» بسكون القاف، وقرأ الجمهور «حقبا» بضمه، وهو تثقيل حقب، وجمع الحقب أحقاب، واختلف في الحقب، فقال عبد الله بن عمرو ثمانون سنة، وقال مجاهد سبعون، وقال الفراء «الحقب» سنة واحدة وقال ابن عباس وقتادة أزمان غير محدودة وقالت فرقة «الحقب» جمع حقبة، وفي السنة كأنه قال أو أمضي سنين.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦١ الى ٦٥]
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)
الضمير في قوله بَيْنِهِما للبحرين، قاله مجاهد، وقيل هو لموسى والخضر، والأول أصوب، وقرأ عبيد الله بن مسلم «مجمع» بكسر الميم الثانية، وقال نَسِيا وإنما كان النسيان من الفتى وحده، نسي أن يعلم موسى بما رأى من حاله من حيث كان لهما زادا، وكانا بسبب منه فنسب فعل الواحد فيه إليهما، وهذا كما تقول فعل بنو فلان لأمر إنما فعله منهم بعض، وروي في الحديث أن يوشع رأى الحوت قد حش من المكتل إلى البحر فرآه قد اتخذ السرب، وكان موسى نائما فأشفق أن يوقظه، وقال أؤخر حتى يستيقظ، فلما استيقظ نسي يوشع أن يعلمه، ورحلا حتى جاوزا «والسبيل» : المسلك، و «السرب» : المسلك في جوف الأرض، فشبه به مسلك الحوت في الماء حين لم ينطبق الماء بعده، بل بقي موضع كالطاق وهذا الذي ورد في الحديث عن النبي ﷺ ، وقاله جمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغا، وقال قتادة، صار موضع سلوكه حجرا صلدا. وقال ابن زيد إنما اتخذ سَبِيلَهُ سَرَباً في البر حتى وصل إلى البحر ثم عام على العادة.
قال القاضي أبو محمد: وهؤلاء يتأولون سَرَباً بمعنى تصرفا وجولانا من قولهم فحل سارب، أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى: وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [الرعد: ١٠] ، أي متصرف وقالت فرقة اتخذ سَرَباً في التراب من المكتل إلى البحر، وصادف في طريقه حجرا فثقبه، وظاهر الأمر أن السرب، إنما كان في الماء، ومن غريب ما روي في البخاري عن ابن عباس من قصص هذه الآية أن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست قط شيئا إلا حيي، ومن غريبه أيضا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرا طريقا، وأن موسى مشى عليه متبعا للحوت حتى أفضى ذلك
стр. 1648
الطريق إلى الجزيرة في البحر وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر، يدل على ذلك قوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً وروي في قوله فَلَمَّا جاوَزا أن موسى ﵇ نزل عند صخرة عظيمة في ضفة البحر، فنسي يوشع الحوت هنالك، ثم استيقظ موسى ورحلا مرحلة بقية الليل وصدر يومهما، فجاع موسى ولحقه تعب الطريق، فاستدعى الغداء، قال أبي ﵁ سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم، و «النصب» التعب والمشقة، وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير «نصبا» بضم النون والصاد، ويشبه أن يكون جمع نصب وهو تخفيف نصب وقوله أَرَأَيْتَ الآية حكى الطبري عن فرقة أنها قالت الصخرة هي الشام عند نهر الذيب، وقد تقدم ذكر الخلاف في موضع هذه القصة، وقوله نَسِيتُ الْحُوتَ يريد نسيت ذكر ما جرى فيه لك، وأما الكسائي وحده «أنسانيه» ، وقرأت فرقة «أنسانيه» وقرأ ابن كثير في الوصل «أنسانيهي» بياء بعد الهاء، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وما أنسانيه أن أذكركه إلا الشيطان» . وقوله أَنْ أَذْكُرَهُ بدل من الْحُوتَ بدل اشتمال، وقوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس، ويحتمل أن يكون قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ تام الخبر، فاستأنف التعجب فقال من قبل نفسه:
عَجَباً لهذا الأمر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ذلك، قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته، أتيت به فإذا هو شقة حوت، وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء.
قال القاضي أبو محمد: وأنا رأيته والشق الذي فيه شيء عليه قشرة رقيقة يشق تحتها شوكة وشقه الآخر، ويحتمل أن يكون قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ الآية إخبار من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البرح عجبا أي تعجب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس، وقرأ أبو حيوة «واتخاذ سبيله» فهذا مصدر معطوف على الضمير في أَذْكُرَهُ، وقوله تعالى:
قالَ ذلِكَ الآية، المعنى قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم، فرجعا يقصان أثرهما لئلا يخطئان طريقهما، وقرأ الجمهور «نبغي» بثبوت الياء، وقرأ عاصم وقوم «نبغ» دون ياء، وكان الحسن يثبتها إذا وصل ويحذفها إذا وقف، و «قص الأثر» اتباعه وتطلبه في موضع خفائه، و «العبد» هو الخضر في قول الجمهور بمقتضى الأحاديث، وخالف من لا يعتد بقوله فقال ليس، صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر، والخضر نبي عند الجمهور، وقيل هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله، وروي في الحديث أن موسى ﵇ وجد الخضر مسجى في ثوبه مستلقيا على الأرض فقال له السلام عليك، فرفع الخضر رأسه وقال وأنى بأرضك السلام؟ ثم قال له من أنت؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، قال له ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا؟ قال بلى، ولكني أحببت لقاءك، وأن أتعلم منك، قال له إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا.
قال القاضي أبو محمد: كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها. وكان علم موسى ﵇ علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. وروي أن موسى
стр. 1649
وجد الخضر قاعدا على تيح البحر، وسمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة يابسة فاهتزت تحته خضراء، روي ذلك عن النبي ﷺ ، و «الرحمة» في هذه الآية النبوءة، وقد ذكرنا الحديث المضمن أن سبب هذه القصة أن موسى ﵇، قيل له تعلم أحدا أعلم منك، قال: لا، وحكى الطبري حديثا آخر، مضمنه: أن موسى ﵇ قال: من قبل نفسه: أي رب، أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة خير تهديه، قال رب فهل في الأرض أحد؟ قال نعم فسأل السبيل إلى لقيه، والحديث الأول في صحيح البخاري، وقرأ الجمهور «من لدنّا» بتشديد النون وقرأ أبو عمرو من «لدنا» بضم الدال وتخفيف النون، قال أبو حاتم هما لغتان.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٦ الى ٧٣]
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣)
هذه مخاطبة المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف عليك، وهذا كما في الحديث «هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ» وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً [المائدة: ١١٢] وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم «رشدا» بضم الراء والشين، وقرأ أبو عمرو «رشدا» بفتح الراء والشين، ونصبه على وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا ثانيا ب تُعَلِّمَنِ والآخر أن يكون حالا من الضمير في قوله أَتَّبِعُكَ ثم قال الخضر، إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أي إنك يا موسى، لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي، لأن الظواهر التي علمك لا تعطيه، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما تراه خطأ، ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب، فقرب له موسى الأمر بوعده أنه سيجده، ثم استثنى حين حكم على نفسه بأمر فقوى الخضر وصاته وأمره بالإمساك عن السؤال والإكنان لما يراه حتى يبتدئه الخضر لشرح ما يجب شرحه، وقرأ نافع فلا «تسألنّي» بفتح اللام، وتشديد النون وإثبات الياء وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه حذف الباء فقال «تسألنّ» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي «تسألني» بسكون اللام وثبوت الياء، وقرأ الجمهور «خبرا» بسكون الباء، وقرأ الأعرج «خبرا» بضمها، وقوله فَانْطَلَقا روي عن النبي ﷺ أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة، فعرف الخضر فحملا بغير قول إلى مقصد أمه الخضر، وعرفت السَّفِينَةِ بالألف واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها، فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب في جنب السفينة حتى قلع به، فيما روي لوحين من ألواحها فذلك هو معنى خَرَقَها فلما
стр. 1650
رأى ذلك موسى غلبه ظاهر الأمر على الكلام حين رأى فعلا يؤدي إلى غرفة جميع من في السفينة، فوقفه بقوله أَخَرَقْتَها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «لتغرق أهلها» بالتاء وقرأ أبو رجاء «لتغرّق» بشد الراء وفتح الغين، وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» برفع الأهل، وإسناد الفعل إليهم و «الإمر» الشنيع من الأمور كالداهية والإد ونحوه، ومنه أمر أمر ابن أبي كبشة ومنه أمر القوم إذا كثروا، وقال مجاهد «الإمر» المنكر.
قال القاضي أبو محمد: والأمر أخص من المنكر، فقال الخضر مجاوبا لموسى: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فتنبه موسى لما أتى معه، فاعتذر بالنسيان، وذلك أنه نسي العهد الذي كان بينهما، هذا قول الجمهور، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا» ، وفيه عن مجاهد أنه قال «كانت الأولى نسيانا» ، والثانية شرطا، والثالثة عمدا، وهذا كلام معترض لأن الجميع شرط ولأن العمد يبعد على موسى ﵇، وإنما هو التأويل إذ جنب صيغة السؤال أو النسيان، وروى الطبري عن أبي بن كعب أنه قال: إن موسى ﵇ لم ينس، ولكن قوله هذا من معاريض الكلام، ومعنى هذا القول صحيح، والطبري لم يبينه، ووجهه عندي أن موسى ﵇ إنما رأى العهد في أن يسأل ولم ير إنكار هذا الفعل الشنيع سؤالا بل رآه واجبا، فلما رأى الخضر قد أخذ العهد على أعم وجوهه فضمنه السؤال والمعارضة والإنكار وكل اعتراض إذ السؤال أخف من هذه كلها أخذ معه في باب المعاريض، التي هي مندوحة عن الكذب، فقال له لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولم يقل له: إني نسيت العهد، بل قال لفظا يعطي للمتأول أنه نسي العهد، ويستقيم أيضا تأويله وطلبه، مع أنه لم ينس العهد لأن قوله لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ كلام جيد طلبه، وليس فيه للعهد ذكر هل نسيه أم لا، وفيه تعريض أنه نسي العهد، فجمع في هذا اللفظ بين العذر والصدق وما يخل بهذا القول إلا أن الذي قاله وهو أبي بن كعب روى عن النبي ﷺ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا» وتُرْهِقْنِي معناه تكلفني وتضيف علي ومما قص من أمرهما، أنهما لما ركبا السفينة وجرت، نزل عصفور على جنب السفينة، فنقر في الماء نقرة، فقال الخضر لموسى، ماذا ترى هذا العصفور نقص من ماء البحر؟ فقال موسى قليلا، فقال: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من ماء البحر.
قال القاضي أبو محمد: فقيل معنى هذا الكلام وضع العلم موضع المعلومات، وإلا فعلم الله تعالى يشبه بمتناه إذ لا يتناهى، والبحر لو فرضت له عصافير على عدد نقطه لانتهى، وعندي أن الاعتراض باق لأن تناهي معلومات الله محال، إذ يتناهى العلم بتناهي المعلومات، وقيل فرارا عن هذا الاعتراض، يحتمل أن يريد من علم الله الذي أعطاه العلماء قبلهما، وبعدهما إلى يوم القيامة، فتجيء نسبة علمهما إلى البشر نسبة تلك النقطة إلى البحر، وهذا قول حسن لولا أن في بعض طرق الحديث «ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كنقرة هذا العصفور» ، فلم يبق مع هذا إلا أن يكون التشبيه بتجوز، إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء إذ لا يوجد لها إلى البحر نسبة معلومة، ولم يعن الخضر لتحرير موازنة بين المثال وبين علم الله تعالى.
