Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
هو المكلم لها وأن الجذع كان يابسا وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله بِجِذْعِ زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وأنشد الطبري: [الطويل]
بواد يمان ينبت السدر صدره ... وأسفله بالمزج والشبهان
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم والجمهور من الناس «تسّاقط» بفتح التاء وشد السين يريد النَّخْلَةِ، وقرأ البراء بن عازب والأعمش «يساقط» بالياء يريد «الجذع» ، وقرأ حمزة وحده «تساقط» بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو بخلاف، وقرأت فرقة «يساقط» بالياء على ما تقدم من إرادة النَّخْلَةِ أو «الجذع» . وقرأ عاصم في رواية حفص «تساقط» بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة «يساقط» بالياء، وقرأ أبو حيوة «يسقط» بالياء، وروي عنه «يسقط» بضم الياء وقرأ أيضا «تسقط» ، وحكى أبو علي في الحجة أنه قرىء «يتساقط» بياء وتاء، وروي عن مسروق «تسقط» بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو حيوة أيضا «يسقط» بفتح الياء وضم القاف، «رطب جني» بالرفع، ونصب رُطَباً يختلف بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل إلى الجذع ومرة إلى الهز، ومرة إلى النَّخْلَةِ وجَنِيًّا معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. وقرأ طلحة بن سليمان «جنيا» بكسر الجيم، وقد استدل بعض الناس من شيء للنفساء خيراً من التمر والرطب، وقال محمد بن كعب: كان طب عجوة، وقد استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه لأنه أمرت مريم بهز الجذع لترى آية، وكانت الآية تكون بأن لا تهز هي. وحكى الطبري عن ابن زيد أنه قال «قال لها عيسى: لا تحزني، فقالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: ٢٣] ، فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام» . وقوله فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي الآية، قرأ الجمهور «وقري» بفتح القاف، وحكى الطبري قراءة «وقري» بكسر القاف، وقرة العين مأخوذة من القر وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس، وضعفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله سخن وإنما معنى قرة العين أن البكاء الذي يسخن العين ارتفع إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت به العين. وقال الشيباني قَرِّي عَيْناً معناه نامي، حضها على الأكل والشرب والنوم.
وقوله عَيْناً نصب على التمييز، والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فينقل ذلك إلى ذي العين وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير، ومثله طبت نفسا وتفقأت شحما وتصببت عرقا، وهذا كثير. وقرأ الجمهور «ترين» وأصله ترءيين حذفت النون للجزم، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف والياء، فحذفت الألف فجاء ترى وعلى هذا! النحو هو قول الأفوه: [السريع] أما ترى رأسي أزرى به ثم دخلت النون الثقيلة، فكسرت الياء لاجتماع ساكنين منها ومن النون، وإنما دخلت النون هنا
стр. 1682
بتوطئة «ما» كما توطئ لدخولها أيضا لام القسم. وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «ترءين» بالهمزة، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشبية «ترين» بسكون الياء وفتح النون خفيفة، قال أبو الفتح: وهي شاذة، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها، وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور. وقالت فرقة معنى فَقُولِي بالإشارة لا بالكلام وإلا فكأن التناقض بين في أمرها. وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك «إني نذرت للرحمن وصمت» . وقال قوم معناه صَوْماً عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر: [البسيط] «خيل صيام» وأخرى غير صائمة وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام، وقرأت فرقة «إني نذرت للرحمن صمتا» ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتا، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام. قال المفسرون: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)
روي أن مريم ﵍ لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه، روي أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به. و «الفري» العظيم الشنيع، قاله مجاهد والسدي، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية، فإن جاء الفري بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين، وأما قولهم في المثل جاء يفري الفري فمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل، و «الفري» من الأسقية الجديد، وقرأ أبو حيوة «شيئا فريا» بسكون الراء، واختلف المفسرون في معنى قوله ، يا أُخْتَ هارُونَ، فقالت فرقة كان لها أخ اسمه هارُونَ لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل، تبركا باسم هارون أخي موسى، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم «أخت هارون» وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له. فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، فالمعنى أنه اسم وأفق اسما، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى «هارون» أخي موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخا فلانة ومنه قول النبي ﷺ «إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم» ، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست ب «أخت لهارون» أخي موسى، فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول الله ﷺ قاله فهو أصدق وخير، وإلّا فإني أجد
стр. 1683
بينهما من المدة ستمائة سنة، قال فسكتت. وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله يسمى «هارون» فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لما أتيت به. وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل فاجر اسمه «هارون» فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم يسم قائله، والمعنى ما كانَ أَبُوكِ ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟ و «البغي» التي تبغي الزنا أي تطلبه، أصلها بغوي فعول وقد تقدم ذكر ذلك.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٩ الى ٣٣]
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
التزمت مريم ﵍ ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [مريم: ٢٦] وإنما ورد أنها «أشارت إليه» فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب «قولي» إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وإنما هي في معنى هو ويحتمل أن تكون الناقصة والأظهر أنها التامة وقد قال أبو عبيدة كانَ هنا لغو، وقال الزجاج والفراء مَنْ شرطية في قوله مَنْ كانَ (ع) ونظير كان هذه قول رؤبة: [الرجز]
أبعد ان لاح بك القتير ... والرأس قد كان له شكير
وصَبِيًّا إما خبر كانَ على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال يعمل فيه الاستقرار المقدر في الكلام. وروي أن الْمَهْدِ يراد به حجر أمه قال لهم عيسى من مرقده إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ الآية وروي أنه قام متكئا على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى، والْكِتابَ هو الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل، ويكون الإيتاء فيهما مختلفا، وآتانِيَ معناه قضى بذلك وأنفذه في سابق حكمه وهذا نحو قوله تعالى أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] ، وغير هذا. وأمال الكسائي «آتاني وأوصاني» ، والباقون لا يميلون، قال أبو علي الإمالة في آتانِيَ أحسن لأن في أَوْصانِي مستعليا. ومُبارَكاً قال مجاهد معناه نفاعا، وقال سفيان معلم خير وقيل آمرا بمعروف ناهيا عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء ما الذي أعلن من علمي قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه. وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال مُبارَكاً معناه قضاء للحوائج (ع) وقوله مُبارَكاً يعم هذه الوجوه وغيرها. وبِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قيل هما المشروعتان في البدن والمال، وقيل زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل «الصلاة» الدعاء وَالزَّكاةِ التطهير
стр. 1684
من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ «دمت» بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ «دمت» بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة، وقرأ الجمهور «وبرا» بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله مُبارَكاً، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة «برا» بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله مُبارَكاً فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضها نصبه بقوله وَأَوْصانِي أي «وأوصاني برا بوالدتي» حذف الجار كأنه يريد «وأوصاني ببر والدتي» . وحكى الزهراوي هذه القراءة «وبرّ» بالخفض عطفا على الزَّكاةِ، وقوله بِوالِدَتِي بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. و «الجبار» المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروها، وكان عيسى ﵇ في غاية التواضع، يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له. قال قتادة وكان يقول: سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي. وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله. وقال مالك بن أنس ﵁ في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت.
وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا الأمر عظيم.
وروي أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر. وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائله.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى ذلِكَ الذي منه قصة عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، «وأن الله ربي وربكم» هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلا من البشر سوى محمد ﷺ ، وقد يحتمل أن يكون قوله ذلِكَ عِيسَى إلى قوله فَيَكُونُ إخبارا لمحمد اعتراضا أثناء كلام عيسى، ويكون قوله «وأن» بفتح الألف عطفا على قوله الْكِتابَ [مريم: ٣٠] . وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم «أن الله ربي وربكم» ، ومن كسر الألف عطف على قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس «قول الحق» برفع القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق «قول الحق» بنصب القول على المصدر. قال أبو عبد الرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ثقة فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم يقرأ «قول الحق» نصبا، قال أبو عبد الرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعا. وقرأ عبد الله بن مسعود «قال الله» بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى «قال الحق» ، وقرأ نافع والجمهور «يمترون» بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضا وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند «تمترون» بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول
стр. 1685
بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف إلى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا [التوبة: ١٢٠] ، وإما تعجيز كقوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] ، وإما تنزيه كهذه الآية. ومِنْ وَلَدٍ، دخلت مِنْ مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل «من» ، وقوله، قَضى أَمْراً، أي واحدا من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى قَضى أوجد أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في كُنْ فَيَكُونُ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع «وأن الله» بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا قَوْلَ الْحَقِّ، «وأن الله ربي» ، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «وإن» بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب «إن الله» بكسر الألف دون واو. وقوله فَاعْبُدُوهُ وقف ثم ابتدأ هذا صِراطٌ أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد ﵇ بأن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا أي فرقا، وقوله مِنْ بَيْنِهِمْ معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا المختلفين. وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا أمر عيسى فقال أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد، فقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابن الله فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فقال له الرابع كذبت واتبعه الإسرائيلية، فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع كل واحد من الأربعة فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أن في ذلك نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] . و «الويل» الحزن والثبور، وقيل ويل واد في جهنم، ومَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد ب مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة، وقوله أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا
стр. 1686
ينفعهم الإقبال عليها وهم في الدنيا صم عمي إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم، ثم قال: لكنهم اليوم في الدنيا فِي ضَلالٍ وهو جهل المسلك، و «المبين» في نفسه وإن لم يبين لهم، وحكى الطبري عن أبي العالية أنه قال أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، وهي بمعنى الأمر لمحمد ﵇ أي أسمع الناس اليوم وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب إذا أتوا محشورين مغلوبين، وقوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، الآية، الخطاب أيضا في هذه الآية لمحمد ﵇ والضمير في أَنْذِرْهُمْ لجميع الناس، واختلف في يَوْمَ الْحَسْرَةِ فقال الجمهور هو يوم ذبح الموت، وفي هذا حديث صحيح، وقع في البخاري وغيره، أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح، وقال عبيد بن عمير كأنه دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفا على ما هم فيه. و «الأمر المقضي» ، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق العلماء، كما يقال: تدفن الغوائل وتجعل الترات تحت القدم، ونحو ذلك، وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، وقال ابن زيد وغيره يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم القيامة، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط الله وأمارته فهم في حال حسرة، و «الأمر المقضي» على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور إنفاذ ذلك عليهم، وقال ابن مسعود يَوْمَ الْحَسْرَةِ حين يرى الكفار مقاعدهم التي فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين، ويحتمل أن يكون يَوْمَ الْحَسْرَةِ اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك. وقوله وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يريد في الدنيا الآن وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ كذلك. وقوله نَرِثُ، تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق فكأنها وراثة، وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو والحسن والأعمش «يرجعون» بالياء، وقرأ الأعرج «ترجعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى «يرجعون» بالياء من تحت مفتوحة وكسر الجيم، وحكى عنهم أبو عمرو الداني «ترجعون» بالتاء.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٤٦]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
قوله: وَاذْكُرْ بمعنى واتل وشهر، لأن الله تعالى هو الذاكر، والْكِتابِ هو القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه الله عليهم، و «الصديق» ، فعيل بناء مبالغة من الصدق، وقرأ أبو البرهسم «إنه كان صادقا» ، والصدق عرفه في اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال صدقني الطعام كذا وكذا قفيزا، ويقال عود صدق للصلب الجيد، فكان إبراهيم ﵇ يوصف
стр. 1687
بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب، وأبو بكر ﵁ وصف ب «صدّيق» لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من الله تعالى، و «الصديق» مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩] . وقوله يا أَبَتِ
، اختلف النحاة في التاء من أَبَتِ
، فمذهب سيبويه أنها عوض من ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء، وفي مصحف ابن مسعود «وا أبت» بواو للنداء، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر. «يا أبت» بفتح التاء، ووجهها أنه أراد «يا أبتا» فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة، والذي لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها، لكن بين إبراهيم ﵇ بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده.
