Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فَخَراجُ رَبِّكَ يريد ثوابه سماه «خراجا» من حيث كان معادلا للخراج في هذا الكلام، ويحتمل أن يريد فَخَراجُ رَبِّكَ رزق ربك ويؤيد هذا قوله وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، والصِّراطِ المستقيم، دين الإسلام و «ناكبون» معناه عادلون ومعرضون ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومنّ الله عليهم بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم ولَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ، وهذه الآية نزلت في المرة التي أصابت قريشا فيها السنون المجدبة والجوع الذي دعا به رسول الله ﷺ في قوله اللهم سبعا كسني يوسف الحديث.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن «العذاب» هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، واسْتَكانُوا معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون «استكنوا» ووجهه أن فتحة الكاف مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من «كان» وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه من «كان» أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن ﵁ أنه قال: إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ و «العذاب الشديد» ، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة قريش.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس: الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه بخير.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٨ الى ٨٣]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
стр. 1822
ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم وأَنْشَأَ بمعنى اخترع والسَّمْعَ مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، والْأَفْئِدَةَ القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله قَلِيلًا نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد قَلِيلًا منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والأول أظهر وذرأ معناه بث وخلق، وقوله وَإِلَيْهِ فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، وتُحْشَرُونَ يريد البعث، وقوله وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله بَلْ إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، والْأَوَّلُونَ يشير به إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله لَمَبْعُوثُونَ أي لمعادون أحياء وقولهم وَآباؤُنا أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و «الأساطير» قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار وأساطير.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٩]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول لِلَّهِ بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده «لله» جوابا على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، «لله» جوابا على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك السَّماواتِ السَّبْعِ إذ قولك لمن هذه الدار؟ وقولك من مالك هذه الدار؟ واحد في المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجا بحسب وضوح الحجة شيئا شيئا فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على السَّماواتِ السَّبْعِ، والْعَرْشِ، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى: أَفَلا تَتَّقُونَ وعيد، ثم وقف على مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ومعنى «أنى» كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير
стр. 1823
مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة تُسْحَرُونَ معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن «العظيم» برفع الميم ومَلَكُوتُ مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحدا فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحدا فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك شيء ولا يحيله عن مجراه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به بَلْ أَتَيْناهُمْ وقرأ ابن أبي إسحاق «بل آتيناك» على الخطاب لمحمد ﷺ ، ولَكاذِبُونَ يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك، وفي قوله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] والجزء المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعدا أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله إِذاً جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله إِذاً لَذَهَبَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم «عالم» بكسر الميم اتباعا للمكتوبة في قوله سُبْحانَ اللَّهِ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم «عالم» بالرفع والمعنى هو «عالم» قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد قال أبو علي: ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع.
قال الفقيه الإمام القاضي: والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله فَتَعالى عاطفة بالمعنى كأنه قال:
علم الغيب والشهادة فَتَعالى وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ على إخبار مؤتنف، والْغَيْبِ ما غاب عن الناس والشَّهادَةِ ما شهدوه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٨]
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧)
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك،
стр. 1824
و «إن» شرط و «ما» زائدة، وتُرِيَنِّي جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق «إما» عند المبرد، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال إِمَّا تُرِيَنِّي لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانيا اعتراض بين الشرط وجوابه، وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبدا وما فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال، وقوله نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد «الدفع بالتي هي أحسن» هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن: والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره.
قال الفقيه الإمام القاضي: هذه الطرفان وفي هذه الآية عدة للنبي ﷺ أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في «همزاته» وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت بهذه الآية، وقال ابن زيد: «همز الشيطان» الجنون.
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي مصنف أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه» قال أبو داود همزة الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفشه السحر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضا وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب «رب عائذا بك من همزات الشياطين وعائذا بك رب أن يحضرون» ، وقوله أَنْ يَحْضُرُونِ أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز.
قال الفقيه الإمام القاضي: وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٩ الى ١٠٢]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)
حَتَّى في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره، والضمير في قوله أَحَدَهُمُ للكفار، وقوله ارْجِعُونِ معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيما على نحو
стр. 1825
إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه أولا ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله ارْجِعُونِ، وقال الضحاك هي في المشرك، وقال النبي ﷺ ، لعائشة «إذا عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدما إلى الله وأما الكافر فيقول ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً، وقرأ الحسن والجمهور «لعلي» بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف «لعلي» بفتح الياء، وكَلَّا رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها يحتمل ثلاثة معان: أحدها الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في وَرائِهِمْ للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة و «البرزخ» ، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من المفسرين، وقرأ الجمهور «في الصور» وهو القرن، وقرأ ابن عباس «الصور» بفتح الواو جمع صورة، ويَوْمِ مضاف إلى يُبْعَثُونَ وقوله فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره: هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود وغيره: إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها فالمعنى فَلا أَنْسابَ وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا حديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس و «ثقل الموازين» هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٨]
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧)
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
جمع «الموازين» من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة الحجة على الناس
стр. 1826
بالمحسوس على عادتهم وعرفهم، ووزن الكافر على أحد وجهين: إما أن يوضع كفره في كفة فلا يجد شيئا يعادله في الكفة الأخرى، وإما أن توضع أعماله من صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره في الكفة الأخرى فتخف أعماله، و «لفح النار» إصابتها بالوهج والإحراق، وقرأ أبو حيوة «كلحون» بغير ألف والكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وهذا يعتري الإنسان عند المباطشة مع الغضب، ويعتري الرؤوس عند النار، وقد شبه عبد الله بن مسعود ما في هذه الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار فإنها تكلح ومنه كلوح الكلب والأسد ويستعار للزمن والخطوب. وقوله أَلَمْ تَكُنْ آياتِي قبله محذوف تقديره يقال لهم، و «الآيات» هنا القرآن وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم وسلموا بقولهم غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ وقرأ الجمهور «شقوتنا» بكسر الشين دون ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين، وقرأ الحمزة والكسائي «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف وهي قراءة ابن مسعود، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى، ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ وجاء وَلا تُكَلِّمُونِ بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى الطبري حديثا طويلا في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة اخْسَؤُا فِيها قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض.
قال الفقيه الإمام القاضي: واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا الله من ناره بمنه، وقوله اخْسَؤُا زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول النبي ﷺ لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)
قرأ هارون «أنه كان» بفتح الألف وهي قراءة أبي بن كعب، وروي أن في مصحف أبي بن كعب «أن كان» وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود «تكلمون كان فريق» بغير «إنه» وهذه تعضد كسر الألف من «إنه» لأنها استئناف، وهذه الهاء هي مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة، وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و «الفريق» المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديما وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «سخريا» بضم السين، وقرأ الباقون «سخريا» بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو
стр. 1827
زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره: إن ضم السين من «السخرة» والتخديم وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى: [البسيط]
إني أتاني حديث لا أسرّ به ... من علو لا كذب فيه ولا سخر
قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.
قال القاضي أبو محمد: ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف «الإنسان» إلى «الفريق» من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «أنهم هم الفائزون» بفتح الألف، ف جَزَيْتُهُمُ عامل في «أن» ، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون التقدير لأنهم، وقرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع «إنهم» بكسر الألف فالمفعول الثاني ل «جزية» مقدر تقديره الجنة أو الرضوان، والْفائِزُونَ المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى نعمة.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١٢ الى ١١٥]
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)
قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «قال كم لبثتم» و «قل إن لبثتم» ، وقرأ حمزة والكسائي فيهما «قل لكم لبثتم» و «قل إن لبثتم» ، وروى البزي عن ابن كثير «قل كم» على الأمر «قال إن» على الخبر، وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون. فمعنى الأول إخبار عن الله بوقفهم بالسؤال عن المدة ثم يعلمهم آخرا بلبثهم قليلا، ومعنى الثانية الأمر لواحد منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل كذا فإذا قال غير القويم قيل له «قل إن لبثتم» ، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال فيهما إلا في مصحف الكوفة فإن فيه «قل» بغير الألف، وقوله فِي الْأَرْضِ قال الطبري معناه في الدنيا أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب أمواتا.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان قوله إنهم لا يقومون من
стр. 1828
التراب قيل لهم لما قاموا كَمْ لَبِثْتُمْ؟ وقوله آخرا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ يقتضي ما قلناه، وعَدَدَ نصب ب كَمْ على التمييز، وقرأ الأعمش «عددا سنين» بتنوين «عددا» ، وقال مجاهد أرادوا ب الْعادِّينَ الملائكة، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب.
قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن، وقوله إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، وعلى القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في العلم والهدى، وعَبَثاً معناه باطلا لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور «ترجعون» بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي «ترجعون» بفتح التاء وكسر الجيم والمعنى فيهما بين.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١٦ الى ١١٨]
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
المعنى فَتَعالَى اللَّهُ عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون، أي تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن «الكريم» برفع صفة للرب، ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ الآية والوعيد قوله فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ والبرهان الحجة وظاهر الكلام أن مَنْ شرط وجوابه في قوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وقوله: لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ في موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله لا بُرْهانَ وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير فصيح قاله سيبويه، وفي حرف عبد الله «عند ربك» وفي حرف أبي عند الله وروي أن فيه «على الله» ، ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرأ الجمهور «إنه» بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة «أنه» بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر ولا يُفْلِحُ يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه. وقرأ الحسن «يفلح» بفتح الياء واللام، ثم أمر رسول الله ﷺ بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه خَيْرُ الرَّاحِمِينَ لأن كل راحم فمتصرف على إرادة الله وتوقيفه وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضا فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته: إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين، وقرأ ابن محيصن «ربّ اغفر» بضم الباء.
стр. 1829
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النّور
هذه السورة كلها مدنية.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)
قوله سُورَةٌ قرأ الجمهور، «سورة» بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ومجاهد «سورة» بالنصب، وروي ذلك أيضا عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء، فوجه الرفع خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى عليكم، ويحتمل أن يكون قوله «سورة» ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قوله: الزَّانِيَةُ وفيما بعد ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم ولكن يلحق هذا القول: إن كون الابتداء هو الخبر ليس بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في القياس، وقول الشاعر «فارس ما تركوه» ، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو نحوه، وجعله بعضهم أنزلنا سُورَةٌ أَنْزَلْناها، وقال الفراء هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه، وقرأ جمهور الناس «وفرضناها» بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو مشبه بالفرض في الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود «وفرّضناها» بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ضعّف الفعل للمبالغة والتكثير، وقرأ الأعمش «وفرضناها لكم» ، وحكى الزهراوي عن بعض العلماء أنه قال كل ما في السورة من أمر ونهي فرض لا حض بهذه اللفظة، و «الآيات البينات» أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وقوله لَعَلَّكُمْ أي على توقع البشر ورجائهم، وقرأ جمهور الناس «الزانية» بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي «الزانية» بالنصب وهو أوجه عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيدا أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء تقديره فيما يتلى عليكم الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، وأجمع الناس على
стр. 1830
الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه والخبر في قوله فَاجْلِدُوا لأن المعنى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو قول أكثر النحاة، وإن شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود «والزان» بغير ياء، وقدمت الزَّانِيَةُ في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما، والألف واللام في قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» ، وقال إنا قرأناه في كتاب الله، واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على رأي هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة ودليلهم قول النبي ﷺ «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، ويرد عليهم فعل النبي ﷺ حيث رجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة في البكرين.
قال الفقيه الإمام القاضي: لأنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ، وبقوله «على ابنك جلد مائة» ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج الإماء والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء، و «الجلد» يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزىء عنده إلا في في الظهر، وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن أبي طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء، وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، ويترجح قول مالك ﵀ بقول النبي ﷺ «البينة أو حد في ظهرك» ، وقول عمر: أو لأوجعن مثناك، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو قول عثمان وابن مسعود أيضا، وأما المرأة فتستر قولا واحدا، وقرأ الجمهور «رأفة» همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير «رأفة» على وزن فعله بفتح العين، وقرأ عاصم أيضا «رأفة» على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر أشهرها الأولى من رأف إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور «تأخذكم» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن «يأخذكم» بالياء من تحت واختلف الناس في الرأفة المنهي عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولا حق بن حميد ومجاهد وعكرمة وعطاء هي في إسقاط الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن الضرب في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما «الرأفة» المنهي عنها هي في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بن يسار
стр. 1831
نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط الحد.
قال الفقيه الإمام القاضي: وقول النبي ﵇ في السوط دون هذا، ضرب من الرأفة وقال عمر اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية مشدد لأنهما بمعنى واحد وضرب الخمر مخفف، وقوله فِي دِينِ اللَّهِ بمعنى في الإخلال بدين الله أي بشرعه، ويحتمل أن يكون «الدين» هنا بمعنى الحكم، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلا فافعل كذا أي هذه أفعال الرجال وقوله وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، المقصد بالآية الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن «الطائفة» كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أقل ما يجزىء فقال الحسن بن أبي الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل الكثرة.
وقال ابن زيد وغيره لا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن هذا باب منه، وقال الزهري «الطائفة» ثلاثة فصاعدا، وقال عطاء وعكرمة لا بد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال مجاهد: يجزىء الواحد ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس ونزعا بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] ، وقوله: وَإِنْ طائِفَتانِ [الحجرات: ٩] ونزلت في تقاتل رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلا فلحق بالروم فقال لا أنفي أحدا بعدها، وفيه عن مالك قولان، ولا يرى تغريب النساء والعبيد واحتج بقوله ﵇ «لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» ، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر رجلا كان أو امرأة ونفى علي امرأة إلى البصرة.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٣]
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل: أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله لا يَنْكِحُ أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع وردد القصة مبالغة وآخذا من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى الزَّانِي لا يطأ في وقت زناه إِلَّا زانِيَةً من المسلمين أو من هي أخس منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] وقد بينه النبي ﵇ أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا مكمل. والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين وهذا قول روي معناه عن عبد الله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون
стр. 1832
في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة ب الزَّانِي إلى أحد أولئك حمل عليه اسم ازنى الذي كان في الجاهلية وقوله لا يَنْكِحُ أي لا يتزوج، وفي الآية على هذا التأويل معنى التفزع عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن الزَّانِيَةُ لا يجوز أن يتزوجها مشرك، ثم قوله وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد ﵇ ومن أشهرهن عناق البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل كان يستخرج ضعفة المسلمين من مكة سرا ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، واستأذن في ذلك النبي ﵇، فنزلت الآية ولما دعته وأبى قالت له: أي تبور والله لأفضحنك، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية، جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن سباق، وخلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وفرنتا جارية هلال بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان بالمدينة إماء عبد الله بن أبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية تسمى المواخير، كانوا يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتا معلومة للزنى، فحرم الله ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ويحتمل أن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد المواخير ماخور ومنه قول بعض المحدثين في كل واد هبطن فيه دسكرة في كل نشز صعدن فيه ماخور. والتأويل الثالث تأويل ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك أنه قال المراد الزَّانِي المحدود وَالزَّانِيَةُ المحدودة تزوج غير محدودة فرد علي بن أبي طالب نكاحهما، وقوله وَحُرِّمَ ذلِكَ يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا حديثا من طريق أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال «المشرك» في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال: هذا حكم كان في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢] وروي ترتيب هذا النسخ أيضا عن مجاهد، إلا أنه قال إن التحريم إنما كان في أولئك النفر خاصة لا في الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال: حرم نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وذكر الإشراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ أبو البرهسم «وحرم الله ذلك على المؤمنين» ، واختلف فيمن زنا بامرأة ثم أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك
стр. 1833
والثوري والشافعي ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا لا يزالان زانيين ما اجتمعا.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤ الى ٥]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين ﵂، وقيل نزلت بسبب القذفة عاما لا في تلك النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث هواهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس الْمُحْصَناتِ فهي تعم بلفظها الرجال والنساء ويدل على ذلك قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٢٤] ، والجمهور على فتح الصاد من «المحصنات» ، وكسرها يحيى بن وثاب. والْمُحْصَناتِ العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه النازلة الحرية ومنه قول حسان: حصان رزان، البيت، ومنه قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء: ٩١] ، وذكر الله من صفات النساء المنافية للرمي بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف ب «الرمي» ، من حيث معتاد الرمي أنه مؤذ كالرمي بالحجر والسهم فلما كان قول القاذف مؤذيا جعل رميا، وهذا كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد، والقذف والرمي معنى واحد، وشدد الله تعالى على القاذف بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ رحمة بعباده وسترا لهم، وقرأ جمهور الناس «بأربعة شهداء» على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة وابن جريج «بأربعة» بالتنوين و «شهداء» على هذا، إما بدل وإما صفة للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطرب منهم واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال الزهراوي عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين، و «الجلد» الضرب والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل]