стр. 1651
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٤ الى ٧٨]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)
فَانْطَلَقا في موضع نزولهما من السفينة، فمرا بغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى غلام حسن الهيئة وضيء، فاقتلع رأسه، ويقال رضه بحجر، ويقال ذبحه وقال بعض الناس كان الغلام لم يبلغ الحلم، ولذلك قال موسى زَكِيَّةً أي لم تذنب، وقالت فرقة بل كان بالغا شابا، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية: [الطويل] غلام إذا هز القناة سقاها وهذا في صفة الحجاج، وفي الخبر أن هذا الغلام، كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر ونافع والجمهور «زاكية» ، وقرأ الحسن وعاصم والجحدري «زكية» والمعنى واحد، وقد ذهب القوم إلى الفرق وليس ببين، وقوله بِغَيْرِ نَفْسٍ يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، ولا بغير نفس وقرأ الجمهور «نكرا» وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وشيبة «نكرا» بضم الكاف واختلف عن نافع، ومعناه: شيئا ينكر، واختلف الناس أيهما أبلغ قوله إِمْراً [الكهف: ٧١] أو قوله نُكْراً فقالت فرقة هذا قتل بين، وهناك مترقب ف نُكْراً أبلغ وقالت فرقة هذا قتل واحد، وذلك قتل جماعة ف إِمْراً [الكهف: ٧١] أبلغ وعندي أنهما المعنيين، قوله إِمْراً [الكهف: ٧١] أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، ونُكْراً أبين في الفساد لأن مكروهه قد وقع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله نُكْراً وقوله أَلَمْ أَقُلْ لَكَ زجر وإغلاظ ليس في قوله أولا أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وقوله بعد هذا يُرِيدُ بعدها القصة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح، من حيث كانت في ضمن القول، وقرأ الجمهور «فلا تصاحبني» ورواها أبي عن النبي ﷺ وقرأ عيسى ويعقوب «فلا تصحبني» ، وقرأ عيسى أيضا «فلا تصحبني» بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو، والمعنى فلا تصحبني علمك، وقرأ الأعرج «فلا تصحبنّي» : بفتح التاء والباء وشد النون، وقوله قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي قد أعذرت إلي، وبلغت إلى العذر من قبلي، ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام التلوم ثلاثة فتأمله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من
стр. 1652
«لدنّي» بفتح اللام وضم الدال وشد النون. وهي «لدن» اتصلت بها نون الكناية التي في ضربني ونحوه، فوقع الإدغام، وهي قراءة النبي ﷺ ، وقرأ نافع وعاصم «لدني» كالأولى إلا أن النون مخففة، فهي «لدن» اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه، وقرأ أبو بكر عن عاصم «لدني» بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وهي تخفيف «لدني» التي ذكرناها قبل هذه وروي عن عاصم «لدني» بضم اللام وسكون الدال قال ابن مجاهد وهي غلط قال أبو علي هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة، وقرأ الحسن «لدني» بفتح اللام وسكون الدال، وقرأ الجمهور «عذرا» وقرأ أبو عمرو وعيسى «عذرا» بضم الدال، وحكى الداني أن أبي روى عن النبي ﷺ «عذري» بكسر الراء وياء بعدها وأسند الطبري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لأحد بدأ بنفسه، فقال يوما رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً وفي البخاري عن النبي ﷺ قال: يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص علينا من أمرهما، وروي في تفسير هذه الآية أن الله جعل هذه الأمثلة التي وقعت لموسى مع الخضر، حجة على موسى وعجبا له، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة، نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم، فلما أنكر أمر الغلام، قيل له أين إنكارك هذا من وكرك للقبطي
وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البير لبنات شعيب دون أجر؟ وقوله: فَانْطَلَقا يريد انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من علم الله فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا، وفي حديث:
أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم، وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله، واختلف الناس في «القرية» : فقال محمد بن سيرين هي الأبلة. وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء، وقالت فرقة هي أنطاكية، وقالت فرقة هي برقة، وقالت فرقة هي بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة هي أبو حوران، وهي بناحية أذربيجان.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الجمهور «يضيّفوهما» بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء «يضيفوهما» ، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش «فأبوا أن يطعموهما» ، وقوله في الجدار يُرِيدُ استعارة، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكان الجماد إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، فمن ذلك قول الأعشى: [البسيط]
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فأسند النهي إلى الطعن. ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر]
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
стр. 1653
ومنه قول عنترة: [الكامل] وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقد فسر هذا المعنى بقوله لو كان يدري ما المحاورة البيت، ومنه قول الناس: داري تنظر إلى دار فلان، ومنه قول النبي ﷺ ، لا تتراءى نارهما، وهذا كثير جدا وقرأ الجمهور «ينقض» أي يسقط، وقرأ النبي ﷺ فيما روي عنه «أن ينقض» بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ وعكرمة «أن يناقص» ، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولا، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولا، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل]
فراق كقيص السن فالصبر انه ... لكل أناس عبرة وحبور
ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش «يريد لينقض» واختلف المفسرون في قوله فَأَقامَهُ فقالت فرقة هدمه وقعد يبنيه، ووقع هذا في مصحف ابن مسعود، ويؤيد هذا التأويل قول، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً لأنه فعل يستحق أجرا، وقال سعيد بن جبير مسحه بيده وأقامه فقام.
قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا حديث وهو الأشبه بأفعال الأنبياء ﵈ فقال موسى للخضر: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي طعاما تأكله، وقرأ الجمهور «لتخذت» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لتخذت» وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم، ومن قولهم تخذ قول الشاعر [المزق] : [الطويل]
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيقا كأفحوص القطاة المطرق
وفي حرف أبي بن كعب: «لو شئت لأوتيت عليه أجرا» ، ثم قال الخضر لموسى بحسب شرطهما هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ واشترط الخضر، وأعطاه موسى أن لا يقع سؤال عن شيء، والسؤال أقل وجوه الاعتراضات، فالإنكار والتخطئة أعظم منه، وقوله لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وإن لم يكن سؤالا ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر، وفي ذلك تخطئة ترك الأجر، والبين الصلاح، الذي يكون بين المصطحبين ونحوهما، وذلك مستعار فيه من الظرفية، ويستعمل استعمال الأسماء، وأما فصله، وتكريره بَيْنِي وَبَيْنِكَ وعدوله عن بيننا، فلمعنى التأكيد، والسين في قوله سَأُنَبِّئُكَ مفرقة بين المحاورتين والصحبتين، ومؤذنة بأن الأولى قد انقطعت، ثم أخبره في مجلسه ذلك وفي مقامه بِتَأْوِيلِ تلك القصص والتأويل هنا المآل.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩)
قرأ الجمهور «لمساكين» بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت
стр. 1654
لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم ب «مساكين» ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة:
كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة «لمساكين» بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد ب «المساكين» ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع «مساكين» ، وقالت فرقة: أراد «المسّاكين» دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك.
قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن المسكين الذي له البلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالا من الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر: [البسيط]
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جدا، ومع المسكنة انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلها الله صنفين، في قسم الصدقات، فأما حديث النبي ﷺ الذي هو: «ليس المسكين بهذا الطواف» . فجعل المساكين في اللغة أهل الحاجة الذين قد كشفوا وجوههم، وأما قول الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا [البقرة: ٢٧٣] . فجعل الفقراء أهل الحاجة الذين لم يكشفوا وجوههم، وقد تقدم القول في هذه المسألة بأوعب من هذا. وقوله وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ قال قوم معناه أمامهم، وقالوا وراء من الأضداد، وقرأ ابن جبير وابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة» صحيحة وقرأ عثمان بن عفان «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» .
قال القاضي أبو محمد: وقوله وَراءَهُمْ هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعا بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ «أمامهم» ، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، مطرد على ما قلنا في الزمن، وقوله مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] مطرد كما قلنا مراعاة الزمن وقول النبي ﷺ «الصلاة أمامك» يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ قال قتادة أمامهم، ألا ترى أنه يقول مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] وهي بين أيديهم. وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج ويجوز إن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب، فكان وراءهم حقيقة، وقيل اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل اسمه الجلندا، وهذا كله غير ثابت، وقوله كُلَّ سَفِينَةٍ عموم
стр. 1655
معناه الخصوص في الجياد منها الصحاح المارة به.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٠ الى ٨٢]
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
تقدم القول في الْغُلامُ، والخلاف في بلوغه أو صغره، وفي الحديث: أن ذلك الغلام طبع يوم طبع كافرا، وهذا يؤيد ظاهره أنه كان غير بالغ، ويحتمل أن يكون خبرا عنه، مع كونه بالغا. وقيل اسم الغلام جيسور بالراء، وقيل جيسون بالنون، وهذا أمر كله غير ثابت، وقرأ أبي بن كعب: «فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين» ، وقرأ أبو سعيد الخدري «فكان أبواه مؤمنان» فجعلها كان التي فيها الأمر والشأن، وقوله فَخَشِينا قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود «فخاف ربك» وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى. فإن جميع ما في هذا كله، من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، ويُرْهِقَهُما معناه يحثهما ويكلفهما بشدة، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه، وقرأ الجمهور «أن يبدّلهما» بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن محيصن والحسن وعاصم «يبدلهما» بسكون الباء وتخفيف الدال، و «الزكاة» : شرف الخلق، والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية، و «الرحم» الرحمة، والمراد عند فرقة أي يرحمهما، وقيل أي يرحمانه، ومنه قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
يا منزل الرحم على إدريسا ... ومنزل اللعن على إبليسا
وقرأ ابن عامر «رحما» بضم الحاء، وقرأ الباقون «رحما» بسكونها، واختلف عن أبي عمرو، وقرأ ابن عباس «ربهما أزكى منه» وأَقْرَبَ رُحْماً وروي عن ابن جريج أنهما بدلا غلاما مسلما، وروي عن ابن جريج أنهما بدلا جارية، وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبيا، وذكره المهدوي عن ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، وروي عن ابن جريج أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملا بغلام مسلم، وقوله وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ هذان الغلامان صغيران، بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال ﷺ «لا يتم بعد بلوغ» . هذا
стр. 1656
الظاهر، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ أي كانا يتيمين على معنى التشفق عليهما، واختلف الناس في «الكنز» : فقال عكرمة وقتادة كان مالا جسيما، وقال ابن عباس كان علما في صحف مدفونة، وقال عمر مولى غفرة كان لوحا من ذهب قد كتب فيه عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبا للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح، وروي نحو هذا مما هو في معناه، قوله وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دنيّة، وقيل هو الأب السابع، وقيل العاشر، فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح، وفي الحديث «إن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته» ، وجاء في أنباء الخضر ﵇ في أول قصة فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الكهف: ٧٩] وفي الثانية فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما وفي الثالثة فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا وإنما انفرد أولا في الإرادة لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم ﵇ في قوله وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠] ، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند المرض إلى لنفسه، إذ هو معنى نقص ومصيبة، وهذا المنزع يطرد في فصاحة القرآن كثيرا، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ [الصف: ٥] ، وتقديم فعل الله تعالى في قوله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] ، وإنما قال الخضر في الثانية فَأَرَدْنا لأنه أمل قد كان رواه هو وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنى البديل لهما، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى. لأنها في أمر مستأنف في الزمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفادة هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد أيضا ذلك الذي أعلمه الله أنه يريده، فهذا توجيه فصاحة هذه العبارة بحسب فهمنا المقصر، والله أعلم، و «الأشد» كما الخلق والعقل واختلف الناس في قدر ذلك من السن، فقيل خمس وثلاثون، وقيل ست وثلاثون، وقيل أربعون، وقيل غير هذا مما فيه ضعف، وقول الخضر وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي يقتضي أن الخضر نبي، وقد اختلف الناس فيه: فقيل هو نبي، وقيل هو عبد صالح وليس بنبي، وكذلك جمهور الناس على أن الخضر مات ﷺ ، وتقول فرقة إنه حي، لأنه شرب من عين الحياة، وهو باق في الأرض، وأنه يحج البيت، وغير هذا، وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، كلها لا يقوم على ساق، ولو كان الخضر ﵇ حيا يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور والله العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره، ومما يقضي بموت الخضر الآن قول النبي ﷺ «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» ، وقوله ذلك تأويل أي مآل، وقرأت فرقة «تستطع» ، وقرأ الجمهور «تسطع» قال أبو حاتم كذا نقرأ «نتبع» المصحف، وانتزع الطبري من اتصال هذه القصة بقوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨] إن هذه القصة إنما جلبت على معنى المثل للنبي ﷺ في قومه أي لا تهتم بإملاء الله لهم وإجراء النعم لهم على ظاهرها، فإن البواطن سائرة إلى الانتقام منهم، ونحو هذا مما هو محتمل لكن بتعسف ما فتأمله.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦)