وقوله قَدْ جاءَنِي يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبىء، و «الصراط السوي» ، معناه الطريق المستقيم، وهو طريق الإيمان. وقوله يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره.
وقوله لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر بالله عبادة له. و «العصي» ، فعيل من عصى يعصي إذا خالف الأمر، وقوله أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ قال الطبري وغيره أَخافُ بمعنى أعلم.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أنه خوف على بابه، وذلك أن إبراهيم ﵇ لم يكن في وقت هذه المقاولة يائسا من إيمان أبيه، فكان يرجو ذلك وكان يخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره إلى الموت فيمسه العذاب. و «الولي» الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة، قال آزر وهو تارخ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، والرغبة ميل النفس، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه، وقوله أَراغِبٌ رفع بالابتداء وأَنْتَ فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه اعتماد «راغب» على ألف الاستفهام، ويجوز أن يكون «راغب» خبرا مقدما وأَنْتَ ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه. وقوله عَنْ آلِهَتِي، يريد الأصنام وكان فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده، وقوله لَأَرْجُمَنَّكَ اختلف فيه المتأولون، فقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه بالقول، أي لأشتمنك وَاهْجُرْنِي أنت إذا شئت مدة من الدهر، أو سالما حسب الخلاف الذي سنذكره. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه لَأَرْجُمَنَّكَ بالحجارة، وقالت فرقة:
معناه لأقتلنك، وهذان القولان بمعنى واحد، وقوله وَاهْجُرْنِي على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال: إن لم تنته لأقتلنك بالرجم، ثم قال له وَاهْجُرْنِي أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا تترتب الهجرة ومَلِيًّا معناه دهرا طويلا مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف، وقال ابن عباس وغيره مَلِيًّا معناه سليما منا سويا فهو حال من إِبْراهِيمُ ﵇، وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستبدا بحالك غنيا عني مليا بالاكتفاء.
стр. 1688
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٧ الى ٥٠]
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
قرأ أبو البرهسم «سلاما عليك» بالنصب، واختلف أهل العلم في معنى تسليمه عليه، فقال بعضهم هي تحية مفارق وجوزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها. وقال الجمهور: ذلك التسليم بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية، قال الطبري معناه أمنة مني لك، وهذا قول الجمهور وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسلام، وقال النقاش: حليم خاطب سفيها كما قال، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ورفع السلام بالابتداء وجاز ذلك مع نكرته لأنها نكرة مخصصة فقربت من المعرفة ولأنه في موضع المنصوب الذي هو سلمت سلاما وهذا كما يجوز ذلك في ما هو في معنى الفاعل كقولهم شرّ أهرّ ذا ناب، هذا مقال سيبويه. وقوله تعالى سَأَسْتَغْفِرُ معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك وهذا أظهر من أن يتأول على إبراهيم الخليل ﷺ أنه لم يعلم أن الله لا يغفر لكافر، وقد يجوز أن يكون إبراهيم ﵇ أول نبي أوحي إليه أن لا يغفر لكافر، لأن هذه العقيدة إنما طريقها السمع، فكانت هذه المقالة منه لأبيه قبل أن يوحى إليه ذلك، وإبراهيم ﵇ إنما تبين له في أبيه أنه عدو الله بأحد وجهين إما بموته على الكفر كما روي وإما بأن أوحي إليه تعسف الحتم عليه، وقال مكي عن السدي: أخره بالاستغفار إلى السحر، وهذا تعسف، وإنما ذكر ذلك في أمر يعقوب وبنيه وأما هذا فوعد باستغفار كثير مؤتنف فالسين متمكنة.
و «الحفي» ، المبتهل المتلطف وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه، ثم أخبره أنه يعتزلهم أي يصير عنهم بمعزل، ويروى أنهم كانوا بأرض كوثا فرحل إبراهيم ﵇ حتى نزل الشام وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم هاجر بسارة الحديث بطوله، وتَدْعُونَ بمعنى تعبدون، وقوله عَسى، ترج، في ضمنه خوف شديد، وقوله فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ إلى آخر الآية، إخبار من الله تعالى لمحمد ﵇ أنه لما رحل عن بلد أبيه وقومه عوضه الله من ذلك ابنه إِسْحاقَ وابنه يَعْقُوبَ وجعل له الولد تسلية وشدا لعضده، وإِسْحاقَ أصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة فحملت ب إِسْحاقَ هذا فيما روي، وقوله وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يريد العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة، كل ذلك من رحمة الله، و «لسان الصدق» هو الثناء الباقي عليهم آخر الأبد، قاله ابن عباس. واللسان في كلام العرب المقالة الذائعة كانت في خير أو شر ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا كذب فيها ولا سخر
وقال آخر: [الوافر] «ندمت على لسان فات مني»
стр. 1689
وإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلى الله عليهم أجمعين.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
هذا أمر من الله بذكر مُوسى بن عمران ﵇ على جهة التشريف، له وأعلمه ب إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «مخلصا» بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «مخلصا» بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة أي أخلصه الله للنبوءة والعبادة كما قال تعالى إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: ٤٦] .
و «الرسول» من الأنبياء الذي يكلف تبليغ أمة، وقد يكون نبيا غير رسول، وقوله وَنادَيْناهُ هو تكليم الله تعالى، والطُّورِ الجبل المشهور بالشام، وقوله الْأَيْمَنِ صفة للجانب، وكانت على يمين موسى بحسب وقوفه فيه، وإلا فالجبل نفسه لا يمنة له ولا يسرة ولا يوصف بشيء من ذلك إلا بالإضافة إلى ذي يمين ويسار، ويحتمل أن يكون قوله الْأَيْمَنِ مأخوذا من اليمن كأنه قال الأبرك والأسعد، فيصح على هذا أن يكون صفة للجانب وللجبل بجملته. وقوله، وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا، قال الجمهور هو تقريب التشريف بالكلام والنبوءة، وقال ابن عباس: بل أدني موسى من الملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام وقاله ميسرة، وقال سعيد: أردفه جبريل، و «النجي» ، فعيل من المناجاة وهي المسارّة بالقول، وقال قتادة نَجِيًّا معناه نجا بصدقة وهذا مختل، وإنما «النجي» المنفرد بالمناجاة، وكان هارُونَ ﵇ أسن من موسى وطلب من الله أن يشد أزره بنبوته ومعونته فأجابه الله تعالى إلى ذلك وعدها في نعمه عليه، وقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ، هو أيضا من لسان الصدق والشرف المضمون بقاؤه على آل إبراهيم ﵇، وإِسْماعِيلَ هو أبو العرب اليوم وذلك أن اليمنية والمضرية ترجع إلى ولد إِسْماعِيلَ وهو الذي أسكنه أبوه بواد غير ذي زرع وهو الذبيح في قوله الجمهور وقالت فرقة الذبيح إسحاق.
قال القاضي أبو محمد: والأول يترجح بجهات منها قول الله ﵎، ومن وراء إسحاق يعقوب فولد قد بشر أبواه أنه سيكون منه ولد هو حفيد لهم كيف يؤمر بعد ذلك بذبحه وهذه العدة قد تقدمت وجهة أخرى وهي أن أمر الذبح لا خلاف بين العلماء أنه كان بمنى عند مكة وما روي قط أن إسحاق دخل تلك البلاد، وإسماعيل بها نشأ وكان أبوه يزور مرارا كثيرة يأتي من الشام ويرجع من يومه على البراق وهو مركب الأنبياء، وجهة أخرى وهي قول النبي ﵇ «أنا ابن الذبيحين» وهو أبوه عبد الله لأنه فدي بالإبل من الذبح، والذبيح الثاني هو أبوه إسماعيل، وجهة أخرى وهي الآيات في سورة الصافات وذلك أنه لما فرغ من ذكر الذبح وحاله، قال وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ [الصافات: ١١٢] ، فترتيب تلك الآيات يكاد ينص على أن
стр. 1690
الذبيح غير إسحاق، ووصفه الله تعالى ب «صدق الوعد» لأنه كان مبالغا في ذلك، روي أنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء الرجل فقال له ما زلت هنا في انتظارك منذ أمس. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة وهذا بعيد غير صحيح والأول أصح، وقد فعل مثله نبينا محمد ﷺ قبل أن يبعث، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة وقيل وصفه ب «صدق الوعد» لوفائه بنفسه في أمر الذبح إذ قال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً [الكهف: ٦٩] وقال سفيان بن عيينة: أسوأ الكذب إخلاف الميعاد ورمي الأبرياء بالتهم، وقد قال رسول الله ﷺ «العدة دين فناهيك بفضيلة الصدق» في هذا وأَهْلَهُ، يريد بهم قومه وأمته، قاله الحسن، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وكان يأمر قومه» . وقوله مَرْضِيًّا أصله مرضويا لقيت الواو وهي ساكنة الياء فأبدلت ياء وأدغمت ثم كسرت الضاد للتناسب في الحركات، وقرأ ابن أبي عبلة «وكان عند ربه مرضوا» .
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)
إِدْرِيسَ ﵇ هو من أجداد نوح ﵇، وهو أول نبي بعث إلى أهل الأرض، فيما روي، من بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم وكان خياطا، ووصفه الله ب «الصدق» والوجه أن يحمل ذلك على العموم في الأحاديث والأعمال. قال ابن مسعود هو الياس بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إله إلا الله.
ويعملوا ما شاؤوا فأبوا فأهلكوا، والأشهر أنه لم يبعث بإهلاك أمة وإنما نبىء فقط واختلف الناس في قوله وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.
فقال جماعة من العلماء هو رفع النبوءة والتشريف والمنزلة وهو في السماء كما سائر الأنبياء، وقالت فرقة: بل رفع إلى السماء، قال ابن عباس: كان ذلك بأمر الله كما رفع عيسى وهنالك مات، وقاله مجاهد إلا أنه قال: ولم يمت، وكذلك قال وهب وقال كعب الأحبار لابن عباس كان له خليل من الملائكة فحمله على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة فلقي هنالك ملك الموت فقال له إنه قيل لي اهبط إلى السماء الرابعة فاقبض فيها روح إِدْرِيسَ وإني لأعجب كيف يكون هذا، فقال له الملك الصاعد هذا إِدْرِيسَ معي فقبض روحه وروي أن هذا كله كان في السماء السادسة قاله ابن عباس، وكذلك هي رتبته في حديث الإسراء في بعض الروايات وحديث أنس بن مالك وأبي هريرة في الإسراء يقتضي أنه في السماء الرابعة. وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الإشارة ب أُولئِكَ إلى من تقدم ذكره، وقوله مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ يريد إِدْرِيسَ ونوحا وممن حمل مع نوح إبراهيم ﵇، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية إِسْرائِيلَ موسى وهارون وزكرياء ويحيى ومريم. وقوله.