أجالدهم يوم الحديقة حاسرا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
ونصب ثَمانِينَ على المصدر وجَلْدَةً على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل للقذفة
стр. 1834
المحدودين شَهادَةً أَبَداً وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم «فاسقون» أي خارجون عن طاعة الله ، ثم استثنى من تاب وأصلح بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في ريد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب ﵁ والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك ﵀ وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال
الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. وتابُوا معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك ﵀ تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء، وقال سحنون ﵀ من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلا، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
لما نزلت الآية المتقدمة في الَّذِينَ يَرْمُونَ [النور: ٤] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله ﷺ «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني» ، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك
стр. 1835
ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله ﷺ في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر وهو لا يعرف لنفسه أبا. ثم جاءه أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولا عن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي، و «الأزواج» في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور «أربع شهادات» بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله فَشَهادَةُ ورفع «الشهادة» على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله بِاللَّهِ من صلة شَهاداتٍ، ويجوز أن يكون من صلة فَشَهادَةُ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «أربع» بالرفع وذلك على خبر قوله فَشَهادَةُ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب أَرْبَعَ شَهاداتٍ وبِاللَّهِ على هذه القراءة من صلة شَهاداتٍ، ولا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو أَرْبَعَ شَهاداتٍ، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في قول من نصب «أربع شهادات» يجوز أن تكون من صلة «شهادة» وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع «أربع شهادات» فقوله إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ من صلة شَهاداتٍ لعلة الفصل المتقدمة في قوله بِاللَّهِ، وقرأ حفص عن عاصم «والخامسة» بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما «والخامسة» بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله «أربع شهدات» فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وإن كان يقرأ «أربع» بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله «والخامسة» فإن كان يقرأ «أربع» بالرفع فقوله «والخامسة» عطف على ذلك، وإن كان يقرأ «أربع» بالنصب فإنه حمل قوله «والخامسة» على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: [الكامل] ومشجج أما سواد قذاله البيت على قوله: «إلا رواكد جمرهن هباء» لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله «والخامسة» في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ وَالْخامِسَةَ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده «أن لعنة» و «أنّ غضب» ، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى «أن لعنة» و «أن غضب الله» وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: «في فتية كسيوف الهند، البيت» ، وقرأ باقي السبعة «أنّ لعنة الله» «وأنّ غضب الله» بتشديد النون فيهما ونصب «اللعنة والغضب» ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى.
стр. 1836
قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله «أن غضب» قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [المزمل: ٢٠] وقوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ [طه: ٨٩] وأما قوله تعالى
: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ [النمل: ٨] ف بُورِكَ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و «العذاب المدرأ» في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج.
قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تحد لقول النبي ﵇ لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت «اللعنة» للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل «الغضب» الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم.
قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملا ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعانا بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضا أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضا مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن أن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإن منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة أنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقا،
стр. 1837
ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم وابن أبي صفرة هذا ليس بعيد يزاحم به الجمهور. ومذهب الشافعي أن الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تفريق إلا بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم القاضي ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى لغير المدخول بها نفس الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك ﵀، ومن فقهاء الكوفة وغيرهم من لا يراه متأبدا، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطبا من الخطاب، وإن تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا تعيد، وقال أشهب تعيد، والجواب في قوله وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ الآية محذوف تقديره لكشف الزناة بأيسر من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها إبهام الجواب.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ١١]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)
هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين ﵂ وما اتصل بذلك من أمر «الإفك» ، وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرىء في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها. و «الإفك» الزور والكذب، والأفاك الكذاب، و «الإفك» قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب واختصار حديث «الإفك» أن رسول الله ﷺ خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أربع فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحدا، وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقا فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة رسول الله ﷺ خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل «الإفك» في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، هذا اختصار الحديث وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله ﷺ في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه: سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط.
стр. 1838
قال الفقيه الإمام القاضي: أراد بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله ﷺ في ابنيه «لهما أشبه به من الغراب بالغراب» ، وقيل كان حصورا لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة، وقتل شهيدا ﵁ في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر، وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله عُصْبَةٌ رفع على البدل من الضمير في جاؤُ وخبر إِنَّ في قوله لا تَحْسَبُوهُ والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون عُصْبَةٌ خبر إِنَّ و «العصبة» الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل «الإفك» إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله وجهل الغير قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا عُصْبَةٌ كما قال الله تعالى.
وقوله لا تَحْسَبُوهُ خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يريد أنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة، ففي ذلك شفاء وخير وهذه خمسة أوجه، والضمير في قوله مِنْهُمْ عائد على العصبة المذكورة، واكْتَسَبَ مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله:
فحملت برة واحتملت فجاره، والإشارة بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ إلى عبد الله بن أبي ابن سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة ﵂ أن حسان بن ثابت دخل عليها يوما وقد عمي فأنشدها مدحه فيها: [الطويل]
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لا لكنك لست كذلك تريد أنه وقع في الغوافل فأنشد: [الطويل]
فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان وحمنة ومسطحا حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي وأما ضربه بالسيف فإن صفوان بن المعطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال:
[الطويل]
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر
فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله ﷺ فأهدر رسول الله ﷺ جرح حسان أو استوهبه إياه وهذا يقتضي أن حسان من تولى الكبر، وقال قوم الإشارة ب الَّذِي إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها ف لِكُلِّ واحد مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على هذا غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أبو زيد وغيره هو عبد الله بن أبي، وقرأ
стр. 1839
جمهور الناس «كبره» بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأبو رجاء والأعمش وابن أبي عبلة «كبره» بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سنا أو مكانة، ومنه قول النبي ﷺ في قصة حويصة ومحيصة «الكبر الكبر» ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم: [المنسرح]
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنقصف
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٢ الى ١٣]
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)
الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجبا عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: جاؤُ لأولئك الذين تولوا الكبر وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أن عبد الله بن أبي حد، ويشبه ذلك لأنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة أخبرت أنه كان يقره ويستمعه ويستوشيه.
قال الفقيه الإمام القاضي: ولكن النبي ﵇ استعذر منه على المنبر ووقذه بالقول ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٤ الى ١٨]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)
هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم
стр. 1840
يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ محمد بن السميفع «إذ تلقونه» بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود «إذ تتلقونه» بضم التاء من التلقي بتاءين، وقرأ جمهور السبعة «إذ تلقونه» بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو أيضا من التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «إتلقونه» بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير «إذ تلقونه» بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا «تناجوا ولا تنابزوا» لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الدال، وقرأ ابن يعمر وعائشة ﵂ وهي أعلم الناس بهذا الأمر «إذ تلقونه» بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقا إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرىء «إذ تلقونه» وحكى أهل اللغة أنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير، وحكى الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه قول الشاعر:
«جاءت به عنس من الشام تلق»
وقوله تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مبالغة وإلزام وتأكيد.