стр. 1657
اختلف فيمن سأله عن هذه القصة، فقيل سألته طائفة من أهل الكتاب، وروى في ذلك عقبة بن عامر حديثا ذكره الطبري وقيل إنما سألته قريش، حين دلتها اليهود على سؤاله عن الروح، والرجل الطواف، وفتية ذهبوا في الدهر ليقع امتحانه بذلك، و «ذو القرنين» : هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد تشدد قافه، فيقال المقدوني، وذكر ابن إسحاق في كتاب الطبري أنه يوناني، وقال وهب بن منبه هو رومي، وذكر الطبري حديثا عن النبي ﷺ «أن ذا القرنين شاب من الروم» وهو حديث واهي السند، فيه عن شيخين من تجيب، واختلف الناس في وجه تسميته ب ذِي الْقَرْنَيْنِ، فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين من شعر هما قرناه، فسمي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج
ومنه حديث في غسل بنت النبي ﷺ ، قالت أم عطية: فضفرنا رأسها ثلاثة قرون، وكثيرا تجيء تسمية النواصي قرونا، وروي أنه كان في أول ملكه يرى في نومه أنه يتناول الشمس، ويمسك قرنين لها بيديه، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب على ما ذرت عليه، وسمي «ذا القرنين» ، وقالت فرقة سمي «ذا القرنين» لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا، وقالت فرقة إنه بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرنيها، فسمي بذلك، أو قرني الشيطان بها، وقال وهب بن منبه: سمي بذلك لأن جنبتي رأسه كانتا من نحاس، وقال وهب بن منبه أيضا كان له قرنان تحت عمامته.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بعيد، وقال علي بن أبي طالب: إنما سمي «ذا القرنين» لأنه ضرب على قرن رأسه فمات. ثم حيي ثم ضرب على قرن رأسه الآخر فمات، فسمي بذلك لأنه جرح على قرني رأسه جرحين عظيمين في يومين عظيمين من أيام حربه فسمي بذلك، وهذا قريب، والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا، ودانت له الملوك كلها، فروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، والمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران نمرود وبخت نصر، وقوله وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً معناه علما في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء، وقوله كُلِّ شَيْءٍ عموم، معناه الخصوص في كل ما يمكن أن يعلمه ويحتاج إليه، وثم لا محالة أشياء لم يؤت منها سببا يعلمها به، واختلف في ذِي الْقَرْنَيْنِ فقيل هو نبي، وهذا ضعيف. وقيل هو ملك بفتح اللام، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلا يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. وروي عن النبي ﷺ أنه سئل عنه فقال «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب» . وقيل هو عبد ملك بكسر اللام صالح، نصح لله فأيده، قاله علي بن أبي طالب، وقال فيكم اليوم مثله، وعنى بذلك نفسه، والله أعلم. وقوله فَأَتْبَعَ سَبَباً الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «فاتّبع»
стр. 1658
بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «فأتبع» بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة «أتبع» بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و «اتبع» إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره.
قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: ١٠] ، وكقوله فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ [يونس: ٩٠] [طه: ٧٨] ، وكقوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ [الأعراف: ١٧٥] ، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت «اتّبع» بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و «السبب» في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «في عين حمئة» ، على وزن فعلة، أي ذات حماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في «عين حامية» ، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس «حمئة» ، وقال معاوية «حامية» ، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين: [الكامل]
قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك ويحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثاط حرمد
فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ «حامئة» ، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال «في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض» ، وروى أبو ذر أن رسول الله ﷺ نظر إلى الشمس عند غروبها فقال «أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ قلت لا، قال «إنها تغرب في عين حامية» ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و «حامية» هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن فِي بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي ل عَيْنٍ حَمِئَةٍ وقال بعضهم: قوله فِي عَيْنٍ إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: وقد يمكن أن تكون «حاميئة» مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بالقتل على الكفر وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً أي بالإجمال على الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين: إما أن تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن
стр. 1659
إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية.
قال القاضي أبو محمد: ولكن تقسيم ذِي الْقَرْنَيْنِ بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٧ الى ٩١]
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١)
ظَلَمَ في هذه الآية بمعنى كفر، ثم توعد الكافرين بتعذيبه إياهم قبل عذاب الله، وعقب لهم بذكر عذاب الله، لأن تعذيب ذي القرنين هو اللاحق عندهم، المحسوس لهم، الأقرب نكاية فلما جاء إلى وعد المؤمنين، قدم تنعيم الله تعالى الذي هو اللاحق عن المؤمنين، والآخر بإزائه حقير، ثم عبر أخيرا بذكر إحسانه في قول اليسر، وجعله قولا، إذ الأفعال كلها خلق الله تعالى، فكأنه سلمها، ولم يراع تكسبه، وقرأت فرقة «نكرا» بضم الكاف، وفرقة «نكرا» بسكون الكاف، ومعناه المنكر الذي تنكره الأوهام لعظمه وتستهوله، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر: جَزاءً الْحُسْنى بإضافة الجزاء إلى الْحُسْنى، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد ب الْحُسْنى الجنة، والجنة هي الجزاء، فأضاف ذلك كما قال «دار الآخرة» والدار هي الآخرة، والثاني أن يريد ب الْحُسْنى أعمالهم الصالحة في إيمانهم، فوعدهم بجزاء الأعمال الصالحة، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم «جزاء الحسنى» بنصب الجزاء على المصدر في موضع الحال، و «الحسنى» : ابتداء خبره في المجرور، ويراد بها الجنة، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق «جزاء» بالرفع والتنوين الْحُسْنى وقرأ ابن عباس ومسروق:
«جزاء» نصب بغير التنوين الْحُسْنى بالإضافة، قال المهدوي: ويجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم، وقرأ ابن القعقاع: «يسرا» بضم السين، وقوله ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده، فيجيء سبب الوصول، وكان ذو القرنين، على ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، والإعداد الموفي، والحزم المستيقظ المتقد، والتأييد المتواصل، وتقوى الله ، فما لقي أمة ولا مر بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته، وكل من عارضه أو توقف عن أمره جعله عظة وآية لغيره، وله في هذا المعنى أخبار كثيرة وغرائب. كرهت التطويل بها لأنها علم تاريخ. وقرأ الجمهور «مطلع» بكسر اللام، وقرأ الحسن بخلاف وابن كثير وأهل مكة «مطلع الشمس» بفتح اللام، و «القوم» : الزنج، قاله قتادة وهم الهنود وما وراءهم، وقال النقاش في قوله لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً معناه: أنه ليس لهم بنيان، إذ لا تحمل أرضهم البناء، وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب، وقيل يدخلون في ماء البحر، قاله الحسن وقتادة
стр. 1660
وابن جريج، وكثر النقاش في غيره في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها، لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترا كثيفا، وإنما هم في قبضة القدرة، سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن، ألا ترى أن الستر، عندنا نحن، إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلط الله علينا الشمس لأحرقتنا، فسبحان المنفرد بالقدرة التامة، وقوله كَذلِكَ معناه: فعل معهم كفعله مع الأولين أهل المغرب، فأوجز بقوله كَذلِكَ ثم أخبر الله تعالى عن إحاطته بجميع ما لدى ذي القرنين، وما تصرف من أفعاله ويحتمل أن يكون كَذلِكَ استئناف قول، ولا يكون راجعا على الطائفة الأولى، فتأمله، والأول أصوب.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٢ الى ٩٥]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥)
قرأت فرقة «اتّبع» بشد التاء، وقرأت فرقة «أتبع» بتخفيفها، وقد تقدم ذكره وهذه الآية تقتضي أنه لما بلغ مطلع الشمس، أي أدنى الأرض من مطلع الشمس، أَتْبَعَ بعد ذلك سَبَباً، أي طريقا آخر، فهو، والله أعلم، إما يمنة وإما يسرة من مطلع الشمس، و «السدان» فيما ذكر أهل التفسير، جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض، وبين طرفي الجبلين فتح، هو موضع الردم، قال ابن عباس: الجبلان اللذان بينهما السد: أرمينية وأذربيجان، وقالت فرقة: هما من وراء بلاد الترك، ذكره المهدوي.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير متحقق، وإنما هما في طريق الأرض مما يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ، أنه إلى ناحية الشمال، وأما تعيين موضع فيضعف، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم:
«السّدين» بضم السين، وكذلك «سدا» حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير «السّدين» بفتح السين وضم «سدا» في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح.
قال القاضي أبو محمد: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ «بين السّدين» بالضم وبعد ذلك «سدا» بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: وما رأته عيناك فهو «سد» بالضم، وما لا يرى فهو «سد» بالفتح، والضمير في دُونِهِما عائد على الجبلين، أي: وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس إلى المغرب، واختلف في القوم، فقيل: هم بشر، وقيل جن، والأول أصح من وجوه، وقوله لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ونحوها، وقرأ حمزة والكسائي «يفقهون» من أفقه، وقرأ
стр. 1661
الباقون «يفقهون» من فقه، والضمير في قالُوا: للقوم الذين من دون السدين، ويَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ:
قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعا كثيرة، اختلف الناس في عددها، فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه: منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف: عظام الآذان، الأذن الواحدة وبرة والأخرى زعرى يصيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه، واختلفت القراءة فقرأ عاصم وحده «يأجوج ومأجوج» بالهمز وقرأ الباقون: «يأجوج وماجوج» بغير همزة فأما من همز، فاختلف: فقالت فرقة: هو أعجمي علتاه في منع الصرف: العجمة والتأنيث، وقالت فرقة: هو معرب من أجج وأج، علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث، وأما من لم يهمز فإما أن يراهما اسمين أعجميين، وإما أن يسهل من الهمز، وقرأ رؤبة بن العجاج: «آجوج ومأجوج» بهمزة بدل الياء، واختلف الناس في «إفسادهم» الذي وصفوهم به، فقال سعيد بن عبد العزيز: «إفسادهم» : أكل بني آدم، وقالت فرقة «إفسادهم» إنما عندهم توقعا، أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم، وقالت فرقة: «إفسادهم» هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وهذا أظهر الأقوال، لأن الطائفة الشاكية إنما تشكت من ضرر قد نالها، وقولهم فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً استفهام على جهة حسن الأدب، و «الخرج» :
المجبي، وهو الخراج، وقال فوم: الخرج: المال يخرج مرة، والخراج المجبي المتكرر، فعرضوا عليه أن يجمعوا له أموالا يقيم بها أمر السد، قال ابن عباس خَرْجاً: أجرا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «خرجا» وقرأ حمزة والكسائي «خراجا» وهي قراءة طلحة بن مصرف والأعمش والحسن بخلاف عنه وروي في أمر يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح، وروي أيضا أن الذكر منهم لا يموت حتى يولد له ألف، والأنثى لا تموت حتى تخرج من بطنها ألف، فهم لذلك إذا بلغوا العدد ماتوا، ويروى أنهم يتناكحون في الطرق كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرتها لضعف صحتها وقوله قالَ ما مَكَّنِّي الآية، المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله لي من القدرة والملك، خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، وبعمل منكم بالأيدي، وقرأ ابن كثير «ما مكنني» بنونين، وقرأ الباقون «ما مكني» بإدغام النون الأولى في الثانية، وهذا من تأييد الله تعالى لذي القرنين، فإنه «تهدا؟؟؟» في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه، فإن القوم، لو جمعوا له خرجا لم يمنعه منهم أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوة أجمل به، وأمر يطاول مدة العمل، وربما أربى على المخرج، و «الردم» أبلغ من السد، إذ السد كل ما سد به، و «الردم» وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه: إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر:
[الكامل] هل غادر الشعراء من متردم أي من قول يركب بعضه على بعض.