стр. 1691
وَمِمَّنْ هَدَيْنا، معناه وأولئك ممن هدينا، لأن هدى الله قد ناله غير هؤلاء. وَاجْتَبَيْنا معناه اصطفينا واخترنا وكأنه من جبيت المال إذا جمعته ومنه جباية المال وكأن جابيه يصطفيه، وقرأ الجمهور «إذا تتلى» بالتاء من فوق وقرأ نافع وشيبة، وأبو جعفر «إذا يتلى» بالياء، و «الآيات» هنا الكتب المنزلة، وسُجَّداً نصب على الحال لأن مبدأ السجود سجود، وقرأ عمر بن الخطاب والجمهور «بكيا» ، قالت فرقة: هو جمع باك كما يجمع عاث وجاث على عثّي وجثي، وقالت فرقة: هو مصدر بمعنى البكاء التقدير وبكو بُكِيًّا واحتج الطبري ومكي لهذا القول بأن عمر بن الخطاب ﵁ روي أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال «هذا السجود فأين البكّي» يعني البكاء، واحتجاجهم بهذا فاسد لأنه يحتمل أن يريد عمر ﵁ «فأين الباكون» ، فلا حجة فيه لهذا وهذا الذي ذكروه عن عمر ذكره أبو حاتم عن النبي ﷺ . وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش «وبكيا» بكسر الباء وهو مصدر على هذه القراءة لا يحتمل غير ذلك.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٩ الى ٦٣]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)
«الخلف» بفتح اللام القرن يأتي بعد آخر يمضي، والابن بعد الأب، وقد يستعمل في سائر الأمور.
«والخلف» بسكون اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموما هذا مشهور كلام العرب وقد ذكر عن بعضهم أن الخلف والخلف بمعنى واحد وحجة ذلك قول الشاعر:
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع
وقرأ الجمهور «الصلاة» بالإفراد، وقرأ الحسن «أضاعوا الصلوات» بالجمع، وكذلك في مصحف ابن مسعود، والمراد ب «الخلف» من كفر أو عصى بعد من بني إسرائيل، وقال مجاهد: المراد النصارى خلفوا بعد اليهود وقال محمد بن كعب ومجاهد وعطاء: هم قوم من أمة محمد آخر الزمان، أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال «كان الخلف بعد ستين سنة» ، وهذا عرف إلى يوم القيامة وتتجدد أيضا المبادئ، واختلف الناس في «إضاعة الصلاة» منهم، فقال محمد بن كعب القرظي وغيره: «كانت إضاعة كفر وجحد بها» . وقال القاسم بن مخيمرة وعبد الله بن مسعود: «كانت إضاعة أوقاتها والمحافظة على أوانها» وذكره الطبري عن عمر بن عبد العزيز ﵁ في حديث طويل. والشَّهَواتِ عموم وكل ما ذكر من ذلك فمثال، و «الغي» الخسران والحصول في الورطات ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
стр. 1692
وبه فسر ابن زيد هذه الآية، وقد يكون «الغي» أيضا بمعنى الضلال فيكون على هذا هنا حذف مضاف تقديره «يلقون جزاء الغي» ، وبهذا فسر الزجاج. وقال عبد الله بن عمرو وابن مسعود «غي» واد في جهنم وبه وقع التوعد في هذه الآية، وقيل «غي وآثام، نيران في جهنم» رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي ﵇. وقوله إِلَّا مَنْ تابَ استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع، وقوله وَآمَنَ يقتضي أن الإضافة أولا هي إضاعة كفر هذا مع اتصال الاستثناء، وعليه فسر الطبري. وقرأ الجمهور «يدخلون» بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الحسن كل ما في القرآن «يدخلون» بفتح الياء وضم الخاء. وقوله جَنَّاتِ عَدْنٍ، وقرأ جمهور الناس «جنات عدن» بنصب الجنات على البدل من قوله يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو حيوة «جنات» برفعها على تقدير تلك جنات، وقرأ علي بن صالح «جنة» على الإفراد والنصب وكذلك في مصحف ابن مسعود وقرأها الأعمش، و «العدن» الإقامة المستمرة. قوله بِالْغَيْبِ أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي هذا مدح لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذ لم يعاينوا.
و «المأتي» مفعول على بابه، والآتي هو الإنجاز والفعل الذي تضمنه الوعد، وكان إتيانه إنما يقصد به «الوعد» الذي تقدمه. وقالت جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ بمعنى فاعل بمعنى آت وهذا بعيد، والنظر الأول أصوب، و «اللغو» ، الساقط من القول، وهو أنواع مختلفة كلها ليست في الجنة، وقوله إِلَّا سَلاماً، استثناء منقطع، المعنى لكن يسمعون كلاماً هو تحية الملائكة لهم في كل الأوقات. وقوله بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يريد في التقدير أي يأتيهم طعامهم مرتين في مقدار اليوم والليلة من الزمن، ويروى أن أهل الجنة تنسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فهم يعرفون البكرة عند انفتاحها والعشي عند انسدادها، وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشيا لكن يؤتى به على قدر ما كانوا يشتهون في الدنيا، وقد ذكر نحوه قتادة، أن تكون مخاطبة بما تعرفه العرب وتستغربه في رفاهة العيش، وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه. وقال الحسن: خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش وذلك أن كثيرا من العرب إنما كان يجد الطعام المرة في اليوم وهي غايته، وكان عيش أكثرهم من شجر البرية ومن الحيوان ونحوه ألا ترى قول الشاعر: [المنسرح]
عصرته نطفة تضمنها ... لصب توقى مواقع السبل
أو وجبة من جناة أشكلة ... إن لم يزغها بالقوس لم تنل
الوجبة الأكلة في اليوم. وقرأ الجمهور «نورث» بسكون الواو، وقرأ الأعمش «نورثها» ، وقرأ الحسن والأعرج وقتادة «نورّث» بفتح الواو وشد الراء.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
قرأ الجمهور «وما نتنزل» بالنون كأن جبريل عنى نفسه والملائكة، وقرأ الأعرج وما «يتنزل» بالياء على
стр. 1693
أنه خبر من الله أن جبريل لا يتنزل، قال هذا التأويل بعض المفسرين، ويرده قوله ما بَيْنَ أَيْدِينا لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبرا من جبريل أن القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها.
ورويت قراءة الأعرج بضم الياء، وقرأ ابن مسعود «إلا بقول ربك» ، وقال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية، أن النبي ﵇ أبطأ عنه جبريل مرة فلما جاءه قال «يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا» ، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد والضحاك: سببها أن جبريل تأخر عن النبي ﷺ عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف «غدا أخبركم» حتى فرح بذلك المشركون واهتم رسول الله ﷺ ، ثم جاء جبريل ونزلت هذه في ذلك المعنى، فهي كالتي في الضحى، وهذه الواو التي في قوله وَما نَتَنَزَّلُ هي عاطفة جملة كلام على أخرى وواصلة بين القولين وإن لم يكن معناهما واحدا. وحكى النقاش عن قوم أن قوله وَما نَتَنَزَّلُ متصل بقوله إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
[مريم: ١٩] ، وهذا قول ضعيف، وقوله ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ لفظ يحتاج إلى ثلاث مراتب، واختلف المفسرون فيها، فقال أبو العالية «ما بين الأيدي» في الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى، «وما خلف» الآخرة من وقت البعث وَما بَيْنَ ذلِكَ ما بين النفختين. وقال ابن جريج «ما بين الأيدي» هو ما مر من الزمن قبل إيجاد من في الضمير، «وما خلف» هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة وَما بَيْنَ ذلِكَ هو مدة الحياة.
قال القاضي أبو محمد: والآية إنما المقصد بها الإشعار بملك الله تعالى لملائكة وأن قليل تصرفهم وكثيرة إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان، إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له، فلو ذهب بالآية إلى أن المراد ب «ما بين الأيدي وما خلف» الأمكنة التي فيها تصرفهم، والمراد ب ما بَيْنَ ذلِكَ هم أنفسهم ومقاماتهم لكان وجهها كأنه قال نحن مقيدون بالقدرة لا ننتقل ولا نتتزل إلا بأمر ربك. وقال ابن عباس وقتادة فيما روي وما أراه صحيحا عنهما «ما بين الأيدي هي الآخرة وما خلف هو الدنيا» ، وهذا مختل المعنى إلا على التشبيه بالمكان لأن ما بين اليد إنما هو ما تقدم وجوده في الزمن بمثابة التوراة والإنجيل من القرآن وقول أبي العالية إنما يتصور في بني آدم وهذه المقالة هي للملائكة فتأمله. وقوله وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي ممن يلحقه نسيان بعثنا إليكم في وقت المصلحة به فإنما ذلك عن قدر له أي فلا تطلب أنت يا محمد الزيارة أكثر مما شاء الله هذا ما تقتضيه قوة الكلام على التأويل الواحد أو فلا تهتم يا محمد بتأخيري ولا تلفت لفرح المشركين بذلك على التأويل الثاني ونَسِيًّا فعيل من النسيان والذهول عن الأمور، وقالت فرقة نَسِيًّا هنا معناه تاركا، ع: وفي هذا ضعف لأنه إنما نفي النسيان مطلقا فيتمكن ذلك في النسيان الذي هو نقص وأما الترك فلا ينتفي مطلقا ألا ترى قوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ [البقرة: ١٧] وقوله وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] فلو قال نسيك أو نحوه من التقييد لصح حمله على الترك، ولا حاجة بنا أن نقول إن التقييد في النية لأن المعنى الآخر أظهر. وقرأ ابن مسعود «وما بين ذلك وما نسيك ربك» ، وروى أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهي عافيته فاقبلوا» ثم تلا هذه الآية وقوله رَبُّ بدل من قوله وَما كانَ رَبُّكَ، وقوله فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أمر بحمل تكاليف الشرع وإشعار ما بصعوبتها كالجهاد
стр. 1694
والحج والصدقات فهي شريعة تحتاج إلى اصطبار أعاننا الله عليها بمنه. وقرأ الجمهور «هل تعلم» بإظهار اللام، وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو بإدغام اللام في التاء وهي قراءة عيسى والأعمش والحسن وابن محيصن قال أبو علي: سيبويه يجيز إدغام اللام في الطاء والتاء والدال والثاء والضاد والزاي والسين، وقرأ أبو عمرو «وهل ثوب» بإدغامها في الثاء وإدغامها في التاء أحق لأنها أدخل معها في الفم ومن إدغامها في التاء ما روي من قول مزاحم العقيلي: [الطويل]
فذر ذا ولكن هل تعين متيما ... على ضوء برق آخر الليل ناصب
وقوله سَمِيًّا، قال قوم: وهو ظاهر اللفظ معناه موافقا في الاسم وهذا يحسن فيه أن يريد بالاسم ما تقدم من قوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي هل تعلم من يسمى بهذا ويوصف بهذه الصفة؟
وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا الاسم وثنا ولا شيئا سوى الله تعالى، وأما الألوهية والقدرة وغير ذلك فقد يوجه السمي فيها وذلك باشتراك لا بمعنى واحد. وقال ابن عباس وغيره: قوله سَمِيًّا معناه مثيلا أو شبيها أو نحو ذلك، وهذا قول حسن، وكأن السمي بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو، وهذا القول يحسن في هذه الآية ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى ﵇.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٦٩]
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)
الْإِنْسانُ اسم للجنس يراد به الكافر، وروي أن سبب هذه الآية هو أن رجالا من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه، وذكر أن القائل هو أبي بن خلف جاء إلى النبي ﷺ بعظم مرفت فنفخ فيه وقال أيبعث هذا وكذب وسخر، وقيل إن القائل هو العاصي بن وائل، وقرأ الأعرج وأبو عمرو «أإذا مامت» بالاستفهام الظاهر، وقرأت فرقة «إذا» دون ألف استفهام وقد تقدم هذا مستوعبا، وقرأت فرقة بكسر الميم، وقرأت فرقة «مت» بضمها. واللام في قوله لَسَوْفَ مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى كأن قائلا قال للكافر إذا مت يا فلان لسوف تخرج حيا فقرر الكافر على الكلام على جهة الاستبعاد وكرر اللام حكاية للقول الأول. وقرأ جمهور الناس «أخرج» بضم الهمزة وفتح الراء، وقرأ الحسن بخلاف وأبو حيوة «أخرج» بفتح الهمزة وضم الراء. وقوله أَوَلا يَذْكُرُ احتجاج خاطب الله تعالى به نبيه ﵇ ردا على مقالة الكافر. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر «ويذكر» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «يذكّر» بشد الذال والكاف، وقرأ أبي بن كعب «يتذكر» ، والنشأة الأولى والإخراج من العدم إلى الوجود أوضح دليل على جواز البعث من القبور ثم قرر ذلك وأوجبه السمع، وقوله وَلَمْ يَكُ شَيْئاً دليل على أن المعدوم لا يسمى شَيْئاً وقال أبو علي الفارسي أراد شَيْئاً موجودا.
قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية فتأملها وقوله فَوَ رَبِّكَ الآية وعيد يكون ما نفوه على
стр. 1695
أصعب وجوهه، والضمير في قوله لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر أنه يقرن بهم الشَّياطِينَ المغوين لهم. وقوله جِثِيًّا جمع جاث كقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثويا فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور «جثيا» و «صليا» [مريم: ٧٠] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش «جثيا» و «صليا» [ذاته] بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير.
ونحوه قال قتادة جِثِيًّا معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، و «الشيعة» الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضا أي ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئا بعد شيء، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار. قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرما، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري «أيّهم» بالنصب، وقرأ الجمهور «أيّهم» بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم «أيهم» واختلف الناس في وجه رفع «أي» ، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه «أيّهم» أشد وقرنه بقول الشاعر: [الكامل]
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم
أي فأبيت يقال فيّ لا حرج ولا محروم. ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبويه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ومذهب سيبويه أن «أيّهم» مبني على الضم إذ هي أخت «الذي ولما» وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت إلى البناء، وكأن التقدير «أيّهم» هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال أبو علي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي لَنَنْزِعَنَّ أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في «أي» ، وقال المبرد «أيّهم» متعلق ب شِيعَةٍ فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا «أيّهم» أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولا ل «ننزع» محذوفا. وقرأ طلحة بن مصرف «أيهم أكبر» . وعِتِيًّا مصدر أصله عتووا وعلل بما علل جِثِيًّا وروى أبو سعيد الخدري «أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد» فتلتقطهم الحديث.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)
стр. 1696
أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئا غير موضعه لأنا قد أحطنا علما بكل أحد فالأولى بصلي النار نعرفه، و «الصلي» مصدر صلي يصلى إذا باشره قال ابن جريج: المعنى أَوْلى بالخلود، وقوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي ﵇ «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم» . وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة «وإن منهم» بالهاء على إرادة الكفار فلا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين مِنْكُمْ المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضا سهل التناول، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من «ورود» الجميع، واختلفوا في كيفية «ورود» المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم:
«ورود» دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم الله منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك. وقالوا: في القرآن أربعة أوراد معناها الدخول هذه أحدها، وقوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨] ، وقوله وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: ٨٦] ، وقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] ، وقالوا كان من دعاء بعض السلف «اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما» . وروى جابر بن عبد الله عن النبي ﵇ أنه قال «الورود في هذه الآية هو الدخول» . وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر، وقالت فرقة بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته، وليس يلزم أن تدخل فيه، قال وحسب المؤمنين بهذا هؤلاء ومنه قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] ، وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة. فيأتي الخلق كلهم، برهم وفاجرهم، فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر، قالوا فهذا هو «الورود» ، وروت حفصة أن رسول الله ﷺ قال «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية» ، فقالت يا رسول الله وأين قول الله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، فقال رسول الله ﷺ «فمه ثم ننجي الذين اتقوا» ، ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ع: وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبد الله بن مسعود: ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن «أن الصراط مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب» ، قالوا فالجواز على الصراط هو «الورود» الذي تضمنته هذه الآية، وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب في دار الدنيا، وفي الحديث «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» ، وفي الحديث «الحمى حظ كل مؤمن من النار» ، وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال لرجل مريض عاده من الحمى: إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود. و «الحتم» الأمر المنفذ المجزوم، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس «ثم ننجي» بفتح الثاء من
стр. 1697
«ثم» على الظرف، وقرأ ابن أبي ليلى «ثمة» بفتح الثاء وهاء السكت، وقرأ نافع وابن كثير وجمهور من الناس «ننجّي» بفتح النون الثانية وشد الجيم، وقرأ يحيى والأعمش «ننجي» بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأت فرقة «نجّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وقرأ علي بن أبي طالب «ثم» بفتح الثاء «ننجي» بالحاء غير منقوطة. والَّذِينَ اتَّقَوْا معناه اتقوا الكفر، وقال بعض العلماء لا يضيع أحد بين الإيمان والشفاعة. وَنَذَرُ دالة على أنهم كانوا فيها، والظلم هنا هو ظلم الكفر، وقد تقدم القول في قوله جِثِيًّا، وقرأ ابن عباس «الذين اتقوا منها ونترك الظالمين» .
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٥]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)
قرأ الأعرج وابن محيصن وأبو حيوة «يتلى» بالياء من تحت، وسبب هذه الآية أن كفار قريش لما كان الرجل منهم يكلم المؤمن في معنى الدين فيقرأ المؤمن عليه القرآن ويبهره بآيات النبي ﵇، كان الكافر منهم يقول إن الله إنما يحسن لأحب الخلق إليه وإنما ينعم على أهل الحق ونحن قد أنعم الله علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء ونحن أحسن مجلسا وأجمل شارة فهذا المعنى ونحوه هو المقصود بالتوقيف في قوله أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، وقرأ نافع وابن عامر «مقاما» بفتح الميم ولا مُقامَ لَكُمْ [الأحزاب: ١٣] بالفتح أيضا، وهو المصدر من قام أو الظرف منه أي موضع القيام، وهذا يقتضي لفظ المقام إلا أن المعنى في هذه الآية يحرز أنه واقع على الظرف فقط، وقرأ أبيّ فِي مَقامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] بضم الميم، وقرأ ابن كثير «مقاما» بضم الميم وهو ظرف من أقام وكذلك أيضا يجيء المصدر منه مثل مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١] وقرأ فِي مَقامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] «ولا مقام لكم» [الأحزاب: ١٣] بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم جميعهن بالفتح، وروى حفص عن عاصم «لا مقام لكم» بالضم. و «الندي» والنادي المجلس فيه الجماعة ومنه قول حاتم الطائي:
فدعيت في أولى الندي ... ولم ينظر إليّ بأعين خزر
وقوله وَكَمْ مخاطبة من الله تعالى لمحمد خبر يتضمن كسر حجتهم واحتقار أمرهم لأن التقدير:
هذا الذي افتخروا به لا قدر له عند الله وليس بمنج لهم فكم أهلك الله من الأمم لما كفروا وهم أشد من هؤلاء وأكثر أموالا وأجمل منظرا. و «القرن» الأمة يجمعها العصر الواحد، واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة، و «الأثاث» المال العين والعرض والحيوان وهو اسم عام واختلف هل هو جمع أو إفراد.
فقال الفراء: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالمتاع، وقال خلف الأحمر: هو جمع واحده أثاثة كحمامة وحمام ومنه قول الشاعر: [الوافر]
стр. 1698
أشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث
وأنشد أبو العباس: [الوافر]
لقد علمت عرينة حيث كانت ... بأنا نحن أكثرهم أثاثا
وقرأ نافع بخلاف وأهل المدينة «وريّا» بياء مشددة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه وطلحة «وريا» بياء مخففة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي «ورءيا» بهمزة بعدها ياء على وزن رعيا، ورويت عن نافع وابن عامر رواها أشهب عن نافع وقرأ أبو بكر عن عاصم «وريئا» بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب وزنه فلعا وكأنه من راع وقال الشاعر: [الطويل]
وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
فأما القراءتان المهموزتان فهما من رؤية العين الرئي اسم المرئي والظاهر للعين كالطحن والسقي، قال ابن عباس الرئي المنظر قال الحسن «وريا» معناه صورا وأما المشددة الياء فقيل هي بمعنى المهموزة إلا أن الهمزة خففت لتستوي رؤوس الآي، وذكر منذر بن سعيد عن بعض أهل العلم أنه من «الري» في السقي كأنه أراد أنهم خير منهم بلادا وأطيب أرضا وأكثر نعما إذ جملة النعم إنما هي من الري والمطر، وأما القراءة المخففة الياء فضعيفة الوجه، وقد قيل هي لحن، وقرأ سعيد بن جبير ويزيد البربري وابن عباس أيضا «وزيا» بالزاي وهو بمعنى الملبس وهيئته تقول زييت بمعنى زينت، وأما قوله قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ الآية فقول يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال كأنه يقول الأضل منا أو منكم «مد» الله له أي أملى له حتى يؤول ذلك إلى عذابه، والمعنى الآخر أن يكون بمعنى الخبر كأنه يقول من كان ضالا من الأمم فعادة الله فيه أنه «يمد» له ولا يعاجله حتى يفضي ذلك إلى عذابه في الآخرة، فاللام في قوله فَلْيَمْدُدْ على المعنى الأول لام رغبة في صيغة الأمر، وعلى المعنى الثاني لام أمر دخلت في معنى الخبر ليكون أوكد وأقوى وهذا موجود في كلام العرب وفصاحتها.
قوله :
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ...