والضمير في قوله وَتَحْسَبُونَهُ للحديث والخوض فيه والإذاعة له، وقوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ إلى حَكِيمٌ، عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه ﵇ وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بُهْتانٌ، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه. ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة وأَنْ مفعول من أجله بتقدير «كراهية أن» ونحوه، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ توقيف وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلا وسائر الآية بين وعَلِيمٌ حَكِيمٌ صفتان تقتضيهما الآية.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أبي ومن أشبهه، وهي خاصة في أمر عائشة ﵂ ع فحبهم شياع الْفاحِشَةُ في المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، و «عذابهم الأليم» فِي الدُّنْيا الحدود، وفي الْآخِرَةِ النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية عامة في كل قاذف منافقا كان أو مؤمنا ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع الْفاحِشَةُ في المؤمنين
стр. 1841
جملة لكنه يحبها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى تَشِيعَ الْفاحِشَةُ من مجموع فعلهم فهم لها محبون بهذا الوجه من حيث أحب كل واحد جزءا من شياعها، والعذاب الأليم فِي الدُّنْيا الحدود وفي الْآخِرَةِ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون القاذف متوعدا من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد، حسب مقتضى حديث عبادة بن الصامت ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب حديث عبادة بن الصامت وأن قوله وَالْآخِرَةِ لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري معناه إن مات مصرا غير تائب، وقوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة في ستركم والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم، وقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ الآية جواب لَوْلا محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)
هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، وخُطُواتِ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي فكأن المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر بن سعيد يجوز أن يكون خُطُواتِ جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها خُطُواتِ وقرأ بضم الطاء من «خطوات» الجمهور، وقرأ بسكونها عاصم والأعمش، وقرأ الجمهور «ما زكى» ، بتخفيف الكاف أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشدا، وقرأ أبو حيوة والحسن «زكّى» بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه سَمِيعٌ لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره، عَلِيمٌ بحق ذلك من باطله لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٢٢]
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)
المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة الصديق ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف ومسطح لقب، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر
стр. 1842
الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاءه مسطح فاعتذر وقال إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاظ «ذو فضل وسعة» فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكره الباجي في المنتقى، ومنه قول النبي ﷺ «أيكم المتألي على الله لا يفعل المعروف» ، ويَأْتَلِ معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين، وقالت فرقة معناه يقصر من قولك ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم «ولا يتأل» وهذا وزنه يتفعل من الألية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور فظاهر قوله إن ثم ألفا قبل التاء، و «الفضل والسعة» هنا هي المال، وقوله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي ﵇ «من لا يرحم لا يرحم» فروي أن أبا بكر ﵁ لما نزلت هذه الآية قال إني لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن حسين «ولتعفوا ولتصفحوا» بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي ﷺ ، وقال بعض الناس هذه أرجى آية في كتاب الله من حيث لطف الله فيها بالقذفة العصاة بهذا اللفظ، قال القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلا من الله في الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس أي إذا أمر «أولي السعة» بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما آيات الرجاء قوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] . وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [الشورى: ١٩] . وسمعت أبي ﵁ يقول إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] . وقد قال تعالى في آية أخرى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [الشورى: ٢٢] . فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين في تلك، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] . وذلك أن رسول الله ﷺ لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)
стр. 1843
قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما هي خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج النبي ﵇، غلظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، وقالت جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، وقال بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولا في القاذفين، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في الْمُحْصَناتِ ما معناه، و «اللعنة» في هذه الآية الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم. لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبي وأشباهه وفي ضمن رمي المحصنة رمي الرجل معها وقد يكون مؤمنا، والعامل في قوله يَوْمَ فعل مضمر يقتضيه «العذاب» أي يعذبونه يَوْمَ أو نحو هذا، وأخبر الله تعالى أن جوارحهم تشهد عليهم ذلك من أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب المنافق لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل كلاما يقدرها الله عليه، وقرأ جمهور السبعة «تشهد» بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي «يشهد» بالياء و «الدين» في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر:
[شهل بن شيبان الزماني] [الهزج]
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان، وقرأ جمهور الناس «الحقّ» بالنصب على الصفة للدين، وقرأ مجاهد «الحقّ» بالرفع على الصفة لله وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم» بتقديم الصفة على الموصوف ورويت عن النبي ﷺ ، وقوله يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله بن أبي وغيره وذلك أن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وإلا فليس بمؤمن.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٢٦]
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
اختلف المتأولون في الموصوف في هذه الآية ب «الخبيث والطيب» ، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات «الخبيثات» لا يقولها ويرضاها إلا الْخَبِيثاتُ من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد الموصوف بالخبيث والطيب
стр. 1844
النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣] الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي ﵇ وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي ﵇ طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث.
قال الفقيه الإمام القاضي: وبهذه الآية قيل لأزواج النبي ﷺ الطَّيِّباتُ المبرءات، وقوله أُولئِكَ إشارة إلى «الطيبين» المذكورين.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)
سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة تختص بكل أحد في نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت الذي فيه زوجه أو أمته، وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي للإنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد الاستيناس، وروي في ذلك حديث عن النبي ﵇ أن رجلا قال يا رسول الله استأذن على أمي قال نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال «أتحب أن تراها عريانة» قال لا، قال «فاستأذن عليها وكذلك كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن عاريات» ، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره، وتَسْتَأْنِسُوا معناه تستعملوا أي تستعلموا من في البيت وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى: آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] ، وقوله آنَسْتُ ناراً [القصص: ٢٩] ومنه قول حسان بن ثابت «أنظر خليلي بباب جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد» وقول الحارث أنست نباة البيت، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن المعنى في «تستأنسون» تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنى قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، وذهب الطبري في تَسْتَأْنِسُوا إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بكم.
قال الفقيه الإمام القاضي: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه كان يقرأ «حتى تستأذنوا وتسلموا» وهي قراءة أبي بن كعب وحكاها أبو حاتم «حتى تسلموا وتستأذنوا» قال ابن عباس تَسْتَأْنِسُوا خطأ أو وهم من الكتاب.
стр. 1845
قال الفقيه الإمام القاضي: مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها تَسْتَأْنِسُوا وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان ﵁ فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة ب «يستأذنوا» ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ «تستأذنوا» على التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال تَسْتَأْنِسُوا معناه «تستأذنوا» ، ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن تَسْتَأْنِسُوا متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي ﵇: استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به ﷺ فكيف يخطىء ابن عباس ﵁ أصحاب الرسول في مثل هذا، وحكى الطبري أيضا بسند عن ابن جريج عن ابن عباس وعكرمة والحسن بن أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية الأولى قوله بعد لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور: ٩] ع وهذا أيضا لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت المسكونة والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ثم ينصرف بعد الثلاث، فأما ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلا جاء إلى بيت رسول الله ﷺ فقال آلج أو أنلج فقال رسول الله ﷺ لأمة له يقال لها روضة، «قولي لهذا يقول السلام عليكم ادخل» فسمعه الرجل فقالها فقال له النبي ﵇ «ادخل» . وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوما فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد الاستئذان ثلاثا فلحديث أبي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور، وقال عطاء بن أبي رباح الاستئذان واجب على كل محتلم وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «رسول الرجل إذنه» أي إذا أرسل في أحد فقد أذن له في الدخول وقوله: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ تم الكلام عنده، وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ معناه فعلنا ذلك بكم ونبهناكم لَعَلَّكُمْ والضمير في قوله تَجِدُوا فِيها للبيوت التي هي بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً إن لم يكن لكم فيها متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية الضعف، وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن. إذا كان فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاع: متاع البيت الذي هو البسط والثياب وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور.
قوله :
стр. 1846
[سورة النور (٢٤) : آية ٢٩]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)
روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما هي في الاستئذان خوف الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنيفة وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق المسافرين، قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل وفِيها مَتاعٌ لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء في بيوت غير مسكونة بالخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا أيضا متاع، وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيساريات والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم، ع هذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال محمد بن الحنفية أيضا أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول الضعيف، يرده قوله ﵇ «وهل ترك لنا عقيل منزلا» وقوله «من دخل دار أبي سفيان» «ومن دخل داره» وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره التوعد.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)
قوله قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ بمنزلة قوله إنهم، فقوله يَغُضُّوا جواب الأمر، وقال المازني المعنى قل لهم غضوا يَغُضُّوا. ويلحق هذين من الاعتراض أن الجواب خبر من الله وقد يوجد من لا يغض وينفصل بأن المراد يكونون في حكم من يغض، وقوله مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أن تكون للتبعيض وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض، ويؤيد هذا التأويل ما روي من قوله ﵇ لعلي بن أبي طالب «لا تتبع النظرة فإن الأولى لك وليست لك الثانية» الحديث.
وقال جرير بن عبد الله سألت النبي ﵇ عن نظرة الفجأة فقال «اصرف بصرك» ويصح أن تكون مِنْ لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، و «حفظ الفروج» يحتمل أن يريد في الزنى ويحتمل أن يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم العلماء دخول
стр. 1847
الحمام بغير مئزر وقال أبو العالية كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا هذه الآيتين فإنه يعني التستر.