قوله :
стр. 1662
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٦ الى ١٠٠]
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠)
قرأ عاصم وحمزة «ايتوني» بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي «آتوني» بمعني أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و «ايتوني» : أشبه بقوله:
فأعينوني بقوة، ونصب «الزبر» به على نحو قول الشاعر: أمرتك الخير، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور «زبر» بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور «ساوى» وقرأ قتادة «سوى» ، و «الصدفان» : الجبلان المتناوحان، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان لاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «الصّدفين» بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «الصّدفين» بضم الصاد والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون: بفتح الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة «بين الصّدفين» ، بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل «الصدفان» :
السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو من الأول، وقوله قالَ انْفُخُوا إلى آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها، حتى تحمى، ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو الرصاص أو بالحديد، بحسب الخلاف في القطر، فيفرغه، على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد استأنف وصف طاقة أخرى، إلى أن استوى العمل، وقرأ بعض الصحابة: «بقطر أفرغ عليه» ، وقال أكثر المفسرين:
«القطر» : النحاس المذاب، ويؤيد هذا ما روي أن رسول الله ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال كيف رأيته؟ قال رأيته كالبرد المحبر: طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء. فقال رسول الله ﷺ : قد رأيته، وقالت فرقة «القطر» :
الرصاص المذاب، وقالت فرقة الحديد المذاب، وهو مشتق من قطر يقطر، والضمير في قوله اسْتَطاعُوا ل يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] ، وقرأت فرقة «فما اسطاعوا» بسكون السين وتخفيف الطاء، وقرأت فرقة بشد الطاء، وفيها تكلف الجمع بين ساكنين ويَظْهَرُوهُ معناه: يعلونه بصعود فيه، ومنه في الموطأ:
والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، وَمَا اسطاعوا لَهُ نَقْباً لبعد عرضه وقوته ولا سبيل سوى هذين إما ارتقاء وإما نقب، وروي أن في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسين فرسخا، وروى غير هذا مما لا ثبوت له، فاختصرناه، إذ لا غاية للتخرص، وقوله في هذه الآية انْفُخُوا يريد بالأكيار، وقوله اسْطاعُوا بتخفيف الطاء، على قراءة الجمهور قيل هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء، فقالوا: اسْطاعُوا، وحذف بعضهم منه الطاء
стр. 1663
فقال: «استاع» يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده «فما اسطّاعوا» بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي: هي غير جائزة، وقرأ الأعمش: «فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا» بالتاء في الموضعين، وقوله هذا رَحْمَةٌ الآية القائل: ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به، وقرأ ابن أبي عبلة «هذه رحمة» ، و «الوعد» : يحتمل أن يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقت خروج يأجوج ومأجوج، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «دكا» مصدر دك يدك إذا هدم ورض، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «دكاء» بالمد، وهذا على التشبيه بالناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره جعله مثل دكاء، وأما النصب في «دكا» فيحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ل «جعل» ، ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى خلق، وينصب «دكا» على الحال، وكذلك أيضا النصب في قراءة من مد يحتمل الوجهين، والضمير في تَرَكْنا لله ، وقوله يَوْمَئِذٍ يحتمل أن يريد به يوم القيامة لأنه قد تقدم ذكره، فالضمير في قوله بَعْضَهُمْ على ذلك لجميع الناس، ويحتمل أن يريد بقوله يَوْمَئِذٍ يوم كمال السد، فالضمير في قوله بَعْضَهُمْ على ذلك يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] ، واستعارة «الموج» لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف ونحوه، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض، وقوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ إلى آخر الآية معني به يوم القيامة بلا احتمال لغيره، فمن تأول الآية كلها في يوم القيامة، اتسق تأويله، ومن تأول الآية إلى قوله يَمُوجُ فِي بَعْضٍ في أمر يأجوج ومأجوج، تأول القول وتركناهم يموجون دأبا على مر الدهر وتناسل القرون منهم فنائهم، ثم نُفِخَ فِي الصُّورِ فيجتمعون، والصُّورِ: في قول الجمهور وظاهر الأحاديث الصحاح، هو القرن الذي ينفخ فيه للقيامة، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر» ، فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: «قولوا حسبنا الله وعلى الله توكلنا، ولو اجتمع أهل منى ما أقلوا ذلك القرن» ، وأما «النفخات» ، فأسند الطبري إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «الصور» قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين» ، وقال بعض الناس «النفخات» اثنتان: نفخة الفزع، وهي نفخة الصعق، ثم الأخرى التي هي للقيام، وملك الصور هو إسرافيل، وقالت فرقة الصُّورِ جمع صورة، فكأنه أراد صور البشر والحيوان نفخ فيها الروح، والأول أبين وأكثر في الشريعة، وقوله وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ معناه: أبرزناها لهم لتجمعهم وتحطمهم، ثم أكد بالمصدر عبارة عن شدة الحال، وروى الطبري في هذا حديثا مضمنه أن النار ترفع لليهود والنصارى كأنها السراب، فيقال هل لكم في الماء حاجة؟ فيقولون نعم، وهذا مما لا صحة له.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠١ الى ١٠٦]
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥)
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)
стр. 1664
قوله أَعْيُنُهُمْ كناية عن البصائر، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر، والمعنى: الذين فكرهم بينها وبين ذِكْرِي والنظر في شرعي حجاب، وعليها غِطاءٍ ثم قال إنهم كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة الحق، وقرأ جمهور الناس: «أفحسب الذين» بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: «أفحسب» بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود «أفظن الذين كفروا» ، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في الَّذِينَ كَفَرُوا بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعا وأَعْتَدْنا معناه: يسرنا، و «النزل» موضع النزول، و «النزل» أيضا ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله، ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم، كما قال الشاعر: [الوافر] تحية بينهم ضرب وجيع ثم قال تعالى: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الآية المعنى: قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ:
هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، وقرأ ابن وثاب «قل سننبئكم» ، وهذه صفة المخاطبين من كفار العرب المكذبين، بالبعث، و «حبطت» معناه: بطلت، وأَعْمالُهُمْ: يريد ما كان لهم من عمل خير، وقوله فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً يحتمل أن يريد أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار لا محالة، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يومئذ، فهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال «يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعوضة» ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً وقالت فرقة: إن الاستفهام تم في قوله أَعْمالًا ثم قال: هم الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً فقال سعد بن أبي وقاص هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات، وقال علي بن أبي طالب هم الخوارج، وهذا إن صح عنه، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فقال له أنت وأصحابك، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان، فاتجه بهذا ما قلناه أولا وعلي وسعد ﵄ ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من صدر الآية، وقوله أَعْمالًا نصب على التمييز، وقرأ الجمهور «فحبطت» بكسر الباء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «فحبطت» بفتح الباء، وقرأ كعب بن عجرة والحسن وأبو عمرو ونافع والناس «فلا نقيم لهم» بنون العظمة، وقرأ مجاهد «فلا يقيم» ، بياء الغائب، يريد
стр. 1665
فلا يقيم الله ، وقرأ عبيد بن عمير: «فلا يقوم» ويلزمه أن يقرأ «وزن» ، وكذلك قول مجاهد «يقول لهم يوم القيامة» ، وقوله ذلِكَ إشارة إلى ترك إقامة الوزن وجَزاؤُهُمْ خبر الابتداء في قوله ذلِكَ، وقوله جَهَنَّمُ بدل منه، و «ما» في قوله بِما كَفَرُوا مصدرية و «الهزء» الاستخفاف والسخرية.
قوله :
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
لما فرغ من ذكر الكفرة والأخسرين أعمالا الضالين، عقب بذكر حالة المؤمنين ليظهر التباين، وفي هذا بعث النفوس على اتباع الحسن القويم، واختلف المفسرون في الْفِرْدَوْسِ فقال قتادة إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو هريرة إنه جبل تنفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة: إنه سرة الجنة، ووسطها، وروى أبو سعيد الخدري أنه تنفجر منه أنهار الجنة، وقال عبد الله بن الحارث بن كعب إنه جنات الكرم والأعناب خاصة من الثمار، وقاله كعب الأحبار، واستشهد قوم لذلك بقول أمية بن أبي الصلت: [البسيط]
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل
وقال الزجاج قيل إن الْفِرْدَوْسِ سريانية، وقيل رومية، ولم يسمع ب الْفِرْدَوْسِ في كلام العرب إلا في بيت حسان: [الطويل]
وإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد
وروي عن النبي ﷺ أنه قال «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» ، وقالت فرقة الْفِرْدَوْسِ البستان بالرومية، وهذا اقتضاب القول في الْفِرْدَوْسِ وعيون ما قيل، وقوله نُزُلًا يحتمل الوجهين اللذين قدمناهما قبل، و «الحلول» بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولا، ومنه قول شصار: [مجزوء الرجز] لكل دولة أجل ثم يتاح لها حول وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة، وفي هذا نظر، وقال الزجاج عن قوم: هي بمعنى الحيلة في التنقل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف متكلف، وأما قوله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ إلى آخر الآية، فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي ﵇ كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت مقصر، قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من
стр. 1666
القول، فنزلت الآية معلمة باتساع معلومات الله ، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع ولا نكير، فعبر عن هذا بتمثيل ما يستكثرونه، وهو قوله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي و «الكلمات» : هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات الله سبحانه لا تناهى، والْبَحْرُ متناه، ضرورة، وقرأ الجمهور: «تنفد» بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن عبيد «ينفد» بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي، وقوله مِداداً أي زيادة، وقرأ الجمهور: «مدادا» وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد والأعرج «مدادا» ، فالمعنى لو كان البحر مِداداً تكتب به معلومات الله ، لنفد قبل أن يستوفيها، وكذلك إلى ما شئت من العدد، وإِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لم أعط إلا ما أوحي إلي وكشف لي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: «ينفد» بالياء من تحت، وقرأ الباقون بالتاء، وقوله قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ المعنى: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ ينتهي علمي إلى حيث يُوحى إِلَيَّ ومهم ما يوحى إلي، أنما إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، ويَرْجُوا على بابها، وقالت فرقة: يَرْجُوا بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف لكان المعنى تاما على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي فَمَنْ كانَ يَرْجُوا النعيم المؤبد من ربه فَلْيَعْمَلْ وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى، وقال ابن جبير في تفسيرها لا يرائي في عمله وقد روي حديث أنها نزلت في الرياء، حين سئل النبي ﷺ عمن يجاهد ويحب أن يحمده الناس، وقال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن.