حَتَّى في هذه الآية حرف ابتداء دخلت على جملة وفيها معنى الغاية، وإِذا شرط، وجوابها في قوله فَسَيَعْلَمُونَ والرؤية رؤية العين، والْعَذابَ والسَّاعَةَ بدل من ما التي وقعت عليها
стр. 1699
رَأَوْا وإِمَّا هي المدخلة للشك في أول الكلام والثانية عطف عليها، والْعَذابَ يريد به عذاب الدنيا ونصرة المؤمنين عليهم، و «الجند» النصرة والقائمون بأمر الحرب، وشَرٌّ مَكاناً بإزاء قولهم خَيْرٌ مَقاماً [مريم: ٧٣] وَأَضْعَفُ جُنْداً بإزاء قولهم أَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم: ٧٢] قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٦ الى ٨٠]
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)
ولما ذكر ضلالة الكفرة وارتباكهم في الافتخار بنعم الدنيا وعماهم عن الطريق المستقيم عقب ذلك بذكر نعمته على المؤمنين في أنهم يزيدهم هُدىً في الارتباط إلى الأعمال الصالحة والمعرفة بالدلائل الواضحة وزيادة العلم دأبا. قال الطبري عن بعضهم المعنى بناسخ القرآن ومنسوخه ع: وهذا مثال وقوله وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ إشارة إلى ذلك الهدى الذي يزيدهم الله تعالى أي وهذه النعم على هؤلاء خَيْرٌ عند الله ثَواباً وخير مرجعا. والقول في زيادة الهدى سهل بين الوجوه، وأما الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ فقال بعض العلماء هو كل عمل صالح يرفع الله به درجة عامله، وقال الحسن هي «الفرائض» ، وقال ابن عباس هي «الصلوات الخمس» وروي عن النبي ﵇ «أنها الكلمات المشهورات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وقد قال رسول الله ﵇ لأبي الدرداء «خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فهن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة» . وروي عنه ﵇ أنه قال يوما «خذوا جنتكم» قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال «من النار» قالوا ما هي يا رسول الله، قال «سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» ، وهن الباقيات الصالحات» . وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث: لأهللن، ولأكبرن الله، ولأسبحنه حتى إذا رآني الجاهل ظنني مجنونا، وقوله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ الآية، الفاء في قوله أَفَرَأَيْتَ عاطفة بعد ألف الاستفهام وهي عاطفة جملة على جملة، والَّذِي كَفَرَ يعني به العاصي بن وائل السمهي، قاله جمهور المفسرين، وكان خبره أن خباب بن الأرت كان قينا في الجاهلية فعمل له عملا واجتمع له عنده دين فجاءه يتقاضاه فقال له العاصي لا أنصفك حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يمييتك الله ثم يبعثك، قال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟ قال خباب نعم، قال: فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي وقد كانت للوليد أيضا أقوال تشبه هذا الغرض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «وولدا» على معنى اسم الجنس بفتح الواو واللام وكذلك في سائر ما في القرآن إلا في سورة نوح مالُهُ وَوَلَدُهُ [نوح: ٢١] فإنما قرأ بضم الواو وسكون اللام، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي «وولدا» بضم الواو وسكون اللام وكذلك في جميع القرآن، وقرأ ابن مسعود «ولدا» بكسر الواو وسكون اللام، واختلف مع ضم الواو فقال بعضهم: هو جمع «ولد كأسد وأسد» واحتجوا بقول الشاعر: [مجزوء الكامل]
فلقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا
وقال بعضهم هو بمعنى الولد واحتجوا بقول الشاعر: [الطويل]
فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حمار
قال أبو علي في قراءة حمزة والكسائي ما كان منه مفردا قصد به المفرد، وما كان منه جمعا قصد
стр. 1700
الجمع، وقال الأخفش: الولد الابن والابنة، والولد الأهل والوالد وقال غيره: والولد بطن الذي هو منه، حكاه أبو علي في الحجة، وقوله أَطَّلَعَ الْغَيْبَ توقيف والألف للاستفهام وحذفت ألف الوصل للاستغناء عنها، واتخاذ العهد معناه بالإيمان والأعمال الصالحة، وكَلَّا زجر ورد، ثم أخبر تعالى أن قول هذا الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه ومعاقبته به. وقرأ «سنكتب» بالنون أبو عمرو والحسن وعيسى، وقرأ عاصم والأعمش «سيكتب» بياء مضمومة، ومد العذاب هو إطالته وتعظيمه وقوله ما يَقُولُ أي هذه الأشياء التي سمى أنه يؤتاها في الآخرة يرث الله ما له منها في الدنيا فإهلاكه وتركه لها، فالوراثة مستعارة ويحتمل أن يكون خيبته في الآخرة كوراثة ما أمل. وفي حرف ابن مسعود «ونرثه ما عنده» ، وقال النحاس نَرِثُهُ ما يَقُولُ معناه نحفظه عليه لنعاقبه، ومنه قول النبي ﵇ «العلماء ورثة الأنبياء» أي حفظة ما قالوا فكأن هذا المجرم يورث هذا المقالة. وقوله فَرْداً يتضمن ذلته وقلة انتصاره.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)
اتخذ افتعل من أخذ لكنه يتضمن إعدادا من المتخذ وليس ذلك في أخذ، والضمير في اتَّخَذُوا لعبادة الأوثان والآلهة الأصنام وكل ما عبد من دون الله، ومعنى قوله عِزًّا العموم في النصرة والمنفعة وغير ذلك من وجوه الخير، وقوله كَلَّا زجر وردع، وهذا المعنى لازم ل كَلَّا فإن كان القول المردود منصوصا عليه بان المعنى، وإن لم يكن منصوصا عليه فلا بد من أمر مردود يتضمنه القول كقوله كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [العلق: ٦] فإن قوله عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥] يتضمن مع ما قبله أن الإنسان يزعم من نفسه ويرى أن له حولا ما ولا يتفكر جدا في أن الله علمه ما لم يعلم وأنعم عليه بذلك وإلا كان معمور جهل، وقرأ الجمهور «كلا» على ما فسرناه، وقرأ أبو نهيك «كلا» بفتح الكاف والتنوين حكاه عنه أبو الفتح وهو نعت ل آلِهَةً وحكى عنه أبو عمرو الداني «كلا» بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه سيكفرون تقديره يرفضون أو ينكرون أو يجحدون أو نحوه، واختلف المفسرون في الضمير الذي في سَيَكْفُرُونَ وفي بِعِبادَتِهِمْ فقالت فرقة: الأول للكفار والثاني للمعبودين والمعنى أنه سيجيء يوم القيامة من الهول على الكفار والشدة ما يدفعهم إلى جحد الكفر وعبادة الأوثان، وذلك كقوله تعالى حكاية عنهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] وقالت فرقة: الأول للمعبودين والثاني للكفار والمعنى أن الله تعالى يجعل للأصنام حياة تنكر بها ومعها عبادة الكفار وأن يكون لها من ذلك ذنب، وأما المعبود من الملائكة وغيرهم فهذا منهم بين. وقوله ضِدًّا معناه يجيئهم منهم خلاف ما كانوا أملوه فيؤول ذلك بهم إلى ذلة ضد ما أملوه من العز وهذه صفة عامة، وقال قتادة ضِدًّا معناه قرناء، وقال ابن عباس:
стр. 1701
معناه أعوانا، وقال لضحاك: أعداء، وقال ابن زيد: بلاء، وقيل غير هذا مما لفظ القرآن أعم منه وأجمع للمعنى المقصود، والضد هنا مصدر وصف به الجمع كما يوصف به الواحد، وحكى الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ «كل» بالرفع ورفعها بالابتداء، وقوله أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ الآية، الرؤية في الآية رؤية القلب، وأَرْسَلْنَا معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم فكله تسليط وهو مثل قوله نقيض له شيطانا وتعديته ب عَلَى دال على أنه تسليط، وتَؤُزُّهُمْ معناه تغليهم وتحركهم إلى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجا، قال ابن زيد: تشليهم أشلاء ومنه أزير القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول الله ﷺ «فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل» وقوله فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي لا تستبطىء عذابهم وتحب تعجيله، وقوله نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي مدة نعمتهم وقبيح أعمالهم لنصيرهم إلى العذاب إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة، قال ابن عباس: نعد أنفاسهم.
قال القاضي أبو محمد: وما تضمنته هذه الألفاظ من الوعيد بعذاب الآخرة هو العامل في قوله يَوْمَ ويحتمل أن يعمل فيه لفظ مقدر تقديره واذكر أو احذر ونحو هذا، و «الحشر» الجمع، وقد صار في عرف ألفاظ الشرع البعث من القبور، وقرأ الحسن يوم «يحشر المتقون ويساق المجرمون» ، وروي عنه «ويسوق المجرمين» بالياء. و «المتقون» هم المؤمنون الذين قد غفر لهم، وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوض إلى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار. ووَفْداً قال المفسرون معناه ركبانا وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلا فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو مضمن الانصراف، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنهم يجيئون ركبانا على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا، وروي عن عمر بن قيس الملائي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، وروي «أنهم يركب كل أحد منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومن يركب الخيل ومن يركب السفن فتجيء عائمة بهم» ، وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة، وفي أكثر هذا بعد، لكن ذكرناه بحسب الجمع للأقوال و «السوق» يتضمن هوانا لأنهم يحفزون من ورائهم، و «الورد» العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن، وهم القوم الذين يحتفزون من عطشهم لورود لماء، ويحتمل أن يكون المصدر المعنى نوردهم وِرْداً وهكذا يجعله من رأى في القرآن أربعة أوراد في النار وقد تقدم ذكر ذلك في هذه السورة، واختلف المتأولون في الضمير في قوله يَمْلِكُونَ فقالت فرقة: هو عائد على المجرمين، أي لا يَمْلِكُونَ أن يشفع لهم ولا سبيل لهم إليها، وعلى هذا التأويل فهم المشركون خاصة، ويكون قوله إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً استثناء منقطعا، أي لكن من اتخذ عهدا يشفع له، والعهد على هذا الإيمان قال ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. وفي الحديث «يقول الله تعالى يوم القيامة من كان له عندي عهد فليقم» وفي الحديث «خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن تامة كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة» . والعهد أيضا الإيمان وبه فسر قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] ويحتمل أن يكون «المجرمون» يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا العصاة المؤمنون فإنهم يشفع فيهم فيكون الاستثناء متصلا، وقال رسول الله ﷺ «لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني
стр. 1702
فيمن قال لا إله إلا الله» فيقول يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي. وقالت فرقة: الضمير في قوله لا يَمْلِكُونَ للمتقين، قوله إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أي إلا من كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع وقد تظاهرت الأحاديث بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن في أمتي رجلا يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم» ، قال قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين، وقال بعض هذه الفرقة معنى الكلام إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أي لا يملك المتقون الشفاعة إلا لهده الصنيفة فيجيء مَنِ في التأويل الواحد للشافعين، وفي الثاني للمشفوع فيهم، وتحتمل الآية أن يراد ب مَنِ محمد ﵇ وبالشفاعة الخاصة لمحمد العامة للناس، ويكون الضمير في يَمْلِكُونَ لجميع أهل الموقف، ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها مدلا، فالعهد على هذا النص على أمر الشفاعة، وقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] .