قال الفقيه الإمام الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص عندي وباقي الآية بين وظاهره التوعد، وقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ الآية أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر إليه، وفي حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي ﵇ «احتجبن» فقلنا: أعمى، فقال النبي ﵇ «أفعمياوان أنتما» ؟
ومِنْ تحتمل ما تقدم في الأولى، و «حفظ الفروج» يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ، وأمر الله تعالى بأن لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، فاختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال سعيد بن جبير الوجه والثياب، وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي ﷺ وذكر آخر عن عائشة عن النبي ﷺ .
قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه فغالب الأمر أن الوجه بما فيه والكفين يكثر فيهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن بالحسنة الوجه أن تستره إلا من ذي حرمة «محرمة» ، ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها أن تبديه ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط ومراعاة فساد الناس فلا يظن أن يباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه والله الموفق للصواب برحمته، وقرأ الجمهور «وليضربن» بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمر في رواية عباس عنه و «ليضربن» بكسر اللام على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر في «ليذهب وليضرب» ، وإنما تسكينها كتسكين عضد وفخذ، وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر قال النقاش كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى ب «الخمار على الجيوب» وهيئة ذلك يستر جميع ما ذكرناه، وقالت عائشة ﵂: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب.
ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك فشقته عليها وقالت إنما يضرب بالكثيف الذي يستر، ومشهور القراءة ضم الجيم من «جيوبهن» ، وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك في بيوت وشيوخ ذكره الزهراوي.
قوله :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ...
стр. 1848
المعنى في هذه الآية ولا يقصدن ترك الإخفاء للزينة الباطنة كالخلخال والأقراط ونحوه ويطرحن مؤونة التحفظ إلا مع من سمي وبدأ تعالى ب «البعولة» وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقوله أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات فكأنه قال أو صنفهن، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وكتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة: «أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال:
أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله:
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة ﵄، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغدا، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وأباحته بأن يكون من التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وفي بعض المصاحف «ملكت أيمانكم» فيدخل فيه عبد الغير، وقوله أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع ليطعموا المفسول من الرجال الذين لا إربة لهم في الوطء فهي شرطان، ويدخل في هذه الصفة المجبوب والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته ونحو هذا هو الغالب في هذه الأصناف، ورب مخنث لا ينبغي أن يكشف، ألا ترى إلى حديث هند، ونهى رسول الله ﷺ عن كشفه على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان بن معتب، وتأمل ما روي في أخبار الدلال المخنث وكذلك الحمقى والمعتوهون فيهم من لا ينبغي أن يكشف، والذي «لا إربة له» من الرجال قليل والْإِرْبَةِ الحاجة إلى الوطء، وعبر عن هذا بعض المفسرين، قال هو الذي يتبعك لا يريد إلا الطعام وما تأكله، وقرأ عاصم وابن عامر «غير» بالنصب وهو على الحال من الذكر الذي في التَّابِعِينَ، وقرأ الباقون «غير» بالخفض على النعت ل التَّابِعِينَ والقول فيها كالقول في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ [الفاتحة: ٧] وقوله أَوِ الطِّفْلِ اسم جنس بمعنى الجمع ويقال طفل ما لم يراهق الحلم، ويَظْهَرُوا معناه يطلعون بالوطء، والجمهور على سكون الواو من «عورات» ، وروي عن ابن عامر فتح الواو، وقال الزجاج الأكثر سكون الواو، كجوزات وبيضات لثقل الحركة على الواو والياء، ومن قرأ بالفتح فعلى الأصل في فعلة وفعلات.
قوله :
وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ...
стр. 1849
أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها، ذكره الزجاج، قال مكي ﵀ ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، وقرأ عبد الله بن مسعود «ليعلم ما سر من زينتهن» ، ثم أمر بالتوبة مطلقة وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص وبالانتهاء في آية أخرى، وتوبة أهل الذمة بالتبيين، يريد لأمر محمد ﵇ وأمر بهذه التوبة مطلقة عامة من كل شيء صغير وكبير، وقرأ الجمهور «أيّه» بفتح الهاء، وقرأ ابن عامر «أيّه» بضم الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي ذلك جدا، وبعضهم يقف «أيه» وبعضهم يقف «أيها» بالألف، وقوى أبو علي الوقف بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على مُحِلِّي [المائدة: ١] من قوله غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة: ١] ، والاختلاف الذي ذكرناه في أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كذلك هو في أَيُّهَا السَّاحِرُ [الزخرف: ٤٩] وأَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: ٣١] قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٣٢]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)
وقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا بولي، والأيم يقال للرجل وللمرأة ومنه قول الشاعر:
«لله در بني على أيم منهم وناكح» ، ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٣] وقوله: وَالصَّالِحِينَ يريد للنكاح، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «من عبيدكم» والجمهور على «عبادكم» والمعنى واحد إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص شخص، ففي نازلة يتصور وجوبه، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في النكاح، ثم وعد الله تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضى الله عنهم واعتصاما من معاصيه، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر ﵁ عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة لأن الله قال يُغْنِهِمُ ولم يقل يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف، وليست هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد به مع التفرق في قوله: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣] ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال موعود بها، وقوله: واسِعٌ عَلِيمٌ صفتان نحو المعنى الذي فيه القول أي واسِعٌ الفضل عَلِيمٌ بمستحق التوسعة والإغناء.
стр. 1850
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
«استعف» وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفا، فأمر الله تعالى في هذه الآية كل من يتعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعف، ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله، فعلى هذا التأويل يعم الأمر بالاستعفاف كل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر، وقالت جماعة من المفسرين «النكاح» في هذه الآية اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس، قال القاضي وحملهم على هذا قوله تعالى: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به، وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف وذلك ضعيف، ثم أمر الله تعالى المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك، وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خَيْراً، قال النقاش سببها أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، وقال مكي هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة، ولفظ الْكِتابَ في الآية مصدر كالقتال والجلاد ونحوه من مصادر فاعل، والمكاتبة مفاعلة من حيث هذا يكتب على نفسه وهذا على نفسه، واختلف الناس هل هذا الأمر بالكتابة على الوجوب أو على الندب على قولين، فمذهب مالك ﵀ أن ذلك على الندب، وقال عطاء ذلك واجب وهو ظاهر قول عمر لأنس بن مالك في سيرين حين سأل سيرين الكتابة فتلكأ أنس فقال عمر كاتبه أو لأضربنك بالدرة، وهو قول عمرو بن دينار والضحاك، واختلف الناس في المراد ب «الخير» ، فقالت فرقة: هو المال ولم تر على سيد عبد أن يكاتب إلا إذا علم أن له مالا يؤدي منه أو من التجر فيه، وروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة ووعدا باسترفاق الناس، فقال كل واحد منهما لعبده أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، وقال مالك إنه ليقال «الخير» القوة والأداء، وقال الحسن بن أبي الحسن «الخير» هو صدق الموعد وقلة الكذب والوفاء وإن لم يكن للعبد مال، وقال عبيدة السلماني «الخير» هو الصلاح في الدين ع وهذا في ضمنه القول الذي قبله، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وحرمة العتق إنما يتلبس بها بعد الأداء هذا قول جمهور الأمة، وقال ابن مسعود إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وقال علي بن أبي طالب العتاقة تجري فيه بأول نجم، وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ، قال المفسرون هو أمر لكل مكاتب أن يضع للعبد من مال كتابته، واستحسن ذلك علي بن أبي طالب أن يكون ذلك ربع الكتابة، قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي ﵇، واستحسن الحسن بن أبي الحسن وابن مسعود ثلثها وقال قتادة عشرها، ورأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوف أن لا يدرك آخرها، ورأى مالك ﵀ وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم، وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته، وهي شبه الصدقة، وهذا قول عبد الله بن عمر، ورأى مالك ﵀ هذا الأمر على الندب ولم ير لقدر الوضعية حدا، ورأى الشافعي وغيره الوضيعة واجبة يحكم بها الحاكم على المكاتب
стр. 1851
وعلى ورثته، وقال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، وقال زيد بن أسلم إنما الخطاب لولاة الأمور بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] .
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى ...