стр. 1667
فهرس المحتويات
تفسير سورة التوبة الآيات: ١- ٣ ٤ الآيتان: ٤، ٥ ٧ الآيتان: ٦، ٧ ٨ الآيات: ٨- ١٠ ٩ الآيتان: ١١، ١٢ ١١ الآيات: ١٣- ١٥ ١٣ الآيتان: ١٦، ١٧ ١٤ الآيتان: ١٨، ١٩ ١٥ الآيات: ٢٠- ٢٣ ١٧ الآية: ٢٤ ١٨ الآيات: ٢٥- ٢٧ ١٩ الآية: ٢٨ ٢٠ الآية: ٢٩ ٢١ الآية: ٣٠ ٢٣ الآيات: ٣١- ٣٣ ٢٥ الآيتان: ٣٤، ٣٥ ٢٧ الآية: ٣٦ ٢٩ الآية: ٣٧ ٣١ الآيتان: ٣٨، ٣٩ ٣٤ الآية: ٤٠ ٣٥ الآيتان: ٤١، ٤٢ ٣٦ الآيتان: ٤٣، ٤٤ ٣٨ الآيات: ٤٥- ٤٧ ٣٩ الآيات: ٤٨- ٥١ ٤١ الآيتان: ٥٢، ٥٣ ٤٣ الآيات: ٥٤- ٥٦ ٢٤٤ الآيات: ٥٧- ٥٩ ٤٦ الآية: ٦٠ ٤٧ الآيات: ٦١- ٦٣ ٥٢ الآيات: ٦٤- ٦٦ ٥٤ الآيات: ٦٧- ٦٩ ٥٦ الآيات: ٧٠- ٧٢ ٥٧ الآيتان: ٧٣، ٧٤ ٥٩ الآيات: ٧٥- ٧٨ ٦١ الآيتان: ٧٩، ٨٠ ٦٣ الآيات: ٨١- ٨٣ ٦٥ الآيات: ٨٤- ٨٧ ٦٧ الآيات: ٨٨- ٩٠ ٦٩ الآيتان: ٩١، ٩٢ ٧٠ الآيتان: ٩٣، ٩٤ ٧١ الآيات: ٩٥- ٩٧ ٧٢ الآيتان: ٩٨، ٩٩ ٧٣ الآيتان: ١٠٠، ١٠١ ٧٥ الآيتان: ١٠٢، ١٠٣ ٧٧ الآيتان: ١٠٤، ١٠٥ ٧٩ الآيتان: ١٠٦، ١٠٧ ٨٠ الآيتان: ١٠٨، ١٠٩ ٨٢ الآيتان: ١١٠، ١١١ ٨٦ الآيتان: ١١٢، ١١٣ ٨٨ الآيات: ١١٤- ١١٦ ٩١ الآيات: ١١٧- ١١٩ ٩٢ الآيتان: ١٢٠، ١٢١ ٩٥ الآيتان: ١٢٢، ١٢٣ ٩٦
стр. 1668
الآيات: ١٢٤- ١٢٦ ٩٨ الآيات: ١٢٧- ١٢٩ ٩٩ تفسير سورة يونس الآيتان: ١، ٢ ١٠٢ الآيتان: ٣، ٤ ١٠٤ الآيتان: ٥، ٦ ١٠٥ الآيات: ٧- ١٠ ١٠٦ الآيتان: ١١، ١٢ ١٠٨ الآيات: ١٣- ١٥ ١٠٩ الآيات: ١٦- ١٨ ١١٠ الآيات: ١٩- ٢١ ١١١ الآيات: ١٩- ٢١ ١١١ الآية: ٢٢ ١١٢ الآية: ٢٣ ١١٣ الآية: ٢٤ ١١٤ الآيات: ٢٥- ٢٧ ١١٥ الآيات: ٢٨- ٣٠ ١١٦ الآيات: ٣١- ٣٣ ١١٧ الآيات: ٣٤- ٣٦ ١١٨ الآيتان: ٣٧، ٣٨ ١١٩ الآيات: ٣٩- ٤٣ ١٢١ الآيات: ٤٤- ٤٦ ١٢٢ الآيات: ٤٧- ٤٩ ١٢٣ الآيات: ٥٠- ٥٣ ١٢٤ الآيات: ٥٤- ٥٦ ١٢٥ الآيتان: ٥٧، ٥٨ ١٢٦ الآيات: ٥٩- ٦٣ ١٢٧ الآيات: ٦٤- ٦٦ ١٢٩ الآيات: ٦٧- ٧٠ ١٣٠ الآية: ٧١ ١٣١ الآيتان: ٧٢، ٧٣ ١٣٢ الآيتان: ٧٤، ٧٥ ١٣٣ الآيات: ٧٦- ٧٨ ١٤٣ الآيات: ٧٩- ٨٢ ١٣٥ الآيات: ٨٣- ٨٦ ٢١٣٦ الآيات: ٨٧- ٨٩ ١٣٨ الآيات: ٩٠- ٩٢ ١٤٠ الآيات: ٩٣- ٩٥ ١٤٢ الآيات: ٩٦- ٩٨ ١٤٣ الآيات: ٩٩- ١٠١ ١٤٥ الآيات: ١٠٢- ١٠٤ ١٤٦ الآيات: ١٠٥- ١٠٧ ١٤٦ الآيتان: ١٠٨، ١٠٩ ١٤٧ تفسير سورة هود الآيات: ١- ٤ ١٤٨ الآيتان: ٥، ٦ ١٥٠ الآيتان: ٧، ٨ ١٥٢ الآيات: ٩- ١١ ١٥٣ الآيتان: ١٢، ١٣ ١٥٤ الآيات: ١٤- ١٦ ١٥٥ الآية: ١٧ ١٥٧ الآيات: ١٨- ٢٠ ١٥٩ الآيات: ٢١- ٢٤ ١٦١ الآيات: ٢٥- ٢٧ ١٦٢ الآيات: ٢٨- ٣٠ ١٦٤ الآيتان: ٣١، ٣٢ ١٦٥ الآيات: ٣٣- ٣٥ ١٦٦ الآيتان: ٣٦، ٣٧ ١٦٨ الآيات: ٣٨- ٤٠ ١٧٠ الآيتان: ٤١، ٤٢ ١٧٢ الآيتان: ٤٣، ٤٤ ١٧٤ الآيتان: ٤٥، ٤٦ ١٧٦ الآيات: ٤٧- ٤٩ ١٧٨ الآيات: ٥٠- ٥٢ ١٧٩ الآيات: ٥٣- ٥٦ ١٨١ الآيات: ٥٧- ٦٠ ١٨٢ الآيتان: ٦١، ٦٢ ١٨٣ الآيات: ٦٣- ٦٥ ١٨٤ الآيات: ٦٦- ٦٨ ١٨٦
стр. 1669
الآيات: ٦٩- ٧١ ١٨٧ الآيتان: ٧٢، ٧٣ ١٩٠ الآيات: ٧٤- ٧٦ ١٩٢ الآيات: ٧٧- ٨٠ ١٩٣ الآية: ٨١ ١٩٥ الآيتان: ٨٢، ٨٣ ١٩٧ الآيات: ٨٤- ٨٦ ١٩٨ الآيتان: ٨٧، ٨٨ ٢٠٠ الآيات: ٨٩- ٩٢ ٢٠١ الآيات: ٩٣- ٩٥ ٢٠٣ الآيات: ٩٦- ١٠٠ ٢٠٤ الآيات: ١٠١- ١٠٥ ٢٠٦ الآيات: ١٠٦- ١٠٨ ٢٠٧ الآيات: ١٠٩- ١١١ ٢٠٩ الآيات: ١١٢- ١١٥ ٢١١ الآيتان: ١١٦، ١١٧ ٢١٤ الآيتان: ١١٨، ١١٩ ٢١٥ الآيات: ١٢٠- ١٢٣ ٢١٦ تفسير سورة يوسف الآيات: ١- ٣ ٢١٨ الآية: ٤ ٢١٩ الآيتان: ٥، ٦ ٢٢٠ الآيات: ٧- ١٠ ٢٢١ الآيات: ١١- ١٥ ٢٢٣ الآيات: ١٦- ١٨ ٢٢٦ الآيتان: ١٩، ٢٠ ٢٢٨ الآيتان: ٢١، ٢٢ ٢٣٠ الآيات: ٢٣- ٢٥ ٢٣٢ الآيات: ٢٦- ٢٩ ٢٣٦ الآيتان: ٣٠، ٣١ ٢٣٧ الآيات: ٣٢- ٣٤ ٢٤١ الآيتان: ٣٥، ٣٦ ٢٤٢ الآيتان: ٣٧، ٣٨ ٢٤٤ الآيات: ٣٩- ٤٢ ٢٢٤٥ الآيات: ٤٣- ٤٥ ٢٤٧ الآيات: ٤٦- ٤٩ ٢٤٩ الآية: ٥٠ ٢٥١ الآيات: ٥١- ٥٣ ٢٥٣ الآيات: ٥٤- ٥٧ ٢٥٤ الآيات: ٥٨- ٦٠ ٢٥٧ الآيات: ٦١- ٦٣ ٢٥٨ الآيتان: ٦٤، ٦٥ ٢٥٩ الآيتان: ٦٦، ٦٧ ٢٦١ الآيتان: ٦٨، ٦٩ ٢٦٢ الآيات: ٧٠- ٧٥ ٢٦٣ الآية: ٧٦ ٢٦٥ الآية: ٧٧ ٢٦٦ الآيات: ٧٨- ٨٠ ٢٦٨ الآيات: ٨١- ٨٣ ٢٧٠ الآيات: ٨٤- ٨٦ ٢٧١ الآيتان: ٨٧، ٨٨ ٢٧٤ الآيات: ٨٩- ٩٢ ٢٧٦ الآيات: ٩٣- ٩٥ ٢٧٨ الآيات: ٩٦- ٩٩ ٢٨٠ الآية: ١٠٠ ٢٨٢ الآيتان: ١٠١، ١٠٢ ٢٨٣ الآيات: ١٠٣- ١٠٨ ٢٨٤ الآيتان: ١٠٩، ١١٠ ٢٨٦ الآية: ١١١ ٢٨٩ تفسير سورة الرعد الآيتان: ١، ٢ ٢٩٠ الآيتان: ٣، ٤ ٢٩٣ الآيات: ٥- ٧ ٢٩٥ الآيات: ٨- ١٠ ٢٩٧ الآيات: ١١- ١٣ ٣٠٠ الآيات: ١٤- ١٦ ٣٠٥ الآية: ١٧ ٣٠٧ الآيات: ١٨- ٢١ ٣٠٨
стр. 1670
الآيات: ٢٢- ٢٤ ٣٠٩ الآيات: ٢٥- ٢٩ ٣١٠ الآيات: ٣٠- ٣٢ ٣١٢ الآيات: ٣٣- ٣٥ ٣١٤ الآيات: ٣٦- ٣٩ ٣١٥ الآيات: ٤٠- ٤٣ ٣١٨ تفسير سورة إبراهيم الآيات: ١- ٣ ٣٢١ الآيتان: ٤، ٥ ٣٢٣ الآيات: ٦- ٩ ٣٢٥ الآية: ١٠ ٣٢٧ الآيتان: ١١، ١٢ ٣٢٨ الآيات: ١٣- ١٧ ٣٢٩ الآيات: ١٨- ٢٠ ٣٣١ الآية: ٢١ ٣٣٢ الآيتان: ٢٢، ٢٣ ٣٣٣ الآيات: ٢٤- ٢٦ ٣٣٤ الآيات: ٢٧- ٣٠ ٣٣٧ الآيات: ٣١- ٣٤ ٣٣٨ الآيات: ٣٥- ٣٧ ٣٤٠ الآيات: ٣٨- ٤١ ٣٤٢ الآيات: ٤٢- ٤٤ ٣٤٣ الآيات: ٤٥- ٤٨ ٣٤٥ الآيات: ٤٩- ٥٢ ٣٤٧ تفسير سورة الحجر الآيات: ١- ٥ ٣٤٩ الآيات: ٦- ١١ ٣٥١ الآيات: ١٢- ١٥ ٣٥٢ الآيات: ١٦- ٢١ ٣٥٤ الآيات: ٢٢- ٢٧ ٣٥٦ الآيات: ٢٨- ٣٣ ٣٥٩ الآيات: ٣٤- ٤٤ ٣٦١ الآيات: ٤٥- ٥٠ ٣٦٣ الآيات: ٥١- ٥٦ ٢٣٦٤ الآيات: ٥٧- ٦٥ ٣٦٦ الآيات: ٦٦- ٧٧ ٣٦٨ الآيات: ٧٨- ٨٦ ٣٧١ الآيات: ٨٧- ٩٣ ٣٧٣ الآيات: ٩٤- ٩٩ ٣٧٥ تفسير سورة النحل الآيات: ١- ٤ ٣٧٧ الآيات: ٥- ٩ ٣٧٩ الآيات: ١٠- ١٢ ٣٨١ الآيات: ١٣- ١٥ ٣٨٣ الآيات: ١٦- ٢١ ٣٨٤ الآيات: ٢٢- ٢٥ ٣٨٦ الآيتان: ٢٦، ٢٧ ٣٨٨ الآيات: ٢٨- ٣٠ ٣٨٩ الآيتان: ٣١- ٣٢ ٣٩٠ الآيات: ٣٣- ٣٥ ٣٩١ الآيات: ٣٦- ٣٨ ٣٩٢ الآيتان: ٣٩، ٤٠ ٣٩٣ الآيات: ٤١- ٤٤ ٣٩٤ الآيات: ٤٥- ٤٨ ٣٩٦ الآيات: ٤٩- ٥٥ ٣٩٩ الآيات: ٥٦- ٥٩ ٤٠١ الآيات: ٦٠- ٦٢ ٤٠٢ الآيات: ٦٣- ٦٦ ٤٠٤ الآيات: ٦٧- ٦٩ ٤٠٥ الآيات: ٧٠- ٧٢ ٤٠٧ الآيات: ٧٣- ٧٥ ٤٠٩ الآيات: ٧٦- ٧٩ ٤١٠ الآيتان: ٨٠، ٨١ ٤١٢ الآيات: ٨٢- ٨٥ ٤١٣ الآيات: ٨٦- ٨٩ ٤١٤ الآيتان: ٩٠، ٩١ ٤١٥ الآيتان: ٩٢، ٩٣ ٤١٧ الآيات: ٩٤- ٩٧ ٤١٩
стр. 1671
الآيات: ٩٨- ١٠٣ ٤٢٠ الآيات: ١٠٤- ١٠٦ ٤٢٢ الآيات: ١٠٧- ١١١ ٤٢٤ الآيات: ١١٢- ١١٤ ٤٢٦ الآية: ١١٥ ٤٢٧ الآيات: ١١٦- ١١٩ ٤٢٩ الآيات: ١٢٠- ١٢٤ ٤٣٠ الآيات: ١٢٥- ١٢٨ ٤٣٢ تفسير سورة الإسراء الآية: ١ ٤٣٤ الآيات: ٢- ٤ ٤٣٦ الآيات: ٥- ٧ ٤٣٨ الآيات: ٨- ١١ ٤٤٠ الآيات: ١٢- ١٤ ٤٤٢ الآيات: ١٥- ١٧ ٤٤٣ الآيات: ١٨- ٢٢ ٤٤٦ الآيات: ٢٣- ٢٥ ٤٤٧ الآيات: ٢٦- ٣٠ ٤٤٩ الآيات: ٣١- ٣٣ ٤٥١ الآيات: ٣٤- ٣٦ ٤٥٣ الآيات: ٣٧- ٤٠ ٤٥٦ الآيات: ٤١- ٤٤ ٤٥٨ الآيات: ٤٥- ٤٧ ٤٦٠ الآيات: ٤٨- ٥١ ٤٦١ الآيات: ٥٢- ٥٥ ٤٦٣ الآيات: ٥٦- ٥٩ ٤٦٥ الآية: ٦٠ ٤٦٧ الآيات: ٦١- ٦٥ ٤٦٩ الآيات: ٦٦- ٦٩ ٤٧١ الآيات: ٧٠- ٧٥ ٤٧٢ الآيات: ٧٦- ٧٩ ٤٧٦ الآيات: ٨٠- ٨٤ ٤٧٩ الآيات: ٨٥- ٨٨ ٤٨١ الآيات: ٨٩- ٩٢ ٤٨٤ الآيات: ٩٣- ٩٥ ٤٨٥ الآيات: ٩٦- ٩٨ ٤٨٦ الآيات: ٩٩- ١٠١ ٤٨٧ الآيات: ١٠٢- ١٠٤ ٤٨٩ الآيات: ١٠٥- ١٠٨ ٤٩٠ الآيات: ١٠٩- ١١١ ٤٩٢ تفسير سورة الكهف الآيات: ١- ٥ ٤٩٤ الآيات: ٦- ٩ ٤٩٦ الآيات: ١٠- ١٢ ٤٩٨ الآيات: ١٣- ١٦ ٥٠١ الآيتان: ١٧، ١٨ ٥٠٢ الآيتان: ١٩، ٢٠ ٥٠٥ الآية: ٢١ ٥٠٦ الآيات: ٢٢- ٢٤ ٥٠٧ الآيات: ٢٥- ٢٧ ٥٠٩ الآيتان: ٢٨، ٢٩ ٥١٢ الآيتان: ٣٠، ٣١ ٥١٤ الآيات: ٣٢- ٣٤ ٥١٥ الآيتان: ٣٥- ٣٩ ٥١٧ الآيات: ٤٠- ٤٤ ٥١٨ الآيات: ٤٥- ٤٨ ٥١٩ الآيتان: ٤٩- ٥٠ ٥٢١ الآيات: ٥١- ٥٤ ٥٢٣ الآيات: ٥٥- ٥٧ ٥٢٥ الآيات: ٥٨- ٦٠ ٥٢٥ الآيات: ٦١- ٦٥ ٥٢٨ الآيات: ٦٦- ٧٣ ٥٣٠ الآيات: ٧٤- ٧٨ ٥٣٢ الآية: ٧٩ ٥٣٤ الآيات: ٨٠- ٨٢ ٥٣٦ الآيات: ٨٣- ٨٦ ٥٣٨ الآيات: ٨٧- ٩١ ٥٤٠ الآيات: ٩٢- ٩٥ ٥٤١ الآيات: ٩٦- ١٠٠ ٥٤٣ الآيات: ١٠١- ١٠٦ ٥٤٥ الآيات: ١٠٧- ١١٠ ٥٤٦
стр. 1672
[المجلد الرابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة مريم