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٦]
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)
الضمير في قالُوا للكفار من العرب في قولهم للملائكة بنات الله وللنصارى ولكل من كفر بهذا النوع من الكفر، وقوله جِئْتُمْ شَيْئاً بعد الكناية عنهم بمعنى قل لهم يا محمد، و «الإد» الأمر الشنيع الصعب وهي الدواهي والشنع العظيمة، ويروى عن النبي ﵇ أن هذه المقالة أول ما قيلت في العالم شاك الشجر وحدثت، وفي نسخة، وحدثت مرائره واستعرت جهنم وغضبت الملائكة وقرأ الجمهور، «إدا» بكسر الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن «أدا» بفتح الهمزة، ويقال إد وأد وآد بمعنى، وقرأ ابن كثير هنا وفي حم عسق «تكاد» بالتاء «يتفطرن» بياء وتاء وفتح الطاء وشدها، ورواها حفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر «تكاد» بالتاء «ينفطرن» بياء ونون وكسر الطاء، وقرأ نافع والكسائي «يكاد» بالياء على زوال علامة التأنيث «يتفطّرن» بالياء والتاء وشد الطاء وفتحها في الموضعين، وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل أبي عمرو وفي عسق مثل ابن كثير وقال أبو الحسن الأخفش «تكاد» بمعنى تريد، وكذلك قوله تعالى أَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] وأنشد على أن كاد بمعنى أراد قول الشاعر: [الكامل]
كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من زمن الصبابة ما مضى
ولا حجة في هذا البيت وهذا قول قلق، وقال الجمهور: إنما هي استعارة لشنعة الأمر أي هذا حقه لو
стр. 1703
فهمت الجمادات قدره وهذا المعنى مهيع للعرب فمنه قول جرير: [الكامل]
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
ومنه قول الآخر: [الطويل]
ألم تر صدعا في السماء مبينا ... على ابن لبينى الحارث بن هشام
وقال الآخر: [الوافر]
وأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام
والانفطار الانشقاق على غير رتبة مقصودة والهد الانهدام والتفرق في سرعة، وقال محمد بن كعب:
كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، وقوله وَما يَنْبَغِي نفي على جهة التنزيه له عن ذلك، وقد تقدم ذكر هذا المعنى، وأقسام هذا اللفظ في هذه السورة، وقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ الآية إِنْ نافية بمعنى ما، وقرأ الجمهور «آتي الرحمن» بالإضافة، وقرأ طلحة بن مصرف «آت الرحمن» بتنوين «آت» والنصب في النون، وقرأ ابن مسعود «لما آتى الرحمن» ، واستدل بعض الناس بهذه الآية على أن الولد لا يكون عبدا وهذا انتزاع بعيد، وعَبْداً حال، ثم أخبر تعالى عن إحاطته ومعرفته بعبيده فذكر الإحصاء، ثم كرر المعنى بغير اللفظ، وقرأ ابن مسعود «لقد كتبهم وعدهم» ، وفي مصحف أبيّ «لقد أحصاهم فأجملهم عددا» وقوله عَدًّا تأكيد للفعل وتحقيق له، وقوله فَرْداً يتضمن معنى قلة النصر والحول والقوة لا مجير له مما يريد الله به وقوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما في الحديث المأثور، وقال عثمان بن عفان إنها بمنزلة قول النبي ﵇ «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها» ، وفي حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد إلا وله في السماء صيت فإن كان حسنا وضع في الأرض حسنا وإن سيئا وضع كذلك» .
وقال عبد الرحمن بن عوف: إن الآية نزلت فيه وذلك أنه لما هاجر بمكة استوحش بالمدينة فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية في ذلك، أي ستستقر نفوس المؤمنين ويودون حالهم ومنزلتهم، وذكر النقاش أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال ابن الحنفية: لا تجد مؤمنا إلا وهو يحب عليا وأهل بيته، وقرأ الجمهور «ودا» بضم الواو، وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتح الواو، ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى، أي إن الله تعالى لما أخبر عن إتيان كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في حالة العبودية والانفراد أنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم وُدًّا وهو ما يظهر عليهم من كرامته لأن محبة الله لعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأمارات غفرانه له.
قوله :
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٧ الى ٩٨]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)
стр. 1704
الضمير في «يسرنا» للقرآن، وهذا كقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] لأن المعنى يقتضي المراد وإن لم يتقدم ذكره، ووقع التيسير في كونه بلسان محمد عليه السرم وبلغته المفهومة المبينة، وبشارة الْمُتَّقِينَ هي الجنة والنعيم الدائم والعز في الدنيا، و «القوم اللد» هم قريش ومعناه مجادلين مخاصمين بباطل، والألد الخاصم المبالغ في ذلك، وقال مجاهد لُدًّا فجارا ع: وهذا عندي فجور الخصومة ولا يلد إلا المبطل. والألد والألوى، بمعنى واحد، وفي الحديث «أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم» ثم لما وصفهم الله تعالى بأنهم لد وهي صفة سوء بحكم الشرع والحق وجب أن يفسد عليهم بالوعيد والتمثيل بإهلاك من كان أشد منهم وألد وأعظم قدرا ما كان يسرهم في أنفسهم من الوصف بلد فإن العرب لجهالتها وعتوها وكفرها كانت تتمدح باللد وتراه إدراكا وشهامة فمن ذلك قوله الشاعر:
[الخفيف]
إن تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا مغلاق
فمثل لهم بإهلاك من قبلهم ليحتقروا أنفسهم، ويبين صغر شأنهم وعبر المفسرون عن «اللد» بالفجرة وبالظلمة وتلخيص معناها ما ذكرناه و «القرن» الأمة، و «الركز» الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم وإنما هو صوت الحركات وخشفتها ومنه قول لبيد:
فتوجست ركز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فكأنه يقول أو تسمع من أخبارهم قليلا أو كثيرا أو طرفا خفيا ضعيفا وهذا يراد به من تقدم أمره من الأمم ودرس خبره، وقد يحتمل أن يريد هل بقي لأحد منهم كلام أو تصويب بوجه من الوجوه فيدخل في هذا من عرف هلاكه من الأمم.
стр. 1705
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة طه
(هذه السورة مكية) قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
اختلف الناس في قوله طه بحسب اختلافهم في كل الحروف المتقدمة في أوائل السور إلا قول من قال هناك إن الحروف إشارة إلى حروف المعجم كما تقول أ. ب. ج. د. فإنه لا يترتب هنا لأن ما بعد طه من الكلام لا يصح أن يكون خبرا عن طه واختصت أيضا طه بأقوال لا تترتب في أوائل السور المذكورة، فمنها قول من قال طه اسم من أسماء محمد ﵇، وقوله من قال طه معناه «يا رجل بالسريانية» وقيل بغيرها من لغات العجم، وحكي أنها لغة يمنية في عك وأنشد الطبري: [الطويل]
دعوت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا
ويروي مزايلا وقال الآخر: [البسيط]
إن السفاهة طه من خلائقكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين
وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله ﷺ يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه فقيل له طا الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح، فالضمير في طه للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفا ساكنة، وقرأت «طه» وأصله طأ فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر «طه» بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن قالون عن نافع، وو روي عن يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، وأمالت فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي ﵇، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمرو «طه» بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأت فرقة «طه» بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو بن فائد أنهما
стр. 1706
قرأ «طاوي» . وقوله لِتَشْقى قالت فرقة: معناه لتبلغ من نفسك في العبادة والقيام في الصلاة، وقالت فرقة: إنما سبب الآية أن قريش لما نظرت إلى عيش رسول الله ﷺ وشظفه وكثرة عبادته قالت: إن محمدا مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم، أي إن الله لم ينزل القرآن ليجعل محمدا شقيا بل ليجعله أسعد بني آدم بالنعيم المقيم في أعلى المراتب، فالشقاء الذي رأيتم هو نعيم النفس ولا شقاء مع ذلك ع: فهذا التأويل أعم من الأول في لفظة الشقاء، وقوله إِلَّا تَذْكِرَةً يصح أن ينصب على البدل من موضع لِتَشْقى ويصح أن ينصب بفعل مضمر تقديره لكن أنزلناه تذكرة، ويَخْشى يتضمن الإيمان والعمل الصالح إذ الخشية باعثة على ذلك، وقوله تَنْزِيلًا نصب على المصدر، وقوله مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى صفة أقامها مقام الموصوف، وأفاد ذلك العبرة والتذكرة وتحقير الأوثان وبعث النفوس على النظر، والْعُلى جمع عليا فعلى. وقوله الرَّحْمنُ رفع بالابتداء ويصح أن يكون بدلا من الضمير المستقر في خَلَقَ. وقوله اسْتَوى قالت فرقة: هو بمعنى استولى، وقال أبو المعالي وغيره من المتكلمين: هو بمعنى استواء القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري: فعل فعلا في العرش سماه استواء وقال الشعبي وجماعة غيره: هذا من متشابه القرآن يؤمن به ولا يعرض لمعناه، وقال مالك بن أنس لرجل سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني، فأدبر السائل وهو يقول يا أبا عبد الله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق أحد توفيقك.
قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو المعالي قول من قال لا يتكلم في تفسيرها بأن قال إن كل مؤمن يجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في معهود الكلام العربي، فإذا فعل هذا فقد فسر ضرورة ولا فائدة في تأخره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في ذلك البأس على الناس وإيهام للعوام، وقد تقدم القول في مسألة الاستواء. وقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ الآية تماد في الصفة المذكورة المنبهة على الخالق المنعم، وفي قوله ما تَحْتَ الثَّرى قصص في أمر الحوت ونحوه اختصرته لعدم صحته، والآية مضمنة أن كل موجود محدث فهو لله بالملك والاختراع ولا قديم سواه تعالى. والثَّرى التراب الندي، وقوله وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ معناه وإن كنتم أيها الناس إذا أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى فالمخاطبة ب تَجْهَرْ لمحمد ﵇ وهي مراد بها جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب السِّرَّ وما هو أَخْفى منه، فقالت فرقة السِّرَّ هو الكلام الخفي الخافت كقراءة السر في الصلاة، و «الأخفى» هو ما في النفس، وقالت فرقة هو ما في النفس متحصلا، و «الأخفى» هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة السِّرَّ هو ما في نفوس البشر وكل ما يمكن أن يكون فيها في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و «الأخفى» هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع: فهذا كله معلوم لله .
وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل وَأَخْفى فعلا ماضيا وهذا ضعيف، والْأَسْماءُ الْحُسْنى يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى مَآرِبُ أُخْرى [طه: ١٨] ويا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠]
стр. 1707
وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله ﷺ «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» وذكرها الترمذي وغيره مسندة.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٤]
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)
هذا الاستفهام هو توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت إخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا، ثم تبدأ تخبره. والعامل في إِذْ ما تضمنه قوله حَدِيثُ من معنى الفعل، وتقديره وَهَلْ أَتاكَ ما فعل موسى إِذْ رَأى ناراً أو نحو هذا، وكان من قصة موسى ﵇ أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته هنالك فرجا خفاء أمره، وكان فيما يزعمون رجلا غيورا فكان يسير الليل بأهله ولا يسير النهار مخافة كشفة الناس فضل عن طريقه في ليلة مظلمة وندية ويروى أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور شيئا إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا أي أقيموا، وذهب هو إلى النار فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب، وقيل من عوسج، وقيل من عليقة، فلما دنا منها تباعدت منه ومشت، فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك أيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، وانقضى أمره كله في تلك الليلة، هذا قول الجمهور وهو الحق. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: أقام في ذلك الأمر حولا ومكثه أهله ع: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وضعيف في نفسه. وآنَسْتُ معناه أحسست ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف]
آنست نبأة وروعها القن ... ناص ليلا وقد دنا الإمساء
والنار على البعد لا تحس إلا بالأبصار، فلذلك فسر بعضهم اللفظ برأيت، و «آنس» أعم من رَأى، لأنك تقول آنست من فلان خيرا أو شرا. و «القبس» الجذوة من النار تكون على رأس العود أو القصبة أو نحوه، و «الهدى» أراد الطريق، أي لعلي أجد ذا هدى أي مرشدا لي أو دليلا، وإن لم يكن مخبرا. و «الهدى» يعم هذا كله وإنما رجا موسى ﵇ هدى نازلته فصادف الهدى على الإطلاق، وفي ذكر قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي عما لقي في تبليغه من المشقات وكفر الناس فإنما هي له على جهة التمثيل في أمره. وروي عن نافع وحمزة «لأهله امكثوا» بضمة الهاء وكذلك في القصص، وكسر الباقون الهاء فيهما. وقوله تعالى فَلَمَّا أَتاها الضمير عائد على النار، وقوله نُودِيَ كناية عن تكليم الله له، وفي نُودِيَ ضمير يقوم مقام الفاعل، وإن شئت جعلته موسى إذ قد جرى ذكره، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «إني» بكسر الألف على الابتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «أني» بفتح الألف
стр. 1708
على معنى «لأجل أني» أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، ونُودِيَ قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي:
[الكامل]
ناديت باسم ربيعة بن مكدم ... ان المنوه باسمه الموثوق
واختلف المتأولون في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين، فقالت فرقة كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة، وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي لكن أمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي، وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي، وذلك أن الله تعالى أمره أن يتواضع لعظم الحال التي حصل فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى ﵇ أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها، والْمُقَدَّسِ معناه المطهر، وطُوىً معناه مرتين مرتين، فقالت فرقة معناه قدس مرتين، وقالت فرقة معناه طويته أنت، أي سرت به، أي طويت لك الأرض مرتين من طيك، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «طوى» بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «طوى» على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة «طاوي» وقالت فرقة هو اسم الوادي، و «طوى» على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنيا، وقرأ السبعة غير حمزة «وأنا اخترتك» ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله أَنَا رَبُّكَ وفي مصحف أبي بن كعب «وأني اخترتك» ، وقرأ حمزة «وأنّا اخترناك» بالجمع وفتح الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] ثم قال وَآتَيْنا [الإسراء: ٢] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت فرقة وإنا اخترناك» يكسر الألف.
قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي ﵁ قال: سمعت أبا الفضل بن الجوهري يقول: لما قيل لموسى فَاسْتَمِعْ وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفا. وقرأت فرقة «بالواد المقدس طاوي» وقوله وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي يحتمل أن يريد لتذكيري فيها أو يريد لأذكرك في عليين بها فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول واللام لام السبب، وقالت فرقة معنى قوله لِذِكْرِي أي عند ذكري إذا ذكرتني وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: ٧٨] وقرأت فرقة «للذكرى» ، وقرأت فرقة «لذكرى» بغير تعريف، وقرأت فرقة «للذكر» .
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٥ الى ١٨]
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)
في قوله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ تحذير ووعيد، أي اعبدني فإن عقابي وثوابي بالمرصاد، والسَّاعَةَ في
стр. 1709
هذه الآية القيامة بلا خلاف، وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم «أكاد أخفيها» بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من سحاب مجلّب
ومنه قوله أيضا: [المتقارب]
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن توقدوا الحرب لا نقعد
قال أبو علي: المعنى أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها، وقرأ الجمهور «أخفيها» بضم الهمزة، واختلف المتأولون في معنى الآية فقالت فرقة: معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه، أَكادُ أُخْفِيها من نفسي على معنى العبارة عن شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة: المعنى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ وتم الكلام بمعنى أَكادُ أنفذها لقربها وصحة وقوعها ثم استأنف الإخبار بأنه يخفيها، وهذا قلق، وقالت فرقة أَكادُ زائدة لا دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة أَكادُ بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر: [الكامل] كادت وكدت وتلك خير إرادة وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة أَكادُ على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها فقال أَكادُ أُخْفِيها حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض القائلين بأن المعنى أَكادُ أُخْفِيها من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيرا فتأمله، واللام في قوله لِتُجْزى متعلقة ب آتِيَةٌ وهكذا يترتب الوعيد. وتَسْعى معناه تكسب وتجترح، والضمير في قوله عَنْها يريد عن الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على الصَّلاةَ [طه: ١٤] وقالت فرقة المراد عن لا إله إلا الله ع: وهذا متجه، والأولان أبين وجها. وقوله فَتَرْدى معناه تهلك، والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة: [الطويل]
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي
وهذا الخطاب كله لموسى ﵇ وكذلك ما بعده، وقال النقاش: الخطاب ب فَلا يَصُدَّنَّكَ لمحمد ﵇ وهذا بعيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «أكاد أخفيها من نفسي» وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم، وقوله وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس
стр. 1710
لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، وقوله بِيَمِينِكَ من صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة: [الطويل]
عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له أَلْقِها [طه: ١٩] ليرى منها العجب فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه، وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه «عصاي» بكسر الياء مثل غلامي، وقرأت فرقة «عصى» وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم وقرأ الجمهور «عصاي» بفتح الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق «عصاي» بياء ساكنة، ثم ذكر موسى ﵇ من منافع عصاه عظمها وجمهورها، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور «وأهشّ» بضم الهاء والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ إبراهيم النخعي «وأهش» بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس «وأهسّ» بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة «على غنمي» بالجر، وقرأت «غنمي» فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت «غنمي» بسكون النون ولا أعرف لها وجها، وقوله أُخْرى فوحد مع
تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك يجرى مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: الْأَسْماءُ الْحُسْنى [طه: ٨] وكقوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة، وعصا موسى ﵇ هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء الذي كان عند شعيب حين اتفقا على الرعية، وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣)
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)
لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوءة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا فَأَلْقاها موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان لها فما وصارت حَيَّةٌ تَسْعى أي تنتقل
стр. 1711
وتمشي وتلتقم الحجارة، فلما رآها موسى رأى عبرة فولى مدبرا ولم يعقب، فقال الله تعالى له: خُذْها وَلا تَخَفْ وذلك أنه أوجس في نفسه خيفة أي لحقه ما يلحق البشر، وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سِيرَتَهَا الْأُولى ثم أمره الله أن يضم يده إلى جنبه وهو الجناح استعارة ومجازا ومنه قول الراجز: [الرجز] «أضمه للصدر والجناح» وبعض الناس يقولون الجناح اليد وهذا كله صحيح على طريق الاستعارة، ألا ترى أن جعفر بن أبي طالب يسمى ذا الجناحين بسبب يديه حين أقيمت له الجناحان مقام اليدين شبه بجناح الطائر وكل مرعوب من ظلمة أو نحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله لموسى ﵇ تفتير الرعب مع الآية في اليد، وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها شمس. وقوله مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، أي من غير برص ولا مثلة بل هو أمر ينحسر ويعود لحكم الحاجة إليه. وقوله لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يحتمل أن يريد وصف الآيات بالكبر على ما تقدم من قوله الْأَسْماءُ الْحُسْنى [طه: ٨] ، ومَآرِبُ أُخْرى [طه: ١٨] ونحوه، ويحتمل أن يريد تخصيص هاتين الآيتين فإنهما أكبر الآيات كأنه قال لنريك الكبرى فهما معنيان، ثم أمره ﵎ بالذهاب إلى فرعون وهو مصعب بن الريان في بعض ما قيل، وقيل غير هذا، ولا صحة لشيء من ذلك. وطَغى معناه تجاوز الحد في فساد، وقوله قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي الآية، لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. واشْرَحْ لِي صَدْرِي معناه «لفهم ما يرد علي من الأمور والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي جعلها في فيه حين جربه فرعون» . وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ياقوت فقالا إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه عقدة في كبره أي حبسة ملبسة في بعض الحروف قال ابن الجوهري «كف الله تعالى النار عن يده لئلا تقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي» وموسى ﵇ إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائزا أن يكون ذلك كله زال، وجائزا أن يكون بقي منه القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن يقول فرعون، ولا يكاد يبين، ولو فرضناه زال جملة لكان قول فرعون سبا لموسى بحالته القديمة. و «الوزير» المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها ويحتمل الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل هارُونَ من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيرا، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا مفعولا أولا ب اجْعَلْ. وكان هارون ﵇ أكبر من موسى بأربعة أعوام، وقرأ ابن عامر وحده «أشدد» بفتح الهمزة و «أشركه» بضمها على أن موسى أسند هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ومساعيه لأن النبوءة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشرا، وقرأ الباقون «أشدد» بضم الهمزة «وأشرك» على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة وهذه هي الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه تصديق هارون إياه.
стр. 1712
و «الأزر» بمعنى الظهر قاله أبو عبيدة كأنه قال شد به عوني واجعله مقاومي فيما أحاوله وقال امرؤ القيس:
[الطويل]
بمحنية قد آزر الضال نبتها ... فجر جيوش غانمين وخيب
أي قاومه وصار في طوله، وفتح أبو عمرو وابن كثير الياء من أَخِي وسكنها الباقون وروي عن نافع «وأشركهو» بزيادة واو في اللفظ بعد الهاء ثم جعل موسى ﵇ ما طلب من نعم الله تعالى سببا يلزم كثيرة العبادة والاجتهاد في أمر الله، وقوله كَثِيراً نعت لمصدر محذوف تقديره تسبيحا كثيرا.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)
المعنى قال الله تعالى: قد أعطيت يا موسى طلبتك في شرح الصدر وتيسير الأمر وحل العقدة إما بالكل وإما على قدر الحاجة في الإفقاه، وإتيان هذا السؤال منة من الله فقرن إليها قديم منته عنده على جهة التوقيف عليها ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته. وكان من قصة موسى فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يدي غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، ثم إنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر إذ هم كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا، فعزم على أن يقتل الولدان سنة ويستحييهم سنة، فولد هارون في سنة الاستحياء فكانت أمه آمنة، ثم ولد موسى في العالم الرابع سنة القتل فخافت أمه عليه الذبح فبقيت مهتمة فأوحى الله إليها، قيل بملك جاء لها وأخبرها وأمرها، قال بعض من روى هذا ولم تكن نبية لأنا نجد في الشرع ورواياته أن الملائكة قد كلمت من لم يكن نبيا، وقال بعضهم بل كانت أم موسى نبية بهذا الوحي، وقالت فرقة بل كان هذا الوحي رؤيا رأتها في النوم، وقالت فرقة بل هو وحي إلهام وتسديد كوحي الله إلى النحل وغير ذلك فأهمها الله إلى أن اتخذت تابوتا فقذفت فيه موسى راقدا في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون جالسا في موضع يشرف على النيل إذ رأى تابوتا فأمر به، فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه ابنا فأباح لها ذلك وروي أن التَّابُوتِ جاء في الماء إلى المشرعة التي كان جواري امرأة فرعون يستقين فيها الماء فأخذن التابوت وجلبنه إليها فأخرجته وأعلمت فرعون وطلبته منه ثم إنها عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف يعرض للمراضع، فكلما عرضت عليه امرأة أباها. وكانت أمه حين ذهب عنها في النيل بقيت مغمومة فؤادها فارغ إلا من همه فقالت لأخته اطلبي أمره في المدينة عسى أن يقع لنا منه خبر، فبينما الأخت تطوف إذ بصرت به وفهمت أمره فقالت لهم أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي، فقالت لا، غير أني أعلم من أهل هذا البيت
стр. 1713
الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها، وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها، فسرت آسية امرأة فرعون وقالت لها كوني معي في القصر، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع، والسبب من الملكة، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن جيئي بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى ﵇ بلحية فرعون وجذبها، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه، فنا شدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت حسبما ذكرناه آنفا في حل العقدة، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، وكان فتى جلدا فاضلا كاملا فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل. ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب، فخرج موسى ﵇ من مصر حتى وصل إلى مدين، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سين، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره، فعدد الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها. وقوله ما يُوحى إبهام
يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦] وهو كثير في القرآن والكلام، وأَنِ في قوله أَنِ اقْذِفِيهِ بدل من ما والضمير الأول في اقْذِفِيهِ عائد على موسى وفي الثاني على التَّابُوتِ، ويجوز أن يعود على «موسى» . وقوله فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ خبر خرج في صغية الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها، ومنه قول النبي ﵇ «قوموا فلأصل لكم» فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك، و «والعدو» الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام ولذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر تعالى موسى أنه «ألقى عليه محبة» منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته.
وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاه جمالا يحبه به كل من رآه، وقالت فرقة: أعطاه ملاحة العينين، وهذان القولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول. وقرأ الجمهور و «لتصنع» بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغدى وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك «ولتصنع» بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «ولتصنع» بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه. وقوله عَلى عَيْنِي معناه بمرأى مني وأمر مدرك مبصر مراعى.
قوله :
стр. 1714
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)
العامل في إِذْ فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص المذكور آنفا.
وقرأت فرقة «تقر» بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس التي قتل هي نفس القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، والْغَمِّ هم النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به.
وقوله فَتَنَّاكَ فُتُوناً معناه خلصناك تخليصا، هذا قول جمهور المفسرين. وقالت فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعدة سنية فِي أَهْلِ مَدْيَنَ عشرة أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله عَلى قَدَرٍ أي بميقات محدود للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر: [البسيط]
نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
وَاصْطَنَعْتُكَ معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله لِنَفْسِي إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر ب «النفس» عن شدة القرب وقوة الاختصاص.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٢ الى ٤٦]
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)
أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب موسى وحده تشريفا له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، وبِآياتِي معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، وتَنِيا معناه تضعفا وتبطيا تقول ونا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر: [المضارع]
فما أنا بالواني ... ولا الضرع الغمر
والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود «ولا تهنا في ذكري» معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته بالمعنى الذي يريد حتى لا يخل به ولا يحز منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارته لطيفة ومقابلته لينة وذلك أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال
стр. 1715
الدعوة في لين من القول. وقوله لَعَلَّهُ معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر وقرأ الجمهور «يفرط» بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: [البسيط]
واستعجلوا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجّل فرّاط لورّاد
وقالت فرقة «يفرط» بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابن محيصن «يفرط» بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا.
قوله : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى. يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه وأَسْمَعُ وَأَرى عبارتان عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩)
المعنى أْتِيا
فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيرا له إذ كان هو يدعي الربوبية ثم أمرا يدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة القبط وقد تقدم في هذه الآية دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه فرعون الإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا جِئْناكَ والجائي بها موسى تجوزا من حيث كانا مشركين وقوله ﵇ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أن يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغبا بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى وفي هذا توبيخ له ع: وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلا بقوله إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا فيقوى على هذا أن يكون خبرا بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا السَّلامُ بمعنى السلامة وعلى بمعنى اللام أي السلام ل مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ولما فرغا من المقالة التي أمر بها عن قوله وَتَوَلَّى خاطبهما، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون فَمَنْ رَبُّكُما وقوله يا مُوسى بعد جمعه مع هارون في الضمير، نداء بمعنى التخصيص والتوقيف إذ كان صاحب عظم الرسالة ولزيم الآيات.
стр. 1716
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)
استبد موسى ﷺ من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه ولا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه وخلقته أنثى ثُمَّ هَدى للإتيان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه ثُمَّ هَدى أي يسر كل شيء لمنافعه ومرافقه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت فرقة «خلقه» بفتح اللام ويكون المفعول الثاني ب أَعْطى مقدرا تقديره كماله أو خلقته، وقول فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى ﵇ علم ذلك إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الناس روغانا في الحجة وحيدة وقال «البال» الحال فكأنه سألهم عن حالهم كما جاء في الحديث «يهديكم الله ويصلح بالكم» . وقال النقاش إنما قال فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى لما سمع مؤمن آله يا قوم إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ [غافر: ٣٠] مثل دأب قوم نوح وعاد» الآية ورد موسى العلم إلى الله تعالى لأنه لم تأته التوراة بعد. وقوله فِي كِتابٍ يريد في اللوح المحفوظ أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة «لا يضل» بفتح الياء وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله فِي كِتابٍ ويَضِلُّ معناه ينتلف ويعمه، وقالت فرقة بل قوله لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى من صفات الكتاب أي إن الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق بعد موته «لعلي أضل الله» الحديث، ويَنْسى أظهرها ما فيه أن يعود ضميره إلى الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه لا يَنْسى أي لا يدع شيئا، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر إِلَّا أَحْصاها [الكهف: ٤٩] فوصفه بالإحصاء من حيث حصرت فيه الحوادث.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٣ الى ٥٦]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)
стр. 1717
انظر إن هذا الأشياء التي ذكرها موسى ﵇ هي مما تقضي بداية العقول أن فرعون وكل بشر بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله فإنما أتاه موسى ﵇ بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «مهادا» بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «جعل لكم الأرض مهدا» بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله سَلَكَ بمعنى نهج ولحب، و «السبل» الطرق، وقوله فَأَخْرَجْنا بِهِ يحتمل أن يكون كلام موسى تم عند قوله وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد ﷺ والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عليها، و «الأزواج» هنا بمعنى الأنواع، وقوله شَتَّى نعت للأزواج أي مختلفات، وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، والنُّهى جمع نهية والنهية العقل الناهي عن القبائح، وقوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأرض، وهذا من حيث خلق آدم من تراب. وقوله وَفِيها نُعِيدُكُمْ يريد بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ يريد بالبعث ليوم القيامة، وقوله تعالى وَلَقَدْ أَرَيْناهُ إخبار لمحمد ﷺ عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله فَأَخْرَجْنا إنما هو خطاب لمحمد ﷺ ، وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها لا أنه رأى كل آية لله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات ما بكما لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفا لها، وقوله تعالى: وَأَبى يقتضي تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٧ الى ٥٩]
قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)
هذه المقاولة من فرعون تدل على أن أمر موسى قد كان قوي وكثر متبعوه من بني إسرائيل ووقع أمره في نفوس الناس، وذلك أنها مقاولة من يحتاج إلى الحجة لا من يصدع بأمر نفسه، وأرضهم هي أرض مصر، وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالرفع، وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالجزم على جواب الأمر، ونَحْنُ تأكيد للضمير من حيث احتاج الكلام إلى العطف عليه أكد، ومَوْعِداً مفعول أول ل فَاجْعَلْ، ومَكاناً مفعول ثان هذا الذي اختار أبو علي ومنع أن يكون مَكاناً معمولا لقوله مَوْعِداً لأنه قد وصف وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الاسمية بمثل هذا لم تعمل ولا تعلق بها شيء هو منها، وقد يتوسع في الظروف فتعلق بعد ما
стр. 1718
ذكرنا كقوله : يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ [غافر: ١٠] ، فقوله إِذْ [غافر: ١٠] معلق بقوله لَمَقْتُ اللَّهِ [غافر: ١٠] وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة، وكذلك منع أبو علي أن يكون قوله مَكاناً قصيا على الظرف الساد مسد المفعول.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر ومنع قوم أن يكون مَكاناً نصب على المفعول الثاني بتخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يخلف الوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي «سوى» بكسر السين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «سوى» بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولا على الوقف، وقرأت فرقة «سوى» ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى «سوى» أي عدلا ونصفة قال أبو علي: فكأنه قال «مكانا» قربه منكم قربه منا (ع) إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. وسُوىً لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر [موسى ابن جابر الحنفي] [الطويل]
وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
وقالت فرقة مستويا من الأرض لا وهد فيه ولا نشز، وقالت فرقة معناه سوى مكانا هذا فقال موسى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ اتسع في الظرف من قرأه برفع «يوم» فجعله خبرا، وقرأ الحسن والأعمش والثقفي «يوم» بالنصب على الظرف والخبر مقدر، وروي أن يَوْمُ الزِّينَةِ كان عيدا لهم ويوما مشهورا وصادف يوم عاشوراء وكان يوم سبت وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطف على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على تقدير وموعدكم أن يحشر الناس، ويقلق عطفه على «اليوم» ، وفيه نظر، وقرأ الجمهور «حشر الناس» رفعا وقرأ ابن مسعود والخدري وجماعة «يحشر الناس» بفتح الياء وضم الشين ونصب «الناس» وقرأت فرقة «نحشر الناس» بالنون. والحشر الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٠ الى ٦٤]
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤)
المعنى فَجَمَعَ السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو كَيْدَهُ، ثُمَّ أَتى فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضا موسى ﵇ ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة وَيْلَكُمْ وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى
стр. 1719
قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «فيسحتكم» بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «فيسحتكم» بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحت إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق: [الطويل]
وعض زماني يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازع يقتضي اختلافا كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى.
وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، والنَّجْوى السرار والمساررة أي كان كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سرا مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفا لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظنا من بعضهم، وقوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي «إنّ» مشددة النون «هذان» بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده «إن هذين لساحران» وقرأ ابن كثير «إن هذان» بتخفيف نون «إن» وتشديد نون «هذان لسحران» ، وقرأ حفص عن عاصم «إن» بالتخفيف «هذان» خفيفة أيضا «لساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن ذان لساحران» ، وقرأت فرقة «ما هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذانّ» بتشديد النون من «هذان» . فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله «إن» بمعنى نعم كما روي أن رسول الله ﷺ ، قال في خطبته: «إن الحمد لله» فرفع الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الابتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز]
أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه
وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي] : [الطويل]
تزود منها بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم
وقال الآخر: [الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لنا باه الشجاع لصمها
وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في «هذان» دعامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نونا وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف «هذان»
стр. 1720
مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقالت جماعة، منهم عائشة ﵂ وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و «إن» بمعنى أجل ونعم أو «إن» في الكلام ضميرا وأما من قرأ «إن» خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الاسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير من المفسرين عن «الطريقة» بالسادة وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في «الطريقة» هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، والْمُثْلى تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء «فأجمعوا» بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ أبو عمرو وحده «فاجمعوا» من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير «ثمّ» بفتح الميم «ايتوا» بسكون الياء، وقرأ أيضا في رواية شبل عنه بكسر الميم «ثم ايتوا» ، قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من «ثم» ، وقرأ الجمهور «ثم ائتوا» بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله صَفًّا حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، وأَفْلَحَ معناه ظفر ببغيته واسْتَعْلى معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه.
قوله :
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٩]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)
خير السحرة موسى ﵇ في أن يبتدىء بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا خمسة عشر ألف، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع كل رجل منهم حبل وعصى قد استعمل فيها السحر، وقوله فَإِذا هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة «عصيهم» بكسر العين، وقرأت فرقة «عصيهم» بضمها، وقرأت فرقة «يخيل» على بناء الفعل للمفعول فقوله أَنَّها في موضع رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي «تخيل» بضم التاء المنقوطة وكسر الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله أَنَّها مفعول من أجله ع والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان، وقوله تعالى: فَأَوْجَسَ عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر الأمر كله الصلاح، فهذا الفعل من أفعال النفس
следующие страницы →