روي أن سبب هذه الآية هو أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت له أمة تسمى مسيكة، وقيل معادة، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، فشكت ذلك إلى النبي ﵇، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً راجع إلى «الفتيات» ، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور ويمكن أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله: إِنْ أَرَدْنَ راجع إلى الْأَيامى [النور: ٣٢] في قوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، وقال بعضهم هذا الشرط في قوله: إِنْ أَرَدْنَ ملغى ونحو هذا مما ضعف والله الموفق للصواب برحمته، وعرض الْحَياةِ الدُّنْيا، في هذه الآية الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها ومعنى باقي الآية بين فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، بهن، وقد يتصور الغفران والرحمة بالمكرهين بعد أن تقع التوبة من ذلك، فالمعنى غَفُورٌ لمن تاب، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير «لهن غفور رحيم» بزيادة «لهن» ، ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه وفيما ذكر لهم من المواعظ، وقرأ جمهور الناس «مبيّنات» بفتح الياء أي بينها الله تعالى وأوضحها، وقرأ الحسن وطلحة وعاصم والأعمش «مبيّنات» بكسر الياء أي بينت الحق وأوضحته.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : آية ٣٥]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)
«النور» في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه
стр. 1852
كلام له نور ومنه الكتاب المنير ومنه قول الشاعر: [الكامل]
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا
والله تعالى ليس كمثله شيء فبين أنه ليس كالأضواء المدركة ولم يبق للآية معنى إلا أنه أراد اللَّهُ ذو نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول الملك نور الأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله لا رب سواه، وقالت فرقة التقدير دين الله نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابن عباس هادي أهل السماوات والأرض والأول أعم للمعاني وأوضح مع التأمل، وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي الله «نوّر» بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء على أنه فعل، وروي أن اليهود لما نزلت هذه الآية جسموا في تأويلها واعترضوا محمدا ﵇ بأن قالوا كيف هو نور الأرض والسماء بيننا وبينه، فنزلت حينئذ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ الآية أي ليس الأمر كما ظننتم وإنما هو نور بأنه قوام كل شيء وخالقه وموجده مَثَلُ نُورِهِ كذا وكذا، واختلف المتأولون في الضمير في نُورِهِ على من يعود، فقال كعب الأحبار وابن جبير هو عائد على محمد ﵇ أي مثل نور محمد، وقال أبي بن كعب وابن جبير والضحاك هو عائد على المؤمنين، وفي قراءة أبي بن كعب «مثل نور المؤمنين» ، وروي أن في قراءته «نور المؤمن» ، وروي أن فيها «مثل نور من آمن به» ، وقال الحسن هو عائد على القرآن والإيمان، قال مكي بن أبي طالب وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله وَالْأَرْضِ.
قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها تقطع المعنى المراد بالآية، وقالت فرقة الضمير في نُورِهِ عائد على اللَّهُ، ثم اختلفت هذه الفرقة في المراد ب «النور» الذي أضيف إلى الله تعالى إضافة خلق إلى خالق كما تقول سماء الله وناقة الله، فقال بعضها هو محمد، وقال بعضها هو المؤمن، وقال بعضها هو الإيمان والقرآن، وهذه الأقوال متجهة مطرد معها المعنى فكأن اليهود لما تأولوا اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى الضوء، قيل لهم ليس كذلك وإنما هو نور فإنه قوام كل شيء وهاديه مثل نوره في محمد أو في القرآن، والإيمان كَمِشْكاةٍ وهي الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه.
وهذه الأقوال الثلاثة تطرد فيها مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل، فعلى قول من قال الممثل به محمد ﵇، وهو قول كعب الحبر، فرسول الله ﷺ ، هو «المشكاة» أو صدره، والْمِصْباحُ هو النبوءة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزُّجاجَةُ قلبه و «الشجرة المباركة» هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين، والآيات التي تضمنها الوحي، وعلى قول من قال الممثل به المؤمن وهذا قول أبي بن كعب، ف «المشكاة» صدره، والْمِصْباحُ الإيمان والعلم، والزُّجاجَةُ قلبه و «الشجرة» القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي فهو
стр. 1853
على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال إن الممثل به القرآن والإيمان فتقدير الكلام مَثَلُ نُورِهِ الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كَمِشْكاةٍ، أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، أي فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيه البشر، و «المشكاة» الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير وسعيد بن عياض وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والْمِصْباحُ فيها أكثر إنارة من غيرها، وقال مجاهد «المشكاة» العمود الذي يكون الْمِصْباحُ على رأسه، وقال أبو موسى «المشكاة» الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة، وقال مجاهد أيضا «المشكاة» الحدائد التي يعلق بها القنديل، والأول أصح هذه الأقوال، وقوله فِي زُجاجَةٍ لأنه جسم شفاف الْمِصْباحُ فيه أنور منه في غير الزجاج، والْمِصْباحُ الفتيل بناره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو الداني الألف من «مشكاة» فكسر الكاف التي قبلها، وقرأ نصر بن عاصم «في زجاجة» بفتح الزاي، و «الزجاجة» كذلك وهي لغة، وقوله: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي في الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال الضحاك «الكوكب الدري» الزهرة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم «دريّ» بضم الدال وشد الياء.
ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله دريء مهموز من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «دريء» بالهمزة وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها تدفع بعضها بعضا أو بمعنى أن بهاءها يدفع خفاءها، وفعيل بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم مريق للعصفور وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي «دريء» على وزن فعيل بكسر الفاء من الدرء وهذه متوجهة، وقرأ قتادة «دريء» بفتح الدال والهمز قال أبو الفتح وهذا عزيز وإنما حفظ منه السّكينة بشد الكاف، وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء ونصر بن عاصم «دري» بفتح الدال دون همزة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى «توقد» بضم التاء أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن «توقّد» بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو أيضا وابن كثير «توقد» بفتح التاء والدال أي المصباح، وقرأ عاصم فيما روى عنه إسماعيل «يوقد» بالياء المرفوعة على معنى يوقد المصباح، قال أبو الفتح وقرأ السلمي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة «يوقّد» بفتح الياء والواو والقاف والمشددة ورفع الدال أصله يتوقد، وقوله مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت شجرة، و «المباركة» المنمأة، و «الزيتون» من أعظم الثمار نماء واطراد أفنان وغضارة ولا سيما بالشام والرمان كذلك والعيان يقضي بذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية «ابن شمس» : [الخفيف]
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو ... «وليت» يقولها المحزون
стр. 1854
بورك الميّت الغريب كما بو ... رك الرمّان والزيتون
وقوله تعالى: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قرأ الجمهور فيهما بالخفض عطفا على زَيْتُونَةٍ، وقرأ الضحاك «لا شرقية ولا غربية» بالرفع، واختلف المتأولون في معناه، فقال ابن عباس فيما حكى عنه الطبري معناه أنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول لا يصح عندي عن ابن عباس لأن الوجود يقتضي أن الشجرة التي تكون بهذه الصفة ينفسد جناها، وقال الحسن ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية، وقال ابن زيد أراد أنها من شجر الشام لأن شجر الشام هي أفضل الشجر وهي «الأرض المباركة» ، وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم المعنى في قوله:
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أنها في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار تستدير عليها أي فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، وقوله: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ مبالغة في صفة صفائه وحسنه وجودته، وقرأ الجمهور «تمسسه» بالتاء من فوق، وقرأ ابن عباس والحسن بالياء من تحت، وقوله: نُورٌ عَلى نُورٍ أي هذه كلها معاون تكامل بها هذا النور الممثل به وفي هذا الموضع تم المثال، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده وذكر تفضله في ضرب الأمثال للعباد ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)
الباء في بُيُوتٍ تضم وتكسر، واختلف في الفاء من قوله فِي فقيل هي متعلقة ب مِصْباحٌ [النور: ٣٥] قال أبو حاتم وقيل متعلقة ب يُسَبِّحُ المتأخر، فعلى هذا التأويل يوقف على عَلِيمٌ [النور: ٣٨] قال الرماني هي متعلقة ب يُوقَدُ [النور: ٣٥] واختلف الناس في البيوت التي أرادها بقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ فقال ابن عباس والحسن ومجاهد هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح، وقال الحسن بن أبي الحسن أراد بيت المقدس وسماه بيوتا من حيث فيه مواضيع يتحيز بعضها عن بعض.
قال الفقيه الإمام القاضي: ويؤثر، أن عادة بني إسرائيل في وقيد بيت المقدس كانت غاية في التهمم به، وكان الزيت منتخبا مختوما على ظروفه قد صنع صنعة وقدس حتى لا يجزى الوقيد بغيره، فكان لهذا ونحوه أضوأ بيوت الأرض، وقال عكرمة أراد بيوت الإيمان على الإطلاق مساجد ومساكن فهي التي يستصبح فيها بالليل للصلاة وقراءة العلم، وقال مجاهد أراد بيوت النبي ﷺ .
قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ يقوي أنها المساجد وقوله: أَذِنَ بمعنى أمر وقضى، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان
стр. 1855
أقوى، وتُرْفَعَ، قيل معناه تبنى وتعلى، قاله مجاهد وغيره فذلك كنحو قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ [البقرة: ١٢٧] وقال رسول الله ﷺ «من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة» ، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره معناه تعظم ويرفع شأنها، وذكر اسْمُهُ تعالى، هو بالصلاة والعبادة قولا وفعلا، وقرأ ابن كثير وعاصم «يسبّح» بفتح الباء المشددة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «يسبّح» بكسر الباء، ف رِجالٌ على القراءة الأولى مرتفع بفعل مضمر يدل عليه يُسَبِّحُ تقديره يسبحه رجال، فهذا عند سيبويه نظير قول الشاعر: «لبيك يزيد ضارع لخصومة» أي يبكيه ضارع، ورِجالٌ على القراءة الثانية مرتفع ب يُسَبِّحُ الظاهر، وروي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ «تسبح» بالتاء من فوق، و «الغدو والآصال» قال الضحاك أراد الصبح والظهر، وقال ابن عباس أراد ركعتي الضحى والعصر وإن ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص، وقرأ أبو مجلز «والإيصال» ، ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم لرضاه لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، وقال كثير من الصحابة نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال هؤلاء الذين أراد الله تعالى بقوله: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وروي ذلك عن ابن مسعود، وَإِقامِ، مصدر من أقام يقيم أصله أقوام نقلت حركة الواو إلى القاف فبقيت ساكنة والألف ساكنة فحذفت للالتقاء، فجاء إِقامِ، بعض النحويين هو مصدر بنفسه قد لا يضاف وقيل لا يجوز أقمته إقاما، وإنما يستعمل مضافا، ذكره الرماني وقال بعضهم من حيث رأوه لا يستعمل إلا مضافا ألحقت به هاء عوضا من المحذوف فجاء إقامة، فهم إذا أضافوه حذفوا العوض لاستغنائهم عنه بأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، والزَّكاةِ هنا عند ابن عباس الطاعة لله، وقال الحسن هي الزكاة المفروضة في المال، و «اليوم المخوف» الذي ذكره تعالى، هو يوم القيامة، واختلف الناس في تقلب الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ كيف هو، فقالت فرقة يرى الناس الحقائق عيانا فتتقلب قلوب الشاكين ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه وكذلك الأبصار وقالت فرقة هو تقلبها على جمر جهنم.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومقصد الآية إنما هو وصف هول يوم القيامة، فأما القول الأول فليس يقتضي هولا وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم في يوم القيامة وإنما هو بعده.
وإنما معنى الآية عندي أن ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه، القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلبة من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلى حذر، ومن نظر في هول إلى النظر في الآخر، والعرب تستعمل هذا المعنى في الحروب ونحوها ومنه قول الشاعر: «بل كان قلبك في جناحي طائر» ومنه قول بشار كان فؤاده كرة تنزى، ومنه قول الآخر: «إذا حلق النجيد وصلصل الحديد» وهذا كثير.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
стр. 1856
اللام في قوله لِيَجْزِيَهُمُ متعلقة بفعل مضمر تقديره فعلوا ذلك ويسروا لذلك ونحو هذا، ويحتمل أن تكون متعلقة ب يُسَبِّحُ [النور: ٣٦] وقوله أَحْسَنَ ما عَمِلُوا فيه حذف مضاف تقديره ثواب أحسن ثم وعدهم بالزيادة من فضله على ما تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبدا في مزيد، ثم ذكر أنه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ويخصه بما يشاء من رحمته دون حساب ولا تعديد، وكل تفضل لله فهو بِغَيْرِ حِسابٍ، وكل جزاء على عمل فهو بحساب، ولما ذكر الله تعالى فيما تقدم من هذه الآية حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة وأعمالهم فمثل لها ولهم تمثيلين: الأول منهما يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير نافعة ولا مجدية، والثاني يقتضي حالها في الدنيا من أنها في الغاية من الضلال والغمة التي مآلها ما ذكر من تناهي الظلمة في قوله أَوْ كَظُلُماتٍ، و «السراب» ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنبسطة وأوهم الناظر إليه على البعد أنه ماء، سمي بذلك لأنه ينسرب كالماء فكذلك أعمال الكافر يظن في دنياه أنه نافعته فإذا كان يوم القيامة لم يجدها شيئا فهي كالسراب الذي يظنه الرائي العطشان ماء فإذا قصده وأتعب نفسه بالوصول إليه لم يجد شيئا، و «القيعة» جمع قاع كجيرة وجار والقاع المنخفض البساط من الأرض ومنه قول النبي ﷺ في مانع زكاة الأنعام «فيبطح لها بقاع قرقر» ، وقيل القيعة مفرد، وهو بمعنى القاع، وقرأ مسلم بن محارب «بقيعات» ، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف «الظمآن» بفتح الميم وطرح حركة الهمزة على الميم وترك الهمزة، وقوله حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يريد شَيْئاً نافعا في العطش، أو يريد شَيْئاً موجودا على العموم ويريد ب جاءَهُ جاء موضعه الذي تخيله فيه ويحتمل أن يعود الضمير في جاءَهُ على «السراب» ، ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدل عليه قوله أَعْمالُهُمْ ويكون تمام المثل في قوله ماءً ويستغني الكلام عن متروك على هذا التأويل، لكن يكون في المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به، وقوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي بالمجازاة، والضمير في عِنْدَهُ عائد على العمل، وباقي الآية بين فيه توعد وسرعة الحساب من حيث هو يعلم لا تكلف فيه وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ عطف على قوله كَسَرابٍ، وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي إنهم من الضلال ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بعض الناس إلى أن في هذا المثال أجزاء تقابل أجزاء من الممثل فقال «الظلمات» الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة، و «البحر اللجي» صدر الكافر وقلبه، و «اللجي» معناه ذو اللجة، وهي معظم الماء وغمره واجتماع ما به أشد لظلمته، و «الموج» هو الضلال والجهالة التي غمرت قلبه والفكر المعوجة، و «السحاب» هو شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان وما رين به على قلبه.