هذه السورة مكية بإجماع إلا السجدة منها فقالت فرقة هي مكية وقالت فرقة هي مدنية.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالا على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى الكاف من «كبير» ، وقال ابن جبير أيضا الكاف من «كاف» ، وقال أيضا هي من «كريم» فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه تعالى. قالوا والهاء من «هاد» ، والياء من «علي» وقيل من «حكيم» ، وقال الربيع بن أنس هي من «يأمن» لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من «عزيز» وقيل من «عليم» وقيل من «عدل» ، والصاد من «صادق» وقال قتادة بل كهيعص بجملته اسم للسورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي، فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يريد علي بن أبي طالب ﵁ أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها كهيعص، كأنه أراد أن يقول «يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق» اغفر، فجمع هذا كله باختصار في قوله يا كهيعص. وقال ابن المستنير وغيره كهيعص عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج إلى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع ذِكْرُ بأنه خبر عن كهيعص، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال
стр. 1673
في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضا بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف بضم الفاء.
قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال من قوله ذِكْرُ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص بعضها من بعض. وارتفع قوله ذِكْرُ فيما قالت فرقة بقوله كهيعص وقد تقدم وجه ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره «هذا ذكر» ، وقالت فرقة: ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي إليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن يعمر «ذكر رحمة ربك» بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا المتلو ذكر «رحمة» بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح. وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ «ذكّر رحمة» بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و «عبده» نصب ب «الرحمة» التقدير ذكر أن رحم ربك عبده» ، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور «زكرياء» بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة «زكريا» بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله نادى معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى «إخفائه» هذا النداء، فقال ابن جريج ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي ﵇ «خير الذكر الخفي» وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر. وفي «الدعاء» الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء زَكَرِيَّا وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاؤه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. ووَهَنَ معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش «وهن» بكسر الهاء وَاشْتَعَلَ مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به.
وشَيْباً نصب على المصدر في قول من رأى اشْتَعَلَ بمعنى شاب، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلا آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحما وامتلأت غيظا. وقوله وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا شكر لله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ الآية، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف الْمَوالِيَ، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن النبي ﷺ أنه قال «يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن يرث ماله» . وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وَلِيًّا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل «زكريا» من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية ﵁: وهذا يؤيد قول النبي ﵇ «إنا
стр. 1674
معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ، ويوهنه ذكر «العاقر» . والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبي ﷺ «إنا معشر الأنبياء لا نورث» أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق «بزكريا» ﵇ أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب وَلِيًّا، ولم يخصص ولدا فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله يَرِثُنِي يريد المال، وقوله وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يريد العلم والنبوة. وقال السدي:
رغب «زكريا» في الولد. وخِفْتُ من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير، وقرأ عثمان بن عفان ﵁ وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم «خفّت» بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل إلى الْمَوالِيَ والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب وَلِيًّا يقول بالدين، والْمَوالِيَ بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله مِنْ وَرائِي أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير «من ورائي» بالمد والهمز وفتح الياء، وقرأ أيضا ابن كثير «من وراي» بالياء المفتوحة مثل عصاي، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. و «العاقر» من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال.
ومنه قول عامر بن الطفيل:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كل محضر
و «زكريا» ﵇ لما رأى من حاله إنما طلب وَلِيًّا ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثا. وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود. وقرأ الجمهور «ويرثني» برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي «يرثني ويرث» بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب «هب» إنما تقديره «إن تهبه يرثني» ، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما «يرثني وارث من آل يعقوب» ، قال أبو الفتح هذا هو التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد «يرثني ويرث» بنصب الفعلين، وقرأت فرقة «يرثني أو يرث من آل يعقوب» على التصغير. وقوله من آلِ يَعْقُوبَ يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة ورَضِيًّا معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١١]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)
стр. 1675
المعنى قيل له بإثر دعائه يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يولد لك اسْمُهُ يَحْيى وقرأ الجمهور «بشّرك» بفتح الباء وكسر الشين مشددة، وقرأ أصحاب ابن مسعود «نبشرك» بسكون الباء وضم الشين، قال قتادة: سمي يَحْيى لأن الله أحياه بالنبوءة والإيمان، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله أحيا له الناس بالهدى. وقوله سَمِيًّا معناه في اللغة لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم، أي لم يتسم قبل ب يَحْيى وهذا قول قتادة وابن عباس وابن أسلم والسدي، وقال مجاهد وغيره سَمِيًّا معناه مثلا ونظيرا وهذا كأنه من المساماة والسمو، وفي هذا بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل في خاص بالسؤود والحصر. وقال ابن عباس معناه لم تلد العواقر مثله. وقول زكرياء أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ اختلف الناس فيه فقالت فرقة: إنما كان طلب الولي دون تخصيص ولد فلما بشر بالولد استفهم عن طريقه مع هذه الموانع منه، وقالت فرقة: إنما كان طلب الولد وهو بحال يرجو الولد فيها بزواج غير العاقر أو تسرّ، ولم تقع إجابته إلا بعد مدة طويلة صار فيها إلى حال من لا يولد له فحينئذ استفهم وأخبر عن نفسه ب الْكِبَرِ والعتو فيه. وقالت فرقة: بل طلب الولد فلما بشر به لحين الدعوة تفهم على جهة السؤال لا على جهة الشك كيف طريق الوصول إلى هذا وكيف نفذ القدر به؟ لا أنه بعد عنده هذا في قدرة الله. و «العتي» و «العسي» المبالغة في الكبر أو يبس العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما ونحو هذا، وقرأ حمزة والكسائي «عتيا» بكسر العين والباقون بضمها، وقرأ ابن مسعود «عتيا» بفتح العين، وحكى أبو حاتم أن ابن مسعود قرأ «عسيا» بضم العين وبالسين وحكاها الداني عن ابن عباس أيضا، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر ولا أدري أكان يقرأ عِتِيًّا أو «عسيا» بالسين.
وحكى الطبري عن السدي أنه قال: نادى جبريل زكرياء إن الله يبشرك بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى فلقيه الشيطان فقال له إن ذلك الصوت لم يكن لملك وإنما كان لشيطان فحينئذ قال زكرياء أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، ليثبت أن ذلك من عند الله، و «زكريا» هو من ذرية هارون ﵇، وقال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة وقيل ابن سبعين وقال الزجاج: ابن خمس وستين فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له.
وقوله قالَ كَذلِكَ قيل إن المعنى قال له الملك كَذلِكَ فليكن الوجود كما قيل لك قالَ رَبُّكَ خلق الغلام عَلَيَّ هَيِّنٌ، أي غير بدع فكما خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وأخرجتك من عدم إلى وجود كذلك أفعل الآن، وقال الطبري: معنى قوله كَذلِكَ أي الأمران اللذان ذكرت من المرأة العاقر والكبرة هو كَذلِكَ ولكن قالَ رَبُّكَ قال القاضي والمعنى عندي قال الملك كَذلِكَ أي على هذه الحال قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ. وقرأ الجمهور «وقد خلقتك» ، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك» . وقوله وَلَمْ تَكُ شَيْئاً أي موجودا، قال زكرياء رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعرف بها صحة هذا وكونه من عندك. وروي أن زكرياء ﵇ لما عرف ثم طلب الآية بعد ذلك عاقبة الله تعالى بأن أصابه بذلك السكوت عن كلام الناس، وذلك وإن لم يكن عن مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب. ما روي عن ابن زيد أن
стр. 1676
زكرياء لما حملت زوجة منه يحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه، ويحتمل على هذا أن يكون قوله اجْعَلْ لِي آيَةً معناه علامة أعرف بها أن الحمل قد وقع، وبذلك فسر الزجاج. ومعنى قوله سَوِيًّا فيما قال الجمهور صحيحا من غير علة ولا خرس، وقال ابن عباس أيضا ذلك عائد على «الليالي» أراد كاملات مستويات، وقوله فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ المعنى أن الله تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع مصلاة، والْمِحْرابِ أرفع المواضع والمباني إذ هي تحارب من ناوأها ثم خص بهذا الاسم مبنى الصلاة، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض، واختلف الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا، وفي اللفظ بعد هذا نظر. وقوله فَأَوْحى قال قتادة وابن منبه: كان ذلك بإشارة، وقال مجاهد: بل بأن كتبه في التراب.
قال القاضي أبو محمد: وكلا الوجهين وحي. وقوله أَنْ سَبِّحُوا، أَنْ مفسرة بمعنى «أي» ، وسَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا، والسبحة الصلاة، وقالت فرقة: بل أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله.
وقرأ طلحة «أن سبحوه» بضمير، وباقي الآية بين ويقال «وحي وأوحى» بمعنى واحد.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
المعنى فولد له وقال الله تعالى للمولود يا يَحْيى، وهذا اختصار ما يدل الكلام عليه.
والْكِتابَ التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجودا عند الناس. وقوله بِقُوَّةٍ أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ثم أخبر الله تعالى فقال وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، واختلف في الْحُكْمَ، فقالت فرقة الأحكام والمعرفة بها، وصَبِيًّا يريد شابا لم يبلغ حد الكهول.
وقال الحسن الْحُكْمَ النبوءة، وفي لفظة صبي على هذا تجوز واستصحاب حال، وقالت فرقة الْحُكْمَ الحكمة، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل إلى اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه الله وهو صبي أهم لذاته اللعب. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن «أوتي الحكم صبيا» ، وقوله وَحَناناً عطف على قوله الْحُكْمَ وَزَكاةً عطف عليه، أعمل في جميع ذلك آتَيْناهُ، ويجوز أن يكون قوله وَحَناناً عطفا على قوله صَبِيًّا، أي وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين، وهو تفسير اللغة. وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك، فقيل هما لغتان بمعنى واحد، وقيل حنانيك تثنية الحنان. وقال عطاء بن أبي رباح حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيما من لدنا. والحنان في كلام العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال بن رباح «والله لئن قتلتم هذا
стр. 1677
العبد لأتخذن قبره حنانا» . وقد روي عن ابن عباس أنه قال «والله ما أدري ما الحنان» . و «الزكاة» التطهير والتنمية في وجوه الخير والبر. و «التقي» فعيل من تقوى الله ، وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمرو عن النبي ﵇ أنه قال «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء» . وقال قتادة: إن يحيى ﵇ لم يعص الله قط بصغيرة ولا بكبيرة ولا همّ بامرأة، وقال مجاهد: كان طعام يحيى العشب وكان للدمع في خده مجار ثابتة ومن الشواهد في الحنان قول امرئ القيس: [الوافر]
وتمنحها بنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان
وقال النابغة: [الطويل]
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقال الآخر: [منذر بن إبراهيم الكلبي] [الطويل]
فقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقوله تعالى: وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
الآية، «البر» الكثير البر. و «الجبار» المتكبر كأنه يجبر الناس على أخلاقه والنخلة الجبارة العظيمة العالية. و «العصي» أصله عصوي فعول بمعنى فاعل. وروي أن يحيى بن زكرياء ﵇ لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة كما تقدم. وقوله وَسَلامٌ
قال الطبري وغيره: معناه وأمان، والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان وهي أقل درجاته وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله وعظيم الهول، وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع لي فأنت خير مني. فقال عيسى: بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي.
قال القاضي أبو محمد: قال أبي، ﵁: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال إذلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه ﵇ لكل وجه.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٢٠]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)
هذه ابتداء قصة ليست من الأولى، والخطاب لمحمد ﵇. والْكِتابِ
القرآن،
стр. 1678
ومَرْيَمَ
هي بنت عمران أم عيسى أخت أم يحيى واختلف الناس لم انْتَبَذَتْ
والانتباذ التنحي. فقال السدي انْتَبَذَتْ
لتطهر من حيض، وقال غيره لتعبد الله وهذا أحسن، وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك. وقوله شَرْقِيًّا
يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها، حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وقال بعض الناس «الحجاب» هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها. فقال السدي كان من جدرات، وقيل من ثياب، وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب، و «الروح» جبريل، وقيل عيسى، حكى الزجاج القولين. فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها، ومن قال إنه عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها، قال النقاش ومن قرأ «روحنّا» مشددة النون جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره. واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك، وقيل لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإسلام والأول أظهر. وقوله تعالى أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ
الآية، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ
ذا تقى، قال أبو وائل علمت أن «التقي» ذو نهية، وقال وهب بن منبه «تقي» رجل فاجر كان في ذلك الزمن في قومها فلما رأته متسورا عليها ظنته إياه فاستعاذت بالرحمن منه، حكى هذا مكي وغيره، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص، فقال لها جبريل ﵇ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور «لأهب» كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع «ليهب» بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. وفي مصحف ابن مسعود «ليهب الله لك» ، فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية. و «البغي» ، المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ولو كانت فعيلا لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣)
المعنى قال لها الملك كَذلِكِ هو كما وصفت ولكن قالَ رَبُّكِ ويحتمل أن يريد على هذه الحال قالَ رَبُّكِ والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر، والضمير في قوله لِنَجْعَلَهُ للغلام، وَرَحْمَةً مِنَّا معناه طريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز،
стр. 1679
و «الأمر» هنا واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر وروي أن جبريل ﵇ حين قاولها هذه المقاولة «نفخ في جيب درعها» فسرت النفخة بإذن الله حتى حملت منها قاله وهب بن منبه وغيره، وقال ابن جريج: نفخ في جيب درعها وكمها وقال أبي بن كعب «دخل الروح المنفوخ من فمها» فذلك قوله تعالى: فَحَمَلَتْهُ أي حملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلما أحست بذلك وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر «انتبذت به» أي تنحت مَكاناً بعيدا حياء وفرارا على وجهها، وروي في هذا أنها فرت إلى بلاد مصر أو نحوها قاله وهب بن منبه، وروي أيضا أنها خرجت إلى موضع يعرف (ببيت لحم) بينه وبين إيلياء أربعة أميال و «أجاءها» معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن عزرة ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب «فلما أجاءها المخاض» .
وقال زهير: [الوافر]
وجار سار معتمدا إليكم ... أجاءته المخافة والرجاء
وقرأ الجمهور «المخاض» بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو «الطلق وشدة الولادة وأوجاعها» ، روي أنها بلغت إلى موضع كان فيه «جذع نخلة» بال يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى ﵇ فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه، يا لَيْتَنِي مِتُّ ولم يجر علي هذا القدر، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم وأبو عمرو وجماعة «مت» بضم الميم، وقرأ الأعرج وطلحة ويحيى والأعمش «مت» بكسرها واختلف عن نافع، وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك وهذا مباح، وعلى هذا الحد تمناه عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من الصالحين ونهي النبي ﵇ عن تمني الموت إنما هو لضر نزل بالبدن وقد أباحه ﵇ في قوله: «يأتي على الناس زمان يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» .