стр. 1857
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل سائغ وإن لا يقدر هذا التقابل سائغ، وقرأ سفيان بن حسين «أو كظلمات» بفتح الواو، وقرأ جمهور السبعة «سحاب» بالرفع والتنوين «ظلمات» بالرفع، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل «سحاب» بالرفع والتنوين «ظلمات» بالخفض على البدل من «ظلمات» الأول، وقرأ ابن أبي بزة عن ابن كثير «سحاب» بغير تنوين على الإضافة على الظلمات، وقوله إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها لفظ يقتضي مبالغة الظلمة، واختلف الناس في هذا اللفظ هل يقتضي أن هذا الرجل المقدر في هذه الأحوال وأخرج يده رأى يده ولم يرها البتة، فقالت فرقة لم يرها جملة وذلك أن «كاد» معناها قارب فكأنه قال إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لم يقارب رؤيتها، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة، وقالت فرقة بل رآها بعد عسر وشدة وكان أن لا يراها ووجه ذلك أن «كاد» إذا صحبها حرف النفي وجب الفعل الذي بعدها وإذا لم يصحبها انتفى الفعل ع وهذا لازم متى كان حرف النفي بعد «كاد» داخلا على الفعل الذي بعدها، تقول: كاد زيد يقوم، فالقيام منفي فإذا قلت كاد زيد أن لا يقوم فالقيام واجب واقع،
وتقول كاد النعام يطير، فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت كاد النعام أن يطير وجب الطيران له، فإذا كان حرف النفي مع «كاد» فالأمر محتمل مرة يوجب الفعل ومرة ينفيه، تقول المفلوج لا يكاد يسكن فهذا كلام صحيح تضمن نفي السكون، وتقول رجل متكلم لا يكاد يسكن، فهذا كلام صحيح يتضمن إيجاب السكون بعد جهد ونادرا ومنه قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] نفي مع كاد تضمن وجوب الذبح، وقوله في هذه الآية لَمْ يَكَدْ يَراها نفي مع كاد يتضمن في أحد التأويلين، نفي الرؤية، ولهذا ونحوه قال سيبويه ﵀ إن أفعال المقاربة لها نحو آخر بمعنى أنها دقيقة التصرف، وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ قالت فرقة يريد في الدنيا، أي من لم يهده الله لم يهتد، وقالت فرقة أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله وينور حاله بالعفو والرحمة فلا رحمة له، والأول أبين وأليق بلفظ الآية، وأيضا فذلك لازم نور الآخرة إنما هو لمن نور قلبه في الدنيا وهدى، وقد قررت الشريعة أن من مر لآخرته على كفره فهو غير مرحوم ولا مغفور له.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)
أَلَمْ تَرَ تنبيه، و «الرؤية» رؤية الفكر، قال سيبويه كأنه قال انتبه الله يسبح له من في السماوات، والتسبيح هنا التعظيم والتنزيه فهو من العقلاء بالنطق وبالصلاة من كل ذي دين، واختلف في تسبيح الطَّيْرُ وغير ذلك مما قد ورد الكتاب بتسبيحه، فالجمهور على أنه تسبيح حقيقي وقال الحسن وغيره هو لفظ تجوز وإنما تسبيحه بظهور الحكمة فيه، فهو لذلك يدعو إلى التسبيح، وقال المفسرون قوله مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عامة لكل شيء من له عقل وسائر الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه ب مَنْ تغليبا لحكم من يعقل، وصَافَّاتٍ معناه مصطفة في الهواء، وقرأ الأعرج «والطير» بنصب الراء، وقرأ الحسن و «الطير صافات» مرفوعتان وقوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال الحسن المعنى
стр. 1858
كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليها، قال مجاهد «الصلاة» للبشر و «التسبيح» لما عداهم، وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين أمر بهما وهدى إليهما فهذه إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج وغيره المعنى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ الله صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ فالضميران للكل، وقرأت فرقة «علم صلاته وتسبيحه» بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله ذكرها أبو حاتم، وقرأ الجمهور «يفعلون» بالياء على معنى المبالغة في وصف قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن «تفعلون» بالتاء من فوق ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود «والله بصير بما تفعلون» .
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
«الرؤية في هذه الآية رؤية عين والتقدير أن أمر الله وقدرته، ويُزْجِي معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل ومدافعته كالسحاب والإبل المزاحف كما قال الفرزدق «على مزاحيف تزجيها مخارير» ، والبضاعة المزجاة التي تحتاج من الشفاعة والتحسين إلى ما هو كسوق الثقيل، ومنه قول حبيب في الشيب، «ونحن نزجيه» ، وسيبويه أبدا يقول في كلامه فأنت تزجيه إلى كذا أي تسوقه ثقيلا متباطئا، وقوله يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي بين مفترق السحاب نفسه لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجا، وهذا كما تقول جلست بين الدور ولو أضيفت «بين» إلى مفرد لم يصح إلا أن تريد آخر، لا تقول جلست بين الدار إلا أن تريد وبين كذا، وورش عن نافع لا يهمز «يولف» وقالون عن نافع والباقون يهمزون «يؤلف» وهو الأصل، و «الركام» الذي يركب بعضه بعضا ويتكاثف، والعرب تقول إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاما بالريح عصر بعضه بعضا فخرج الْوَدْقَ منه ومن ذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: ١٤] ومن ذلك قول حسان بن ثابت: [الكامل]
كلتاهما حلب العصير ... فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل
ويروى للمفصل بكسر الميم وبفتح الصاد، فالمفصل واحد المفاصيل والمفصل اللسان ويروى بالقاف، أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به أي هذه من عصر العنب وهذه من عصر السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبد الله بن الحسن العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان، والْوَدْقَ المطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
стр. 1859
وقرأ جمهور الناس «من خلاله» وهو جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ ابن عباس والضحاك «من خلله» ، وقرأ عاصم والأعرج «وينزّل» على المبالغة والجمهور على التخفيف، وقوله مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قيل تلك حقيقة وقد جعل الله تعالى في السماء جبالا مِنْ بَرَدٍ وقالت فرقة ذلك مجاز وإنما أراد وصف كثرته وهذا كما تقول عند فلان جبال من المال وجبال من العلم أي في الكثرة مثل الجبال، وحكي عن الأخفش تقديره زيادة مِنْ في قوله: مِنْ بَرَدٍ وهو قول ضعيف، ومِنْ في قوله مِنَ السَّماءِ هي لابتداء الغاية، وفي قوله «من الجبال» هي للتبعيض، وفي قوله مِنْ بَرَدٍ هي لبيان الجنس، و «السنا» ، مقصور، الضوء والسناء، ممدود، المجد والارتفاع في المنزلة، وقرأ الجمهور «سنا» بالقصر، وقرأ طلحة بن مصرف «سناء» بالمد والهمز.
وقرأ طلحة أيضا «برقة» بضم الباء وفتح الراء وهي جمع «برقة» بضم الباء وسكون الراء فعلة وهي القدر من البرق كلقمة ولقم وغرفة وغرف، وقرأ الجمهور «يذهب» بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر «يذهب» بضمها من أذهب كأن التقدير يذهب النفوس بالأبصار نحو قوله تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] ويحتمل أن يكون مثل قوله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الحج: ٢٥] فالباء زائدة دالة على فعل يناسبها ثم اقتضت لفظ الآية الإخبار عن تقبله الليل والنهار والإتيان بهذا بعد هذا دون توطئة هو الذي تعجز عنه الفصحاء حتى يقع منهم التخليق في الألفاظ والتوطئة بالكلام وباقي الآية بين.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
هذه آية اعتبار، وقرأ حمزة والكسائي «والله خالق كل» على الإضافة، وقرأ الجمهور «والله خلق كل» ، و «الدابة» كل من يدب من الحيوان أي تحرك منتقلا أمامه قدما، ويدخل فيه الطير إذ قد يدب ومنه قول الشاعر: «دبيب قطا البطحاء في كل منهل» ، ويدخل فيه الحوت وفي الحديث «دابة من البحر مثل الظرب» ، وقوله مِنْ ماءٍ قال النقاش أراد أمنية الذكور، وقال جمهور النظرة أراد أن خلقة كل حيوان أن فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى هذا يتخرج قول النبي ﵇ للشيخ الذي سأل في غزاة بدر ممن أنتما؟ فقال الرسول ﷺ «نحن من ماء ... » الحديث، و «المشي علي البطن» للحيات والحوت ونحوه من الدود وغيره، و «على الرجلين»
стр. 1860
للإنسان والطير إذا مشى، و «الأربع» لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي بن كعب «ومنهم من يمشي على أكثر» فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبته الإجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى لقول بذكر ما يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ عن ذكر ما يمشي على الأكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوام مشيه وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان وفي كلها تتحرك في تصرفه وقوله آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعم كل ما نصب الله تعالى من آية وصنعه للعبرة وكل ما نص في كتابه من آية تنبيه وتذكير وأخبر تعالى أنه أنزل الآيات، ثم قيد الهداية إليها لأنها من قبله لبعض دون بعض، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ الآية نزلت في المنافقين وسببها فيما روي أن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله ﷺ وكان المنافق مبطلا فأبى من ذلك ودعا اليهود إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية فيه، وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال من دعاه خصمه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم، ومُذْعِنِينَ أي مظهرين للانقياد والطاعة وهم إنما فعلوا ذلك حيث أيقنوا بالنجح وأما إذا طلبوا بحق فهم عنه مُعْرِضُونَ ثم وقفهم تعالى على أسباب فعلهم توقيف توبيخ أي ليقروا مما يوبخ به أو مما يمدح به فهو بليغ جدا ومنه قول جرير «ألستم خير من ركب المطايا» البيت، ثم حكم عليهم بأنهم هُمُ الظَّالِمُونَ وقال: أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ من حيث الرسول إنما يحكم بأمر الله وشرعه والميل الحيف.
قوله :
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
وقرأ الجمهور «قول» بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ والحسن وابن أبي إسحاق «قول» بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط كانَ أن يكون اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون إِذا دُعُوا إِلَى حكم اللَّهِ وَرَسُولِهِ سَمِعْنا وَأَطَعْنا فكأن هذه ليست إخبارا عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعه ودينه، وقرأ الجمهور «ليحكم» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس والحسن «ليحكم»
следующие страницы →