قال القاضي أبو محمد: لأنه زمن فتن يذهب بالدين، وَكُنْتُ نَسْياً أي شيئا متروكا محتقرا، و «النسي» في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده، كالوتد والحبل للمسافر ونحوه، ويقال «نسي» بكسر النون و «نسي» بفتحها، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحده بالفتح، واختلف عن عاصم، وكقراءة حمزة، قرأ طلحة ويحيى والأعمش، وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز «نسئا» بكسر النون، وقرأ نوف البكالي «نسأ» بفتح النون، وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب، وقرأ بكر بن حبيب «نسّا» بشد السين وفتح النون دون همز، وقال الشنفري: [الطويل]
كأنّ لها في الأرض نسّا تقصه ... إذا ما غذت وإن تحدثك تبلت
وحكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى، فجاءتها أختها زائرة فقالت «يا مريم أشعرت أني حملت» ، قالت لها مريم «أشعرت أنت أني حملت» ، قالت لها «وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك» وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم، قال السدي فذلك قوله تعالى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] وفي هذا كله ضعف فتأمله. وكذلك
стр. 1680
ذكر الطبري من قصصها أنها خرجت فارّة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار كان يخدم معها المسجد وطول في ذلك فاختصرته لضعفه، وهذه القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملا على عرف البشر واستحيت من ذلك ومرت بسببه وهي حامل وهو قول جمهور المتأولين، وروي عن ابن عباس أنه قال ليس إلا أن حملت فوضعت في ساعة واحدة والله أعلم. وظاهر قوله فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر ولذلك قيل لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظا لخاصية عيسى ﵇ وقيل ولدته لسبعة وقيل لستة.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٦]
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وابن عباس والحسن وزيد بن حبيش ومجاهد والجحدري وجماعة «فناداها من تحتها» على أن «من» فاعل ينادي والمراد ب «من» عيسى، قال أي ناداها المولود قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن كعب، وقال ابن عباس المراد ب «من» جبريل ولم يتكلم حتى أتت به قومها وقاله علقمة والضحاك وقتادة، ففي هذا آية لها وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم لا سيما والمنادي عيسى فإنه يبين به عذر مريم ولا تبقى بها استرابة، فلذلك كان النداء أن لا يقع حزن، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والبراء بن عازب والضحاك وعمرو بن ميمون وأهل الكوفة وأهل المدينة وابن عباس أيضا والحسن «من تحتها» بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية واختلفوا، فقال بعضهم: المراد عيسى، وقالت فرقة: المراد جبريل المحاور لها قبل، قالوا: وكان في سعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها وأبين وأظهر، وعليه كان الحسن بن أبي الحسن يقسم وقرأ علقمة وزر بن حبيش «فخاطبها من تحتها» ، وقرأ ابن عباس «فناداها ملك من تحتها» . وقوله أَلَّا تَحْزَنِي تفسير النداء ف «أن» مفسرة بمعنى أي، و «السري» من الرجال العظيم الخصال السيد، و «السري» أيضا الجدول من الماء، وبحسب هذا اختلف الناس في هذه الآية فقال قتادة وابن زيد: أراد جعل تحتك عظيما من الرجال له شأن، وقال الجمهور أشار لها إلى الجدول الذي كان قرب جذع النخلة، وروي أن الحسن فسر الآية فقال أجل لقد جعله الله سَرِيًّا كريما، فقال عبيد بن عبد الرحمن الحميري يا أبا سعيد إنما يعني ب «السري» الجدول، وقال الحسن لهذه وأشباهها أحب قربك ولكن غلبنا عليك الأمراء ومن الشاهد في «السري» قول لبيد. [الكامل]
فتوسطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا قلّامها
ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة رُطَباً، وقال السدي كان الجذع مقطوعا وأجرى النهر تحتها لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى
стр. 1681
هو المكلم لها وأن الجذع كان يابسا وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله بِجِذْعِ زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وأنشد الطبري: [الطويل]
بواد يمان ينبت السدر صدره ... وأسفله بالمزج والشبهان
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم والجمهور من الناس «تسّاقط» بفتح التاء وشد السين يريد النَّخْلَةِ، وقرأ البراء بن عازب والأعمش «يساقط» بالياء يريد «الجذع» ، وقرأ حمزة وحده «تساقط» بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو بخلاف، وقرأت فرقة «يساقط» بالياء على ما تقدم من إرادة النَّخْلَةِ أو «الجذع» . وقرأ عاصم في رواية حفص «تساقط» بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة «يساقط» بالياء، وقرأ أبو حيوة «يسقط» بالياء، وروي عنه «يسقط» بضم الياء وقرأ أيضا «تسقط» ، وحكى أبو علي في الحجة أنه قرىء «يتساقط» بياء وتاء، وروي عن مسروق «تسقط» بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو حيوة أيضا «يسقط» بفتح الياء وضم القاف، «رطب جني» بالرفع، ونصب رُطَباً يختلف بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل إلى الجذع ومرة إلى الهز، ومرة إلى النَّخْلَةِ وجَنِيًّا معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. وقرأ طلحة بن سليمان «جنيا» بكسر الجيم، وقد استدل بعض الناس من شيء للنفساء خيراً من التمر والرطب، وقال محمد بن كعب: كان طب عجوة، وقد استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه لأنه أمرت مريم بهز الجذع لترى آية، وكانت الآية تكون بأن لا تهز هي. وحكى الطبري عن ابن زيد أنه قال «قال لها عيسى: لا تحزني، فقالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: ٢٣] ، فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام» . وقوله فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي الآية، قرأ الجمهور «وقري» بفتح القاف، وحكى الطبري قراءة «وقري» بكسر القاف، وقرة العين مأخوذة من القر وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس، وضعفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله سخن وإنما معنى قرة العين أن البكاء الذي يسخن العين ارتفع إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت به العين. وقال الشيباني قَرِّي عَيْناً معناه نامي، حضها على الأكل والشرب والنوم.
وقوله عَيْناً نصب على التمييز، والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فينقل ذلك إلى ذي العين وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير، ومثله طبت نفسا وتفقأت شحما وتصببت عرقا، وهذا كثير. وقرأ الجمهور «ترين» وأصله ترءيين حذفت النون للجزم، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف والياء، فحذفت الألف فجاء ترى وعلى هذا! النحو هو قول الأفوه: [السريع] أما ترى رأسي أزرى به ثم دخلت النون الثقيلة، فكسرت الياء لاجتماع ساكنين منها ومن النون، وإنما دخلت النون هنا
стр. 1682
بتوطئة «ما» كما توطئ لدخولها أيضا لام القسم. وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «ترءين» بالهمزة، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشبية «ترين» بسكون الياء وفتح النون خفيفة، قال أبو الفتح: وهي شاذة، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها، وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور. وقالت فرقة معنى فَقُولِي بالإشارة لا بالكلام وإلا فكأن التناقض بين في أمرها. وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك «إني نذرت للرحمن وصمت» . وقال قوم معناه صَوْماً عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر: [البسيط] «خيل صيام» وأخرى غير صائمة وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام، وقرأت فرقة «إني نذرت للرحمن صمتا» ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتا، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام. قال المفسرون: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)
روي أن مريم ﵍ لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه، روي أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به. و «الفري» العظيم الشنيع، قاله مجاهد والسدي، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية، فإن جاء الفري بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين، وأما قولهم في المثل جاء يفري الفري فمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل، و «الفري» من الأسقية الجديد، وقرأ أبو حيوة «شيئا فريا» بسكون الراء، واختلف المفسرون في معنى قوله ، يا أُخْتَ هارُونَ، فقالت فرقة كان لها أخ اسمه هارُونَ لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل، تبركا باسم هارون أخي موسى، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم «أخت هارون» وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له. فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، فالمعنى أنه اسم وأفق اسما، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى «هارون» أخي موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخا فلانة ومنه قول النبي ﷺ «إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم» ، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست ب «أخت لهارون» أخي موسى، فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول الله ﷺ قاله فهو أصدق وخير، وإلّا فإني أجد
стр. 1683
بينهما من المدة ستمائة سنة، قال فسكتت. وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله يسمى «هارون» فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لما أتيت به. وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل فاجر اسمه «هارون» فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم يسم قائله، والمعنى ما كانَ أَبُوكِ ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟ و «البغي» التي تبغي الزنا أي تطلبه، أصلها بغوي فعول وقد تقدم ذكر ذلك.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٩ الى ٣٣]
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
التزمت مريم ﵍ ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [مريم: ٢٦] وإنما ورد أنها «أشارت إليه» فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب «قولي» إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وإنما هي في معنى هو ويحتمل أن تكون الناقصة والأظهر أنها التامة وقد قال أبو عبيدة كانَ هنا لغو، وقال الزجاج والفراء مَنْ شرطية في قوله مَنْ كانَ (ع) ونظير كان هذه قول رؤبة: [الرجز]
أبعد ان لاح بك القتير ... والرأس قد كان له شكير
وصَبِيًّا إما خبر كانَ على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال يعمل فيه الاستقرار المقدر في الكلام. وروي أن الْمَهْدِ يراد به حجر أمه قال لهم عيسى من مرقده إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ الآية وروي أنه قام متكئا على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى، والْكِتابَ هو الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل، ويكون الإيتاء فيهما مختلفا، وآتانِيَ معناه قضى بذلك وأنفذه في سابق حكمه وهذا نحو قوله تعالى أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] ، وغير هذا. وأمال الكسائي «آتاني وأوصاني» ، والباقون لا يميلون، قال أبو علي الإمالة في آتانِيَ أحسن لأن في أَوْصانِي مستعليا. ومُبارَكاً قال مجاهد معناه نفاعا، وقال سفيان معلم خير وقيل آمرا بمعروف ناهيا عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء ما الذي أعلن من علمي قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه. وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال مُبارَكاً معناه قضاء للحوائج (ع) وقوله مُبارَكاً يعم هذه الوجوه وغيرها. وبِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قيل هما المشروعتان في البدن والمال، وقيل زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل «الصلاة» الدعاء وَالزَّكاةِ التطهير
стр. 1684
من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ «دمت» بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ «دمت» بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة، وقرأ الجمهور «وبرا» بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله مُبارَكاً، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة «برا» بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله مُبارَكاً فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضها نصبه بقوله وَأَوْصانِي أي «وأوصاني برا بوالدتي» حذف الجار كأنه يريد «وأوصاني ببر والدتي» . وحكى الزهراوي هذه القراءة «وبرّ» بالخفض عطفا على الزَّكاةِ، وقوله بِوالِدَتِي بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. و «الجبار» المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروها، وكان عيسى ﵇ في غاية التواضع، يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له. قال قتادة وكان يقول: سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي. وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله. وقال مالك بن أنس ﵁ في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت.
وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا الأمر عظيم.
وروي أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر. وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائله.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى ذلِكَ الذي منه قصة عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، «وأن الله ربي وربكم» هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلا من البشر سوى محمد ﷺ ، وقد يحتمل أن يكون قوله ذلِكَ عِيسَى إلى قوله فَيَكُونُ إخبارا لمحمد اعتراضا أثناء كلام عيسى، ويكون قوله «وأن» بفتح الألف عطفا على قوله الْكِتابَ [مريم: ٣٠] . وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم «أن الله ربي وربكم» ، ومن كسر الألف عطف على قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس «قول الحق» برفع القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق «قول الحق» بنصب القول على المصدر. قال أبو عبد الرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ثقة فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم يقرأ «قول الحق» نصبا، قال أبو عبد الرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعا. وقرأ عبد الله بن مسعود «قال الله» بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى «قال الحق» ، وقرأ نافع والجمهور «يمترون» بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضا وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند «تمترون» بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول
стр. 1685
بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف إلى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا [التوبة: ١٢٠] ، وإما تعجيز كقوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] ، وإما تنزيه كهذه الآية. ومِنْ وَلَدٍ، دخلت مِنْ مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل «من» ، وقوله، قَضى أَمْراً، أي واحدا من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى قَضى أوجد أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في كُنْ فَيَكُونُ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع «وأن الله» بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا قَوْلَ الْحَقِّ، «وأن الله ربي» ، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «وإن» بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب «إن الله» بكسر الألف دون واو. وقوله فَاعْبُدُوهُ وقف ثم ابتدأ هذا صِراطٌ أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد ﵇ بأن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا أي فرقا، وقوله مِنْ بَيْنِهِمْ معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا المختلفين. وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا أمر عيسى فقال أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد، فقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابن الله فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فقال له الرابع كذبت واتبعه الإسرائيلية، فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع كل واحد من الأربعة فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أن في ذلك نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] . و «الويل» الحزن والثبور، وقيل ويل واد في جهنم، ومَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد ب مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة، وقوله أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا
следующие страницы →